الإسلام
سعيد حوّى
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يتناول هذا الكتاب مفهوم الإسلام وجملةً من القضايا الهامة المرتبطة به، وفي مقدمتها الحاكمية والجاهلية ومفاهيم التغيير والخلافة والاقتصاد، ويبدو أن الشيخ سعيد حوّى -مثل الكثيرين من أبناء جماعة الإخوان - يميل إلى تقسيم المجتمعات تقسيمًا تعميميًا إلى مجتمعات إسلامية وجاهلية، على نحو يُغفل الطبيعة المركبة للمجتمعات المسلمة، التي تظل مرتبطة بمرجعيتها الدينية رغم ما يعتريها من خلل أو انحراف. ومن هنا تبرز ضرورة إعادة النظر في هذا التصور في ضوء الفقه الإسلامي الواسع ومقاصده الكلية.
ويتضح من طرح الشيخ في كتابه تضخيم مفهوم الحاكمية وتحويله إلى محور مركزي تُقاس عليه سائر القضايا، بما يؤدي إلى تقليص مساحة الاجتهاد وإضعاف التنوع الفقهي الذي عُرفت به التجربة الإسلامية عبر تاريخها. وقد أكسبه ذلك موقفاً متشدداً من النظم السياسية المعاصرة، كالديمقراطية، حيث رفضها رفضاً قاطعاً، بوصفها منازعة للتشريع الإلهي، دون تقديم بدائل عملية متوازنة، كإحياء مبدأ الشورى في صيغ معاصرة، الأمر الذي يكشف عن فجوة كبيرة بين التنظير الأدبي والواقع المعاش.
وهذا يدفعنا إلى تفهُّم مدى ضيق الأفق الذي ورّثه هذا الفكر من ناحية التعايش مع المخالفين، والنظر إلى العلاقة معهم ضمن ثنائية حادة (حق - باطل، إسلام -كفر)، وبالتالي انتشار فتاوى التكفير، وممارسات الإرهاب ضد المعاهدين والمستأمنيين داخل الدول المسلمة، الأمر الذي يتعارض مع ما شهدته الحضارة الإسلامية من نماذج تاريخية قائمة على التعدد والتفاعل. كما يُلحظ في بعض المواضع توظيف النصوص الشرعية توظيفًا مؤدلجًا، يخضع لرؤية مسبقة، بدل أن يُستنار بها في بناء فهم متوازن يعكس مقاصدها الشاملة.
وعليه، فإن هذا النقد لا ينصرف إلى أصل الدعوة إلى تحكيم الشريعة، بقدر ما يهدف إلى تقويم مسارها، وردّها إلى أصولها المنهجية التي تقوم على التوازن، وسعة الاجتهاد، ومراعاة الواقع. وهو بذلك يسعى إلى إعادة وصل الفكر الإسلامي بمرونته التاريخية، بعيدًا عن الانغلاق والتصنيف الحاد، بما يحقق مقاصد الشريعة في الإصلاح والبناء.
مقدمة سعيد حوى
هذا الكتاب (الإسلام) هو الكتاب الثالث والأخير من سلسلة الأصول الثلاثة، والذي استهدف فيه الشيخ سعيد حوى فيه - مع كتابين آخرين- بيان أصول الدين، الأمر الذي ذكره في مقدمة السلسلة، وهذا الكتاب من الكتب الثمينة، الذي تحتاجه المكتبة الإسلامية ويحتاج كل مسلم إلى قراءته.
فالمكتبة الإسلامية التي تختص بعلم من علوم الإسلام، أو بموضوع من موضوعات الإسلام، قلّما يجد فيها المسلم كتاباً يصف الإسلام تفصيلاً؛ فلو أن إنساناً قال: أعطني كتاباً يصف الإسلام، فإنك لا تستطيع أن تحقق غرضه من خلال إعطاء كتاب تفسير، أو كتاب حديث، أو كتاب عقائد، أو كتاب فقه، أو كتاب تصوف، أو كتاب سيرة، أو كتاب يتحدث عن نظام من أنظمة إسلام، أو موضوع من موضوعاته، وإن كان ذلك كله يفيده في التعرف على الإسلام شيئاً فشيئاً، فجاء هذا الكتاب ملبياً لهذا الاحتياج.
وقد غلب على كثير من المسلمين فهم قاصر عن الإسلام، فحصروه في دائرتي الأركان والأخلاق، فكان لابد من كتاب يتحدث عن الإسلام، مبيناً أنه أركان، ومناهج حياة، وعقائد، وعبادات، وشعائر، وشرائع، ودنيا وأخرى، وأن يعطي تصوراً تفصيلياً عن ذلك، وهذا واجب يقتضيه تصحيح العقيدة والعمل، ويقتضيه واجب الدعوة إلى الله، فلا يكفي أن يقول الدعاة: الإسلام نظام شامل كامل، بل لابده أن يعطوا تصوراً عن شموله وكماله، وجاء هذا الكتاب ليسد هذه الثغرة.
وقد أصبح الإسلام في عصرنا يواجه نظريات فلسفية، تقوم عليها أنظمة حياة، أو سلوك عملي، فهناك النظريات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاقتصادية، وهناك فلسفات المصلحة والحرية، وهناك دساتير وقوانين، وأمام ذلك كان لابد من تقديم الإسلام في كتاب جامع يشرح أصوله ومناهجه، ومرتكزاته التي تقابل ذلك كله، فكان هذا الكتاب محاولة لسد هذه الثغرة.
يقول الشيخ سعيد حوى في "مقدمته": وقد كان الكثيرون يواجهون دعاة الإسلام بسؤال هو: ماذا تريدون ؟ فيكون الجواب: الإسلام. فيقولون: وما هو الشيء الضائع من الإسلام الذي تريدون إقامته؟ أليس الإسلام قائماً وموجوداً ؟ فالمساجد عامرة، والأذان قائم، فكان لابد من كتاب جامع، تقول: هذا هو الإسلام الذي نريده.
لهذا ولغيره ألفت هذا الكتاب، وجعلته جزءاً من سلسلة الأصول الثلاثة، لأن الإسلام يقوم على الإيمان بالله وبالرسول الله: فهو دين الله الذي جاء به رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام اهـ.
وقد تحدث الكتاب عن أركان الإسلام، ومناهج الحياة في الإسلام: الأخلاقي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي والعسكري والتعليمي والجزائي، كما تحدث عن مؤيداته؛ وذلك لتحقيق أهداف هذا الكتاب.
__________________________________________________
موضوعات مختارة من الكتاب:
الموضوع الأول: (لا إله إلا الله) منهج حياة
قال رحمه الله في كتاب معالم في الطريق تحت عنوان: (لا إله إلا الله منهج حياة) هذه المقتطفات:
1-العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية المتمثل في شهادة أن لا إله إلا الله. والتلقي عن رسول الله ﷺ في كيفية هذه العبودية هو شطرها الثاني، المتمثل في شهادة أن محمداً رسول الله.
2- والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعده بشطريها، لأن كل ما بعدهما من مقومات الإيمان وأركان الإسلام إنما هو مقتضى لهما، فالإيمان بملائكة الله وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وكذلك الصلاة والزكاة والصيام والحج، ثم الحدود والتعازير والحل والحرمة والمعاملات.. والتشريعات والتوجيهات الإسلامية.. إنما تقوم كلها على قاعدة العبودية الله وحده، كما أن المرجع فيها كلها هو ما بلغه لنا رسول الله ﷺ عن ربه.
3- والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعاً، لأنه بغير تمثل تلك القاعدة ومقتضياتها فيه لا يكون مسلماً، ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها، فلا تقوم هذه الحياة قبل أن تقوم هذه القاعدة كما أنها لا تكون حياة إسلامية إذا قامت على غير هذه القاعدة أو قامت على قاعدة أخرى معها أو عدة قواعد أجنبية عنها: (إن الحكم إلا لله، أمر ألا تعبدوا إلا إياه، ذلك الدين القيم) و (من يطع الرسول فقد أطاع الله)، هذا التقرير الموجز المطلق الحاسم يفيدنا في تحديد كلمة الفصل في قضايا أساسية في حقيقة هذا الدين وفي حركته الواقعية كذلك:
-أنه يفيدنا أولاً في تحديد (طبيعة المجتمع المسلم).
- ويفيدنا ثانياً في تحديد (منهج نشأة المجتمع المسلم).
- ويفيدنا ثالثاً في تحديد (منهج الإسلام في مواجهة المجتمعات الجاهلية).
- ويفيدنا رابعاً في تحديد (منهج الإسلام في مواجهة واقع الحياة البشرية).
وهي قضايا أساسية بالغة الخطورة في منهج الحركة الإسلامية قديماً وحديثاً.
4- إن السمة الأولى المميزة لطبيعة (المجتمع المسلم) هي أن هذا المجتمع يقوم على قاعدة العبودية لله وحده في أمره كله.. هذه العبودية التي تمثلها وتكيفها شهادة: أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.
وتتمثل هذه العبودية في التصور الاعتقادي، كما تتمثل في الشعائر التعبدية كما تتمثل في الشرائع القانونية سواء.
فليس عبداً لله وحده من لا يعتقد بوحدانية الله سبحانه: (وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون * وله ما في السموات والأرض وله الدين واصباً أفغير الله تتقون ؟).
وليس عبداً لله وحده من يتقدم بالشعائر التعبدية لأحد غير الله. - معه أو من دونه: (قل إن صلاتي ونسكى ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).
5- وليس عبداً لله وحده من يتلقى الشرائع القانونية من أحد سوى الله، عن الطريق الذي بلغنا الله به وهو رسول الله ﷺ: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله)، (وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا).
هذا هو المجتمع المسلم، المجتمع الذي تتمثل العبودية لله وحده في معتقدات أفراده وتصوراتهم كما تتمثل في شعائرهم وعبادتهم، كما تتمثل في نظامهم الاجتماعي وتشريعاتهم، وأيما جانب من هذه الجوانب تخلف عن الوجود فقد تخلف الإسلام نفسه عن الوجود؛ لتخلف ركنه الأول وهو شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
ولقد قلنا إن العبودية لله تتمثل في (التصور الاعتقادي) فيحسن أن نقول: ما التصور الاعتقادي الإسلامي.. إنه التصور الذي ينشأ في الإدراك البشري من تلقيه الحقائق العقديّة من مصدرها الرباني والذي يتكيف به الإنسان في معرفة ربه، ولحقيقة الكون الذي يعيش فيه - غيبه وشهوده - ولحقيقة الحياة التي ينتسب إليها - غيبها وشهودها - ولحقيقة نفسه.. أي: الحقيقة الإنسان ذاته.. ثم يكيف على أساسه تعامله مع هذه الحقائق جميعاً.
في تعامله مع ربه تعاملاً تتمثل فيه عبوديته الله وحده. وتعامله مع الكون ونواميسه، ومع الأحياء وعواملها، ومع أفراد النوع البشري وتشكيلاته تعاملاً يستمد أصوله من دين الله - كما بلغها رسول الله ﷺ- تحقيقاً لعبوديته لله وحده في هذا التعامل.. وهو بهذه الصورة يشمل نشاط الحياة كله.
6- فإذا تقرر أن هذا هو (المجتمع المسلم) فكيف ينشأ هذا المجتمع ؟ ما منهج هذه النشأة ؟ إن هذا المجتمع لا يقوم حتى تنشأ جماعة من الناس تقرر: أن عبوديتها الكاملة لله وحده وأنها لاتدين بالعبودية لغير الله.. لا تدين بالعبودية لغير الله في الاعتقاد والتصور. ولا تدين بالعبودية لغير الله في العبادات والشعائر ولا تدين بالعبودية لغير الله في النظام والشرائع..
ثم تأخذ بالفعل في تنظيم حياتها كلها على أساس هذه العبودية الخالصة.. تُنقّي ضمائرها من الاعتقاد في ألوهية أحد غير الله - معه أو من دونه - وتُنقّي شعائرها من التلقي عن أحد غير الله. -معه أو دونه وتُنقّي شرائعها من التلقي عن أخد غير الله - معه أو من دونه.
عندئذ - وعندئذ فقط - تكون هذه الجماعة مسلمة، ويكون هذا المجتمع الذي أقامته مسلماً كذلك.. فأما قبل أن يقرر ناس من الناس إخلاص عبوديتهم الله، وأما قبل أن ينظموا حياتهم على هذا الأساس فلا يكون مجتمعهم مسلماً.. وذلك أن القاعدة الأولى التي يقوم عليها الإسلام والتي يقوم عليها المجتمع المسلم - وهي شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله - لم تقم بشطريها...
7- وإذن فإنه قبل التفكير في إقامة نظام اجتماعي إسلامي، وإقامة مجتمع مسلم على أساس هذا النظام.. ينبغي أن يتجه الاهتمام أولاً إلى تخليص ضمائر الأفراد من العبودية لغير الله - في أية صورة من صورها التي أسلفنا - وأن يتجمع الأفراد الذين تخلص ضمائرهم من العبودية لغير الله في جماعة مسلمة.. وهذه الجماعة التي خلصت ضمائر أفرادها من العبودية لغير الله، اعتقاداً وعبادة وشريعة هي التي ينشأ منها المجتمع المسلم، وينضم إليها من يريد أن يعيش في هذا المجتمع بعقيدته وعبادته وشريعته التي تتمثل فيها العبودية لله وحده.. أو بتعبير آخر تتمثل فيها شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وهكذا كانت نشأة الجماعة المسلمة الأولى التي أقامت المجتمع المسلم الأول وهكذا تكون نشأة كل جماعة مسلمة، وهكذا يقوم كل مجتمع مسلم.
8- إن المجتمع المسلم إنما ينشأ من انتقال أفراد ومجموعات من الناس من العبودية لغير الله - معه أو من دونه - إلى العبودية لله وحده بلا شريك ثم من تقرير هذه المجموعات أن تقيم نظام حياتها على أساس هذه العبودية. وعندئذ يتم ميلاد جديد لمجتمع جديد يقوم على أساس هذه العقيدة وتتمثل فيه قاعدة الإسلام الأولى بشطريها.. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
9- وطبيعي أن المجتمع المسلم الجديد لا ينشأ ولا يتقرر وجوده إلا إذا بلغ درجة من القوة يواجه بها ضغط المجتمع: قوة الاعتقاد والتصور. وقوة الخلق والبناء النفسي. وقوة التنظيم والبناء الجماعي. وسائر أنواع القوة التي يواجه بها ضغط المجتمع ويتغلب عليه، أو على الأقل يصمد له.
إن المجتمع الجاهلي هو كل مجتمع غير المجتمع المسلم، وإذا أردنا التحديد الموضوعي قلنا: إنه هو كل مجتمع لا يخلص عبوديته لله وحده... متمثلة هذه العبودية في التصور الاعتقادي وفي الشعائر التعبدية وفي الشرائع القانونية --وبهذا التعريف الموضوعي تدخل في إطار (المجتمع الجاهلي):
- المجتمعات الشيوعية.. أولاً: بالحادها في الله - سبحانه - ويإنكار وجوده أصلاً، ورجع الفاعلية في هذا الوجود إلى (المادة) أو (الطبيعة)، ورجع الفاعلية في حياة الإنسان وتاريخه إلى (الاقتصاد) أو (أدوات الإنتاج) وثانياً: بإقامة نظام العبودية فيه للحزب - على فرض أن القيادة الجماعية في هذا النظام حقيقة واقعة، لا لله سبحانه، ثم ما يترتب على ذلك التصور وهذا النظام من إهدار الخصائص (الإنسان) وذلك باعتبار أن المطالب الأساسية له هي فقط مطالب الحيوان. وهي: الطعام والشراب والملبس والمسكن والجنس، وحرمانه من حاجات روحه (الإنساني) المتميز عن الحيوان وفي أولها: العقيدة في الله وحرية اختيارها وحرية التعبير عنها. وكذلك حرية التعبير عن (فرديته) وهي من أخص خصائص (إنسانيته) هذه الفردية التي تتجلى في الملكية الفردية وفي اختيار نوع العمل والتخصص وفي التعبير الفني عن (الذات) إلى آخر ما يميز الإنسان عن (الحيوان) أو عن (الآلة)، إذ إن التصور الشيوعي والنظام الشيوعي سواء كثيراً ما يهبط بالإنسان عن مرتبة الحيوان إلى مرتبة الآلة
- وتدخل فيه المجتمعات الوثنية - وهي ما تزال قائمة في الهند واليابان والفلبين وإفريقية -تدخل فيه.. أولاً: بتصورها الاعتقادي القائم على تأليه غير الله. معه أو من دونه - وتدخل -فيه ثانياً: بتقديم الشعائر التعبدية لشتى الآلهة والمعبودات التي يعتقد بألوهيتها، كذلك تدخل فيه بإقامة أنظمة وشرائع المرجع فيها لغير الله وشريعته. سواء استمدت هذه الأنظمة والشرائع من المعابد والكهنة والسدنة والسحرة والشيوخ، أو استمدتها من هيئات مدنية (علمانية) تملك سلطة التشريع دون الرجوع إلى شريعة الله.. أي أن لها الحاكمية العليا باسم (الشعب) أو باسم (الحزب) أو باسم كائن من كان.. ذلك أن الحاكمية العليا لا تكون إلا الله سبحانه ولا تزاول إلا بالطريقة التي بلغها عنه رسله.
- وتدخل فيه المجتمعات اليهودية والنصرانية في أرجاء الأرض جميعاً.. تدخل فيه هذه المجتمعات أولاً: بتصورها الاعتقادي المحرف الذي لا يفرد الله سبحانه بالألوهية، بل يجعل له شركاء في صورة من صور الشرك سواء بالبنوة أو بالتثليث، أو بتصور علاقة (خلق الله) به على غير حقيقتها.
(وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصاري المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل. قاتلهم الله أنى يؤفكون ؟).
(لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة وما من إله إلا إله واحد وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسن الذين كفروا منهم عذاب أليم).
(وقالت اليهود: يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء).
(وقالت اليهود والنصاري نحن أبناء الله وأحباؤه قل فلم يعذبكم بذنوبكم بل أنتم بشر ممن خلق).
وتدخل فيه كذلك بشعائرها التعبدية ومراسمها وطقوسها المنبثقة من التصورات الاعتقادية المنحرفة الضالة. ثم تدخل فيه بأنظمتها وشرائعها؛ وهي كلها لا تقوم على العبودية لله وحده أو بالإقرار له وحده بحق الحاكمية واستمداد السلطان من شرعه. بل تقيم هيئات من البشر لها حق الحاكمية العليا التي لا تكون إلا الله سبحانه..
وقديماً وصمهم الله بالشرك والكفر؛ لأنهم جعلوا هذا الحق للأحبار والرهبان يشرعون لهم من عند أنفسهم فيقبلون منهم ما يشرعونه: (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون).
وهم لم يكونوا يعتقدون في ألوهية الأحبار والرهبان، ولم يكونوا يتقدمون لهم بالشعائر التعبدية. إنما كانوا فقط يعترفون لهم بحق الحاكمية! فيقبلون منهم ما يشرعونه لهم بما لم يأذن به الله. فأولى أن يوصموا اليوم بالشرك والكفر، وقد جعلوا ذلك لناس منهم ليسوا أحباراً ولا رهباناً.. وكلهم سواء..
- وأخيراً يدخل في إطار المجتمع الجاهلي تلك التجمعات التي تزعم لنفسها أنها مسلمة؛ لأنها لا تدين بالعبودية لله وحده في نظام حياتها - فهي - وإن لم تعتقد بألوهية أحد إلا الله - تعطي أخص خصائص الألوهية لغير الله!. فتدين بحاكمية غير الله، فتتلقى من هذه الحاكمية نظامها وشرائعها وقيمها وموازينها وعاداتها وتقاليدها... وكل مقومات حياتها تقريباً.!!!!!
والله سبحانه يقول عن الحاكمين: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)، ويقول عن المحكومين: (ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به) إلى أن يقول: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً).
كما أنه - سبحانه - قد وصف اليهود والنصارى من قبل بالشرك والكفر والحيدة عن عبادة الله وحده واتخاذ الأحبار والرهبان أرباباً من دونه لمجرد أن جعلوا ذلك للأحبار والرهبان، ما يجعله الذين يقولون عن أنفسهم أنهم (مسلمون) لناس منهم! واعتبر الله سبحانه ذلك من اليهود والنصارى شركاً كاتخاذهم عيسى ابن مريم رباً يؤلهونه ويعبدونه سواء، فهذه كتلك خروج من العبودية لله وحده؛ فهي خروج من دين الله. ومن شهادة أن لا إله إلا الله!
10- وهذه (التجمعات) بعضها يعلن صراحة (علمانيته) وعدم علاقته بالدين أصلاً، وبعضها يعلن أنه (يحترم الدين) ولكنه يخرج الدين من نظامه الاجتماعي أصلاً، ويقول: إنه يُنكر (الغيبية) ويقيم نظامه على (العلمية) باعتبار أن العلمية تناقض الغيبية -وهو زعم جاهل- لا يقول به إلا الجهال.
وبعضها يجعل الحاكمية الفعلية لغير الله ويشرع ما يشاء، ثم يقول عما يشرعه من عند نفسه: هذه شريعة الله. وكلها سواء في أنها لا تقوم على العبودية لله وحده...
11- وإذا تعين هذا فإن موقف الإسلام من هذه (التجمعات) الجاهلية كلها يتحدد في عبارة واحدة: إنه يرفض الاعتراف بإسلامية هذه (التجمعات) كلها وشرعيتها في اعتباره؟؟!!
إن الإسلام لا ينظر إلى العنوانات واللافتات والشارات التي تحملها هذه (التجمعات) على اختلافها.. إنها كلها تلتقي في حقيقة واحدة.. وهي أن الحياة فيها لا تقوم على العبودية الكاملة لله وحده. وهي من ثم تلتقي - مع سائر المجتمعات الأخرى - في صفة واحدة.. صفة (الجاهلية).
12- وهذا يقودنا إلى القضية الأخيرة وهي منهج الإسلام في مواجهة الواقع البشري كله. اليوم وغداً وإلى آخر الزمان. وهنا ينفعنا ما قررناه عن (طبيعة المجتمع المسلم) وقيامه على العبودية الله وحده في أمره كله.
إن تحديد هذه الطبيعة يجيب إجابة حاسمة عن هذا السؤال: ما الأصل الذي ترجع إليه الحياة البشرية وتقوم عليه ؟ أهو دين الله ومنهجه للحياة ؟ أم هو الواقع البشري أياً كان ؟
13- إن الإسلام يجيب على هذا السؤال إجابة حاسمة لا يتلعثم فيها ولا يتردد لحظة.. إن الأصل الذي يجب أن ترجع إليه الحياة البشرية بجملتها هو دين الله ومنهجه للحياة.. إن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، التي هي ركن الإسلام الأول، لا تقوم ولا تؤدى إلا أن يكون هذا هو الأصل.. وأن العبودية لله وحده - مع التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - وذلك لا تتحقق إلا أن يعترف بهذا الأصل ثم يتبع اتباعاً كاملاً بلا تلعثم ولا تردد: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)، ثم إن الإسلام يسأل: (أأنتم أعلم أم الله ؟) ويجيب: (والله يعلم وأنتم لا تعلمون)، (وما أوتيتم من العلم إلا قليلاً).
-والذي يعلم - والذي يخلق ويرزق كذلك. هو الأصل الذي ترجع إليه الحياة.. - هو الذي يحكم.. ودينه الذي هو منهجه للحياة. أما واقع البشر ونظرياتهم ومذاهبهم فهي تفسد وتنحرف وتقوم على علم البشر الذين لا يعلمون، والذين لم يؤتوا من العلم إلا قليلاً.
ودين الله ليس غامضاً، ومنهجه للحياة ليس مائعاً.. فهو محدد بشطر الشهادة الثاني: محمد رسول الله. فهو محصور فيما بلغه رسول الله من النصوص في الأصول.. فإن كان هناك نص فالنص هو الحكم ولا اجتهاد مع النص، وإن لم يكن هناك نص؛ فهنا يجيء دور الاجتهاد وفق أصوله المقررة في منهج الله ذاته لا وفق الأهواء والرغبات: (فإن تنازعتم في شيء -فردوه إلى الله والرسول).
.. والأصول المقررة للاجتهاد والاستنباط مقررة كذلك ومعروفة وليست غامضة ولا مائعة فليس لأحد أن يقول لشرع يشرعه: هذا شرع الله.. إلا أن تكون الحاكمية العليا معلنة، وأن يكون مصدر السلطات هو الله سبحانه لا (الشعب) ولا (الحزب) ولا أي من البشر. وأن يرجع إلى كتاب الله وسنة رسوله الله المُعرّفة بما يريده الله ولا يكون هذا لكل من يريد أن يدعي سلطـانـاً باسم الله. كالذي عرفته أوربا ذات يوم باسم (الثيوقراطية) أو (الحكم المقدس)؛ فليس شيء من هذا في الإسلام. وما يملك أحد أن ينطق باسم الله إلا رسوله وإنما هنالك نصوص معينة هي التي تحدد ما شرع الله.
14- إن كلمة (الدين للواقع) يساء فهمها ويساء استخدامها كذلك. نعم إن هذا الدين للواقع ولكن أي واقع.. إنه الواقع.. الذي ينشئه هذا الدين نفسه وفق منهجه، منطبقاً على الفطرة البشرية في سوائها، ومحققاً للحاجات الإنسانية الحقيقية في شمولها. هذه الحاجات التي يقررها الذي خلق والذي يعلم من خلق: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير).
والدين لا يواجه الواقع أياً كان ليقره ويبحث له عن سند منه، وعن حكم شرعي يعلقه عليه كاللافتة المستعارة، إنما يواجه الواقع ليزنه بميزانه؛ فيقر منه ما يقر، ويلغي منه ما يلغي، وينشيء واقعاً غيره إن كان لا يرتضيه. وواقعه الذي ينشئه هو الواقع.. وهذا هو المعني بأن الإسلام: "دين للواقع" أو ما يجب أن تعنيه في مفهومها الصحيح.
ولعله يثار هنا سؤال. أليست مصلحة البشر هي التي يجب أن تصوغ واقعهم ؟ ومرة أخرى نرجع إلى السؤال الذي يطرحه الإسلام ويجيب عليه: (أنتم أعلم أم الله ؟). (والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
إن مصلحة البشر متضمنة في شرع الله كما أنزله الله وكما بلغه عنه رسول الله، فإذا بدا للبشر ذات يوم أن مصلحتهم في مخالفة ما شرع الله لهم فهم.. أولاً: واهمون، فيما بدا لهم، (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى * أم للإنسان ما تمنى * فلله الآخرة والأولى). وهم ثانياً: كافرون- فما يدعي أحد أن المصلحة فيا يراه هو مخالفاً لما شرع الله، ثم يبقى لحظة على هذا الدين ومن أهل هذا الدين!
_______________________________________________
الموضوع الثاني: شريعة كونية
إن لا إله إلا الله تجعل أهلها على انسجام مع نواميس الكون كله يقول صاحب (معالم في الطريق) تحت عنوان: (شريعة كونية) ما يلي:
1- إن الإسلام حين يقيم بناءه الاعتقادي في الضمير -والواقع على أساس العبودية الكاملة لله وحده-، ويجعل هذه العبودية متمثلة في الاعتقاد والعبادة والشريعة على السواء -باعتبار أن هذه العبودية الكاملة لله وحده - في صورتها هذه - هي المدلول العملي لشهادة أن لا إله إلا الله، وأن التلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله - وحده هو المدلول العملي كذلك الشهادة أن محمداً رسول الله...
2- إن الإسلام حين يقيم بناءه كله على هذا الأساس بحيث تمثل شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله منهج الحياة في الإسلام، وتصور ملامح هذا المنهج وتقدر خصائصه.. إن الإسلام حين يقيم بناءه على هذا النحو الفريد الذي يفرقه عن جميع الأنظمة الأخرى التي عرفتها البشرية.. إنما يرجع إلى أصل أشمل في تقريره عن الوجود لا عن الوجود الإنساني وحده وإلى منهج للوجود كله لا منهج للحياة الإنسانية وحدها.
3- إن التصور الإسلامي يقوم على أساس أن هذا الوجود كله من خلق الله، اتجهت إرادة الله إلى كونه فكان: وأودعه الله - سبحانه - قوانينه التي يتحرك بها، والتي تتناسق بها حركة أجزائه فيما بينها كما تتسق بها حركته الكلية سواء: (إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون)، (وخلق كل شيء فقدره تقديراً). إن وراء هذا الوجود الكوني مشيئة تدبره وقدراً يحركه وناموساً ينسقه.
هذا الناموس ينسق بين مفردات هذا الوجود كلها وينظم حركاتها جميعاً؛ فلا تصطدم ولا تختل ولا تتعارض ولا تتوقف عن الحركة المنتظمة المستمرة - إلى ما شاء الله - كما أن هذا الوجود خاضع مستسلم للمشيئة التي تدبره والقدر الذي يحركه والناموس الذي ينسقه، بحيث لا يخطر له في لحظة واحدة أن يتمرد على المشيئة أو أن يتنكر للقدر أو أن يخالف الناموس..
وهو لهذا كله صالح لا يدركه العطب والفساد إلا أن يشاء الله: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثاً والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره. ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين).
4- والإنسان من هذا الوجود الكوني، والقوانين التي تحكم فطرته ليست بمعزل عن ذلك الناموس الذي يحكم الوجود كله.. لقد خلقه الله - كما خلق هذا الوجود - وهو في تكوينه المادي من طين هذه الأرض وما وهبه الله من خصائص زائدة على مادة الطين جعلت منه إنساناً، إنما رزقه الله إياه مقدراً تقديراً وهو خاضع - من ناحية كيانه الجسمي - للناموس الطبيعي الذي سنه الله له رضي أم أبي - يعطي وجوده وخلقه ابداء بمشيئة الله لا بمشيئته هو ولا بمشيئة أبيه وأمه - فهما يلتقيان ولكنهما لا يملكان أن يعطيا جنيناً وجوده - وهو يولد وفق الناموس الذي وضعه الله لمدة الحمل وظروف الولادة، وهو يتنفس هذا الهواء الذي أوجده الله بمقاديره هذه ويتنفسه بالقدر وبالكيفية التي أرادها الله له. وهو يحس ويتألم ويجوع ويعطش ويأكل ويشرب ويتمثل الطعام والشراب.
وبالجملة؛ فهو يعيش.. وفق ناموس الله عن غير إرادة منه ولا اختيار شأنه في هذا شأن هذا الوجود الكوني وكل ما فيه في الخضوع المطلق لمشيئة الله وقدره وناموسه..
5- والله الذي خلق هذا الوجود الكوني وخلق الإنسان، والذي أخضع الإنسان لنواميسه التي أخضع لها الوجود الكوني.. هو سبحانه - الذي سن للإنسان (شريعة) لتنظيم حياته الإرادية تنظيماً متناسقاً مع حياته الطبيعية؛ فالشريعة - على هذا الأساس - إن هي إلا قطاع من الناموس الإلهي العام الذي يحكم فطرة الإنسان وفطرة الوجود العام وينسقها كلها جملة واحدة "كُن فيكون".
وما من كلمة من كلمات الله ولا أمر ولا نهي ولا وعد ولا وعيد ولا تشريع ولا توجيه.. إلا وهي شطر من الناموس العام وصادقة في ذاتها صدق القوانين التي نسميها القوانين الطبيعية - أي القوانين الإلهية الكونية - التي نراها تتحقق في كل لحظة بحكم ما في طبيعتها من حق أزلي أودعه الله فيها وهي تتحقق بقدر الله.
6- و « الشريعة » التي سنها الله لتنظيم حياة البشر هي - من ثم - شريعة كونية بمعني أنها متصلة بناموس الكون العام ومتناسقة معه، ومن ثم فإن الالتزام بها ناشيء من ضرورة تحقيق التناسق بين القوانين التي تحكم فطرة البشر المضمرة والقوانين التي تحكم حياتهم الظاهرة. وضرورة الالتئام بين الشخصية المضمرة والشخصية الظاهرة للإنسان.
ولما كان البشر لا يملكون أن يدركوا جميع السنن الكونية ولا أن يحيطوا بأطراف الناموس العام ولا حتى بهذا الذي يحكم فطرتهم ذاتها ويخضعهم له رضوا أم أبوا؛ فإنهم من ثم لا يملكون أن يشترعوا لحياة البشر نظاماً يتحقق به التناسق المطلق بين حياة الناس وحركة الكون، ولا حتى التناسق بين فطرتهم المضمرة وحياتهم الظاهرة، إنما يملك هذا خالق الكون وخالق البشر ومدبر أمره وأمرهم وفق الناموس الواحد الذي اختاره وارتضاه.
7- وكذلك يصبح العمل بشريعة الله واجباً لتحقيق ذلك التناسق.. وذلك فوق وجوبه لتحقق الإسلام اعتقاداً، فلا وجود للإسلام في حياة فرد أو حياة جماعة إلا (بالإيمان بأن) العبودية لله وحده وبالتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله وحده، تحقيقاً لمدلول ركن الإسلام الأول: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
8- وفي تحقيق التناسق المطلق بين حياة البشر وناموس الكون كل الخير للبشر، كما أن فيه الصيانة للحياة من الفساد.. إنهم - في هذه الحالة وحدها - يعيشون في سلام مع الكون وفي سلام مع أنفسهم.. فأما السلام مع الكون فينشأ من تطابق حركتهم مع حركة الكون، وتطابق أتجاههم مع اتجاهه.. وأما السلام مع أنفسهم فينشأ من توافق حركتهم مع دوافع فطرتهم الصحيحة؛ فلا تقوم المعركة بين المرء وفطرته لأن شريعة الله تنسق بين الحركة الظاهرة والفطرة المضمرة في يسر وهدوء... وينشأ عن هذا التنسيق تنسيق آخر في ارتباط الناس ونشاطهم العام لأنهم جميعاً يسلكون حينئذ وفق منهج موحد هو طرف من الناموس الكوني العام.
كذلك يتحقق الخير للبشرية عن طريق اهتدائها وتعرفها في يسر إلى أسرار هذا الكون والطاقات المكنونة فيه والكنوز المذخورة في أطوائه. واستخدام هذا كله وفق شريعة الله لتحقيق الخير البشري العام بلا تعارض ولا اصطدام. ومقابل شريعة الله هو أهواء البشر: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن).
9- ومن ثم توحد النظرية الإسلامية بين الحق الذي يقوم عليه هذا الدين والحق الذي تقوم عليه السماوات والأرض ويصلح عليه أمر الدنيا والآخرة ويحاسب الله به ويجازي من يتعدونه.. فهو حق واحد لا يتعدد، وهو الناموس الكوني العام الذي أراده الله لهذا الوجود في جميع الأحوال والذي يخضع له ويؤخذ به كل ما في الوجود من عوالم وأشياء وأحياء.
(لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم أفلا تعقلون * وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوماً آخرين * فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون * لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون * قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين. فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين * وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين * لو أردنا أن نتخذ لهوا لا تخذناه من لدنا إن كنا فاعلين * بل تقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون * وله من في السماوات والأرض ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون * يسبحون الليل والنهار لا يفترون).
10- وفطرة الإنسان تدرك هذا الحق في أعماقها، فطبيعة تكوينه، وطبيعة هذا الكون كله من حوله توحي إلى فطرته بأن هذا الوجود قائم على الحق وأن الحق أصيل فيه، وأنه ثابت على الناموس لا يضطرب ولا تتفرق به السبل ولا تختلف دورته، ولا يصطدم بعضه ببعض ولا يسير وفق المصادفة العابرة والفلتة الشاردة، ولا وفق الهوى المتقلب والرغبة الجامحة إنما يمضي في نظامه الدقيق المحكم المقدر تقديراً.
ومن ثمَّ يقع الشقاق - أول ما يقع - بين الإنسان وفطرته عندما يحيد عن الحق الكامن في أعماقها تحت تأثير هواه وذلك عندما يتخذ شريعة لحياته مستمدة من هذا الهوى لا من شريعة الله وعندما لا يستسلم لله استسلام هذا الوجود الكوني الخاضع لمولاه.
ومثل هذا الشقاق يقع بين الأفراد والجماعات والأمم والأجيال. كما يقع بين البشر والكون من حولهم. فتنقلب قواه وذخائره وسائل تدمير وأسباب شقاء بدلاً من أن تكون وسائل عمران وأسباب سعادة لبني الإنسان.
وإذن فإن الهدف الظاهر من قيام شريعة الله في الأرض ليس مجرد العمل للآخرة، فالدنيا والآخرة معاً مرحلتان متكاملتان. وشريعة الله هي التي تنسق بين المرحلتين في حياة هذا الإنسان وتنسيق الحياة كلها مع الناموس الإلهي العام. والتناسق مع الناموس لا يؤجل سعادة الناس إلى الآخرة بل يجعلها واقعة ومتحققة في المرحلة الأولى كذلك. ثم تتم تمامها وتبلغ كمالها في الدار الآخرة.
هذا هو أساس التصور الإسلامي للوجود كله وللوجود الإنساني في ظل ذلك الوجود العام. وهو تصور يختلف في طبيعته اختلافاً جوهرياً عن كل تصور آخر عرفته البشرية. ومن ثم تقوم عليه التزامات لا تقوم على أي تصور آخر في جميع الأنظمة والنظريات.
11- إن الالتزام بشريعة الله - في هذا التصور - هو مقتضى الارتباط التام بين حياة البشر وحياة الكون. وبين الناموس الذي يحكم فطرة البشر ويحكم هذا الكون. ثم ضرورة المطابقة بين هذا الناموس العام والشريعة التي تنظم حياة بني الإنسان. وتتحقق بالتزامها عبودية البشر الله وحده كما أن عبودية هذا الكون الله وحده لا يدعيها لنفسه إنسان.
وإلى ضرورة هذا التطابق والتناسق يشير الحوار الذي جرى بين إبراهيم - عليه السلام - أبي هذه الأمة المسلمة - وبين (نمرود) المتجبر المدعي بحق السلطان على العباد في الأرض والذي لم يستطع - مع ذلك - أن يدعي بحق السلطان على الأفلاك والأجرام في الكون. وبهت أمام إبراهيم عليه السلام وهو يقول له: إن الذي يملك السلطان في الكون هو وحده الذي ينبغي أن يكون له السلطان في حياة البشر ولم يحر جواباً على هذا البرهان:
(ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم * ربي الذي يحيى ويميت قال أنا أحي وأميت قال إبراهيم * فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين).
وصدق الله العظيم: (أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرها وإليه يرجعون ؟)
___________________________________________________
الموضوع الثالث: حضارة وثقافة
إن لا إله إلا الله محمد رسول الله ينبع عنها "ثقافة خاصة، وحضارة حقة"، ويشرح هاتين القضيتين صاحب كتاب (معالم في الطريق) بمقالين:
الأول تحت عنوان: (الإسلام هو الحضارة).
والثاني تحت عنوان: (التصور الإسلامي والثقافة).
أ - الإسلام هو الحضارة:
الإسلام لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات مجتمع إسلامي، ومجتمع جاهلي.
1- المجتمع الإسلامي: هو المجتمع الذي يطبق فيه الإسلام. عقيدة وعبادة وشريعة ونظاماً. وخلقاً وسلوكاً. والمجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه عقيدته وتصوراته وقيمه وموازينه ونظامه وشرائعه وخلقه وسلوكه.
(والمجتمع الجاهلي) قد يتمثل في صور شتى - كلها جاهلية - قد يتمثل في صورة مجتمع ينكر وجود الله تعالى ويفسر التاريخ تفسيراً مادياً جدلياً ويطبق ما يسميه (الإشتراكية العلمية) نظاماً.
وقد يتمثل في (نظام) لا ينكر وجود الله تعالى، ولكن يجعل له ملكوت السموات ويعزله عن ملكوت الأرض؛ فلا يطبق شريعته في نظام الحياة ولا يحكم قيمه التي جعلها هو قيماً ثابته في حياة البشر ويبيح للناس أن يعبدوا الله في البيع والكنائس والمساجد، ولكنه يحرم عليهم أن "يطالبوا" بتحكيم شريعة الله في حياتهم وهو بذلك ينكر - أو يعطل - ألوهية الله في الأرض التي ينص عليها قوله تعالى:
(وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله)، ومن ثم لا يكون هذا (النظام) إسلامياً في دين الله الذي يحدده قوله: (إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم)، وبذلك يكون نظاماً جاهلياً ولو أقر بوجود الله سبحانه ولو ترك الناس يقدمون الشعائر الله؟!!
(المجتمع الإسلامي) - بصفته تلك - هو وحده (المجتمع المتحضر)، والمجتمعات الجاهلية - بكل صورها المتعددة - مجتمعات متخلفة، ولا بد من إيضاح لهذه الحقيقة الكبيرة.
2- لقد كنت قد أعلنت مرة عن كتاب لي تحت الطبع بعنوان: (نحو مجتمع إسلامي متحضر)، ثم عدت في الإعلان التالي عنه فحذفت كلمة (متحضر) مكتفياً بأن يكون عنوان البحث - كما هو موضوعه - (نحو مجتمع إسلامي).
ولفت هذا التعديل نظر (كاتب جزائري) يكتب بالفرنسية؛ ففسره على أنه ناشيء عن (عملية دفاع نفسية داخلية عن الإسلام) وأسف لأنه هذه العملية - غير الواعية - تحرمني مواجهة (المشكلة) على حقيقتها. أنا أعذر هذا الكاتب لقد كنت مثله من قبل.. كنت أفكر على النحو الذي يفكر هو عليه الآن.. عندما فكرت في الكتابة عن هذا الموضوع لأول مرة... وكانت المشكلة عندي - كما هي عنده اليوم - هي مشكلة: (تعريف الحضارة).
3- لم أكن قد تخلصت بعد من ضغط الرواسب الثقافية في تكويني العقلي والنفسي، وهي رواسب آتية من مصادر أجنبية غريبة على حسي الإسلامي. وعلى الرغم من اتجاهي الإسلامي الواضح في ذلك الحين إلا أن هذه الرواسب كانت تغبش تصوري وتطمسه. كان تصور (الحضارة) - كما هو في الفكر الأوروبي - يخايل لي ويغبش تصوري ويحرمني الرؤية الواضحة الأصيلة.
.. ثم انجلت الصورة: (المجتمع المسلم) (هو المجتمع المتحضر) إذن لغو لا يضيف شيئاً جديداً على العكس تنقل هذه الكلمة إلى حسي تلك الظلال الأجنبية الغريبة التي كانت تغبش تصوري وتحرمني الرؤيا الواضحة الأصيلة. فالاختلاف إذن هو على (تعريف الحضارة): ولا بد من إيضاح إذن لهذه الحقيقة.
4- حين تكون الحاكمية العليا في مجتمع لله وحده - متمثلة في سيادة الشريعة الإلهية - تكون هذه هي الصورة الوحيدة التي يتحرر فيها البشر تحرراً كاملاً وحقيقياً من العبودية للبشر.. وتكون هذه هي (الحضارة الإنسانية)؛ لأن حضارة الإنسان تقتضي قاعدة أساسية من التحرر الحقيقي الكامل للإنسان ومن الكرامة المطلقة لكل فرد في المجتمع.. ولا حرية - في الحقيقة ولا كرامة للإنسان - ممثلاً في كل فرد من أفراده - في مجتمع بعضه أرباب يشرعون وبعضه عبيد يطيعون -
ولا بد أن نبادر فنُبيّن أن التشريع لا ينحصر فقط في الأحكام القانونية - كما هو المفهوم الضيق في الأذهان اليوم لكلمة الشريعة - فالتصورات والمناهج والقيم والموازين والعادات والتقاليد.. كلها تشريع يخضع الأفراد الضغطه. وحين يصنع الناس - بعضهم لبعض - هذه الضغوط ويخضع لها البعض الآخر منهم في هذه الضغوط ويخضع لها البعض الآخر منهم في مجتمع لا يكون هذا المجتمع متحرراً. إنما هو مجتمع بعضه أرباب وبعضه عبيد - كما أسلفنا. - وهو - من ثم مجتمع متخلف.. أو بالمصطلح الإسلامي.. (مجتمع جاهلي).
5- والمجتمع الإسلامي هو وحده المجتمع الذي يهيمن عليه إله واحد ويخرج فيه الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبذلك يتحررون التحرر الحقيقي الكامل الذي ترتكز إليه حضارة الإنسان وتتمثل فيه كرامته كما قدرها الله له -وهو يعلن خلافته في الأرض عنه ويعلن كذلك تكريمه في الملأ الأعلى.
وحين تكون آصرة التجمع الأساسية في مجتمع هي العقيدة والتصور والفكرة ومنهج الحياة. ويكون هذا كله صادراً من إله واحد تتمثل فيه السيادة العليا للبشر، وليس صادراً من أرباب أرضية تتمثل فيها عبودية البشر للبشر.. يكون ذلك التجمع ممثلاً لأعلى ما في الإنسان من خصائص.. خصائص الروح والفكر فأما حين تكون أصرة التجمع في مجتمع هي الجنس واللون والقوم والأرض وما إلى ذلك من الروابط فظاهر أن الجنس واللون والقوم والأرض لا تمثل الخصائص العليا للإنسان.. فالإنسان يبقى إنساناً بعد الروح والفكر ثم هو يملك - بمحض إرادته الحرة - أن يغير عقيدته وتصوره وفكره ومنهج حياته.
ولكنه لا يملك أن يغير لونه أو جنسه كما أنه لا يملك أن يحدد مولده في قوم ولا في أرض.. فالمجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر يتعلق بإرادتهم الحرة واختيارهم الذاتي هو المجتمع المتحضر.. أما المجتمع الذي يتجمع فيه الناس على أمر خارج عن إرادتهم الإنسانية فهو المجتمع المتخلف. أو بالمصطلح الإسلامي.. هو (المجتمع الجاهلي).
6- والمجتمع الإسلامي وحده هو المجتمع الذي تمثل فيه العقيدة رابطة التجمع الأساسية. والذي تعتبر فيه العقيدة الجنسية التي تجمع بين الأسود والأبيض والأحمر والأصفر. والعربي والرومي والفارسي والحبشي وسائر أجناس الأرض في أمة واحدة ربها الله. وعبوديتها له وحده. والأكرم فيها هو الأتقى. والكل فيها أنداد يلتقون على أمر شرعه الله لهم، ولم يشرعه أحد من العباد، وحين تكون (انسانية) الإنسان هي القيمة العليا في مجتمع، وتكون الخصائص (الإنسانية) فيه هي موضع التكريم والاعتبار. يكون هذا المجتمع متحضراً.. فأما حين تكون (المادة) في أية صورة هي القيمة العليا.. سواء في صورة (النظرية) كما في التفسير الماركسي للتاريخ أو في صورة (الإنتاج المادي) كما في أمريكا وأوربا وسائر المجتمعات التي تعتبر الإنتاج المادي قيمة عليا تهدر في سبيلها القيم والخصائص الإنسانية.. فإن هذا المجتمع يكون مجتمعاً متخلفاً.. أو بالمصطلح الإسلامي. (مجتمعاً جاهلياً).
7- إن المجتمع المتحضر الإسلامي لا يحتقر المادة - لا في صورة النظرية - باعتبارها هي التي يتألف منها هذا الكون الذي نعيش فيه ونتأثر به وتؤثر فيه أيضاً - ولا في صورة (الإنتاج المادي) فالإنتاج المادي من مقومات الخلافة في الأرض عن الله - ولكنه فقط لا يعتبرها هي القيمة العليا التي تهدر في سبيلها خصائص (الإنسان) ومقوماته.. وتهدر من أجلها حرية الفرد وكرامته. وتهدر فيها قاعدة الأسرة ومقوماتها. وتهدر فيها أخلاق المجتمع وحرماته.. إلى آخر ما تهدره المجتمعات الجاهلية من القيم العليا والفضائل والحرمات لتحقق الوفرة في الإنتاج المادي.
وحين تكون (القيم الإنسانية) و (الأخلاق الإنسانية) التي تقوم عليها هي السائدة في مجتمع يكون هذا المجتمع متحضراً. والقيم الإنسانية والأخلاق الإنسانية ليست مسألة غامضة مائعة وليست كذلك قيماً (متطورة) متغيرة متبدلة لا تستقر على حال ولا ترجع إلى أصل، كما يزعم التفسير المادي للتاريخ وكما تزعم (الإشتراكية العلمية).
إنها القيم والأخلاق التي تنمي في الإنسان خصائص (الإنسان) التي يتفرد بها دون الحيوان والتي تغلب فيه هذا الجانب الذي يميزه ويفرده عن الحيوان. وليست هي القيم والأخلاق التي تنمي فيه وتغلب الجوانب التي يشترك فيها مع الحيوان. وحين توضع المسألة هذا الموضع يبرز فيها خط فاصل وحاسم وثابت، لا يقبل عملية التمييع المستمرة التي يحاولها (التطوريون) و (الاشتراكيون العلميون).
عندئذ لا يكون إصطلاح البيئة وعرفها هو الذي يحدد القيم الأخلاقية إنما يكون وراء اختلاف البيئة ميزان ثابت.. عندئذ لا تكون هناك قيم وأخلاق (زراعية) وأخري (صناعية) ولا قيم وأخلاق (رأسمالية) وأخرى (اشتراكية) ولا قيم وأخلاق (بروجوازية) وأخرى (صعلوكية) ولا تكون هناك أخلاق من صنع البيئة ومستوى المعيشة وطبيعة المرحلة.. إلى آخر هذه التغيرات السطحية والشكلية.. إنما تكون هناك - من وراء ذلك كله - قيم وأخلاق (إنسانية) وقيم وأخلاق (حيوانية) إذا صح هذا التعبير - أو بالمصطلح الإسلامي: قيم وأخلاق (إسلامية) وقيم وأخلاق (جاهلية).
8- إن الإسلام يقرر قيمة وأخلاقية هذه (الإنسانية) - أي: التي تنمي في الإنسان الجوانب التي تفرقه وتميزه عن الحيوان - ويمضي في إنشائها وتثبيتها وصيانتها في كل المجتمعات التي يهيمن عليها سواء كانت هذه المجتمعات في طور الزراعة أم في طور الصناعة. وسواء كانت مجتمعات بدوية تعيش على الرعي، أو مجتمعات حضرية مستقرة وسواء كانت هذه المجتمعات فقيرة أو غنية.. إنه يرتقي صعداً بالخصائص الإنسانية ويحرسها من النكسة إلى الحيوانية.. لأن الخط الصاعد في القيم والاعتبارات يمضي من الدرك الحيواني إلى المرتفع الإنساني.. فإذا انتكس هذا الخط - مع حضارة المادة - فلن يكون ذلك حضارة إنما هو (التخلف) أو هو (الجاهلية).
9- وحين تكون (الأسرة) هي قاعدة المجتمع. وتقوم هذه الأسرة على أساس (التخصص) بين الزوجين في العمل. وتكون رعاية الجيل الناشيء هي أهم وظائف الأسرة.. يكون هذا المجتمع متحضراً.. ذلك أن الأسرة على هذا النحو - في ظل المنهج الإسلامي - تكون هي البيئة التي تنشأ فيها القيم والأخلاق (الإنسانية) التي أشرنا إليها في الفقرة السابقة ممثلة في الجيل الناشيء - والتي يستحيل أن تنشأ في وحدة أخرى غير وحدة الأسرة.
فأما حين تكون العلاقات الجنسية (الحرة) كما يسمونها (والنسل غير الشرعي) هي قاعدة المجتمع حين تقوم العلاقات بين الجنسين على أساس الهوى والنزوة والانفعال، لا على أساس الواجب والتخصص الوظيفي في الأسرة حين تصبح وظيفة المرأة هي الزينة والغواية والفتنة.. وحين تتخلى المرأة عن وظيفتها الأساسية في رعاية الجيل الجديد وتؤثر هي - أو يؤثر لها المجتمع - أن تكون مضيفة في فندق أو سفينة أو طائرة.. حين تنفق طاقتها في (الإنتاج المادي) و (صناعة الأدوات) ولا تنفقها في صناعة (الإنسانية) لأن الإنتاج المادي يومئذ أغلى وأعز وأكرم من (الإنتاج الإنساني) عندئذ يكون هذا هو (التخلف الحضاري) بالقياس الإنساني.. أو تكون هي (الجاهلية) بالمصطلح الإسلامي.
10- وقضية الأسرة والعلاقات بين الجنسين قضية حاسمة في تحديد صفة المجتمع.. متخلف أم متحضر.. جاهلي أم إسلامي. والمجتمعات التي تسود فيها القيم والأخلاق والنزعات الحيوانية في هذه العلاقة لا يمكن أن تكون مجتمعات متحضرة مهما تبلغ من التفوق الصناعي والاقتصادي والعلمي. إن هذا المقياس لا يخطيء في قياس مدى التقدم (الإنساني).
وفي المجتمعات الجاهلية الحديثة ينحسر المفهوم (الأخلاقي) بحيث يتخلى عن كل ما له علاقة بالتميز (الإنساني) عن الطابع (الحيواني) ففي هذه المجتمعات لا تعتبر العلاقات الجنسية غير الشرعية - ولا حتى العلاقات الجنسية الشاذة - رذيلة أخلاقية.. إن المفهوم الأخلاقي يكاد ينحصر في المعاملات الاقتصادية - والسياسية أحياناً في حدود (مصلحة الدولة) - ففضيحة كريستين كيلر وبروفيومو الوزير الإنجليزي - مثلاً - لم تكن في عرف المجتمع الإنجليزي فضيحة بسبب جانبها الجنسي. إنما كانت فضيحة؛ لأن كريستين كيلر كانت صديقة كذلك للملحق البحري الروسي. ومن هنا يكون هناك خطر على أسرار الدولة فى علاقة الوزير بهذه الفتاة وكذلك لأنه افتضح كذبه على البرلمان الإنجليزي والفضائح المماثلة في مجلس الشيوخ الأمريكي وفضائح الجواسيس والموظفين الإنجليز والأمريكان الذي هربوا إلى روسيا. ليست فضائح بسبب شذوذهم الجنسي ولكن بسبب الخطر على أسرار الدولة.
والكتاب والصحفيون والروائيون في المجتمعات الجاهلية هنا وهناك يقولونها صريحة للفتيات والزوجات: إن الاتصالات (الحرة) ليست رذائل أخلاقية.. الرذيلة الأخلاقية أن يخدع الفتى رفيقته أو تخدع الفتاة رفيقها ولا تخلص له الود، بل الرذيلة، أن تحافظ الزوجة على عفتها إذا كانت شهوة الحب لزوجها قد خمدت، والفضيلة أن تبحث لها عن صديق تعطيه جسدها بأمانة. عشرات من القصص هذا محورها ومئات التوجيهات الإخبارية والرسوم الكاريكاتيرية والنكت والفكاهات هذه إيحاءتها. مثل هذه المجتمعات مجتمعات متخلفة.. غير متحضرة.. من وجة نظر (الإنسان) وبمقياس خط التقدم (الإنساني).
11- إن خط التقدم الإنساني يسير في اتجاه (الضبط) للنزوات الحيوانية، وحصرها في نطاق (الأسرة) على أساس (الواجب) لتؤدي بذلك (وظيفة إنسانية) ليست اللذة غايتها، وإنما هي إعداد جيل إنساني يخلف الجيل الحاضر في ميراث الحضارة (الإنسانية) التي يميزها بروز الخصائص الإنسانية ولا يمكن إعداد جيل يترقى في خصائص الإنسان ويبتعد عن خصائص الحيوان إلا في محضن أسرة محوطة بضمانات الأمن والاستقرار العاطفي وقائمة على أساس الواجب الذي لا يتأرجح مع الانفعلات الطارئة. وفي المجتمع الذي تنشئه تلك التوجيهات والإيحاءات الخبيثة المسمومة والذي ينحسر فيه المفهوم الأخلاقي فيتخلى عن كل آداب الجنس لا يمكن أن يقوم ذلك المحضن الإنساني.
من أجل ذلك كله تكون القيم والأخلاق والإيحاءات والضمانات الإسلامية هي اللائقة بالإنسان ويكون (الإسلام هو الحضارة) ويكون المجتمع الإسلامي هو المجتمع المتحضر.. بذلك المقياس الثابت الذي لا يتميع أو لا (يتطور).
12- وأخيراً فإنه حين يقوم (الإنسان) بالخلافة عن (الله) في أرضه على وجهها الصحيح: بأن يخلص عبوديته الله ويخلص من العبودية لغيره. وأن يحقق منهج الله وحده ويرفض الاعتراف بشرعية منهج غيره. وأن يحكم شريعة الله وحدها في حياته كلها، وينكر تحكيم شريعة سواها، وأن يعيش بالقيم والأخلاق التي قررها الله له ويسقط القيم والأخلاق المدعاة، ثم بأن يتعرف. بعد ذلك كله إلى النواميس الكونية التي أودعها الله هذا الكون المادي ويستخدمها في ترقية الحياة وفي استنباط خامات الأرض وأرزاقها وأقواتها التي أودعها الله إياها، وجعل تلك النواميس الكونية أختامها، ومنح الإنسان القدرة على فض هذه الأختام بالقدر الذي يلزم له في الخلافة.. أي: حين ينهض بالخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه ويصبح وهو يفجر ينابيع الرزق ويصنع المادة الخامة ويقيم الصناعات المتنوعة ويستخدم ما تتيحه له كل الخبرات الفنية التي حصل عليها الإنسان في تاريخه كله.. حين يصبح وهو يصنع هذا كله (ربانياً) يقوم بالخلافة عن الله - على هذا النحو - عبادة الله يومئذ يكون هذا الإنسان كامل الحضارة ويكون هذا المجتمع قد بلغ قمة الحضارة..
فأما الإبداع المادي - وحده - فلا يسمى في الإسلام حضارة -.. فقد يكون وتكون معه الجاهلية.. وقد ذكر الله من هذا الإبداع المادي في معرض وصف الجاهلية نماذج:
(أتبنون بكل ريع آية تعبثون * وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون * وإذا بطشتم بطشتم جبارين * فاتقوا الله وأطيعون * واتقوا الله الذي أمدكم بما تعلمون أمدكم بأنعام وبنين * وجنات وعيون * إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم).
(اتُتركون فيما ها هنا آمنين * في جنات وعيون * وزروع ونخل طلعها هضيم * وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين * فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون).
(فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون * فقطع دابر القوم الذين ظلموا، والحمد لله رب العالمين).
(حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت وظن أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلاً أو نهاراً فجعلناها حصيداً كأن لم تغن بالأمس).
ولكن الإسلام - كما أسلفنا - لا يحتقر المادة. ولا يحتقر الإبداع المادي وإنما هو يجعل هذا اللون من التقدم - في ظل منهج الله - نعمة من نعم الله على عباده ويبشرهم به جزاء على طاعته:
(فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفاراً * يرسل السماء عليكم مدراراً * ويمددكم بأموال وبنين * ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهاراً).
(ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض، ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون).
المهم هو القاعدة التي يقوم عليها التقدم الصناعي والقيم التي تسود المجتمع والتي يتألف من مجموعها خصائص الحضارة (الإنسانية).
13- وبعد.. فإن قاعدة انطلاق المجتمع الإسلامي، وطبيعة تكوينه العضوي تجعلان منه مجتمعاً فريداً لا تنطبق عليه أية من النظريات التي تفسر قيام المجتمعات الجاهلية وطبيعة تكوينها العضوي.. المجتمع الإسلامي وليد الحركة، والحركة فيه مستمرة وهي التي تعين أقدار الأشخاص فيه وقيمتهم ومن ثم تحدد وظائفهم فيه ومراكزهم.
والحركة التي يتولد عنها هذا المجتمع ابداء حركة آتية من خارج النطاق الأرضي ومن خارج المحيط البشري.. إنها تتمثل في عقيدة آتية من الله للبشر، تنشيء لهم تصوراً خاصاً للوجود والحياة والتاريخ والقيم والغايات، وتحدد لهم منهجاً للعمل يترجم هذا التصور.. الدفعة الأولى التي تطلق الحركة ليست منبثقة من نفوس الناس ولا من مادة الكون.. إنها - كما قلنا - آتية من خارج النطاق الأرضي ومن خارج المحيط البشري... وهذا هو المميز الأول لطبيعة المجتمع الاسلامي وتركيبه.
إنه ينطلق من عنصر خارج عن محيط الإنسان وعن محيط الكون المادي وبهذا العنصر القدري الغيبي الذي لم يكن أحد من البشر يتوقعه أو يحسب حسابه ودون أن يكون للإنسان يد فيه - في ابتداء الأمر - تبدأ أولى خطوات الحركة في قيام المجتمع الإسلامي، ويبدأ معها عمل (الإنسان) أيضاً.. إنسان يؤمن بهذه العقيدة الآتية له من ذلك المصدر الغيبي بقدر الله وحده.
14- وحين يؤمن هذا الإنسان بهذه العقيدة يبدأ وجود المجتمع الإسلامي (حكماً). إن الإنسان الواحد لن يتلقى هذه العقيدة وينطوي على نفسه.. إنه سينطلق بها.. هذه طبيعتها.. طبيعة الحركة الحية.. إن القوة العليا التي دفعت بها هذا القلب تعلم أنها ستتجاوزه حتماً.. إن الدفعة الحية التي وصلت بها هذه العقيدة إلى هذا القلب ستمضي في طريقها قدماً.
هذه النشأة وهذا التكوين خاصيتان من خصائص المجتمع إسلامي تميزان وجوده وتركيبه، وتميزان طابعه وشكله. وتميزان نظامه والإجراءات التنفيذية لهذا النظام أيضاً وتجعلان هذه الملامح كلها مستقلة لا تعالج بمفهومات اجتماعية أجنبية عنها، ولا تدرس، وفق منهج غريب عن طبيعتها ولا تنفذ بإجراءات مستمدة من نظام آخر.
15- إن المجتمع الإسلامي - كما يبدو من تعريفنا المستقل للحضارة - ليس بمجرد صورة تاريخية يبحث عنها في ذكريات الماضي إنما هو طلبة الحاضر وأمل المستقبل، إنه هدف يمكن أن تستشرفه البشرية كلها اليوم وغداً، لترتفع به من وهدة الجاهلية التي تتردى فيها، سواء في هذه الجاهلية المتقدمة صناعياً واقتصادياً والأمم المتخلفة أيضاً.
إن تلك القيم التي أشرنا إليها إجمالاً هي قيم إنسانية لم تبلغها الإنسانية إلا في فترة (الحضارة الإسلامية) ويجب أن ننبه إلى ما نعنيه بمصطلح (الحضارة الإسلامية)، إنها الحضارة التي توافرت فيها تلك القيم وليست هي كل تقدم صناعي أو اقتصادي أو علمي مع تخلف تلك القيم عنها.
16- وهذه القيم ليست (مثالية خيالية) إنما هي قيم واقعية عملية. ويمكن تحققها بالجهد البشري - في ظل المفهومات الإسلامية الصحيحة - يمكن تحقيقها في كل بيئة بغض النظر عن نوع الحياة السائد فيها وعن تقدمها الصناعي والاقتصادي والعلمي؛ فهي لا تعارض - بل تشجع بالمنطق العقيدي ذاته - التقدم في كافة حقول الخلافة ولكنها في الوقت ذاته لا تقف مكتوفة اليدين في البلاد التي لم تتقدم في هذه الحقول بعد. إن الحضارة يمكن أن تقوم في كل مكان وفي كل بيئة.. تقوم بهذه القيم.. أما أشكالها المادية التي تتخذها فلا حد لها لأنها في كل بيئة تستخدم القدرات الموجودة بها فعلاً وتنميها.
17- المجتمع الإسلامي إذن - من ناحية: شكله وحجمه ونوع الحياة السائدة فيه ليس صورة تاريخية ثابتة، لكن وجوده وحضارته يرتكنان إلى قيم تاريخية ثابتة، وحين نقول (تاريخية) لا نعني إلا أن هذه القيم قد عرفت في تاريخ معين. وإلا فهي ليست من صنع التاريخ ولا علاقة لها بالزمن في طبيعتها.. إنها حقيقة جاءت إلى البشرية من مصدر رباني الواقع البشري. ومن وراء الوجود المادي أيضاً.
والحضارة الإسلامية يمكن أن تتخذ أشكالاً متنوعة في تركيبها المادي والتشكيلي. ولكن الأصول والقيم التي تقوم عليها ثابتة لأنها هي مقومات هذه الحضارة: (العبودية لله وحده).
والتجمع على آصرة العقيدة فيه، واستعلاء إنسانية الإنسان على المادة. وسيادة القيم الإنسانية التي تنمي إنسانية الإنسان لا حيوانيته. وحرمة الأسرة والخلافة في الأرض على عهد الله وشرطه.. وتحكيم منهج الله وشريعته وحدها في شؤون هذه (الخلافة).
18- إن أشكال (الحضارة الإسلامية) التي تقوم على هذه الأسس الثابتة، تتأثر بدرجة التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي. لأنها تستخدم الموجود منها فعلاً في كل بيئة.. ومن ثم لابد أن تختلف أشكالها.. لابد أن تختلف لتضمن المرونة الكافية لدخول كافة البيئات والمستويات في الإطار الإسلامي والتكيف بالقيم والمقومات الإسلامية.. وهذه المرونة - في الأشكال الخارجية للحضارة - ليست مفروضة على العقيدة الإسلامية التي تنبثق منها تلك الحضارة، إنما هي من طبيعتها. ولكن المرونة ليست هي التميع.. والفرق بينهما بعيداً جداً.
19- لقد كان الإسلام ينشيء الحضارة في أواسط إفريقية بين العراة.. لأنه بمجرد وجوده هناك تكتسي الأجسام العارية ويدخل الناس في حضارة اللباس التي يتضمنها التوجيه الإسلامي المباشر، ويبدأ الناس في الخروج كذلك من الخمول البليد إلى نشاط العمل الموجه لاستغلال كنوز الكون المادي. ويمرون كذلك من طور القبيلة - أو العشيرة - إلى طور الأمة. وينتقلون من عبادة الطوطم المنعزلة إلى عبادة رب العالمين.. فما هي الحضارة إن لم تكن هي هذا ؟ إنها حضارة هذه البيئة التي تعتمد على إمكانياتها القائمة فعلاً... فأما حين يدخل الإسلام في بيئة أخرى فإنه ينشيء - بقيه الثابتة - شكلاً آخر من أشكال الحضارة تستخدم فيه موجودات هذه البيئة وإمكانياتها الفعلية وينميها.
وهكذا لا يتوقف قيام الحضارة - بطريقة الإسلام ومنهجه - على درجة معينة من التقدم الصناعي والاقتصادي والعلمي. وإن كانت الحضارة حين تقوم تستخدم هذا التقدم - عند وجوده - وتدفعه إلى الأمام دفعاً وترفع أهدافه. كما أنها تنشئه إنشاء حين لا يكون، وتكفل نموه و اطراده.. ولكنها تظل في كل حال قائمة على أصولها المستقلة ويبقى للمجتمع الإسلامي طابعه الخاص وتركيبه العضوي الناشئان عن نقطة انطلاقه الأولى التي يتميز بها من كل مجتمعات الجاهلية. و (صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة).
___________________________________________________
ب - التصور الإسلامي والثقافة:
العبودية المطلقة لله وحده هي الشطر الأول لركن الإسلام الأول، فهي المدلول المطابق لشهادة أن لا إله إلا الله، والتلقي في كيفية هذه العبودية عن رسول الله هو الشطر الثاني لهذا الركن، فهو المدلول المطابق لشهادة أن محمداً رسول الله - كما جاء في مقال: (لا إله إلا الله منهج حياة).
والعبودية المطلقة لله وحده تتمثل في اتخاذ الله وحده إلها. عقيدة وعبادة وشريعة؛ فلا يعتقد المسلم أن (الألوهية) تكون لأحد غير الله - سبحانه - ولا يعتقد أن (العبادة) تكون لغيره من خلقه ولا يعتقد أن (الحاكمية) تكون لأحد من عباده كما جاء في ذلك (المقال) أيضاً.
ولقد أوضحنا هناك مدلول العبودية والاعتقاد والشعائر والحاكمية وفي هذا (المقال) نوضح مدلول الحاكمية وعلاقته بالثقافة:
1- إن مدلول (الحاكمية) في التصور الإسلامي لا ينحصر في تلقي الشرائع القانونية من الله وحده، والتحاكم إليها وحدها والحكم بها دون سواها.. إن مدلول (الشريعة) في الإسلام لا ينحصر في التشريعات القانونية ولا حتى في أصول الحكم ونظامه وأوضاعه، إن هذا المدلول الضيق لا يمثل مدلول (الشريعة) والتصور الإسلامي.
إن (شريعة الله) تعني كل ما شرعه لتنظيم الحياة البشرية.. وهذا يتمثل في أصول الاعتقاد وأصول الحكم، وأصول الأخلاق، وأصول السلوك وأصول المعرفة أيضاً.
يتمثل في الاعتقاد والتصور - بكل مقومات هذا التصور - تصور حقيقة الكون غيبه وشهوده وحقيقة الحياة غيبها وشهودها، وحقيقة الإنسان والارتباطات بين هذه الحقائق كلها وتعامل الإنسان معها.
ويتمثل في الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأصول التي تقوم عليها لتتمثل فيها العبودية الكاملة لله وحده، ويتمثل في التشريعات القانونية التي تنظم هذه الأوضاع وهو ما يطلق عليه اسم (الشريعة) ويتمثل في قواعد الأخلاق والسلوك وفي القيم والموازين التي تسود المجتمع ويقوم بها الأشخاص والأشياء والأحداث في الحياة الاجتماعية ثم يتمثل في (المعرفة بكل جوانبها وفي أصول النشاط الفكري والفني جملة).
وفي هذا كله لابد من التلقي عن الله كالتلقي في الأحكام الشرعية سواء بسواء.. والأمر في (الحاكمية في مدلولها المختص بالحكم والقانون - قد يكون الآن مفهوماً بعد الذي سقناه بشأنه من تقريرات).
2- والأمر في قواعد الأخلاق والسلوك وفي القيم والموازين التي تسود المجتمع قد يكون مفهوماً كذلك إلى حد ما، إذ إن القيم والموازين وقواعد الأخلاق والسلوك التي تسود في مجتمع ما، ترجع مباشرة إلى التصور الاعتقادي السائد في هذا المجتمع وتتلقى من ذات المصدر الذي تتلقى منه حقائق العقيدة التي يتكيف بها ذلك التصور. أما الأمر الذي قد يكون غريباً - حتى على قراء مثل هذه البحوث الإسلامية - فهو الرجوع في شأن النشاط الفكري والفني إلى التصور الإسلامي وإلى مصدره الرباني.
3- وفي النشاط الفني صدر كتاب كامل يتضمن بيان هذه القضية باعتبار أن النشاط الفني كله هو تعبير إنساني عن تصورات الإنسان وانفعالاته واستجاباته وعن صورة الوجود والحياة في نفس إنسانية.. وهذه كلها يحكمها - بل ينشئها - في النفس المسلمة تصورها الإسلامي بشموله لكل جوانب الكون والنفس والحياة، وعلاقتها ببارىء الكون والنفس والحياة وبتصورها خاصة الحقيقة هذا الإنسان ومركزه في الكون وغاية وجوده ووظيفته وقيم حياته.. وكلها متضمنة في التصور الإسلامي الذي ليس هو مجرد تصور فكري إنما هو تصور اعتقادي حي موح مؤثر فعال دافع مسيطر على كل انبعاث في الكيان الإنساني.
فأما قضية النشاط الفكري وضرورة رد هذا النشاط إلى التصور الإسلامي ومصدره الرباني تحقيقاً للعبودية الكاملة لله وحده فهذه هي القضية التي تقتضي منا بياناً كاملاً لأنها قد تكون بالقياس إلى قراء هذا الزمان - حتى للمسلمين منهم الذين يرون حتمية رد الحاكمية والتشريع الله وحده - غريبة أو غير مطروقة.
4- إن المسلم لا يملك أن يتلقى في أمر يختص بحقائق العقيدة أو التصور العام للوجود أو يختص بالعبادة أو يختص بالخلق والسلوك والقيم والموازين أو يختص بالمبادىء والأصول في النظام السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو يختص بتفسير بواعث النشاط الإنساني وبحركة التاريخ الإنساني. إلا من ذلك المصدر الرباني ولا يتلقي في هذا كله إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه ومزاولته لعقيدته في واقع الحياة.
ولكن المسلم يملك أن يتلقى في العلوم البحتة؛ كالكيمياء والطبيعة والأحياء والفلك والطب والصناعة والزراعة وطرق الإدارة - من الناحية الفنية والإدارية البحتة - وطرق العمل الفنية وطرق الحرب والقتال - من الجانب الفني - إلى آخر ما يشبه هذا النشاط.. يملك أن يتلقى في هذا كله عن المسلم وغير المسلم.. وإن كان الأصل في المجتمع المسلم حين يقوم أن يسعى لتوفير هذه الكفايات في هذه الحقول كلها باعتبارها فروض كفاية يجب أن يتخصص فيها أفراد منه وإلا أثم المجتمع كله إذا لم يوفر هذه الكفايات ولم يوفر لها الجو الذي تتكون فيه وتعيش وتعمل وتنتج؛ ولكن إلى أن يتحقق هذا فإن للفرد المسلم أن يتلقى في هذه العلوم البحتة وتطبيقاتها العملية من المسلم وغير المسلم.
وأن ينتفع فيها بجهد المسلم وغير المسلم وأن يشغل فيها المسلم وغير المسلم.. لأنها من الأمور الداخلة في قول رسول الله (أنتم أعلم بأمور دنياكم).. وهي لا تتعلق بتكوين تصور المسلم عن: الحياة والكون والإنسان وغاية وجوده وحقيقة وظيفته ونوع ارتباطاته بالوجود من حوله وبخالق الوجود كله ولا تتعلق بالمباديء والشرائع والأنظمة والأوضاع التي تنظم حياته أفراداً وجماعات ولا تتعلق بالأخلاق والآداب والتقاليد والعادات والقيم والموازين التي تسود مجتمعه وتؤلق ملامح هذه المجتمع. ومن ثم فلا خطر فيها من زيغ عقيدته أو ارتداده إلى الجاهلية.
5- فأما ما يتعلق بتفسير النشاط الإنساني كله أفراداً أو مجتمعات - وهو المتعلق بالنظرة إلى (نفس الإنسان) وإلى (حركة تاريخه) وما يختص بتفسير نشأة هذا الكون ونشأة الحياة ونشأة هذا الإنسان ذاته - من ناحية ما وراء الطبيعة (وهو ما لا تتعلق به العلوم البحتة من كيمياء وطبيعة وفلك وطب.. إلخ) فالشأن فيه شأن الشرائع القانونية والمبادىء والأصول التي تنظم حياته ونشاطه مرتبط بالعقيدة ارتباطاً مباشراً فلا يجوز للمسلم أن يتلقى فيه إلا عن مسلم يثق في دينه وتقواه ويعلم عنه أنه يتلقى في هذا كله عن الله.. والمهم أن يرتبط هذا في حس المسلم بعقيدته وأن يعلم أن هذا مقتضى عبوديته الله وحده. أو مقتضى شهادته: أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله.
إنه يطلع على كل آثار النشاط الجاهلي. ولكن لا ليكون منه تصوره ومعرفته في هذه الشؤون كلها. إنما ليعرف كيف تنحرف الجاهلية وليعرف كيف يصحح ويقوم هذه الانحرافات البشرية بردها إلى أصولها الصحيحة في مقومات التصور الإسلامي وحقائق العقيدة الإسلامية
6- إن اتجاهات (الفلسفة) بجملتها. واتجاهات (تفسير التاريخ الإنساني) بجملتها. واتجاهات (علم النفس) بجملتها - عدا الملاحظات والمشاهدات دون التفسيرات العامة لها -ومباحث (الأخلاق) بجملتها. واتجاهات دراسة (الأديان المقارنة) بجملتها. واتجاهات (التفسيرات والمذاهب الاجتماعية) بجملتها - فيما عدا المشاهدات والإحصائيات والمعلومات المباشرة، لا النتائج العامة المستخلصة منها ولا التوجيهات الكلية الناشئة عنها - إن هذه الاتجاهات كلها هي الفكر الجاهلي - أي غير الإسلامي - قديماً وحديثاً متأثرة تأثراً مباشراً بتصورات اعتقادية جاهلية وقائمة على هذه التصورات ومعظمها - إن لم يكن كلها - يتضمن في أصوله المنهجية عداء ظاهراً أو خفياً للتصور الديني جملة والتصور الإسلامي على وجه خاص.
والأمر في هذه الألوان من النشاط الفكري - والعلمي - ليس كالأمر في علوم الكيمياء والطبيعة والفلك والأحياء والطب - وما إليها - مادامت هذه في حدود التجربة الواقعية وتسجيل النتائج الواقعية دون أن تجاوز هذه الحدود إلى التفسير الفلسفي في صورة من صوره وذلك كتجاوز الداروينية مثلاً لمجال إثبات المشاهدات وترتيبها في علم الأحياء إلى مجال القول بغير دليل وبغير حاجة للقول كذلك إلا الرغبة والهوى - إنه لا ضرورة لافتراض وجود قوة خارجة عن العالم الطبيعي لتفسير نشأة الحياة وتطورها.
7- إن حكاية أن (الثقافة تراث إنساني) لا وطن له ولا جنس ولا دين. هي حكاية صحيحة عندما تتعلق بالعلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - دون أن تجاوز هذه المنطقة إلى التفسيرات الفلسفية (الميتافيزيقية) لنتائج هذه العلوم ولا إلى التفسيرات الفلسفية لنفس الإنسان ونشاطه وتاريخه، ولا إلى الفن والأدب والتعبيرات الشعورية جميعاً ولكنها فيما وراء ذلك إحدى مصائد اليهود العالمية التي يهمها تمييع الحواجز كلها - بما في ذلك - بل في أول ذلك حواجز العقيدة والتصور - لكي ينفذ اليهود إلى جسم العالم كله وهو مسترخ مخدر يزاول اليهود فيه نشاطهم الشيطاني. وفي أوله نشاطهم الربوي الذي ينتهي إلى جعل حصيلة كد البشرية كلها تؤول إلى أصحاب المؤسسات المالية الربوية من اليهود.
ولكن الإسلام يعتبر أن هناك - فيما وراء العلوم البحتة وتطبيقاتها العلمية - نوعين اثنين من الثقافة: الثقافة الإسلامية القائمة على قواعد التصور الإسلامي والثقافة الجاهلية القائمة على مناهج شتى ترجع كلها إلى قاعدة واحدة.. قاعدة إقامة الفكر البشري إلها لا يرجع إلى الله في ميزانه.. والثقافة الإسلامية شاملة لكل حقول النشاط الفكري والواقعي الإنساني وفيها من القواعد والمناهج والخصائص ما يكفل نمو هذا النشاط وحيويته دائماً.
8 - ويكفي أن نعلم أن الاتجاه التجريبي الذي قامت عليه الحضارة الصناعية الأوربية الحاضرة لم ينشأ ابتداء في أوربا وإنما نشأ في الجامعات الإسلامية في الأندلس والمشرق مستمداً أصوله من التصور الإسلامي وتوجيهاته إلى الكون وطبيعته الواقعية ومدخراته وأقواته، ثم استقلت النهضة العلمية في أوربا بهذا المنهج واستمرت تنميه وترقيه. بينما ركد وترك نهائياً في العالم الإسلامي بسبب بعد هذا العالم تدريجياً عن الإسلام بفعل عوامل بعضها كامن في تركيب المجتمع وبعضها يتمثل في الهجوم عليه من العالم الصليبي والصهيوني. ثم قطعت أوربا ما بين المنهج الذي اقتبسته وبين أصوله الاعتقادية الإسلامية وشردت به نهائياً بعيداً عن الله في أثناء شرودها عن الكنيسة التي كانت تستطيل على الناس - بغياً وعدواناً - باسم الله.
وكذلك أصبح نتاج الفكر الأوربي بجملته - شأنه شأن نتاج الفكر الجاهلي في جميع الأزمان في جميع البقاع - شيئاً آخر ذا طبيعة مختلفة من أساسها عن مقومات التصور الإسلامي. ومعادية في الوقت ذاته عداء أصيلاً للتصور الإسلامي ووجب على المسلم أن يرجع إلى مقومات تصوره وحدها وألا يأخذ إلا من المصدر الرباني إن استطاع بنفسه وإلا فلا يأخذ إلا عن مسلم تقي يعلم عن دينه وتقواه ما يطمئنه إلى الأخذ عنه
9- إن حكاية فصل (العلم) عن (صاحب العلم) لا يعرفها الإسلام فيما يختص بكل العلوم المتعلقة بمفهومات العقيدة المؤثرة في نظرة الإنسان إلى الوجود والحياة والنشاط الإنساني والأوضاع والقيم والأخلاق والعادات وسائر ما يتعلق بنفس الإنسان ونشاطه من هذه النواحي.
إن الإسلام يتسامح في أن يتلقى المسلم عن غير المسلم أو عن غير التقي من المسلمين في علم الكيمياء البحتة أو الطبيعة أو الفلك أو الطب أو الصناعة أو الزراعة أو الأعمال الإدارية والكتابية.. وأمثالها. وذلك في الحالات التي لا يجد فيها مسلماً تقياً يأخذ عنه في هذا كله من هذه العلوم والخبرات والمهارات المختلفة.. ولكنه لا يتسامح في أن يتلقى أصول عقيدته. ولا مقومات تصوره، ولا تفسير قرآنه وسيرة نبيه، ولا منهج تاريخه وتفسير نشاطه. ولا مذهب مجتمعه. ولا نظام حكمه، ولا منهج سياسته. ولا موحيات فنه وأدبه وتعبيره.. إلخ من مصادر غير إسلامية. ولا أن يتلقي عن غير مسلم يثق في دينه وتقواه في شيء من هذا كله.
10- إن الذي يكتب هذا الكلام إنسان عاش يقرأ أربعين سنة كاملة. كان عمله الأول فيها هو القراءة والاطلاع في معظم حقول المعرفة الإنسانية ما هو من تخصصه وما هو من هواياته.. ثم عاد إلى مصادر عقيدته وتصوره فإذا هو يجد كل ما قرأه ضئيلاً ضئيلاً إلى جانب ذلك الرصيد الضخم - وما كان يمكن أن يكون إلا كذلك - وما هو بنادم على ما قضي فيه أربعين سنة من عمره، فإنما عرف الجاهلية على حقيقتها، وعلى انحرافها، وعلى ضالتها وعلى قزامتها، وعلى جعجعتها وانتفاشها وعلى غرورها وادعائها كذلك. وعلى علم اليقين أنه لا يمكن أن يجمع المسلم بين هذين المصدرين في التلقي.
ومع ذلك فليس الذي سبق في هذه الفقرة رأياً لي أبديه.. إن الأمر أكبر من أن يفتي فيه بالرأي.. إنه أثقل في ميزان الله من أن يعتمد المسلم فيه على رأيه إنما هو قول الله - سبحانه. وقول نبيه تحكمه في هذا الشأن ونرجع فيه إلى الله والرسول كما يرجع الذين آمنوا إلى الله.. والرسول فيما يختلفون فيه.
-يقول الله - سبحانه - عن الهدف النهائي لليهود والنصاري في شأن المسلمين بصفة عامة: (ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره إن الله على كل شيء قدير)
(ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، قل إن هدى الله هو الهدى ولئن اتبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير).
(يا أيها الذين آمنوا إن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين).
ويقول رسول الله -فيما رواه الحافظ أبو يعلى عن حماد عن الشعبي عن جابر - رضي الله عنهم - (لا تسألوا أهل الكتاب عن شيء.. فإنهم لن يهدوكم وقد ضلوا. وإنكم إما أن تصدقوا يباطل، وإما أن تكذبوا بحق، وإنه والله لو كان موسى حياً بين أظهركم ما حل له إلا أن يتبعني).
11- وحين يتحدد الهدف النهائي لليهود والنصاري في شأن المسلمين على ذلك النحو القاطع الذي يقرره الله سبحانه يكون من البلاهة الظن لحظة بأنهم يصدرون عن نية طيبة في أي مبحث من المباحث المتعلقة بالعقيدة الإسلامية، أو التاريخ الإسلامي. أو التوجيه في نظام المجتمع المسلم أو في سياسته أو اقتصاده أو يقصدون إلى خير أو إلى هدى أو إلى نور.. والذين يظنون ذلك فيما عند هؤلاء الناس - بعد تقرير الله سبحانه - إنما هم الغافلون.
كذلك يتحدد من قول الله سبحانه: (إن هدى الله هو الهدى). المصدر الوحيد الذي يجب على المسلم الرجوع إليه في هذه الشؤون. فليس وراء هدى الله إلا الضلال. وليس في غيره هدى كما تفيد صيغة القصر الواردة في النص: (قل: إن هدى الله هو الهدى) ولا سبيل إلى الشك في مدلول هذا النص ولا إلى تأويله كذلك
كذلك يرد الأمر القاطع بالإعراض عمن يتولى عن ذكر الله بقصر اهتمامه على شؤون الحياة الدنيا. وينص على أن مثل هذا لا يعلم إلا ظناً، والمسلم منهي عن اتباع الظن، وإنه لا يعلم إلا ظاهراً من الحياة الدنيا فهو لا يعلم علماً صحيحاً.
(فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا * ذلك مبلغهم من العلم. إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بمن اهتدى).
(يعلمون ظاهراً من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون).
والذي يغفل عن ذكر الله ولا يريد إلا الحياة الدنيا لا يعلم إلا هذا الظاهر. وليس هذا هو (العلم) الذي يثق المسلم في صاحبه فيتلقى عنه في كل شأنه إنما يجوز أن يتلقى عنه في حدود علمه المادي البحت ولا يتلقى منه تفسيراً ولا تأويلاً عاماً للحياة أو النفس، أو متعلقاتها التصورية.. كما أنه ليس هو العلم الذي تشير إليه الآيات القرانية وتثني عليه كقوله تعالى: (هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون)، كما يفهم الذين ينتزعون النصوص القرآنية من سياقها ليستشهدوا بها في غير مواضعها فهذا السؤال التقريري وارد في آية هذا نصها الكامل: (أمن هو قانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب).
فهذا القانت آناء الليل ساجداً وقائماً يحذر الآخرة ويرجو رحمة ربه.. هو الذي يعلم... وهذا هو العلم الذي تشير إليه الآية. العلم الذي يهدي إلى الله وتقواه، لا العلم الذي يفسد الفطر فتلحد في الله.
12- إن العلم ليس مقصوراً على علم العقيدة والفرائض الدينية والشرائع.. فالعلم يشتمل كل شيء، ويتعلق بالقوانين الطبيعية وتسخيرها في خلافة الأرض تعلقه بالعقيدة والفرائض والشرائع.. ولكن العلم الذي ينقطع عن قاعدته الإيمانية ليس هو العلم الذي يعنيه القرآن، ويثني على أهله، إن هناك ارتباطاً بين القاعدة الإيمانية وعلم الفلك وعلم الأحياء وعلم الطبيعة وعلم الكيمياء وعلم طبقات الأرض.. وسائر العلوم المتعلقة بالنواميس الكونية والقوانين الحيوية.. إنها كلها تؤدي إلى الله حين لا يستخدمها الهوى المنحرف للابتعاد عن الله.. كما اتجه المنهج الأوربي في النهضة العلمية - مع الأسف. بسبب تلك الملابسات النكدة التي قامت في التاريخ الأوربي خاصة بين المشتغلين بالعلم وبين الكنيسة الغاشمة. ثم ترك آثاره العميقة في مناهج الفكر الأوربي كلها وفي طبيعة التفكير الأوربي وترك تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة - لا لأصل التصور الكنسي وحده ولا للكنيسة وحدها - في كل ما أنتجه الفكر الأوربي في كل حقل من حقول المعرفة. سواء كانت فلسفة ميتافيزيقية أو كانت بحوثاً علمية بحتة لا علاقة لها - في الظاهر - بالموضوع الديني.
وإذا تقرر أن مناهج الفكر الغربي ونتاج هذا الفكر في كل حقول المعرفة يقوم ابتداء على أساس تلك الرواسب المسممة بالعداء لأصل التصور الديني جملة فإن تلك المناهج وهذا النتاج أشد عداء للتصور الإسلامي - خاصة - لأنه يتعمد هذا العداء بصفة خاصة ويتحرى في حالات كثيرة - في خطة متعمدة - تمييع العقيدة والتصور والمفهومات الإسلامية ثم تحطيم الأسس التي يقوم عليها تميز المجتمع المسلم في كل مقوماته.
ومن ثم يكون من الغفلة المزرية الاعتماد على مناهج الفكر الغربي وعلى نتاجه كذلك في الدراسات الإسلامية. ومن ثم تجب الحيطة كذلك في أثناء دراسة العلوم البحتة - التي لابد لنا في موقفنا الحاضر من تلقيها من مصادرها الغربية - من أية ظلال فلسفية تتعلق بها لأن هذه الظلال معادية في أساسها للتصور الديني جملة والتصور الإسلامي بصفة خاصة. وأي قدر منها يكفي لتسميم الينبوع الإسلامي الصافي ا. هـ
___________________________________________________
تميز المسلم:
وسندرس أربع قضايا لنرى تميز موقف المجتمع المسلم فيها عن موقف المجتمع الكافر، ونختار مما يغلب وجوده في عصرنا: - الفن والجمال - القومية والوطنية والعنصرية والعصبية القبلية. - الحرية - الإخاء والمساواة.
۱ - الفن والجمال:
الجمال في المجتمع الكافر قبل الأخلاق، بل الجمال هو الأخلاق، والفن هو الأخلاق، وإذا تعارضا مع الخلق، فليترك الخلق فمثلاً:
كلما أظهرت المرأة جمالها للخلق كان هذا أحسن، وكلما استطاعت أن تبرز جمالها أكثر كان هذا أحسن، وكلما قدرت على إيجاد وسائل تزيد إغراءها وجاذبيتها وفتنتها وتظهرها للآخرين كان هذا أعظم عندهم، بصرف النظر عما يترتب على ذلك من تهييج شهوات، وشغل تفكير، واستباحة أعراض، وزيادة الحرص على الزنا، ونسيان الواجبات. هذا كله لاقيمة له في سبيل الجمال والمتعة
والنحت في المجتمع الكافر جزء جيد من أجزاء الحضارة، لأنه تعبير عن رفعة الذوق ودقته، وتخليد الجمال أو لذكرى استقرت في قلب نحات رسام، فمهما أراد إنسان أن يعبر بواسطة النحت أو الرسم عن شيء فعل ووجد تجاوباً كبيراً من الناس هناك. حتى إن تمثالاً من التماثيل يمكن أن يباع بملايين. فهذا كله شيء عظيم، بصرف النظر عما يوحيه ذلك من تقديس الجماد، أو تعظيم الحجر، وبصرف النظر عن وقت يذهب سدى، وقت الرسامين والنحاتين، ووقت البشر الذي يقضى في مثل النظر والفرجة، وبصرف النظر عما توحيه بعض أنواع هذه الصور من وثنية كصورة مريم كما يتخيلونها، أو صورة المسيح كما يتخيلونه، أو صور القديسين في زعمهم، أو صور آلهة كاذبة من الأوثان.
وبصرف النظر عما توحيه بعض هذه الصور من قيم فاسدة لذهن منحرف، كصورة فتاة بكر عذراء عارية يطلق عليها صاحبها اسم الطهارة، وبصرف النظر عن توسع هذا الميدان حتى ليعمل في حقله ملايين ويتفننون فيه، حتى لا تبقى صورة خبيثة يمكن أن تخطر في خاطر إبليس إلا وقد وضعوها تصويراً أو نحتاً بين أيدي البشر، حتي حالات الجماع بأشكاله.. كل هذا لا مانع منه أليس فيه متعة الإنسان ؟
والأدب في المجتمع الكافر، تعبير عن ذات الإنسان، وعن نفسه في كل حالة من حالاتها الشاذة أو الحسنة، الخسيسة أو العالية، والأدب مسخر لتبرير كل شيء يصنعه الإنسان، وتحبيبه للآخرين، تجد القصة التي تفتح للمرأة آفاق محبة غير زوجها، ويبررون لها هذا، ويفتحون لها الطريق، ويدلونها عليه. وتجد القصة التي تشوق الإنسان لأن يتميز عن الآخرين حتى في الشر، وتجد القصة التي تثير العطف على المجرم على حساب الضحية والمجتمع.
وتجد القصيدة التي تفضح من تريد، وتثير الغرائز وتدفعها إلى الزنى والحب الأئم دفعاً، ويأتي الغناء والموسيقى والخمر والحشيش والأفيون ونوادي الموسيقى والغناء ومحلات الزني الرسمية أو السرية لتتمم خريطة المجتمع الشهواني، فترى الإنسان فيه يعيش وينام ويفكر ويسهر ويسمر في عالم الشهوات وهكذا. فليست هناك عقلانية تضبط تصرفات البشر.
المصلحة هي أن يتمتع الإنسان أكثر ما يستطيع وأن يتمتع غيره بعده، الأخلاق هي تحقيق الرغبات والأهواء -والله عز وجل يقول: (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السموات والأرض ومن فيهن). ويقول: (ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً).
أما المجتمع الإسلامي فمجتمع يكفر بالنحت المجسد للحيوان والإنسان وما يحيط به من تصوير للإنسان والحيوان (على تفصيلات سنراها)؛ لأنه طريق إلى الوثنية، وطريق إلى قضاء الوقت في غير طائل، وطريق إلى إضاعة المال، وطريق إلى ترسيخ مفاهيم فاسدة، وطريق النشر الفاحشة، وأخيراً طريق يسلكه الكفرة فلا نقلدهم به ولا نتابعهم عليه. إذ هو مظهر فاسد من مظاهر الفكر الإنساني الخرف، والضلال الفظيع.
وقد يقول قائل إن الأرض ما عاد يخشي عليها من الوثنية ونقول: أدخل كنائس النصارى في الأرض ألا تجد عبادة الصور ؟ ثم انظر التماثيل التي نصبها الجاهليون لزعماء ماتوا أو قتلوا أو هم يعيشون، ألا ترى أن الناس في الظاهر يحترمونها كما يحترمون صاحبها، وإذا ما مات سيزداد هذا الاحترام وهل ذلك إلا وثنية ؟ ويظهر أن قائل هذا الكلام لا يعلم أن هناك شعوباً لازالت وثنية، وليست المسألة هذه فقط. أدخل كلية من كليات النحت والفن وما يسمى بهندسة الديكور لترى الأجساد العارية تعرض وترسم وتنحت، وادخل معارض الفنانين لترى كل خفي (وليس كلامنا إلا فيما يدخل في دائرة الحرام). إن الانحراف قد يكون في بدايته بسيطاً.
إن الله يأبى على المسلم هذا الطريق، ويأبى أن تنفق أموال الأمة على هذا، ويأبي أن يكون عندنا مئات الأساتذة الذين يأخذون رواتبهم من مال الأمة، ولا تجني الأمة منهم سوى أن يعلموا أولادها أن يرسموا الإنسان والحيوان بدلاً من أن يعلموها ما يفيد كالخط الجميل والرسم الهندسي ورسم مظاهر الطبيعة.
إن مجتمعاً إسلامياً لا يمكن أن ترى فيه ما حرمه الله: من نحت محرم أو رسم محرم أو تصوير محرّم، وبينما في مجتمع كافر تعطى لأمثال هؤلاء المكانة الأولى بين الناس وإذا كان هذا في مجتمع كافر محترماً، فإن أمثال هذا وهؤلاء في مجتمع إسلامي ليسوا كذلك، ولا محل لهم رسمياً في المجتمع الإسلامي أو دوائر دولته الرسمية.
يقول عليه الصلاة والسلام كما يذكر ابن عباس إذ قال له رجل: إني أصور هذه الصورة فأفتني فيها فقال له: ادن مني فدنا ثم قال له أدن مني فدنا حتى وضع يده على رأسه، وقال: أنبئك بما سمعت من رسول الله له سمعته يقول: «كل مصور في النار يجعل له بكل صورة صورها نفساً تعذبه في جهنم فقال إن كنت لابد فاعلاً فاصنع الشجر وما لانفس له» رواه الشيخان والنسائي.
وفي المجتمع الإسلامي جمال المرأة وجسمها وفتنتها وكل ما تستطيع استكماله في هذا لزوجها فقط. إذ هو الوحيد الذي له حق الاستفادة من هذا، أما الآخرون فليس لهم حق التمتع في شيء من هذا، حتى المحارم والأقارب، الذين أبيح لهم النظر إلى زينة المرأة وبعض جسمها ضمن حدود، فإنهم لا يجوز لهم أن ينظروا بشهوة، أو تريهم هي نفسها شيئاً منها بهذا القصد
ليس في المجتمع الإسلامي أي محل لإثارة غرائز البشر إلا عن الطريق الأوحد لذلك وهو الزواج: فلا تبرج في طريق، ولا ملابس مغرية قصيرة شفافة واصفة. إن مجتمعنا يحب ما يحبه الله له، فإذا أحب الآخرون أن يتمتعوا بالجمال فإنه يحب أن يتمتع بطاعة الله، ويحب أن يتمتع بالحشمة والطهارة والعفة والستر، وبدون هذا فلا إيمان أصلاً. قال ﷺ « لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعاً لما جئت به.
والأدب في المجتمع الإسلامي لإصلاح نفس الإنسان، وليس المجاراة أهوائها ثم هو للترويحعنها في الحدود الجائزة شرعاً سواء في ذلك القصة، أو المقامة، أو التاريخ، أو القصيدة، أو المقالة، أو المحاضرة...
[تنبيه: هناك من أفتى بجواز التصوير الفوتوغرافي لضرورة وهناك من توسع في الإباحة وأما رسم الصورة الحيوانية باليد فأكثر الفقهاء على التحريم وتساهل في ذلك بعض فقهاء المالكية أما نحت وصناعة التماثيل الإنسانية والحيوانية الكاملة محرام إجماعاً].
والغناء إنما يكون ضمن الحدود، يغني الرجل حداء أو نشيداً، فيسمع الرجل، وتسمع المرأة، ولا حرج، بشرط أن يكون الحداء أو الغناء نظيفاً، وتغني المرأة للنساء بشرط نظافة الغناء ولا حرج.
أما الموسيقى فما كان منها كالطبل والدف جاز للحرب وللحج وللفرح، وما كان منها أداة تسلية لغير الفسقة والكفرة، ولا يدعو إلى ما يحرم ولا يزين الدنيا حتى تكون هدفاً كشاهين الرعاة جاز على قول، وما كان لإثارة الغرائز، وما كان من عادة الكفار والفساق استعماله، وما كان للهو والقصف المحض، كالعود وكل الأوتار والمعازف فلا.. ولم يتساهل في ذلك إلا ابن حزم ومن تابعه الذين اعتبروا أن هذه الأشياء لما استعملت وهذا الذي يحدد الحل والحرمة وأنكر عليهم الفقهاء ذلك والنصوص مع من أنكر.
فلا يكون في مجتمع إسلامي مدارس لتعليم الموسيقى، ولا يكون فيها كليات لهذا، ولا تكون دروس في مدارسنا لمثل هذا، ولا تخصص الأموال لأمثال هذه القضايا، ولا يكون لهؤلاء الموسيقيين الداخلين في دائرة الحرام شأن، إلا منشداً حسن الصوت يثير عواطف طيبة، وبهذه الشروط تبقى المسألة كالملح للطعام يكفي القليل منه فإذا ما كثر أفسد.
وعلى هذا فلا يصح في مجتمع إسلامي أن توجد دور خاصة للموسيقى ولغناء النساء للرجال أو للغناء المختلط ولا يصح أن تكثر إذاعات المسلمين حتي من المباح من ذلك، وإنما يكون ما تقدمه هذه الإذاعات كالملح للطعام، وفي أيام الأعياد والأفراح لا مانع أن توضع الأغاني التي يرافقها الدف، وما أبيح من آلات الفرح كشاهين الرعاة المذكور، هذه حدود التقوى، ومازاد على ذلك فإن كانت في حدود توسعات الفقهاء المعتبرين فالأمر فيه نظر وإلا فالمجتمع في خطر.
ونظرة واحدة إلى موقف المسلم من قضايا الفن والجمال بشكل عام، تريك أن هذا هو الموقف الوحيد المعقول. إقتصادياً، وسياسياً، وتربوياً، وتعليمياً، وحربياً، ونفسياً، فكم تحفظ بهذا الموقف أوقات تضيع بلا إنتاج ؟ وكم نحفظ بذلك تماسك نفسيات الأمة فنجعلها تعيش وهي مستيقظة على قضاياها، وكم نوجه الطاقات إلى ما ينبغي أن توجه إليه ؟ وكم تحفظ على أمتنا روحها الحربية، واستعدادها للتضحيه ؟
إن المجتمع الذي يعيش بين أحضان النساء، ويتربى على اتباع الشهوات، ويعتاد على حياة اللهو والقصف واللذة، مجتمع يتحلل شيئاً فشيئاً فتتكون عنده عقد اللامبالاة وتأنف نفسه من التضحية، ويفقد تطلعاته إلى المثل العليا، وتتخدّر إحساساته ومشاعره، ويعيش للدنيا فقط.
٢ - القومية والوطنية والعنصرية والعصبية القبلية:
المجتمع غير المسلم تربط بين أفراده رابطة الوطن، بصرف النظر عن غيرها أو رابطة الوطن مع القوم، بصرف النظر عن غيرهما، أو يربط فيما بين أفراده كونهم بيضاً مثلاً، أو أبناء قبيلة واحدة، فيكون ولاؤهم في هذه الأحوال المجرد هذه الروابط، فما فيه منفعة لوطنهم يقبلونه، وما فيه مضرة لا يفعلونه، وما فيه منفعة للقوم يفعلونه، وما فيه مضرة لا يفعلونه، وما فيه مصلحة للجنس يفعلونه، وما لا فلا، ولاؤهم لبعضهم على مثل هذه الأسس، من أتاهم من غيرهم لا يعطى مثل حقوقهم، ولا يعامل مثل معاملتهم لبعضهم بل قد يحتقر وقد يهان وقد يطرد، وفي الغالب لا تعطي هذه التجمعات على الأسس الحق والعدل والرحمة لغيرها، بل قد تدبر للظلم والاعتداء.
أما المجتمع الإسلامي فارتباطه بالوطن والقوم بمقدار ارتباط هذا الوطن وأهله بالإسلام. فولاء المسلم لإسلامه أولاً وأخيراً، ولكنه يفي بالتزاماته وعقوده وعهوده الجائزة شرعاً حيث كان، ولكنه يعتبر وطنه بلاد المسلمين، ولا يعتبر قومه إلا المسلمين، وإذا هاجر المسلم من أي جنس وأرض ولون وقوم إلى المجتمع الإسلامي ووثق منه يكتسب كامل حقوق المسلمين، ويعامل نفس المعاملة التي يتعامل بها المسلمون فيما بينهم، أما العنصرية فغير موجودة أصلاً، فالأسود والأبيض في ميزان الكرامة الإنسانية سواء، وكم من أسود أعلى عند المسلمين من آلالف البيض، وإن بلالاً لأحب إلى المسلم الأبيض من أخيه المسلم لأن بلالاً أرقى في ميزان الإسلام من أخيه.
أما العصبية للقبيلة والأسرة فقد هدمها الإسلام تهديماً، وأقام بدلها العصبية للحق يقول عليه السلام: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً فقال رجل يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوماً أفرأيت إن كان ظالماً كيف أنصره ؟ قال تحجزه أو تمنعه عن الظلم فإن ذلك نصره» البخاري والترمذي
وهذه نصوص تدل علي ما ذكرناه:
(ولو أنا كتبنا عليهم أن اقتلوا أنفسكم أو اخرجوا من دياركم ما فعلوه إلا قليلاً منهم ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً) فأمر الله عند المسلم أغلى من وطنه وأغلى من نفسه فضلاً عن قومه.
قال الله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه ويدخلهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها رضي الله عنهم ورضوا عنه أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون).
وقال عليه الصلاة والسلام: (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله),
وقال تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم)؛ فلا لون ولا جنس يتفاضل به البشر عند الله، وإنما يتفاضلون عند الله بالتقوى، فمن كان أحسن إيماناً وإسلاماً وإحساناً كان أقرب إلى الله ولو كان عبداً أسود ولو رقيقاً.
روى الترمذي عن أبي هريرة عن رسول الله أنه قال: (لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا إنما هم فحم جهنم أو ليكونن أهون على الله من الجعل الذي يدهده الخرء بأنفه، إن الله تعالى قد أذهب عنكم عبية الجاهلية وفخرها بالآباء وإنما هو مؤمن تقى أو فاجر شقي الناس كلهم بنو آدم وآدم خلق من تراب).
ولمسلم والترمذي عن جندب عن رسول الله أنه قال: «من قتل تحت راية عمية يدعو عصبية أو ينصر عصبية فقتلته جاهلية».
۳- الحرية:
في مجتمع كافر يكون الشعار مزيداً من الحرية. مزيداً من حرية الدولة أن تفعل ما تشاء كما في النظام الشيوعي، أو مزيداً من حرية الشعب والدولة كما في النظام الديموقراطي، حيث يريد الناس مزيداً من الحرية الاقتصادية، ومزيداً من الحرية السياسية، ومزيداً من حرية السلوك والتصرفات، ومزيداً من حرية النفس حتى وصلوا إلى أنهم أصبحوا يريدون أن يكون هدفهم الأعلى هو حياة الحيوان، فيتعرون كما يتعرى الحيوان، ويتسافدون كما يتسافد، وكل آمالهم حيوانية وهكذا
أما المجتمع الإسلامي فعلى العكس من ذلك تماماً. شعاره مزيداً من العبودية لله ومزيداً من إحكام الارتباط مع الإسلام، على مستوى الشعب، أو على مستوى الدولة. فراحة المسلم واطمئنانه، وراحة المجتمع المسلم وآماله هو في عبوديته الله وحده، بطاعة أمره ونهيه في كل شيء في السياسة، أو الاجتماع، أو الاقتصاد، أو السلوك
إن المجتمع المسلم تقوم أواصره على أساس الإيمان بالله، وهو لذلك يذعن لقانون العبودية له، ويراها واجباً عليه، وحقاً الله الذي خلقه، ويعتبر هذه العبودية هي المظهر العملي الذي يشكر به الإنسان الله عز وجل، على أن سخر الكون كله لصالحه، وهنا يفترق طريق المسلم عن الكافر. الكافر يستفيد من الكون ناسياً من خلقه وسخره له، والمسلم يحفظ هذه الحقيقة دائماً فيذكرها إذا أكل، وإذا شرب، وإذا لبس، وإذا عوفي، وإذا مرض..
إن الحرية في المجتمع الإسلامي هي حرية المسلم في تطبيقه الإسلام، وحريته في قمع المنحرفين عن الإسلام، وحريته في أن يخضع البشر السلطان الله، وحريته في ألا يجعل غير عبد الله يتمتع بحرية إلا بالمقدار الذي يأذن به الله عز وجل إذ هو مالك الكون والإنسان.
(وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم). وما دام الإنسان ضمن شعار العبودية لله فهو يملك كامل الحرية:
فلا يدخل بيته إلا بإذنه، قال تعالى: (لا تدخلوا بيوتاً غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها).
ولا يعتدى على جسمه ولا نفسه ولا ماله ولا عرضه.. ويتكلم فيرد على الكبير ولو كان أمير المؤمنين إذا أخطأ، وينتخب من شاء لإمرة المؤمنين، ولكنه يلتزم بطاعة من تكون له الولاية ولو لم ينتخبه، مادامت إمرته شرعية، فالحرية السياسية له مصونة، وحرية الرأي والاجتهاد له مصونة، وحرية النقد والقول له مصونة، والحرية الاقتصادية له مصونة، وحرية التصرفات له مصونة، فهو كامل الحرية في كل شيء مادام ملتزماً بالحق والعدل اللذين أمر الله بهما، ولم يخرج عليهما، أي مادام ملتزماً بالعبودية لله.
هذا بالنسبة للمسلم. أما غير المسلم في أرض الإسلام فما دام ملتزماً بما عاهدنا عليه فله كامل الحرية ضمن ما عاقدناه عليه، فإذا ما خرج على العهد فالذنب ذنبه.
فما أعظم الفرق بين مفهوم الحرية السليم الواضح الصحيح عند المسلمين، ومفهوم الحرية الغامض الفوضوي المدمر عند غير المسلمين.
___________________________________________________
٤ - الإخاء والمساواة:
في مجتمع كافر يمكن أن يتأخى الناس ولو على دَخَل مع اختلاف عقائدهم، ويمكن أن يتساووا ولو ظاهرياً في الحقوق والواجبات.. أما في مجتمع إسلامي فلا، لأنه لا يمكن أن يتساوى أهل الحق والباطل، والحق والباطل مختلفان، ولا يمكن أن يتأخى أهل الحق والباطل. والحق والباطل مختلفان فالمسلم لا يمتع غير المسلم بأخوته قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة).
والمسلمون متساوون فيما بينهم بالحقوق والواجبات قال رسول الله ﷺ « المسلمون عدول يسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم » ولكن لا يمكن أن يتساوى معهم الكافر في ميزان الإسلام، ولكن ليس معنى هذا أن يظلم بل نفي له بما عاهدناه عليه إذا وفي لنا بما عاهدنا عليه.
إن فكرة الإخاء بين المسلم والكافر فكرة خبيثة كافرة، يخرج بها المسلم عن الإسلام إلا إذا أريد بالمساواة دوائر محددة أجازها الشارع كالمساواة في إيصال الحقوق للجميع وأمثال ذلك مما أجازه الشارع. ألا ترى أن كثيراً من النصوص منعت المساواة المطلقة:
(حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون).
(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون).
(أفنجعل المسلمين كالمجرمين * مالكم كيف تحكمون).
(قل هل يستوي الأعمى والبصير أم هل تستوي الظلمات والنور).
(هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون).
(قل لا يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبك كثرة الخبيث).
على أن كثيراً من أنواع المساواة التي يطمح إليها البشر بمجموعهم أو أبناء الشعب الواحد تجدها على أرقاها في المجتمع الإسلامي سواء بين المسلمين أنفسهم أو بين المسلمين ومواطنيهم.
وأخيراً: إن المجتمع الإسلامي مجتمع متميز بقيمه ونظراته وأخلاقه وعاداته وتقاليده وتشريعاته. مجتمع لامثيل له، مفتوح لكل البشرية أن تدخل فيه لأنه مجتمع الحق الذي لاحق غيره. إن تميزنا ليس عاراً لأنه تميز الحق، وإنما العار عند الذين لا يقبلون الحق ولا يدخلون فيما دخلنا فيه، فيصبحون منا وفينا. إن أهل الباطل هم الذين يعيرون، أما نحن فبهدى الله نعتز وبالحق الذي أنزله علينا نفتخر (فماذا بعد الحق إلا الضلال).
____________________________________________
الفهرس/ الموضوع
المقدمة -المدخل
الباب الأول: الأركان
الركن الأول: الشهادتان
الفقرة الأولى: نظرة تحليلية:
-الإيمان بالله -الإيمان بالملائكة. -الإيمان بالكتب. -الإيمان بالرسل. -الإيمان باليوم الآخر.
الفقرة الثانية: من مضمونات وآثار لا إله إلا الله محمد رسول الله
الموضوع الأول: لا إله إلا الله منهج حياة. - الموضوع الثاني: شريعة كونية -الموضوع الثالث: حضارة وثقافة (أ. الإسلام هو الحضارة. ب. التصور الإسلامي والثقافة) - الموضوع الرابع: استعلاء الإيمان.
الفقرة الثالثة: نواقض الشهادتين
الركن الثاني: الصلاة
(أ) نظرة عامة في الصلاة. (ب) صورة من النصوص للصلاة
الركن الثالث: الزكاة
(أ) نظرات عامة في الزكاة: كيف تحبى الزكاة ؟
زكاة النقود - عروض التجارة - زكاة الزروع. - زكاة الأنعام. -زكاة المعدن
مصارف الزكاة
المستورون المتعففون أولى بالزكاة - لاحظ في الزكاة لقوي مكتسب - المتفرغ للعبادة لا يأخذ من الزكاة - المتفرغ للعلم يأخذ من الزكاة.
كم يعطى الفقير والمسكين من الزكاة؟
المذهب الأول: إعطاء الفقير كفاية العمر
المذهب الثاني: يعطي كفاية سنة
الزواج من تمام الكفاية - كتب العلم من الكفاية -أي المذهبين أولى بالاتباع.
مستوى لائق للمعيشة - معونة دائمة منتظمة
سياسة الإسلام في توزيع الزكاة
دلالة القرآن الكريم على مسؤولية الدولة عن شؤون الزكاة
دلالة السنة النبوية على مسؤولية الدولة عن شؤون الزكاة
فتاوى الصحابة - من أسرار هذا التشريع -بيت مال الزكاة -الزكاة حق معلوم
مختارات من نصوص الزكاة.
الركن الرابع: الصوم.
(أ) نظرات عامة في الصوم. (ب) مختارات من نصوص الصوم
الركن الخامس: الحج
(أ) نظرات عامة في الحج. (ب) صورة حديثية للحج
الباب الثاني: المنهاجان الأخلاقي والاجتماعي.
المقدمة: الإنسان بلا إسلام
حفظ الإسلام للدين - حفظ الإسلام للعقل -حفظ الإسلام للنفس -حفظ الإسلام للمال -حفظ الإسلام للنسل
الفصل الأول: نظرة تحليلية لوضع الإنسان في الإسلام.
الفقرة الأولى: الإنسان مسلم أو كافر. الفقرة الثانية: الإنسان ذكر وأنثى - نصوص من السنة
الفصل الثاني: تميز الفرد المسلم والمجتمع المسلم والدولة المسلمة
أخلاقياً وسلوكياً. - تميز المسلم في هدفه النهائي - اللعب واللهو - الزينة -تميز المسلم في كلامه -تميز المسلم في طعامه وشرابه - تميز المجتمع المسلم
- الفن والجمال
- القومية والوطنية والعنصرية والعصبية القبلية
- الحرية.
- الإخاء والمساواة
- تميز الدولة المسلمة
الفصل الثالث: الأخلاق الإسلامية ارتقاء بالإنسان إلى كمالاته كلها
حق الله - حق الوالدين - حقوق الزوجة على الزوج - حقوق الأقارب - حقوق الجيران -حق العمل - حقوق المسلمين -حقوق غير المسلمين -حقوق الدولة -حقوق كل ذي حياة.
الحكم بالحسن أو القبيح على الأخلاق.
قضية الأخلاق الأساسية والفرعية
الباب الثالث: مناهج الحياة العامة
لابد للإسلام من حكومة تقيه وترعاه وتحميه - الأساس الذي تقوم عليه الحكومة الإسلامية
الفصل الأول: مرتكزات
أولاً: الأمة
مظاهر وحدة الأمة
أ- وحدة العقيدة ب - وحدة العبادة. ج - وحدة السلوك في العادات والأخلاق. د - وحدة التاريخ. هـ - وحدة اللغة و - وحدة المشاعر والتصورات والأفكار والطريق. ز - وحدة الدستور والقانون. ج - وحدة القيادة (الخلافة)
الخلافة أو الإمامة العظمى
معنى الخلافة - إقامة الخلافة فريضة - مصدر فرضية الخلافة
الشروط الواجبة في الإمام
- الإسلام - الذكورة - التكليف - العلم - العدالة - الكفاية - السلامة - القرشية
انعقاد الإمامة أو الخلافة
الطريق الشرعي للإمامة
بيعة أبي بكر. - بيعة عمر - بيعة عثمان - بيعة علي - نتيجة لاشك في صحتها - مدة الخلافة - عزل الخليفة: (الجرح في العدالة -نقص البدن).
اختيار الإمام أو الخليفة
طلب الولاية- واجبات الإمام وحقوقه (واجبات الإمام -حقوق الإمام).
- الوطن
وطن الأمة الإسلامية -انقسام العالم إلى دارين -دار الإسلام وتقسيماتها -دار الحرب وتقسيماتها
الفصل الثاني: السياسات العامة
السياسة الاقتصادية
نظام الملكية في الإسلام
الطرق المحظورة وغير المشروعة للتملك. - الطرق المشروعة للتملك واحترام التملك الناتج عنها. - الحقوق العامة والخاصة في التملك. - القيود والحدود التي تقيد أو تحدد حرية الإنسان في تصرفه في ملكه المشروع - مآل التملك في الإسلام. - ميزات نظام التملك في الإسلام
حل المشكلات الاجتماعية والاقتصادية
- نظام الزكاة - نظام الصدقات المطلقة والمقيدة والكفارات. - نظم الأوقاف. - نظم النفقات. - نظم خمس الغنائم. - الركاز. - الكفالة العامة من بيت المال لكل إنسان في دار الإسلام. -واردات الدولة المسلمة ونفقاتها -تنظيم بيت المال.
الفقرة الأولي: واردات بيت المال.
الخراج - العشور (الجمارك) - واردات الأملاك العامة من ظاهر الأرض وباطنها - التركات التي لا وارث لها والأموال التي لا أصحاب لها - المصادرات المشروعة - الجزية - التوظيف والضرائب حين الحاجة إليها -الحقوق العامة للدولة المسلمة - الفيء - التعزيرات المالية - واردات المؤسسات والملكيات الخاصة للدولة.
الفقرة الثانية: مصارف بيت المال
بعض الأهداف التي ينبغي أن يحققها التخطيط الاقتصادي للأمة الإسلامية
السياسة الاقتصادية:
- اقتصاد اكتفائي - اقتصاد تنمية وإعمار - اقتصاد كفائي - اقتصاد يحقق حاجات الأمة - اقتصاد حربي - اقتصاد عادل لا ضرر فيه ولا ضرار.
السياسة التعليمية والإعلامية
الفقرة الأولى: الحضارة الإسلامية والسياسة التعليمية والإعلامية المناسبة لذلك.
الفقرة الثانية: الشخصية الإسلامية وتفجير طاقاتها والسياسة التعليمية المناسبة لذلك
الفقرة الثالثة: العلم والتكليف في الإسلام والسياسة التعليمية المنفذة لذلك.
الفقرة الرابعة: الإنسان ذكر وأنثى والسياسة التعليمية المراعية لرجولة الذكر وأنوثة الأنثى
الفقرة الخامسة: التكامل في بناء الشخصية، والسياسة التعليمية للمناسبة، من أجل إخراج الإنسان من كل تناقض.
تعقيب حول أجهزة الإعلام في نظام إسلامي
السياسة العسكرية.
العتاد - الرجال - طريق استعمال هذه القوة - تربية خاصة - معرفة العدو وإحكام الأمر ضده.
السياسة الجزائية في الإسلام
نظرة عامة في الجريمة والعقاب. - مقاصد وغايات نظام العقوبات في الإسلام -أسس التجريم والعقاب في النظام الإسلامي -القواعد الرئيسية في نظام العقوبات الإسلامي:
القاعدة الأولى: كل إنسان بريء حتى تثبت إدانته
القاعدة الثانية: لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص
القاعدة الثالثة: لا يجوز أن يكون للتشريع الجزائي أثر رجعي.
القاعدة الرابعة: جميع المسلمين المقيمين في دار الإسلام متساوون، ومن فروعها:
- المساواة بين رؤساء الدول والرعايا - رؤساء الدول الأجنبية - رجال السلك السياسي - أعضاء الهيئة التشريعية - الأغنياء والفقراء - الظاهرون في الجماعة.
القاعدة الخامسة: ليس لأولي الأمر حق منح العفو العام أو الخاص إلا في جرائم التعازير.
الفقرة الثانية: في الجريمة
- الركن الشرعي للجريمة - الركن المادي للجريمة - الركن الأدبي للجريمة -أسس المسؤولية الجنائية -درجات المسؤولية الجنائية -أثر الخطأ والجهل والنسيان على المسؤولية الجنائية -العقوبة لحالات الإكراه والسكر والجنون والصغر.
الفقرة الثالثة: في العقوبة
أقسام العقوبة: أولاً: العقوبات المقررة اجرائم الحدود
- عقوبة الزنا - عقوبة القذف - عقوبة الشرب. - عقوبة السرقة - عقوبة الحرابة والردة - عقوبة البغي.
ثانياً: العقوبات المقررة الجرائم القصاص والدية:
القصاص. - الدية (من يحمل الدية- العاقلة - تحميل العاقلة الدية في بعض الصور) -- الكفارة (على من تجب الكفارة) - الحرمان من الميراث. - الحرمان من الوصية
ثالثاً: العقوبات المقررة للكفارات
رابعاً: العقوبات المقررة الجرائم التعازير.
ماهية التعزير. -أنواع التعازير ( عقوبة القتل. - عقوبة الجلد - عقوبة الحبس. - التغريب أو الإبعاد ه - الصلب)
- عقوبة الوعظ وما دونها: (- عقوبة الهجر - عقوبة التوبيخ - عقوبة التهديد - عقوبة التشهير - - عقوبة الغرامة - عقوبات أخر).
استيفاء العقوبات (خاتمة في الأجهزة التنفيذية)
الباب الرابع: مؤيدات الإسلام:
الفصل الأول: المؤيدات الفطرية -عقوبات الفطرة على المخالفات التالية: (- الزني - شرب الخمر - القمار والميسر. - أكل لحم الخنزير. - عدم قرار المرأة في بيتها -الرشوة - ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد -الموسيقى والغناء الفاسد - المحاباة في تطبيق القانون - التفريط في العلم)
الفصل الثاني: المؤيدات الربانية
الفقرة الأولى: المؤيدات الربانية في الدنيا -النوع الأول: العقوبات الربانية في الدنيا.
أولاً: نماذج من العقوبات (أ - قارون. ب - أصحاب الجنة. ج - صاحب جنتين. د - المعتدون من اليهود على حرمة يوم السبت هـ - قوم نوح. و - عاد. ز - ثمود. ح - قوم لوط ط - قوم شعیب. ي - فرعون وقومه. ك - بنو إسرائيل. ل - أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم).
ثانياً: تعليقات.
النوع الثاني من المؤيدات الربانية في الدنيا: نصره أوليائه
الفقرة الثانية: المؤيد الرباني الثاني: الآخرة (أدلة اليوم الآخر).
من بدء الساعة حتى الجنة والنار (الجنة والنار).
الإيمان باليوم الآخر.
أسئلة فطرية - إنكار الآخرة -تأثير إنكار الآخرة في الأخلاق -عقيدة تناسخ الأرواح - عقيدة تناسخ الأرواح في ميزان النقد العقلي -تأثير عقيدة تناسخ الأرواح في الحياة المدنية. -عقيدة الحياة الآخرة - اعتراض المنكرين للحياة الآخرة -أسلوب القرآن في الاستدلال. -إمكان الحياة الآخرة
نظام العالم قائم على الحكمة - مصير نظام العالم على مقتضى الحكمة -نظام الحياة الآخرة - حاجة الإنسان إلى عقيدة اليوم الآخر. - إيثار الآخرة على الدنيا -الحساب والجزاء على الأعمال فائدة الاعتقاد باليوم الآخر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق