أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 14 أبريل 2026

كسورٌ عشرية أحمد دحبور بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

كسورٌ عشرية 

أحمد دحبور

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: السلام -في مجتمعتنا-ليس عادةً فحسب، بل بقايا وطنٍ لم يُصادر بعد؛ سلامٌ تُمهّده ابتسامةٌ خفيفة، وتنسجه كلماتٌ مقتصدة، كأن الحروف فيه تقف على السطر وقفةَ حذر، تخشى أن تُكمل الجملة فتنكشف الحكاية. أمّا الذين لم يلتقوك يومًا، فإنهم لا يمرّون بك مرور العابرين، بل يُحاورونك بعيونٍ ترصد الملامح، ينتظرون ردًّا يشبههم، سلامًا يردّ إليهم شيئًا من إنسانيتهم المُهددة؛ فإن فتحتَ لهم باب الحرف، اتسع المعنى، وإن أوصدته، مضى كلٌّ إلى صمته، كأن الأبواب في هذه البلاد لا تُغلق على البيوت، بل على القلوب.

وهنا تبدأ الحروف دورها في رسم الحياة؛ فليست اللغة عندنا أداةَ وصفٍ فقط، بل سجلّ نجاة، وأرشيف وجع، ودفتر حضورٍ لا يغيب. تتحول الكسور العشرية— التي تبدو في ظاهرها أرقامًا صغيرة—إلى استعاراتٍ كبرى للمعاناة؛ فكل فاصلةٍ فيها ليست إلا وقفةَ تهجير، أو ارتجافةَ مخيم، أو انكسارَ بيتٍ تهدّم على ساكنيه. 

تتراصّ الأرقام فوق مقاماتٍ من عشرةٍ أو مئة أو ألف، كما تتراكم السنوات فوق صدورنا، بينما الفاصلة—تلك العلامة الدقيقة—تصير أبًا، وأمًّا، ونزوحاً، وخيمةً، واجتياحاً، وحربًا، إنها تُجزّئ العمر إلى مقاطع، وتُعيد قسمة الحياة -قسمةً قاسية- لتُخرج منها الباقي حنينًا إلى الماضي، أما الناتج؛ فهي وجعٌ لا ينتهي.

ولم تكن الكسور العشرية أوهامًا أبداً، بل هي نبضُ التفاصيل الصغيرة التي أهملها المؤرخون، واحتفظت بها الذاكرة الشعبية -كما يُحفظ الماء في أعماق البئر. هي الحكايات التي عاشها الأجداد في الظل، ولم تُدوَّن في السجلات، لكنها كبرت في الصدور حتى صارت حقائقَ لا تقبل المحو. 

إنّ قيمة هذه الشذرات والقصائد والمعاني وربنا المنشورات -التي نراها صغيرةً هنا وهناك- تكمن في تراكمها؛ فكما تصنع القطرات نهرًا، فكذلك تصنع التفاصيل وطنًا في الذاكرة، وتُعيد للحرف وظيفته الأولى: أن يكون شاهدًا لا يخون. وفي شعر أحمد دحبور، تتجلى هذه الحقيقة بوضوحٍ؛ إذ تتحول اللغة إلى مرآةٍ؛ تمنح الحرف بُعدًا للحياة التي تُقاوم الفناء؛ فيقول:

"صباح الخير كل صباح.. كل مساء.."
"فهل عجب اذا صبحتكم بالخير حين اشاء؟ "

"وما العجب؟"

"فنور بلادنا أن تظلم الدنيا هو المصباح"

"واهل بلادنا العرب تحيتهم سلام".

"للحياة سلام.. وللعصفور حيث يطير ألف تحية وسلام..

وللاطفال في الدنيا..

 وللفرح من أجله نحيا ..

لنومٍ لوّن الأحلام..

لديك يوقظ الغافي .. ويدفعه الى العمل.. إلى الأمل..

لكل الناس من بيض ومن حمرٍ.. ومن سود ومن صفر ..

سلام يغسل الأيام .. ويرسل عيده الأبوي للأيتام..

سلام للصباح، فكيف يسكن في الصباح ظلام؟ 

لقد قتل الغزاة النور .. 

هم اعتقلوا الهواء؛ فلم يطر من عشه العصفور..

وهم هدموا البيوت فلا بيوت لنا، ولكن حسرة وخيام..

وهم وضعوا أخي وأبي وراء الليل والسحب.. فكيف اعيش ليلاً ما له آخر؟!

ومدرستي بلا ناظر ..

ومقعد صاحبي شاغر..

فهل سيعود أم سيظل خلف السور؟!

وهل سيجيئني في غفوة ومنام؟

وكيف النوم تحت القصف واللهب؟

فباسم اخي وباسم أبي وباسم الناظر الغائب.. سأدعو ذلك الصاحب..

لنرفع فوق مدرستي الفلسطينية الأعلام

ويحيا شعبنا العربي تحيته سلام للحياة سلام..

لا شك أن تكرار هذه التحية .. رمزٌ للإصرار على البقاء، وتثبيتٌ لحقّ الإنسان في أن يبدأ يومه رغم كل عوامل اليأس والإحباط...

وهكذا، غدت الحروف كائناتٍ حيّة، تصرخ معنا، وتبكي معنا، وتكتبنا كما نكتبها؛ فإذا ضاق الواقع، اتسعت اللغة، وإذا خنقنا الصمت، نطقت الحروف بما عجزت عنه الحناجر، فكانت هي الوطن حين يغيب الوطن، وكانت الحياة حين تُهدَّد الحياة..



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق