التسهيل في إعراب محكم التنزيل
د. عبد الله عبد الجليل المناعمة
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: القرآن الكريم هو أصل العلوم ومنبعها، وعليه مدار الشريعة كلّها، ومنه تتفجر ينابيع المعارف، وتنبثق أسرار البيان؛ فلا سبيل إلى فهم هداياته، ولا الوقوف على دقائق معانيه، إلا بإحكام آلته، واستكمال أدوات النظر فيه. ويُعتبر علم التفسير – بما يشتمل عليه من علوم اللسان، وأصول البيان، وقواعد الفهم – تاجَ هذه العلوم، وذروتها التي لا تُنال إلا ببذل الجهد، وصبرٍ على مدارسة الألفاظ والمعاني.
ولما كان الإعراب مفتاحًا من مفاتيح التفسير، وسبيلاً جليًّا إلى كشف وجوه المعاني، به يُعرف المقصود، وتُدرك الفروق، وتُفهم الدلالات، كان الاشتغال به من أشرف ما يُصرف فيه العمر، إذ تتبين به وجوه الخطاب الإلهي، ويُصان اللسان عن اللحن في كتاب الله، ويُعان القلب على التدبر والتأمل. فما من حركةٍ في كتاب الله إلا ولها أثرها في المعنى، ولا من بناءٍ إلا وهو شاهد على سرٍّ من أسرار البيان.
ومن هنا اعتنى الأئمة قديمًا وحديثًا بإعراب القرآن الكريم، وجعلوه عمدةً في فهمه، وركنًا في علومه، لما له من أثر بالغ في بيان مراد الله تعالى، ورفع الإشكال عن آياته، وجمع شتات المعاني في نسقٍ محكمٍ بديع.
ويأتي هذا العمل في هذا السياق المبارك، والذي قدَّمه واجتهد فيه الدكتور عبد الله المناعمة الأسدودي الفلسطيني، محاولةً جيّدة لخدمة كتاب الله تعالى، وتقريب علم الإعراب لطالبيه، وتيسير سبيله لدارسيه، على وجهٍ يجمع بين الدقة والوضوح، ويراعي حاجة المتعلم، ويقوده إلى فهم النص القرآني فهمًا صحيحًا، قائمًا على أصول العربية وقواعدها، بعيدًا عن التعقيد والإغراب.
وقد جاء هذا العمل في عشر مجلدات كبار، بالإضافة إلى ملحق بفارس الآيات المعربة، بارك الله في هذا الجهد، وغيره من كتب الدكتور الجليلة.
مقدمة المؤلف
الحمد لله الذي جعل الحمد مفتاحاً لذكره، وسبباً للمزيد من فضله، ودليلاً على آلائه وعظيم نعمه، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، النبي الأمي الذي بعثه الله هادياً بكتابه، وأميناً لوحيه، وخاتماً لأنبيائه، وبشيراً لرحمته، ونذيراً لنقمته، وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
فقد جاء في إعراب القرآن الكريم وتعلمه والحث عليه وثواب من قرأ القرآن معرباً كثير من الآثار الدالة على استحبابه، ومن هذه الآثار ما ذكره أبو بكر ابن الأنباري عن النبي ﷺ، وعن أصحابه وتابعيهم رضوان الله عليهم أجمعين من تفضيل إعراب القرآن الكريم، والحض على تعلمه وتعليمه، وذم اللحن وكراهيته، ما وجب به على قراء القرآن الكريم أن يأخذوا أنفسهم بالاجتهاد في تعلمه.
ومن ذلك أيضاً ما حدث به سليمان بن يحيى الضبي، حين قال: حدثنا محمد - يعني ابن سعدان - قال: حدثنا أبو معاوية عن عبد الله بن سعيد المقبري عن أبيه عن جده عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "أعربوا القرآن والتمسوا غريبه". وقد حدث بذلك إبراهيم بن الهيثم حين قال: حدثنا آدم - يعني ابن أبي إياس - قال: حدثنا أبو الطيب المرزوي قال: حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "من قرأ القرآن فلم يُعربه وُكِّل به ملك يكتب له كما أنزل بكل حرف عشر حسنات، فإن أعرب بعضه ولم يُعرب بعضه وُكِّل به ملكان يكتبان له بكل حرف عشرين حسنة، فإن أعربه وُكِّل به أربعة أملاك يكتبون له بكل حرف سبعين حسنة".
وذكر أبو عبيد القاسم بن سلام الهروي (ت 224هـ): حدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن سعد قال: حدثني أبو الأزهر أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه قال: "لأن أعرب آية من القرآن أحب إلي من أن أحفظ آية". وقال الهروي في موضع ثان: حدثنا عباد بن عباد عن واصل مولى أبي عيينة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا إعراب القرآن كما تعلمون حفظه". وذكر أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي (ت 235هـ): حدثنا وكيع عن سفيان عن عقبة الأسدي عن أبي العلاء، وقال سعيد بن منصور الخراساني (ت 227هـ): حدثنا هشيم قال: حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: قال ابن مسعود رحمه الله: "أعربوا القرآن فإنه عربي، وسيكون بعدكم أقوام يثقفونه وليسوا بخياركم".
وقال سعيد بن منصور أيضاً: حدثنا إسماعيل بن عياش عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم قال: حدثنا بعض أشياخنا أن النبي ﷺ قال: "من قرأ القرآن وأعرب بقراءته، فمات على ذلك، كان كالشهيد المتخبط في دمه في سبيل الله عز وجل". وروي عن عبد الله بن مسعود: "جودوا القرآن، وزينوه بأحسن الأصوات، وأعربوه، فإنه عربي، والله يحب أن يُعرب به".
وقد ذكر الإمام مكي بن أبي طالب (ت 437هـ) في كتاب "مشكل إعراب القرآن": "أعظم ما يجب على طالب علوم القرآن، الراغب في تجويد ألفاظه، وفهم معانيه، ومعرفة قراءاته ولغاته، معرفة إعرابه، والوقوف على تصرف حركاته وسواكنه؛ ليكون بذلك سالماً من اللحن فيه، مستعيناً على أحكام اللفظ به، مطلعاً على المعاني التي قد تختلف باختلاف الحركات، متفهماً لما أراد الله به من عباده، إذ بمعرفة حقائق الإعراب تعرف أكثر المعاني، وينجلي الإشكال، فتظهر الفوائد، ويُفهم الخطاب، وتصح معرفة حقيقة المراد".
وإنما يرجع ذلك كله إلى عظم القرآن الكريم وعلو شأنه، فقد ذكر الإمام علي كرم الله وجهه أن القرآن: "معدن الإيمان وبحبوحته، وينابيع العلم وبحوره... جعله الله ريّاً لعطش العلماء، وربيعاً لقلوب الفقهاء... وبرهاناً لمن تكلم، وعلماً لمن وعى، وحديثاً لمن روى، وحكماً لمن قضى".
وقد ذكر الزركشي أموراً يجب على المعرب للقرآن الكريم أن تتوافر عنده، منها: أن يعرف ما يريد إعرابه مفرداً كان أو مركباً قبل الإعراب، وأن يتجنب الأعاريب المحمولة على اللغات الشاذة لأن القرآن نزل بأفصح لغة، وأن يتجنب إطلاق لفظ "الزائد" في كتاب الله إلا بتأويل، وأن يتجنب الأعاريب المخالفة للظاهر والمنافية لنظم الكلام، وأن يتجنب التقديرات البعيدة، وأن ينظر في أصول الكلمات لمعرفة الحروف الأصول من الزوائد.
ويعود اهتمامي بمضمون هذا العمل العزيز على قلبي إلى تدريسي مساق "تدريبات نحوية" لطلبة قسم اللغة العربية وطالباتها في جامعة الأقصى، حيث بدأت الفكرة بإنجاز إعراب "جزء عم"، الذي تم طباعته ونشره، مما جعلني أعقد العزم على الاستمرار في إعراب جميع أجزاء القرآن الكريم ما أطال الله في عمري، وقد تحقق لي ذلك، فالحمد لله الذي أكرمني بإتمام هذا الإعراب الميسر للقرآن الكريم؛ ليكون عوناً لقارئه على فهم معانيه وتدبره.
وقد هدفت من وراء هذا العمل خدمة كتاب الله عز وجل، وقراءته بعيداً عن اللحن والخطأ، والتعرف على إعرابه، وتعليم الطلاب طريقة الإعراب السهلة الميسرة، ورفع حاجز الخوف بين الطالب والإعراب.
أما منهجي في هذا العمل، فقد سعيت فيه إلى عدم الاقتصار على ما ذهب إليه جمهور النحاة من تناول المشكلات دون استيفاء، بل عمدت إلى منهج تفصيلي يشمل إعراب جميع آيات القرآن الكريم كلمة كلمة، مع الابتعاد عن التعقيد والمماحكات، واعتماد المصطلحات النحوية الحديثة الأقرب إلى مناهج التعليم.
وقد جعلت لنفسي ضوابط واعتبارات التزمت بها، منها: الالتزام برواية حفص عن عاصم، وكتابة السورة كاملة، وتحديد الآية والكلمة المعربة مضبوطة بالشكل، واختيار الإعراب الأسهل والأوضح، وذكر الأوجه الأخرى في الحاشية، وبيان العلامات الإعرابية وأسبابها أحياناً، وإعراب المفردات والجمل وأشباه الجمل، وتكرار إعراب الكلمة عند الحاجة، وجعل الدراسة نحوية فقط، مع إعداد فهارس للآيات والموضوعات.
ولا أزعم أن هذا العمل من محض جهدي، بل استعنت بعد الله تعالى بجملة من المصادر والمراجع النحوية القديمة والحديثة، فانتفعت بها ونقلت عنها، ومنها: "إعراب الجمل وأشباه الجمل" لفخر الدين قباوة، و"إعراب القرآن" للنحاس، و"إعراب القرآن الكريم" لمحمود سليمان ياقوت، و"إعراب القرآن وبيانه" لمحيي الدين درويش، و"الإعراب الكامل" لعبد الجواد الطيب، و"الجدول في إعراب القرآن" لمحمود صافي، و"مشكل إعراب القرآن" لمكي بن أبي طالب، و"النحو التطبيقي" لعبده الراجحي، و"النحو المصفى" لمحمد عيد، إضافة إلى بعض المواقع الإلكترونية المتخصصة.
أسأل الله عز وجل أن يكون هذا العمل خالصاً لوجهه الكريم، وأن ينفع به، وأن يجعله ذخراً لي يوم القيامة، فإن كان من توفيق فمن الله، وإن كان من خطأ أو نسيان فمن نفسي والشيطان، والله المستعان.
كما أسأله سبحانه أن يجعله علماً يُنتفع به، امتثالاً لقول النبي ﷺ: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاثة: إلا من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد صالح يدعو له".
وفي الختام، أتقدم بخالص الشكر والتقدير إلى الأخ العزيز الأستاذ عدنان خليل بعلوشة على جهده في مراجعة هذا العمل، كما أتوجه بالتحية إلى الأخ فكري عبد اللطيف صاحب مكتبة آفاق لمساهمته في إنجازه، فجزاهما الله خير الجزاء.
والله ولي التوفيق
د. عبد الله عبد الجليل علي المناعمة
الأحد 29 / شعبان / 1440هـ
الموافق 5 / مايو / 2019م
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق