أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 16 أبريل 2026

أغنية البئر أنس أبو رحمة بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أغنية البئر

أنس أبو رحمة
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: كثيرةٌ هي الكلمات التي تُقال بلا روح، وكثيرةٌ هي العناوين التي تمرّ عابرةً كأنها لم تُكتب، سطورٌ تتزاحم على الورق.. لكنها لا تقول شيئًا، كأنها فراغٌ يرتدي ثوب الكلام. فليس كل ما يُكتب فنًّا، لأن الفنّ الحقيقي يسكب الحياة في الحروف، فتهتز عروقها، وينبض قلبها، حتى تكاد تتجسّد المعاني، وتمتص الأوراق عذوبتها. 

لا ريب أن هناك فرقاً بين تلك الكلمات التي تُولد من قلبٍ حي، وعقلٍ حُر.. وتسقط بثقلها ورشاقتها على الأوراق، يجذبك جمالها، وتعانقك أساليبها، وتبهجك صفحاتها كنجوم الليل المضيئة، بينما الأخرى تُشبه الكلمات في شكلها، لكنها تولد ميّتةً، فارغة من أيّ معنى، كأنها ما خرجت إلا لتُدفن في مهدها، فهذه التي تظل حبيسة الشكل والصورة.

وبداخل كلٍّ منا رواية، هي الوطن الصغير الذي يسكننا، يكبر رغم كل شيء. رواية تشبه الجدران المتعبة، والهواء المشبع بالدخان، وأنينٌ خافت يبعث ما مضى من الذكريات. النوافذ أصبحت ضيّقة، لكنها دافئة، تُطلّ على حياةٍ لا تنطفئ، وأملٍ لا زلتُ أرقبه في النجوم. 

لا أميل إلى ضجيج الكلام، والذي يفضي في نهايته إلى لا شيء، ولا أحب تلك العبارات التي تنتفخ بنفسها وتخلو من مظاهر الحياة. سيما في واقعٍ تتكاثر فيه الأعباء، وتسير فيه الحياة سيراً ثقيلاً، حتى يصبح التعب جزءًا من التفاصيل اليومية، من تعبئة المياه، إلى جلب التكيات، إلى البحث عن عمل، إلى أداء بعض الواجبات هنا وهناك.

ما يشدُّ انتباهي هي تلك الكلمات التي تهرب من معناها، وتختبئ في ساحاتٍ لا تظللها، أعتقد أنه لا يمكن حتى جمعها أو تعليقها على جدارٍ هو في الحقيقة صادق. أصدق من تلك الكلمات، ويحمل في طياته خبراً يمكن أن تشاهده، على أضرحة البيوت المدمرة، وبقايا جدران تشبه أسوار الذكريات، نرى وعودًا تُقال ثم تُنسى، "سنُعمّرها"!؟ وتسيل في ذهني أسئلةً تبقى معلّقة: من سيُعمّرها؟ وكيف؟ ومتى؟ أسئلةٌ تتردّد، ولا تجد جوابًا.

أسمعهم يرفعون شعاراتٍ منمّقة: "العبور الكبير"، و"الفتح العظيم"، و"الإنجازات الوطنية"؛ عناوين براقة تُغري السامع كما تُغري موائد الترف في أفخم المطاعم، حيث يكتمل المشهد زينةً ولمعانًا، وتتناثر التفاصيل في هيئةٍ فاتنة، غير أنّ المذاق غائب، والجوهر مفقود. إنّها صورٌ مُحكمة الصياغة، لكنها خاوية المعنى، خيالٌ يتسكّع في فراغ الوعي، وخطابٌ يكرر نفسه في ضجيجٍ مأمون الاتجاه، تُدفع كلفته من أعمارنا، ويُقتطع ثمنه من مستقبلنا ومستقبل أبنائنا، في غفلةٍ ممن لا يُعنَى بالسؤال عمّا بعد.

ومع ذلك، تتشبث تلك الشعارات بجدرانٍ كأنها تستعيذ بالله منها؛ جدرانٌ تأبى أن تكون مسرحًا لكلماتٍ مصقولة بالزيف، وتضيق ذرعًا بحروفٍ تزيّنت وهي خالية. وليس بخافٍ أن طريق التعافي لا يبدأ من تكرار هذه اللافتات، بل من إعادة الحق إلى أهله، وردّ القرار إلى الشعب الذي صودر صوته دهورًا، وتعاقبت عليه أيادٍ آثمة سلبته إرادته، وأغرقته في دوّامات الحروب والفوضى والمهاترات. لقد صودرت الأحلام، وأُجّلت الآمال في حياةٍ كريمة، لا لشيءٍ إلا لتُخدم بها حسابات ضيقة، وأغراض لا ترى في الإنسان إلا رقمًا في معادلة الخسارة.

ما نخطّه اليوم ليس مجرد كلمات، بل هو صورة لصراعٍ خفيٍّ عميق، يدور بين قدرة الإنسان على التكيّف مع واقعٍ جامد، وانغلاقٍ سياسيٍّ خانق، وضغطٍ عسكريٍّ لا يرحم، وبين خطاباتٍ باهتة لا تنضج، تفتقر إلى الرؤية وتُفرغ المعنى من مضمونه. وفي ظل هذا التناقض، يفرض الواقع منطقه القاسي: إذ يخضع الناس لحكم الأقوى، فإذا كان الأقوى ماضياً في تثبيت بقائه، كان ذلك إيذاناً باستمرار المأساة، وتجدد دورات العنف، وتنامي بذور الحقد والكراهية في نسيج المجتمع.

لسنا في حاجةٍ إلى تماثيل جامدة ولا نُصُبٍ تُعيد تدوير الألم في صورٍ مكرورة، ولا إلى خطابٍ متوهّج الألفاظ يتطاير شرره حتى يغدو نذير خرابٍ يعصف بالبلاد والعباد. إنما حاجتنا الحقيقية إلى قيادةٍ وطنيةٍ راشدة، تُبصر مصالح الأمة بعين الحكمة، وتسعى إلى انتشال شعبها من وهدته، توجّه الطاقات نحو البناء لا الهدم، وتبسط ميزان العدل على الجميع، فلا تميل مع الهوى، ولا تنحاز إلا للحق العام.

نحن بحاجة إلى الوعي أكثر من أيّ وقتٍ مضى.. الوعي بإنسانيتنا، وبحقّنا في الوجود، بعيداً عن إعلام القتل والتخريب، وسرديات سفك الدماء، والقصائد التي تُمجّد الموت، نعم.. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.. ولا مجد ولا خلود لأولئك المتاجرين بدمائنا، ولا لأولئك الذين يريدون هتك أعراضنا خدمةً لمشاريعم اللتجارية، ولا لأولئك الذين أرادوا أن يُجردوا الأطفال من لحومهم..

ستبقى صور المأساة والمذبحة والإبادة حاضرة في ذهن كلّ فلسطيني حُرّ، كان شاهداً على حرب الإبادة، والاستهتار، والتضييع الممنهج للوطن، وللحياة، وللأمل، وللمستقبل.. لدى هذا الشعب معجمٌ كبيرٌ من التضحيات، ومآثر تعجز عنها السرديات الساذجة لأعتى التنظيمات، لقد قدّم هذا الشعب عبر تاريخه النضالي ما عجز ويعجز عنها قادته، مجتمعين ومتفرقين..

الشّعب الذي قدَّمته قياداته لقمة سائغة في أطباق الأمم المتحدة، وتخلّت عنه في الوقت الذي يفترض أن تدافع فيه عنه، أمام أعتى ترسانة عسكرية، وأقوى سلاح، ليرى مصيره في الجزر والسلخ والقتل.. أدّعي أن الانفصام الحزبي، والدعاية الكاذبة، وفوضى السرديات، والتجارة بالدماء لا زالت قائمة في سوقها، والبندقية لا تزال مرصودة للعقل، حيث تفنى الآراء، وتُباد الحلول..

عوداً إلى موضوع آخر، من وحي الذكريات.. على جدار المخيّم، رسمتُ البحر. رسمتُ المراكب وهي تمضي، وصخورًا تحرس الشاطئ، وسماءً تتّسع لما لا يُقال. تركتُ لوحاتٍ بلا عناوين، واحدةٌ فيها قوس قزح، وأخرى خطوطٌ مبعثرة، لكنها – رغم بساطتها – كانت أقرب إلى الحقيقة من كثيرٍ من الكلام... نعم؛ أقرب إلى الحقيقة من كثيرٍ من الكلام..



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق