تكفير أهل القبلتين
أ. د. حاتم شريف العوني
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: إن اليقين بإسلام أهل الشهادتين من المسلمين وأبنائهم كان يجب أن لا يكون محلّ جدلٍ؛ لولا نبتة التكفير المتهافت التي أفسدت الأمة وفرّقت كلمتها واستباحت محرماتها. ويُعنى هذا الكتاب بتأصيل القواعد الكلية التي يُنطلق منها في فهم أحكام الإسلام والإيمان، وبخاصة ما يتصل بباب التكفير وإثبات الإسلام ونقضه. وقد بُني على رؤية منهجية تُحاول ضبط هذا الباب الدقيق بضوابط العلم واليقين، بعيدًا عن الاضطراب في تنزيل الأحكام على الأعيان أو التوسع في إسقاطها بغير بينة.
وينطلق البحث من أصلٍ محوري، وهو أن الإسلام يُثبت للعبد بمجرد النطق بالشهادتين أو ما يقوم مقامهما، وأن هذا الإثبات لا يُرفع إلا بيقينٍ مثله، فلا يُصار إلى نفيه بالظنون أو القرائن، بل يُبنى على الظاهر المتيقن، مع إسناد السرائر إلى الله تعالى. ومن هنا جاءت النصوص الشرعية مؤكدةً على عصمة من أظهر الإسلام، ووجوب معاملته معاملة المسلمين في الحقوق والأحكام.
ثم ينتقل إلى تفصيل نواقض الشهادتين ومناطات التكفير، مبيّنًا أن النواقض منها ما هو صريحٌ قطعيّ الدلالة، ومنها ما قد يكتنفه الاحتمال والشبهة، كما يعرض لجملة من المسائل المشهورة في هذا الباب، كالاستحلال وترك الصلاة والحكم بغير ما أنزل الله وغيرها، مع بيان ضوابط تنزيل حكم الكفر على المعيّن، تحقيقًا للعدل الشرعي، وصيانةً لمقام الدماء والأعراض من التعدي بغير علم.
__________________________________________________
مقدمة المؤلف
الحمد لله الكبير المتعال، والصلاة والسلام على النبي وأزواجه والآل. أما بعد: فهذا مختصر في أحكام تكفير أهل الشهادتين خاصة، وهم المسلمون، وأهل القبلة. حرصت فيه على ضبط هذا الباب، مبينًا قواعده التي يجب أن يُنطلَقَ منها في فهم أحكامه.
وقد جعلته أربعة مباحث، تتضمن عددا من المطالب والمسائل:
المبحث الأول: إثبات حكم الإسلام للمعيّن.
المبحث الثاني: من دخل الإسلام بيقين لم يُخْرَج منه إلا بیقین.
المبحث الثالث: ضابط نقض الشهادتين، ودرجات نقضهما.
وتضمن مطلبين:
المطلب الأول: ناقض الدلالة اللغوية للشهادتين.
أي: مناقضةً تُكذِّب لفظَ الشهادة بها تكذيبا يقينيا. فهو ناقض يسلب الشهادتين.
دلالتها اللغوية الصريحة، ويجعلها بلا معناها.
وفي هذا القسم تكلمت عن:
كفر العناد والاستكبار، وكفر الإعراض، وكفر الشك.
وعن تكفير من يسب الله تعالى أو رسوله ﷺ أو الإسلام.
ومن أهان المصحف، ومن اعتقد ضياع الدين.
ومن اعتقد تحريف القرآن تحريفا لا يُصَحِّحُ التديُّنَ بالإسلام.
والمطلب الثاني: ناقض للشهادتين، لكنه لا يقطع بالنقض، لورود الاحتمال إليه.
وذكرت فيه أدلة الإعذار بالجهل.
المبحث الرابع: مناطات التكفير:
وذكرت فيه مناط التكفير بعدد من المكفِّرات الخاصة، وهي المكفّرات التالية:
- إنكار المعلوم من الدين بالضرورة
(وتناولت فيه حقيقة قتال أبي بكر ظله للمرتدين)
- الاستحلال
- تَرْك الصلاة.
- تكفير الصحابة (رضوان الله عليهم).
- تحريف المصحف.
- اتهام أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق عائشة رضي الله عنها- بما برّأها الله منه.
- الحكم بغير ما أنزل الله.
- الولاء والبراء والإعانة الظاهرة للكفار على المسلمين.
- الشك في كفر الكافر.
- السخرية بأهل العلم والصلاح وبحكم فقهي.
- السحر.
فناقشتُ هذه المكفّرات، وبينتُ مناط التكفير بها، لكي يعرف طالب الحق متى يحق له التكفير بها، ومتى لا يحق له ذلك.
وأسأل الله التوفيق إلى معرفة الحق وإلى بيانه وإلى الاحتجاج له.
وأن يجعلنا ممن عرفه فعمل به ونصره .. إنه ولي ذلك برحمته وجوده تبارك وتعالی.
___________________________________________________
المبحث الأول
إثبات حكم الإسلام للمعين
لا يدخل المكلّف في الإسلام إلا أن يؤمن موقنًا بحقيقة معنى الشهادتين: شهادة أن لا إله إلا الله، وشهادة أن محمدا رسول الله. وهذا مما دلت عليه الأدلة القطعية من: كتاب، وسنة، وإجماع.
ودلت قطعياتُ الكتابِ والسنةِ والإجماعِ أيضًا: أن من نطق بالشهادتين (أو ما يدل عليها: كما في الأبكم، والجاهل بلفظها) [كما في قصة خالد بن الوليد مع بني جَذِيمة، كما سيأتي].
فقد وجب علينا إثبات دخوله في الإسلام بمجرّد النطق بها، وأن نكل سريرته إلى الله تعالى، وأنه وجب علينا معاملته معاملة المسلم في حقوق أخوته الدينية بدءًا بعصمة الدم والمال والعرض، إلى ما دون ذلك من الحقوق.
وقد دل على ذلك أدلة كثيرة، منها:
الدليل الأول:
قال تعالى: ﴿يََأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ في سَبِيلِ اللَهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا نَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تبتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اُللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوَأْ إِن اللهَ كَانَ بِمَا تعـمَلُونَ خَبِيرًا﴾.
وسبب نزول هذه الآية: ما رواه ابن عباس رضي الله عنهما، قال: لَقِيَ ناسٌ من المسلِمِينَ رَجُلًا في غُنَيْمَةٍ له، فقال: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ. فأخَذُّوهُ، فَقَتَلُوهُ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغُنَيْمَةَ، فَنَزَلَتْ ﴿وَلَا نَقُولُوا لِمَنْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ أخرجه البخاري (رقم ٤٥٩١)، ومسلم (رقم ٣٠٢٥).
والآيةُ صريحةٌ بوجوب إعمال ظاهرِ القول فيمن ادّعى الإسلامَ على وجه الإقرار، وبوجوب تَرْكِ الاستدلال على صدق ظاهره بقرائن الأحوال. فإن كان هذا الرجل المقتول قد نطق بما دل على إسلامه (كالسلام)، ولم ينطق بالشهادتين، ومع ذلك أثبت له تعالى له حكم الإسلام، وعاتب الصحابة على قتله وخطأهم، كيف سيكون الأمر لو كان قد نطق بالشهادتين فعلاً؟! انظر تفسير الطبري (٣٥١/٧-٣٥٢).
ولهذا كانت هذه الآية صريحةً في أن الله تعالى قد أمر بإثبات أحكام الإسلام لكل من نطق بالشهادتين، ونهى عن ادّعاء إعمال القرائن في تكذیبه.
قال القرطبي في تفسير الآية: ((والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له: جاز له قتله. فإن قال: لا إله إلا الله، لم يجز قتله؛ لأنه قد اعتصم بعصام الإسلام المانع من دمه وماله وأهله. فإن قتله بعد ذلك، قُتل به. وإنما سقط القتل عن هؤلاء؛ لأجل أنهم كانوا في صدر الإسلام، وتأوّلوا أنه قالها متعوّذًا وخوفا من السلاح، وأن العاصمَ قولُها مطمئنا.
فأخبر النبي ﷺ أنه معصوم بها كيفما قالها، ولذلك قال لأسامة: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا)) -أخرجه مسلم- أي: تنظر: أصادقٌ هو في قوله؟ أم كاذب؟ وذلك لا يمكن، فلم يبق إلا أن يُبِينَ عنه لسانُه. وفي هذا من الفقه بابٌ عظيم: وهو أن الأحكام تُناط بالمظانِّ والظواهر، لا على القطع واطلاعِ السرائر) الجامع لأحكام القرآن (٥١/٧).
وهذا القدر من الآية كافٍ في الدلالة على ما نقصد بيانه، من أن مجرد النطق بالشهادتين عاصمٌ للدم والمال، مُثبِتٌ لصاحبها أحكامَ الإسلام، محرّمٌ على غيره الاعتداءَ عليه بادّعاء عدم ثبوت الإسلام له.
فإذا كنا متعبّدين بغلبة الظن في كثير من الأحكام والأقضية، وكانت القرائنُ قد تفيد غلبةَ الظن والرجحانَ القويَّ، ومع ذلك أُمرنا في موطنٍ بعدم إعمالها، فإن ذلك يدلُّ على أن غلبةَ الظنِّ إنما أُهملت في ذلك الموطن لأنها كانت في مقابلة ما هو أقوى منها، والأقوى من غلبة الظن ومن الرجحان القوي: ليس هو إلا اليقين.
ولم يقع مما يمكن أن يفيد اليقين في هذه القصة ونحوها من الأحوال إلا إظهارُ الإسلام بالشهادتين أو ما يدلّ علیها، فکان ذلك دليلاً على أن مجرّد النطق بالشهادتين يدل على يقينٍ بدخول الناطق بها في الإسلام، يُوجب إلغاءَ التشكيك في دلالتها اليقينية بالظنون الراجحة، فضلا عما دونها من الشك والظن المرجوح.
وقوله -يعني الإمام القرطبي: ((والمسلم إذا لقي الكافر ولا عهد له: جاز له قتله)) يقصد به الكافر المحارب.
فإن قيل: كيف يكون النطق بالشهادتين مفيدًا اليقين، مع احتفافها بقرائن تمنع من إفادته، كمن قالها متعوّذًا؟
والجواب: أمر الله تعالى باعتبارها يقينا، فنكفُّ معها عن كل ظنِّ، ونلغي بوجودها النظرَ إلى كل رجحان. وإذا أمر الله تعالى بأمر وجب الإذعان له، فكيف إذا كان في حق من حقوق الله تعالى التي لا علاقة لحقوق العباد بها، وهي إثبات حكم الإسلام لعبدٍ من عباده سبحانه.
الدليل الثاني:
قال تعالى ﴿إذَا جَاَءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُواْ نَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهمُ وَاللّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَذِبُونَ اتخذُوَأْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةُ فَصَذُّواْ عَن سَبِيلِ اللَّهَّ إنَّهُمْ سَآّءَ مَا كَنُواْ يَعْمَلُونَ﴾.
ووجه الاستدلال بالآية هو ما ذكره الإمام الشافعي في الزنديق، (وهو: من يبطن الكفر ويظهر الإسلام)، حيث قال: ((يُقبل قوله إذا رجع، ولا يُقتل))، واحتجَّ فيهم بـ ﴿إِذَا جَآءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوأْ نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُمُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَذِبُونَ اتَّخَذُواْ أَيْمَنَهُمْ جُنَّةً﴾، فأمره الله سبحانه أن يدع قتلهم، لما يُظهرون من الإسلام.
وكذلك الزنديق إذا أظهر الإسلام، كان في هذا الوقت مسلما. والمسلم غير مبدل، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسامة: ((ألا شققت عن قلبه)».
وأيّده الإمام الدارمي، حيث قال عقبه: ((وأنا أقول كما قال الشافعي: أن تُقبل علانيتهم إذا اتخذوها جُنّة لهم من القتل، وإن أسروا في أنفسهم ما أسروا، فلا يقتلوا، كما أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جُنة، فلم يؤمر بقتلهم)) الردّ على الجهمية للدارمي (٢١٢-٢١٣).
فالمنافقون إنما عصموا دماءهم، واستحقوا إجراء أحكام الإسلام عليهم: بمجرّد ادّعاء الشهادتين علنًا. وهذا مما نقطع به من أحكام الإسلام، ومن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم.
الدليل الثالث:
حديث أُسَامَةَ بن زَيْدٍ رضي الله عنه، قال (بَعَثّنَا رسول الله صلى الله عليه وسلم في سَرِيَّةٍ، فَصَبَّحْنَا الحُرَقَاتِ من جُهَيْنَةَ، فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا، فقال: لَا إِلَهَ إلا الله، فَطَعَنتُه، فَوَقَعَ في نَفْسِي من ذلك، فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم؟ فقال رسول الله: قَّالَ لَا إِلَهَ إلا الله وَقَتَلْتَهُ؟ !! قال: قلت: يا رَسُولَ الله، إنما قَالَهَا خَوْفًا من السِّلاح [وفي رواية: كان متعوّذًا]، قال: أَفَلَا شَقَقْتَ عن قَلْبِهِ !! حتى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا !! فما زَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ، حتى تَمَنَّيْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئذ)).
قال الزين بن المنير: ((قول "لا إله إلا الله" لقبٌ جرى على النطق بالشهادتين شرعاً)). نقله الحافظ ابن حجر مقرّرا ومستدلا في فتح الباري.
وفي حديث جندب بن عبد الله البجلي اُله: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم- بعث بعثاً من المسلمين إلى قوم من المشركين، وأنهم الْتقَوْا، فكان رجلٌ من المشركين إذا شاء أن يَقْصِدَ إلى رجلٍ من المسلمين قَصَدَ له فقتله، وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته، قال: وكنا نحدث أنه أسامة بن زيد، فلما رفع عليه السيف، قال: لا إله إلا الله، فقتله، فجاء البشير إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فسأله، فأخبره، حتى أخبره خبر الرجل كيف صنع، فدعاه فسأله فقال: لم قتلتَه؟! قال: يا رسول الله، أوجع في المسلمين، وقتل فلانا وفلانا، وسمى له نفرًا، وإني حملتُ عليه، فلما رأى السيفَ، قال: لا إله إلا الله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((أقتلته؟ !!)) قال: نعم، قال: ((فكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ !!)) قال: يا رسول الله، استغفر لي! قال: ((وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ !!)) قال: فجعل لا يزيده على أن يقول: «كيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ !!)) أخرجه البخاري (رقم ٤٢٦٩، ٦٨٧٢)، ومسلم (رقم٩٦). كما أخرجه مسلم (رقم ٩٧).
وقد بوّب له أبو عوانة (ت٣١٦هـ) في (مستخرجه) بقوله: (بيان حقن دماء من يقر بالإسلام من الكفار في المحاربة، وإن كان إقراره تقيةً، ودرءِ القود عنه بعد إقراره فيما أصاب في كفره ومحاربته، ولا يُفتَّشُ باطنُه، والدليل على أن المؤمن يخرج من إيمانه إذا قتل المقر بالإسلام). مسند أبي عوانة (٦٥/١).
ويقصد أبو عوانة بخروجه عن الإيمان أنه يخرج من علو درجة الإيمان إلى أدنى درجات الإسلام، كحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن).
وهذا الحديث المتفق على صحته، والمروي من وجوه تفيد القطع بثوته = يدل دلالة قاطعة على وجوب إلغاء القرائن كلها، مهما قويت، في إثبات الإسلام لكل من نطق بالشهادتين؛ إذ لا أوضح من أن نُطْقَ هذا الرجل للشهادتين كان تقيةً ويتعوّذ بها من قتله؛ فليس معقولا أن يكون مشركا، ثم فجأة تتضح له صحة الإسلام، وفجأة يرى دلائل النبوة، وفجأة لا يكون ذلك إلا بعد أن أيقن بالقتل، بعد أن كان قبلها بلحظة يقاتل المسلمين ويقتلهم !!
علم الله! لو كان الدين بالرأي لأقسمنا أنه ما قالها إلا تعوذا، لا تصديقًا ولا معرفة بالحق، كما فعل أسامة ظلُه !! لكن الدين لله تعالى، وهو قد أمرنا بإلغاء كل الدلائل، وإثبات الإسلام لمن نطق بالشهادتین، بمجرّد نطقه !!
الدليل الرابع:
حديث المقداد بن عمرو الكندي رضي الله عنه: أنه قال لِرَسُولِ الله صلى الله عليه وسلم: «أَرَأَيْتَ إن لَقِيتُ رَجُلًا من الْكُفَّارِ، فَاقْتَتَلْنَا، فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا، ثُمَّ لَاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فقال: أَسْلَمْتُ لله، أقتله -يا رَسُولَ الله- بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ فقال: رسول الله: لَا تَقْتُلُهُ. فقال: يا رَسُولَ الله، إنه قَطَعَ إِحْدَى يَدَيَّ، ثُمَّ قال ذلك بَعْدَ ما قَطَعَهَا؟! فقال رسول الله: لَا تَقْتُلُهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فإنه بِمَنْزِلَنِكَ قبل أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قبل أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ التي قال) أخرجه البخاري (رقم ٤٠١٩، ٦٨٦٥)، ومسلم (رقم٩٥).
قال الإمام النووي في شرح صحيح مسلم: ((اختلف في معناه، فأحسن ما قيل فيه وأظهره ما قاله الإمام الشافعي وابن القصار المالكي وغيرهما، أن معناه: فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله إلا الله، كما كنتَ أنت قبل أن تقتله. وإنك بعد قتله غیر معصوم الدم ولا محرم القتل، كما كان هو قبل قوله لا إله إلا الله، قال ابن القصار: يعني لولا عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك)).
وقد بوّبَ له أبو عوانة (ت٣١٦هـ) بقوله: «بيان حقن دماء من يقر بالإسلام من الكفار في المحاربة، وإن كان إقراره تقيةً، ودرء القود عنه بعد إقراره فيما أصاب في كفره ومحاربته، ولا يُفَتِش باطنُه، والدليل على أن المؤمن يخرج من إيمانه إذا قتل المقر بالإسلام» مسند أبي عوانة (٦٥/١).
الدليل الخامس:
حديث عقبة بن مالك، قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سريةً، فأغارت على قوم، فشذَّ من القوم رجل، فأتبعه رجل من السرية شاهرًا سيفه، فقال الشاذ من القوم: إني مسلم، فلم ينظر فيما قال، فضربه، فقتله. قال: فنُمي الحديثُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال فيه قولا شديدا، فبلغ القاتل، قال: فبينا رسول الله يخطب؛ إذ قال القاتل: يا رسول الله، والله ما قال الذي قال إلا تَعوُّذًا من القتل. قال: فأعرض عنه، وعمن قِبَلَه من الناس، وأخذ في خطبته، ثم قال أيضا: يا رسول الله، ما قال الذي قال إلا تعوذا من القتل، فأعرض عنه، وعمن قبله من الناس، وأخذ في خطبته، ثم لم يصبر فقال الثالثة: يا رسول الله، والله ما قال إلا تعوذا من القتل. فأقبل عليه رسول الله، تُعْرَفُ المساءةُ في وجهه، قال له: ((إن الله عز وجل أبى عليَّ لمن قتل مؤمنًا، إن الله أبى عليَّ لمن قتل مؤمنًا، إن الله أبى عليَّ لمن قتل مؤمنا [ثلاثا])»(٢). أخرجه الإمام أحمد (رقم ٢٢٤٩٠)، والتسائي في الكبرى (رقم ٨٥٩٣)، وصححه ابن حبان (٥٩٧٢)، والحاكم (١٨/١-١٩)، وهو كما قالا.
الدليل السادس:
حديث حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (أَحْصُوا لي: كَمْ يَلْفِظُ الإِسْلَامَ؟). قال: فَقُلْنَا: يا رَسُولَ الله، أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ ما بين الستمائة إلى السبعمائة؟! قال: (إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ! لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا). قال: فَابْتُلِيَنَا، حتى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا لَا يُصَلِّي إلا سِرًّا. أخرجه البخاري (رقم ٣٠٦٠)، ومسلم (رقم ١٤٩).
وهذا يدل على أن كل من نطق بكلمة الإسلام كان معدودًا في المسلمین.
الدليل السابع:
حديث عبد الله بن مسعود، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم: يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله؛ إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة). أخرجه البخاري (رقم ٦٨٧٨)، ومسلم (رقم ١٦٧٦).
فبيّنَ أن المسلم هو من شهد الشهادتين، وأنه بها قد عصم دمه.
الدليل الثامن:
حديث أبي ذر الغفاري، قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم -وهو نائم، عليه ثوب أبيض، ثم أتيته فإذا هو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ، فجلست إليه، فقال صلى الله عليه وسلم: (ما من عبد قال: لا إله إلا الله، ثم مات على ذلك؛ إلا دخل الجنة)، قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: (وإن زنى وإن سرق)، قلت: وإن زنى وإن سرق؟! قال: (وإن زنى وإن سرق)، ثلاثا، ثم قال في الرابعة: (على رغم أنف أبي ذر). قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: وإن رغم أنف أبي ذر. أخرجه البخاري (رقم ٥٨٢٧)، ومسلم (رقم ٩٤).
الدليل التاسع:
وفي قصة إتيان النبي صلى الله عليه وسلم لبيت عِتبان بن مالك، قال: (فثاب في البيت رِجَالٌ من أَهْلِ الدَّارِ ذَوُو عَدَدٍ، فَاجْتَمَعُوا، فقال قَائِلٌ منهم: أَيْنَ مَالِكُ بن الدُّخَيْشِنِ أَوِ ابن الدُّخْشُنِ؟ فقال بَعْضُهُمْ: ذلك مُنَافِقٌ لَا يُحِبُّ الله وَرَسُولَهُ، فقال: رسول الله: لَا تَقُلْ ذلك، ألا تَرَاهُ قد قال لَا إِلَهَ إلا الله، يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ الله؟! قال: الله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قال: فَإِنَّا نَرَىْ وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إلى المنافِقِينَ! قال رسول الله: فإن الله قد حَرَّمَ على النَّارِ من قال لَا إِلَهَ إلا الله، يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ الله). وفي رواية أخرى: (أليس يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله؟)، قالوا: إنه يقول ذلك، وما هو في قلبه، فقالل: (لا يشهد أحدٌ أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فيدخل النار، أو تطعمه). أخرجه البخاري (رقم ٤٢٤، ٦٦٧، ٨٣٨، ٨٣٩، ٨٤٠، ١١٨٥، ١١٨٦، ٦٤٢٢، ٦٤٢٣، ٦٩٣٨)، ومسلم (رقم ٣٣، ٢٦٣)، (٤٥٥/١).
وهذا دليل واضحُ على أن الشهادتين عاصمة، وعلى إلغاء الدلائل التي لا تَبلُغُ اليقينَ في إبطال دلالتها على الإسلام.
الدليل العاشر:
حديث ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذا إلى اليمن، فقال: (ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم: تُوخذ من أغنيائهم، وتُرَدُّ على فقرائهم). أخرجه البخاري (رقم ١٣٩٥)، ومسلم (رقم ١٩).
قال ابن حجر: (وفي حديث ابن عباس من الفوائد -غير ما تقدم-: الاقتصارُ في الحكم بإسلام الكافر إذا أقر بالشهادتين) فتح الباري لابن حجر (٣٥٥/١٣).
وذكر الصلوات والزكاة هنا لم يكن من أجل اشتراطها في صحة الدخول في الإسلام، بل لأنها أعظم شعائر الإسلام التي تجب على من دخل في الإسلام. كما قال ابن الصلاح في (صيانة صحيح مسلم) معلقاً على حديث جبريل في ذكر مباني الإسلام: (وحُكُمُ الإسلام في الظاهر يَثْبُتُ بالشهادتين، وإنما أضاف إليهما الصلاة والزكاة والصوم والحج؛ لأنها أظهر شعائر الإسلام وأعظمها). صيانة صحيح مسلم لابن الصلاح (١٣٤)، ونقله معتمدا عليه شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوئ (٣٦١/٧).
الدليل الحادي عشر:
حديث عبد الله بن عمر، قال: بعث النبي صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى بني جَذِيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فجعل خالد يقتل منهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره، حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسيري، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرناه، فرفع النبي يده، فقال: (اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد). أخرجه البخاري (رقم (٧١٨٩،٤٣٣٩).
وبوب له البخاري في موطن: (باب إذا قالوا صبأنا، ولم يحسنوا أسلمنا)، وكذلك فعل النسائي: (إذا قالوا صبأنا، ولم يقولوا أسلمنا).
وفي هذا الحديث أن من ثبت عنه قصد الإسلام في الظاهر، حتى ولو لم يشهد الشهادتين، فلا يجوز قتله، ويعصم دمَه ما أظهره من إرادة إعلان الإسلام، حتى يُتثبّت من قصده. بل ورد في مراسيل السيرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم: أرسل علي بن أبي طالب ليعطي بني جَذيمة ديةَ قتلاهم، مما يعني أنه لار قد أثبت لهم الإسلام بظاهر ذلك القول. انظر: سيرة ابن هشام (٤٣٠/٢)، من مرسل الباقر أبي جعفر محمد بن علي، بإسناد جيد
الدليل الثاني عشر:
حديث أبي هريرة، قال: لما توفي رسول الله، واستُخلف أبو بكر بعده، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر: كيف تقاتل الناس؟! وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه، إلا بحقه، وحسابه على الله)، فقال أبو بكر: والله لأقاتلنّ من فرّق بين الصلاة والزكاة، الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونه إلى رسول الله لقاتلتهم على منعه، فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق. أخرجه البخاري (رقم ١٣٩٩، ٢٩٤٦، ٦٩٢٤، ٦٩٢٥، ٧٢٨٤)، ومسلم (رقم ٢٠، ٢١).
وقوله صلى الله عليه وسلم: (إلا بحقه)، أي: لا يُباح ممن نطق الشهادتين دمٌ أو مال؛ إلا بما أوجبه الدخول في الإسلام من أحكام: من زكاة واجبة ونحوها، أو من قصاص بسبب القتل أو الزنا في إحصان أو في المفارقة للدين. فجعل رسول الله الشهادتين كافية لإثبات الدخول في الإسلام، وجريان أحكام المسلمين على الناطقين بها.
وأن إقامة الحد على (القاتل) و(الزاني المحصن) و(التارك لدينه) هو فرع عن إثبات إسلامهم السابق الثابت بالشهادتين، فالإسلام بنفسه يُثبت إسلام هؤلاء بالنطق بالشهادتين، ولولا ذلك لما حكمنا بردّة المرتدّ مثلاً.
وسيأتي مزيدُ بيانِ عن حقيقة قتال المرتدين في زمن أبي بكر، مما يتعلق بهذا الحديث.
الدليل الثالث عشر:
في قصة فتح خيبر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا علي بن أبي طالب، فأعطاه الراية، وقال: (امش، ولا تلتفت، حتى يفتح الله عليك)، فسار عليٌّ شيئاً، ثم وقف ولم يلتفت، فصرخ: يا رسول الله، على ماذا أقاتل الناس؟ فقال: (قاتلهم حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، فإذا فعلوا ذلك، فقد منعوا منك دماءهم وأموالهم؛ إلا بحقها، وحسابهم على الله). أخرجه مسلم (رقم ٢٤٠٥).
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: (وفيه دليل على قبول الإسلام، سواء كان في حال القتال أم في غيره، وحسابه على الله تعالى. ومعناه: أنا نَكُفُّ عنه في الظاهر، وأما بينه وبين الله تعالى: إن كان صادقا مؤمنا بقلبه، نفعه ذلك في الآخرة، ونجا من النار، كما نفعه في الدنيا، وإلا فلا ينفعه، بل يكون منافقا من أهل النار. وفيه: أنه يُشترط في صحة الإسلام النطق بالشهادتين، فإن كان أخرس أو في معناه كفته الإشارة إليهما).
الدليل الرابع عشر:
حديث أنس بن مالك، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغير إذا طلع الفجر، وكان يستمع الأذان، فإن سمع أذاناً أمسك، وإلا أغار. فسمع رجلا يقول: الله أكبر الله أكبر، قال رسول الله: (على الفطرة)، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن لا إله إلا الله، فقال رسول الله: (خرجتَ من الـنار)، فنظروا، فإذا هو راعي معزى. أخرجه مسلم (رقم ٣٨٢).
قال النووي في شرحه لصحيح مسلم: (فيه: أن النطق بالشهادتین یکون إسلاما).
الدليل الخامس عشر:
النقل المتواتر المفيد للعلم الضروري من أحكام الإسلام:
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهذا مما اتفق عليه أئمة الدين، وعلماء المسلمين، فإنهم مجمعون على ما عُلم بالاضطرار من دين الرسول: أن كل كافر فإنه يُدْعَى إلى الشهادتين، سواء كان مبطلاً، أو مشركًا، أو كتابيًّا، وبذلك يصير الكافر مسلمًا، لا يصير مسلمًا بدون ذلك). درء تعارض العقل والنقل (٧/٨).
وقال ابن رجب (ت٧٩٥ه): (ومن المعلوم بالضرورة أن النبي كان يقبل من كل من جاءه يريد الدخول في الإسلام: الشهادتين فقط، ويعصم دمه بذلك، ويجعله مسلما؛ فقد أنكر على أسامة بن زيد قَتْلَه لمن قال: لا إله إلا الله، لما رفع عليه السيف، واشتد نكيره عليه. ولم يكن صلى الله عليه وسلم يشترط على من جاءه يريد الإسلام أن يلتزم الصلاة والزكاة، بل قد روي أنه قبل من قوم الإسلام، اشترطوا أن لا يزكوا، ففي مسند الإمام أحمد، عن جابر قال: (اشترطت ثقيف على رسول الله أن لا صدقة عليهم ولا جهاد، فقبل رسول الله ذلك، وقال: (سيتصدقون ويجاهدون). أخرجه أبو داود بإسناد جيد (رقم ٣٠٢٥). وفيه أيضاً عن نصر بن عاصم الليثي: (عن رجل منهم أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم، فأسلم على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه) أخرجه الإمام أحمد (رقم ٢٠٢٨٧) بإسناد جيد. وانظر: جامع العلوم والحكم (٢٢٨/١).
وقال ابن المنذر (ت٣١٨ه): (وأجمع أهل العلم: على أن الكافر إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله، وأن كل ما جاء به محمد حق، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام، وهو بالغ صحيح العقل = أنه مسلم). الإجماع لابن المنذر (رقم ٧٢٥)، والأوسط - طبعة دار الفلاح - (٥٢١/١٣)، والإقناع له (٥٨٨/٢).
وتابعه على هذا النقل للإجماع ابنُ القطان الفاسي (ت٦٢٨هـ) في (الإقناع في مسائل الإجماع). الإقناع في مسائل الإجماع لابن القطان الفاسي (٧/١-٨ رقم ٦).
وزيادة ما زاده ابن المنذر وابن القطان الفاسي: إنما جاءتا مراعاةً لخلافٍ فقهي لا علاقة له بمسألتنا، فمسألتنا هي إثبات الدخول في الإسلام بظاهر اللفظ الدال على تحقيق معنى الشهادتين: سواء اكتفينا بظاهر النطق بالشهادتين فقط، أو استلزم عند بعض الفقهاء وفي بعض الأحوال أن لا يُحكَم للكافر الأصلي بالإسلام إلا بالشهادتين وبما يدل على براءته من كفريات دينه الذي كان عليه والتي قد يتأول الشهادتين بما لا يجعلها دالة على البراءة منها. أعني: (وأن كل ما جاء به محمد حق، ويبرأ من كل دين خالف دين الإسلام).
فعلى كلا الحالين والقولين: نكون قد قطعنا بإسلام من كان كافرّا، بمجرّد ظاهر نطقه المحقِّق لمعنى الشهادتين، والذي أقمناه مقـام الحكم المقطوع به، حتى عصمنا به الدم والعرض والمال والحقوق الإسلامية كلها.
والأدلة في ذلك أكثر من أن تُحصى: أن من دخل الإسلام بالشهادتين، فقد ثبت له حكمٌ مُتَيقَّن بأنه مسلم، نُلغي لهذا اليقينِ الحكمي دلالةَ القرائن كلها، مهما قويت، ما دامت لم تبلغ حدّ القطع الذي لا احتمال معه (ولو على ضعف) يرفع ذلك الحكم؛ هذا هو ما قطعت به الأدلةُ القطعيةُ من الكتاب والسنة والإجماع، كما سبق ذكر شيء من أدلته. وهذا الحكم لا علاقة له بقلب المعيّن أو مـا في صدره، فقد يكون قلبه مُضمِرًا النفاق متستِّرًا بالكفر، لكننا لم نؤمر بالتنقيب عن القلوب، ولا يُمكننا ذلك، ولا أُمرنا بملاحظة القـرائن والشواهد التي تدل على عدم صدقه، بل أُمرنا بترك كل ظن أماام يقين حُكم إثبات دخوله في الإسلام بظاهر نطقه بالشهادتين؛ تسـليمًا لأمر الله ورضًا بحكمه، الذي أمرنا بإنزال النطق بالشهادتين منزلة اليقين على غيبها، وإن جهلنا هذا الغيب.
أرأيت المسلمين الذين نحكم بإسلامهم مطلقًا، ونجري علـيهم أحكام المسلمين أحياء وأمواتًا: أولسنا نقطع أنه سيكون منهـم من هو منافق كافر، لا نعلمهم .. الله يعلمهم؟! ومع ذلك لم يمنعنا ذلك من القطع لهم بحسب ظاهرهم بالإسلام، ووجب أن نصلي عليهم، وأن نجعلهم داخلين في جملة من نعتقد فيهم عدم الخلود في النار.
أرأيتَ غيرَ مُعْلِنِ الإسلامَ: ألم نؤمر بإجراء حكم الكافر عليه حيًّا وميتا واعتقادًا: أنه من جملة المخلَّدين في النار؟! مع أنه قد يكون مبطنا إسلامًا متقبَّلا (لإكراهٍ مثلا)، وقد يكون ممن لم تَقُمْ عليه الحجةُ الرسالية، فحكمه إلى الله تعالى كحكم أهل الفترة، وأنهما بذلك قد يكونان من الناجين ومن أهل الجنة، رغم صحة اعتقادنا فيهم حُكمًا؛ لأننا مأمورون بالاحتكام إلى الظاهر.
وهذا كله في دخول الكافر الأصلي في الإسلام، وتَيقُنِ ثُبُوتِ حُكمِه له، وأنه تكفي فيه الشهادتان؛ فكيف بالمسلم الأصلي (المولود لأبوين مسلمين أو لأب مسلم)، والذي ربما كان من أهل الصلاة والزكاة والصيام والحج والذّكرِ: بتسبيحٍ وتهليلٍ وتكبيرٍ وحمدٍ واستغفار، بل ربما كان معلنًا حبَّ الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولا يتأخر عن إظهار حميته للإسلام قولا وعملا.
إلى أي حدِّ سيكون يقينُ الحكم بالإسلام لمثل هذا الشخص؟! أو لمن هو دونه: ممن ضم إلى الشهادتين ولو شيئًا يسيرًا من معالم الإيمان لأخرى، وهو مسلم أصلي (كما سبق)؟!
إن اليقين بإسلام أهل الشهادتين من المسلمين وأبنائهم كان يجب أن لا يكون محلّ جدلٍ؛ لولا نبتة التكفير المتهافت التي أفسدت الأمة وفرّقت كلمتها واستباحت محرماتها.
_________________________________________________
المبحث الثاني
من دخل الإسلام بيقين لم يُخْرَج منه إلا بيقين
فلليقينية الحُكْمِيّة التي ألزمنا الشرعُ بها لناطق الشهادتين، وهي أنه مسلم (كما سبق)، كانت مخالفتها بالظنون مخالفةً مستنكرة غير معتبرة، ولا يصح فيها سواغ الاختلاف؛ لأن مخالفة اليقين غير معتبرة. ولا يُهولنّك كثرة الاختلاف في التكفير، فهو مما قد تقادمت شكوى العلماء منه، وليس وقوعه مما يمنع إنكاره، وتخطيئه؛ إذكل تكفير وقع فيه اختلاف: فهو بين تكفيرٍ بحق: لا يسوغ خلافه، أو تكفيرٍ بباطل: فهو اجتهادٌ لا يسوغ، ويجب إنکارە.
قال الإمام الغزالي (ت٥٠٥ه) تحت باب بعنوان (بيان ما يجب تكفيره من الفِرَق): (اعلمْ: أن للفِرق في هذا مبالغاتٍ وتعصّباتٍ، فربما انتهى بعضُ الطوائف إلى تكفير كل فرقة، سوى الفرقة التي يعتزي إليها ... (إلى أن قال): فإن أكثر الخائضين في هذا إنما يُحَرِّكُهم التعصُّبُ واتّباعُ الهوى، دون التصلُّبِ للدِّين). الاقتصاد في الاعتقاد (٣٠٢-٣٠٣).
وقال كذلك في كتابه (فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة): (كل فرقة تكفّر مخالفتها، وتنسبها إلى تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم - فالحنيلي يكفّر الأشعري: زاعما أنه كذّب الرسول صلى الله عليه وسلم في إثبات الفوق لله تعالى، وفي الاستواء على العرش.
- والأشعري يكفّره: زاعما أنه مشبَّه، وكذَّب الرسول صلى الله عليه وسلم في أنه ليس كمثله شيء. - والأشعري يكفّر المعتزلي: زاعما أنه كذّب الرسول في جواز رؤية الله تعالى. - والمعتزلي يكفّر الأشعري: زاعما أن إثبات الصفات تكثيرٌ للقدماء، وتكذيبٌ للرسول صلى الله عليه وسلم في التوحيد). فيصل التفرقة -تحقيق محمود بيجو - (٢٧).
فإن قال الإمام الغزالي هذا -وهو في القرن الخامس الهجري، ورأى أن أكثر كلام الخائضين في التكفير إلى ذلك الزمن (إنما يُحَرِّكُهم التعصُّبُ واتّباعُ الهوى، دون التصلُّبِ للدَّين)، وتلك كانت قرونًا حوت أعلم العلماء، وكان كلام أهل الجهالات فيها أقل بكثير من كلام أهلها بعدها، بأضعافٍ مضاعفة فماذا نقول؟! - وقد تضاعفت أعداد الخائضين بتعصّبٍ واتباعٍ للهوى خلال تسعة قرون تَلَت الإمام الغزالي !!-.
وقال الكمال ابن الهمام الحنفي (ت٨٦١هـ) بعد ردّه على من كفّر الخوارج وحكاية إجماع الفقهاء على عدم كفرهم: (يقع في كلام أهل المذهب تكفيرٌ كثيرٌ، ولكن ليس من كلام الفقهاء الذين هم المجتهدون، بل من غيرهم، ولا عبرة بغير الفقهاء)). فتح القدير للعاجز الفقير للكمال ابن الهمام (٣٣٤/٥).
وفي العصر الحديث يقول العلامة جمال الدين القاسمي (ت ١٣٣٢هـ) في (محاسن التأويل): (وقد كان من جملة البلاء في القرون الوسطى التسرُّعُ من الفقهاء بالتكفير والزندقة. وكم أريقت دماء في سبيل التعصب لذلك، كما يمر كثير منه بقارئ التاريخ). (٥١٣/٨).
ولذلك جاءت النصوص تقطع بأن تكفير المسلم بغير حق كبيرةٌ من الكبائر، وما كان من ظنون الاجتهاد معصيةٌ من الصغائر فهو اجتهادٌ غير سائغ، فالمعاصي (ولو كانت صغيرة) ليست مما وفي إثبات العلم والقدرة والصفات له تعالى يسوغ عملها، فكيف إذا كان اجتهادُ المجتهد من كبائر الذنوب التي توعّد الشرعُ عليها، كالتكفير بالظن؟! فانظروا إلى ما في النصوص التالية من التغليظ على التكفير بغير حق:
ألم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر، وفي حديث أبي هريرة - كليهما عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما). حديث ابن عمر أخرجه الإمام مالك في الموطأ (٩٨٤/٢)، والبخاري (رقم ٦١٠٤)، ومسلم (رقم٦٠). وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري (رقم ٦١٠٣).
وهذا ترهيب شديد من التكفير بغير حق، وتغليظ عظيم على فاعله.
ألم يقل -صلى الله عليه وسلم- في حديث ثابت بن الضحاك: (من لَعَنَ مؤمنًا فهو كقتله، ومن قَذَفَ مؤمنًا بِكُفْر فهو كقتله).أخرجه البخاري (رقم ٦٠٤٧، ٦١٠٥، ٦٦٥٢)، ومسلم بلفظ ليس فيه موطن الشاهد (رقم ١١٠).
وما كان كالقتل لا تكون مخالفةُ الصواب فيه إلا من أشد المنكرات، وإن عذرنا المتأول من أهل الاجتهاد (دون من لا يستحق الإعذار من جهلة المتسوِّرين على منزلة الاجتهاد)، بعد أن نُسقط مقالته وننكر اجتهاده! فإسقاط المقالة وإنكارها لا يلزم منه إسقاط القائل، كما هو معلوم في الكلام عن زلات أهل العلم.
ألم يقل صلى الله عليه وسلم- في حديث حذيفة بن اليمان: (إن أخوفَ ما أخاف عليكم رجلٌ قرأ القرآن، حتى إذا رُئِيتْ بهجتُه عليه، وكان رِدْءًا للإسلام، انسلخ منه، ونبذه وراء ظهره، وسعى على جاره بالسيف، ورماه بالشرك)، قال حذيفة: قلت: يا نبي الله، أيهما أولى بالشرك: الرامي، أو المرمي؟ قال رَثالر: (بل الرامي). أخرجه البخاري في التاريخ الكبير (٣٠١/٤)، والبزار في مسنده محسنا إسناده (رقم ٢٧٩٣)، والطحاوي في شرح مشكل الآثار (رقم ٣٦٥)، وابن حبان في صحيحه (رقم ٨١). وهو صحيح، وقد توسعت في الكلام عنه في كتابي المرسل الخفي (٩٤٧/٢-٩٧٤).
وهذا يُبيِّنُ أن التكفير بغير حق انسلاخٌ من قطعيٍّ في القرآن ونبذٌ ليقينيّ فيه، لأنه قولّ بدأ بمعارضة يقينِ حُكُمِ القرآن والسنة بغير يقين، بل بظنونٍ أمرَ الله تعالى ورسولُه بعدم إعمالها في يقينِ حُكُمِ الكتاب والسنة؛ ولأنه سيتبع الحكمَ بالتكفير استباحةُ دماءٍ وأعراض معصومةٍ قطعًا (استباحةَ حكم فقط، مع إرجاء العمل، أو استباحةَ حكم وعملٍ معًا، وأحدهما يستتبع الآخر عاجلا أو آجلا).
ألم يقل صلى الله عليه وسلم -في حديث أبي ذر الغفاري: (لا يرمي رجلٌ رجلا بالفسوق، ولا يرميه بالكفر، إلا ارتدَّت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك)، وفي لفظ آخر: (ومن دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدوَّ الله، وليس كذلك؛ إلا حار عليه). أخرجه البخاري (رقم ٣٥٠٨، ٦٠٤٥)، ومسلم (رقم ٦١).
وكيف لا يكون التكفير بغير حق قولا ساقطا غير معتبر، وهو يخالف اليقين؟! حيث إنه لا يكون تكفيرا بغير حق إلا وهو مخالفٌ ليقين الحكم بالإسلام، وما خالف اليقين استحقَّ الإنكار يقيناً.
وكيف لا يكون التكفير بغير حق من الخلاف غير المعتبر؟! وهو سوف يسلب المسلمَ عصمةَ الدم والمال والعرض، فهل تقرير ما يستبيح هذه المحرماتِ القطعيةَ من الممكن أن لا يكون الغلط القطعي فيه غلطًا غيرَ سائغٍ ولا معتبر؟!
والقول بسواغ الاختلاف في مسائل التكفير لا يستوي إلا مع اعتقاد صحة الاعتماد في تقرير مسائل التكفير على الظنون، وفوق ما في هذا الاعتقاد من مخالفةٍ للأدلة السابقة التي تجعل إخراج المسلم من الإسلام لا يصح إلا بيقين، لا بظن، وفوق ما فيه من تهوين ما عظّم منه الشرعُ وغَلَّظ فيه = فهو قولٌ لا يعتمد على دليل يقاوم الأدلة السابقة، فلا عنده نص يدل على أن التكفير يسوغ الاختلافُ فيه، ولا دل النظر العقليُّ على سواغه. وكل الذي وقع ويجعله مدّعي سواغَ الاختلاف في التكفير دليلا على التسويغ: هو كثرة الاختلاف في التكفير بين العلماء، مما جعله يستعظم القول بعدم سواغ الاختلاف فيه. مع أن واقع اختلاف العلماء في التكفير يثبت أنهم (مع اختلافهم) كانوا لا يُسوِّغون لمخالفیهم خلافهم! فمثلا في مسألة التكفير بترك الصلاة تهاونا (لا جحودا)، وهي من أشهر مسائل التكفير الخلافية: نجد عند المكفّرين من التشنيع على قول الجمهور ما يقطع أنهم لا يسوّغون خلافهم، حتى وصفوه بأنه من أقوال المرجئة، بل يحتجون على قولهم بالتكفير يدعوى إجماع الصحابة عليه، أخذًا من قول عبد الله بن شقيق: (كان أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم لا يرون شيئا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة). وخلاف الإجماع لا يسوغ، فيكونون قد حكموا بعدم سواغ خلاف من خالفهم بذلك!
وهذا ظاهر في كثير من مسائل التكفير، حتى توسع بعضهم في الإنكار على المخالف لهم في التكفير، إنكارًا بلغ حد تكفيره: فكفّروا من شكّ في كُفْر من كفّروه هم!
وأذكّر بـ (التبديع)، وأنه ليس من مسائل الظنون؛ لأن لفظ التبديع يتضمّن إنكارًا على المخالِف، وقد أجمعت الأمة على عدم جواز الإنكار في مسائل الاجتهاد. وقد تكلمتُ عن ذلك في كتابي (اختلاف المفتين)، ثم طُبع كتابٌ للدكتور محمد حسين الجيزاني بعنوان (حكم التبديع في مسائل الاجتهاد) يقرر فيه هذا الأمر. فإن كان التبديع ليس من مسائل ظنون الاجتهاد، وليس من مسائل الاختلاف المعتبر، لما تضمنه من إنكارٍ وتشنيع، فكيف بالتكفير وهو أشد إنكارًا وأعظم تشنيعًا؟!
تخيّلوا عالمًا كفّرَ مسلما بتقرير ظني لا يقاوم يقين الحكم بإسلامه، وهذا خاصة هو ما لا يسوغ في تقريرنا هذا، فإذا قيل له: لقد أبحتَ دم هذا المكفَّر، ومنعته من كل حقِّ من حقوق الإسلام، ففسختَ نكاحه، ومنعته من تربية أبنائه، وحَرّمت توارثه، ومنعتَ من الصلاة عليه ومن دفنه في مقاير المسلمين ومن الدعاء له بالرحمة والاستغفار!
فيقول لك: لا تنكر عليَّ؛ فأنا بين الأجر والأجرين، وخلافي معك خلاف معتبر !!
هل يمكن أن يكون هذا مما يسوغ !!
والعكس صحيح: في الحكم بإسلام الكافر يقينًا
وهذا الاستدلال هو استدلال بهذا الغلط أنه قد ساوئ بين حكمين متباينين:
- الحكم على المعيّن بالكفر ببينةٍ ظنية لكن بتقرير يقطع بالکفر .
- والحكم على المعيّن بالكفر بتقريرٍ ظني.
فالأول لا إشكال فيه؛ لأن البينة الظنية (كشهادة الشهادتين) وهي طريقٌ مقطوع به للإثبات في الشريعة، لذلك صحّ الاعتمادُ عليه، بخلاف التقرير الظني الذي لم تُجزْهُ الشريعةُ في إثبات حكم يعارض حكمَها المتيقَّن، وهو الحكمُ المتيقَّن بإسلام المعيَّنِ المستفادُ من نُطقِه بالشهادتين، الذي لا يُجيزُ يقينُه أن يُنقضَ بظنٌ. انظر مزيد شرح لذلك في مقالي الذي بعنوان (دعوى التكفير بالظن عند الإمام الغزالي) في موقعي الشخصي: http://dr-alawni.com/articles.phap?show=176
ولذلك حكى عددٌ من الأئمة أن التكفير لا يكون إلا بقاطع، واشتهرت عبارة كررها الكثير من أهل العلم بلفظها أو بمعناها، وهي قولهم: (من دخل الإسلام بيقين: لم يُخْرَج منه إلا بيقين).
أما إثبات التهمة بالشهود المعتبرين شرعا طريقٌ متيفّن شرعا؛ فالشرع أوجب علينا الإثبات بشهادتهم إيجابا متيقّنا، وإن كانت صحة شهادة الشهود في نفسها قد تكون ظنية، فاحتمال الكذب لا يستحيل على شهادة الشاهدين المعتبرين شرعا. كما نقول في خبر الآحاد: الاحتجاج به إجماعٌ متيفّن، لكن درجة ثبوت بعض أفراده قد تكون هي الظنية. فأصل الاحتجاج يقيني، بغض النظر عن درجة ثبوت بعض أفراده.
ولذلك لما ذكر الإمام أحمد قوله تعالى ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبكَ هُمُ الْكَفِرُونَ﴾، قيل له: (ما هذا الكفر؟ فقال: كفر لا ينقل عن الملة، مثل الإيمان بعضه دون بعض، فكذلك الكفر، حتى يجيء من ذلك أمرٌ لا يُخْتَلَف فيه) أحكام النساء للخلال (٩٢-٩٣ رقم ٨٤)، وتعظيم قدر الصلاة لمحمد بن نصر المروزي (رقم ٥٨٠).
يعني: إنه لن يحمل النص على إرادة الكفر المخرج من الملة إلا عند القطع واليقين بذلك، كأن يكون اعتباره كفرًا محلَّ إجماع.
أو يقصد أنه لن يُوقع التكفير على المعيّن بالحكم بغير ما أنزل الله خاصة؛ إلا بأمر مجمع على كونه كفرا. وكلا القصدين والمعنيين يدلان على أن هذا الباب ليس بابَ ظنونٍ، ولا يصح فيه إلا القطعُ واليقينُ.
ولما ذكر ابن المنذر (ت٣١٨هـ) اختلاف الفقهاء في السكران يتلفّظ بالكفر، ثم تعقّب من حكم عليه بالكفر بقوله: (وفي قولهم: أن السكران إذا ارتدّ لم يُستتب في سُكره، ولم يُقتل) أي: لا يُقتل مسلم ردةً باختلاف معتبر. وهذا دليلٌ على أن لا معنى لارتداده، وقد حرّم رسول الله صلى الله عليه وسلم الدماء، وغير جائز أن تُهراق الدماءُ باختلاف، لا حجة مع من رأى هراقة دمه من كتاب ولا سنة ولا إجماع). الأوسط لابن المنذر (٤٨٠/١٣-٤٨١).
وموطن الشاهد هو قوله: (وغير جائز أن تُهراق الدماءُ باختلاف)، فمعنى قوله: (باختلاف): يعني بـ (الاختلاف المعتبر)، وأنه إذا وقع اختلافٌ معتبر في تقرير التكفير فلن يقع ذلك إلا في تقـرير ظني، والتقرير الظني لا يجيز سفك دم المسلم بالردّة والكفر، ولذلك لا يجوز سفك دم المسلم باختلاف معتبر. ولا يمكن أن يقـصد ابن المنذر بـ (الاختلاف) الاختلاف غير المعتبر؛ لأن الاختلاف غير المعتبر لا يجوز مطلقًا: فلا يبيح قطرةً من دم معصوم ولا إيذاءه بأدنى إيذاء.
فلا يُقال في الاختلاف غير المعتبر: (وغير جائز أن تُهراق الدماءُ باختلاف). كما أن السياق في حديثه عن التكفير هو الذي يؤكد المعنى، وأنه يتحدث عن حكم يخالف القطع: (لا حجة مع من رأى هراقة دمه من كتاب ولا سنة ولا إجماع).
وقال الإمام أبو بكر الباقلاني (ت ٤٠٣ه): (ولا يُكفَّر بقولٍ ولا رأي؛ إلا إذا أجمع المسلمون أنه لا يُوجَد إلا من كافر، ويقوم دلـيلٌ علَى ذلك: فَيُكَفَّرِ). فتاوئ تقي الدين السبكي (٥٧٨/٢).
وقد قال ابن بطال المالكي (ت٤٤٦ه): (من ثبت له عَقْدُ الإسلام بيقين: لم يُحكم له بالخروج منه إلا بيقين). شرح صحيح البخاري لابن بطال (٥٨٥/٨).
وقال ابن حزم (ت٤٥٦ه): (والحق هو: أن كل من ثبت له عقد الإسلام، فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء: فلا). الفصل لابن حزم (١٣٨/٣).
وقد نقل الإجماعَ على وجوب قطعية المخرِج من الملة الإمامُ أبو عمر ابن عبد البر الأندلسي (ت٤٦٣هـ)، في شرحه لحديث: (من قال لأخيه يا كافر، فقد باء بها أحدهما)، حتى قال في تقرير ذلك: (والمعنى فيه عند أهل الفقه والأثر (أهل السنة والجماعة): النههي عن أن يُكفِّر المسلمُ أخاه المسلم بذنب أو بتأويل لا يخرجه عن الإسلام عند الجميع، فورد النهي عن تكفير المسلم). ثم قال:
(فالقرآن والسنة ينهيان عن تفسيق المسلم وتكفيره، ببيانٍ ى اشکال فیه.
ومن جهة النظر الصحيح الذي لا مدفع له: أن كل من ثبت له الإسلام في وقت بإجماع من المسلمين، ثم أذنب ذنبا، أو تأول تأويلا، فاختلفوا بَعدُ فَي خروجه من الإسلام = لم يكن في اختلافهم بعد إجماعهم معنى يُوجب حجةً، ولا يَخْرُجُ من سلام المتفق عليه؛ إلا باتفاقٍ آخر، أو سنةٍ ثابتة لا معارض لها.
وقد اتّفق أهل السنة والجماعة (وهم أهل الفقه والأثر): على أن أحدًا لا يُخرجه ذنبه (وإن عَظُم) من الإسلام، وخالفهم أهل البدع.
فالواجب في النظر: أن لا يُكفَّر إلا من اتفق الجميعُ على تكفيره، أو قام على تكفيره دليلٌ لا مدفعَ له من كتاب أوسنة) التمهيد لابن عبد الير (٢١/١٧-٢٢).
وتنبه إلى قوله: ((عند الجميع))، فهو يشترط أن يكون المكفِّرُ مُجْمَعًا عليه، أو حكماً قطعيا لا يصح الاختلاف في دليله تُبوتًا ودلالةً، وسيؤكد ذلك في كلامه التالي.
ولما ذكر ابن عبد البر فه حديث الخوارج و:هو حديثه صلى الله عليه وسلم: (يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم، أو صيامكم مع صيامهم، أو أعمالكم مع أعمالهم: يقرؤون القرآن، ولا يجاوز حناجرهم. يمرقون من الدين، كما يمرق السهم من الرَّبيّة: تنظر في النصل: فلا ترى شيئا. وتنظر في القِدْحِ: فلا ترى شيئا. وتنظر في الريش: فلا ترى شيئا. وتتمارى في الفُوق).
وفيه وَصْفُ النبيِّ -صلى الله عليه وسلم -لهم بالمروق من الدين، أي: بالخروج منه، وهي عبارةٌ ظاهرها التكفير، وقف -رحه الله -من قوله: (تتمارَى في الفُوق) موقفا يدل على وضوح فقه هذا الباب لديه، فقال رحمه الله: (والتماري الشك، وذلك يُوجب أن لا يُقطع على الخوارج ولا على غيرهم من أهل البدع بالخروج من الإسلام، وأن يُشَكَّ في أمرهم، وكل شيء يُشَكُّ فيه: فسبيله التوقف عنه، دون القطع عليه). قال ابن عبد البر في شرحها: (الفُوق: هو الشّقُّ الذي يُدْخَلُ في الوتر، أي تشك إن كان أصاب الدمُ الفُوقَ. يقول: فكما خرج السهمُ خاليًا نقيًّا من الفرث والدم، لم يتعلق منها شيء، فكذلك خرج هؤلاء من الدين، يعني الخوارج). التمهيد لابن عبد البر (٣٢٦/٢٣).
كما لا يقصد بالتوقف والشك: التوقف عن الحكم لهم بالإسلام وعدمه، ولا الشك في كفرهم وفي إسلامهم معًا! ولا يمكن أن يقصد ذلك، فالمرء: إما مسلم أو كافر، فكيف بمن يشهد الشهادتين. بل لقد صرح بإسلام الخوارج في آخر شرحه، كما تراه في الأصل. وإنما مقصوده بالشك: الشك في كفرهم، وبالتوقف: التوقف عن تكفيرهم. ثم أجرى عليهم قاعدة (اليقين لا يزول بالشك)، فحكم بإسلامهم.
ولفظه في الاستذكار يقول فيه: (قوله في الحديث: ويتمارئ في الفوق): دليل على الشك في خروجهم جُملةً على الإسلام؛ لأن التماري: الشك، فإذا وقع الشك في خروجهم: لم يُقطع عليهم بالخروج الكلي من الإسلام). الاستذكار لابن عبد البر (٨٧/٨).
ثم لما نقل عن الفقهاء وكثير من أهل الحديث الحكم بإسلام الخوارج، ثم قال: (ومن أهل الحديث طائفة تراهم كفارا على ظواهر الأحاديث فيهم، مثل قوله: (من حمل علينا السلاح فليس منا)، ومثل قوله: (يمرقون من الدين)، وهي آثار يعارضُها غيرُها فيمن لا يُشرك بالله شيئا، ويريد بعمله وجهه، وإن أخطأ في حكمه واجتهاده. والنظر يشهد أن الكفر لا يكون إلا بضد الحال التي يكون بها الإيمان؛ لأنهما ضدان). التمهيد لابن عبد الير (٣٣٩/٢٣-٤٠٠).
ونقل ابن قدامة كلام ابن عبد البر في الإنكار على هذه الطائفة من المحدثين تكفيرهم الخوارج، وأيده، كما في المغني (٢٤١/١٢-٢٤٢)، وجاءت في بعض النسخ منسوبة لابن المنذر، وأحسبه هو الصواب.
وقد استنكر ابن المنذر (ت٣١٨ه) رأي هذه الطائفة من أهل الحديث التي كانت تُكفّر الخوارج، فبعد أن نقل خلافا بجواز غنيمة أموال الخوارج، مما يعني أن مجوّزي أخذ أموال الخوارج غنيمةً كانوا يكفّرونهم، ثم قال متعقّبًا: (هذا قول طائفة من أهل الحديث، ولا أعلم أحدًا وافقهم على هذه المقالة). الإشراف على مذاهب الفقهاء (٢٢٥/٨).
وقال الإمام الغزالي (ت٥٠٥ه): (والذي ينبغي أن يميل المحصِّلُ إليه: الاحترازُ من التكفير، ما وجد إليه سبيلًا. فإن استباحة الدماء والأموال من المصلِّين إلى القبلة المصرِّحين بقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله خطأً، والخطأ في تَرْكِ ألف كافرٍ في الحياة أهونُ من الخطأ في سفك محجمةٍ من دمِ مسلمٍ ...(حتى قال): وثبت أن العصمةَ مستفادةٌ من قول لا إله إلا الله قطعًا، فلا يُرفع ذلك إلا بقاطع). الاقتصاد في الاعتقاد للغزالي (٣٠٥-٣٠٦).
ولما ذكر ابن رشد الجد (ت٥٢٠ه) عدم جواز التكفير أصحاب المقالات، قال: (ودليل هذا القول: قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (وتتمارى في الفوق)، فأخبر أنه يشك في خروجهم من الدين، ومن شُكَّ في خروجه من الدين: فلا يُحكم أنه خَرَجَ منه؛ إلا بیقین).
وشرح ابن رُشد (التكفيرَ بالمآلات)، ونقل الإجماع على عدم التكفير بها، فقال: (من أهل البدع والأهواء ما لا يكفر معتقده بإجماع، وهو ما لا يؤول بمعتقده إلى الكفر إلا بالتركيب، وهو أن يلزم على قوله ما هو أغلظ منه، وعلى ذلك الأغلظ ما هو أغلظ، حتى يؤول به ذلك إلى الكفر، فهذا لا يكفر بإجماع). البيان والتحصيل (٤٨٧/١٨).
ولما ذكر الإمام أبو عبد الله القرطبي (ت٦٧١هـ) كلام الفقهاء في تكفير الساحر واستباحة دمه بذلك، صَحَّحَ عدمَ إطلاقِ القول بتكفيره وعدمَ إطلاقِ القول بقتله، قائلا: (وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة، لا تُستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف). سيأتي مطلب خاص لمناط تكفير الساحر، وسأذكر هناك كلام الإمام القرطبي بتوسع أكبر (ص١٨٥-١٩٧).
فجعل الاختلافَ مانعًا من اليقين، وجعل امتناعَ اليقين مانعًا من تكفير واستباحة الدم به. انظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي -طبعة مؤسسة الرسالة- (٢٧٩/٢).
وقال ابن الشاط المالكي (ت٧٢٣ه): (التكفير لا يصح إلا قاطعٍ سمعيِّ) إدرار الشروق على أنواء الفروق: الشهيرة بحاشية ابن الشاط على فروق القرافي - بحاشية الفروق للقرافي - بتحقيق عمر حسن الفِيّام، وطبع مؤسسة الرسالة سنة ١٤٢٤هـ(٢٣٧/٤).
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية (ت٧٢٨ه): (وليس لأحد أن يكفّر أحدًا من المسلمين، وإن أخطأ وغلط، حتى تُقام عليه الحجة، وتُبيَّن له المحجة. ومن ثبت إسلامه بيقين: لم يزل ذلك عنه بالشك؛ بل لا يزول؛ إلا بعد إقامة الحجة وإزالة الشبهة). مجموع الفتاوئ لابن تيمية (٤٦٦/١٢).
وقد بينت في مقال صحة الاستدلال بكلام شيخ الإسلام ابن تيمية هذا على أنه كان مذهبه موافقاً للحق، وأنه به يقرر أن من دخل الإسلام بيقين لم يُخرج منه إلا بيقين، وذلك في مقال بعنوان: ابن تيمية وموقفه من القاعدة القطعية: (من دخل الإسلام بيقين لم يُخرج منه إلا بيقين):
http://dr-alawni.com/articles.php?show=205
وقال الإمام الذهبي في (الدرة اليتيمة في السيرة التيميّة) عن شـيخ الإسلام ابن تيمية: (ومذهبه توسعة العذر للخلق، ولا يُكفِّر أحدًا إلا بعد قيام الدليل والحجة عليه، ويقول: هذه المقالة كفرٌ وضلالٌ، وصاحبها مجتهدٌ جاهلٌ لم تقم عليه حجة الله، ولعله رجع عنها أو تاب إلى الله).
ويقول -يعني الإمام الذهبي عن شيخ الإسلام-: (إيمانه ثبت له، فلا نُخرجه منه إلا بيقين، أما من عرف الحق وعانده وحاد عنه فكافرٌ ملعونٌ كإيليس). الدرة اليتيمة في السيرة التيمية للذهبي - ضمن كتاب: تكملة الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية خلال سبعة قرون: للدكتور علي العمران - (٤٩).
ولن تَعْدَمَ من قرّرَ هذه القاعدةَ في التكفير في المُحْدَثين المعاصرين أيضًا، حتى بعضُ العلماء والفضلاء الذين يُحضَرُ الاحترامُ فيهم ويُغلا في تعظيمهم عند المخالفين في التكفير.
يقول الشيخ محمد بن صالح العثيمين تقت (ت١٤٢١هـ) عن تارك الصلاة: (فإن كان يُصلِّي فرضًا أو فرضين: فإنَّه لا يكفر؛ لأنَّ هذا لا يَصْدُقُ عليه أنه ترك الصَّلاة؛ وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (بين الرَّجُلِ وبين الشّركِ والكفرِ تَرْكُ الصَّلاة)"، ولم يقل: (تَرَكَ صلاةً).
وأما ما رُوي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (مَنْ تَركَ صلاةٌ مكتوبةٌ متعمِّدًا فقد بَرئت منه الذِّمَةُ)، ففي صخَّته نظر. ولأنَّ الأصلَ بقاءُ الإسلام، فلا نخرجه منه إلا بيقين؛ لأنَّ ما ثبت بيقين لا يرتفع إلا بيقين. فأصل هذا الرَّجُل المُعَيَّن أنَّه مسلمٌ؛ فلا نخرجه من الإسلام المتيقَّن إلا بدليل يخرجه إلى الكفر بيقين). الشرح الممتع لابن عثيمين (٢٧/٢-٢٨).
ومما يبيّن صحة هذه القاعدة: أن من ثبت إسلامه بيقين لم يُخْرَج منه إلا بيقين: أن هذا هو العمل الفطري للعقل أصلا، ففطرة العقل لا يمكنها رد اليقين ونقضه بظنونٍ وشكوك، ولا يمكن لعقل السوي أن يقدم على اليقين ظنًّا راجحا ولا شكا. فلم يبق إلا معرفة: بم يدخل المرءُ الإسلام بيقين، لنُعمل فيه هذا العمل العقلي الفطري.
وقد تبيّن بالأدلة القطعية أن النطق بالشهادتين هو حكمٌ بالدخول في الإسلام يعصم الدم والمال ويُوجِبُ لصاحبه حقَّ الإسلام كاملاً، فتبيّن أن هذا هو يقين الدخول في الإسلام شرعًا، فلم يَجز أن نُخرِجَ من نطق بالشهادتين من الإسلام إلا بيقين خروجه من الإسلام.
ومن المعلوم: أن الدخول في الإسلام ليس له إلا إحدى حالتين: إما الدخول فيه بحكم متيقّن، أو عدم الدخول فيه بحكم متيقّن. وليس هناك من يُثبِت للمعيّن دخولاً في الإسلام بشك أو بظن، فَيُجْعَل هذا الداخلُ في حالةٍ وسطٍ بين المسلم والكافر، أو نجعله مسلمًا له بعض حقوق المسلم ونحرمه من بعضها بمحض دخوله (لا بما يفعله مما يستوجب تطبيقَ حكم الإسلام عليه)، هذا التصوّر للمسلم (الوسط) الذي نحكم بإسلامه حكمًا ظنيًّا لا وجودَ له، حتى يمكن أن نُجوِّزَ في مثله إخراجه من الإسلام بغير اليقين.
والذي منع من وجود هذا التصور للمسلم الذي دخل بظن: هو ما سبق من إيجاب نصوص الكتاب والسنة والإجماع المتيقَّن حكمًا قاطعًا بإسلام كل من أعلن الشهادتين، دون التفاتٍ لما يثير الريبة من قرائن حال مُعْلِيها، كما في حالة مَن ظاهرُه أنه قالها مستعيذًا من القتل (كما في قصة أسامة بن زيد)، وكما في المنافقين مع سوء مواقفهم وفجور أعمالهم التي تُشكك في عقد إسلامهم .. لولا ذلك الحكم المتيفَّن بإسلامهم.
ولما كان الدخول في الإسلام ظاهرا بالنطق بالشهادتين أو ما دلّ عليها، ودلت على ذلك قطعياتُ الكتابِ والسنةِ والإجماعِ، وأن من ثبت دخوله بهما في الإسلام فقد امتنع إخراجه من يقين حكم إسلامه؛ إلا بيقين خروجه عن دلالتهما = فلا يَكْفُر الإنسانُ إلا بمخالفةٍ يقينيةٍ لدلالة الشهادتين، وهي كل يقينٍ ينقضُ اليقينَ الذي شهدت به.
فمن نزل إيمانه بالشهادتين عن اليقين، إلى غلبة الظن فما دون ذلك: فقد كفر؛ لأن لفظ (الشهادة) يعني إعلانَ القطع واليقين، خاصة في أعظم أمرٍ خطرًا وأجلّه أهميةً للإنسان في حياته كلها، وإلى ما بعد الحياة، فالإيمان هو الأمر الذي يقوم عليه تحقيقُ مصالح الدنيا والآخرة.
[قال الجوهري في الصحاح، وابن منظور في اللسان، والفيروزبادي في القاموس: (الشَّهادة: خبّرٌ قاطع)؛ لأنها مأخوذة من الإخبار بصحة الشيء مشاهَدةً وعيانًا.. أما كون الإيمان من أخطر الأمور؛ فذلك أن الإنسان مفطورٌ على أنه لا ينقاد للأمر الخطير الذي له أعظم الأثر عليه في حاضره، وفي مستقبله الممتدّ مدى الحياة، وإلى ما بعدها، والمتحكِّم في مصيره؛ إلا بيقينٍ من صحته وصدقه، ولا تكتفي فطرةُ الإنسان السوية في مثل هذا الأمر الخطير بأدنى من يقينٍ لا ريب فيه، فلا ينقاد الإنسانُ لمثل هذا الأمر الخطير بمجرّد غلبة ظن فما دونها من شكٌ وأوهام!
فاعتبار اليقين في الشهادتين حكمًا مستفادًا من دلالتها اللغوية: لم يأت من الدلالة اللغوية فقط للفظ ((الشهادة)) (مع أنه من دلالتها اللغوية أيضا كما سبق)، بل من حقيقة ما تُطلب الشهادة به فيهما وموقف العقل منها، وأن العقل لن يقبل الشهادة بهما إلا يقينا؛ لأن معنى إقراره بهما: أنه تيقّن بهما؛ إذ لن يقبل العقلُ اليقينَ بما يُوجبُ العقلُ طلبَ اليقين فيه إلا بحصول اليقين له فيه.
وأعان الله القارئ على تفكيك هذه العبارة: (لن يقبل العقلُ اليقينَ بما يُوجبُ العقلُ طلبَ اليقين فيه إلا بحصول اليقين له فيه)، ففيها من فقه هذا الأمر ما تحويه صفحات!
أما من شهد بالشهادتين بغير يقين: فهو شهد بها بلسانه، غير معتقد بها يقلبه، = كالمنافقين ﴿إِذَا جََّاءََكَ اٌلْمُنَافِقُونَ قَالُواْ فَشْهَدُ إنَّكَ لَرَسُولُ اللّهِ وَالَلّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولْمٌ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إنَّ الْمُنَافِفِينَ لكَذِبُونَ﴾.
وأما من شهد بها تقليدًا، لا عن دليل صحيح: فإن كان تقليده قد أفاده اليقينَ: فشهادته صحيحة، وإن كان دليلُه على اليقين غيرَ صحيح، وهذا حال بعض عوام المسلمين. وإن كان تقليده لم يفده اليقين: فشهادته غير صحيحة، وغير متقيَّلة في الباطن، لكنها تكفي للحكم بإسلامه في الظاهر. وفي مثلهما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم أنهما سيُسألان في قبرهما، فقال: (إنكم تُفتنون في قبوركم قريبًا من فتنة المسيح الدجال، يُقال: ما علمُك بهذا الرجل؟ فأما المؤمن أو الموقن -شك الراوي- فيقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فأجبنا واتبعنا، هو محمد ثلاثا، فيقال: نَمْ صالحًا، قد علمنا إنْ كنتَ لموقنًا به. وأما المنافق أو المرتاب - شك الراوي- فيقول: لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلتُه). أخرجه البخاري (رقم ٨٦، ١٨٤، ٩٢٢، ١٠٥٣، ١٠٥٤، ١٠٦١، ١٢٣٥، ١٣٧٣، ٢٥١٩، ٢٥٢٠، ٧٢٨٧)، ومسلم (رقم ٩٠٥).
مع التنبّه إلى تفاوت مرائب اليقين، وإلى أن الشُّبه والتساؤلات (من جنس الوساوس والخطرات) التي لا تنزل باليقين إلى ما دون أقل درجات اليقين = لا تكون كفرا، ما دام اليقين مستقرًّا في القلب، وما دام صاحبها في مرحلة البحث عن ردِّ على الشبهة أو جوابٍ على التساؤل.
وفي حديث أبي هريرة، قال: جاء ناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال: (وقد وجدتموه؟) قالوا: نعم، قال: (ذاك صريح الإيمان). أخرجه مسلم (رقم ١٣٢).
ويفرق العقلاء تفريقاً واضحًا بين ما تطمئن إليه نفوسهم، ولا ترتاب فيه، وإن خَفِيَ عليهم الجواب عن سؤالٍ متعلق بما اطمأنت إليه نفوسُهم أو توقّفوا عن حلّ استشكالٍ يحوم حوله، يُفرّقون بين هذا وبين ما تضطرب النفسُ فيه وتغلي بعدم الارتياح شكًا وعدم قبول.
فمن شك أو لم يتيقن شيئا من الدلالة اللغوية للشهادتين، فقد كفر. قال تعالى في وصف المؤمنين ﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ اُلَّذِينَ ءَامَنُواْ بُِالَلَّهِ وَرَسُولِهِ، ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُواْ﴾، وقال تعالى في الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌ وَالسَّاعَةُ لَا رَيّْبَ فِيَهَا قُلْتُم مَّا نَدْرِى مَا السّاعَةُ إِن تَظُنُّ إلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ﴾، ووصف تعالى المنافقين بشك القلب والحيرة، فقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَْذِنُكَ اُلَِّذينَ لَا يُؤْمِنُونَ وَاَلْيَوْمِ الَْخِرِ وَأَرْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِى رَيْبِهِمْ بَتَرَذَّدُونَ﴾، وعاب · تعالى على الكفار اتّباعَهم الظنَّ فيما لا يصح فيه إلا اتباع بين، فقال تعالى: ﴿وَمَا يَنَبِعُ أَكْثَرُهُم إِلَّا ظَنَّا إنَّ الََّظنَ لَا يُغْنِى مِنَ الْحَقِّ شيئـاْ إِنَّ اللّهَ عَليمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾، وكذلك عاب على النصارى اتباعهم الظـن، فقال تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَئَلْنَا اٌلَِْمسيحَ عِيسَى أبْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اَللّهِ وما قَنَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبهَ لَهُهمَّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِى شَّكِ مِّنةً مَا لهم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتباعَ الََّظنَّ وَمَا قَنَلُوهُ يَقِينًا﴾، ولذلك سمى الله تعالى اتباع الظن في موطن اتباع اليقين تخرّصًا وكذبا، فقال تعالى: ﴿هَلْ عِندَكُم مِّنْ عِلِمِ فَتُخِْرجُوهُ لَنَآ إن تَتَّبِعُونَ إِلَّا الَّظنَّ وَإِن أَنتُمْ إِلَّا تخرصُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا يَتَبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُوُنِ اٌللَّهِ شركَاء إن يَتَبِعُونَ إِلَّا الظنَ وَإِنْ هُمْ إلَّا يَخْرُصُونَ﴾.
ولكننا لا نعرف عدمَ تيقُّنِ المعيّن بالشهادتين بعد نُطقه بهما؛ إلا بدليل يقينيٍّ يقطع بعدم يقينه بهما، كالتصريح المقصود بعدم اليقين، أو بواحد من المكفّرات الآتية في المبحث التالي. ولذلك فلا يحق لنا الحكم بكفر مسلم ظاهرا إلا بيقين.
وفي مبحثينا التاليين سأبين الضابط الذي من خلاله يمكن معرفة اليقينِ المخرِج من الإسلام من ظنيّه، وما يصح التكفير به وما لا يصح. وهو لب البحث العملي.
__________________________________________________
مسألة الولاء والبراء للمشركين ومتى يكون ذلك كفراً
وفي مسألة الولاء والبراء والتكفير بالإعانة الظاهرة: فقد كتبت في بيان هذا الأمر كتابا كبيرًا بعنوان (الولاء والبراء بين الغلو والجفاء)، وناقشت هناك هذا الموضوع بتوسع.
النسخة الوحيدة الكاملة والمعتمدة من كتابي (الولاء والبراء) هي الموجودة في موقعي الشخصي، وهي تربو على أربعمائة صفحة: http://dr-alawni.com/books.php?show=8
وخلاصة ما بينته هناك: أن مناط التكفير في الولاء والبراء والإعانة الظاهرة للكفار على المسلمين عملٌ قلبيٍّ يدل على نقض دلالة الشهادتين، وليس كلَّ عملٍ قلبيّ، وليس مجرّدَ العمل الظاهر أیضًا.
فمن أحب الكافر لكفره: فقد كفر؛ لأنه أحب كُفرَه، ولا يجتمع إسلامٌ بمحبة نقيضه وهو الكفر. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿لَّا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ يُوَآذُونَ مَنْ حَادَّ اللَهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا ءَابَآءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَنَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمَّ﴾.
وأما الحب الطبيعي: كحب الكفار من الوالدين والأبناء والزوج للقرابة، وحبُّ من أحسن إليك للإحسان، وحبٌّ من كان متصفاً بصفات حسنة للصفات الحسنة = فهو كلُّه حبٌّ مباحٌ، ليس محرمًا، فضلا عن أن يكون كفرًا.
ولذلك ثبت حب النبي صلى الله عليه وسلم -لعمّه أبي طالب، مع أن عمه كان كافرًا، كما في قوله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ﴾؛ فقد أحبه النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عمه؛ ولأنه كان يناصره؛ ولأنه كان كريمَ الطبع، شريفَ الأخلاق، مع موته على الشرك. ولم يَعْتَبْ الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم- هذا الحبَّ، وإنما عَتَبَ عليه إصرارَه على هدايته إصرارًا يفوق حدَّ واجبِ البلاغ الكامل وإقامةِ الحجة التامة.
فمناط الكفر في الولاء القلبي للكفار: هو ولاؤهم وحبهم من أجل كفرهم، وليس أيَّ وَلاءِ قلبيّ.
وأما حب الكافر والفاسق لفسقه ولمعاصيه، لا لكفره: فهو معصية وذنب، فلا هو كُفْرٌ مخرجٌ من الملة، ولا هو حلال ناجٍ من التأثیم!
وكذا هو مناط التكفير بالإعانة الظاهرة للكفار على المسلمين: مناظ قلبي:
- فمن أعان الكفار على المسلمين بُغضا للإسلام، وحبًّا لانتصار الكفر على الإسلام، ورغبةً في استئصال الوجود الإسلامي من على وجه الأرض .. ونحو ذلك من المقاصد القلبية الناقضة لدلالة الشهادتين = فهو كافر بذلك.
- وأما إن صدرت الإعانة الظاهرة للكفار على المسلمين من دون ناقض قلبي لدلالة الشهادتين: أي لأمر دنيوي من مال أو منصب أو جاه أو تثبيت حكم أو انتقام من عدو مسلم = فهذه الإعانة لا تكون كفرًا؛ لأنها لم تنقض دلالة الشهادتين.
وقد تكون هذه الاستعانة بالكفار على المسلمين جائزة، في مثل ما لو كانت بحق (أي لردّ بغيهم وردع عدوانهم)، وكانت أيضًا مفاسدُ عدم الاستعانة أعظم من مفاسد الاستعانة. وقد تكون حراما: إذا كانت اعتداءً وظلما، وإذا كانت مفاسدها أعظم من مفاسد عدم الاستعانة.
وقد دل على ذلك كله أدلة كثيرة من الكتاب والسنة، ذكرتها في الكتاب المذكور. ورددت في ذلك الكتاب على حجج المخالفين، وبينت اضطرابهم وعدم وضوح فقه السلف لديهم في هذا الباب الذي تكرر التنبيه عليه.
ويكفي أن أُذكِّر في هذا المختصر بأن الذين كفَّروا بمطلق الإعانة من المتأخرين والمعاصرين مخالفون لإجماع العلماء في هذا الباب! وهو إجماعٌ يتبيّن من حكم علماء الإسلام في الجاسوس الذي يتجسس للكفار على المسلمين!
فرغم ما في عمل هذا الجاسوس من إعانةٍ ظاهرةٍ للكفار على المسلمين، وهي إعانةٌ في غاية القبح ضررًا على المسلمين، وفي غاية القبح خيانة وغدرًا ومكرًا وجبنًا ونفاقًا عمليًّا = إلا أن علماء المسلمين من السلف والأئمة المتبوعين لم يحكموا بكفر هذا الجاسوس.
وقد نقل الإمام أبو جعفر الطحاويُّ (ت٣٢١هـ) الإجماعَ على أن الجاسوس المسلم لا يُقتل. وانظر: مختصر اختلاف العلماء للطحاوي لأبي بكر الرازي الجصاص (٤٥١/٣). ونقله عنه ابن حجر في فتح الباري (٣٢٤/١٢ شرح الحديث رقم ٦٩٣٩).
ويُوافقُ الطحاويَّ على نقله الإجماعَ ابنُ بطال المالكي، حيث نقله وأقره، حتى إنه أنكر على من حكم بقتل الجاسوس تعزيرًا، فقال: (ومن قال بقتل الجاسوس المسلم فقد خالف الحديثَ، وأقوالَ المتقدّمين من العلماء، فلا وجهَ له). شرح صحيح البخاري لابن بطال (١٦٥/٥).
انظر: لمذهب الحنفية: الخراج لأبي يوسف القاضي (١٨٩-١٩٠)، والسير الكبير لمحمد بن الحسن الشيباني - مع شرحه للسرخسي- (٢٠٤٠/٥-٢٠٤١)، وشرح مشكل الآثار للطحاوي (٢٧٦/١١)، والمبسوط للسرخسي (٨٦/١٠).
ولمذهب المالكية: النوادر والزيادات لابن أبي زيد (٣٥٢/٣-٣٥٣)، وشرح صحيح البخاري لابن بطال (١٦٢/٥-١٦٥)، والتبصرة لأبي الحسن اللخمي (١٣٦٤/٣- ١٣٦٥)، والمعلم للمازري (١٦٠/٣)، وإكمال المعلم للقاضي عياض (٥٣٧/٧- ٥٣٨)، والبيان والتحصيل لابن رُشد (٥٣٦/٢-٥٣٧)، والجامع لأحكام القرآن لأبي عبدالله للقرطبي (٥٣/١٨)، والمفهم لأبي العباس القرطبي (٤٤٣/٦)، والذخيرة للقرافي (٤٠٠/٣-٤٠١)، والمعيار المعرب للونشريسي (١٤٨/١١-١٥٠)، والتحرير والتنوير للطاهر ابن عاشور (٢١٧/٣-٢٢٠) (٢٣٠/٣-٢٣١).
ولمذهب الشافعية: هو نص الإمام الشافعي في الأم (٢٤٩/٤)، وانظر: الأوسط لابن المنذر (٢٨٢/١١-٢٨٥)، ومعالم السنن للخطابي (٤/٤)، والمهذّب لأبي إسحاق الشيرازي (ت٤٧٦ه) -مع شرحه تكملة المجموع- (٣٤٠/١٩، ٣٤٢)، والبيان للعمراني (ت٥٥٨ه) (١٩٠/١٢)، وشرح النووي على صحيح مسلم (٢٨٨/١٦-٢٨٩).
ولمذهب الحنابلة: الفروع لابن مفلح (١١٦/١٠-١١٨)، ومجموع الفتاوى لابن تيميّة (٣٤٥/٢٨) (٤٠٥/٣٥)، وزاد المعاد لابن القيم (١١٤/٣-١١٥)، والإنصاف للمرداوي -بحاشية المقنع والشرح الكبير- (٤٦٣/٢٦-٤٦٤).
ولمذهب الجريرية (نسبة إلى إمام المفسرين والمؤرخين محمد بن جرير الطبري، وكان لفقهه أتباعٌ يُنسبون إليه بهذه النسبة): كلامه الذي نقله عنه ابن بطال في شرحه صحيح البخاري (١٦٢/٥-١٦٣).
كل هذه المصادر لا تذكر كفر الجاسوس بتاتًا، لا على أنه رأيّ راجحٌ ولا مرجوحٌ !!
فلم يخطر على بالهم القول بكفره، فضلاً عن أن يكون قولا لأحدهم، ولو قولا شاذًا مردودا عليه !!!
ومن هذه المصادر تعلم أن تكفير الجاسوس ليس مذهبا لأحد من المذاهب الأربعة ولا من غيرها !!
ووافقهما ابن الملقِّن الشافعي (ت٨٠٤هـ)، فقال معلّقًا على كلام ابن بطال: (ومن قال بقتله: فقد خالف الحديثَ وأقوال المتقدمين، فلا وجه لقوله، كما قال ابن بطال) التوضيح لشرح الجامع الصحيح (١٦٠/١٨).
وهذا كله في قتل الجاسوس عقوبةً، لا ردّةً! فأنَّى ستجد الخلافَ في ردّته بعد ذلك ضمن أقوال أئمة السلف هؤلاء؟ !! وهم إنما يختلفون في قتله على إسلامه (متفقين على إسلامه) !!!
إن هذا الاتفاقَ الواضحَ على عدم تكفير الجاسوس لدليلٌ قويٌّ على أن التكفير بمجرد الإعانة الظاهرة، دون النظر في مناط التكفير بها = خللٌ علميٌّ، يخالف فهم أئمة المسلمين لمآخذ هذا الباب.
وأما إن نازع أحدٌ في صحة هذا الإجماع، قلنا له: يكفيك أنه قول أئمة الإسلام: أبي حنيفة ومالك والأوزاعي والشافعي وأحمد وابن القاسم وابن وهب وسحنون والطبري وغير هؤلاء من أتباعهم، ووافقهم على ذلك ابن تيمية وابن القيم: كلهم على عدم كفر الجاسوس !!! فمن القوم بعد هؤلاء؟ !!
واتّفاقُ هؤلاء الأئمة على عدم كفر الجاسوس يعني اتفاقهم على عدم كفر المظاهِر للكفار بمجرّد المظاهرة العملية؛ فالتجسُّسُ من أظهرِ أنواع الإعانة العملية للكفار على المسلمين وأقبحها وأشدها ضررًا.
ولذلك فقد قال العلامة الإمام محمد الطاهر بن عاشور (ت١٣٩٣هـ)، في كتابه (التحرير والتنوير): (وقد اتّفق عُلماء السنّة على أنّ ما دون الرّضا بالكفر وممالاتهم عليه من الولاية: لا يُوجب الخروجَ من الرِّبْقَةِ الإسلاميّة؛ ولكنّه ضلال عظيم، وهو مراتبُ في القُوّة، بحسب قوّة الموالاة، وباختلاف أحوال المسلمين). التحرير والتنوير لابن عاشور (٢٣٠/٣).
وبذلك نحدّد مناط الكفر في الولاء والبراء والإعانة الظاهرة، بما يبيّن خطأ التقريرات المتأخرة في هذا الباب، وخطأ نسبتها إلى السلف، فالسلف منها براء.
__________________________________________________
الإعذار بالجهل وأدلته
وأدلة الإعذار بالجهل أدلةٌ قطعية في الشرع (نَقْلِيها وعقليّها)، فمن أدلته:
١- أن في عدم الإعذار به تكليفًا بما لا يُستطاع، وهذا ينافي قوله تعالى ﴿لَا يُكَلِفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَأً﴾، وأي تكليف بما يفوق الوسع أكثر من تكليف الجاهل بما يجهل التكليف به؟!
وهو ينافي أيضًا قوله تعالى في الحديث القدسي: (قد فعلتُ) استجابةً لدعاء المؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِه﴾؛ إذ أيُّ تكليفٍ لك بما لا تُطيق أوضح وأشدّ من تكليفك بما لا تعرف أنك مکلَّف به أصلا؟!
٢- اشتراطُ تمام العقل للتكليف، ورفعُ القلم عن الصغير والمجنون: يدل على أن مناط التكليف إدراك التكليف، وأيُّ فرقٍ بين (المجنون والصغير) و(الجاهل) في عدم إدراك ثلاثتهم التكليفَ وعدم معرفتهم به أو بمعناه؟!
٣- الإعذار بالإكراه، حتى في الكفر: ﴿إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُظْمَينٌ بِالْإِيمَنِ﴾، وهو إعذارٌ يقوم على عدم مؤاخذة مسلوب الإرادة، ولو كان مسلوبَ الإرادة بظاهر ما يُبدي فقط، وأي سلبٍ للإرادة أكثر من جاهل بما يُراد منه وبما يجب عليه؟! فهو مسلوب الإرادة ظاهرًا وباطنًا: لا يعرف ما هو المراد أصلا!
٤- المؤاخذة بما يجهل العبد تنافي العدل الإلهي:
* ولذلك قال تعالى ﴿رُسُلا مُّبَشِرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلا يَكُونَ لِلِنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِّ﴾.
* وقال تعالى ﴿وَمَا كُنَا مُعَذِّيينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾.
* وقال تعالى ﴿وَقَالُواْ لَولًا يَأْتِينَا بِتَايَةٍ َمِّن زَّيِّهٍِ: أَوَلَمْ تَأْتِهِم بِيِّنَةُ مَا فِى الصُّحُفِ الأُولَى وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ، لَقَالُواْ رَبَّنا لَوْلًا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولا فَنَتَّعَ ءَايَئِكَ مِن قَبْلِ أَن نَذِلَّ وَنَخْزَى﴾.
* وقال تعالى ﴿يَا مَعْشَرَ لُلْجِنِّ وَاَلْإنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءَايَِيتي وَيُندِرُونَكُم لِقَّاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُواْ شَهِدْنَا عَلَىَ أَنفُسِنَّا وَغَرَّتْهُمُ الْخَيَوَةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُواْ عَلَىَ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُواْ كَفِرِيِنَ، ذَلِكَ أَن لَمَّ يَكُن زَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بُطَلِْمِ وَأَهْلُهَا غَفِلُونَ﴾.
* وقال تعالى ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فَِيهَا رَبَّنَا أَخْرِحْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيِّرَ الَّذِى كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمَ نُعَمِّزَكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن نَذَكَّرَ وَحَاءَكُمُ النَّذِيرِّ فَذُوفُواْ فَمَا لِلََّظالِمِينَ مِن نَصِيرٍ﴾.
* وقال تعالى ﴿وَسِيقَ اُلَِّينَ كَفَرُوَاْ إِلَى جَهَنَّمَ زُمَِرا حََّتّى إذَا جَاءُوهَا فُيحَتْ أَبْوَبُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَرَنَنُهَّآ أَلَمَّ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنَكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ ءَايَتِ رَيِّكُمْ وَيُندِرُونَكُمْ لِقَآءَ يَوْمِكُمْ هَذَأ قَالُواْ بَلَىَ وَلََكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكفِرِينَ﴾.
* وقال تعالى ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حََّى يَبْعَثَ فيِ أُمهَا رَسُولَا يَثْلُواْ عَلَيْهِمْ ءَايَِتنأْ وَمَا كُنَّا مُهْلِكِى اُلْفُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾.
* وقال تعالى ﴿وَمَا كُنتَ بِحَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِن رَّحْمَةً مِّن زَّيِكَ لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّآ أَتَنَهُم مِن تَذِيرِ مِن قَبلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ، وَلَولَاً أَن تُصِيبَهُم مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيَدِيهِمْ فَيَقُولُواْ رَبَّنَا لَوْلَاً أَرْسَلْتَ إلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَيعَ ءَايَئِكَ وَنَكُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ﴾.
* وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم، يقول: (لا أَحَدَ أَحَبُّ إليه العُذْرُ من الله، ومن أجل ذلك بعث المبشِرین والمنذرین). أخرجه البخاري (رقم ٧٤١٦)، ومسلم (رقم ١٤٩٨).
٥- عدم الاكتفاء بإرسال الرسل (عليهم الصلاة والسلام)، بل لقد أيّدهم الله تعالى بالآيات والدلائل (من معجزات وغيرها) التي تقطع بصدقهم: وهذا إنما كان لرفع العذر بالجهل بعدم تَبَيُّنِ النبيّ الصادق من المتنبئ الكاذب.
قال تعالى مبيناً إرساله رُسُلَه بالدلائل الدالة على صدقهم ﴿لَقَدُ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِنَتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِنَبَ وَاُلْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطٌ﴾، وقال تعالى ﴿وَقَالَ الَِّذينَ فِى النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ أدْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ، قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْيِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِنَتِ قَالُوا بَلَّى قَالُواْ فَأَدْعُواْ وَمَا دُعَاءُ الْكَفِرِينَ إِلَّا فِى ضَلَلٍ﴾.
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ اُلْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآَيَتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: (ما من الأنبياءِ من نبيٌّ؛ إلا قد أُعطيَ من الآيات ما مثله آمن عليه البشر) أخرجه البخاري (رقم ٤٩٨١، ٧٢٧٤)، ومسلم (رقم ١٥٢)، أي ليس نبيُّ إلا وقد أعطاه الله تعالى من الدلائل والآيات والمعجزات ما كان كافيّا لإيمان كل من شاهده من البشر جميعهم، ويقيم عليهم الحجة بصدق نبوته.
٦- عدم المؤاخذة على الخطأ والنسيان المنصوص عليه في كتاب الله تعالى: إنما هو إعذارٌ بالجهل وبعدم القصد والتعمّد. وقد جاء النص على الإعذار بهما في كتاب الله تعالى:
* في قوله تعالى ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَاً إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنً﴾، وفي الحديث القدسي أن الله تعالى لما أنزل هذه الآية فقرأها الصحابة (رضوان الله عليهم): ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَاَ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا أَكْتَسَبَتَّ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَاً إِن نَّسِينَاً أَوْ أَخْطَأَناً﴾ قال الله تعالى: (قد فعلت)، فلما قرؤوا ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِل عَلَيْنَاً إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، قال الله تعالى: (قد فعلت)، ﴿وَأغْفِّر لَنَا وَأُرْحَمْنَأَ أَنتَ مَوْلَننَا﴾، قال الله تعالى: (قد فعلت). أخرجه مسلم (رقم ١٢٦).
* وفي قوله تعالى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَاً أَخْطَأْتُم بِهِ. وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾.
٧- أن التكليف بالمجهول إلزامٌ بالآصار والأغلالِ التي وضعها الله عنا: إذ أي إصرٍ أغلظ وأثقل من أن تكون محاسبًا على ما لا تعلم:
* وقد قال الله تعالى: (قد فعلت)، استجابةً لدعاء المؤمنين ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْرًّا كَمَا حَمَلْتَه عَلَى الَِّذينَ مِن قَبْلِنَاْ﴾. والآصار هي العبادات الثقيلة، كتكاليف بني إسرائيل: من قتل أنفسهم، وقرض أبدانهم، ومعاقباتهم على معاصيهم في أبدانهم، حسبما كان يُكتب على أبوابهم.
* وقال تعالى ﴿اُلَّذِينَ يَقَيِعُونَ الرَّسُولَ النَّبىَّ اَلْأُمّي الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْنُوبًا عِندَهُمْ فِى التَّوْرَئةِ وَالْإِنِجِيلِ يَأَمُرُهُم بِالْمَعْرُونفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطّيِبَتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَاَلْأَغْلَلَ اُلَّتِى كَانَتْ عَلَيَهِم﴾.
ويظهر بذلك (وبما سبق ذكره في القسم الأول من المكفّرات التي لا يُعذر فيها بالجهل) أن الجهل في هذا الباب له وجهان في الإعذار:
١- عذرٌ لا يُدخل في الإسلام، لكنه قد ينجي من الخلود في النار (كأهل الفترة). وهو الجهل الذي يؤدي إلى معارضة الدلالة اللغوية الصريحة للشهادتين، كما سبق أن بيّناه هناك، وبينّا: لماذا كان هذا العذرُ مانعًا من الحكم بالإسلام، مع إقرارنا أن له وجهًا في الإعذار؟
٢- عذرٌ لا يَخْرُجُ معه الجاهلُ من الإسلام، وهو الجهل الذي يعتري المؤمن بحقيقة الشهادتين فيجعله يأتي ما لا ينقض الشهادتين إلا باللوازم والمآلات، مع عدم التزام منه بتلك اللوازم والمآلات بسبب جهله بها أو بسبب تأويله الصارف عنها، كما سیأتي بیانه.
وهذا هو الذي منع من تكفير من لم تُقَمّْ عليه الحجةُ من أهل الشهادتين في كل مخالفةٍ لقطعيٍّ لا تصل حدَّ النقض الصريح للدلالة اللغوية للشهادتين مما ذكرتُه في القسم الأول من المکفِرات.
وفي ذلك يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وهكذا الأقوال التي یُکفَّر قائلها :
- قد يكون الرجل لم تبلغْهُ النصوصُ الموجبةُ لمعرفة الحق.
- وقد تكون عنده، ولم تثبت عنده.
- أو لم يتمكن من فهمها .
- وقد يكون قد عرضت له شبهات يعذره الله بها).
وهنا يبيّن شيخ الإسلام ابن تيمية بماذا تقوم الحجة:
- فلا بد من سماع الحجة أوّلًا.
- ولا يكفي السماع، بل لا بد أن يكون عالمًا بثوتها؛ لأنه قد يسمعها ولا يكون عارفاً بصحة ثبوتها.
- ولا يكفي العلم بثبوتها، بل لا بد من فهمها فهما صحيحا؛ لأنه قد يسمعها ويُثبتُها ولکنه لا یفهمها.
- ولا يكفي فهمها فهما صحيحًا، حتى تُزال الشُبَهُ المائعة من قبولها؛ لأنه قد يسمعها ويُثبتُها ويفهمها، لكن تقوم عنده شُبةٌ تؤوّلها أو تمنع من قبولها.
فمن كان من المؤمنين مجتهدًا في طلب الحق، وأخطأ: فإن الله يغفر له خطأه، كائنا ما كان، سواء كان في المسائل النظرية أو العملية. هذا الذي عليه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجماهير أئمة الإسلام. وما قسَّموا المسائل إلى: مسائل أصولٍ يكفَّر بإنكارها، ومسائل فروعٍ لا يكفَّر بإنكارها.
أما تقسيم مسائل الدين إلى أصول وفروع له سياقان مقبولان:
السياق الأول: سياق معرفة مسائل الأصول التي يُكفَّر بها من غير إعذار فيها بجهل أو تأول، وما سواها مما لا يُكفَّر بها إلا بعد زوال عذر الجهل والتأول.
وهذا السياق هو ما بينتُه في هذا المختصر.
والتبس هذا الأمر على آخرين، فأطلق بعضهم التكفير في مخالفة الأصول، دون وضع ضابط للأصول. وأطلق بعضهم عدم التكفير حتى في مخالفة الأصول، دون وضع ضابط صحيح لهذه الأصول التي لا يُعذر فيها، ولذلك كفّر بمخالفة ما زعمه أصولاً بلا إعذار؛ لأنه لم يفرق التفريق السديد.
كما تجد هذا التناقض والاضطراب في الرسالتين العلميتين: (نواقض الإيمان الاعتقادية وضوابط التكفير عند السلف) للدكتور محمد بن عبد الله بن علي الوهيبي، و(نواقض الإيمان القولية والعملية) للدكتور عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف.
فالأول صرح بالإعذار بالجهل والتأول حتى في أصول الدين، والثاني نفى الإعذار بهما. دون بيانهما لحقيقة أصول الدين يفصلها عن غيرها ببيان سبب التفريق أو عدمه، والأول (الوهيبي) أولى بواجب التفريق والتعريف لأصول الدين، وأما الثاني (العبد اللطيف) فأراح واستراح بعدم الإعذار في أصول الدين مطلقا، ليدخل فيها كل قطعي، ولو كان الجهل به- لا ينقض الشهادتين كتحريم الخمر ونكاح الربيبة المدخول بأمها والجمع بين الأختين!
السياق الثاني المقبول لهذا التقسيم: سياق التفريق بين قطعيات الدين وظنياته مطلقا، لفوائد كثيرة لا تنحصر بمسألة التكفير. ولا شك أن هذا تقسيم صحيح: ففي الدين قطعيات لا خلاف في قطعيتها، وفيه ظنياتٌ لا خلاف في ظنيتها، وهناك ما قد يُتنازع في قطعيته وظنيته، فوجود هذا القسم المختلَف فيه لا ينفي وجود المتفَق عليه الذييُصحِّحُ التقسيم، والذي لا يخفى عظيم أهميته، وما تترتب عليه من أحكام.
أما السياق المرفوض، وهو الذي ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية هنا رافضًا له: فهو سياق إقامة التفريق بين الأصول والفروع على التفريق بين الاعتقادات (المسائل العلمية) وحصر الأصول فيها وبين الفقهيات (المسائل العملية) واعتبارها كلها فروعًا ظنیة.
فأما التفريق بين نوعٍ وتسميتُه مسائل الأصول وبين نوع آخر وتسميتُه مسائل الفروع: فهذا الفرق ليس له أصل: لَا عن الصحابة، ولا عن التابعين لهم بإحسان، ولا أئمة الإسلام، وإنما هو مأخوذ عن المعتزلة وأمثالهم من أهل البدع، وعنهم تلقاه من ذكره من الفقهاء في كتبهم. وهو تفريقٌ متناقض، فإنه يُقال لمن فرق بين النوعين: ما حد مسائل الأصول التي يكفَّر المخطئ فيها؟ وما الفاصل بينها وبين مسائل الفروع؟
فإن قال: مسائل الأصول هي مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع هي مسائل العمل، قيل له: فتنازع الناس في محمد هل رأى ربَّه، أم لا؟ وفي أن عثمان أفضل من علي أم علي أفضل؟ وفي كثير من معاني القرآن، وتصحيح بعض الأحاديث هي من المسائل الاعتقادية العلمية ولا كفر فيها بالاتفاق، ووجوب الصلاة والزكاة والصيام والحج وتحريم الفواحش والخمر هي مسائل عملية، والمنكر لها يكفَّر بالاتفاق.
وإن قال الأصول: هي المسائل القطعية، قيل: لا ، كثير من مسائل العمل قطعية، وكثير من مسائل العلم ليست قطعية. وكون المسألة قطعيةً أو ظنية هو من الأمور الإضافية. وهذا ليس على إطلاقه من جهة الواقع، فلا يزال الناس يتفقون على قطعيات لا تجد من يخالف فيها من العقلاء. ونبهت على ذلك في التعليقة السابقة.
وقد تكون المسألة عند رجل قطعية لظهور الدليل القاطع له، كمن سمع النص من الرسول صلى الله عليه وسلم وتيقَّن مراده منه. وعند رجل لا تكون ظنية، فضلا عن أن تكون قطعية؛ لعدم بلوغ النص إياه، أو لعدم ثبوته عنده، أو لعدم تمكنه من العلم بدلالته. وقد ثبت في الصحاح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث الذي قال لأهله: (إذا أنا مِتُّ فاحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني في اليمّ، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني الله عذابا ما عذبه أحدًا من العالمين. فأمر الله الأرض برد ما أخذ منه والبحر برد ما أخذ منه، وقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال خشيتك يا رب، فغفر الله له) أأخرجه البخاري (رقم ٣٤٧٨، ٦٤٨١، ٧٥٠٨)، ومسلم (رقم ٢٧٥٧).
فهذا شك في قدرة الله، وفي المعاد، بل ظن أنه لا يعود، وأنه لا يقدر الله عليه إذا فعل ذلك: (وغفر الله له!) انظر: مجموع الفتاوى (٣٤٦/٢٣-٣٤٧).
وإذْ قد عرفنا قِسمي المكفِّرات، وما يُعذر فيه بالجهل منها، فيمنع الجهلُ إيقاع التكفير بالمعين، وما لا يُعذر فيه بالجهل، فيُكفَّر الواقع فيها ولو كان جاهلا. بقي تقرير مناط الكفر في المكفّرات من القسم الثاني، وهو المبحث التالي (انظره).
________________________________________________
فهرست الموضوعات
المقدمة
المبحث الأول: إثبات حكم الإسلام للمعيّن
المبحث الثاني: من دخل الإسلام بيقين لم يُخْرَج منه إلا بيقين
عدم سواغ الاختلاف في مسائل التكفير
المبحث الثالث: ضابط نقض الشهادتين، ودرجات نقضهمها
قسما نواقض الشهادتین
ناقض الدلالة اللغوية لـ (شهادة أن لا إله إلا الله)
ناقض الدلالة اللغوية لـ (شهادة أن محمدا رسول الله)
أدلة الإعذار بالجهل
المبحث الرابع: مناطات التكفير
مناط التكفير بالمعلوم من الدين بالضرورة
حروب الردّة وخطأ الاحتجاج بها على التكفير بغير إعذار
مناط تكفير المستحلّ
مناط تكفير تارك الصلاة
مناط تكفير من كفَّر الصحابة (رضوان الله عليهم)
مناط تكفير من اعتقد تحريف المصحف
مناط التكفير باتّهام أم المؤمنين الصِّدّيقة بنت الصِّدّيق عائشة رضـي الله عنها بما برّأها الله تعالى منه
مناط التكفير بالحكم بغير ما أنزل الله
مناط التكفير في الولاء والبراء والإعانة الظاهرة للكفار على المسلمين
مناط الكفر في الشك في كفر الكافر
مناط التكفير بالسخرية والاستهزاء
مناط التكفير بالسحْر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق