أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 7 أبريل 2026

نظام الإسلام في الحكم والاقتصاد والاجتماع سميح عاطف الزين بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

نظام الإسلام في الحكم والاقتصاد والاجتماع

سميح عاطف الزين

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذه الموسوعة الإسلامية الصغيرة هي بيانٌ شامل لنظام الحكم والاقتصاد والاجتماع في الإسلام، وهي توضّح أن هذا النظام لن يؤتي ثماره إلا بتطبيقه تطبيقًا شاملاً كاملاً، على كافة المستويات، وفي كافة الدوائر والحلقات والأطر، وهي تؤكد أن الإسلام هو الأصلح لتنظيم حياة الإنسان وصيانة كرامته.

ويُوضّح الكتاب أن الأنظمة السياسية الحديثة، سواء الديمقراطية أو الاستبدادية، قد أثبتت عجزها عن تحقيق العدل والاستقرار، وأن الخطر يكمن في تأثر المسلمين بهذه النماذج حتى تصبح معيارًا لفهم الإسلام. لذلك يدعو إلى إعادة بناء الحكم على أساس إسلامي خالص، يعالج مشكلات العصر من داخله، لا عبر استيراد حلول خارجية من الشرق أو الغرب.

وفي الجانب الاقتصادي، ينتقد النص هيمنة النظامين الرأسمالي والاشتراكي، ويبيّن ما فيهما من خلل كتركّز الثروة في أيدي فئة معيّنة من الناس، وكما ناقش بعض المعضلات الاقتصادية، مثل: الاحتكار، وسوء التوزيع، واستغلال الفئات الضعيفة. 

كما يؤكد أن العلاج يكون بالرجوع إلى النظام الاقتصادي الإسلامي القائم على أحكام شرعية ثابتة، مثل تنظيم الشركات، وتحريم الاحتكار، ومنع التسعير، وضبط الموارد المالية كبيت المال والزكاة والخراج والجزية، مع اعتماد نظام نقدي قائم على الذهب والفضة، بما يحقق الاستقرار ويمنع الاضطراب الاقتصادي العالمي.

أما في النظام الاجتماعي، فقد ميّز الكتاب بين مصطلحي “أنظمة المجتمع” و”النظام الاجتماعي” والذي يختص بتنظيم العلاقة بين الرجل والمرأة، وما ينشأ عنها من أحكام. وينتقد تقليد المسلمين للغرب في قضايا المرأة، كالدعوة إلى الاختلاط المطلق والتحلل الأخلاقي، ويرى أن ذلك أدى إلى تفكك الأسرة واضطراب القيم. كما ينتقد في المقابل الإفراط في التشدد الذي حجب المرأة عن دورها الحقيقي في خدمة المجتمع والقيام بدورها في بنائه. 

ويخلص إلى أن الحل هو فهم النظام الاجتماعي الإسلامي فهمًا صحيحًا، قائمًا على العقيدة والأحكام الشرعية، بما يحقق التوازن بين حفظ الأخلاق وتمكين المرأة، بعيدًا عن التقليد الأعمى أو الجمود، مع التأكيد أن أزمة المسلمين تعود إلى الغزو الفكري الغربي وتركهم لمنابعهم الأصيلة المتمثلة في الكتاب والسنة.

كتب على الغلاف

* الإسلام، يقيناً، يحتوي على نظام شامل للحياة يقوم على أساس الكتاب والسنة وطاعة أولي الأمر من المسلمين.

*وقد أثبتت التجارب أن جميع الأنظمة قد فشلت فشلاً ذريعاً في إصلاح أمور الناس، وتنظيم شؤون حياتهم، وحل مشاكلهم على أساس العدل والمساواة. بل إن هذه الأنظمة قد جلبت عليهم من الويلات، وأحلت بهم من المصائب، ما جعلهم يعيشون بتعاسة وشقاء تحت وطأة الظلم النازل بهم الذي ينذر بأوخم العواقب على مستقبل البشرية جمعاء.

* ومن جراء هذا الواقع المرير، فإننا نخشى، وقد عشنا في ظل أنظمة تناقض الإسلام زمناً طويلاً، أن يكون لهذه الأنظمة تأثيرها علينا بما يجعلنا نألف المفاهيم التي تقوم عليها، فنتخذ منها مقاييس لتصورنا عن الحكم في الاسلام.

* إن الحكم في الاسلام يقوم على: شريعة إلهية ثابتة، لا سبيل لمقارنتها بقوانين وضعية تُسَن لأسباب معينة، في مرحلة معينة، وفقاً لحاجات ومصالح معينة. وليس المطلوب معالجة نظام الحكم في الاسلام حسب مشاكل العصر، بل معالجة مشاكل العصر بنظام إسلامي شامل. فالنظام الإسلامي هو الأصلح والأوفى لمعالجة شؤون الحياة، ولتحقيق إنسانية الإنسان. وقد أراده الله تعالى نظاماً لبني البشر، فيه صلاح دنياهم وآخرتهم...

مقدمة الكتاب

-لئن كان الحكم على الأمم يقوم على مقدار ما وصلت إليه من رُقي أو تخلف مادي، إلا أنه ـ بالحقيقة - لا يمكن إعطاء حكم صحيح على أمة من الأمم إلا بعد معرفة وقائع حياتها، وطريقة تفكيرها في هذه الحياة. ذلك أن التفكير الحصيف المُركّز هو السبيل لرقيها وتقدمها. وهو بهذا المفهوم يعتبر أعظم ثروة لها في حياتها، وخاصة في مرحلة نشوئها.. كما أنه يعتبر أعظم ميراث يتسلمه الخلف من السلف على تعاقب الأجيال، عندما تكون الأمة عريقة في فكرها وتراثها، وغنية في أفكارها الخلاقة المبدعة المنتجة...

والفكر العميق المستنير هو الذي ينشيء عادةً الحضارات، وهو الذي يبني صروح المدنية، وهو الذي يجعل الأمة في حالة تقدم مستمر، قادرة على مواكبة عوامل التطور، الذي يوصل إلى الإنتاج والإبداع، والإتيان بكل جديد في شتى المجالات والميادين. إذا فالثروة الحقيقية لأية أمة من الأمم، تنحصر في هذا البناء الفكري المتواصل في إنتاجه وإبداعه. بينما لا تعدو الثروات الأخرى أن تكون ثروات مادية تحتاج إلى من يحركها ويستثمرها، وهي مهما تعاظمت أو تكاثرت تبقى انعكاساً أو نتاجاً طبيعياً للثروة الفكرية. فإذا ما دمرت الثروة المادية مثلاً للأمة، فإن بإمكانها أن تعوض هذه الثروة وأن تجددها ما دامت محتفظة بثروتها الفكرية. 

أما إذا تداعت الثروة الفكرية فإن ذلك يعني أن الأمة تكون قد فقدت طريقة التفكير المنتجة لديها، الأمر الذي يجعلها ترتد إلى الوراء وتفقد كل ما لديها من ثروات مادية، ثم لا يتأتى لها حينئذ أن تملك شيئاً من أسباب الاكتشافات والاختراعات، بل قد تضيع كل ما لديها من أسباب الحياة المادية والمعنوية، وتفقد بالتالي كيانها كأمة بين الأمم.

ولعل في تطبيق هذه المفاهيم على واقع الأمة الإسلامية ما يظهر لنا بوضوح: كيف أن هذه الأمة راحت تفقد تدريجياً طريقة التفكير المنتجة- حتى وصلت إلى حالتها الراهنة من الضعف والتفكك، ومن التأخر والتخلف. 

وكان من الطبيعي أن يُرى المسلمون اليوم في حالة فقر رغم توفر الثروات المادية في بلادهم - علماً بأن بعض دول العالم الإسلامي، في وقتنا الحاضر تُعدُّ غنية من زاوية النظرة المادية ـ وأن يعتبروا في حالة فقدان للقدرة على الاكتشافات العلمية، والمخترعات الصناعية، رغم دراسة أبنائهم نظرياً للمكتشفات والمخترعات، ومعرفتهم بما وصل إليه الغرب في هذا المضمار.

ودليلنا على ذلك: أن هذا الجيل من أبناء الأمة الإسلامية يرى خالياً من الفكر العميق المستنير، وفاقداً لكل طريقة من طرق التفكير المنتجة. 

وسببه: ذلك الانحدار، طوال حقبة قرون ستة، مما جعله يرث الأفكار الإسلامية باعتبارها فلسفة خيالية، ويرث الإسلام باعتباره طقوساً وشعائر للتدين ليس إلا. فاكتفى جيلنا الحاضر - كما اكتفت الأجيال التي سبقته -بالطقوس والشعائر من غير أن يبحث عن الأفكار الإسلامية في منابعها الصحيحة، أو من حيث فلسفتها، ومدى انطباقها على وقائع الحياة، لكي يقدر على إيجاد الحلول للمشاكل المنبثقة عن هذه الوقائع. 

ولذا عاش المسلمون، إبان تلك الحقبة التاريخية الطويلة على هامش الحياة، بل في ضياع وتفرقة وتشتت، فكان محتماً على الجيل الحاضر أن يعيش مأساة الاغتراب عن دينه، خالياً من التفكير العميق، يتلقى عن غيره تلقيناً واستسلاماً من غير أي تقص أو تمحيص لما يتلقى، حتى فقد، كما فقد أسلافه، كل تصور عن النظام الإسلامي الصحيح، كما طُبّق في عهد الرسول وأيام الخلفاء الراشدين، وكما هو ثابت في القرآن المبين، وفي السنة النبوية الشريفة، اللذين يستحيل بدونهما على المسلمين أن يتلمسوا طريقهم في الحياة، وأن ينشئوا النظم التي تصلح أوضاع حياتهم، وتقوم ما فيها من اعوجاج، وتزيل ما يعترضها من عثرات..

ولعل في هامشية تفكير المسلمين اليوم أحد أهم الأسباب التي فسحت في المجال لأعداء الإسلام بالتقول على النظام الإسلامي، فمقولة أعداء هذا الدين كانت ـ وما تزال -مقولة باطلة، وقد اتخذت عدة أشكال كاذبة ومتناقضة، من مثل قولهم :

  • لم تكن للإسلام دولة ذات نظام في التاريخ.

  • أو كانت دولة الإسلام دولة دينية (روحية).

  • أو إن الدين غير الدولة، والدولة غير الدين.

  • أو وجوب فصل الدين عن الدولة.

أما أنه لم تكن للإسلام دولة في التاريخ، فهذا تزوير للحقيقة يدحضه الواقع والتاريخ على حد سواء. فإجماع المؤرخين الصادقين، من جميع الأمم والشعوب معقود على أنه كانت للإسلام دولة، وقد نشأت منذ السنة الأولى التي استقر فيها رسول الإسلام عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام في المدينة المنورة بعد هجرته من مكة المكرمة. فقد أقام الرسول الأعظم دولة الإسلام مكتملة العناصر والمقومات الداخلية والخارجية، وعيّن الولاة في الأقاليم التابعة لتلك الدولة، ليحكموا بين الناس طبقاً لشريعة الله تعالى المطبقة في الدولة الأم، ولتعليمهم الإسلام ديناً يحتوي العبادة والنظام والقانون... ثم امتد نفوذ تلك الدولة الإسلامية إلى أمصار بعيدة أيام الخلفاء الراشدين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم. وعقب ذلك حكم الأمويين.. وحكم العباسيين حيث ترامت أطراف الدولة الإسلامية إلى كثير من الأقطار في طول الأرض وعرضها، كما عبّر عن ذلك الخليفة العباسي هارون الرشيد عندما خاطب الغمامة قائلاً: "اذهبي أيتها الغمامة أنى شئت فإن خراجك سيعود إلي. ثم جاء الحكم العثماني وأنشأ امبراطورية شاسعة لمئات السنين. 

وطوال تلك العهود جميعاً أي: من السنة الأولى للهجرة وحتى سنة (١٣٤٢ هجرية الموافقة لسنة ۱۹۲٤ ميلادية)، ظلت الدولة الإسلامية قائمة، حتى سقطت في هذه السنة الأخيرة الخلافة الإسلامية على يد أعداء الإسلام، من جراء تأمرهم على هذا الدين وأهله، ونجاحهم في تآمرهم لإزالة دولة الإسلام من الوجود؛ كي يتسنى لهم أن يستعمروا بلاد المسلمين، وأن يحكموا أبناءها وفقاً لمصالحهم وأهوائهم. فهل يمكن تجاهل هذه الحقيقة التاريخية، والتنكر لأعظم دولة فتية وقفت في وجه الأمبراطوريتين الرومية والفارسية، اللتين كانتا من أعظم الامبراطوريات في العالم في ذلك العهد ؟ 

إنه لمن السخف أن ينكر أحد ذلك كله ويقول: بأنه لم تكن للإسلام دولة في التاريخ. وإخالنا نحيل المنكرين المفترين - ببداهة - على كتب التاريخ الذي - رغم تزويره من قبل الحاقدين على الإسلام -ما زال يصفع وجوههم، ويُبطل أكاذيبهم وادعاءاتهم المضللة نعم بهذه البداهة، وببساطة كلية، نرد هؤلاء المنكرين لقيام دولة الإسلام إلى مراجعة ما في بطون الكتب ليروا، ويطلعوا، ويخجلوا !..

أما من يفترون على الإسلام بأنه كانت له دولة دينية (روحية)؛ فإنه لم يبين لنا أحد من المؤرخين، حتى ولا أشدهم بغضاً للإسلام، كيف كانت تلك الدولة دينية (روحية) ؟ أو متى قامت في وقت من أوقات التاريخ ؟ وكيف تكون للإسلام دولة دينية، وهم يعرفون، ولا يستطيعون أن ينكروا، بأن الإسلام لم يجعل، على الإطلاق، للروح دولةً أو سلطاناً، حتى في العبادات نفسها، لأن للروح في الإسلام مفهوماً معيناً يختلف كلياً عن مفهوم الغرب له ؟. فالفرائض الدينية الراتبة في الإسلام - كالصلاة مثلا - يؤديها المستطيع واقفاً، والمريض العاجز جالساً، والذي لا يقدر على الجلوس يؤديها نائماً، والذي لا يستطيع الكلام يصلي بالإيماء، حتى لنرى لها تنظيماً ربانياً دقيقاً يلاحظ القيام بالفرض إلى جانب راحة الفرد المكلف وسلامته.. فلا شيء في الإسلام بلا نظام، وإلا فكيف حكم الإسلام نصف الكرة الأرضية أربعة عشر قرناً بلا نظام، وبلا دولة ؟.

وأما القول إن الدين في الإسلام غير الدولة، أو إن الدولة غير الدين، فإنما يُطلق بباعث جهل أو تجاهل أو مغالطة. وإن من يعرفون الإسلام على حقيقته، سواء من المسلمين أو من غير المسلمين، يدركون أن الدولة الإسلامية لا تعني إلا دولة الدين الإسلامي، أي: الدولة التي تحكم بموجب الدين الإسلامي وحسب، لأنك تجد في صميم الإسلام القوانين والنظم والتشريعات لبناء الدولة الكاملة. 

وهذه الدولة وحدها هي التي يجب أن تقوم على رعاية أمور البشر، لأن شرعها وتشريعها من لدن رب العالمين، ولذلك هي وحدها التي قدر لها أن تقيم حكم الله تعالى على الأرض. وكيف نقول بدولة إسلامية لا يطبق فيها دين الإسلام الذي هو بحقيقته نظام وتشريع يصلح لكل زمان ومكانٍ، منذ وجد وإلى أن ينتهي الدوران ؟

وأما المناداة بفصل الدين عن الدولة؛ فإنها تصح بالنسبة إلى الغرب الذي ابتدع النظريات والنظم التي تهدف، فيما تهدف، إلى حل الخلافات بين الكنيسة والحكام، وإنهاء تنازعهما على السلطان. وهذا الأمر لا يعني المسلمين بشيء، لأن دينهم الإسلام ودولتهم لا تقوم إلا على أساس دينهم، فلا انفصال بين الإسلام ديناً، ودولة الإسلام حكماً، فإما أن يقوم الحكم على أساس الإسلام، وإما ألا يكون هنالك دولة إسلامية. 

ومن المستحيل أن يعيش المسلمون كمسلمين، من غير دولة يُظلها الإسلام، ثم يبقى لهم كيانهم أو وجودهم الإسلامي. فكيف نفصل بين الدين الإسلامي والدولة الإسلامية وأوامر الله تعالى للمسلمين تفرض عليهم فرضاً واجباً إقامة الحكم وفقاً لما شرعه دينهم ؟ 

أليس القرآن الكريم هو الكتاب الذي أنزله رب العالمين، وبين فيه قواعد الحكم للدولة الإسلامية ؟ لنقرأ في هذا القرآن المجيد تحديده لنظام الحكم في قوله تعالى: {وَأَنِ احْكُمُ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ، وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ}، {وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، {ومن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُوْلَبِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}.

وَمَن إلى هذا التوكيد الإلهي، والاشتراط المليء بالتحذير والتنبيه، أن الحكم بين الناس لا يقوم إلا على العدل- بقوله تعالى: {وَإِذَا حكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}.

ثم لنتأمل هذا الخطاب الموجه للمؤمنين يأمرهم بطاعة الله والرسول، ثم بطاعة الحاكم الذي يطبق منهاج الله تعالى على الأرض بقوله عزّ وجلَّ : {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ منكم.} ولنستمع ثم لنلاحظ هذا التكامل في قواعد الحكم، والله سبحانه يوجه رسوله محمداً إلى طريقة الحكم الصحيح بقوله تعالى: {وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنَّا عَلَيْهِ فَاحْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ لِكُلِّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجَاً}.

وقوله تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}. فهذا بيان واضح من رب العالمين بأن الحكم الحق هو بما أنزل الله تعالى، وأن الناس لا يؤمنون بالدين الحق، ولا يؤمنون بالعقيدة الصحيحة والمبدأ الأول والنهائي إلا بأن يحكموا رسول الله ﷺ في خلافاتهم، ويتبعوا قضاءه الذي قضى به؛ وحكم الرسـول الأعظم لم يكن، ولا يكون إلا بما أنزل الله في كتابه، مما يجعل القاعدة سارية ونافذة أبداً ما دام القرآن الكريم قائماً فينا، وما دام هذا القرآن محفوظاً من منزله وحتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها.

هذه هي القاعدة الإسلامية في الحكم التي لا تحول ولا تزول: الحكم بما أنزل الله، وبما قضى به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأن قضاءه تفسير وتبيان للقرآن، ولما شرع الله تعالى في القرآن.. أما من لا يحكمون بما أنزل الله، فأولئك هم الكافرون، والظالمون، والفاسقون.

فيا أيها المسلمون ويا أيها الناس!.. ابتعدوا عن أن تكونوا كافرين أو ظالمين أو فاسقين، واحكموا بما أنزل الله، وبما قضى به رسوله محمد صلى الله عليه وسلم، حتى تستقيم حياة الأرض وتتخلص من كفرها، وظلمها، وفسقها، وفجورها، وفسادها.. 

نعم؛ احكموا بما أنزل ربكم حتى تسعدوا في هذه الحياة الدنيا وحتى تفوزوا في الآخرة، ولا تكونوا من الخاسرين. نعم.. هذه هي الحقيقة، وهذا ما يحكم به الدين والعقل. فالإسلام هو الدين الحق، وهو أيضاً منهاج للحياة. وفي صلب هذا المنهاج نظام للحكم متكامل في جميع جوانبه السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وما إقامة الدولة، كنظام سياسي، سوى جزء من النظام الشامل الكامل الذي أتى به الإسلام ليسوي حياة الناس، ولن تستوي هذه الحياة ما لم تقم الدولة الإسلامية كما كانت في صدر الإسلام. 

النظام السياسي

لقد كانت يومذاك دولة سياسية بجميع خصائصها، ولم تكن لها أي صفة روحية، ولم تتمتع بأي صفة من صفات القداسة، حتى أن محمداً -صلى الله عليه وسلم-، باستثناء قداسته كنبي ورسول لم تكن له صفة القديسين المستمدة من كونه رئيساً للدولة الإسلامية. هذا، رغم أنه في مجال الحكم كان أعدل من عرفته الأرض حاكماً؛ لأنه لم يحكم إلا بما أنزل الله تعالى عليه وبحسب التشريع الموحى به إليه.. 

ثم إن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، ثالث رئيس للدولة الإسلامية، كان يقول للناس: من رأى في اعوجاجاً فليقومه؛ فيقول له أحدهم: لو رأينا فيك اعوجاجاً لقومناه بحد سيوفنا، فلا يزيد الخليفة ورئيس الدولة على أن يقول: الحمد لله الذي جعل في أمة محمد من يقوّم اعوجاج عمر بحد السيف. فأي قداسة يمكن أن تكون لعمر أو لأبي بكر أو لعثمان أو لعلي (رضي الله عنهم)، وهي لم تكن أصلا لمحمد نفسه كحاكم وكرئيس لدولته ؟

إذاً فكون الإسلام ديناً أمر لا جدال فيه، كما أن دولة الإسلام لا تحكم إلا بالدين الإسلامي أمر مفروغ منه، ولا مجال أيضاً للبحث فيه.... وإلا فلماذا نزلت الآيات الكثيرة التي تدل على الحكم وعلى مئات التشريعات والأنظمة ؟... ومن يطبق أحكامها ؟ وعلى من تطبق ؟ فالدولة الإسلامية ليست دعوى يدعيها المسلمون بل هي حقيقة لا تحتاج إلى برهان أو دلیل، مثلما لا يحتاج النهار إلى دليل على وجوده.

وليس يصح في الأذهان شيء … إذا احتاج النهار إلى دليل

وينبغي أن يعرف المسلمون بأن إعادة الدولة الإسلامية، والتصميم على إقامة الحكم الإسلامي، أمور تحتاج إلى جهود غير عادية، وإلى أعمال ضخمة، وأنه سوف تصطدم جهودهم وأعمالهم بعقبات كَأْدَاء ومصاعب جمّة، وفي مقدمتها عناد أعداء الإسلام، ومواصلة حربهم الضروس للحؤول دون قيام الحكم الإسلامي الذي يفضح ظلمهم وباطلهم. ولا شيء يثنيهم عن ذلك، وهم - كما نعلم - قد أوغلوا في ماديتهم ونبذوا كل القيم الخلقية، وعطلوا كل المفاهيم الصحيحة لكي يبقى لهم النفوذ وإحكام السيطرة على شتى بقاع العالم.

نعم؛ دون هدف المسلمين مشقات وحواجز... ولكن حماسة الإيمان والجرأة والإقدام والامتثال لأوامر الله تعالى ونواهيه، وامتشاق سلاح الحق، والسعي لمرضاة الله، والصبر على المكاره، والثبات في وجه الأعداء، والجهاد في سبيل الله.. إن كل هذه الصفات التي يتحلى بها المؤمنون الصادقون تجعل إيمانهم بضرورة وجود الحكم الإسلامي يعلو على كل شيء، وإن ثقتهم بنصر الله تعالى لهم تسهل عليهم كل صعب، لأن ربهم تعالى يقول: {إن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرُكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَا مَكُمْ}، ويقول تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ اللهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ}

ولعل من الأسس الأولية لتطبيق الإسلام كاملاً: تجنب الترقيع، والابتعاد عن الحل الوسط، ومحاربة التجزئة، والصبر على المشقات والتصميم على النجاح وتحقيق النصر..

ولا بد من التذكير بأن عودة الحكم الإسلامي لا يكون بتعمير المساجد، وحفظ الأخلاق، ومنع المحرمات فقط... فهذه أمور جوهرية فعلاً وبلا شك، ولكنها ليست وحدها الهدف أو الغاية، فالله تعالى يقول: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجَ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ، وَلَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّابِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ}.

إذاً؛ فإعادة الحكم الإسلامي لا يكون إلا بتطبيق الإسلام تطبيقاً شاملاً، وهذا من شأنه أن يقلب المفاهيم السائدة حالياً رأساً على عقب، لكي يعود دستوره، وتعود قوانينه، فتعالج شؤون الحياة جميعاً على ضوئها. لذلك كان حقاً على المسلمين أن يبينوا للناس ماهية النظام الإسلامي حتى يعرفوه على حقيقته، وأن يعملوا في الوقت نفسه على إيجاد دولة الإسلام التي تطبق هذا النظام؛ فينالوا ما وعدهم ربهم به بقوله تعالى: {وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ}، وقوله: {الَّذِينَ إِن مَّكَّتَهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ}.

والنظام الإسلامي يحتوي يقيناً على النظام السياسي الذي تقوم عليه الدولة الإسلامية، ولكن لا بد أن يُعلم بأنه نظام خاص لدولة كاملة عادلة خاصة، بمعنى أن تطبيقه لا يكون إلا على أساس الكتاب والسنة، وطاعة أولي الأمر من المسلمين.. 

أما نظام الحكم الديمقراطي المطبق حالياً في العالم فقد أعلن إفلاسه، ناهيك بالأنظمة الاستبدادية والدكتاتورية وسائر الأنظمة التي أثبتت التجارب فشلها في إصلاح أمور الناس، والتي جلبت عليهم الويلات والمصائب، حتى صار العالم كله - بما فيه العالم الإسلامي والعالم العربي - يعاني من الأزمات والمشاكل التي تتخبط بها الأنظمة بصورة مستمرة.. 

ورغم هذا الواقع المرير، فإننا نخشى - وقد عشنا محكومين بأنظمة تناقض الإسلام زمناً طويلاً - أن يكون لتلك الأنظمة تأثيرها علينا، بما يجعلنا نألف نوع الحكم القائم، فنتخذ منه مقياساً لتصورنا عن الحكم في الإسلام. وهذا ما يفرض علينا بالضرورة أن ندع أي شكل من أشكال الحكم الحالية جانباً، لنبني حكماً إسلامياً خالصاً، من غير موازنة أو مقارنة مع باقي الأنظمة، ومن غير اتباع أهوائنا في تفسير خاطىء لنجعله مطابقاً أو مشابهاً لغيره من النظم، لأن المطلوب ليس معالجة النظام الإسلامي على حسب مشاكل العصر، بل معالجة مشاكل العصر بنظام إسلامي عادل، لأنه هو النظام الأصلح والأوفى لجميع شؤون الحياة، ولإنسانية الإنسان.

النظام الاقتصادي

وما قيل عن نظام الحكم السياسي ينطبق أيضاً على النظام الاقتصادي. فمن المعروف أن هنالك أنظمة عديدة في العالم، ولكن أشهرها وأعمها اثنان: النظام الرأسمالي والنظام الاشتراكي، والدول يأخذ بعضها بهذا النظام، وبعضها بذاك، وبعضها الآخر يخلط ما بينهما.. 

ولا تزال النظم التي أوجدها الغرب هي السائدة رغم ما فيها من مساوىء ومفاسد، وخاصة فيما يعود إلى الاحتكارات والمضاربات واستغلال الفئات الشعبية، وسوء توزيع الثروة، وما إلى ذلك من المثالب التي أظهرت عُقم هذه النظم في تلبية حاجات الناس بصورة عامة.

وقد أخذ المسلمون بتلك النظم وطبقوها في بلادهم تحت وطأة حكم المستعمر - إذ فرضها عليهم بأساليب ووسائل شتى. ومن الملفت أن العالم الإسلامي كان ميله عموماً للرأسمالية أكثر من غيرها من النظم. ولعل هذا الميل نابعٌ من توهمه بنجاح الرأسمالية، وانبهاره بمظاهرها الخداعة، وأخذه لها على علاتها، لا من إدراكه لحقيقتها واقتناعه بها، وذلك لعدم معرفته بالفكرة الرأسمالية معرفة حقيقية، وجهله بالأفكار الإسلامية التي تضرب الرأسمالية في مبادئها وأسسها وهذا بالذات ما أوصله إلى حالة الشعور بعجز النظام الإسلامي عن معالجة مشاكل الحياة وتعقيداتها.

وربما شعر المسلمون بضرورة أخذ المعالجات الرأسمالية كما هي، لأنها ـ في ظنه ـ تتيح له السير قدماً لمواكبة عامل التطور، وتمكنه بالتالي من اللحاق بقافلة الأمم الرأسمالية أو الشعوب التي تطبق الاشتراكية في سيرها نحو الشيوعية، باعتبار أن تلك الأمم والشعوب - حسب تصوره الواهم - هي الأمم والشعوب الراقية.. 

ولكن من حيث الواقع هل تمكن فعلاً العالم الإسلامي من السير قدماً في معترك الحياة ومن مواكبة التطور والوصول إلى ما وصل إليه الغرب؟ أبداً... وإلا لما كانت بلاد المسلمين تعد من دول العالم الثالث، الموصوف من قبل أعدائه المستعمرين، والمستغلين لثرواته وخيراته بأوصاف شتى مثل: التخلف والتأخر والفقر وما شاكل ذلك،، دونما تمييز بين دول مسلمة ودول غير مسلمة في هذا الشأن..

ومن المفارقات الغريبة أن تقوم فئة من المسلمين، لها ميل وولوع بالأفكار الرأسمالية، بمحاولات يائسة للتوفيق بين النظام الإسلامي والنظام الرأسمالي. إلا أن تلك الفئة فشلت فشلاً ذريعاً في محاولاتها التوفيقية، ولم تترك أي أثر إصلاحي في المجتمع الإسلامي، وفي العلاقات القائمة فعلاً بين الناس.

ولعل المعاناة الشديدة التي يكابدها المسلمون في واقع حياتهم إنما هي ناتجة عن تطبيقهم للأفكار والنظم الاقتصادية -التي ما فتىء الغرب يفرضها عليهم، ويروج لها حتى تلاقي القبول لديهم. وهذا ما يفسر لنا كيف أن الأمة الإسلامية تحكم بالنظام السياسي الديمقراطي - شكلياً -بينما هي تحكم بالنظام الاقتصادي الرأسمالي - عملياً -وذلك في جميع نواحي الحياة الاقتصادية. 

من هنا كان لزاماً على المسلمين التعرض للأفكار التي تقوم عليها المعالجات الرأسمالية أو الاشتراكية، لإيضاح زيفها وتقويض أسسها أولاً، ومن ثم لدراسة الآثار التي خلفتها في حياة الأمة الإسلامية حتى يمكن إزالة تلك الآثار برمتها، والانتقال، فيما بعد، إلى دراسة وقائع الحياة في تنوعها وتجددها، ومعالجة مختلف القضايا عن طريق الأحكام الإسلامية باعتبارها أحكاماً شرعية تستوجب الأخذ بها، لكونها مستنبطة من الكتاب والسنة أو مما أرشد إليه الكتاب والسنة من أدلة، لا من حيث صلاحيتها للعصر أو عدم صلاحيتها، إذ إن هذا الأمر غير وارد على الإطلاق بالنسبة للنظام الإسلامي الذي جعله الله تعالى صالحاً لكل زمان ومكان... 

وبمعنى آخر يجب أن تؤخذ الأحكام الإسلامية عقائدياً لا لتأمين مصالح آنية أو مرحلية بصرف النظر الوهمي - عن مدى نفعها أو فسادها - أي أن تكون الغاية تطبيق النظام الإسلامي الذي يستطيع أن يقلب الحياة الاقتصادية في العالم الإسلامي رأساً على عقب، ويحرر المسلمين من الفقر والعوز والجوع والمرض، وغيرها من الآفات الناجمة عن سوء الأوضاع الاقتصادية التي يعاني منها المسلمون في ظل الرأسمالية والمعالجة لا تكون إلا بإعطاء الصورة الواضحة للنظام الاقتصادي الرأسمالي، حتى يلمس عشاق هذا النظام مدى فساده وتناقضه مع النظام الإسلامي، ومدى قدرة نظامنا على معالجة المشاكل الاقتصادية معالجة سليمة تجعله طرازاً خاصاً في الحياة، لا علاقة له ـ من قريب أو بعيد - بالنظام الرأسمالي أو بالنظام الاشتراكي أو الشيوعي أو بغيرها من النظم على اختلافها..

تلك نظرة. وبعد هذه النظرة السريعة عن نظام الحكم السياسي والنظام الاقتصادي، ماذا هناك عن النظام الاجتماعي ؟

النظام الاجتماعي

يطلق الغرب - وكل من يأخذ بأفكاره عادةً - على جميع أنظمة الحياة تسمية النظم الاجتماعية. وهذا خطأ إذ يجدر أن يطلق عليها تسمية أنظمة المجتمع؛ لأنها في حقيقتها تنظم العلاقات بين الناس الذين يعيشون في مجتمع معين- بغض النظر عن اجتماعهم أو تفرقهم. وأنظمة الحياة، ولا ريب متعددة ومتنوعة بحسب تعدد العلاقات وتنوعها.

ويمكن أن تتناول الاقتصاد والحكم، والسياسة، والتعليم، والعقوبات، والمعاملات والبينات إلخ... فكان إطلاق النظم الاجتماعية عليها لا يأتلف مع واقعها وحقيقتها، لأن كلمة "النظام" إنما تعني تنظيم المشاكل أو العلاقات التي تنشأ بين الناس وكلمة "الاجتماعي" كصفة للنظام إنما تعني تنظيم المشاكل والعلاقات التي تنشأ عن الاجتماع، أي: عن اجتماع الرجل بالمرأة أو المرأة بالرجل - مثلاً -وليس عن اجتماع الرجل بالرجل أو المرأة بالمرأة، لأن هذا الاجتماع لا تنشأ عنه مشاكل وعلاقات تحتاج إلى نظام، وإنما تنشأ عنه مصالح تحتاج إلى التنظيم

وبمعنى آخر إن اجتماع الرجل بالمرأة أو اجتماع المرأة بالرجل- هو الذي تنشأ عنه علاقات أو مشاكل تحتاج إلى التنظيم بنظام، فكان الأولى أن يطلق "النظام الاجتماعي" على ما ينظم العلاقات بين الرجل والمرأة، وكل ما يتفرع عن هذه العلاقات في المجتمع. 

وبهذا فإن تجارة المرأة مع الرجل مثلاً هي من أنظمة المجتمع -لا من النظام الاجتماعي، لأنها تدخل في دائرة النظام الاقتصادي. أما منع الخلوة بين الرجل والمرأة، أو متى تملك المرأة حق الطلاق لنفسها، أو متى يكون لها حق حضانة الصغير، فمثل هذه الأمور هي من النظام الاجتماعي. 

وعلى ذلك يكون تعريف النظام الاجتماعي: بأنه النظام الذي ينظم اجتماع المرأة بالرجل أو اجتماع الرجل بالمرأة، وكل ما ينشأ عن هذا الاجتماع من علاقات وتفرعات، وبصورة أعم وأشمل إن النظام الاجتماعي: هو الذي يحدد ويكفل حقوق الأفراد والجماعات في كافة علاقاتهم وسائر مشاكلهم، وإن كنا قد مثلنا هنا بحال المرأة دون غيرها.

وهذا المفهوم للنظام الاجتماعي قد اضطرب فهمه على المسلمين بسبب بعدهم عن أفكار الإسلام وأحكامه، وأخذهم للأفكار والنظم الغربية دون تدارك الآثار التي تخلفها في حياتهم. فقد رأوا أن المرأة الغربية قد ظهرت عليها أشكال مدنية وظهرت هي بأشكال مدنية، فحاولوا تقليد هذه المظاهر دون أن يدركوا بأن ذلك، وإن كان يتفق مع حضارة الغرب ومفاهيمــه عــن الحياة، إلا أنه لا يتفق أبداً مع حضارة الإسلام ومفاهيمه. 

وعلى هذا الأساس سلموا بظهور الأشكال المدنية الغربية على المرأة المسلمة أو ظهورها هي بتلك الأشكال المدنية، واقتنعوا بوقوف المرأة المسلمة إلى جانب الرجل في المجتمع وفي الاجتماع، ونادوا بضمان الحرية الشخصية للمرأة المسلمة وإعطائها الحق بأن تفعل ما تشاء ودعوا تبعاً لذلك إلى الاختلاط بين الرجال والنساء، ولو من غير حاجة، وإلى التبرج وإبداء زينة المرأة، وإلى توليها الحكم.. معتبرين جهلاً - أن هذه الاتجاهات هي السبيل إلى التقدم وهي دليل على النهضة.

وكان من نتائج تلك الاتجاهات، وهي في غالبها تقليد أعمى، أن أُطلقت الحرية الشخصية للمرأة المسلمة إطلاقاً كلياً، وجرى الاتصال بينها وبين الرجل حتى من غير دواع، مما ترك أسوأ الآثار على سائر فئات المجتمع الإسلامي. فالتعاون بين المرأة والرجل لم يحصل بل حصل عکسه: انحلال في الأخلاق. وفساد في الذوق وزعزعة في الثقة، وتفكك في الأسرة، وبالتالي انحراف في التفكير، وهدم لجميع المقاييس الدينية والخلقية والاجتماعية.

 والمسلمون وهم يجارون الغرب لم يلاحظوا بأن المجتمع الغربي لا يأبه لصلات الذكورة والأنوثة، ولا يرى فيها أية معرة أو طعن أو مخالفة للسلوك القويم، بل ولا أي مساس في الأخلاق. في حين أن المجتمع الإسلامي يعتبر صلات الذكورة والأنوثة بغير وجه شرعي هي من الكبائر التي تفرض عقوبة الجلد أو الرجم لأنها تؤدي إلى اختلاط النسل وضياع الأصل وضياع الحقوق

ومن يرتكب الكبائر هو عاص ومنحط في الإسلام، ويجب على المجتمع أن ينبذه ويزدريه، لأن من مقومات أخلاقنا الحفاظ على العرض وصونه، وعلى.. النسل وصفائه وحقوقه، وبذل المهج للدفاع عن ذلك، على أنه وبسبب التقليد الأعمى لعادات الغرب لبست الدعوة إلى نهضة المرأة ثوب الإباحية، والخلاعة، والابتذال، وحمل المقلدون شعار: نهضة المرأة من أجل إنهاض الأم، دون دراية منهم أنهم يعملون على تهديم أقدس العلاقات وتدمير الحياة الاجتماعية عند المسلمين. 

وعم هذا البلاء قرانا ومدننا على حد سواء، حتى صرت تنظر فلا ترى أي أثر للسيماء الإسلامية على أحياء عواصمنا، لا فرق في ذلك بين استنبول والقاهرة، ولا بين كراتشي وبغداد، أو بين تونس وبيروت، فكلها غابت عنها المسحة الإسلامية، وغرقت في ظاهرة التمدن الغربي الخليعة.

 وكان من الطبيعي أن ينهض لمكافحة تلك الأفكار الدخيلة على الحياة الإسلامية، وأن يهب لمحاربة الدعوات الخادعة، جمهرة من خاصة المسلمين وعامتهم، فقامت جماعات تدعو إلى وجوب المحافظة على المرأة المسلمة وصيانة الفضيلة في المجتمع، ولكن من غير فهم كاف للأنظمة الإسلامية، ومن غير تبيان للأحكام الشرعية، متخذة أساساً لدعوتها القبول بأن تكون المصلحة التي يراها العقل هي محور البحث، والمقياس للآراء والأشياء.. 

كما انبرت جماعات أخرى تنادي بالمحافظة على العادات والتقاليد والتمسك بالأخلاق، ولكن من غير إدراك بأن القاعدة في الإصلاح هي العقيدة الإسلامية وليست العادات والتقاليد، وأن المقياس لذلك هو الأحكام الشرعية المنبثقة عن العقيدة ليس إلا: كما هي مفروضة في القرآن والسنة دون سواهما.

ومن المؤسف أنه ظهر في تلك الدعوات كثير من المبالغة إلى حد الإفراط... ومن قبيل ذلك التعصب الأعمى- فيما خص حجاب المرأة، حتى قيل بمنعها من الخروج من منزلها لقضاء حاجاتها أو لمباشرة شؤونها بنفسها، لا في تجارة، ولا في زراعة ولا في صناعة. 

كما جرى تحريم ممارستها لحق الانتخاب والحظر عليها أن تكون صاحبة رأي في السياسة أو الحكم أو الاقتصاد أو الاجتماع، حتى أن بعض الفقهاء جعلوا للمرأة خمس عورات: عورة في الصلاة، وعورة عند الرجال المحارم، وعورة عند الرجال الأجانب وعورة عند النساء المسلمات وعورة عند النساء غير المسلمات.. 

بل قالوا بأن بعض الآيات القرآنية قد نزلت تخاطب الرجال من دون النساء، مما حال بين المرأة المسلمة وبين الحياة حتى أصبحت المرأة المسلمة قلقة حائرة بين أن تنقل عن الغرب مدنيته الزائفة أو مظاهر حضارته السافرة دون وعي أو تفهم للتناقض في ما يقدمه لها الغرب وفي ما تقدمه لها الحضارة الإسلامية في حقيقتها، وبين أن تظل جامدة لا تنفع نفسها ولا ينتفع المسلمون بجهدها وطاقتها.. كل ذلك بسبب عدم تلقيها للإسلام تلقياً فكرياً، وعدم فهمها للنظام الاجتماعي في الإسلام فهماً صحيحاً.

ولذلك كان لا بد من دراسة النظام الاجتماعي في الإسلام دراسة شاملة لكي ندرك بأن المشكلة الاجتماعية؛ تنحصر باجتماع الرجل والمرأة وما ينبثق عن هذا الاجتماع من علاقات عديدة ومتنوعة، وأن علاج هذه المشكلة ليس بما يمليه العقل وإنما بما يدلُّ عليه الشرع، دون أن نهمل أثر العقل في فهم الحكم الشرعي فهماً صحيحاً لا يناقض الدين، ولا يناقض واقع الحياة وتطورها.

وأن بناء النظام الاجتماعي الإسلامي يحتم على الرجل والمرأة طرازاً فريداً من العيش، وفق ما أمر الله به في كتابه العزيز، وطبقه الرسول الأعظم في السنة الشريفة، بصرف النظر عما إذا كان هذا النظام يناقض نظم الغرب ومدنيته الزائفة، أو يخالف ما اعتاد عليه الآباء والجدود في تقليدهم المتحجر الجامد. 

  • ونخلص في نهاية هذه المقدمة إلى القول:

بأن ما أصاب المسلمين من اضطراب فكري، وانحراف عن فهم العقيدة وتطبيقها إنما يرجع إلى تلك الغزوة الكاسحة التي غزانا بها الغرب ليتحكم في تفكيرنا وأحاسيسنا، وليغير مفاهيمنا عن الحياة، ومقاييسنا للأشياء، وليقتل فينا الغيرة على إسلامنا وتعظيمنا لمقدساتنا... ولنعترف بأن الغرب قد نجح في ذلك نجاحاً كبيراً...

وقد ساعد الغرب في نجاحه هذا فئة من المقلدين والناقلين، والتي حاولت أن تصوّر لنا المدنية الغربية بمختلف أشكالها المادية على أنها هي الحضارة المرجوة، دونما تمييز أو تفرقة بين المدنية والحضارة، ودون إدراك منها بأن المدنية لا تعني الحضارة في شيء! 

لأن الحضارة هي مجموعة من المفاهيم عن الحياة والكون والإنسان. وهي لا تأتي إلا من خلال طريقة التفكير المنتجة التي تنشىء وتبني وتطور، في حين أن المدنية لا تعدو أن تكون الأشكال المادية، والوسائل والأدوات التي تستعمل في الحياة بغض النظر عن المفاهيم والأفكار البناءة.. 

وهذا الخلط في أذهان الناقلين والمقلدين هو الذي جعلهم بعيدين عن الإدراك بأن ما تقوم عليه الحضارة الغربية يتناقض مع الحضارة الإسلامية، ولذلك كان نقلهم للمفاهيم الغربية نقل تقليد دون أي فهم أو تدبر، وكأنهم في ذلك مثل ناسخ لكتاب يصور فيه الحروف والكلمات تصويراً، في أساسه دون الوقوف على معانيها ومراميها.

ومثل هذا النقل، وذاك التقليد هو ما يجب تركه والتخلي عنه بصورة نهائية، والعودة إلى منابع الفكر الإسلامي، خاصة وأن في الأمة علماء عديدين، لا يقلون في عطائهم عن المجتهدين الأوائل، وعن أصحاب المذاهب في العلم والاطلاع، كما أن لدى الأمة ثروة تشريعية وفكرية لا تدانيها أية ثروة لدى الأمم الأخرى. 

فعلينا أن نتخلى عن الجمود والتقليد، وأن تعمل الفكر والعقل لنفهم ديننا الحنيف ونفقه ما فيه من أحكام وتشريعات وقوانين نستطيع بموجبها أن نبني نظامنا السياسي والاقتصادي والاجتماعي على هدي وبصيرة الشرع الذي بين أيدينا في كتابنا الكريم وفي سنة نبينا العظيم. وبذلك نخدم أبناء هذه الأمة، ونرفع من شأنها. 

فعسى - بذلك ـ أن يرضى الله تعالى عنا ويسدد خطانا إلى ما فيه خير أمتنا. ومنه وحده نطلب العون على ذلك، فإنه نعم المولى ونعم النصير.

وإليكم فكرة صحيحة سليمة عن نظام الحكم السياسي والنظام الاقتصادي والنظام الاجتماعي في الإسلام.

_____________________________________________

ولنلقي الضوء على بعض الأنظمة الاقتصادية في الإسلام: 

أولاً: الشركة في الإسلام

الشركة في اللغة: خلط النصيبين بحيث لا يتميز الواحد عن الآخر. 

والشركة شرعاً: هي عقد بين اثنين فأكثر يتفقان فيه على القيام بعمل مالي بقصد الربح. 

وعقد الشركة يقتضي وجود: الإيجاب والقبول فيه معاً كسائر العقود. 

والإيجاب: أن يقول أحدهما للآخر: شاركتك في كذا، ويقول الآخر: قبلت. إلا أنه ليس اللفظ المذكور بلازم بل يصحُّ بالمعنى، أي: لا بد أن يتحقق في الإيجاب والقبول "معنى" يفيد أن أحدهما خاطب الآخر مشافهةً أو كتابةً بالشركة على شيء والآخر قبل ذلك.

فالاتفاق على مجرد الاشتراك لا يعتبر عقداً، والاتفاق على دفع المال للاشتراك لا يعتبر عقداً، بل لا بد أن يتضمن العقد معنى المشاركة على شيء. 

وشرط صحة عقد الشركة: أن يكون المعقود عليه تصرفاً، وأن يكون هذا التصرف المعقود عليه عقد الشركة قابلاً للوكالة؛ ليكون ما يستفاد بالتصرف مشتركاً بينهما.

والشركة جائزة؛ لأنه صلى الله عليه وآله وسلم بُعِثَ والناس يتعاملون بها، فأقرهم الرسول عليها، وكان إقراره لتعامل الناس بها دليلاً شرعياً على جوازها. 

وروي أن البراء بن عازب وزيد بن أرقم كانا شريكين فاشتريا فضة بنقد ونسيئة، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فأمرهما: "أن ما كان بنقد فأجيزوه وما كان نسيئة فردوه. 

وعن النبي ﷺ قال: "يد الله على الشريكين- ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خان أحدهما صاحبه رفعها عنهما".

وتجوز الشركة بين المسلمين مع بعضهم، وبين الذميين مع بعضهم، وبين المسلمين والذميين. فيصح عليه أن يشارك المسلم النصراني والمجوسي وغيرهم من الذميين. 

وقد عامل رسول الله أهل خيبر - وهم يهود - بنصف ما يخرج من الأرض على أن يعملوا فيها بأموالهم وأنفسهم. 

وقد ابتاع الرسول الله طعاماً من يهودي بالمدينة ورهنه درعه، وأرسل إلى يهودي يطلب منه ثوبين إلى الميسرة. 

ولهذا فإن شراكة اليهود والنصارى وغيرهم من الذميين جائزة لأن معاملتهم جائزة. إلا أن الذميين لا يجوز لهم بيع الخمر والخنزير وهم في شركة مع المسلم، أما ما باعوه من الخمر والخنزير قبل مشاركتهم للمسلم فثمنه حلال في الشركة. 

ولا تصح الشركة إلا من جائز التصرف؛ لأنها عقد على التصرف في المال. ولذلك لا تجوز شركة المحجور عليه، ولا شركة كل من لا يجوز له التصرف.

وتكون الشركة: إما شركة أملاك أو شركة عقود.. 

فشركة الأملاك هي شركة العين كالشركة في عين يرثها رجلان أو يشتريانها أو يهبها لهما أحد أو ما شاكل ذلك.

وتعتبر شركة العقود هي موضع البحث في تنمية الملك. 

ويتبين من استقراء شركات العقود في الإسلام وتتبعها وتتبع الأحكام الشرعية المتعلقة بها والأدلة الشرعية الواردة في شأنها أن شركات العقود تندرج تحت خمسة أنواع هي: 

شركة العنان، وشركة الأبدان، وشركة المضاربة، وشركة الوجوه، وشركة المفاوضة. 

وهذه هي مجمل أحكامها:

1-شركة العنان:

وهي أن يشترك بدنان بماليهما أي أن يشترك شخصان بماليهما- على أن يعملا فيه بأبدانهما ويقتسما الربح بينهما. وسميت شركة عنان لأن الشريكين يتساويان بالتصرف كالفارسين إذا سويا بين فرسيهما وتساويا في السير فإن عنانيهما يكونان سواء. 

وهذه الشركة جائزة بالسنة وإجماع الصحابة، والناس يشتركون بها منذ أيام النبي وأيام الصحابة.

وهذا النوع من الشركة يجعل فيه رأس المال نقوداً، لأن النقود هي قيم الأموال وأثمان المبيعات. 

أما العروض فلا تجوز الشركة عليها إلا إذا قومت وقت العقد، وجعلت قيمتها رأس المال.

ويشترط: أن يكون رأس المال معلوماً يمكن التصرف به في الحال. 

فلا تجوز الشركة على رأس مال مجهول، ولا تجوز بمال غائب، أو بدين، لأنه لا بد من الرجوع برأس المال عند المفاصلة، ولأن الدين لا يمكن التصرف به في الحال، وهو مقصود الشركة.

ولا يشترط تساوي مال الشريكين في القدر، ولا أن يكون المالان من نوع واحد، إلا أنه يجب أن يقوما بقيمة واحدة حتى يصبح المالان مالاً واحداً. 

فيصح أن يشتركا بنقــود مصرية وسورية، ولكن يجب أن يُقوّما بقيمة واحدة تقويماً يذهب انفصالهما ويجعلهما شيئاً واحداً. لأنه يشترط أن يكون رأس مال الشركة مالاً واحداً شائعاً للجميع لا يعرف أحد الشريكين ماله من مال الآخر. 

ويشترط أن تكون أيدي الشريكين على المال. 

وشركة العنان مبنية على الوكالة والأمانة؛ لأن كل واحد منهما يكون بدفعه المال إلى صاحبه قد أمنه، وبإذنه له في التصرف قد وكله.

ومتى تمت الشركة صارت شيئاً واحداً، وصار واجباً على الشركاء أن يباشروا العمل بأنفسهم؛ لأن الشركة وقعت على أبدانهم. فلا يجوز لأحدهم أن يوكل عنه من يقوم ببدنه مقامه في الشركة في التصرف. بل الشركة كلها تؤجر من تشاء وتستخدم بدن من تشاء أجيراً عندها -لا عند أحد الشركاء.

ويجوز لكل واحد من الشريكين أو الشركاء أن يبيع ويشتري على الوجه الذي يراه مصلحة للشركة. وله أن يقبض الثمن والمبيع، ويخاصم في الدين ويطالب به، وأن يحيل ويحال عليه، ويرد بالعيب. 

وله أن يستأجر من رأس مال الشركة ويؤجر، لأن المنافع أجريت مجرى الأعيان. فله أن يؤجر السلعة، كالسيارة مثلاً- باعتبارها سلعة للبيع، وصارت منفعتها في الشركة كالعين نفسها وأجريت مجراها.

ولا يشترط تساوي الشريكين في المال، ويصح أن يتساويا، والربح يكون على ما شرطا. فيصح أن يشترطا التساوي في الربح، ويصح أن يشترطا التفاضل فيه؛ لقوله: "الربح على ما شرط العاقدان".

أما الخسارة في شركة العنان فإنها تكون على قدر المال فقط، فإن كان مالهما متساويا في القدر فالخسارة بينهما مناصفة، وإن كان أثلاثاً فالخسارة تكون أثلاثاً. وإذا شرطا غير ذلك فلا قيمة لشرطهما وينفذ حكم الخسارة بدون شرطهما، وهو أن توزع الخسارة على نسبة المال. لأن البدن لا يخسر مالاً وإنما يخسر ما بذله من جهد فقط، فتبقى الخسارة على المال، وتوزع عليه بنسبة حصص الشركاء، لقوله صلى الله عليه وسلم: "الربح على ما شرط العاقدان، والوضيعة على قدر المال". [الوضيعة: الخسارة. وضع الرجل في تجارته وأوضع: خسر فيها]

2- شركة الأبدان:

وهي أن يشترك اثنان أو أكثر بأبدانهما فقط- بدون مالهما -أي: في ما يكتسبانه بأيديهما -أي: بجهدهما من عمل معين، سواء أكان فكرياً أو جسدياً. وذلك كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما يربحونه فهو بينهم. وكالمهندسين والأطباء والصيادين والحمالين والنجارين وسائقي السيارات وأمثالهم. 

ولا يشترط اتفاق الصنائع بين الشركاء، ولا أن يكونوا جميعاً صناعاً. فلو اشترك صناع مختلفة صنائعهم؛ جاز ذلك، لأنهم اشتركوا في مكسب مباح، كما لو اتفقت الصنائع بينهم. 

ولو اشتركوا في عمل معين على أن يدير أحدهم الشركة، والآخر يقبض المال، والثالث يعمل بيده، صحت الشركة. 

وعلى ذلك يجوز أن يشترك عمال في مصنع، سواء أكانوا كلهم يعرفون الصناعة، أو بعضهم يعرف والبعض الآخر لا يعرف، وصح أن يشتركوا صناعاً وعمالاً وكتاباً وحراساً، وبذلك يكونون جميعاً شركاء في المصنع. إلا أنه يشترط أن يكون العمل الذي اشتركوا في القيام به بقصد الربح عملاً مباحاً، أما إذا كان العمل محرماً فلا تجوز الشركة فيه.

والربح في شركة الأبدان يكون بحسب ما اتفقوا عليه من مساواة أو تفاضل. لأن العمل يستحق به الربح، وكما يجوز تفاضل الشريكين في العمل؛ يجوز تفاضلهم في الربح الحاصل به. 

ولكل واحد منهما المطالبة بالأجرة كلها ممن استأجرهما، وبثمن البضاعة التي صنعوها ممن يشتريها.

وللمستأجر لهم أو المشتري منهم ما صنعوا من بضاعة دفع الأجرة جميعها أو دفع ثمن البضاعة جميعه إلى أي: واحد منهما، وإلى أيهما دفع فذمته برئت.

وإن عمل أحد الشركاء -دون شركائه؛ فالكسب بينهم جميعاً، لأن العمل مضمون عليهم معاً، وبهذا الضمان وجبت الأجرة، فيكون الكسب لهم، كما كان الضمان عليهم.

وليس لأحدهم أن يوكل عنه غيره شريكاً ببدنه، كما أنه ليس لأحدهم أن يستأجر أجيراً عنه شريكاً ببدنه، لأن العقد وقع على ذاته، فيجب أن يكون هو المباشر للعمل؛ إذ إن الشريك ببدنه هو، وهو المتعين في الشركة. 

ولكن يجوز أن يستأجر أحدهم أجراء، والاستئجار حينئذ يكون من الشركة وللشركة، ولو باشره واحد من الشركاء فلا يكون نيابة ولا وكالة ولا أجيراً عنه، ويكون تصرف كل شريك تصرفاً عن الشركة، ويلزم كل واحد منهم ما يقوم به شريكه من أعمال في نطاق الشركة.

وهذه الشركة جائزة، لما روى أبو داود والأثرم -بإسنادهما- عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه، قال: "اشتركت أنا وعمار بن ياسر وسعد بن أبي وقاص فيما نُصيب يوم بدر. فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء، وقد أقرهما الرسول على ذلك. 

وقال أحمد بن حنبل: أشرك بينهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فهذا الحديث صحيح. وهو صريح في اشتراك جماعة من الصحابة في أبدانهم في عمل يقومون به، وهو قتال الأعداء، ويقسمون ما ينالون من غنائم إن ربحوا المعركة. 

أما ما يقال: من أن حكم الغنائم يخالف هذه الشركة، فإنه غير وارد على هذا الحديث، لأن حكم الغنائم نزل بعد معركة بدر هذه، فحين حصلت هذه الشركة بأبدانهم لم يكن حكم الغنائم موجوداً.

وحكم الغنائم الذي نزل فيما بعد لا ينسخ الشركة التي حصلت، وإنما يبين نصيب الغانمين. ويبقى حكم شركة الأبدان ثابتاً بهذا الحديث ما دام الحديث قد ثبتت صحته.

3- شركة المضاربة

وتسمى المقارضة، وهي أن يشترك بدن ومال. وتكون بأن يدفع رجل ماله إلى آخر يتجر له فيه، على أن يقتسما ما حصل من الربح بينهما حسب ما يشترطانه. إلا أن الخسارة في المضاربة لا تخضع لاتفاق الشريكين، بل لما ورد في الشرع. 

والخسارة في المضاربة تكون شرعاً على المال خاصة، وليس على المضارب منها شيء. حتى لو اتفق صاحب المال والمضارب على أن الربح بينهما والخسارة عليهما، كان الربح بينهما والخسارة على المال، لقوله صلى الله عليه وسلم: «الربح على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال».

 والبدن لا يخسر مالاً، وإنما يخسر ما بذله من جهد فقط؛ فتبقى الخسارة على المال.

ولا تصح المضاربة حتى يسلم المال إلى العامل ويخلى بينه وبينه، إذ هي لا تنعقد حتى يتم تسليم المال إلى المضارب. ويجب في المضاربة تقدير نصيب العامل، وأن يكون المال الذي تجري المضاربة عليه مقدراً معلوماً.

ولا يصح أن يعمل صاحب المال مع المضارب -ولو شرط عليه، لأنه لا يملك التصرف بالمال الذي صار للشركة، ولا يملك صاحب المال التصرف بالشركة مطلقاً، بل المضارب هو الذي يتصرف، وهو الذي يعمل وهو صاحب اليد على المال. وذلك لأن عقد الشركة حصل على بدن المضارب ومال صاحب المال، ولم يقع العقد على بدن صاحب المال، فصار كالأجنبي عن الشركة لا يملك أن يتصرف فيها بشيء.

إلا أن المضارب مقيَّدٌ بما أذن له صاحب المال من تصرف، ولا يجوز له أن يخالفه لأنه متصرف بالإذن. فإذا أذن له أن يتاجر بالصوف فقط، أو منعه من أن يشحن البضاعة في البحر، فعليه أن يتقيد بذلك. 

لكن ليس معنى هذا أن صاحب المال متصرف بالشركة، بل معناه أن المضارب مقيد في حدود ما أذن له صاحب المال. فالتصرف بالشركة محصور بالعامل فقط وليس لصاحب المال أية صلاحية في التصرف.

ومن المضاربة أن يشترك مالان وبدن أحدهما. فلو كان بين رجلين ثلاثة الآف لأحدهما ألف وللآخر ألفان، فأذن صاحب الألفين لصاحب الألف أن يتصرف فيهما على أن يكون الربح بينهما نصفين؛ صحت الشركة، ويكون العامل صاحب الألف مضارباً عند صاحب الألفين وشريكاً له.

وكذلك من المضاربة أن يشترك مالان وبدن غيرهما، وهذه كلها تدخل في باب المضاربة.

والمضاربة جائزة شرعاً، لما روي: أن العباس بن عبد المطلب كان يدفع مال المضاربة، ويشترط على المضارب شروطاً معينة، فبلغ ذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- فاستحسنه، وانعقد اجماع الصحابة على جواز المضاربة. 

وقد روي عن حميد بن عبد الله، عن أبيه عن جده: "أن عمر بن الخطاب أعطاه مال يتيم مضاربة يعمل به في العراق". 

وعن مالك عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده: «أن عثمان قارضه».  وعن ابن مسعود وحكيم بن حزام: «أنهما قارضا». وقد كان ذلك على مرأى من الصحابة، ولم يرو مخالف له، ولم ينكر أحد ذلك، فكان ذلك إجماعاً منهم على جواز المضاربة.

4- شركة الوجوه

وهي أن يشترك بدنان بمال غيرهما. أي: أن يدفع واحد ماله إلى اثنين فأكثر مضاربة، ويكون المضاربان شريكين في الربح بمال غيرهما. فقد يتفقان على قسمة الربح أثلاثاً لكل واحد منهما الثلث وللمال الثلث، وقد يتفقان على قسمته أرباعاً للمال الربع ولأحدهما الربع وللآخر النصف، وقد يتفقان على غير ذلك من الشروط. 

وبهذه الشروط يمكن أن يحصل تفاضل بين العاملين في الربح، ويكون اشتراكهما مع تفاضل حصصهما مبنياً على وجاهة أحدهما أو وجاهتهما، إما من ناحية المهارة في العمل، وإما من ناحية حسن التصرف في الإدارة، مع أن التصرف الشرعي الذي يملكانه في المال واحد. 

ومن أجل ذلك تعتبر هذه الشركة من نوع آخر غير شركة المضاربة مع أنها في حقيقتها ترجع إلى المضاربة.

ومن شركة الوجوه أن يشترك اثنان فأكثر في ما يشتريانه بثقة التجار بهما، وجاههما المبني على هذه الثقة -من غير أن يكون لهما رأس مال. ويشترطان على أن يكون ملكهما في ما يشتريانه نصفين أو أثلاثاً أو أرباعاً أو نحو ذلك حسب ما يتفقان عليه، لا حسب ما يملكان في البضاعة.

 أما الخسارة فتكون على قدر ملكيهما في المشتريات؛ لأنه بمقام مالهما، لا على حسب ما يشترطان من خسارة، ولا على حسب الربح، سواء أكان الربح بينهما بقدر مشترياتهما أو مختلفاً عنها، وذلك لقوله عليه الصلاة والسلام: "الربح على ما شرط العاقدان والوضيعة على قدر المال".

وشركة الوجوه بقسميها جائزة. لأنهما إذا اشتركا بمال غيرهما؛ كانت من قبيل شركة المضاربة الثابتة بالسنة والإجماع، وإن اشتركا فيما يأخذانه من مال غيرهما، أي: في ما يشتريانه بجاههما وثقة التجار بهما، فهي من قبيل شركة الأبدان الثابتة بالسنة. 

وعلى هذا تكون شركة الوجوه ثابتة بالسنة والإجماع.

إلا أنه ينبغي أن يعلم أن المراد بالثقة هنا: الثقة المالية -وهي الثقة بالسداد- لا بالجاه والوجاهة. لأن الثقة إذا أطلقت في موضوع التجارة والشركة ونحو ذلك، فإنما يقصد منها: الثقة بالسداد، وهي الثقة المالية. 

وعلى ذلك قد يكون الشخص وجيهاً -ولكنه غير موثوق بالسداد، فلا توجد فيه ثقة مالية ولا يُحسب أن لديه ثقة تعتبر في موضوع التجارة والشراكة. وقد يكون هذا الشخص وزيراً أو غنياً أو تاجراً كبيراً ولكن لا توجد فيه ثقة بالسداد، ولا يؤمن على شيء فلا تكون فيه ثقة مالية، وعلى ذلك فإنه لا يستطيع أن يشتري من السوق أية بضاعة دون أن يدفع ثمنها. 

وقد يكون شخص فقيراً -ولكن التجار يثقون بسداده ما عليه من المال، فإنه يستطيع أن يشتري بضاعة دون أن يدفع ثمنها. وعلى هذا فشركة الوجوه تتركز فيها الثقة بالسداد لا بالوجاهة. وإن ما يحصل في بعض الشركات من إدخال وزير عضواً في شركة وتخصيصه بنصيب معين من الربح دون أن يدفع أي مال أو يشترك بأي جهد، وإنما أشرك لمنزلته في المجتمع حتى يسهل للشركة معاملاتها، فهذا ليس من قبيل شركة الوجوه ولا ينطبق عليه تعريف الشركة في الإسلام. وهذا النوع من الاشتراك غير جائز شرعاً، وعليه فلا يعتبر هذا الشخص شريكاً ولا يحل له أن يأخذ شيئاً من هذه الشركة.

ومثل هذا ما يحصل في بعض البلدان التي لا يسمح فيها لغير المواطن بالحصول على رخصة للتجارة أو للعمل، وأمام هذا الواقع القانوني يضطر الأجنبي الذي يجد فرص العمل متاحة أمام رأس ماله أن يُدخل أحد المواطنين شريكاً معه، وأن يجعل له حصة من الربح دون أن يدفع هذا المواطن أي مال، ودون أن تعقد الشركة على بدنه، وإنما اعتبر شريكاً من أجل أن الرخصة أخذت باسمه وجعلت له حصة من الربح مقابل ذلك. هذه أيضاً ليست من شركات الوجوه ولا هي من الشركات الجائزة شرعاً. 

ولذلك لا يعتبر هذا المواطن شريكاً، ولا يحل له أن يأخذ شيئاً من هذه الشركة؛ لأنه لا تنطبق عليه الشروط التي أوجب الشرع أن تتوفر في الشريك حتى يكون شريكاً شرعاً، وهي الاشتراك بالمال أو البدن أو الثقة التجارية بالسداد، وأن يباشر هو العمل بما يأخذ من بضاعة بهذه الثقة.

5- شركة المفاوضة

وهي أن يشترك الشريكان في جميع أنواع الشركات المار ذكرها، مثل: أن يجمعا بين شركة العنان والأبدان والمضاربة والوجوه، وذلك كأن يدفع شخص مالاً على سبيل المضاربة لمهندسين شريكين ليضماه إلى مالهما ويوسعا عملهما في إقامة الأبنية والتجارة فيها، ثم اتفقا على أن يشتغلا بأكثر مما بين أيديهما من مال، وصارا يأخذان بضاعة من غير دفع ثمنها حالاً بناء على ثقة التجار بهما. فاشتراك المهندسين معاً ببدنهما يعد شركة أبدان باعتبار صناعتهما، ودفعهما مالاً منهما يشتغلان به معاً يُعد شركة عنان، وأخذهما مالاً من غيرهما مضاربة يُعد شركة مضاربة، واشتراكهما في البضاعة التي يشتريانها بناء على ثقة التجار بهما يُعد شركة وجوه. 

فهذه الشركة التي أقاماها جمعت كل أنواع الشركات في الإسلام.

وذلك جائز شرعاً لأن كل نوع منها صحيح على انفراده فيصح مع غيره. والربح على ما اصطلحا عليه، فيجوز أن يجعل الربح على قدر المالين، ويجوز أن يتساويا مع تفاضلهما في المال، وأن يتفاضلا مع تساويهما في المال.

هذا النوع من شركة المفاوضة جائز لورود النص به.

أما ما ذكره بعض الفقهاء من أنواع شركة المفاوضة الأخرى، وهي: أن يشترك الرجلان فيتساويان في ماليهما وتصرفهما ودينهما، وأن يفوض كل واحد منهما إلى صاحبه على الإطلاق، فلا تجوز مطلقاً لأنه لم يرد نص شرعي يدل عليها، ولأن الحديثين اللذين يستشهدون بهما وهما: «إذا تفاوضتم فأحسنوا المفاوضة» أو «فاوضوا فإنه أعظم للبركة»؛ لم يصح شيء منهما ولا في معناهما- على فرض صحة دلالتهما. ولأن هذه الشركة شركة على مال مجهول وعمل مجهول وهذا وحده كاف لعدم صحة هذه الشركة، ولأن الشركة تتضمن معنى الوكالة، والوكالة بمجهول الجنس لا تجوز. كل هذه الأدلة تجزم بعدم صحة هذا النوع من شركة المفاوضة.

فسخ الشركة

والشركة من العقود الجائزة شرعاً، وتبطل بموت أحد الشريكين أو جنونه أو الحجر عليه لسفه، أو بالفسخ من أحدهما، لأنها عقد جائز، وتبطل بذلك كله كالوكالة.

وإن مات أحد الشريكين -وله وارث رشيد- فلهذا الوارث أن يقيم على الشركة وعلى الشريك أن يأذن له في التصرف،

كما أن للوارث المطالبة بالقسمة. وإذا طلب أحد الشريكين الفسخ؛ وجب على الشريك الآخر إجابة طلبه. وإذا كانوا شركاء عديدين وطلب أحدهم فسخ الشراكة ورضي الباقون ببقائها؛ فسخت الشركة التي كانت قائمة وجددت بين الباقين.

إلا أنه يفرّق في الفسخ بين شركة المضاربة وغيرها، ففي شركة المضاربة إذا طلب العامل البيع وطلب المضارب القسمة؛ أجيب طلب العامل، لأن حقه محصور في الربح ولا يظهر الربح إلا في البيع. 

أما في باقي أنواع الشركة: إذا طلب أحد الشريكين القسمة وطلب الآخر البيع أجيب طلب القسمة دون طلب البيع.

الاحتكار

يمنع الاحتكار مطلقاً، وهو حرام شرعاً؛ لورود النهي الجازم عنه في صريح الحديث. فقد روي في صحيح مسلم عن سعيد بن المسيب عن معمر بن عبد الله العدوي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يحتكر إلا خاطىء».

وروي عن الأثرم عن أبي أمامة قال: «نهى رسول الله ﷺ أن يحتكر الطعام». 

وروي أيضاً بإسناده عن سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ قال: «من احتكر فهو خاطيء». 

فالنهي في الحديث يفيد طلب الترك وذم المحتكر بوصفه أنه خاطىء - والخاطيء: المذنب العاصي - قرينة تدل على أن هذا الطلب للترك يفيد الجزم، ومن هنا دلت الأحاديث على حرمة الاحتكار.

والمحتكر: هو من يجمع السلع ويحبسها عن الناس انتظاراً لغلائها حتى يبيعها بأسعار عالية بحيث يضيق على أهل البلد شراؤها. ومعنى كلمة حكر في اللغة استبد، ومنه الاستبداد بحبس البضاعة كي تباع بالكثير. 

واحتكر الشيء في اللغة: جمعه واحتبسه انتظاراً لغلائه فيبيعه بالكثير. 

وعلى هذا فليس شرط الاحتكار أن يشتري المحتكر السلعة، بل إن مجرد جمعها انتظاراً للغلاء حتى تباع بالكثير يعتبر احتكاراً، سواء جمعها بالشراء أو جمعها من غلة أراضيه؛ لانفراده بهذا النوع من الغلة أو لندرة زراعتها، أو جمعها من مصانعه لانفراده بهذه الصناعة أو لندرة هذه الصناعة كما هي الحال في الاحتكارات الرأسمالية. 

فإنهم - أي الرأسماليين - يحتكرون صناعة سلعة ما بقتل جميع المصانع التي تنتجها إلا مصانعهم لكي يتحكموا في السوق. فالاحتكار إذاً هو حصر السلعة أو السلع وحبسها عن البيع من الناس انتظاراً لغلائها ثم بيعها بالكثير.

والاحتكار حرام في جميع الأشياء من غير فرق بين قوت الآدمي أو قوت الدواب وغيره، ومن غير فرق بين الطعام وغيره، ومن غير فرق بين ما هو من ضروريات الناس أو من كمالياتهم، وذلك لأن معنى احتكر في اللغة جمع الشيء مطلقاً ولم تأت بمعنى جمع الطعام أو القوت أو ضروريات الناس، فلا يصح أن تخصص بغير معناها اللغوي.

ولأن ظاهر الأحاديث التي وردت في الاحتكار يدل على تحريم الاحتكار في كل شيء، وذلك لأن الأحاديث جاءت مطلقة من غير قيد، وعامة من غير تخصيص، فتبقى على اطلاقها وعمومها. 

وأما ما ورد في بعض الروايات من تسليط الاحتكار على الطعام كحديث: "نهى رسول الله أن يحتكر الطعام"، وغير ذلك من الروايات، فإن ذكر الطعام في الحديث لا يجعل الاحتكار خاصاً به، وإنما هو من قبيل المثال للنهي عن الاحتكار، فيشمل هذا النهي كل شيء مطلقاً. 

وواقع المحتكر أنه يتحكم في السوق ويفرض على الناس ما يشاء من أسعار باحتكاره السلعة، فيضطر الناس لشرائها منه بالثمن الغالي؛ لعدم وجودها عند غيره. فالمحتكر في حقيقته يريد أن يغلي السعر على المسلمين- وهذا حرام، لما روي عن معقل بن يسار قال: قال رسول الله ﷺ: «من دخل في شيء من أسعار المسلمين؛ ليغليه عليهم كان حقاً على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة». [عظم الشيء: أكثره ومعظمه].

التسعير

جعل الله لكل شخص أن يبيع سلعته بالسعر الذي يرضاه. قال صلى الله عليه وسلم: "إنما البيع عن تراض". ولكن لما كانت الدولةُ مَظنَّة التسعير على الناس، أي: موضع التسعير للناس، فقد حرَّم الله عليها أن تضع أسعاراً معينةً للسلع تُجبر الناس على البيع والشراء بحسبها، ولذلك جاء النهي عن التسعير.

والتسعير: هو أن يأمر السلطان، أو نوابه أو كل من ولي من أمور المسلمين أمراً، أهل السوق أن لا يبيعوا السلع إلا بسعر معين يُحدَّد لهم، ثم يمنعون من الزيادة عليه حتى لا يغلوا الأسعار، أو النقصان عنه حتى لا يضاربوا غيرهم، أي: يمنعون من الزيادة أو النقص عن السعر المقرر لمصلحة الناس.

فالتسعير يقضي إذاً بأن: تتدخل الدولة في الأسعار وتضع للسلع أو لبعضها أسعاراً معينة وتمنع كل واحد من أن يبيع بأكثر من السعر الذي عينته أو بأقل منه؛ لما ترى في ذلك من مصلحة المجموع.

وقد حرم الإسلام التسعير مطلقاً؛ لما روي عن أنس قال: «غلا السعر على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فقالوا: يا رسول الله لو سعرت. فقال: إن الله هو القابض الباسط الرازق المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله عز وجل ولا يطلبني أحد بمظلمة ظلمتها إياه في دم ولا مال».

ولما روي عن أبي هريرة قال: «جاء رجل فقال: يا رسول الله، سعر، فقال: بل أدعو الله. ثم جاء آخر فقال : يا رسول الله سعر، فقال: بل الله يخفض ويرفع». وهذه الأحاديث تدل على تحريم التسعير، وأنه مظلمة من المظالم التي ترفع الشكوى بها إلى الحاكم لإزالتها، وإذا فعلها الحاكم أثم عند الله؛ لأنه فعل حراماً. وكان لكل شخص من رعيته أن يرفع الشكوى إلى محكمة المظالم على هذا الحاكم الذي سعر، سواء أكان والياً أم خليفة، يشكو لها هذه المظلمة لتحكم عليه وتقوم بإزالتها.

وتحريم التسعير عام لجميع السلع، لا فرق في ذلك بين ما كان قوتاً وما لم يكن كذلك، لأن الأحاديث تنهى عن التسعير مطلقاً، فهي عامة ولا يوجد ما يخصصه بالقوت أو بغيره، فكانت حرمة التسعير عامة تشمل تسعير كل شيء.

وواقع التسعير: أنه ضرر من أشد الأضرار على الأمة في جميع الظروف، سواء أكان ذلك في حالة الحرب أم في حالة السلم، لأنه يفتح سوقاً خفية يبيع الناس فيها بيعاً مستوراً عن الدولة بعيداً عن مراقبتها، وهي ما يسمونها السوق السوداء فترتفع الأسعار ويحوز السلعة الأغنياء دون الفقراء، ولأن تحديد الثمن يؤثر على الاستهلاك، فيؤثر على الإنتاج وربما سبب أزمة اقتصادية. وفوق ذلك فإن الناس مسلطون على أموالهم؛ لأن معنى ملكيتهم لها: أن يكون لهم سلطان عليها، والتسعير حجر عليهم -وهو لا يجوز إلا بنص شرعي، ولم يرد نص بذلك، فلا يجوز الحجر على الناس بوضع ثمن معين لسلعهم، ومنعهم من الزيادة عليه أو النقص عنه. 

أما ما يحصل من غلاء الأسعار في أيام الحروب، أو الأزمات السياسية، فإنه ناتج من عدم توفر السلع في السوق بسبب احتكارها، أو بسبب ندرتها. فإن كان عدم وجودها ناتجاً عن الاحتكار فقد حرمه الله، وإن كان ناتجاً عن ندرتها، فإن الخليفة مأمور برعاية مصالح الناس، وعليه أن يسعى لتوفيرها في السوق بجلبها من أمكنة وجودها، وبهذا يكون قد منع الغلاء. 

ففي عام المجاعة (وقد سمي عام الرمادة) التي حصلت في الحجاز لندرة الطعام، غلت أسعاره من جراء ندرتها، ولم يضع الخليفة عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) أسعاراً معينة للطعام، بل عمل على جلبه من مصر وبلاد الشام إلى الحجاز، فرخص السعر دون حاجة إلى التسعير.

نفقات بيت المال

وضعت نفقات بيت المال على ست قواعد:

1 - فإن كان مال الزكاة موجوداً- كان صرفه للأصناف الثمانية مستحقاً، وعدم وجود مال الزكاة مُسقطٌ لاستحقاقه، أي: إن لم يكن مال الزكاة موجوداً في بيت المال؛ فلا يصرف لأي واحد من الأصناف الثمانية، ولا يستدان على الزكاة حتى تتم جبايتها.

2- الإنفاق على الفقراء والمساكين وابن السبيل، والإنفاق على الجهاد. حق الإنفاق على هذه الأمور يعتبر من الحقوق اللازمة مع الوجود والعدم، أي: سواء أكان المال موجوداً في بيت المال أم لم يكن. 

فإن كان المال موجوداً؛ وجب صرفه في الحال، وإن لم يكن موجوداً وخشيت الدولة مفسدة من تأخير الصرف على الفقراء والمساكين وعلى الجهاد -اقترضت المال لصرفه- في الحال حتى تجمعه من المسلمين ثم تسدده، وإن لم تخش مفسدة يؤخر يجمع المال ثم حتى يعطى لمستحقيه.

3 - أن يكون المال مستحقاً لأشخاص أدوا خدمة؛ فاستحقوا بدل خدماتهم مالاً، وذلك كأرزاق الجند ورواتب الموظفين والقضاة والمعلمين وما شاكل ذلك. فاستحقاق الصرف لهذه الأمور من الحقوق اللازمة، وعلى الدولة أن تقترضه لصرفه في الحال حتى تجمعه من المسلمين ثم تسدده.

4- الأمور التي يعتبر إيجادها ضرورة من الضرورات، وينال الأمة ضرر من عدم وجودها، كشق الطرقات وإيصال المياه وبناء المدارس والمساجد والمستشفيات وما شاكل ذلك. فإن وجد مال في بيت المال وجب صرفه لهذه الأشياء، وإن لم يوجد انتقل وجوبه على الأمة فيجمع منه قدر الكفاية لسد النفقات اللازمة ثم يجري الصرف عليها.

5 - الأشياء الثانوية، أي: الأشياء التي لا ينال الأمة ضرر من عدم وجودها، وذلك كفتح طريق ثانية أقرب مسافة مع وجود غيرها أبعد مسافة، أو فتح مدرسة مع وجود غيرها يمكن الاكتفاء بها، أو ما شاكل ذلك. فإن وجد مال في بيت المال؛ وجب صرفه لهذه الأشياء، وإن لم يوجد سقط وجوبه عن بيت المال.

6 - الأحداث التي تطرأ على المسلمين؛ كالمجاعة أو الطوفان أو الزلزال أو هجوم عدو. يجب صرف المال على هذه الأمور في الحال، وإن كان المال غير موجود؛ فيجب أن يجمع من المسلمين في الحال، وإن خيف الضرر من تأخير الصرف إلى الانتهاء من الجمع؛ وجب على الدولة أن تقترض المال اللازم وتصرفه في الحال على وجه استحقاقه ثم تسدد هذا الدين مما تجمعه من المسلمين.

موازنة الدولة

الدول الديمقراطية تضع موازنة عامة للدولة كل سنة.

وواقع الموازنة للدولة الديمقراطية: هو أن الموازنة تصدر في قانون اسمه قانون الموازنة العامة لسنة كذا، يصدقه البرلمان ویسنه قانوناً بعد مناقشته. وهذه المناقشة تشمل فصول الموازنة فصلاً فصلاً والمبالغ التي يتضمنها كل فصل. 

ويعتبر كل فصل كلاً لا يتجزأ يجري التصويت عليه ككل، لا على كل جزء منه على حدة، فيقبل جملة أو يرفض جملة، وللبرلمان أن يناقش كل جزء من أجزائه، وكل مبلغ من المبالغ التي يشتمل عليها. 

وقانون الموازنة يكون مؤلفاً من بضع مواد. فتوضع مادة لتبين المبلغ الذي يرصد لنفقات الدولة خلال السنة المالية التي وضعت لها الموازنة. وتوضع مادة لتبين المبلغ الذي تخمن إيرادات الدولة به خلال السنة المالية التي وضعت لها الموازنة. وتوضع مواد لرصد مصروفات لبعض المؤسسات كما توضع مواد لتخمين واردات بعض المؤسسات. وتوضع مواد لإعطاء وزير المالية بعض الصلاحيات.

 وتوضع في كل مادة إشارة إلى جدول يتضمن أبواب الموازنة لما تتضمنه المادة- سواء أكانت للواردات أو المصروفات، ثم توضع في كل جدول مفرداته، أي: الفصول التي يتضمنها الباب، ثم يوضع في كل فصل المبالغ الإجمالية لمفردات الفصل جميعها. وعلى هذا الأساس توضع الموازنة كل سنة مع بعض اختلافات فرعية في بعض السنين حسب الوقائع المختلفة، أو مع بعض اختلافات فرعية بين الدول حسب الوقائع المختلفة.

أما الدولة الإسلامية؛ فلا توضع لها موازنة سنوية فلا يحتاج الأمر سنوياً إلى سن قانون بها. ولا تعرض على مجلس الشورى، ولا يؤخذ فيها رأي منه. وذلك لأن الموازنة في النظام الديمقراطي تصدر بقانون لسنة واحدة. والقانون يسُنُّه البرلمان، ولذلك يحتاج الأمر إلى عرضها على مجلس البرلمان. وهذا كله لا تحتاج إليه الدولة الإسلامية؛ لأن واردات بيت المال تحصل بحسب الأحكام الشرعية المنصوص عليها، وتصرف بحسب أحكام شرعية منصوص عليها. وهي كلها أحكام شرعية لها صفة الديمومة. فلا مجال للرأي في أبواب الواردات، ولا في أبواب النفقات مطلقاً، وإنما هي أبواب دائمة قررتها أحكام شرعية دائمة. هذا من ناحية أبواب الموازنة. 

أما من ناحية فصول الموازنة، والمبالغ التي يتضمنها كل فصل، والأمور التي تخصص لها هذه المبالغ في كل فصل؛ فإن ذلك كله موكول لرأي الخليفة واجتهاده لأنه من رعاية الشؤون التي تركها الشرع للخليفة يقرر فيها ما يراه، وأمره واجب التنفيذ.

وعلى هذا؛ لا يوجد أي مجال في الإسلام لوضع موازنة سنوية للدولة كما هي الحال في النظام الديمقراطي، لا بالنسبة لأبوابها ولا لفصولها ولا لمفردات الفصول، ولا بالنسبة للمبالغ التي تحتاجها تلك المفردات أو الفصول. 

ومن هنا لا توضع موازنة سنوية للدولة الإسلامية، وإنما لها موازنة دائمة حدد الشرع أبوابها بالنسبة للواردات والنفقات، وجعل للخليفة أمر تقرير الفصول ومفرداتها، والمبالغ اللازمة لها، حينما تدعو المصلحة دون نظر إلى مدة معينة.

الجزية

الجزية: حق أوصل الله سبحانه وتعالى المسلمين إليها من الكفار خضوعاً منهم لحكم الإسلام.

وهي مال عام يُصْرَفُ على مصالح الرعية كلها. وتستحق بحلول الحول ولا تستحق قبله، وهي ثابتة بنص القرآن الكريم، قال تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَغِرُونَ}، كما أنها ثابتة بتقرير الرسول ﷺ؛ فقد كتب رسول الله إلى مجوس هجر يدعوهم إلى الإسلام؛ فمن أسلم قبل منه، ومن لا ضُرِبَتْ عليه الجزية، ولا تؤكل له ذبيحة ولا تنكح له امرأة.

وتؤخذ الجزية من الكفار ما داموا باقين على الكفر؛ فإذا أسلموا سقطت عنهم. وتوضع الجزية على الرؤوس لا على الأموال، فتؤخذ عن كل شخص من الكفار لا على ماله، والجزية مشتقة من الجزاء، فهي تؤخذ منهم جزاء على كفرهم، ولذلك لا تسقط إلا إذا أسلموا. فلا تسقط عنهم إذا اشتركوا في القتال لأنها ليست جزاء حمايتهم. 

ولا تؤخذ إلا من القادر على دفعها لقوله تعالى: {عن يدٍ} أي عن مقدرة، فلا تؤخذ من العاجز. ولا تؤخذ إلا على الرجال، فلا تجب على امرأة ولا على صبي، ولا على مجنون، حتى لو جاءت امرأة لتعيش في دار الإسلام على أن تدفع الجزية مقابل إقامتها، فإنها تقبل في دار الإسلام ويسمح لها بالإقامة ولا تؤخذ منها جزية.

ولا يقدر مقدار مخصوص للجزية، بل هي متروكة لرأي الإمام واجتهاده- على شرط ألا تكون أكثر مما يطيق الذي تستحق عليه الجزية. عن أبي نجيح قال: قلت لمجاهد ما شأن أهل الشام عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟ قال: جعل ذلك من قبيل اليسار. وإذا استحقت الجزية على قادر وأعسر قبل دفعها؛ تبقى ديناً عليه، ويعامل معاملة المدين المعسر؛ فينظر إلى ميسرة.

الخراج

الخراج: هو حق أوصل الله المسلمين إليه من الكفار.

وهو حق يوضع على رقبة الأرض التي غنمت من الكفار حرباً أو صلحاً. 

والخراج في لغة العرب: الكراء والغلة. ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يجتمع خراج وعشر في أرض مسلم". وكل أرض أُخِذَتْ من الكفار عنوةً بعد إعلان الحرب عليهم تعتبر أرضاً خراجية. 

وإذا أسلموا بعد الفتح تبقى أرضهم خراجية. فقد روي عن الزهري قال: «قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم -فيمن أسلم من أهل البحرين أنه قد أحرز دمه وماله إلا أرضه فإنها فيء للمسلمين؛ لأنهم لم يسلموا وهم ممتنعون» أي: وهم في منعة من المسلمين.

أما قدر الخراج الذي يضرب على الأرض؛ فيعتبر بما تحتمله الأرض. لأن الخليفة عمر (رضي الله عنه) حين وضع الخراج راعى ما تحتمله الأرض- من غير حيف بمالك ولا إجحاف بزارع. فقد ضرب على بعض النواحي على كل جريب (*) من الأرض قفيزاً (*) ودرهماً، وضرب على ناحية أخرى غيرها غير هذا القدر. وعمل في نواحي الشام غير هذا، فعلم أنه راعى في كل أرض ما تحتمله. 

[* جريب: مكيال وهو أربعة أقفزة. والجريب من الأرض مبذر هذا المكيال. * قفيز: مكيال وهو يساوي خمسة وأربعين رطلاً، ومن الأرض مائة وأربع وأربعون ذراعاً]

فإذا تقرر الخراج بما احتملته الأرض؛ فعلى الإمام أن يحصله على الوجه الذي وضعه عليها، فإن وضع الخراج على مساحة الأرض سنوياً؛ حصل الخراج عند نهاية السنة الهلالية، لأنها السنة المعتبرة شرعاً، وإن جعل الخراج على مساحة الزرع حصل الخراج كل سنة عند نهاية السنة الشمسية؛ لأنها السنة التي تكون عليها الأمطار ويزرع الزرع، وإن وضعه مقاسمة- أي: قدر نسبة معينة مما تنتجه عادة؛ حصّل الخراج عند كمال الزرع وتصفيته.

وللإمام أن يقدر الخراج مراعياً أصلح الأمور في هذه الأوجه الثلاثة: إما على مساحة الأرض أو مساحة الزرع أو تقدير مقدار الناتج. وإذا حصلت تحسينات في الأرض فنتج عن هذه التحسينات زيادة في الإنتاج، أو طرأ على الأرض عوامل أنْقَصَت الإنتاج؛ يُنظر:

 -فإن كانت هذه الزيادة من فعل الزراع؛ كأن حفروا بئراً أو أوصلوا قناة ماء لا يزاد عليهم شيء.

- وإن كان النقص بفعلهم؛ كهدمهم القناة أو إهمالهم البئر لا ينقص عنهم شيء، ويؤمرون بإصلاح ما خربوه. 

- وإن كانت الزيادة أو النقص من الدولة؛ كأن حفرت لهم هي بئراً أو أهملت إصلاح الآبار والقنوات فإن لها أن تزيد الخراج في حالة زيادة الإنتاج، وعليها أن تنقصه في حالة نقصان الإنتاج.

- أما إن حصلت الزيادة والنقص بعوامل طبيعية كأن اقتلعت الزوابع الأشجار أو جرف السيل الأقنية، فإنه يوضع على الأرض قدر ما تحتمل حتى لا يظلم أهلها. 

ونسبة مقدار الخراج تقدر لمدة معلومة ولا تقدر بصورة دائمة، وتتغير هذه النسبة عند انتهاء المدة بما تحتمله الأرض عند التقدير للمدة الجديدة.

الضرائب

إن الموارد التي حددها الشرع لبيت المال كافية لإدارة شؤون الرعية ورعاية مصالحهم، ولا يحتاج الأمر إلى فرض ضرائب مباشرة أو غير مباشرة. 

ولكن الشرع مع ذلك احتاط فجعل حاجات الأمة قسمين اثنين: 

- منها حاجات فرضها على بيت المال- أي: على الموارد الدائمة لبيت المال.

- ومنها حاجات فرضها على كافة المسلمين، وجعل للدولة الحق أن تحصل المال منهم لقضاء تلك الحاجات. 

وعلى ذلك؛ فالضرائب هي مما فرضه الله على المسلمين لقضاء مصالحهم، وجعل الإمام والياً عليهم يحصل هذا المال وينفقه هو على الوجه الذي يراه. 

ويصح أن يسمى هذا المال الذي يُجمع "ضريبة" كما يصح أن يسمى "مالاً مفروضاً" وغير ذلك. وما عدا ما فرضه الله من الموارد التي نص الشرع عليها كالجزية والخراج، وما عدا ما فرضه الله على المسلمين للقيام بالإنفاق على الحاجة المفروضة عليهم كافة كالطرقات والمدارس، لا تؤخذ ضرائب. 

فلا تؤخذ رسوم للمحاكم ولا للدوائر ولا لأي مصلحة. أما ضريبة الجمارك فليست من قبيل الضرائب المأخوذة، وإنما هي معاملة للدول بمثل ما تعاملنا به، وليست ضريبة لسد كفاية بيت المال، وقد سماها الشرع مكوساً ومنع أخذها من المسلمين والذميين. 

ولا يجوز أن يؤخذ غير ما فرضه الشرع ضريبةً مطلقاً، إذ لا يجوز أن يؤخذ من مال المسلم شيء إلا بحق شرعي دلت عليه الأدلة الشرعية التفصيلية. ولم يرد أي دليل على جواز أخذ ضريبة من أحد من المسلمين سوى ما تقدم.

وتؤخذ الضريبة من المسلمين فقط؛ لأن قضاء الحاجات الذي فرضه الشرع إنما فرضه على المسلمين وحدهم. أما غير المسلمين فلا تؤخذ منهم ضريبة قط، وإنما تؤخذ منهم الجزية. 

والخراج يؤخذ من المسلم وغير المسلم على الأرض الخراجية.

كيف تؤخذ الضريبة من المسلمين ؟ إنها تؤخذ مما زاد عن نفقتهم، وعما يعتبر عن ظهر غنى شرعاً. 

وما يعتبر عن ظهر غنى: هو ما يفضل عن إشباع حاجات الفرد الأساسية وحاجاته الكمالية بالمعروف. لأن نفقة الفرد على نفسه هي سده لكفاية جميع حاجاته التي تتطلب إشباعاً بالمعروف حسب حياته التي يعيش عليها بين الناس. وهذا لا يقدر بمقدار معين عام لجميع الناس، وإنما يقدر لكل شخص بحسب مستوى معيشته. 

فإذا كان ممن يحتاج مثله إلى سيارة وخادم يقدر بما زاد عنهما، وإن كان ممن عنده زوجة وأولاد، وربما أب أو أم أو غيرهما ممن يعولهم، فيقدر بما يزيد عن تأمين حاجات هؤلاء جميعاً وهكذا... فإن كان ما يملكه يزيد عن هذه الحاجات تحصل منه ضريبة، وإن كان لا يزيد عن ذلك لا تفرض عليه أية ضريبة، لأنه لا يكون عندئذ مستغنياً فلا تجب عليه ضريبة.

ولا يراعى في فرض الضرائب منع تزايد الثروة وعدم الإثراء لأن الإسلام لا يمنع الغنى، ولا يراعي أي اعتبار اقتصادي لجمع الضرائب. وإنما تؤخذ ضريبة المال على أساس كفاية المال الموجود في بيت المال لسد جميع الحاجات المطلوبة منه، أي: بمقدار حاجات الدولة للنفقات.

ولا يراعى في أخذ الضرائب إلا حاجات الرعية ومقدرة المسلمين على دفعها. ولا تقدر بنسبة تصاعدية أو تنازلية مطلقاً، وإنما تقدر بنسبة واحدة على المسلمين بغض النظر عن مبلغ المال الذي تؤخذ منه. 

ويراعى في تقدير النسبة العدل بين المسلمين إذ لا تؤخذ إلا عن ظهر غنى. وتؤخذ على جميع المال الزائد عن الحاجة لا على الدخل فقط، لا فرق بين رأس المال أو الربح أو الدخل، بل تؤخذ عن المال كله. ولا تعتبر آلات الإنتاج اللازمة للعمل في الصناعة والزراعة، ولا الأرض ولا العقار من رأس المال.

النقود

النقود هي مقياس المنفعة التي في السلعة والجهد، ولذلك تعرف النقود: بأنها الشيء الذي تقاس به كل السلع والجهود. فالثمن للشيء والأجر للشخص مثلاً كل منهما هـو تقدير المجتمع لقيمة ذلك الشيء وجهد ذلك الشخص. 

ولا تعتبر السندات أو الأسهم أو ما شاكلهما، من النقود.

وهذا التقدير لقيم الأشياء والجهود يعبر عنه بوحدات في شتى البلدان، فتصبح هذه الوحدات هي المقياس الذي تقاس به منفعة الشيء ومنفعة الجهد، وتكون هذه الوحدات واسطة للمبادلة. وهذه الوحدات هي النقود.

والإسلام حين قرر أحكام البيع والإجارة، لم يعين لمبادلة السلع أو المبادلة الجهود والمنافع شيئاً معيناً تجري المبادلة على أساسه فرضاً. وإنما أطلق للإنسان أن يجري المبادلة بأي شيء ما دام التراضي موجوداً في هذه المبادلة. 

فيجوز أن يتزوج امرأة بتعليمها القرآن، ويجوز أن يشتري سلعة بالعمل عند صاحبها يوماً، ويجوز أن يشتغل عند شخص يوماً بمقدار معين من التمر. وهكذا أطلق المبادلة لبني الإنسان بما يريدون من الأشياء. إلا أن مبادلة السلعة قد تتم أيضاً بوحدة معينة من النقد. 

وقد أرشد الإسلام إلى هذه الوحدة النقدية، وعينها للمسلمين في جنس معين من النقد، هو الذهب والفضة. فهو لم يترك للمجتمع أن يعبر عن تقديره لمقياس المنفعة للأشياء أو الجهود بوحدات نقدية ثابتة أو متغيرة يتصرف بها كما يشاء، وإنما عين هذه الوحدات النقدية التي يعبر بها المجتمع عن تقدير القيم للأشياء وللجهود تعييناً ثابتاً بوحدات نقدية من جنس معين، ويفهم هذا التعيين من عدة أمور:

أحدها: أن الإسلام حين نهى عن كنز المال؛ خص الذهب والفضة بالنهي مع أن المال هو كل ما يتمول، فالقمح مال، والتمر مال، والنقد مال. والكنز إنما يظهر في النقد لا في السلع والجهود. 

والمراد من الآية بقوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}، إنما هو النهي عن كنز النقد؛ لأنه هو أداة التبادل، وكان هذا النهي منصباً على أداة التبادل النقدية. 

وعلى هذا؛ فإن كنز الذهب والفضة عيناً حرام، سواء أكان مضروباً أو غير مضروب. وكنز النقود الورقية النائبة حرام؛ لأنها تمثل كمية من الذهب والفضة على شكل نقود أو سبائك مودعة في مكان معين، هذا إذا كان المبلغ الذي يمثله الورق يساويه، أما إذا كان لا يساويه فإن كنزه حرام بالمبلغ الذي يساويه فقط. 

وأما النقود الورقية الإلزامية؛ فلا يعتبر كنزها حراماً، لأنها أوراق اصطلح عليها اصطلاحاً فلا يعتبر كنزها كنزاً لذهب وفضة، ونص الآية على تحريم كنز أداة التبادل وتعيين جنسها يدل على أن هذا الجنس هو النقد الذي يتخذه المسلمون أداة التبادل الشرعية. فتحريم الإسلام كنز الذهب والفضة - حين حرم كنز النقد - دليل على أن الذهب والفضة هما النقد في الإسلام.

ثانيها: ربط الإسلام الذهب والفضة بأحكام ثابتة لا تتغير. فحين فرض الدية عيّن لها مقداراً معيناً من الذهب. وحين أوجب القطع في السرقة عين المقدار الذي يقطع بسرقته من الذهب. 

وقال صلى الله عليه وسلم لمعاذ في كتابه الذي كتبه إلى أهل اليمن: «وإن في النفس المؤمنة مئة من الإبل، وعلى أهل الورق ألف دينار». وقال: «لا قطع إلا في ربع دينار فصاعداً». فهذا التحديد لأحكام معينة بالدينار والدرهم والمثقال يجعل الدينار، بوزنه من الذهب والدرهم بوزنه من الفضة، وحدة نقدية تقاس بها قيم الأشياء والجهود. وتكون هذه الوحدة النقدية هي النقد، وهي أساس النقد. 

وكون الإسلام قد ربط الأحكام الشرعية بالذهب والفضة نصاً، حين تكون هذه الأحكام متعلقة بالنقد، دليل على أن النقد إنما هو الذهب والفضة فحسب.

ثالثها: لقد عين الرسول الذهب والفضة نقداً، وجعلهما وحدهما المقياس النقدي الذي يرجع إليه مقياس السلع والجهود، وعلى أساسهما كانت تجري جميع المعاملات. وجعل المقياس لهذا النقد الأوقية، والدرهم، والدائق، والقيراط، والمثقال، والدينار. وكانت هذه كلها معروفة مشهورة في زمن النبي يتعامل بها الناس، والثابت أنه أقرها. 

وكانت تقع بالذهب والفضة -بوصفهما نقداً - جميع البيوع والأنكحة، كما ثبت في الأحاديث الصحيحة. وقد حدد الرسول ميزان الذهب والفضة- بميزان معين هو ميزان أهل المدينة. فقال في ميزان الذهب والفضة نقداً: الميزان ميزان أهل المدينة. 

ومن مراجعة الموازين النقدية في الإسلام؛ يتبين أن الأوقية الشرعية أربعون درهماً، والدرهم ست دوانق، والدينار أربعة وعشرون قيراطاً، وكل عشرة دراهم سبعة مثاقيل. وقد أقرت موازين المدينة على هذا.

رابعها: إنَّ الله سبحانه حين أوجب زكاة النقد؛ أوجبها في الذهب والفضة، وعين لها نصاباً من الذهب والفضة؛ فاعتبار زكاة النقد بالذهب والفضة يعين أن النقد هو الذهب والفضة. ولو كان النقد غيرهما لما وجبت فيه زكاة نقد؛ لأنه لم يأت نص في زكاة النقد إلا على الذهب والفضة مما يدل على أنه لا اعتبار لغيرهما من النقود.

خامسها: إن أحكام الصرف التي جاءت في معاملات النقد فقط- إنما جاءت بالذهب والفضة وحدهما. وجميع المعاملات المالية التي وردت في الإسلام إنما جاءت نصاً على الذهب والفضة.

 والصرف: هو بيع عملة بعملة؛ إما بيع عملة بنفس العملة، أو بيع عملة بعملة أخرى. وبعبارة أخرى الصرف مبادلة نقد بنقد. فتعيين الشرع للصرف -وهو معاملة نقدية بحتة ولا تتعلق إلا بالنقد - بالذهب والفضة، دليل صريح على أن النقد يجب أن يكون الذهب والفضة لا غير.

قال صلى الله عليه وسلم: «بيعوا الذهب بالفضة كيف شئتم يداً بيد»، وقال: «الذهب بالورق ربا إلا هاء وهاء».

وعلى ذلك تعتبر النقود من الأشياء التي جاء الإسلام بحكمها، وليست هي من الأشياء التي تدخل في الرأي والمشورة، ولا بما تتطلبه الحياة الاقتصادية، أو الحياة المالية، بل هي من حيث كونها وحدة نقدية، ومن حيث جنسها ثابتة بحكم شرعي. 

والناظر في الأمور الخمسة السابقة يجد أن النقد في الإسلام تعلقت به أحكام شرعية، وربطت به أحكام شرعية. فتحريم كنزه، ووجوب الزكاة فيه، وجعل أحكام الصرف له، وإقرار الرسول للتعامل به، وربط الدية والقطع في السرقة فيه، كل ذلك يجعله أمراً يتوقف الرأي فيه على نص الشرع.

فكون الشرع نص على هذا النقد بهذه الأحكام المتعلقة به وحده والمرتبطة به، أنه الذهب والفضة، دليل واضح على أن النقد يجب أن يكون من الذهب والفضة، أو أساسه الذهب والفضة. وكان لا بد من التزام ما عينته الأحكام الشرعية من نوع النقد. فيجب أن يكون النقد في الإسلام هو الذهب والفضة، ولا يجوز أن يكون غيرهما، ولا بوجه من الوجوه.

إلا أنه ليس معنى تعيين الذهب والفضة وحدهما نقداً أنه لا يجوز التبادل بغيرهما، بل معناه أنه لا يجوز للمسلمين أن يتخذوا نقداً لهم سوى الذهب والفضة. وموضوع النقد هنا ليس موضوع التبادل بل هو موضوع اتخاذ نقد. فإنه مع جواز التبادل بين الناس بكل شيء، إلا أن اتخاذ مقياس نقدي للتبادل ولغيره لا يجوز أن يكون إلا الذهب والفضة، أي: لا يجوز أن يكون النقد في الإسلام إلا ذهباً وفضة.

غير أن الرسول جعل جنس الذهب والفضة نقداً سواء أكان مضروباً أم غير مضروب. ولم يضرب نقداً معيناً على صفة معينة لا تختلف، بل كانت وحدات الذهب والفضة مجموعات من ضرب فارس والروم، صغاراً وكباراً، وقطعاً فضية غير مضروبة، ولا منقوشة، ويمنية ومغربية يتعامل بها جميعها. ولكن اعتبارها كان بالوزن لا بالعدد ولا بالنقش، أو عدم النقش، فقد تكون الذهبة بمقدار البيضة وبحجمها ويتعامل بها. 

فالتحديد كان بتعيين الذهب والفضة، وبتعيين الوزن لكل منهما. وكانت حقوق الله كالزكاة وحقوق العباد كالدين وثمن المبيع تتعلق بالدراهم والدنانير، أي بالذهب والفضة المقدرة بالوزن، وظل الحال كذلك طوال أيام النبي ﷺ، وطوال أيام الخلفاء الراشدين الأربعة، وصدر أيام بني أمية، حتى جاء عبد الملك بن مروان فرأى صرف جميع ما يتعامل به من الذهب والفضة منقوشاً وغير منقوش إلى ضرب الإسلام ونقشه، وتصييرها وزناً واحداً لا يختلف، وأعياناً يستغنى فيها عن الموازين، فجمع أكبرها وأصغرها وضربها على وزن المدينة.

وضرب عبد الملك الدراهم من الفضة والدنانير من الذهب، وكان ذلك سنة خمس وسبعين هجرية. ومنذ ذلك التاريخ وجدت دراهم إسلامية ودنانير إسلامية مضروبة، أي: منذ ذلك التاريخ صار نقد الدولة الإسلامية متميزاً على صفة واحدة لا تختلف.

وعلى هذا فنظام النقد في الإسلام من حيثُ أساسه هو الذهب والفضة بالوزن، أما حجمه وضربه وشكله ونوع نقشه فكل ذلك من الأسلوب. وعليه تكون كلمة الذهب والفضة، أينما وردت في ألفاظ الشرع وتقديراته تنطبق على أمرين اثنين: على النقد الذي يتعامل به -ولو كان نحاساً أو برنزاً أو ورقاً نقدياً إذا كان له مقابل، باعتبار ما يقابله من الذهب والفضة، وعلى معدني الذهب والفضة. فما كان من النقد ذهباً وفضة اعتبر، وما كان أوراقاً نقدية أو نحاساً أو غير ذلك مما يمكن تحويله إلى قيمته من الذهب أو الفضة اعتبر إذا كان يستند إلى الذهب والفضة.

نظام الذهب

تسير الدولة على نظام الذهب إذا كانت تستعملُ عِمْلَةً ذهبية في معاملاتها الداخلية، أو إذا كانت تستعمل في الداخل عملة ورقية قابلة للتحويل إلى ذهب، إما للاستعمال في الداخل والدفع في الخارج، أو للدفع في الخارج فقط، على أن يكون هذا التحويل بسعر ثابت، أي: أن تكون الوحدة الورقية قابلة للتحويل إلى كمية معينة من الذهب وبالعكس بسعر محدود. 

وطبيعي في هذه الحالة أن تظل العملة في البلد مرتبطة بارتباط قيمة الذهب، وإن انخفضت قيمة الذهب انخفضت قيمة العملة الورقية. وللنقد في الأساس الذهبي صفة خاصة -وهي أن الوحدة النقدية مرتبطة بالذهب بتعادل معين، أي: أنها تتألف قانوناً من وزن معين منه. واستيراده وتصديره يجريان بحرية بحيث يجوز للناس امتلاك النقد أو السبائك الذهبية أو التبر وتصديرها بحرية.

والذهب يتحول بحرية بين البلاد المختلفة؛ فلكل شخص الخيار بين شراء النقد الأجنبي وإرسال الذهب، وله أن يختار الوسيلة الأقل كُلْفَةً: وما دام سعر الذهب بالإضافة إلى تكاليف ارساله، أعلى من سعر النقود الأجنبية بالسوق، فإن إرسال النقد الأجنبي أفضل، أما إذا تجاوز سعر الصرف هذا الرقم، فالأفضل أخذُ الذهب من التداول وإرساله.

أهم فوائد نظام الذهب ما يلي:

1 - إن الأساس الذهبي يفترض حرية التداول بالذهب واستيراده وتصديره، الأمر الذي يفترض دور استقرار نقدي ومالي واقتصادي، وفي هذه الحال لا تعدو عمليات الصرف أن تكون ناشئة عن مدفوعات خارجية تُسدّد أثمان البضائع وأجور المستخدمين.

2 - إن نظام الذهب معناه ثبات سعر الصرف بين الدول، وينجم عن ثبات سعر الصرف تقدم في مجال التجارة الدولية، لأن التجار لا يخشون التوسع في التجارة الخارجية- ما دام الصرف ثابتاً ولا خوف من توسع تجارتهم.

3- في النظام الذهبي لا يمكن للبنوك المركزية وللحكومات التوسع في إصدار ورق النقد، لأنّ ورَقَ النقد قابل للتحويل إلى ذهب بسعر محدود، وما دام كذلك فإنّ السلطات المختصة تخشى، إن توسعت في الإصدار، أن يزداد الطلب على الذهب، وأن تعجز عن مواجهته، ولذلك تحتفظ بنسبة معقولة بين ما تصدره من ورق النقد واحتياطيها من الذهب.

4- تتحدد كل عملة من العملات المُستَعْمَلَةِ في العالم بمقدار معين من الذهب، ويسهل حينئذ انتقال البضائع والأموال والأشخاص من بلد إلى آخر، وتنعدم صعوبات القطع والعملة النادرة.

5 - تُحْفَظُ لكل دولة ثروتها الذهبية، ولا يتهرب ذهبها من بلد إلى آخر، ولا تحتاج إلى أي مراقبة للمحافظة على ثروتها، لأنها لا تنتقل منها إلا بسبب مشروع، لأثمان السلع أو أجور المستخدمين. هذه بعض فوائد نظام الذهب، وكلها تحتم أن يسير العالم وفقَهُ.

مشاكل نظام الذهب

حين كان نظام الذهب عالمياً كانت مشاكله صغيرة محدودة أو معدومةً، وقد طرأت المشاكِلُ بَعْدَمَا أَخَذَتِ الدول الكبرى تحاول ضرب أعدائها عن طريق النقد، حينَ جَعَلَتِ النقد الورقي الإلزامي مع نظام الذهب، وحين أوجَدَتِ الدول الاستعمارية الغربية صندوق النقد الدولي. ولذلك نشأت أمام الدولة التي تستعمل نظام الذهب مشاكل لا بد من معرفتها لمعرفة حلها والتغلب عليها. وهي:

1 - تركز الذهب في الدول التي زادت قوتها على الانتاج ومقدرتها على المنافسة في التجارة الدولية، أو غناها بالخبراء والصناعيين، ممّا جَعَلَ الذَّهَبَ يتسرب إليها ثمناً للسلع أو أجوراً للمستخدمين من الخبراء والعـلـمـــاء والصناعيين، حتى تكدست أكبر كمية من ذهب العالم في خزائن تلك الدول، فاختل حينئذ توزيع الذهب بين الدول ونتج عنه خَشْيَةُ الدول من تسرب الكمية التي لديها من الذهب، فمنعت خروجه منها، وأدى ذلك أو ربما أدى إلى وقف حركة تجارتها الخارجية.

2 - إن بعض الدول يتسرب اليها الذهب نتيجة ميل الميزان الحسابي لمصلحتها، ولكنها تمنع هذا الذهب الذي دخل إليها من التأثير على السوق الداخلية، ومن رفع مستوى الأسعار فيها، وذلك بأن تضع في السوق كمية من السندات تكفي لسحب مبلغ من النقود معادل مقدار ما ورد إليها من الذهب، فيبقى الذهب عندها ولا يخرج منها ولا يرجع للبلاد التي أصدرته؛ فتتضرر من نظام الذهب.

۳ - إن انتشار نظام الذهب كان مقروناً بفكرة التخصيص بين الدول في نواحي الإنتاج وعدم إقامة العراقيل في سبيل التجارة بينها. وقد ظهرت في الدول اتجاهات قوية لحماية إنتاجها الصناعي والزراعي، وفرضت حواجز جمركية بحيث يتعسر إدخال سلع إليها تباع بالذهب، ولذلك تتضرر الدولة التي تسير على نظام الذهب، لأنها إن لم تتمكن من إدخال بضائعها لغيرها بالسعر العادي، فإنها إما أن تضطر إلى تخفيض أسعار بضاعتها تخفيضاً إضافياً للتغلب على الحواجز الجمركية، أو أن تمتنع من إدخال بضاعتها إليها، وفي ذلك خسارة لها.

هذه هي أهم المشاكل التي يتعرض لها نظام الذهب إذا استعملته دولة واحدة أو دول متعددة. وطريق التغلب عليها أن تكون السياسة التجارية للدولة قائمة على الاكتفاء الذاتي، وأن تكون أجور الأجَرَاءِ مُقدّرةً بمنفعة جهودهم لا بثمن السلع التي ينتجونها، ولا بحسب مستوى معيشتهم، وأن لا تُعتبر السندات المالية ولا الأسهم مالاً مملوكاً للأفراد في بلادها، وأن تقلل الدولة من الاعتماد على التصدير في إنتاج ثروتها، وأن تعمل لجعل إنتاج الثروة داخلياً دون حاجة إلى سلع أو مستخدمين وعندئذ لا يبقى تأثير عليها للحواجز الجمركية، ومتى سارت الدولة على هذه السياسة سارت على نظام الذهب، واكتسبت جميع فوائده وتجنبت مشاكله فلا يُصيبها منه أي ضرر بلْ يُصْبِحُ من مصلحتها ومن المحتم عليها اتباع نظام الذهب والفضة لا غير.

نظام الفضة أو الأساس الفضي

يُقْصَدُ به: أن الفضة أساس الوحدة النقدية؛ لأن هذا المعدن يتمتع بحرية الضرب، وبقوة إبراثية غير محدودة، وقد كان معروفاً منذ القديم، فكان في الدولة الإسلامية سائراً مع نظام الذهب. وكان وحده في بعض الدول نظام النقد الأساسي. 

وظل نظام الفضة معمولاً به في الهند الصينية حتى ۱۹۳۰، ثم استبدلت في تلك السنة القرش الذهبي بالقرش الفضي. ونظام الفضة كنظام الذهب في كل تفاصيله. ولذلك كان من السهل الجمع بين النظامين: الذهبي والفضي. ومنذ هجرة الرسول كانت الدولة الإسلامية قائمة على سياسة الذهب والفضة معاً، ويجب أن تظل هذه السياسة النقدية قائمة على الأساسين الذهبي والفضي، سواء كان التداول بهما عيناً، أو بنقد ورقي مغطى بالذهب والفضة، أو كان هنالك نقد ورقي متداول مقابله ذهب وفضة.

النقود المعدنية

يُرْجِعُ الاقتصاديون أنواع النقود المعدنية المختلفة إلى نوعين رئيسيين، هما: نظام المعدن الفردي ونظام المعدنين. فالأول ما تكون النقود الرئيسية فيه مقصورة على مسكوكات معدن واحد. والثاني: ما تكون المسكوكات الذهبية والفضية نقوداً رئيسية.

ونظام المعدنين ينطوي على ثلاث صفات:

الأولى - أن تكون للمسكوكات الذهبية قوة إبراء غير محدودة.

الثانية - أن تتوفر حرية الضرب لسبائك المعدنين.

الثالثة - أن تكون هناك نسبة قانونية بين قيمتي المسكوكات الذهبية والفضية.

ونظام المعدنين يمتاز بجعل كمية النقود التي يجري بها التداول عظيمةً، إِذْ تُستَعْمَلُ مسكوكات المعدنين نقوداً رئيسيةً، وعندئذ تحتفظ الأثمان بمستوى مرتفع. وهو أمر يشجع على زيادة الإنتاج ويجعل قيمة النقود أكثر ثباتاً. 

ثم تكون الأثمان أقل عرضةً للتغيرات الشديدة التي تؤدي إلى اضطراب الحالة الاقتصادية، وبذلك يظهر أن استعمال معدنين من النقود المعدنية خير من استعمال معدن واحد...

أما إذا كان نظام النقد لا يستند إلى الذهب والفضة كالنقود الورقية الإلزامية فلا يُعتبر، لأن عملة الأوراق النقدية الإلزامية ليس لها قيمة سلعية في ذاتها، وهي غير قابلة للصرف من البنوك المركزية بالذهب أو الفضة، وقيمتها تستند إلى قوة الإبراء العام التي يضفيها عليها القانون، الذي فرضها عملة للتداول، فلو ألغي التعامل بها، أو فقدت ثقة الناس أصبحت عديمة الفائدة.

وقد كانت العملة المتداولة قبل الإسلام هي الذهب والفضة، وجاء الإسلام فأقر التعامل بدنانير الذهب التي كانت تسكها الدولة الرومانية، وبدراهم الفضة التي كانت تسكها الدولة الفارسية، وأقرّ اعتبارهما نقداً، وربط بهما أحكاماً شرعية معينة ثابتة لا تتغير، فحرّم كنزهما، وفرض فيهما الزكاة وعين لها نصاباً محدداً منهما، وقدر الديات وحد القطع في السرقة بهما، وربط أحكام الربا والصرف بهما. وقد كانا هما العملة المستعملة طيلة العصور الإسلامية حتى القضاء على دولة الخلافة في الحرب العالمية الأولى.

كما أن العالم درج على اتخاذهما عملة ونقداً إلى ما قبيل الحرب العالمية الأولى حين أوقف التعامل بهما، ثم رجع إلى استعمالهما بعد الحرب العالمية الأولى جزئياً، ثم أخذ يقلص التعامل بهما حتى جاءت سنة ۱۹۷۱ فألغى الرئيس الأمريكي نيكسون في ۱۹۷۱/۷/۱۵ رسمياً التعامل بهما إلغاء كلياً؛ حين ألغى العلاقة التي كانت قائمة بين الدولار وأونصة الذهب بسعر كانت تضمنه أمريكا إبتداء، وهو ٣٥ دولاراً للأونصة، فتخلى نيكسون عن ضمان هذا السعر، ومنذ ذلك الحين أخذت الأزمات النقدية تتفاقم في العالم، وأخذت أمريكا تتحكم بالنقد العالمي، وبالتجارة الدولية، حين صار نقدها هو وحده الأساس لتقدير أثمان جميع النقود في العالم، والأساس لتقدير أثمان السلع والخدمات في العالم كافة. 

ولما اضطرب الاقتصاد الامريكي من جراء العجز في الميزانية الأمريكية، والعجز في ميزان المدفوعات الأمريكي تضعضع الدولار وانحدر انحداراً حاداً، مما أدى إلى زيادة التفاقم في أزمة النقد في العالم. وقد كانت خسارة الدولار في السنوات الثلاث الأخيرة بالنسبة إلى عملات الدول الصناعية الكبرى تقارب ٥٠٪ من قيمته، أي: أن قيمة عملات تلك الدول الصناعية الكبرى قد زادت بالنسبه الى الدولار بما يقارب مئة بالمئة.

وفيما يلي جدول مبني على إحصائيات صندوق النقد الدولي يبين مقدار الخسارة التي لحقت بالعملات الأجنبية ومنها الدينار الأردني والليرة اللبنانية والليرة السورية في السنوات الثلاث الأخيرة بالنسبة الى الذهب وإلى عملات الدول الصناعية الكبرى.

۱ - الخسارة بالنسبة إلى الذهب ابتداء من سنة ١٩٨٥ حتى نهاية ۱۹۸۷

العملة - نسبة الخسارة من القيمة

الدولار = ٣٤

الدينار الأردني = ٢٤

الليرة اللبنانية = ۹۹

الليرة السورية ۸٢

وقد زادت قيمة الدينار الاردني بالنسبة للدولار في المدة نفسها ١٦ % بسبب انخفاض الدولار الحاد.

ومن هذا الجدول يتبين مقدار فساد النقد الورقي الإلزامي، ومدى ما يحدثه من اضطراب في أسواق النقد في العالم، وما يلحقه من خسائر فادحة بالدول والأفراد.

وحتى تتدارك الهزات الفظيعة، والخسائر الفادحة، لا بد من العودة إلى نظام الذهب والفضة وربط العملات الورقية بهما. فإن بقي نظام النقد الورقي الالزامي هو المتحكم؛ فستستمر الهزات النقدية تتوالى، وسيزداد التضخم النقدي، وستكثر الخسائر، وسيبقى الاقتصاد العالمي مزعزعاً، والتجارة الدولية الخارجية غير مستقرة، وستبقى امريكا متحكمة بنقد العالم وتجارته واقتصاده، تسير كل ذلك حسب مصلحتها، ولو ضربت مصالح العالم أجمع.

ودرءاً لمزيد من الخسائر يجب على الحكومات أن تعتمد نظام الذهب والفضة، وأن تربط نقدها بهما، فإن لم تفعل؛ فما على الأفراد الذين هم رعايا تلك الدول إلا الهروب إلى الذهب والفضة واستبدال الذهب والفضة بمدخراتهم وما يفيض عن حاجتهم، وبذلك يستطيعون تجنيب انفسهم المزيد من الخسائر.

وهكذا نكون قد أوضحنا وبيَّنا النظام الاقتصادي الذي يبين كيفية جباية الأموال من الرعية وكيفية توزيعها، ولم نتعرض لعلم الاقتصاد الذي يبحث في تحسين الانتاج وتكثيره. وبقي علينا أن نعرض للسياسة الاقتصادية في الإسلام.

الفهرس

  • نظام الحكم السياسي.

  • الشريعة الاسلامية.

  • نظام الحكم في الاسلام.

  • الخلافة.

  • الخليفة.

  • الهيئة التنفيذية.

  • الجيش.

  • الجهاز الاداري.

  • مجلس الشورى.

  • القضاء.

  • المحتسب.

  • محكمة المظالم.

  • البينات.

  • العقوبات.

  • الحدود.

  • حد الزنا.

  • حد اللواط.

  • حد القذف.

  • حد شارب الخمر.

  • حد السرقة.

  • حد قطاع الطرق.

  • حد أهل البغي.

  • حد المرتد.

  • الجنايات

  • حد القتل

  • التعزيز.

  • المخالفات

  • الاسلام يساوي بين جميع المواطنين.

  • السياسة الحربية في الإسلام.

  • التجسس.

  • الهدنة.

  • المعاهدات.

  • النظام الاقتصادي في الإسلام.

  • المال.

  • أسباب تملك المال.

  • العمل.

  • إحياء الموات.

  • استخراج ما في باطن الأرض.

  • الصيد.

  • السمسرة.

  • الاجارة.

  • الأجير.

  • تنمية الملكية عن طريق البيع.

  • الاستصناع.

  • الشركة في الاسلام.

  • شركة العنان.

  • شركة الأبدان.

  • شركة المضاربة.

  • شركة الوجوه.

  • شركة المفاوضة.

  • الطرق التي تمنع تنمية الملك.

  • القمار.

  • الربا.

  • الغبن.

  • التدليس.

  • الاحتكار.

  • التسعير.

  • حق التصرف بالانفاق.

  • الملكية.

  • ملكية الدولة.

  • التأميم ليس من الملكية.

  • الحمى في المنافع العامة.

  • بيت المال.

  • ميزانية الدولة.

  • الزكاة.

  • الجزية.

  • الخراج.

  • الضرائب.

  • توزيع الثروة بين الناس.

  • التوازن الاقتصادي في المجتمع.

  • منع كنز الذهب والفصة.

  • الربا والصرف.

  • النقود.

  • نظام الذهب.

  • نظام الفضة.

  • النقود المعدنية.

  • سياسة الاقتصاد.

  • الاقطاع وكيفية معالجته.

  • الأرض.

  • الصناعة.

  • التجارة.

  • الجهد الإنساني.

  • النظام الاسلامي يضمن الحاجات الأساسية.

  • النظام الاجتماعي.

  • الزواج.

  • الحياة الزوجية

  • الحياة الخاصة.

  • النظر إلى المرأة

  • المرأة المسلمة والحجاب

  • الاسلام وإباحة تعدد الزوجات.

  • المرأة والعمل

  • سياسة التعليم






ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق