إتحاف الأشراف بأحكام وآداب الاعتكاف
د. حسن معلم حاج محمد -مقديشو
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: مِن الأعمال الصالحة التي ُيتعبُد بها لله- جل وعلا- الاعتكاف في المساجد التي هي أحب البِقاع إلى الله، وهي بيوُت الَّطاعة ومنازُل الَّرحمِة والَّسكينة. وهذا كتاب ُموَجز في بيان أحكاِم الاعتكاف وآدابه، دَعِت الحاجة إلى تصنيفه؛ لِيقرأه المعتكُِفون و ُيقَرَأ عليهم، ُخصوًصا في العشر الأواخِر مِن شهر رمضان.
وقد راعى فيه مؤلفُه- مذهَب الإمام الشافعِّي -رحمه الله، ولَّخصَ غالَبه مِن كتِب الإمام النووِّي رحمه الله تعالى. وفيه تمهيد وثلاثُة ُفصوٍل وخاتِمة. أما التمهيد: ففي تعريِف الاعتكاف وبيان حكِمه. وأما الفصل الأوُل: ففي أركان الاعتكاِف وما َيتعَّلق بها. بينما الفصل الثاني: في بيان ما يقطع الاعتكاف. وفي الفصل الثالث: فوائد الاعتكاف وآدابه. بينما الخاتمةُ: ففي ذكر من كان ُيكثُِر الاعتكاف.
أولاً تعريف الاعتكاف:
العكوف والاعتكاف يعنيان الملازمة والمواظبة والإقبال على الشيء، بحيث لا ينصرف عنه إلى غيره.
* قال تعالى: {فأَتَوا على قومٍ يعكفون على أصنامٍ لهم}، وقال تعالى: {وانظر إلى إلهك الذي ظَلْتَ عليه عاكفاً}. وعكف على الشيء أي: حبس نفسه عليه.
* قال تعالى: {والهدي معكوفاً} أي: محبوساً.
* وقال سبحانه: {ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}.
فالاعتكاف لغًة: الانحباس على الشيء خيراً كان أو شراً وقيل: الانكفاف.
* قال تعالى: {ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: ١۸۷].
والاعتكاف شرًعا: هو اللبُث في مسجٍد بقصد التعبد لله تعالى بشروٍط.
أو: هو اللبث في المسجد من شخصٍ مخصوص، بنيّة.
وُيسَّمى الاعتكاف ِجوارا ومجاَورة، كما سيأتي في الأحاديث.
روى الشيخان عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يعتكف العشَر الأواخَر من رمضان حتى توَفاه الله، ثم اعتَكفَ أزواُجه مِن بعده.
والاعتكاف تعتريه أحكام أربعة، وهي:
۱ - الوجوب، إذ انذره.
٢ - الندب، وهو الأصل فيه، وفي رمضان والعشر الأواخر منه أكد لليلة القدر.
۳- الكراهة، وهو اعتكاف المرأة بإذن زوجها إذا كانت من ذوات الهيئة مع أمن الفتنة.
٤ - الحرمة مع خوف الفتنة مع الصحة كاعتكاف المرأة بدون إذن زوجها أو بإذنه
ومع عدم الصحة، كاعتكاف الجنب أو الحائض.
ثانياً: أحكام الاعتكاف:
١- الاعتكاف قربة مندوبة، ويتأكُد في رمضان، ولا سَّيما في الَعْشر الأواخر.
* روى البخاري عن أبي سعيد الخدري، عن النبيّ ﷺ، أنه قَالَ: «إني كُنْتُ أُجَاوِرُ هَذِهِ العَشْرَ -يعني الأوسط من رمضان-، ثُمَّ قَدْ بَدَا لِي أَنْ أُجَاوِرَ هَذِهِ العَشْرَ الأَوَاخِرَ، فَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعِي فليَبِت فِي مُعْتَكَفِهِ» (رواه البخاري ومسلم).
* وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ» (رواه الشيخان).
* وعَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُجَاوِرُ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَيَقُولُ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ فِي العَشْرِ الأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (رواه الشيخان).
٢- قال الإمام النووي -رحمه الله- في «المجموع": الاعتكاف سنَّة بالإجماع، ولا يجُب إلا بالنذر بالإجماع، ويستحب الإكثار منه، ويستَحب وَيتأَّكد استحبابه في العشِر الأواِخِر من شهر رمضان، للأحاديث السابقة اهـ.
* وعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ إِلَى المَكَانِ الَّذِي أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ إِذَا أَخْبِيَةٌ: خِبَاءُ عَائِشَةَ، وَخِبَاءُ حَفْصَةَ، وَخِبَاءُ زَيْنَبَ، فَقَالَ: «أَلْبِرَّ تُردْنَ» ثُمَّ انْصَرَفَ، فَلَمْ يَعْتَكِفْ -يعني في رمضان- حَتَّى اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ (رواه الشيخان).
۳- قال النووي -رحمه الله -في «شرح مسلم": في هذا الحديِث دليل لصَّحِة اعتكاف النساء؛ لأنه -ﷺ- كان أِذن لهن، وإنما منَعهن بعد ذلك لعارض، وفيه أن للرجل منْعَ زوجتِه مِن الاعتكاف بغيِر إذنِه، وبه قال العلماُء كاَفّة اهـ.
٤- وفي «البيان» للعمراني، و"المجموع» للنووي: أن من مات وعليه اعتكاف منذور، فلا يُفعل عنه الاعتكاف، ولا تخرج منه الفدية؛ لأنه عبادة بدنية لا تقبل النِّيابَة، ولا يدخلها الجْبران بالمال؛ كالطهارة والصلاة.
٥-والاعتكاف من الشرائع القديمِة التي كان يتعبد بها الأنبياء والصالحون كالصلاة والحج؛ قال الله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهِّرا بتيَ للطائفين والعاكفين والرُّكع السجود} [البقرة: ١٢٥].
٦-وفضُل الاعتكاف عظيم، لكَن الأعمال التي يتعدى نفعها إلى المسلمين أفضل منه، كالعمل في مساعدة المحتاجين وقضاء حوائجهم.
* روى الطبراني في «الكبير"، وأبو نُعيم في «الحلية"، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ وَأَيُّ الْأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: «أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ تَعَالَى أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الْأَعْمَالِ إِلَى اللهِ تَعَالَى سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكَشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا، وَلَأَنْ أَمْشِيَ مَعَ أَخِي فِي حَاجَةٍ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتَكِفَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ - يَعْنِي مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ شَهْرًا - وَمَنَ كَفَّ غَضَبَهُ سَتَرَ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ كَظَمَ غَيْظَهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُمْضِيَهُ أَمْضَاهُ مَلَأَ اللهُ قَلْبَهُ رَجَاءً يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَتَهَيَّأَ لَهُ أَثْبَتَ اللهُ قَدَمَهُ يَوْمَ تَزُولُ الْأَقْدَامِ».
ثالثاً: في أركان الاعتكاف وما يتعلق بها:
أركان الاعتكاف أربعة، وهي:
١- النية.
٢- والمسجد (أو المُعتكف فيه).
۳- والمقدار (أي: اللبث).
٤- والمُعتَكِف.
وأحكام الاعتكاف تعود إلى هذه الأركان، وتفصيُلها فيما يلي:
أولاً: نية الاعتكاف، وفيها مسائل:
١- لا يصح الاعتكاف إلا بنية، سواءً كان منذوراً أم لا، وسواءً تعيّن زمانه أم لا؛ لخبر: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».
٢-يجب قصد الاعتكاف في ابتدائه كالصلاة؛ لأنها تُميّز العبادات عن العادات.
۳-فإن كان الاعتكاف منذوراً؛ وجب فيه نية الفرضيّة؛ ليتميّز عن التطوُّع.
٤-ولا يشترط في نية الاعتكاف تعيين الزمن؛ كساعةٍ ونحوه، فإن عيَّنه تعيّن.
٥- وإن نوى الاعتكاف النافلة، ولم يُعيّن مُدّةً، أو عيّن وأطلقَ كيوم أو شهر ولم يشترط التتابع، ثم خرج من المسجد؛ فإن كان خروجه لغير عذر -كنزهةٍ مثلاً، أو ذهابٍ إلى السوق، أو زيارة صديقٍ ... انقطع اعتكافه، أي: بطل، واحتاج إلى استئناف النية؛ لأن ما مضى عبادةٌ تامّة، وما بعد العود عبادةٌ أخرى مستقلة منفصلة عما مضى، فتحتاج إلى نية.
أما إذا خرج لعذرٍ -كقضاء حاجةٍ، وأكل الطعام، وغسل الاحتلام، وذهاب إلى طبيب، وعاد.. لم ينقطع، وكان في حكم المتتابع.
ونقل النووي في «المجموع» عن المتولي وغيره: أنه لو نوى اعتكاف مدة معلومة، استُحبَّ له الوفا ُء بها بكمالها، فإن خرج قبل إكمالها جاز؛ لأن التطوع لا َيلزم بالشروع. وإن أطلَق النَّيَة ولم يقِّدر شيًئا دام اعتكافه مادام في المسجد اهـ.
٦- فإن نذر اعتكاف مدة معينة على سبيل التتابع... لم يجز له الخروج من المسجد إلا لحاجة: كقضاء حاجة، ووضوء ونحوه، فإن خرج لذلك لم يحرم، ولم ينقطع تتابع اعتكافه.
أما إن خرج لغير عذر -كنزهة مثلاً-، وكأمر غير ضروري؛ حرم عليه ذلك، وانقطع تتابع اعتكافه، ووجب عليه استئناف الاعتكاف، سواءً طال الزمان أم قصر.
۷-وإذا اشترط في اعتكافه الخروج لشغلٍ ونحوه، فخرج لذلك ثم عاد؛ وجب عليه تجديد النية.
۸-ولو عزم عند خروِجه من معتكفه أنه يُعوَد إلى الاعتكاف، كانت هذه العزيمة قائمة مقام النَية عنَد العود، فلا يحتاج إلى استئنافِها؛ لأنه لَّما أحدَث النَّيَة عند إرادتِه الخروج.. صار كمن نَوى المَّدتيِن بنَّيٍة واحدة.
۹- وإذا دخل في الاعتكاف بنيّة، ثم قطع النيّة ونوى إبطاله مِن غير أن يخرج؛ فلا يبطل الاعتكاف؛ لأنه قربة تتعَّلُق بمكان، فلا يخرج منها بنيّة الخروج؛ كالحج.
وهذه الأحكام جارية في الاعتكاف المندوِب والمنذور.
١٠- وإذا لم يِجْب على الخارج تجديد النية كان معتكًفاً حكماً في حال خروجه، فلو جامع فيه بطل اعتكافه.
١١-لو نسي نية الاعتكاف وأراد أن ينوي وهو في الصلاة.. جاز له ذلك، بشرط أن لا يتلفظ عند الشيخ الرملي، وجاز مع التلفظ عند الشيخ ابن حجر؛ لأنه لا يبطل التلفظ بأي قربة، كما تقدم في مبطلات الصلاة.
١٢-معتمد مذهب الإمام أبي حنيفة أنه يصح الاعتكاف للمرأة في بيتها إذا عينت مكاناً فيه للصلاة، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي.
ثانياً: في المسجد الذي يعتكف فيه:
١- لا َيصح الاعتكاف من الَرجل ولا مِن المرأة إلا في المسجد، سواء أكان جامِعاً تُصلى فيه الجمعة أم لا، وسواء أكان مسقوفاً أم مكشوفاً.
٢-ولا يصحُّ في مُصلّى البيت؛ لقوله تعالى: {ولا تباشروهنّ وأنتم عاكفون في المساجد}.
قال الإمام النووي في «المجموع": ووجُه الدلالة من الآية لاشتِراط المسجد: أنه لو صَح الاعتكاف في غير المسجد لم يَخَص تحريُم المباشرة بالاعتكاف في المسجد؛ لأنها منافية للاعتكاف، فعلِم أن المعنى بيان أن الاعتكاف إنما يكون في المساجد اهـ.
ودليُل ذلك أيضا الأحاديث الصحيحة المعروفة التي سبق بعضها.
وقال النووي -رحمه الله- في «شرح مسلم": وفي هذه الأحاديث أن الاعتكاف لا يصح إلا في المسجد؛ لأن النبَّي ﷺ وأزواجه وأصحابه إنما اعتكفوا في المسجد مع المشَقة في ملازمتِه، فلو جاز في البيت لَفَعلوه ولو مَّرة، لا سيما النساء؛ لأن حاجتهَّن إليه في البيوت أكثر اهـ.
وقال القُرطبيُّ في «المُفهِم": وكوُن أزواجه ﷺ اعتَكْفَن بعَده حَّجة على من منَع اعتكاف النساء في المسجد؛ فإنهن إنما اعتكفن على نحِو ما كان النبي ﷺ يعتكُِف؛ لأن الراِوي عنهن ساق اعتكاف النبِّي ﷺ واعتكافهَن مَساقاً واحداً، ولو خالفنَه في المسجد لَذكره وكان يقول: غيَر أن ذلك في بيوتهن اهـ.
وقال النووي في «المجموع": وإذا ثَبت جوازه في المساجد صَح في كِل مسجد، ولا يقَبل تخصيص من خصه ببعضها إلا بدليل، ولم يصَّح في التخصيص شيء صريح اهـ.
وقال أيضاً في «المجموع": قال أصحا ُبنا: ويصح الاعتكاف في سطح المسجد ورحبتِه بلا خلاف؛ لأنهما منه اهـ.
وقال الطحاوي في «مشكل الآثار": ولا زال المسلمون يعتكفون في مساجد بلدانهم بلا نكير اهـ.
۳-والأفضُل الاعتكاُف في المساجد الثلاثِة، ثم في أكثِر مساجِد البلِد جماعًة.
٤-و ُيستحب للرجل ألا يعتكَف إلا في مسجد جامع؛ لئلا يضَطَّر إلى قطِعه والخروج منه لأداِء الجمعة، ولأن رسول الله ﷺ كان يعتكُِف في المسجد الجامع، ولأن أجَر الجماعِة في الجامع أكثر.
٥-وإذا نذر الشخص الاعتكاف في مسجٍد بعينه=
فإن كان غير المساجد الثلاثة - وهي المسجد الحرام، ومسجد المدينة والمسجد الأقصى؛ - لم يتعَين للاعتكاف، كما لا يتعَين للصلاة لو نذرها فيه؛ لأنه لا مزية له شرعاً، إلا أنه يُستحب الاعتكاف فيما عيّنه؛ خروجاً مِن خلاف َمن أوجبه.
٦-وإذا شرع في الاعتكاف المنذور في مسجد؛ فليس له الخروج منه لِينتقَل إلى مسجٍد آخر، إلا إذا كان انتقاله في حال خروجه لقضاء الحاجة، وكان المسجد الآخر بمثل مسافِة الأوِل.
۷-وإن كان أحَد المساجد الثلاثة تعيّن على الصحيح؛ لأنها أفضل مِن سائر المساجد بالإجماع، وقد ورد الشَّرع بشدّ الرحال إليها.
۸-وإذا عين في نذره مسجد المدينِة أو الأقصى قام مقامهما المسجد الحرام؛ لأنه أفضل منهما، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى؛ لأنه أفضل منه.
۹-وكل امرأة ُكره ُخروجها إلى الجماعة؛ يكره خروجها للاعتكاف كما سيأتي.
١٠-يسن للمرأة أن تلازم بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل منها في المسجد؛ لحديث أم سلمة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «خير مساجد النساء قَعْرُ بيوتهنَّ» (رواه أحمد وابن خزيمة).
وروى الإمام أحمد وابن خزيمة والحاكم، عَنْ أُمِّ حُمَيْدٍ امْرَأَةِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ، أَنَّهَا جَاءَتِ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنِّي أُحِبُّ الصَّلَاةَ مَعَكَ، قَالَ: «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكِ تُحِبِّينَ الصَّلَاةَ مَعِي، وَصَلَاتُكِ فِي بَيْتِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي حُجْرَتِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي حُجْرَتِكِ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكِ فِي دَارِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي دَارِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ، وَصَلَاتُكِ فِي مَسْجِدِ قَوْمِكِ خَيْرٌ لَكِ مِنْ صَلَاتِكِ فِي مَسْجِدِي»، قَالَ: فَأَمَرَتْ فَبُنِيَ لَهَا مَسْجِدٌ فِي أَقْصَى شَيْءٍ مِنْ بَيْتِهَا وَأَظْلَمِهِ، فَكَانَتْ تُصَلِّي فِيهِ حَتَّى لَقِيَتِ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ.
قال الحافظ ابن حجر في «الفتح": ووجه كون صلاتها في الأخفى أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة، ويتأكُد ذلك بعد وجو ِد ما أحد َث النساء من التبرج والِزينة اهـ.
وقال الإمام النووي رحمه الله في «المجموع": وإن أرادت المرأة حضور المسجد للصلاة، قال أصحابنا: إن كانت شابة أو كبيرة تشتهى؛ كره لها، وكره لزوجها ووليها تمكينها منه.. وإن كانت عجوزا لا تشتهى؛ لم يكره، وقد جاءت أحاديث صحيحة تقتضي هذا التفصيل.
منها: ما روى عن ابن عمر أن النبي ﷺ، قال: «إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها « رواه البخاري ومسلم، ولفظه لمسلم.
وفي رواية لهما: «إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد؛ فأذنوا لهن».
وعنه قال: «قال رسول الله ﷺ لا تمنعوا إماء الله مساجد الله» رواه مسلم.
وعن عائشة قالت: «لو أن رسول الله ﷺ رأى ما أحدث النساء لمنعهن المسجد كما منعت نساء بني إسرائيل» رواه البخاري ومسلم.
قال الزركشيُّ رحمه الله: وأشارت -رضي الله عنها- بذلك إلى ما أحدثنَه من الفتن بالتطيِب والِّلباس عند خروجهن. فأما إذا كانت عجوزاً لا تُشتهى فلا يكره ذلك؛ ففي البيهقي عن ابن مسعود: نُهي النساء عن الخروج إلا عجوزاً في مَنْقِلَيْه. والمَنْقِل: الخُفّ الخَلِق اهـ.
وقال الغزالي في «الإحياء": ويجب منع النساء مِن حضور المساجد للصلوات ومجالس الِذكر إذا خيفت الفتنة بهن؛ فقد منَعْتهن عائشُة رضي الله عنها اهـ.
١١- وحيثُ خرجت؛ فيجب ألا تخرج المرأة مُتزينة، ولا ذات خلاخل، ولا ذات ثيابٍ فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، وإذا استأذنت زوجاً أو ولياً لم يأذن لها حينئذٍ.
قال الهيثمي في «الزواجر": وفِعُلها ذلك معدود مِن كبائر الذنوب إذا تحَّققِت الفتنة، أما مع ظنِّها فهو حرام غير كبيرة، وأما مع مجَّرد خشيتِها فهو مكروه اهـ.
١٢- ويجوز النوم في المسجد بلا كراهة؛ لأنه نام فيه عليٌّ رضي الله عنه في النهار، ونام فيه ابن عمر في الليل، وكذلك كان أصحاب الصُّفة ينامون فيه، بإقراره ﷺ.
١۳-ويجوز الاستلقاء في المسجد، ومد الرجل فيه، والاتكاء؛ للأحاديث الصحيحة المشهورة، منها أن بعض الصحابة رأى رسول الله ﷺ مستلقياً في المسجد، واضعاً إحدى رجليه على الأخرى (رواه البخاري ومسلم).
١٤-ويُكره النومُ على البطن؛ لحديث قيس بن طِخْفَة الغفاري، أن النبيَّ -ﷺ- نهاه عنها، وقال له: «إنها ضِجعة اهل النار» (رواه أبو داود).
١٥-ويُستحبُّ تنظيف المساجد وتطييبها، ولا بأس بإغلاق المسجد في غيِر وقِت الصلاة؛ صيانة له من القاذورات، وحفظا لِما فيه مِن المتاع.
١٦- ويكره الأخذ من الشعر والظفر في المسجد؛ احتراماً له.
١۷- ويباح ترجيل الشعر فيه، وإن كان لا يخلو غالباً من ُسقوط بعض الشعرات، كما كانت السيدة عائشة تُرجل شعر رسول الله ﷺ وهو في المسجد (رواه الشيخان).
١۸-ويحرم تنجيس المسجد ببول ودمٍ، ونحوهما؛ حفاظاً على حُرمة المسجد وطهارته، وكذلك يحرم البصاق في المسجد؛ لحديث: «البصاق في المسجد خطيئة، وكفارتها دفنها» (رواه مسلم).
قال الإمام النووي في «المجموع": وإذا بصق في المسجد؛ فقد ارتكب الحرام، وعليه أن يدفنه، واختلفوا في دفنه فالمشهور أنه يدفنه في تراب المسجد ورمله إن كان له تراب أو رمل ونحوهما، فإن لم يكن أخذه بعود أو خرقة أو نحوهما أو بيده وأخرجه من المسجد، وقيل: المراد بالدفن إخراجها من المسجد مطلقاً، ولا يكفي دفنها في ترابه، حكاه صاحب البحر في باب الاعتكاف.
ومن رأى من يبصق في المسجد؛ لزمه الإنكار عليه ومنعه منه إن قدر.
ومن رأى بصاقاً أو نحوه في المسجد؛ فالسنة أن يزيله بدفعه أو رفعه وإخراجه ويستحب تطييب محله.
وأما ما يفعله كثير من الناس إذا بصق أو رأى بصاقاً، دلكه بأسفل مداسه الذي داس به النجاسة والأقذار؛ فحرام لأنه تنجيس للمسجد أو تقذير له، وعلى من رآه يفعل ذلك الإنكار عليه بشرطه، والله أعلم اهـ.
١۹-يجوز أكل الطعام والفاكهة وغير ذلك في المسجد ورحابه؛ لما رواه ابن ماجه عن عبد الله الحارث بن جَزء الزبيدي، قال: «كنَّا نأكل على عهد رسول الله ﷺ في المسجد الخبز واللحم».
٢٠-وينبغي أن َيبُسَط شيًئا وَيحَترَز؛ خوفاً من تلوث المسجد، ولئلا يتناثر شيء من الطعام، فتجتِمع عليه الهوام.
٢١-هذا إذا لم يكن للطعام رائحة كريهة، فإن كانت كالثوم والَبَصل فُيكَره أكله في المسجد، بل يكَره لآكِلِه دخول المسجد حتى تذهب الرائحة، فإن د َخل المسجد أخِرَج منه؛ لما رواه مسلم عن النبيّ ﷺ، قال: من أكل ثوماً أو بصلاً؛ فليعتزلنا أو قال: فليعتزل مسجدنا».
وروى مسلم عن عُمر موقوفاً: لقد رأيُت رسول الله ﷺ إذا وجد ريحهما مِن الرجل في المسجد، أَمَر به؛ فأُخرج من المسجد، فمن أكلهما؛ فليُمتهُا طبخاً.
قال النووي في «شرح مسلم": قال العلماء: ويلحق بالثوم والبصل والُكَراث: كل ما له رائحة كريهة من المأكولات وغيرها، و ُيلحق بذلك من به بَخر في فمه أو به جرح له رائحة، وكذلك من أكل فِجلاً أو نحوه وكان يتجَشأ اهـ.
٢٢- ويُكره اللَّغطُ، ورفع الصوت في المسجد؛ لأن السكينة فيه مطلوبة؛ وروى مسلم، عن النبيّ ﷺ، قال: «ليلني منكم أولي الأحلام والنُّهى، وإياكم وهيشات الأسواق».
٢۳-قال الماورديّ في «الحاوي الكبير": فَأَمَّا مُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ وَمُذَاكَرَتُهُمْ -يعني في المسجد- فَمُسْتَحَبَّةٌ لِلْمُعْتَكِفِ وَغَيْرِهِ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ كَرَاهَةُ ذَلِكَ لِلْمُعْتَكِف -لأن فيه تشويشاً-ِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ الْمُذَاكَرَةَ بِالْعِلْمِ قُرْبَةٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {فِي بُيُوتٍ أَذَنَ اللهُ أنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) {النور: ۳٦)، وَقَالَ - ﷺ َ -: « إِنَّمَا بُنِيَتِ الْمَسَاجِدُ لِذِكْرِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ» اهـ.
٢٤-قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْبَيْعُ وَالشِّرَاءُ وَعَمَلُ الصَّنَائِعِ فِي الْمَسْجِدِ، فَمَكْرُوهٌ لِلْمُعْتَكِفِ، وَغَيْرِهِ، فَلَوْ بَاعَ الْمُعْتَكِفُ، وَاشْتَرَى وَعَمِلَ صِنَاعَةً مِنْ خِيَاطَةٍ أَوْ غَيْرِهَا لَمْ يَبْطُلِ اعْتِكَافُهُ، وَقَلِيلُ ذَلِكَ أَخَفُّ مِنْ كَثِيرِهِ اهـ.
٢٥-وقال أيضاً: فَأَمَّا مُحَادَثَةُ الْإِخْوَانِ فَمُبَاحَةٌ، مَا لَمْ تَكُنْ مَأْثَمًا، لِمَا رَوَى عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ حُيَيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتِ: اعْتَكَفَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ َ - فَجِئْتُ أَزُورُهُ لَيْلًا، فَقَعَدْتُ وَحَدَّثْتُهُ فَلَمَّا قُمْتُ، وانقلبت قام ليغلبني يعني يردني فَلَمَّا بَلَغَ بَابَ الْمَسْجِدِ مَرَّ بِهِ رَجُلَانِ مِنَ الْأَنْصَارِ فَلَمَّا رَأَيَاهُ أَسْرَعَا فَقَالَ عَلَى رِسْلِكُمَا إِنَّهَا صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيٍّ، فَقَالَا: سُبْحَانَ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ أَحَدِكُمْ مَجْرَى لَحْمِهِ وَدَمِهِ».
٢٦-ثم قال الماوردي: فَأَمَّا السَّبُّ وَالشَّتِيمَةُ وَالْقَذْفُ، وَالنَّمِيمَةُ فَمَكْرُوهٌ، لِكُلِّ أَحَدٍ، وَالْمُعْتَكِفُ بِكَرَاهَتِهِ أَوْلَى كَالصَّائِمِ لِكَوْنِهِ فِي عِبَادَةٍ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَأَثِمَ، وَاعْتِكَافُهُ جَائِزٌ -أي: صحيح -لِأَنَّ كُلَّ عِبَادَةٍ لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ الْمُبَاحِ، لَا تَبْطُلُ بِالْكَلَامِ الْمَحْظُورِ كَالصِّيَامِ وَالْحَجِّ اهــ.
٢۷-ولا بأس أن يعطى السائل المحتاج في المسجد شيئا؛ لحديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: هل منكم أحدٌ أعطى اليوم مسكيناً؟ فقال أبو بكر: دخلت المسجد فإذا أنا بسائل يسأل، فوجدت كِسرة خبز في يد عبد الرحمن، فأخذتها فدفعتها إليه» (رواه أبو داود).
قال السيوطيُّ في كتابه «الحاوي للفتاوي": السؤال في المسجد ليس بمحَرم؛ لأنه ﷺ اطلع على ذلك بإخبار الصِديق ولم يُنكِره، ولو كان حراماً؛ لم يِقَّره عليه، بل كان يمنع السائَل من العود إلى السؤال في المسجد اهـ.
٢۸-وهذا فيمن كان محتاجاً، ولم يِذَل نفَسه، ولم يؤِذ الناس إيذاءً لا يحتمل عادة، وإلا حرم عليه السؤال، قال النووي -رحمه الله- في «شرح مسلم": واختلف أصحابنا في مسألة القادر على الكسب على وجهين، أصحهما أنها حرام لظاهر الأحاديث، والثاني حلال مع الكراهة بثلاثِة شروط: ألا يِذَل نفَسه، ولا يلَِّح في السؤال، ولا يؤِذي المسؤول، فإن فِقد أحُد هذه الشروط فهي حرام بالاتفاق اهـ. قال ابن حجر الهيتمي في «التحفة": وإن كان محتاجاً، كما أفتى به ابن الصلاح اهـ.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في «مجموع الفتاوي": ومن صور إيذاء المسؤول: أن يتخطّى رقاب المُصلين، أو كان يكذب فيما يرويه و َيذكُر مِن حاله، أو جهر بسؤاله جهراً يضرُّ النا َس، مثل أن يسأل والخطيب يخطب، أو وهم يستمعون علماً شرعيّاً، ونحو ذلك اهـ.
٢۹-ونقل الزركشي في كتابه «إعلام الساجد بأحكام المساجد» عن أبي مُطيع البلخيّ الحنفي، قال: والمختار: أنه إن كان السائل لا يتخطى رقاب الناس، ولا يمر بين يدي المصلي، ولا يسأل الناس إلحافاً، فلا بأس بالسؤال والإعطاء، لأن السُؤّال كانوا يسألون على عهد رسول الله ﷺ في المسجد، حتى يروى أن عليا تصدق بخاتمه وهو في الركوع فمدحه الله بقوله: {ويؤتون الزكاة وهم راكعون}. وإن كان يتخطى رقاب الناس، ويمر بين يدي المصلى؛ فيكره إعطاؤه، لأنه إعانة له على أذى الناس، حتى قيل: هذا فلس واحد يحتاج إلى سبعين فلسا لكفارته اهـ.
۳٠-وفي «الإحياء» للغزالي: متى أخذَ مَن جوّزنا له المسألة، وكان يعلم ما بأن باعث الُمعطي الحيا ُء منه أو من الحاضرين، ولولاه لما أعطاه، فهو حرام إجماعاً، ويلزمه ردُّه اهـ. قال الهيتمي في «التحفة": وحيث حرُم الأخذُ؛ لم يملك ما أخذه؛ لأن مالكه لم يرَض ببذله له اهـ.
۳١- ويحرم مرور الشخص أمام المصِلي وإن لم يجد سبيلاً أخرى؛ لما رواه الشيخان، عن النبيّ ﷺ: «لو يعلم المارّ بين يدي المُصلّي ماذا عليه؛ لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرّ بين يديه"، قال أبو النضر: لا أدري أقال: أربعين يوماً، أو شهراً أو سنة.
قال الشيخ زكريا في «فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب": ويستثنى من ذلك إذا قصّر المُصلّي بصلاته في المكان، كأن وقف بقارعة الطريق، وإذا لم يجد المارُّ فرجةً أمامه، وإذا صَلَّى بِلَا سُتْرَةٍ أَوْ تَبَاعَدَ عَنْهَا؛ فلا يحرم الْمُرُورُ بَيْنَ يَدَيْهِ في هذه الثلاثة، لَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهُ اهـ.
۳٢- تكَره الصلاة في المسجد بين السواري لغير حاجة؛ لما رواه أبو داود والترمذيّ: عَنْ عَبْدِ الحَمِيدِ بْنِ مَحْمُودٍ، قَالَ: صَلَّيْنَا خَلْفَ أَمِيرٍ مِنَ الأُمَرَاءِ، فَاضْطَرَّنَا النَّاسُ فَصَلَّيْنَا بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ، فَلَمَّا صَلَّيْنَا، قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ: كُنَّا نَتَّقِي هَذَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ.
قال المحب الطبري: والحكمة فيه إما لانقطاع الصِّف، أو لأنه موضع النِّعال اهـ. (شرح أبي داود لابن رسلان).
وقال الإمام مالك كما في (المدونة): لا بأس بالصفوف بين الأساطين إذا ضاق المسجد اهـ.
۳۳- وفي «روضة الطالبين» «من جلس في موضع للاعتكاف فله الاختصاص بَموضعه ما لم يخرج مِن المسجد إن كان اعتكافا مطلقاً، فإن نوى اعتكاف أيام فَخرج لحاجة جائزة أو خرج ناسيا، بقي اختصاصه إذا رجع اهـ.
۳٤-ولا بأس بدخول الصبي المسجَد إذا لم يلَعْب، ولا يحُرُم عليه الَّلِعُب في المسجد، ولا السكو ُت على لِعبِه، إلا إذا اتَخذ المسجَد ملعبا، وصار ذلك معتادا، فيجب المنع منه، فهذا مما يِحل قليُله دون كثيره، ودليُل حِّل قليلِه ما روي في الصحيحين أن رسول الله ﷺ وقف لأجل عائشة رضي الله عنها، حتى نظرت إلى الحبشة يزفُنون ويلعبون بالدَّرق والحراب يوم العيد في المسجد (رواه الشيخان). ولا شَّك في أن الحبشَة لو اتخذوا المسجد ملعباً لمُنعوا منه.
۳٥-وأما المجانين فلا بأس بدخولهم المسجَد إلا أن يخَشى تلويثهم له أو شْتُمهم أو نطقهم بما هو فحش، أو تعاطيهم لِما هو منَكر في صورتِه ككشِف العور ِة وغيِره، وأما المجنون الهاد ُئ الساكُن الذي قد عُلِم بالعادة سكونه وسكوته، فلا يجب إخراجه من المسجد.
ثالثاً: في مقدار زمن الاعتكاف:
١-أقل الاعتكاف: قد ُر يُسمّى عكوفاً وإقامةً من الزمن وإن قلَّ؛ لإشعار لفظِه بذلك، فُيستحب للشخص كلما دخل المسجَد أن ينوَي الاعتكاف؛ لِينال فضيلَته.
قال النووي رحمه الله في «التبيان": ينبغي أو ل دخولِه المسجَد أن ينو َي الاعتكاف، وهذا الأدب ينبغي أن يعتنى به ويشاع ذكُره، ويعرَفه الِصغار والعوام؛ فإنه مما يغفل عنه اهـ.
وقال في «المجموع": وكلما كثر كان أفضل، بل يصح اعتكاف عمر الإنسان جميعه. ولو كان يدخل ساعة ويخرج ساعة، وكلما دخل نوى الاعتكاف، صَح على المذهب اهـ.
٢- وقال النووي في «شرح مسلم": ويصح اعتكاف ساعة واحدة ولحظة واحدة وضابطه عند أصحابنا: مكث يزيد على طمأنينة الركوع أدنى زيادة، فينبغي لكِل جالس في المسجد لانتظار صلاة أو لشغٍل آخَر مِن آخرٍة أو دنَيا أن ينوي الاعتكاف، فُيحسُب له ويثاب عليه ما لم يخرج من المسجد، فإذا خرج ثم دخل جَّدد نَّيًة أخرى. وأجمعوا على أنه لا حد لأكثر الاعتكاف اهـ.
قال النووي في «المجموع": دليلنا أن الاعتكاف في اللغة يقع على القليل والكثير، ولم يحده الشرع بشيء يخصه، فبقي على أصله اهـ.
۳- وقال الشَّافعيُّ: وأحبُّ أن يعتكف يوماً؛ قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في «المهذب": وإنما استحبَّ ذلك ليخرج من الخلاف؛ فإن أبا حنيفة لا يُجيز أقلَّ من يوم، ولأن النبيّ ﷺ وأصحابه لم يعتكفوا أقلَّ من يوم اهـ.
٤- وإذا عَّين زمَن الاعتكاِف في نذره تعَّين ولِزمه فلا يجوز له التقديُم عليه ولا التأخير؛ فإن قدَّمة لم يجزئه، وإن أخره أثِم وأجزأه وكان قضاءً.
٥- فإذا نذر اعتكاف شهر بعينه ولم يذكِر التتابع لزمه اعتكافه ليلاً ونهاراً، تاما كان الشهر أو ناقصاً، فإن نذر أيام الشهر، فلا يلزمه اعتكاف الليالي، وإن نوى بقلبه الليالي؛ لأن النذر متعلق باللفظ فقط.
٦-فلو فاته الاعتكاُف في الشهر الذي عَينه؛ لِزمه قضاؤه، ويجوز القضاء متفِرقاً ومتتابعاً؛ لأن التتابع في الأداء إنما لِزم لِتعيِن الوقت، فإذا فات الوقُت سقط؛ كالتتابِع في صوِم شهر رمضان.
۷- فإن َنذر اعتكاف شهٍر بعينه أو عشر ِة أيام بعينِها وشرط التتابع، بأن قال: َنذر ُت اعتكاَف هذا الشهر متتابًعا، أو اعتكاَف هذه الايام العشرِة متتابعا، ففاته ذلك المُعيّن؛ لزمه قضاؤه متتابِعا؛ لتصريحه به.
۸- أما إذا نوى اعتكاف شهر غيِر معَّيٍن، فيجوز أن يعتكَف ثلاثين يوما بالعدد، قصيرة كانت أو طويلة، وأن يعتكف شهًرا بالهلال ولو ناقًصا؛ لأن الشهَر اسم لِما بين الهلالين، ويجب أن يدخَل في الاعتكاف قبَل غرو ِب الشمس ليلَة ثبوت الهلال، فإن دخل بعَد الغروب فقد صار شهُره عددياً، فيلزُمه استكمال ثلاثين يوماً بلياليها.
۹- ثم إن كان شَرط التتاُبَع لِزمه، وإن شرط التفريق جاز متفِرقاً ومتتابعاً؛ لأن المتتابِع أفضُل من المتفرِق، فجاز أن يسقط أدنى الفرضين بأفضلهما، وإن لم يشِرط تتابعاً ولا تفريقاً؛ جاز متفِرقاً ومتتابعاً، والتتابع أفضل.
١٠-وإذا نذر اعتكاف يوم لم يلزمه معه ليله، إلا إن نذره أو نواه؛ لأن اليوم قد يطلق ويراد به اليوم بليلته، فأثرت النية فيه.
١١-ولو نذر اعتكاف يومين لزمه اليومان، ثم إن ذكر تواصل اليومين أو نواه لزمته الليلة المتخِللة بينهما، وإلا فلا، وهكذا الحكُم لو نذر ثلاثَة أيام أو عشرة أو ثلاثين، ويقاس على ذلك لو نذر اعتكاف ليلتين أو أكثر.
١٢-وإذا نذر اعتكاف يوم َيلزمه أن يدخَل فيه قبَل طلوع الفجر، ويخرج منه بعد غروب الشمس؛ لأن حقيقة اليوم ما بين الفجر والغروب، ولذلك وجب على الصائم إمساك ما بينهما.
١۳- ولا يجوز أن يفرق اليوم المنذور في ساعات من أيام، بأن يعتكف من كِل يوم ساعة أو ساعتين مثلاً حتى يستكمل ثنتي عشرة ساعة؛ لأن المفهوم مِن لفظ اليوم أن يكون متصلاً.
فلو دخل المسجد في أثناء النهار وقت الظهر مثلاً، وخرج بعد الغروب، ثم عاد قبل الفجر، ومكث إلى مثل ذلك الوقت، لم يجزئه. فإن لم يخرج بالليل أجزأه؛ لحصول التواصل بالبيتوتة.
١٤- وإذا قال: لله عليَّ أن أعتكف يومًا مِن وقتي هذا، وجب عليه اللبث إلى مثل وقته من الغد، ولا يجوز له الخروج بالليل؛ ليتحَقق التواصل.
١٥- ولو نذر اعتكاف ليلة فهو مثل نذر اعتكاف اليوم فيما سبق، فعليه أن يدخل المسجد قبل غروب الشمس، وأن َيمكث حتى يطلع الفجر، فلو أراد تفريق ساعاتِه لم يجز، ولو دخل المسجد في نصف الليل وبقي إلى نصف الليلة الأخرى جاز.
١٦- ولو نذر اعتكاف يوم معَيّن ففاته، فقضاه ليلاً أجزأه، بخلاف اليوم المطلق؛ لقدرتِه على الوفاء بنذره بصفته الملتزمة.
١۷- ولو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد، فقدم ليلاً، فلا شيء عليه؛ لعدم وجود الصفة، فإن قدم نهارا أجزأه اعتكاف البقَّيِة منه، ولا يلزمه قضاء ما مضى منه؛ لأن الوجوب إنما ثبت مِن حين القدوم؛ لصحة الاعتكاف في بعض اليوم، بخلاف الصوم.
رابعاً: في شروط المعتكف:
١- شرط المعتكِف: الإسلام والعقل، والخلو عن الحدث الأكبر، والاحتِراز عما يقطع الاعتكاف.
قال النووي رحمه الله في «المجموع": شروط المعتكف ثلاثة (الإسلام) (والعقل) (والنقاء) عن الحدث الأكبر وهو الجنابة والحيض والنفاس؛ فلا يصح اعتكاف كافر أصلي، ولا مرتد، ولا اعتكاف زائل العقل بجنون أو إغماء، أو مرض، أو سكر، ولا مُبَرْسِمٍ، ولا صبي غير مميز؛ لأنه لا نية لهم.
وشرط الاعتكاف النية، ولا يصح اعتكاف حائض ولا نفساء ولا جنب ابتداءً؛ لأن مكثهم في المسجد معصية.
ولو طرأ الحيض أو النفاس أو الردة أو الجنابة في أثناء الاعتكاف فسيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.
ويصح اعتكاف الصبي المميز والمرأة المزوجة وغيرها، والعبد: القن، والمدبر، والمكاتب والمستولدة، كما يصح صيامهم، لكن يحرم على المرأة والعبد الاعتكاف بغير إذن الزوج والسيد، فلو خالفا صح مع التحريم، والله أعلم اهـ.
قال الإمام أبو إسحاق الشيرازي في «المهذب": ولا يجوز للمرأة ان تعتكف بغير إذن الزوج؛ لأن استمتاعها مِلكٌ للزوج، فلا يجوز ابطاله عليه بغير إذنه اهـ.
قال النووي في «المجموع": فيجوز للزوج منع زوجته مِن الاعتكاف، وإذا دخلت فيه ولو بإذنه فله إخراجها منه مطلقاً، إلا إن شرعت بإذنه في اعتكاف منذور متتابع أو في زمن معين اهـ.
٢-ولا يجوز الاعتكاف لأجير العين في الزمن المستحِق عليه إلا بإذن المستأجر؛ كما لا تجوز له الصلاة النافلة غير الراتبة بغير إذن، فإن اعتكف صحَّ مع التحريم، ولمستأجره أن ينقص مِن أجرته مِقدار انشغاله.
قال الشافعي والأصحاب: الأولى للمعتكف الاشتغال بالطاعات من صلاة وتسبيح وذكر وقراءة، واشتغال بعلم تعلُّمًا وتعليمًا ومطالعة وكتابة، ونحو ذلك.
۳- والأفضل أن يعتكف المسلم صائمًا؛ لأن النبي ﷺ كان يعتكف في شهر رمضان، فإن اعتكف بغير صوم جاز؛ لحديث عمر رضي الله عنه: إني نَذَرتُ أن أعتكف ليلة، فقال له النبي ﷺ: «أوف بنَدْرِك"، ولو كان الصوم شرطًا للاعتكاف لم يصح بالليل. وفي رواية: إني نذرت أن أعتكف يومًا، وهذا يُحمل على أنه سأل النبي ﷺ عن اعتكاف ليلة، وسأله عن اعتكاف يوم، فأمره بالوفاء بما نذر.
٤- ويجوز الاعتكاف في الأيام التي لا تقبل الصوم، وهي العيدان وأيام التشريق؛ لحديث عائشة رضي الله عنها: أن النبي ﷺ اعتكف في العشر الأول من شوال، وهذا يتناول اعتكاف يوم العيد.
وعن ابن عباس قال: ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه. وأما قول عائشة: لا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع، وفي رواية أنها قالت: السُّنَّةُ فيمن اعتكف أن يصوم، فمحمول على الاعتكاف الأكمل؛ جمعا بين الأحاديث.
٥- فإن نذر أن يعتكف يومًا هو فيه صائم، لزمه الاعتكاف بصوم، ولو اعتكف صائماً عن رمضان أو قضاء أو نذر أو كفارة أجزأه؛ لأنه لم يلتزم بهذا النذر صومًا، وإنما نذر اعتكافا موصوفا بكونه مع صوم، وقد وجد.
٦- فإن نذر أن يعتكف صائمًا، أو يصوم معتكفا، لَزِمَه الاعتكاف والصوم والجمع بينهما، فلو شرع في الاعتكاف صائماً ثم أفطر، لزمه أن يستأنف الصوم والاعتكاف.
۷-ولو نذر أن يُصلّي معتكفا أو يعتكف مُصليًا، لزمه الاعتكاف والصلاة، لا الجمع بينهما؛ لأن الصوم والاعتكاف متقاربان في أن كلا منهما كف للنفس، بخلاف الصلاة فإنها أفعال وأقوال، ولأن الصلاة ركعتان، فلا يلزمه استيعاب اليوم بالصلاة.
۸- ولو نذر أن يعتكف شهر رمضان ففاته، لزمه اعتكاف شهر آخر، ولا يلزمه الصوم فيه؛ لأنه لم يلتزم الصوم أصلاً، وإنما كان يحصل الصوم لو اعتكف في رمضان ضرورة.
رابعاً: ما يجوز للمعتكف وما لا يجوز له:
١-لا يجوز للمعتكف فعل ما يقطع الاعتكاف، وذلك حرام عليه في الاعتكاف الواجب، وهو المنذور. ولا يجوز له فعل ما ينافي حُرمة المسجد كتلويثه بالنجاسات ونحوها.
٢- ويجوز للمعتكف أن يقرأ القرآن ويُقرئه غيره، وأن يتعلم العلم ويُعلِّمَه غيره، ولا كراهة في ذلك، بل قال الشافعي وأصحابه: إن ذلك أفضل من صلاة النافلة؛ لأن الاشتغال بالعلم فرض كفاية، فهو أفضل من النفل، ولأنه مُصحح للصلاة وغيرها من العبادات، ولأن نفعه مُتعدّ إلى الناس، وقد تظاهرت الأحاديث بتفضيل الاشتغال بالعلم على الاشتغال بالعبادة النافلة.
۳- ولا بأس أن يَعِظُ الناسَ ويَقُصَّ في المسجد بذكر الأحاديث المشهورة والمغازي وآثار الزهد والفضائل ونحوها؛ لأن تذكير الناس مطلوب، ويجب أن يبتعد عن الأخبار الموضوعة وما لا تحتمله عقول الناس مما فيه فتنة أو شبهة أو شهوة.
قال الإمام الشافعي -رحمه الله: ويتكلم المعتكف في العلم ويكتبه ويقرأ القرآن، ويكتب حاجته إلى من أحب، ويجلس مع أصحابه في المسجد، وأفضل ذلك الاشتغال باعتكافه: الذكر والصلاة.
٤-ويجوز للمعتكف أن يُكلِّم العاملين في ماله وصنعته ونحو ذلك، وأن يتحدَّثَ بالحديث المباح من أمور الدنيا؛ لحديثِ صَفِيَّةَ أم المؤمنين لها أنها جاءت إلى رسول الله ﷺ تزوره في اعتكافه في المسجد في العَشْرِ الأواخر من رمضان، فتَحدَّثَتْ عنده ساعةً، ثم قامَتْ تَنقلب، فقام النبي معها يقلبها، حتى إذا بَلَغَتْ باب المسجد عند باب أم سلمة، مَرَّ رجلان من الأنصار، فَسَلَّمَا على رسول الله ﷺ، فقال لهما النبي ﷺ: على رسلكما، إنما هي صفية بنتُ حُيَيٍّ، فقالا : سبحان الله ! يا رسول الله، وكبر عليهما، فقال النبي ﷺ: «إن الشيطان يبلغ من الإنسان مبلغ الدم، وإني خَشِيتُ أن يقذف في قلوبكما شيئًا».
٥-ويكره الإكثار من الحديث المباح، بل الأولى تركه إلا لحاجة. ويُستحَبُّ للمعتكف ترك الجدال، وإذا سَبَّه إنسانٌ فلا يجيبه؛ كما لا يجيبه الصائم، فإن أجابه أو جادل بغير حقّ كُرِه، ولم يبطل اعتكافه بذلك، لكن يبطل ثوابه أو ينقص.
٦- ويُكره للمعتكف البيع والشراء والإجارة وسائر العقود؛ لأن المسجد يُنزّه عن أن يُتَّخَذَ موضعا للمعاملات الدنيوية، ولا يبطل الاعتكاف بذلك. ولا يكره ذلك إذا كان لحاجة، فإن كان محتاجًا إلى شراء قوته وما لا بد له منه، لم يكره، وكذلك خياطته ثوبه الذي يحتاج إلى لبسه.
قال الإمام الشافعي: ولا بأس أن يشتري ويبيع ويخيط، ويجالس العلماء، ويُحدِّث بما أحب ما لم يكن مأثما، يعني لا يحرم ذلك. قال: «فإن باع معتكف أو غيره في المسجد كَرِهْتُ ذلك لهما، والبيع جائز».
۷- ويكره رفع الصوت في المسجد ولو بالقرآن والذكر، بل يحرم ذلك إن أذى مسلماً؛ فعن أبي سعيد الخدري، قال: اعتكف رسول الله ﷺ في المسجد، فسَمِعهم يَجْهَرُون بالقراءة، فكَشَف السِّتْرَ فقال: «ألا إن كلَّكم مُناجِ رَبَّه، فلا يُؤْذِيَنَّ بعضكم بعضًا، ولا يرفع بعضُكم على بعض في القراءة» أو قال: «في الصلاة».
قال البخاري: فنهى النبي -ﷺ- أن يرفَعَ بعضُهم على بعض صوته، ولا يَخلِطُون على الناس في جَهرِهم وأصواتهم، ولم ينه عن القرآن».
۸- ويجوز للمعتكف والمعتكفة من اللباس والطيب والطعام ما كان جائزاً قبل الاعتكاف، وسواء رفيع ذلك وغيره، وليس مكروهاً؛ لأن النبي ﷺ اعتكف هو وأصحابه، ولم ينقل أنهم امتنعوا عن شيء مما ذكر. وقد رَوَتْ عائشة رضي الله عنها- أنها كانت تَغسِلُ رأس رسول الله ﷺ وتُرجَل شَعَرَه وهو مجاور في المسجد.
۹- ولا تتطيب المعتكفة إذا أرادت الخروج إلى المسجد؛ قال النبي ﷺ: لا تَمْنَعُوا إماء الله مساجد الله، ولكن ليخرُجْنَ وهن تَفِلَاتُ- يعني غير متطيبات. وعن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، قالت: قال لنا رسول الله ﷺ: «إذا شَهِدَتْ إحداكن المسجد فلا تَمَسَّ طِيبًا».
١٠- ويجوز للمعتكف أن يتزوج وأن يُزوّج غيره، وليس كالحج في ذلك. ويجوز للمعتكف وغيره أن يأكل في المسجد ويشرب، بحيث لا يُوسِّخُ المسجد، ولا يتأذى به أحد، ويُستحَبُّ وضعُ سُفْرة ونحوها؛ ليكون ذلك أنظف للمسجد وأصون.
١١- ويجوز غسل اليد والوضوء في المسجد، وإسقاط الماء المستعمل في ترابه، فإن كان مفروشا أو مبلطًا لم يجز توسيخه. والبول في المسجد حرام في إناء أو في غير إناء، والحجامة فيه حرام في غير إناء، ومكروهة في الإناء.
١٢- ويجوز للمعتكف النوم والاضطجاع والاستلقاء والاتكاء ومد رجليه ونحو ذلك في المسجد؛ لأن ذلك يجوز لغيره فله أولى. ويجوز للمعتكف أن يَتَّخِذَ في المسجد مكانًا مُعيَّنا يتعبَّدُ فيه وينام، وله أن يَنصِبَ فيه قُبَّةٌ إذا كان المسجد واسعًا.
فعن عبد الله بن عمر: أن رسول الله ﷺ كان يعتكِفُ العَشْرَ الأواخر من رمضان، قال نافع وقد أراني عبد الله المكان الذي كان يعتكف فيه رسول الله ﷺ من المسجد. قال القرطبي: «يعني الموضع الذي كان اختصه لنفسه، الذي كانت عليه القبة التركية، ومع أنه اختص بموضع من المسجد فهو كان الإمام في حال اعتكافه، فكان يصلي بهم في موضعه المعتاد، ثم يرجع إلى معتكفه بعد انقضاء صلاته».
قال الإمام الشافعي: وللرجل أن يعتكف فوق ظهر المسجد، وفي المنارة، وفي البيت يكون في المسجد.
رابعاً: خلاصة ما يقطع الاعتكاف
ينقطع الاعتكاف بستة أشياء:
الأول: الخروج من المسجد، فإذا خرج المعتكف من المسجد انقطع اعتكافه؛ لأن الاعتكاف هو اللُّبثُ في المسجد، فإذا خرج فقد فعل ما ينافيه، فبطل؛ كما لو أكل في الصوم.
وإن أخرج يده أو رجله أو رأسه لم يبطل اعتكافه؛ لأن ذلك ليس خروجًا، وسواء أكان ذلك لحاجة أم لغيرها؛ قالت عائشة رضي الله عنها: «كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأُرجله»، وفي رواية: «إن كان رسول الله ﷺ لَيُدخل علي رأسه وهو في المسجد فأرجله».
الثاني والثالث: الرَّدَّةُ والسُّكْرُ، فإذا سكر المعتكف ليلًا أو نهارًا بطل اعتكافه، وكذلك إذا ارتد عن الإسلام؛ لأن السُّكْرَ والرَّدَّةَ أفحش من الخروج من المسجد وأسوأ حالا. وإذا كان معتكفا عن نذر متتابع انقطع اعتكافه بذلك، ويجب عليه استئنافه بعد زوال السكر والردة.
الرابع: الجماع، فينقطع الاعتكاف بالجماع عمدًا اختيارًا مع العلم بتحريمه؛ وذلك بإجماع المسلمين، سواء أكان جماعه في المسجد أو عند خروجه لقضاء الحاجة ونحوه. فإن جامع ناسيًا للاعتكاف أو مُكرَها أو جاهلا تحريمه، لم يبطل اعتكافه.
الخامس: إنزال المني بشهوة، فمن باشَرَ غيره مع شهوة فأنزل انقطع اعتكافه؛ قال الله تعالى: {وَلَا تُبَشِّرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ}، والأصل في لفظ المباشرة: ملاقاة البشرتين، فيدخل في الآية الجماع وسائر الاستمتاعات. وقال قتادة: كان الناس إذا اعتكفُوا يَخْرُجُ الرجل فيباشِرُ أهله، ثم يرجِعُ إلى المسجد، فنهاهم الله عن ذلك. فإذا لَمَسَ أو قبّل بشهوة أو استمنى بيده، وكان متعمدا عالمًا: فإن أنزل فَسَد اعتكافه، وإلا فلا قياسًا على الصوم. وإذا نَظَر فأنزل فلا يبطل اعتكافه.
ويجوز للمعتكف المباشرة- بغير شهوة- باليد والقبلة على سبيل الشفقة والإكرام أو لقدوم الزوجة من سفر ونحو ذلك؛ لحديث عائشة ما قالت: «كان النبي ﷺ يُصغِي إِلَيَّ رأسه وهو مُجاوِرُ في المسجد، فأرجله وأنا حائض». ولا فرق بين الرجل والمرأة في هذه الأحكام.
السادس: حيض تخلو عنه مُدَّةُ الاعتكاف، فإذا حاضت المرأة المعتكفة وجب عليها الخروج من المسجد؛ لأنه يحرم عليها المُكث في المسجد.
قال الرملي في نهاية المحتاج (۲۳۰/۳): متى زاد زمن الاعتكاف على أقل الطهر كانت معرضة لطرو الحيض، فعذرت لأجل ذلك، وإن كانت تحيض وتطهر غالب الحيض والظهر؛ لأن ذلك الغالب قد ينخرم.
فائدة: قدر الباجوري وغيره المدة التي تخلو عن النفاس بتسعة أشهر، والموافق للضابط المنقول عن الرملي ما نقلته عن صاحب فيض الإله المالك؛ لأن ما فوق أقل الحمل معرض لطروء النفاس. ينظر: حاشية الباجوري (٢ / ٤٧٠، ٤٧٣ )، وحاشية الشرواني (٤٨٢/٣).
فإذا خَرَجَتْ ثم طَهَرَتْ: فإن كان اعتكافها تطوعا وأرادت البناء عليه جاز لها البناء، وإن كان نذرًا غير متتابع وجب عليها البناء، وإن كان متتابعا يُنظر: إن كان اعتكافها في مُدَّةٍ قد لا تخلو من الحيض، بأن كانت أكثر من خمسة عشر يوماً، لم ينقطع اعتكافها، بل تبني على ما مضى منه. وإن كان اعتكافها في مُدَّةٍ تخلو من الحيض كخمسة عشر يوما فما دونها، انقطع اعتكافها.
والنفاس كالحيض، فإن حصل في اعتكاف قد لا تخلو مدته عن نفاس، بأن كانت أكثر من ستَّةِ أشهر، لم ينقطع اعتكافها، بل تبني على ما مضى منه. وإن حصل في مدَّةٍ تخلو عنه، وهي ستة أشهر فأقل، انقطع اعتكافها.
والمستحاضة المعتكفة لا يجوز لها الخروج من المسجد إن كان اعتكافها نذرا، سواء المتتابع وغيره؛ لأنها كالطاهر في حكم الاعتكاف، لكن تَحتَرِزُ عن تلويث المسجد.
فعن عائشة عنها قالت: «اعتكفت مع رسول الله ﷺ امرأة من أزواجه مستحاضة، فكانت ترى الحُمْرةَ والصُّفرةَ، فَرُبَّما وَضَعْنَا الطَّسْتَ تحتها وهي تصلي».
خامساً: تفصيل أحكام الخروج من المسجد:
ينقطع الاعتكاف بالخروج بكل البدن، عن كل المسجد، بلا عذر، فهذه ثلاثة قيود:
القيد الأول: الخروج بكل البدن، فإن أخرج رأسه أو يديه أو إحدى رجليه، أو كليهما وهو قاعد ماد لهما، فلا يبطل اعتكافه. فإن أخرج رجليه معتمدًا عليهما، وبقي رأسه داخل المسجد، فهو خارج، فيبطل اعتكافه.
القيد الثاني: الخروج عن كل المسجد، فإن خرج إلى رحبة المسجد مثلاً أو منارته أو سَطْحِه لم ينقطع اعتكافه.
القيد الثالث: الخروج بلا عذر، فأما الخروج لعذر ففيه تفصيل يأتي.
والأصل في هذا حديث عائشة، قالت: إن كنتُ لأدخل البيت للحاجة، والمريض فيه، فما أسأل عنه إلا وأنا مارَّةً، وإن كان رسول الله ﷺ لَيُدْخِلُ على رأسه وهو في المسجد فأرجله، وكان لا يَدْخُلُ البيت إلا لحاجة إذا كان معتكفاً. وفي رواية: «كان النبي ﷺ إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأُرجله، وكان لا يدخُل البيت إلا لحاجة الإنسان».
سادساً: الخروج لقضاء الحاجة
١- يجوز الخروج لحاجة الإنسان، وهي البول والغائط؛ لإجماع المسلمين على ذلك، ولأنه أمر لا بد منه. وكذلك الخروج للغُسْلِ من الاحتلام.
٢- ولا يجب قضاء الحاجة في دورات المياه التي للمسجد، بل يجوز للمعتكف الذهاب إلى داره التي لا يَفحُشُ بُعْدُها. وكذا لو كان بجنب المسجد دار صديق أو قريب له وأمكنه دخولها لم يلزمه ذلك؛ لأنه ربما احتشم من ذلك وشَقَّ عليه.
۳- وإذا كان له بيتان أحدهما أقرب للمسجد، فلا يجوز له الذهاب إلى الأبعد منهما، فإن خرج إليه بطل اعتكافه؛ لأنه لا حاجة به إليه، فأشبه إذا خرج لغير حاجة.
٤- وإذا كانت داره بعيدةً بُعدًا فاحِشًا، ولم يجد في طريقه مَوضِعًا مناسبًا -كمرحاض أو بيت صديق، فله الذهاب إلى داره؛ لأنه مضطر إلى ذلك. وإن وجد موضعا لائقًا لم يجز له الذهاب إلى داره البعيدة؛ لأنه يُضيّع جملة مقصودة من وقت الاعتكاف في الذهاب والمجيء من غير ضرورة.
٥- ولا يُشترط في جواز الخروج لقضاء الحاجة شدة الحاجة؛ لأن في اعتبار ذلك ضررًا بينا.
٦- ولو كثر خروجه للحاجة لعارض يقتضيه -كإسهال ونحوه، لم يبطل اعتكافه ولم ينقطع تتابعه.
۷- وإذا خرج لقضاء الحاجة فلا يُكلَّفُ الإسراع، بل له المشي على عادته، فإن أبطأ في سَيْرِه من غير عذر حتى خرج عن حد عادته بطل اعتكافه.
۸- وإذا فرغ من قضاء الحاجة واستنجى، فله أن يتوضأ خارج المسجد؛ لأن ذلك يقع تابعًا، ولا يجوز في الأصل الخروج للوضوء مع إمكانه في المسجد.
۹- وأوقات الخروج لقضاء الحاجة لا يجب قضاؤها في الاعتكاف المنذور؛ لأن الاعتكاف مستمر فيها على الصحيح.
سابعاً: الخروج للأكل
١- يجوز للمعتكف الخروج من المسجد إلى منزله للأكل، وإن أمكنه الأكل في المسجد. وإن عطش فلم يجد الماء في المسجد فله الخروج للشرب، وإن وجده في المسجد لم يجز له الخروج؛ لأن الأكل في المسجد يَنقُصُ المروءة ويُستحيى منه، بخلاف الشرب.
٢- ولا يجوز له الإقامة في البيت بعد فراغه من الأكل؛ كما لا تجوز الإقامة بعد الفراغ من قضاء الحاجة. ويجوز له الأكل في مروره لقضاء الحاجة.
ثامناً: الخروج للغسل من الجنابة
١- متى لزم المعتكف غُسْلُ الجنابة باحتلام أو بجماع ناسياً، وجب عليه المبادرة بالغسل، فإن مكث في المسجد مع التمكن من الخروج، عصى الله تعالى، وبطل اعتكافه المتتابع بذلك؛ لأنه لا يُحسَبُ زمان الجنابة من الاعتكاف وإن لم يخرج من المسجد، وكذلك زمان السكر.
٢- وله الخروج من المسجد للاغتسال، سواء أأَمْكَنَهُ الغُسْلُ في نحو بِرْكة المسجد أم لا؛ لأن الخروج أصون للمسجد والمروءته.
۳- ولو حاضت المعتكفة؛ لزمها الخروج، فإن لم تخرج لم يُحسَب زمان الحيض، وكذلك إذا ارتد المعتكف؛ لأن المرتد ليس أهلاً للعبادة.
تاسعاً: الخروج لعيادة المريض ونحوها:
١- ولا يخرج المعتكف لعيادة المريض ولا لتشييع الجنازة؛ لحديث عائشة قالت: «السُّنَّةُ على المعتكف ألا يَعُودَ مريضًا، ولا يَشْهَدَ جنازة، ولا يَمَسَّ امرأةً ولا يُبَاشِرَها، ولا يَخرُج لحاجة إلا لما لا بد منه».
٢- فإن خرج لقضاء الحاجة فعاد في طريقه مريضًا، بأن كان المريض في صَحْنِ الدار التي يقصدها لقضاء الحاجة، أو في حجرة مفتوحة إلى طريقه:
-فإن لم يقف لسبب العيادة ولا عدل عن طريقه بسببها، بل اقتصر على السؤال، جاز له ذلك، ولم ينقطع اعتكافه؛ لحديث عائشة السابق، ولأنه لم يُفوّت زمانًا.
-وإن وقف للعيادة وأطال بطل اعتكافه؛ كما لو خرج للعيادة، وإن لم يُطل لم يبطل اعتكافه.
۳- وإن خرج لقضاء الحاجة؛ فصلى في طريقه على جنازة: فإن وَقَف لها يَنتظِرُها أو عدل عن طريقه إليها، بطل اعتكافه، وإن صلى عليها من غير وقوف لها ولا عدول إليها لم يبطل اعتكافه؛ لأنه زمن يسير، ولم يخرج لذلك.
عاشراً: الخروج للمرض:
١- المرض ثلاثة أقسام:
الأول: مرض يسير لا تَشُقُّ معه الإقامة في المسجد، كصداع وحُمَّى خفيفة، ووَجَع الضرس والعين، ونحو ذلك، فإن خرج المعتكف بسببه من المسجد بطل اعتكافه؛ لأنه غير مضطر إليه.
الثاني: مرض تَشُقُّ معه الإقامة في المسجد؛ لحاجة المريض إلى الفراش والخادم وتردد الطبيب ونحو ذلك، فيباح للمعتكف الخروج بسببه، ولا ينقطع اعتکافه بخروجه؛ لأن الحاجة داعية إليه كالخروج لقضاء الحاجة.
الثالث: مرض يُخافُ معه تلويث المسجد، كانطلاق البطن، وإدرار البول، والاستحاضة والسَّلَس، ونحو ذلك، فيلزمه الخروج بسببه، ولا ينقطع اعتكافه.
حادي عشر: الخروج نسيانا أو إكراها
١- إذا خرج المعتكف من المسجد ناسيًا للاعتكاف، لم يبطل اعتكافه.
٢- وكذلك لو حُمِل مُكرَها فأخرج من المسجد، أو أكره حتى خرج بنفسه.
والدليل قول النبي ﷺ: «إن الله وضَع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه»، ولأنه لو أكل في رمضان ناسيًا أو مكرها لم يبطل صومه، فكذلك إذا خرج من الاعتكاف ناسياً أو مكرهاً.
۳- ولو لم يتذكر الاعتكاف إلا بعد طول الزمان؛ لم يبطل اعتكافه؛ كما لو أكل الصائم كثيراً ناسياً. ولو خاف المعتكف من ظالم فخرج واستتر، لم يبطل اعتكافه. وكذلك لو خاف من شيء آخر كحية أو لص أو حريق أو انهدام أو نحو ذلك.
٤- فأما إذا خاف ممن يطالبه بحق واجب عليه، وهو قادر على أدائه، فهو ظالم بالتغيُّب عنه، فإذا خرج بطل اعتكافه. فإن كان عاجزاً عنه -فخرج ليستتر لم يبطل اعتكافه؛ لأن مطالبته حينئذ حرام، فهو خارج للخوف من ظالم.
٥- وإذا أخرجه السلطان من المسجد؛ فله ثلاثة أحوال:
الأول: أن يكون السُّلطانُ مُحِقًا في إخراجه، كأن وجب عليه حق مالي -وهو يُماطل به مع قدرته عليه أو يمتنع من أدائه، فيبطل اعتكافه؛ لأنه مقصر في ذلك، فكأنه خرج باختياره.
الثاني: أن يكون السلطان ظالمًا له في إخراجه، كأن أخرجه لمصادرةٍ أو حَبْسٍ بغير حق أو نحو ذلك، فلا يبطل اعتكافه بخروجه.
الثالث: أن يُخرِجَه السلطان ليقيم عليه عقوبة شرعيَّةً مِن حَد أو قصاص أو تعزير: فإن ثبت ذلك عليه بإقراره؛ بطل اعتكافه؛ لأنه خرج باختياره، وإن ثبت عليه بالبينة؛ فلا يبطل اعتكافه ولا ينقطع تتابعه، فإذا عاد إلى المسجد بني على ما مضى من اعتكافه.
٦- ولو نذر اعتكافاً، ثم دخل مسجدًا فاعتكف فيه، ثم انهدم المسجد: فإن بقي موضع يُمكن الإقامة فيه أقام، وإن لم يبق ذلك؛ خرج فأتم اعتكافه في غيره من المساجد، ولا يبطل اعتكافه بالخروج؛ لأنه لحاجة.
۷- وإذا كان اعتكافه غير متتابع، ولا متعلق بزمان معين؛ فانهدم المسجد، فله الخيار: إن شاء انتظر بناءه، فإذا بني المسجد عاد وتمم اعتكافه، وإن شاء اعتكف في غيره.
ثاني عشر: الخروج للإغماء والجنون
١- إذا أُغمي على المعتكف- فأُخرِجَ من المسجد ثم أفاق، فاعتكافه باق لم يبطل؛ لأنه لم يخرج باختياره فهو مُكرَه وزمان الإغماء محسوب له من الاعتكاف؛ كالصائم إذا أغمي عليه بعض النهار، وكما لو نام المعتكف فإنه يُحْسَبُ زمان نومه.
٢- وكذلك إذا جُنَّ المعتكف، فلا ينقطع اعتكافه وإن أخرج من المسجد، سواء أشق حفظه في المسجد أم لا، إلا إذا وجب إخراجه كأن يؤذي الناس في المسجد، فينقطع اعتكافه بإخراجه لذلك؛ لأنه كإخراج المكره بحق. ولا يُحسَب زمان الجنون من الاعتكاف؛ لأن العبادات البدنية لا يَصِحُ مِن المجنون أداؤها في حال الجنون.
۳- فإذا أفاق المجنون؛ لم يجب عليه استئناف الاعتكاف المتتابع، بل يبني على ما مضى منه وإن كان بقي في الجنون مدة طويلة. قال الإمام الشافعي: «وإذا جُنَّ المعتكف فأقام سنين ثم أفاق، بنى».
ثالث عشر: الخروج لعارض مشروط
١- إذا نذر اعتكافاً متتابعاً، وشرط الخروج منه إن عرض عارض، مثل مرض خفيف، أو عيادة مريض، أو شهود جنازة، أو صلاة جمعة، أو زيارة صديق، أو شرط الخروج لاشتغال بعلم أو لغرض آخَرَ مِن أغراض الدنيا والآخرة، صحَّ شرطه ولم ينقطع اعتكافه؛ لأن ذلك كأنه شرط الاعتكاف في زمان دون زمان، وهذا جائز.
٢- فإن عيّن نوعاً من العوارض؛ كأن يقول: لله علي أن أعتكف عشرة أيام متتابعة على أن لي الخروج لعيادة المرضى وتشييع الجنائز، خرج لما عينه لا لغيره، وإن كان غيره أهم منه.
۳- وإن أطلق الشرط كأن يقول: وإن عَرَض لي شُغل أو عارض كان لي الخروج، جاز له الخروج لكل شغل ديني كالعيادة وطلب العلم، أو دنيوي كالتجارة ومطالبة الغريم.
٤- ويُشترط في الشغل الدنيوي كونه مباحًا مقصودًا، فإن خرج لقتل أو شُرب خمر أو سرقة أو تجارة مُحرَّمة أو نحو ذلك، انقطع اعتكافه، وعليه استئنافه بعد رجوعه. وكذلك إذا خرج للتنزه ورؤية الحدائق والأنهار ونحو ذلك، انقطع اعتكافه.
٥- وإذا قضى الشغل الذي شرطه وخرج له، لَزِمَه العَوْدُ إلى المسجد والبناء على اعتكافه، فإن أخَّرَ العَوْدَ بعد الفراغ من الشغل -بلا عذر- بطل تتابع اعتكافه ولَزِمَه استئنافه؛ كمن تأخر بلا عذر بعد قضاء حاجته.
٦- ولو نذر اعتكافاً متتابعاً، وقال في نذره: إن عرض لي مانع قَطَعْتُ الاعتكاف، صح ذلك، وإذا خرج لم يلزمه العَوْدُ، بل إذا عَرَض الشغل الذي شرطه انقضى نذره وبَرِئَتْ ذِمَّتُه منه. ولو قال: علي أن أعتكف رمضان إلا أن أَمْرَضَ أَو أُسَافِرَ، فَمَرِض أو سافَرَ، فلا شيء عليه ولا قضاء.
۷- وإن قال: لله علي أن أعتكف عشرة أيام متتابعة، ومهما أردت خرجتُ، انعقد نذره متتابعاً ولغا الشرط؛ لأنه علّقه بمجرد إرادته، وذلك ينافي التزام النذر.
۸- وإن قال: متى أردتُ جامعتُ، لم ينعقد نذره؛ لأن ذلك ينافي العبادة، كما لو شرط الخروج لمُحرَّم كشُرب خمر. وهل يجب قضاء الزمان المصروف إلى العارض ؟ يُنظر:
-إن كان نذر اعتكاف مُدَّةٍ غيرِ معيَّنة كشهرٍ، وجَب القضاء؛ لتتمَّ المدَّة، وتكون فائدة الشرط حينئذ جواز الخروج وعدم انقطاع التتابع به.
-وإن كان نذر زمانًا معينا كرمضان أو هذا الشهر أو هذه الأيام العشرة ونحو ذلك، لم يجب القضاء؛ لأنه لا يدخُل في النذر غير ما عينه، وزمن العارض كالمستثنى.
رابع عشر: ما يترتب على انقطاع الاعتكاف
١- لا يَحْرُمُ على المعتكف أن يقطع الاعتكاف ويَخرُج منه، إلا إذا كان نذر أن يعتكف مدةً معيَّنةً أو متتابعة، لكن يترتب على قطعه أحكام، منها ما يلي:
-تجديد النية بعد العود
-إذا خرج المعتكف لعذر ثم زال العذر أو فرغ منه، لزمه المبادرة بالرجوع إلى المسجد، فإن أخر الرجوع من غير عذر بطل اعتكافه؛ لأنه كالخروج بلا عذر.
٢- وهل يجب عليه تجديد نية الاعتكاف إذا عاد؟ يُنظر:
- إذا كان خرج من المسجد مع العزم على العود إليه، كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية، فلا يجب عليه تجديد النية بعد العود.
- وإن كان خرج من غير أن يعزم على العود، ثم عاد إلى المسجد، يُنظر:
* إن كان اعتكافا مطلقا وجب عليه تجديد النية، سواء أخرج لقضاء حاجة أم لغيره، طال الزمن أم لم يطل؛ لأن اعتكافه ينقطع بذلك لعدم تأكده.
* وإن كان اعتكافا مقيدًا بمدة كيوم أو شهر، فكذلك يجب عليه تجديد النية إذا عاد، إلا في حال خروجه لقضاء الحاجة، فلا يجب تجديدها حينئذ وإن طال الزمن؛ لأن ذلك أمر لا بد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
۳- وإن كان اعتكافا مقيَّدًا بمدة ومشروطا فيه التتابع:
-فإن خرج لعذر لا يقطعُ التتابع كقضاء حاجة وأكل طعامٍ وغُسل جنابة ومرض شديد وإكراه بغير حق ونسيان ونحو ذلك، لم يلزمه تجديد النية بعد العود؛ لأنه لم ينقطع اعتكافه بذلك، فكأنه لم يخرج.
- وإن خرج بلا عُذر، أو خرج لعذر يقطع التتابع، وهو ما يطول زمنه عادة، كمرض وعدة وحيض ونفاس وغُسل جنابة، فيجب عليه تجديد النية إذا عاد؛ لأن اعتكافه قد انقطع بذلك.
خامس عشر: احتساب ما مضى من الاعتكاف
١- إذا فَعَل المعتكف ما يقطع الاعتكاف كالخروج والمباشرة والمقام في البيت بعد زوال العذر، ينطر:
- فإن كان ذلك في اعتكاف مندوب: لم يبطل ما مضى من اعتكافه؛ لأن ذلك القدر لو أفرده بالاعتكاف واقتصر عليه أجزأه، ولا يجب عليه إتمامه، فيكون ما مضى عبادة تامة، ويكتب له ثوابها.
- وإن كان في اعتكاف منذور: فإن لم يشرط فيه التتابع لم يبطل ما مضى من اعتكافه، ويلزمه أن يأتي بالباقي. وإن كان شرط فيه التتابع بطل اعتكافه، ويجب عليه أن يستأنفه؛ ليأتي به على الصفة الواجبة.
والحاصل: أن الأمر الطارئ على الاعتكاف المتتابع: إما أن يقطع تتابعه أو لا، والذي لا يقطع تتابعه إما أن يُحسَب زمنه من مدة الاعتكاف فلا يُقضى أو لا.
- فالذي يقطع التتابع كالخروج من المسجد بلا عذر، والردَّةِ والسكر، والحيض الذي تخلو منه مدة الاعتكاف، والجنابة المفطرة، وغير المفطرة إن لم يبادر بالطهر منها.
- والذي لا يقطع التتابع ويُقضَى زمنه: كالجنابة غير المفطرة إن بادر بالظهر منها، والمرض المُحوج للخروج، والجنون، والحيض الذي قد لا تخلو منه المدَّةُ، والعِدَّةِ، والزمن المَصرُوفِ للعارض الذي شَرَط في نذره الخروج له؛ إن كانت مدته غير معينة.
-والذي لا يقطع التتابع ولا يُقضى زمنه كالأكل، وقضاء الحاجة، وغُسل الجنابة، والإغماء، وزمن العارض الذي شرط الخروج له في نذره؛ إن عين مدته.
سادس عشر: اعتكاف العشر الأواخر
١- الاعتكاف سُنَّةٌ بالإجماع، ويُستحَبُّ ويتأكَّد استحبابه في العشر الأواخر من شهر رمضان؛ للأحاديث الكثيرة الواردة فيه، ولرجاء ليلة القَدْرِ فيه.
٢- وكان رسول الله ﷺ يَعتكِفُ العَشْرَ الأواخر من رمضان، كما سبق. وعن عائشة لا أن رسول الله ﷺ أمر بخبائه فضرب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأَمرَتْ زينب بخبائها فضُرب، وأَمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر، فإذا الأخبية، فقال: البِرَّ تُرِدْنَ؟ فَأَمَر بخبائه فقُوّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال.
وعن أنس بن مالك لله قال: كان النبي ﷺ إذا كان مقيما اعتكف العشر الأواخر من رمضان، وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين.
٢- قال الإمام النووي -رحمه الله تعالى-: قال الشافعي والأصحاب رحمهم الاعتكاف في جميع الأوقات من الليل والنهار، وأوقات كراهة الصلاة، وفي يوم العيدين والتشريق، وأفضله ما كان بصوم، وأفضله شهر رمضان، وأفضله العشر الأواخر منه.
۳- قال الشافعي والأصحاب ومن أراد الاقتداء بالنبي ﷺ في اعتكاف العشر الأواخر من رمضان، فينبغي أن يدخُل المسجد قبل غروب الشمس ليلة الحادي والعشرين منه؛ لكيلا يفوته شيء منه، ويَخرُجَ بعد غروب الشمس ليلة العيد، سواء تم الشهر أو نقص، والأفضل أن يمكث ليلة العيد في المسجد حتى يصلي فيه صلاة العيد أو يخرج منه إلى المصلى لصلاة العيد إن صلوها في المصلى.
وعن عائشة رضي الله عنها: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر، ثم دخل معتكفه.
قال النووي رحمه الله: «احتج به من يقول: يبدأ بالاعتكاف من أول النهار، وبه قال الأوزاعي والثوري واللَّيتُ في أحد قوليه. وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأحمد: يدخل فيه قبل غروب الشمس إذا أراد اعتكاف شهر أو اعتكاف عشر، وأوَّلُوا الحديث على أنه دخل المعتكف وانقطع فيه وتخلى بنفسه بعد صلاته الصبح، لا أن ذلك وقت ابتداء الاعتكاف، بل كان مِن قَبْلِ المغرب معتكفا لابنا في جملة المسجد، فلما صلى الصبح انفرد».
٤- وإذا قال الشخص في نذره الله علي أن أعتكف العَشْرَ الأواخرَ، دَخلَتْ لياليه في النذر حتى الليلة الأولى، ويجب أن يدخل فيه قبل غُروب شمس اليوم العشرين؛ لأن اسم العشر الأواخرِ يَسْمَلُ الليالي مع الأيام.
٥- فإن نقص الشهر أجزأه اعتكاف التسعة؛ لأن هذا الاسم يقع على ما بعد العشرين إلى آخر الشهر، فإن فاته الاعتكاف فيه لزمه قضاؤه، فلو خرج الشهر ناقصا لم يلزمه إلا قضاء تسعة أيام بلياليها.
٦- ولو قال: لله علي أن أعتكف عشرة أيام من آخر الشهر، وكان الشهر ناقصا، لَزِمه أن يعتكف بعده يومًا؛ لأنه جرد القصد إلى العدد.
سابع عشر: فضل ليلة القدر والأمر بطلبها
١- ليلة القدر ليلة عظيمة شريفة، تُغفر فيها الذنوب، ويُطلع الله تعالى فيها من شاء من ملائكته على ما شاء من مقادير خليقته، وقد أنزل الله في شأنها سورة كاملة.
قال الله تعالى: {إِنَّا أَنزَلْتَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ سَلَامُ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ}.
وقال تعالى: {وَإِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَرَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } ومعنى يُفْرَقُ : يُفصَّل ويبين، ومعنى حَكِيمٍ مُحكَم وَمُتَقَنِ.
٢- وقال النبي ﷺ: «إن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى». وكثرة انتشار الملائكة في الأرض تُبطل سُلطان الشياطين، ولهذا قال ﷺ: «لا يخرج شيطانها حتى يخرج فجرها».
قال ابن جرير: وقوله: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} أي: سلّم ليلة القدر من الشر كله، من أولها إلى طلوع الفجر من ليلتها. قال مجاهد: «سالمةٌ لا يستطيع الشيطان أن يعمل فيها سوءًا أو يَعْمَلَ فيها أذى». وقال أيضًا: هي سالمة من أن يحدث فيها داء أو غائلة».
۳- قال النبي ﷺ: «أتاكم رمضان شهر مبارك، فرض الله عز وجل عليكم صيامه، تفتح فيه أبواب السماء، وتُغلق فيه أبواب الجحيم، وتُغَلُّ فيه مَردَةُ الشياطين، الله فيه ليلة خير من ألف شهر، مَن حُرِم خيرها فقد حُرِم».
وقال ﷺ: «مَن حُرمها فقد حرم الخير كله، ولا يُحرَمُ خيرها إلا محروم».
وقال ﷺ: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه».
وقيل لبعض السلف: أرأيتَ النفساء والحائض والمسافر والنائم، لهم في ليلة القدر نصيب؟ فقال: «نعم، كلُّ مَن تقبل الله عمله سيعطيه نصيبه من ليلة القدر».
٤- وعن عائشة لها أن رسول الله ﷺ قال: «تَحرَّوا ليلة القدر في العَشْرِ الأَواخِرِ مِن رمضان»، وفي رواية: «في الوتر من العشر الأواخر».
وعن ابن عمر، قال: قال النبي ﷺ: «أرى رؤياكم في العشر الأواخر، فاطلبوها في الوتر منها»، وفي رواية: «مَن كان مُلتمسها فليلتمسها في العشر الأواخر».
وفي رواية: «وكانوا لا يزالون يقُصُّون على النبي ﷺ الرؤيا أنها في الليلة السابعة من العشر الأواخر»، فقال النبي ﷺ: «أرى رؤياكم قد تواطأت في العشر الأواخر، فمن كان مُتحرِّيها فليتحرَّها من العشر الأواخر».
٥- واختلف العلماء في تعيين ليلة القدر اختلافا كثيرًا، والصحيح أنها باقية وليست مخصوصة بزمن النبي ﷺ، وأنها في العشر الأخير من شهر رمضان، وأنها في أوتار العشر الأخير، ثم ما من ليلة من أوتار العشر إلا وقد قال بعض من أهل العلم بأنها ليلة القدر.
أ- فمما ورد في تعيين ليلة إحدى وعشرين:
حديث أبي سعيد الخدري قال: كان رسول الله ﷺ يُجاوِرُ في رمضان العَشْرَ التي في وسط الشهر، فإذا كان حين يمسي من عشرين ليلة تمضي، ويستقبل إحدى وعشرين، رجع إلى مسكنه، ورجع من كان يُجاوِرُ معه، وإنه أقام في شهر جاور فيه الليلة التي كان يرجع فيها، فخطب الناس فأمرهم ما شاء الله، ثم قال: «كنتُ أجاور هذه العشر، ثم قد بدا لي أن أجاوِرَ هذه العشر الأواخر، فمن كان
اعتكف معي فليثبت في مُعتكَفه، وقد أُريتُ هذه الليلة ثم أُنسِيتُها، فابتَغُوها في العشر الأواخر، وابْتَغُوها في كل وثر، وقد رأيتني أسجد في ماء وطين».
قال أبو سعيد: فاستهلتِ السماء في تلك الليلة فأَمْطَرَتْ، فَوَكَف المسجد في مصلى النبي ﷺ ليلة إحدى وعشرين، فَبَصُرَتْ عيني رسول الله ﷺ، ونظرتُ إليه انصرف من الصبح، ووجهه ممتلئ طيناً وماء.
قال ابن رجب -رحمه الله-: الأوسط من شهر رمضان لابتغاء ليلة القدر فيه، وهذا السياق يقتضي أن ذلك تكرر: هذا الحديث يدل على أن النبي ﷺ كان يعتكف العشر منه.
وفي رواية في الصحيحين في هذا الحديث: أنه اعتكف العشر الأول، ثم اعتكف العشر الأوسط، ثم قال: «إني أُتِيتُ فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحب منكم أن يعتكف فليعتكف، فاعتكف الناس معه».
وهذا يدل على أن ذلك كان منه قبل أن يتبيَّن له أنها في العشر الأواخر، ثم لما تبين له ذلك اعتكف العشر الأواخر حتى قبضه الله عز وجل، كما رواه عنه عائشة وأبو هريرة وغيرهما».
ب- ومما ورد في تعيين ليلة ثلاث وعشرين:
حديث عبد الله بن أنيس الله أن رسول الله ﷺ قال: «أُريتُ ليلة القدر ثم أُنسِيتُها، وأُراني صُبْحَها أَسْجُدُ في ماء وطين، قال: فمطرنا ليلة ثلاث وعشرين، فصلى بنا رسول الله ﷺ، فانصرف وإنَّ أثر الماء والطين على جبهته وأنفه. وكان عبد الله بن أنيس يقول: ثلاث وعشرون».
وفي رواية أن النبي ﷺ قال: «تحرَّوها ليلة ثلاث وعشرين».
ج -ومما ورد في تعيين ليلة خمس وعشرين:
حديث معاذ بن جبل الله أن رسول الله ﷺ سُئل عن ليلة القدر، فقال: «هي في العشر الأواخر، في الخامسة أو في الثالثة».
وحديث عبادة بن الصامت، قال: «خرج النبي ﷺ لِيُخبرنا بليلة القدر، فتلاحي رجلان من المسلمين، فقال: «خرجتُ لأخبركم بليلة القدر، فتلاحي فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيرًا لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة».
وفي رواية: «التمسوها في السبع والتسع والخمس».
د- ومما ورد في تعيين ليلة سبع وعشرين:
حديث أبي بن كعب الله أنه قيل له: إن أخاك ابن مسعود يقول: مَن يَقُم الحول يُصِبْ ليلة القدر، فقال: أراد ألا يتكل الناس، أما إنه قد علم أنها في رمضان، وأنها في العشر الأواخر، وأنها ليلة سبع وعشرين، ثم حلف لا يستثني أنها ليلة سبع وعشرين.
فقيل له : بأي شيء تقول ذلك يا أبا المنذر ؟ قال: بالعلامة التي أخبرنا رسول الله ﷺ: أنها [يعني الشمس] تطلع يومَئِذٍ لا شُعَاع لها.
وعن أبي ذر، قال: صُمنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا من الشهر شيئًا حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم لم يقم بنا الليلة الرابعة، وقام بنا الليلة التي تليها حتى ذهب نحو من شطر الليل، فقلنا: يا رسول الله، لو نفلتنا بقيَّة ليلتنا هذه؟ قال: «إن الرجل إذا قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له بقية ليلته»، ثم لم يقم بنا السادسة، وقام بنا السابعة، وبعث إلى أهله واجتمع الناس، فقام بنا حتى خَشِينا أن يفوتنا الفلاح، قيل : وما الفلاح ؟ قال: السحور.
وفي رواية: أرسل إلى بناته ونسائه، وحشد الناس.
قال ابن رجب: وهذا يدل على أنه يتأكد إيقاظهم في أكد الأوتار التي ترجى فيها ليلة القدر.
وعن معاوية بن أبي سفيان، عن النبي ﷺ قال: «ليلة القدر ليلة سبع وعشرين» .
وعن عبد الله بن عباس: أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال: يا نبي الله، إني شيخ كبير عليلٌ، يشق علي القيام، فَأُمُرْني بليلة لعل الله يوفقني فيها لليلة القدر، قال: عليك بالسابعة.
هـ- ومما ورد في تعيين ليلة تسع وعشرين:
حديث أبي هريرة الله أن رسول الله ﷺ قال في ليلة القدر: «إنها ليلة سابعة أو تاسعة وعشرين، وإن الملائكة تلك الليلة في الأرض أكثر من عدد الحصى».
وعن أبي العالية له أن أعرابيا أتى النبي ﷺ وهو يصلي، فقال له: متى ليلة القدر ؟ فقال: «اطلبوها في أوَّلِ ليلة وآخر ليلة، والوتر من الليالي».
قال الترمذي رحمه الله: «وأكثر الروايات عن النبي ﷺ أنه قال: «التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر»، وروي عن النبي ﷺ في ليلة القدر أنها ليلة إحدى وعشرين، وليلة ثلاث وعشرين، وخمس وعشرين، وسبع وعشرين، وتسع وعشرين، وآخِرِ ليلة من رمضان.
قال الشافعي: كأنَّ هذا عندي والله أعلم أن النبي ﷺ كان يجيب على نحو ما يُسأل عنه، يقال له: نلتمسها في ليلة كذا، فيقول: التمسوها في ليلة كذا. قال الشافعي: وأقوى الروايات عندي فيها ليلة إحدى وعشرين.
قال أبو عيسى الترمذي: وقد روي عن أبي بن كعب أنه كان يحلِفُ أنها ليلة سبع وعشرين، ويقول أخبرنا رسول الله ﷺ بعلامتها فعَدَدْنا وحفظنا. وروي عن أبي قلابة أنه قال : ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر»، ثم ذكر سنده إلى أبي قلابة.
قال أبو العباس القرطبي: والحاصل من مجموع الأحاديث، ومما استقر عليه أمر رسول الله ﷺ في طلبها: أنها في العشر الأواخر من رمضان، وأنها متنقلة فيه، وبهذا يجتمع شتات الأحاديث المختلفة الواردة في تعيينها.
وقال الحافظ ابن حجر: وأرجاها أوتار العشر، وأرجى أوتار العَشْرِ عند الشافعية ليلة إحدى وعشرين أو ثلاث وعشرين على ما في حديث أبي سعيد وعبد الله بن أنيس، وأرجاها عند الجمهور ليلة سبع وعشرين.
قال القرطبي: «ولعل عدم تعيينها أبلغ في الحكمة وأكمل في تحصيل المصلحة، كما قال: «وعسى أن يكون خيرًا لكم، ووجه ذلك أنها إذا لم تُعيَّن أو كانت متنقلة في العشر، حرص الناس على طلبها طول ليالي العشر، فحصل لهم أجرها وأجر قيام العشر كله، وهذا نحو مما جرى في تعيين ساعة الجمعة».
ثامن عشر: تفسير آخرُ لأوتار العشر الأواخر:
القول المشهور في تفسير الوتر هو اعتبار ابتداء العدد من أول العشر الأخير، وعليه أكثر الأحاديث، وهناك قول آخَرُ في اعتباره من آخر الشهر، فتكون الأشفاع أوتارا من هذه الجهة إذا كان الشهر ثلاثين، وقد دلّ على هذا عدد من الأحاديث:
منها حديث أبي سعيد الخدري له أن رسول الله ﷺ قال: «اطلبوا ليلة القدر في العشر الأواخر، في تسع يبقَيْنَ، وسبع يبقَيْنَ، وخمسٍ يَبْقَيْنَ، وثلاثٍ يَبْقَيْنَ».
وفي رواية: اعتكف رسول الله ﷺ العشر الأوسط من رمضان يلتمس ليلة القدر، قبل أن تبان له، فلما انقضَيْنَ أَمر بالبناء فقُوّض، ثم أُبينت له أنها في العشر الأواخر، فأمر بالبناء فأُعيد، ثم خرج على الناس فقال: «يا أيها الناس، إنها كانت أبينت لي ليلة القدر، وإني خرجتُ لأخبركم بها، فجاء رجلان يحتقان (أي: يختصمان)، معهما الشيطان فنسيتها، فالتمسوها في العشر الأواخر من رمضان، التمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة.
فقيل لأبي سعيد: إنكم أعلم بالعدد منا، قال: «أجل، نحن أحق بذلك منكم»، قيل: ما التاسعة والسابعة والخامسة ؟ قال: «إذا مَضَتْ واحدة وعشرون فالتي تليها ثنتان وعشرين وهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها السابعة، فإذا مضى خمس وعشرون فالتي تليها الخامسة».
قال ابن عبد البر -رحمه الله : وهذا يدل على اعتباره كمال العدد ثلاثين يوما، وهو الأصل».
وقال ابن بطال : وهذا يدل على انتقال ليلة القدر كل سنة في العشر.
ومنها:
حديث ابن عباس أن النبي ﷺ قال: «التمسوها في العشر الأواخر من رمضان، في تاسعة تبقى في سابعة تبقى في خامسة تبقى»، وفي رواية: «هي في العشر الأواخر، هي في سبع يمضين، أو في سبع يبقين». قال ابن عباس: التمسوا في أربع وعشرين.
وحديث عبادة بن الصامت له أن رسول الله ﷺ قال: «خرجت وأنا أريد أن أخبركم بليلة القدر، فتلاحى رجلان فاختُلِجَتْ مني، فاطلبوها في العشر الأواخر، في سابعة تبقى، أو تاسعة تبقى، أو خامسة تبقى».
وحديث أبي بكرة -رضي الله عنه -أنه ذُكرَتْ ليلة القدر عنده فقال: ما أنا ملتمسها لشيء سمعته من رسول الله ﷺ إلا في العشر الأواخر؛ فإني سمعته يقول: «التمسوها في تسع يبقَيْنَ أو في سبع يبقين أو في خمس يبقين أو في ثلاث أو آخر ليلة»، وكان أبو بكرة يصلي في العشرين من رمضان كصلاته في سائر السنة، فإذا دخل العشر اجتهد.
وحديث أبي ذر، قال: صُمْنا مع رسول الله ﷺ رمضان، فلم يقم بنا شيئًا من الشهر حتى بقي سبع، فقام بنا حتى ذهب ثلث الليل، فلما كانت السادسة لم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب شطر الليل، فقلت: يا رسول الله، لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال: فقال: «إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له الأواخر، من وتر إلى شفع، ومن شفع إلى وتر».
قال السندي: حاصله اعتبار العدد بالنظر إلى ما بقي لا بالنظر إلى ما مضى كما هو الشائع، بقي الإشكال فيه من جهة فوات الوتر، وأيضًا هذا العدد يُخرجُ الليلة التي قد تحقَّقَتْ مرَّةً أنها ليلة القدر، وهي ليلة إحدى وعشرين كما في الحديث السابق.
إلا أن يجاب عن الأول بأنها أوتار بالنظر إلى ما بقي، وهو يكفي، ومقتضى الحديث السابق أن تُعتبر الأوتار بالنظر إلى ما مضى، فيلزم أن يسعى كل ليلة من ليال العشر الأخير لإدراكه مراعاة للأوتار بالنظر إلى ما مضى وإلى ما بقي، والله تعالى أعلم».
وعلى هذين القولين ينبني تفسير حديث عبد الله بن عمر أن رسول الله قال: «أرى رؤياكم قد تواطأت في السبع الأواخر، فمن كان متحرتها فليتحرها في السبع الأواخر»، وفي رواية: «التمسوها في العشر الأواخر، يعني ليلة القدر، فإن ضَعُف أحدكم أو عَجَز فلا يُغلبَنَّ على السبع البواقي».
تاسع عشر: ما يفعل في ليلة القدر:
١- قال ابن رجب رحمه الله: يُستحَبُّ في الليالي التي ترجى فيها ليلة القدر التنظف والتزين والتطيب بالغُسل والطيب واللباس الحسن؛ كما يُشرَعُ ذلك في الجُمَع والأعياد، وكذلك يُشرع أخذُ الزِّينة بالثياب في سائر الصلوات؛ كما قال تعالى: {خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدِ}، وقال ابن عمر: الله أحق أن يتزيَّنَ له، وروي عنه مرفوعاً.
٢- ولا يكمل التزين الظاهر إلا بتزين الباطن بالتوبة والإنابة إلى الله تعالى، وتطهيره من أدناس الذُّنوب وأوضارها؛ فإن زينة الظاهر مع خراب الباطن لا تُغني شيئا؛ قال الله تعالى: {يَبَنِي ءَادَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْءَاتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ}.
۳- وعن عائشة ما قالت : قلت: يا رسول الله أرأيت إن علمت أي ليلة ليلة القدر، ما أقول فيها ؟ قال قولي: «اللهم إنك عفو تحب العفو، فاعفُ عني».
قال الإمام النووي: قال أصحابنا رحمهم الله: يُستحَبُّ أن يُكثر فيها مِن هذا الدعاء، ويُستحبُّ قراءة القرآن وسائر الأذكار والدعوات المستحبة في المواطن الشريفة. قال الشافعي: أستحبُّ أن يكون اجتهاده في يومها كاجتهاده في ليلتها، هذا نصه. ويُستحَبُّ أن يُكثر فيها من الدعوات بمهمات المسلمين، فهذا شعار الصالحين وعباد الله العارفين .
عشرون: فوائد الاعتكاف وآدابه
ا١- لانقطاع للعبادة
من فائدة الاعتكاف: أنه إقبال بالكلية على الله تعالى، وانقطاع لعبادته التي خُلِقْنا من أجلها؛ قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، فجميع أوقاتنا مستحقة لعبادة الله تعالى، لكننا مقصرون.
فعلى المعتكف: أن يُدرك هذه الحكمة من الاعتكاف، فيقضي وقته بالصلاة وتلاوة القرآن وذكر الله وغير ذلك من العبادات.
قال الشيخ عبد القادر الجيلاني: فإذا اعتكف ينبغي له أن يتشاغل بفعل كل ما يقربه إلى الله تعالى، من قراءة القرآن والتسبيح والتهليل والتكبير والتفكر، ويجتنب كل ما لا يعنيه من القول والعمل، ويلزم الصَّمْتَ في غير ذكر الله تعالى.
ويجوز له التدريس وإقراء القرآن؛ لأن ذلك يتعدى نفعه إلى غيره، فهو أكثر ثوابًا من اشتغاله بخاصة نفسه.
وليس للاعتكاف أذكار مخصوصة به، ولا أفعال مخصوصة سوى اللبث في المسجد بنية الاعتكاف، لكن يُستحَبُّ فيه الإكثار من الخيرات.
٢- زيادة الحسنات:
ومن فائدة الاعتكاف: أنه سبب لزيادة الثواب وكَسبِ الحَسَناتِ قَدْرَ الإمكان.
فعلى المعتكف أن يستزيد من الطاعات، وأن يكسب بالعبادة الواحدة القدر الأعلى من الثواب والدرجات؛ فإن الطاعة الواحدة يُمكن أن ينوي بها المرء خيرات كثيرة، فيكون له بكل نية ثواب؛ إذ كلُّ واحدة منها حسنة، ثم تتضاعَفُ كل حسنة إلى عشر أمثالها.
ومثال ذلك كما ذكر الغزالي: القعود في المسجد؛ فإنه طاعة، ويُمكن أن ينوي فيه نياتٍ كثيرةً حتى يَصِيرَ مِن فضائل أعمال المتقين، ويَبْلُغَ به درجات المقربين:
أولها: أن يعتقد أنه بيت الله، وأن داخله زائر الله، فيقصد به زيارة مولاه؛ رجاء لِما وَعَده به رسول الله ﷺ حيث قال: «إن المساجد بيوت الله في الأرض، وإنه لَحَقٌّ على الله أن يُكرم من زاره فيها، وفي رواية: «وحق على المزور كرامة من زاره».
وثانيها: أن ينتظر الصلاة بعد الصلاة، فيكون في انتظاره كأنه في الصلاة، قال : «فإذا صلَّى لم تزل الملائكة تصلي عليه ما دام في مصلاه: اللهم صل عليه، اللهم ارحمه، ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة» رواه البخاري.
وثالثها: عكوف الهم على الله، ولزوم السر للفكر في الآخرة، ودفعُ الشَّواغِلِ الصارفة عنه بالاعتزال إلى المسجد.
ورابعها: التجرد لذكر الله أو لاستماع ذكره وللتذكر به، كما قال النبي ﷺ: «مَن غدا إلى المسجد لا يريد إلا أن يتعلم خيرًا أو يُعلمه كان له كأجر حاج تاما حجته ».
وخامسها: أن يقصد إفادة العلم بأمر بمعروف ونهي عن منكر؛ إذ المسجد لا يخلو عمن يسيء في صلاته أو يتعاطى ما لا يَحِلُّ له، فيأمره بالمعروف ويُرشده إلى الدين الصحيح، فيكون شريكا معه في خيره الذي تَعلَّمَ منه، فتتضاعَفُ خيراته.
وسادسها: أن يستفيد أخا في الله، فإن ذلك غنيمة وذخيرة للدار الآخرة، والمسجد مُعشَّش أهل الدين المحبين الله وفي الله.
وسابعها: أن يترك الذنوب حياءً من الله تعالى، وحياء من أن يتعاطى في بيت الله ما يقتضي هَتَكَ الحُرمة، وقد قال الحسن بن علي: «من أدمن الاختلاف إلى المسجد رزقه الله إحدى سبع خصال: أخاً مستفادًا في الله، أو رَحْمَةً مُستنزَلَة، أو علمًا مستظرفًا، أو كلمة تدلُّ على هُدًى أو تَصرِفُه عن ردى، أو يترك الذنوب خشية أو حياء».
قال الغزالي: فهذا طريق تكثير النيَّات، وقس به سائر الطاعات والمباحات؛ إذ ما من طاعة إلا وتحتمل نيَّاتٍ كثيرةً، وإنما تَحضُرُ في قلب العبد المؤمن بقدر جده في طلب الخير وتَشمُّرِه له وتفكر فيه، فبهذا تزكو الأعمال وتتضاعف الحسنات».
۳- خلوص النية:
ومن فائدة الاعتكاف أن المرء يطهر قلبه وتزكو نفسه بمداومته على العبادة وانقطاعه عن الشواغل والفتن، فيكونُ مُخلِصًا مُخبتًا لله تعالى.
فعلى المعتكف: أن يحرص على إخلاص النية والقصد الله تعالى، والحذر من السمعة والرياء في الاعتكاف وغيره من العبادات.
قال الشيخ إسماعيل حقي: والاعتكاف من أشرف الأعمال إذا كان عن إخلاص؛ لأن فيه تفريغ القلب عما سوى الله تعالى، قال عطاء: مَثَلُ المُعتكِفِ كرجل له حاجة إلى عظيم، فيجلس على بابه ويقول: لا أبرح حتى يقضي حاجتي، فكذلك المعتكف يجلس في بيت الله ويقول: لا أبرح حتى يغفر لي.
وقال الغزالي رحمه الله: فالشيطان ملازم للمتشمرين لعبادة الله تعالى، لا يغفل عنهم لحظة، حتى يحملهم على الرياء في كل حركة من الحركات، حتى مَن يَعتكِفُ في مسجد معمور نظيف حَسَنِ العِمارة يَأْنَسُ إليه الطَّبْعُ، فالشيطانُ يُرغبه فيه ويُكثر عليه من فضائل الاعتكاف، وقد يكونُ المُحرّك الخفي في سره هو الأنس بحُسْنِ صورة المسجد، واستراحة الطبع إليه، ويتبين ذلك في ميله إلى أحد المسجدين أو أحد الموضعين إذا كان أحسن من الآخر، وكل ذلك امتزاج بشوائب الطبع وكدورات النفس، ومُبطل حقيقة الإخلاص إحياء علوم الدين (٣٨٣/٤).
عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلَّى الفجر، ثم دخل معتكفه، وإنه أمر بخبائه فضُرِب، أراد الاعتكاف في العشر الأواخر من رمضان، فأمَرَتْ زينب بخبائها فضُرِب، وأمر غيرها من أزواج النبي ﷺ بخبائه فضرب، فلما صلى رسول الله ﷺ الفجر نظر، فإذا الأخبية، فقال: «البِرَّ تُرِدْنَ؟» -يعني: أي : أتظنون الطاعة والخير بهذه الأخبية- فَأَمَر بخبائه فقوّض، وترك الاعتكاف في شهر رمضان، حتى اعتكف في العشر الأول من شوال.
وفي رواية : أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف، فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف إذا أخبية: خباء عائشة، وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال: «ألبر تقولون بهن»، ثم انصرف فلم يعتكف، حتى اعتكف عشرا من شوال.
وإنما أنكر النبي ﷺ فِعلهن، وقد كان أذن لبعضهن في ذلك؛ لأنه خاف أن يَكُنَّ غير مُخلِصاتٍ في الاعتكاف، بل أَرَدْنَ القُربَ منه لِغَيرتهنَّ، فكَرِه مُلازمتهنَّ المسجد لذلك. أو لأنه رآهن عنده في المسجد وهو في المسجد، فصار كأنه في منزله بحضوره مع أزواجه، وذلك يُذهب المهم من مقصود الاعتكاف، وهو التخلي عن الأزواج ومتعلقاتِ الدنيا.
قال ابن رجب: «إخواني، المُعوَّلُ على القبول لا على الاجتهاد، والاعتبار بير القلوب لا بعمل الأبدان؛ رُبَّ قائم حَظِّه من قيامه السَّهَرُ، فكَمْ مِن قائم محروم، وكم من نائم مرحوم، نام وقلبه ذاكر، وهذا قام وقلبه فاجر. لكن العبد مأمور بالسعي في اكتساب الخيرات، والاجتهاد في الأعمال».
٤- خلوة شرعية:
ومن فائدة الاعتكاف: أنه خلوة شرعية، وانعزال عن علائق الحياة وشواغل الدنيا، وفيه منع السمع والبصر والأعضاء عن الفُضُول والمخالفات؛ فإن الاعتكاف كف، وهو في معنى الصوم.
قال ابن رجب رحمه الله: «وإنما كان يعتكف النبي ﷺ في هذه العشر التي يُطلب فيها ليلة القدر؛ قطعًا لأشغاله وتفريغًا للياليه، وتخليا لمناجاة ربه وذكره ودعائه، وكان يحتجر حصيرًا يتخلى فيها عن الناس، فلا يُخالطهم ولا يشتغل بهم، ولهذا ذهب الإمام أحمد إلى أن المعتكف لا يُستحَبُّ له مخالطة الناس، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه.
وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية، وإنما يكون في المساجد؛ لئلا يترك به الجُمَعُ والجماعات، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات منهي عنها؛ سئل ابن عباس عن رجل يصوم النهار ويقوم الليل، ولا يَشهَدُ الجمعة والجماعة، قال: هو في النار».
فالخلوة المشروعة لهذه الأمة هي الاعتكاف في المساجد، خصوصا في شهر رمضان، خصوصًا في العشر الأواخر منه، كما كان النبي ﷺ يفعله، فالمعتكف قد حبس نفسه على طاعة الله وذكره، وقطع عن نفسه كلَّ شاغل يَشْغَلُه عنه، وعَكَف بقلبه وقالبه على ربه وما يُقربه منه، فما بقي له هم سوى الله وما يُرضيه عنه. فمعنى الاعتكاف وحقيقته : قطع العلائق عن الخلائق، للاتصال بخدمة الخالق».
هذا مقصود الاعتكاف وروحه، وهو عكس ما يفعله الجهال من اتخاذ المعتكَفِ مَوضِعَ عِشْرَةٍ ومجلبة للزائرين، وأخذهم بأطراف الأحاديث بينهم، فهذا لون، والاعتكاف النبوي لون».
قال الشيخ إسماعيل حقي رحمه الله: وفي الخلوة والانقطاع عن الناس فوائد جَمَّةٌ؛ يَسْلَمُ منه الناس، وسلم هو منهم، وفيها خُمُول النفس والإعراض عن الدنيا، وهو أول طريق الصدق والإخلاص، وفيها الأنس بالله والتوكل والرضا بالكفاف؛ فإن المُعاشِرَ للناس والمُخالطَ يَتَكَلَّفُ في معيشته البتَّةَ، فإذا لا يُفرِّقُ غالبا بين الحلال والحرام، فيقع في الهلاك. ويَسلَمُ المتخلي أيضًا من مداهنة الناس، وغير ذلك من المعاصي التي يتعرض الإنسان لها غالبا بالمخالطة».
وذكر ابن القيم -رحمه الله: أن الله سبحانه أغنانا بما شرعه لنا من الدِّين وسهله للأمة عن الدخول في الآصار والأغلال، وعن كل باطل وضار، بما هو أنفع لنا منه من الحق والمباح النافع، فذكر الاستغناء بأعياد الإسلام عن أعياد الكفار، وبوجوه الكسب الحلال عن الربا والميسر، وبالنكاح عن الزني والفواحش.
قال: «وأغنانا بالخلوة الشرعية حال الاعتكاف، عن الخلوة البدعية التي يُترك لها الحج والجهاد والجمعة والجماعة».
وقال: «لما كان صلاح القلب واستقامته على طريق سيره إلى الله تعالى، متوقفًا على جَمْعِيَّته على الله، ولم شَعَثِه بإقباله بالكُلِّيَّةِ على الله تعالى؛ فَإِنَّ شَعَثَ القلب لا يلمه إلا الإقبال على الله تعالى، وكان فُضُولُ الطعام والشراب، وفُضُول مُخالطة الأنام، وفُضُولُ الكلام، وفُضُول المنام، مما يَزيدُه شَعَئًا، ويُشتَتُه في كل وادٍ، ويقطعه عن سيره إلى الله تعالى أو يُضعِفُه، أو يُعوِّقُه ويُوقِفه = اقْتَضَتْ رَحمةُ العزيز الرحيم بعباده أَنْ شَرَع لهم من الصوم ما يُذهِبُ فُضُول الطعام والشراب، ويستفرغ من القلب أخلاط الشهواتِ المُعوّقة له عن سيره إلى الله تعالى، وشَرَعَه بِقَدْرِ المصلحة، بحيث ينتفع به العبد في دنياه وأخراه، ولا يَضُرُّه ولا يَقطَعُه عن مَصالِحِه العاجلة والآجلة.
وشرع لهم الاعتكاف الذي مقصوده وروحه عُكُوفُ القلب على الله تعالى، وجَمْعيته عليه، والخلوة به والانقطاع عن الاشتغال بالخلق، والاشتغال به وحده سبحانه، بحيث يَصِيرُ ذِكرُه وحُبُّه والإقبال عليه في مَحَلَّ هُمُوم القلب وخَطَراتِه، فيستولي عليه بَدَلَها، ويَصِيرُ الهَمُّ كلُّه به، والخطرات كلها بذكره والتفكر في تحصيل مراضيه وما يُقرب منه، فيصير أُنسُهُ بالله بدلًا عن أُنسِهِ بالخلق، فيُعِدُّه بذلك لأُنسِهِ به يوم الوَحْشة في القبور، حين لا أنيس له ولا ما يفرح به سواه، فهذا مقصود الاعتكاف الأعظم.
وأما الكلام؛ فإنه شرع للأمة حبس اللسان عن كل ما لا ينفع في الآخرة. وأما فضول المنام فإنه شرع لهم من قيام الليل ما هو من أفضل السهر وأحمده عاقبة، وهو الشهر المتوسط الذي ينفعُ القلب والبدن، ولا يَعُوقُ عن مصلحة العبد.
ومدار رياضة أرباب الرياضات والسُّلوكِ، على هذه الأركان الأربعة، وأسعدهم بها مَن سَلَك فيها المنهاج النبوي المُحمَّدي، ولم ينحرف انحراف الغالين، ولا قصر تقصير المفرطين.
٥- الخلاص من الذنوب
ومن فائدة الاعتكاف: أنه سبب للتوبة من المعاصي والسيئات.
فإن الإنسان يجب عليه أن يتوب من معاصيه جميعها صغائرها وكبائرها، وعليه أن يطلب لكل معصية حسنةً تناسبها، فيأتي من الحسنات بمقدار تلك السيئات؛ أخذا من قوله تعالى: {إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ}، ومِن قوله ﷺ: «وأتبع السيئة الحسنة تمحها»، فيكفرُ سَماع الأغاني بسماع القرآن، ومجالس اللهو بمجالس الذكر والاعتكاف في المسجد للعبادة.
فعلى المعتكف: أن يستحضر نيَّةَ هذا المَحْوِ، وأن التوبةَ تَمْحُو كلَّ ذنبٍ حتى الشرك بالله سبحانه؛ فإن الله يغفر الذنوب جميعاً.
ومنزلة التوبة أول المنازل وأَوْسَطُها وآخِرُها؛ لأن العبد لا يستغني عنها إلى الممات، وحاجته إليها في النهاية كحاجته إليها في البداية؛ قال الله تعالى: {وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، وهذه الآية في سورة مدنية، خاطب الله بها خِيارَ خلقه بعد إيمانهم وصَبْرِهم وهجرتهم وجهادهم.
وقال النبي ﷺ: «والله إني لأَسْتَغْفِرُ اللهَ وأَتُوبُ إليه في اليوم أكثر من سبعين مَرَّةً"، وكان أصحابُهُ يَعُدُّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: «ربّ اغفر لي وتب على إنك أنت التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) مئةَ مَرَّةٍ».
وكما يكون الاعتكاف سببًا للتخلص من الذنوب السابقة، يكون أيضًا سببًا للسلامة من الذنوب والمخالفات اللاحقة؛ فإن الإنسان يسلم بجلوسه في المسجد من كسب السيئات بالقول أو الفعل.
فعلى المعتكف: أن يحذر من الوقوع في المعاصي وهو في المسجد: إما بمشاهدة حرام أو سماعه، أو التلفظ بكلام سيء، أو فعل ما لا يجوز شرعًا.
٦-الخلاص من الفضول:
ومن فائدة الاعتكاف: الخلاص من أنواع الفضول، مثل فُضُول النظر، وفضول الكلام، وفضول الطعام، وفضول النوم، وفضول المخالطة.
ذكر الإمام ابن القيم -رحمه الله -قاعدةً نافعةً فيما يعتصم به العبد من الشيطان، ويستدفع به شَرَّه، ويَحتَرِزُ به منه، قال: «وذلك في عشرة أسباب».
ثم قال: «الحرز العاشر: إمساك فضول النظر والكلام والطعام ومخالطة الناس؛ فإن الشيطان إنما يتسلّط على ابن آدم ويَنالُ منه غَرَضَه مِن هذه الأبواب الأربعة.
فإن فُضُولَ النَّظر يدعو إلى الاستحسان ووقوع صورة المنظور إليه في القلب، والاشتغال به والفكرة في الظفر به، فمبدأُ الفتنة مِن فُضُول النظر، فكم نظرةً أَعقَبَتْ حَسَرَاتٍ لا حَسْرةً، كما قال الشاعر:
كل الحوادث مـبـداهـا مـن النـظـر … ومعظم النار مِن مُستَصْغَرِ الشَّررِ
كَمْ نَظرَةٍ فَتَكَتْ في قلب صاحبها … فَتْكَ السهام بلا قوس ولا وَتَر
والمقصود أن فضول النظر أصل البلاء.
وأما فضول الكلام فإنها تفتح للعبد أبوابًا من الشَّرِّ، كلُّها مَداخِل للشيطان، فإمساك فُضُولِ الكلام يَسُدُّ عنه تلك الأبواب كلها، وَكَمْ مِن حَرْبٍ جَرَّتْها كلمةٌ واحدة، وقد قال النبي ﷺ لِمُعاذ: «وهل يَكُبُّ الناس على مناخرهم في النار إلا حصائد ألسنتهم».
وأكثر المعاصي إنما تَولَّدها من فضول الكلام والنظر، وهما أوسع مداخل الشيطان؛ فإن جارحتيهما لا يَمَلان ولا يسأمان، بخلاف شهوة البطن؛ فإنه إذا امتلأ لم يبق فيه إرادة للطعام، وأما العين واللسانُ فلو تُرِكَا لم يفترا من النظر والكلام، فجنايتهما متسعة الأطراف، كثيرة الشعب، عظيمة الآفات.
وكان السلف يحذرون من فضول النظر، كما يحذرون من فضول الكلام، وكانوا يقولون: «ما شيء أحوج إلى طول السجن من اللسان».
وأما فضول الطعام فهو داع إلى أنواع كثيرة من الشَّرِّ؛ فإنه يُحرِّك الجوارح إلى المعاصي، ويثقلها عن الطاعات، وحَسْبُك بهذين شرًا، فَكَمْ مِن معصية جَلَبَهَا الشَّبَعُ وفُضُول الطعام ! وكم من طاعة حال دونها ! فمن وُقِيَ شَرَّ بطنه فقد وُقِيَ شَرًّا عظيمًا.
والشيطان أعظم ما يتحكم من الإنسان إذا ملأ بطنه من الطعام، ولهذا جاء في بعض الآثار: «ضيقوا مَجارِيَ الشيطان بالصوم»، وقال النبي ﷺ: «ما ملأ آدمي وعاءً شرا من بطن».
ولو لم يكن في التَّمَلِّي من الطعام إلا أنه يدعو إلى الغفلة عن ذكر الله عز وجل، وإذا غَفَل القلب عن الذكر ساعةً واحدةً جَثَم عليه الشيطانُ ووَعَدَه ومَنَّاه وشَهَّاه، وهام به في كل واد، فإن النفس إذا شَبِعَتْ تَحَرَّكَتْ وجالَتْ وطافَتْ على أبواب الشَّهَوَاتِ، وإذا جاعت سَكَنَتْ وخَشَعَتْ وذَلَّتْ.
وأما فضول المخالطة فهي الداء العُضَالُ الجالب لكلِّ شَرٍّ، وَكَمْ سَلَبَتِ المخالطة والمعاشرة مِن نِعمة، وكَمْ زَرعَتْ مِن عداوة، وكم غَرسَتْ في القلب من حزازات، تزول الجبال الراسيات وهي في القلوب لا تزول، ففضول المخالطة فيه خسارة الدنيا والآخرة.
وإنما ينبغي للعبد أن يأخذ من المخالطة بمقدار الحاجة، ويجعل الناس فيها أربعة أقسام، متى خَلَط أحد الأقسام بالآخر ولم يُميز بينهما دخل عليه الشر:
أحدها: مَنْ مخالطته كالغذاء لا يستغنى عنه في اليوم والليلة، فإذا أخذ حاجَتَهُ وفرحه به، فهو يُحْدِثُ مِن فيه كلَّما تحدَّث، ويَظنُّ أنه مِسْكُ يُطيِّبُ به المجلس، وإن سكت فأثقل من نصف الرَّحَى العظيمة التي لا يُطاق حَمْلُها ولا جَرُّها على الأرض.
القسم الرابع: من مخالطته الهُلْكُ كله، ومخالطته بمنزلة أكل السم، فإن اتفق لأكله ترياق، وإلا فأحسن الله فيه العزاء، وما أكثر هذا الضرب في الناس، لا كثرهم الله، وهم أهل البدع والضلالة الصادون عن سُنَّةِ رسول الله، الداعون إلى خلافها، الذين يصدون عن سبيل الله ويَبْغُونَها عِوَجًا، فيجعلون البدعة سُنَّةً، والسُّنَّةَ بدعة، والمعروف مُنكَرًا، والمنكر معروفًا.
فالحزم كل الحزم التماس مرضاة الله تعالى ورسوله بإغضابهم، وألا تشتغل بإعتابهم ولا باستعتابهم، ولا تبالي بدمهم ولا بغضهم.
فمن كان بواب قلبه وحارسه من هذه المداخل الأربعة التي هي أصل بلاء العالم، وهي فضول النظر والكلام والطعام والمخالطة، فقد أخذ بنصيبه من التوفيق وسَدَّ على نفسه أبواب جهنم، وفتح عليها أبواب الرحمة» .
قال ابن القيم -رحمه الله: قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوَزَتْ قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة»، وقال: «القلوب المتعلقة بالشهوات محجوبة عن الله بِقَدْرِ تَعلُّقها بها».
وقال: «التقوى ثلاث مراتب:
إحداها: حمية القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات.
الثانية: حميتها عن المكروهات.
الثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.
فالأولى تعطي العبد حياته.
والثانية تفيده صحته وقوته.
والثالثة تكسبه سرورَه وفَرَحَه وبهجته».
فوائد تقليل الطعام:
ومن آداب المعتكف: تقليل الأكل والشرب، فإنَّ له فوائد عديدة، ذكر الغزالي الله كثيرا منها (۲)، ونأخذ منه فائدتين نافعتين في تحقيق مقصود المعتكف:
الفائدة الأولى: دفع النوم ودوام السَّهَر، فإن مَن شَبع شَرِب كثيرًا، ومن كثر شُرْبُه كثر نومه، ولأجل ذلك كان بعض الشيوخ يقول عند حضور الطعام: لا تأكلوا كثيرًا، فتشربوا كثيرًا، فترقدوا كثيرًا، فَتَحْسَرُوا كثيرًا.
وفي كثرة النوم ضياعُ العُمر، وفواتُ التهجد، وقساوة القلب، ومهما غَلَبَه النوم فإن تهجد لم يجد حلاوة العبادة.
الفائدة الثانية: تيسير المواظبة على العبادة، فإن الأكل يمنع من كثرة العبادات؛ لأنه يحتاج إلى زمان يشتغل فيه بالأكل، وربما يحتاج إلى زمان في طلب الطعام وتحضيره، ثم يحتاج إلى غسل اليد والخلال، ثم يكثر ترداده إلى بيت الماء لكثرة شربه، والأوقات المصروفة إلى هذه الأمور لو صَرفها إلى الذكر والتلاوة وسائر العبادات لكثر ربحه.
قال السري: رأيتُ مع علي الجرجاني سويقًا يستف منه، فقلتُ: ما حَمَلك على هذا؟ قال: إني حَسَبتُ ما بين المضغ إلى الاستفاف سبعين تسبيحةً، فما مضغتُ الخبز مند أربعين سنة.
وكلُّ نَفْسٍ من العمر جوهرة نفيسة، فينبغي أن يستوفى منه خزانة باقية في الآخرة.
ومن جملة ما يتعذر بكثرة الأكل : الدوام على الطهارة، وملازمة المسجد؛ فإنه يحتاج إلى الخروج لكثرة شرب الماء وإراقته، ولا شك أن الصوم ودوام الاعتكاف ودوام الطهارة وصرف الأوقات إلى العبادة؛ أرباح كثيرة، وإنما يستحقرها الغافلون الذين لم يعرفوا قدر الدين، لكن رَضُوا بالحياة الدنيا واطمأنوا بها، يَعْلَمُونَ ظَهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ.
وقد أشار أبو سليمان الداراني إلى ست آفات من الشبع، فقال: «من شبع دخل عليه ست آفات: فقد حلاوة المناجاة، وتَعدُّرُ حفظ الحكمة، وحرمان الشَّفَقة على الخلق؛ لأنه إذا شبع ظنَّ أن الخلق كلهم شِبَاع، وثِقَل العبادة، وزيادة الشهوات، وأن سائر المؤمنين يدورون حول المساجد، والشَّبَاع يدورون حول المزابل !.
خاتمة في ذكر من كان يكثر الاعتكاف
كان الفقيه الزاهد أبو الوفاء طاهر بن الحسين المعروف بابن القواس (ت ٤٧٦) رحمه الله قد أجهد نفسه في الطاعة والعبادة، واعتكف في بيت الله خمسين سنة، وكان يواصل الطاعة ليله بنهاره.
وكان الفقيه الصالح أبو اسحق إبراهيم بن أحمد بن إسماعيل الحضرمي (ت (۷۲۲) رحمه الله كثير الملازمة للمسجد، وأقام معتكفا نحو نيف وعشرين سنة.
وكان المقرىء الزاهد أبو منصور محمد بن أحمد بن علي الخياط (ت ٤٩٩) رحمه الله إماما بمسجد ببغداد، واعتكف فيه مدَّةً طويلة، يُعلَّم العميان القرآن لوجه الله تعالى، ويسأل لهم وينفق عليهم، فختم عليه القرآن خلق كثير.
وكان الشيخ الصالح أبو الفتح محمد بن أبي أحمد الصائغ المروزي (ت ٥٢٠) رحمه الله حسن السيرة، وحكي أنه اعتكف بالجامع ستين سنة في العشر الأخير.
وكان الشيخ القاضي أحمد بن عبد الله الصاعدي (ت ٥٥٢) رحمه الله حميد السيرة، مشتغلا بالعبادة، لزم الجامع القديم بنيسابور، وكان أكثر أوقاته معتكفاً.
وكان الشيخ الزاهد المقرئ أبو المفضل هبة الله بن محمد الأزدي (ت ٤٨١) رحمه الله حسن الطريقة، جماعة لخلال الخير، صام وقته كله، ولازم الجامع معتكفا، يُقرئ القرآن ويحدث.
وكان العالم الفاضل المولى عبد اللطيف الرومي (ت ٩٣٩) مُقبلا على المطالعة والأوراد والأذكار، ملازمًا للمساجد، معتكفا في أكثر أوقاته، مجاب الدعوة، لا يذكر أحدًا إلا بخير، أكثر اهتمامه بالآخرة.
وكان الفقيه النحوي كمال الدين عبد الوهاب ابن قاضي شهبة (ت ٧٢٦) رحمه الله -يعتكف شهر رمضان بكماله في الجامع الأموي.
وكان العلامة الفقيه الزاهد شمس الدين الخطيب الشربيني (ت ۹۷۷) رحمه الله -كثير العبادة، وكان من عادته أن يعتكف من أول رمضان، فلا يخرج من الجامع إلا بعد صلاة العيد.
نسأل الله العلي الكريم أن يَمْنَحَنا قوَّةً على طاعته، وبصيرة في معرفته.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن اقتدى بهم واتبع سبيلهم إلى يوم الدين.
_________________________________________________
ملخص باب الاعتكاف
اعلم أن الناظم عقب الصوم بباب الاعتكاف لمشاركتهما في العبادة البدنية.
والاعتكاف لغة: لزوم الشيء وحبس نفسه عليه خيراً كان أو شراً.
وشرعاً: اللبث في المسجد من شخص مخصوص بنية.
والأصل فيه قبل الإجماع قوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: ۱۸۷].
وخبر الصحيحين: أنه الله اعتكف العشر الأواسط من رمضان، ثم اعتكف الأواخر ولازمه حتى توفاه الله تعالى، ثم اعتكف أزواجه من بعده .
وهو من الشرائع القديمة لقوله تعالى: {وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين له} [البقرة : ١٢٥].
وأركانه: لبث، ونية، ومعتكف فيه، وكلها ستأتي:
( والاعتكاف سنة وليعتبر … وجوبه في حق من له نذر )
( وليس من شروطه الصيام … بل شرطه التمييز والإسلام )
( ولبشه بمسجد والنــــيــــه … ولينو في منذوره الفرضيه )
( وبالجنون والجماع يبطل … كذا بحيض ونفاس يحصل )
( وبالخروج يبطل المنذور … لكن لعذر يخرج المعذور )
(الاعتكاف سنة) مؤكدة، فقد ورد: (من اعتكف فواق ناقة فكأنما أعتق نسمة)؛ فهو مستحب في جميع الأوقات، وفي العشر الأخير من رمضان أكد؛ اقتداء برسول الله، وطلباً لليلة القدر، ولا يجب إلا بالنذر كما أفاده الناظم بقوله من زيادته: (وليعتبر وجوبه في حق من له نذر، وليس من شروطه الصيام) بل يسن أن يكون مع الصيام خروجاً من خلاف من جعله شرطاً فيه.
(بل شرطه التمييز والإسلام)؛ فلا يصح اعتكاف صبي غير مميز ولا كافر.
وشرطه أيضاً: العقل، والنقاء عن حيض ونفاس وجنابة، فلا يصح اعتكاف مجنون وسكران ومغمى عليه، لعدم نية الكافر ومن لا عقل له، ولا اعتكاف حائض ونفساء وجنب؛ لحرمة المكث في المسجد عليهم.
(و) شرطه: (لبثه) بقدر ما يسمى عكوفاً، أي: إقامة، فلا يكفي مجرد عبوره، ولا أقل ما يكفي في طمأنينة الصلاة.
ويسن أن يكون يوماً كاملاً خروجاً من الخلاف، فإن من قال: إن الصوم في الاعتكاف شرط لا يصح اعتكافه أقل من يوم.
وشرطه: أن يكون (بمسجد)؛ فلا يصح في غيره للاتباع، رواه الشيخان.
وللإجماع، ولقوله تعالى: {ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد} [البقرة: ۱۸۷]، والجامع وهو مسجد الجمعة أفضل للاعتكاف من بقية المساجد، للخروج من الخلاف، وللاستغناء عن الخروج للجمعة .
(و) شرطه: (النية) في ابتدائه كالصلاة لأنها تميز العبادات عن العادات ويتعرض في نذره للفرضية، كما أفاده بقوله من زيادته: (وَلْيَنو في منذوره الفرضية) واعلم أنه لا يفتقر شيء من العبادات إلى المسجد إلا التحية والاعتكاف والطواف.
(وبالجنون) أي: والإغماء (والجماع) وإن لم ينزل (يبطل) الاعتكاف المنذور فيه التوالي إذا كان ذاكراً له عالماً بتحريم الجماع فيه، سواء جامع في المسجد أم عند الخروج منه؛ لاستصحاب حكم الاعتكاف عليه حينئذ
و(كذا) يبطل (بحيض ونفاس يحصل) في امرأة لا تخلو عنه غالباً( وبالخروج) من المسجد بكل بدنه بلا عذر (يبطل) الاعتكاف (المنذور)و غيره وإن قل زمنه لما فاته من اللبث.
(لكن لعذر) من بول وغائط وغسل من جنابة أو حيض أو نفاس إن طالت مدة الاعتكاف بأن كانت لا تخلو عنه غالباً، أو مرض لا يمكن المقام معه (يخرج المعذور) ويجب قضاء أوقات الخروج بالأعذار التي لا ينقطع التتابع بها، إلا أوقات قضاء الحاجة .
تنبيه: يطل أيضاً بالمباشرة بشهوة فيما دون الفرج إن أنزل وإلا فلا.
ولا ينقطع التتابع بالخروج مكرها بغير حق، ولا بخروج مؤذن راتب إلى منارة للمسجد منفصلة عنه أو عن رحبته قريبة منهما؛ لألفة صعودها للأذان، وألف الناس صوته).
ولو نذر مدة متتابعة لزمه التتابع فيها، وفي مدة الأيام يلزمه اعتكاف الليالي المتخللة بينها في الأرجح، والصحيح أنه لا يجب التتابع بلا شرط، ولو نذر يوماً لم يجز تفريق ساعاته.
خاتمة: لو عين الناذر في نذره مسجد مكة أو المدينة أو الأقصى تعين، فلا يقوم غيرها مقامها لمزيد فضلها، ويقوم مسجد مكة مقام الأخيرين لمزيد فضله عليهما، ويقوم مسجد المدينة مقام الأقصى لمزيد فضله عليه.
ولو عين غير الثلاثة مسجداً لم يتعين.
ولا يضر في الاعتكاف التطيب والتزين باغتسال وقص شارب ولبس ثياب حسنة ونحو ذلك . فإن اشتغل المعتكف بالقرآن والعلم فزيادة خير لأنه طاعة في طاعة.
ولا يكره له الصنائع في المسجد كالخياطة والكتابة ما لم يكثر منها، فإن أكثر منها كرهت، إلا كتابة العلم فلا يكره الإكثار منها، فإنها طاعة كتعليم العلم، ذكره في(المجموع).
وله أن يأكل ويشرب ويغسل يديه فيه، والأولى أن يأكل في سفرة أو نحوها، وأن يغسل يده في طشت أو نحوه ليكون أنظف للمسجد
وإذا قيد الاعتكاف بمدة كيوم أو شهر، ولم يشترط التتابع، وسواء كان الاعتكاف منذوراً أو مندوباً ثم خرج.. ففيه تفصيل:
١ - إن خرج لقضاء حاجة من بول أو غائط.. لم يلزمه تجديد النية إذا عاد وإن طال الزمن؛ لأنه لابد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
٢ - إن خرج لغير قضاء حاجة، فإن كان عازماً حال خروجه على العودة.. لم يلزمه تجديد النية عند العودة، وإن لم يكن عازماً على العودة.. لزمه تجديد النية إن عاد.
ولو قيد الاعتكاف بمدة وشرط التتابع؛ سواء كان الاعتكاف منذوراً أو مندوباً، فإن كان خروجه لعذر لا يقطع التتابع وعاد.. لم يلزمه تجديد النية إذا عاد، وإن كان خروجه لسبب يقطع التتابع.. لزمه تجديد النية إذا عاد.
والأمور التي تقطع التتابع أربعة وهي:
١ - السكر.
٢ - الكفر.
٣ ـ تعمد الجماع.
٤- تعمد الخروج لغير حاجة.
٥ ـ والحاجة مثل المرض إن شق عليه لبثه في المسجد أو خاف تلويثه، والاغتسال وإزالة النجاسة، والأكل؛ لأن الأكل في المسجد مما يستحي منه أهل المروءة، والشرب إن تعذر الماء في المسجد، فإن وُجِدَ.. فلا يخرج؛ لأن الشرب في المسجد لا يستحي منه أهل المروءة، ومن الحاجة: قضاء حاجة الإنسان.
ومن ذلك ما لو كان في طريقه للحاجة، فعاد مريضاً، أو زار قادماً بشرط: أن لا يطول وقوفه فيهما، وإلا.. قطع التتابع، وكذا لا ينقطع التتابع إن صلى على جنازة بشرط أن لا ينتظرها، فإن انتظرها.. انقطع التتابع.
أما الأعذار التي لا ينقطع بها التتابع فهي سبعة:
۱ - الجنون والإغماء: إن دام المعتكف، أي لم يخرج من المسجد حتى زالا، أو خرج بسببهما للضرورة، كما في المغني.
٢ - الخروج بإكراه بغير حق.
۳- الحيض إن لم تسع مدة الطهر الاعتكاف، بأن كانت مدة الاعتكاف أكثر من شهر مثلاً، فالشهر لا يمكن أن يخلو عن الحيض غالباً، فتبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها.
٤-الأذان من المؤذن الراتب إذا خرج إلى منارة المسجد المنفصلة عنه القريبة منه، بخلاف غير الراتب، وبخلاف إذا كانت المنارة بعيدة عن المسجد، فإن خروجه حينئذ يقطع التتابع.
٥- إقامة حد ثبت بغير إقراره، أما لو ثبت بإقراره.. صار الخروج له قاطعاً للتتابع.
-٦ العدة إذا كانت غير متسببة لها، بخلاف ما لو كانت متسببة لها، كأن طلبت الطلاق بخلع، فإنها تقطع التتابع حينئذ.
۷- أداء الشهادة إذا تعينت عليه ولم يمكنه أداؤها في المسجد.
وتجب عليه المبادرة بالعود عند زوال العذر، فإن تأخر وكان ذاكراً عالماً مختاراً.. انقطع تتابعه، وتعذر البناء على ما مضى.
ولو نذر اعتكافاً متتابعاً وشرط الخروج من المسجد أثناء المدة، فهل يصح هذا الشرط أم لا ؟
فيه تفصيل:
۱- إذا شرط الخروج لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف.. صح شرطه، فإن عين شيئاً - كعيادة مريض مثلاً.. لم يجاوز الذي عينه، وإلا.. انقطع تتابعه، وإن لم يعين شيئاً، بل أطلق.. فيجوز له الخروج لأي عارض ولو دنيوي بشرط كونه مباحاً كلقاء أمير وغيره، ولا يجب عليه تدارك ما فاته.
٢- إذا شرط الخروج لا لعارض، كأن قال: (إلا أن يبدو لي الخروج)، أو لعارض محرم كشرب خمر، أو غير مقصود كتنزه، أو مناف للاعتكاف كجماع.. فلا يصح شرطه؛ بل ولا ينعقد اعتكافه أصلاً.
ولا يجب عليه تدارك ما فاته بسبب العارض المباح، وهذا إن عين المدة كهذا الشهر، فإن لم يعينها، كشهر مطلق.. وجب عليه تدارك ما فاته.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق