أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 19 أبريل 2026

رواية المباهلة خلوصي محمد عويضة بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رواية المباهلة
خلوصي محمد عويضة

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: لم يَعُدِ الإسلامُ اليومَ هدفًا لسهامِ خصومِه فحسب، بل أضحى – في بعض تجلّياته المؤلمة – جريحًا بسيوفٍ رُفِعَت من داخل خيمته، يتلقّى الطعنات من حيث يُفترض أن يكون المَأمَن. وكذلك الإنسانُ، ما انفكّ عبر التاريخ يُمعن في افتراسِ أخيه الإنسان، بعد أن تنازعت الأهواء، واضطربت الموازين، وتاهت بوصلةُ الأخلاق في عواصف المصالح.

 ومن هنا تنطلق هذه الرواية لتعرض شهوة البقاء في النفس البشرية، في مقابل حروبٍ عمياء تأكل أبناءها، وتفترس الأرواح والأرض والوطن، حتى أصبح هذا العصر بحقّ عصر الحيرة الكبرى؛ عصرٌ لا يدري فيه القاتل لِمَ قتل، ولا المقتول لِمَ قُتل، وكأنّ الإنسان لم يفهم بعدُ معنى وجوده في حياة الآخر، ولا معنى وجود الآخر في حياته.

إنها روايةٌ ثريَّةٌ بأسئلة الوعي، ومشحونة بإشكالات الحرب والسلم، وقضايا الهدنة والمعاهدة، ومسائل الاستئمان والذمة، كما تنفتح على فصولٍ أخرى يتشابك فيها العقل والمنطق، وبين الشجاعة وترشيد القوة، وتتناثر فيها شظايا فكرٍ تبحث في عمق مفاهيم الأمن والاستقرار، والاقتصاد والسياسة، في عالمٍ يتآكل من داخله، حيث لم تعد القيم تُقاس بما يُقال في الخطب، بل بما يصمد في لحظات الاختبار؛ هناك حيث تتساقط الأقنعة بهدوء، ويظهر الإنسان كما هو لا كما يتمنّى أن يُرى.

 في هذا العالم، يصبح الصدق نادرًا كالماء في صحراء طويلة، وتغدو المواقف الصغيرة هي التي تكشف المعنى الحقيقي للكلمات الكبيرة. وللأسف تتراجع المعايير حين يغلب الضجيج على البصيرة، ويصبح القرب من “النافخين” في الكير أخطر من الأذى المباشر؛ لأن الأثر لا يأتي دفعة واحدة، بل يتسلّل ببطء حتى يغيّر الملامح دون أن يشعر صاحبه.

وفي مشهدٍ يوميٍّ متكرر، تفد أرواحٌ إلى هذه البقعة المظلمة، فيما تغادر أخرى في رحلتها الأبدية، ويبقى السؤال معلّقًا: هل غاية الإنسان أن يرضي ربّه، أم أن يُقدّس أحقاده؟ إذ حين يتحول الحقد إلى عقيدة، ويُستباح الدم باسم الدين، فإن الإنسان يهبط إلى دركٍ لا يُميّز فيه بين بريءٍ ومذنب، ولا بين حقٍّ وباطل.

وتستحضر الرواية نماذج من النصوص التي استُعملت أو أُسيء توظيفها لتبرير العنف، حيث تُقتطع من سياقها لتغذّي الصراع بدل أن تُبنى بها جسور العدل والرحمة. ومن ذلك ما يُنسب إلى بعض الأسفار:
في "مشوع" (6: 21): "وحرّقوا كل ما في المدينة، من رجلٍ وامرأةٍ، ومن طفلٍ وشيخٍ، حتى يبقى السيف!"
وفي "أشعياء" (13: 15): "كلُّ مَن وُجد يُطعن، وتُحطّم أطفالهم أمام عيون نسائهم!"
وفي "سفر الخروج" (34: 11): "أطع ما أوصيك به اليوم... إياك أن تعقد معاهدة صلح!"
وفي "سفر التثنية" (20: 16): "فلا تستبقِ منهم نسمة!"

وفي الأدبيات السياسية المنسوبة إلى "بروتوكولات حكماء صهيون": "سنقوم بإنهاك جميع الأغيار... حتى لا يروا طريقًا للنجاة إلا باللجوء إلى مالنا وسلطتنا!"

كما تُستدعى نصوص من العهد الجديد جرى توظيفها في سياقات صراعية:
في "إنجيل متّى" (10: 34): "لا تظنوا أني جئتُ لألقي سلامًا على الأرض، بل سيفًا!"
وفي "إنجيل لوقا" (12: 51): "بل انقسامًا... جئتُ لأُلقي نارًا على الأرض!"
وفي "إنجيل يوحنا" (6: 56-57): "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيّ!"
وفي "إنجيل لوقا" (19: 27): "أما أعدائي... فاذبحوهم قدّامي!"

وتأتي هذه الاستحضارات في الرواية بوصفها نماذج على كيف يمكن للنص أن يُستعمل كأداةٍ مسمومة للتخريب والقتل، وأن يتحول إلى وقودٍ للصراع بدل أن يكون مصدر هداية.

ويمتد هذا المسلك العدواني في التاريخ، من سياسات الإمبراطور قسطنطين في فرض الدين بالقوة، إلى مشاهد الحروب الصليبية التي أُريقت فيها دماء عشرات الآلاف في القدس، حتى سالت في أزقتها، وصولًا إلى وقائع العصر الحديث التي أعادت إنتاج المأساة بأدواتٍ أشد فتكًا.

وتتجلى هذه المآسي في صورٍ دامية: من قصف ملجأ العامرية في بغداد عام 1991 الذي راح ضحيته نحو 408 مدنيين، إلى مجزرة صبرا وشاتيلا في بيروت عام 1982 التي قُتل فيها 3500 إنسان، إلى مجزرة الحرم الإبراهيمي في الخليل عام 1994 حيث استُشهد 29 مصلّيًا، فضلًا عن حصاد حرب الإبادة بغزة 2023 التي تجاوزت 100 ألف شهيد في سياق الاحتلال والحروب، أحدها مجزرة المعمداني التي تجاوزت 500 شهيد.

* وتتوالى الفصول المأساوية في عالم المسلمين:

في البوسنة والهرسك (1992–1995): مجازر التطهير العرقي، وأبرزها سربرنيتسا (1995) حيث قُتل أكثر من 8000 مسلم. بالإضافة إلى حصار "سراييفو"، والاغتصابات الجماعية ضد "البوشناق" المسلمين.قُتل فيها حوالي 100,000 مسلم في الحرب عمومًا. وشُرّد أكثر من 2 مليون إنسان (نصف سكان البوسنة تقريبًا).

في الشيشان (1994 -1996) مجازر دموية وقتل جماعي في حروب أودت بعشرات الآلاف، وتدمير العاصمة الشيشانية "غزنوي"، وبلغ عدد المسلمين القتلى 000 ,200 مسلم، بالإضافة إلى 000, 300 مُشرّد ومُهجّر.في كشمير: صراع مزمن خلّف أعدادًا كبيرة من الضحايا.

في ميانمار -الواقعة على الساحل الغربي لخليج البنغال: تهجير شعب "الروهينغا" المسلم في العام (2017)؛ حيث تم حرق قُرى بالكامل، وقتل جماعي، واغتصابات موثّقة، أسفرت عن قتل 000, 10 مسلم، وأكثر من 700 ألف نازح.

في كشمير: صراع مزمن بين الحكومة الهندية والأقلية المسلمة (منذ العام 1989)، والذي خلّف أعدادًا كبيرة من الضحايا، بلغت 000, 70 مسلم، ومثل هذا العدد من المفقودين، وارتكبت أبشع المجازر الدموية بالذبح والحرق والقتل.

في سوريا: حرب منذ 2011 تجاوز ضحاياها 500 ألف (نصف مليون إنسان) بالإضافة إلى تهجير ونزوح أكثر من سبعة ملايين، وذلك بالقصف العشوائي، والذبح الجماعي، والاعتقالات الكبيرة.

وفي العراق: أغار الأمريكان عليها بحربٍ أودت بمئات الآلاف منذ 2003، وأدت إلى مقتل أكثر من نصف مليون عراقي، بأيدي الجيش الأمريكي، وما تلاه من سفاحي داعش وأخواتها.

في أفغانستان: حرب طويلة منذ أحداث سبتمبر 2011 حيث خاضت أمريكا حرباً مُدمّرة، أسفرت عن قتل مليون ونصف إنسان، منهم مدنيون وأطفال ونساء.

في اليمن: كارثة إنسانية منذ 2015 بمئات الآلاف من القتلى المباشرين وغير المباشرين، بما يُقدّر بـ 000, 300 إنسان، مع نزوح 4 ملايين نازح.

في السودان: ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، ارتكبت فيه مجازر شنيعة، تطهير عرقي، ونزوح جماعي، خصوصًا في دارفور والخرطوم ومناطق أخرى، حيث قتل في الحرب الدائرة أكثر من نصف مليون إنسان، و7 ملايين نازح.

كل ذلك يجري تحت شعارات كبرى، تُرفع باسم الحق أو التطهير أو الخلاص، بينما هي في كثير من الأحيان إعادة تدوير للعنف، وتكريس لدورات الدم.

وقد اختار المؤلف عنوان "المباهلة" ليكون صرخةً أخلاقية في وجه هذا العبث، كأنه يدعو إلى محاكمةٍ رمزية لكل من يزجّ بالبشرية في أتون الحروب، ويستبيح الدماء طلبًا للهيمنة. ويُفصح عن ذلك حين يتمنى أن تقع المباهلة بين رموز الصراع، من علماء وسياسيين، ليُحتكم إلى الحق، وتنكشف الدعاوى، وتستريح البلاد والعباد من أثقال النزاع.

وفي مقابل هذا السواد، تستحضر الرواية مشاهد مضيئة من التاريخ الإسلامي، حيث تسمو القيم فوق نوازع الانتقام، كما في مواقف الأمان يوم فتح مكة، حين أُمِّن من استحق العقوبة، فكان العدل مقرونًا بالعفو، والقوة مقرونةً بالرحمة، في درسٍ حضاريٍّ نادر.

وتنتهي الرواية إلى رؤية إنسانية عميقة، تعيد تعريف الانتماء، فلا تجعل الأرض حكرًا على فئة، ولا الوطن سجنًا لأيديولوجيا، بل ترى البشرية أسرةً واحدة، تتعدد أفكارها، لكنها لا تنفصل في أصل كرامتها.

وخاتمة القول:
كما بدأ المؤلف، يختم بنداءٍ صريح:
مرحبًا بالنقد… رجاء أن نرتقي جميعًا إلى مستوى شرف النقد، ونبل الخصومة بالرأي، لا فوضى الدم والسلاح.







هناك تعليق واحد: