تاجر البندقية
وليم شكسبير
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: في مدينة البندقية، حيث تتعانق أمواج البحر مع صخب التجارة، تنسج مسرحية تاجر البندقية خيوطها بين الوفاء والطمع، وبين الحب والمخاطرة. هناك يقف أنطونيو، التاجر النبيل، مثالًا للصدق والسخاء، وقد ربطته بصديقه "باستيو" مودةٌ صافية لا تشوبها مصلحة. لكن قلب باستيو تعلّق بالأميرة بورسيا، سيدة الجمال والثراء، التي جعلت من نفسها جائزةً لا تُنال إلا باختبارٍ عجيب: ثلاثة صناديق، أحدها يخفي صورتها، ومن أصابها نال يدها.
وبين بريق الذهب وخداع الفضة، اختار باستيو الرصاص، فكان اختياره مفتاح الفوز؛ إذ أدرك أن الحقيقة لا تُقاس بالمظاهر، بل بما تخفيه النفوس من صدق وبصيرة. غير أن طريق الحب لم يكن مفروشًا باليسر، فقد افتقر "باستيو" إلى المال الذي يليق بمقام الزواج، فلجأ إلى صديقه "أنطونيو"، الذي لم يتردد في نجدته، فاستدان له من المرابي اليهودي شيلوك، ذلك الرجل الذي اختزل القسوة في قلبه، وجعل من المال إلهًا يُعبد.
وبالطبع.. لم يكن القرض عاديًا، بل كان مشروطًا بشرطٍ قاسٍ جداً، وهو: إن عجز "أنطونيو" عن السداد، اقتطع شيلوك رطلاً من لحم صدره عوضاً عن القرض. وسرعان ما انقلبت الأقدار، فنمت أخبارٌ بغرق سفن أنطونيو، وضياع تجارته، وتأخر وصولها كثيراً، وأدرك "أنطونيو" أنه بات عاجزًا عن الوفاء، فسلّم نفسه لقدرٍ مظلم، في مشهدٍ يجسد أقصى معاني التضحية والوفاء للصداقة.
وهنا تتجلى عظمة الحيلة ودهاء العقل، حين تتدخل "بورسيا"، لا بوصفها أميرة، بل في هيئة محامٍ شاب، تدخل المحكمة حيث يجتمع القانون والقدر. فوقفت بثبات، لتدافع عن أنطونيو، لا بالسيف، بل بالكلمة والحجة، حتى قلبت الشرط على صاحبه، إذ ألزمت "شيلوك" اليهودي أن يقتطع اللحم دون أن تسقط قطرة دم واحدة من "أنطونيو"! الأمر الذي يستحيل تحقيقه.
وبالفعل تم لها ما أرادت، وانكسر جبروت "شيلوك" وطمعه وشماتته، وسقط من عليائه، وأُرغم على التنازل عن هذه القضية، ودفع التعويض لابنته "جيسيكا"، التي اختارت طريق الحب مع المسيحي "لورنزو"، مبتعدة عن قسوة أبيها وهيامه في المال. وهكذا تحوّل "شيلوك" من طاغيةٍ متجبر إلى رجلٍ مكسور، تحاصره خسارته من كل جانب.
وتنتهي الحكاية بانفراج الغمة، إذ تصل الأخبار بنجاة سفن أنطونيو، وكأن البحر قد ردّ له ما أخذ، فتجتمع القلوب من جديد: "باستيو وبورسيا"، و "جيسيكا ولورنزو"، ويعود أنطونيو إلى تجارته وحياته.
وفي ثنايا هذه القصة، يبرز قلم ويليام شكسبير وهو يرسم شخصية شيلوك بصورةٍ حادة، جامعًا فيها صفات القسوة والطمع والانتقام، حتى بدت وكأنها مرآةٌ متخيلة لروحٍ جشعة لا تعرف الرحمة، ويعتقد "شكسبير" أن "شيلوك" يُمثل الشعب اليهودي أصدق تمثيل.
كما تتلألأ في النص أبياتٌ شعرية موزونة، خاصة تلك التي كُتبت على الصناديق، والتي حملت حكمًا بليغة، مفادها: أن البريق قد يخدع، وأن النفيس قد يختبئ في أبسط الأشياء، وأن من يطلب الحقيقة عليه أن يزهد في زخرف الظاهر، ليبلغ جوهر المعنى.
وقد أعجبني الشعر الموزون في هذه الرواية، ومنها أن الصندوق الذهبي مكتوب عليه:
من اصطفاني فقدّمًا … تمنّت الناسُ وصلي
أما الصندوق الفضي؛ فمكتوب عليه:
من انتقاني فإني … أهلٌ له وأهلي
أما الصندوق الرصاصي؛ فكُتب عليه:
من ابتغاني فأعزز … بما يُهين لأجلي
فتحوا الصندوق الأول؛ فوجدوا فيه جمجمةً في عينها قرطاسن كُتب فيه:
قـــل كائناً من كُنتَ عن ثقةٍ … ما كُلُّ برَّاقٍ من الذّهب
عطيّةٌ هي الكنز النفيس؛ فلا … بِدعٌ إذا ثبتت على الحقب
لو كان رأيكَ غير مختلطٍ … في حين شعرك غير مُختضب
ما عُدتَ هذا العود في ندم … وبمثل هذا الردّ لم تُجَبِ
أما الصندوق الفضي؛ ففيه رسم وقرطاس فيه:
من راضه ألم الخطوب فإنني … بالنار قد محّصت سبع مرار
من عاش لم يامن على طول المدى …حظاً يُبادره وسوء خيارِ
في الناس مخدوعٌ يُقبّل ظلّه … فينال ظلّ سعادةٍ وفخارِ
وفتىً خليُّ العقل، مثلي بينهم … في مظهر متألقٍ غرار
أنى تكون ما أنتَ إلا مُشبهي …فاحمل حمولك وانجُ من ذي الدّار
أما الصندوق الرصاصي؛ فقد وجد فيه قرطاسا مع صورة "بورسيا"، وكُتب في القرطاس:
يا من يرى باطلاً فمّر به … ولم يَزغ في طلائه نظرُه
يهنئك العقل لم يصل به … مغويه، والسعد راحاً خاطرُه
لئن تكون حظيت بعد جَوى … كما يُصيب الجزاء مُنتظرُه
قبّل مُحيّا العروس مُغتبطاً … فالعمر قد طاب والمنى ثمره
أنت يا من لم يغرّه الظهر عند الانتقاء … قد وفّقت في اختيارك وكُتب لك الهناء
وإذ كان هذا هو طالعك السعيد … فاقنع به، ولا تبحث عن جديد
فإن أسعدك هذا وأرضاك … وحقّق آمالك ومُناك
فالتفت تجسد وراءك حبيبك … اطلب يدها واهاباً إياها قبلتاك
ويُجسّد "شكسبير" في "بورسيا" كل معاني الحب والوفاء والإخلاص والزوجية، حيث تقف أمام زوجها الجديد؛ لترسم ملامح الطاعة والخضوع -بأرقى الحروف، وأعذب الكلمات:
أيُّها الهُمام "باسيو"، ها انا ذا لديك كما أنا، ولولا أمرٌ جدَّدت في نفسي لاجتزأت -أي: اكتفيت- بالنعم التي مُنِحتُها ولم أستزد.. لكنني غدوت متمنية من أجلك لو رجحتُ ستين مرةً على ما أُعادل اليوم، ولو كنت ألف مرة أجمل، وعشرة آلاف مرة أوسع جاهاً، فتكبر حظوتي -أي: قدري -في عينيك! ولو كان لي من الفضائل والمحاسن والأموال والأصحاب عدادٌ لا تنفد، إلا أنني -ولا فخر -غير خالية من شيء يُقدر بقدر، فإنما أمامك فتاة معشر نقيّة غرّة، تعتد من لطف العناية بها كونها لم تزل لدْنة صالحة للتقويم.. ومن سعد طالعها أنها ليست من الجهل بحيث تستعصي..على التعليم. ومن تمام نعمائها أن عقلها طيّعٌ يدعو إلى إلقاء زمامها عن رضىً بين يديك، والإقرار عن خضوعٍ بأنك سيّدها، وأميرها، ومليكها، فأنا وكل مالي قد أصبح لك اليوم، كان قبلاً هذا القصر المشيد قصري، وكنتُ مولاةَ خدمي وحشمي، وكان بيدي قياد نفسي. انا الآن فالدار والتبع والمتبوعة في تصريف بنانك يا وليّ أمري. وهبتُك أولئك جميعاً. وأزيدك هذا الخاتم الذي أوصيك بحفظه، وبان تحرص كل الحرص من إضاعته، أو فقده، أو مفارتقته، فإن ذلك يُنذرني بتحول قلبك عني، ويُخوّلني حقّ الشكاية منك!
كما أن شكسبير يُلخص لنا التركيبة السيئة لليهود في المراوغة والحوار والإقناع، والمتمثلة في شخص "شيلوك"، حيث يقول على لسان "أنطونيو":
تذكر أنك تُحاور اليهوي، وأنه أيسر لك من أقناعه- أن تقف على الشاطئ وتأمر البحر بالجزر في غير أوانه فيزدجر، أو أن تسأل الذئب لماذا يستبكي النعجة التي افترس صغيرها وتركها تثغو وراءه، أو أن تحظر على صنوبر الجيل تحريك أغصانه الوريقة الشابة، أو الجهر بحفيف أعواده حين تصدمه الرياح، او أن تعمل أشقّ ما يرام عمله، من أن تتوصل إلى تليين أقسى شيء في الدنيا وهو قلب اليهودي..وحسبك جهداً، وليصدر عليَّ الحكم وشيكاً، ولتكمل مشيئة اليهودي!
ويبدو أن "شكسبير" كانت لديه مسحةٌ صوفيّة، وإحساس فطري عميق، فتراه وهو يتحدث عن الرحمة، كأبلغ ما تسمع على لسان "برسيا":
جمال الرحمة أن تكون خياراً لا اضطراراً. فهي كماء السماء ينهمر بالخير، ويطهل باليُمن عفواً ممن وهب، وبركةً لمن كسب. فإذا كانت الرحمة عفواً صادراً عن مقدرة، فهنالك بهاء قدرتها وازدهاء جلالها، أما أن تراها إذا تحلى بها الملك القائم، كانت لهامته أزين من التاج، وفي يده أقوى من صولجان الأمر والنهي، وكان عرشها المنصوص في قلبه تمكيناً له من عرشه الذي يستوي عليه؛ لأنها من صفات الله عز وجل، ولا يكون السلطان الدنيوي أقرب شبهاً إلى السلطان العلوي منه؛ إذ يلطفُ العدل بالرحمة، فيا أيها اليهودي، مهما يكن من استنادك في دعواك إلى العدل، فلا تنسَ أن الله لو عامل كلاً منا بمحض العدل، لما بات إنسانٌ على أدنى رجاءٍ بالمغفرة والنجاة. لهذا نستغفر الله كل يوم في أدعيتنا. وكما نستميحه العفو يجب أن نكون من العافين عن الناس. وإنما خاطبتك هذا الخطاب لأنبهك إلى ما في طلبك من التغالي، بل الإغراق في التقاضي؛ فإن لبثت على إصرارك مع هذا فلا يسع المحكمة إلا الامتثال إلى ما يوجبه القانون من عقوبة هذا التاجر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق