أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 31 مايو 2026

أحلامي لا تعرف حدوداً -أرنستوتشي جيفارا A.H.Rose- K.V.Volv بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أحلامي لا تعرف حدوداً -أرنستوتشي جيفارا

A.H.Rose- K.V.Volv

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: ثمة لحظات نجد فيها ضرورة لنتعمَّق أبعد من المرئي والبديهي. فإذا كنت تريد معرفة نفسك، عليك أن تدرك العلاقة الخفية بين الأشياء، وأن تبحث عن القوى التي تقف وراء هذا العالم وتحركه، حتى لا تترك لها مجالاً للسكينة. وأول خطوة تخطوها في هذا المجال هي الاستعداد لفهم الآخرين ومعرفتهم، وعدم الاستسلام لما يبدو وكأنه قدر عليك إلى الأبد. عندها فقط، يمكنك أن تترك أثراً على هذه الأرض.

والحديث عن ثورة الشيوعيين في (كوبا) لا يعني بالمطلق الإعجاب بالفكر الماركسي اللينيني، فمن السذاجة الفكرية الربط بين المقاومة كعمل وبين التمذهب بمذاهب المقاومين. جيفارا الذي انطلق صوته الثائر من قلب (كوبا)، ليصدع في غابات (بوليفيا)، مُعلناً أن الثورة لا تُحدّ بحدود، وأن الرصاصة التي تُطلق ضد الظلم في أي مكان من العالم هي رصاصته. 

لم يكن جيفارا يقاتل من أجل أيديولوجيا جامدة أو نظريات ميتة في الكتب، بل كان يكتب بالدم والبارود بيان الحرية الأممية. لقد تحول بجسده النحيل وصوته الهادر إلى إعصار يضرب عروش الإمبريالية، مُثبتاً أن المقاومة هي العقيدة الأسمى للأحرار، وأن الهوية الحقيقية للإنسان تُصاغ في خنادق المواجهة لا في صالونات السياسة. إن انحيازه للمسحوقين لم يكن ترفاً فكرياً، بل كان إيماناً حارقاً بأن العبيد لا يملكون ما يخسرونه سوى أغلالهم، وأن شمس الحرية لا تشرق إلا من فوهات البنادق الثائرة. 

وهذا الكتاب هو عبارة عن مذكرات ورسائل ويوميات عن جيفارا، طُبعت في بعض دور النشر العربية. استعرض المؤلفان فيها الأفكار الثورية لجيفارا، ورسائله المؤثرة إلى زوجته وأولاده وإلى فيدل كاسترو (رسالة الوداع الشهيرة)، ويشرح فيها رؤيته للإنسان الجديد الذي يجب أن يتخلص من الأنانية الرأسمالية، ويعيش من أجل المجموع. إنها تلخيص لشغفه الذي لم تحده حدود جغرافية؛ حيث كان يرى العالم كله جبهة واحدة ضد الظلم.

وتتجلى رؤية جيفارا لـ "الإنسان الجديد" في كونه كائناً لا تحركه الحوافز المادية، بل الأخلاقية والواجب الاجتماعي. كان يؤمن بأن الثورة الحقيقية ليست مجرد تغيير في النظام السياسي أو الهيكل الاقتصادي، بل هي إعادة صياغة جذرية للنفس البشرية، تتسامى فيها مصلحة المجموع فوق الأنانية الفردية، وهو ما جعل أطروحاته تتجاوز القوالب الجامدة للماركسية التقليدية إلى أبعاد فلسفية واجتماعية أكثر عمقاً ورومانسية.

ويحكي هذا الكتاب الحواري سيرة البطل الشعبي أرنستوتشي جيفارا، من طفولته مروراً بشبابه، ومشاركته ضد رئيس الأرجنتين- الذي كان ينفذ سياسات الولايات المتحدة الاستبدادية،  بالإضافة إلى العلاقة الحميمة التي توطدت بسرعة بين راؤول كاسترو وإرنستو. فكلاهما كان في المكسيك بعيداً عن وطنه، وكلاهما كان يعيش مرارة الهزيمة. والاثنان كانا ينضحان حقداً على طغاة أميركا اللاتينية. وكلاهما كان طموحاً لتنظيف القارة من استغلال الاحتكارات الأميركية الوحشي. كانا يلتقيان مرّة في الأسبوع، وبشكل منظّم.

الأمر الذي يؤكد أن الثورات الكبرى تحتاج إلى "تلاقٍ روحي وفكري" بين قادتها. راؤول كاسترو (الذي كان راديكالياً وشيوعياً صريحاً قبل أخيه فيدل) وجد في جيفارا الرفيق المثالي. "مرارة الهزيمة" المشتركة والنقمة على التبعية لأمريكا شكلتا الرابط الصلب الذي صهر القادة في بوتقة واحدة، وتحول "الحقد المشترك على الطغيان" إلى طاقة حركية منظمة تلتقي أسبوعياً للتخطيط.

وقد ألهمت الثورة الكوبية حركات التحرر العربية (مثل الثورة الجزائرية، المقاومة الفلسطينية، والحركات اليسارية في مصر واليمن وظفار). ومن لطيف ما يُذكر أن القائد (جيفارا) زار قطاع غزة عام 1959 لدعم القضية الفلسطينية، وزار مصر والتقى بجمال عبد الناصر.

وقد حظيت الثورة الكوبية باهتمام هائل، ومن أبرز ما كُتب أو تُرجم فيها: جيفارا: مذكرات حرب العصابات (مترجم للعربية في دور نشر متعددة)، وتشي جيفارا: الإنسان والثورة - لـ مصطفى الحسيني. بالإضافة إلى كتابات أحمد بهاء الدين ومحمد عودة التي أرّخت للثورة الكوبية واللقاءات العربية مع جيفارا وكاسترو.

ومن هنا، تبرز المفارقة الجوهرية بين النموذج الجيفاري والنموذج الثوري العربي؛ فبينما استند جيفارا إلى فلسفة مادية أرضية ترى الصراع من منظور طبقي بحت، نجد أن الوجدان العربي والإسلامي أنتج حركات تحررية قادها ثوار انطلقوا من أبعاد عقدية وقيمية متجذرة في الهوية والشريعة، مما جعل ثوراتهم ترتكز على التوازن بين التحرير المادي والسمو الروحي. 

والحديث عن الثورة الكوبية ورجالاتها لا يعني أن الأمة العربية لا يوجد بها هذا النوع من الثوار الذين تفانوا في الدفاع عن أوطانهم، وحملوا شعار الحرية، وقاوموا الاحتلال والاستعمار، بل في تاريخنا المجيد شخصيات هي أعزُّ علينا من جيفارا، مثل:

الأمير عبد القادر الجزائري: والذي قاد المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي لـ 15 عاماً. وقد تفوق على جيفارا في تأسيسه لـ "قوانين إنسانية للحرب" ومعاملة الأسرى، وحمايته للمسيحيين في الشام لاحقاً، فجمع بين عبقرية العسكري وزهد العارف وبصيرة السياسي الإسلامي.

الشيخ عمر المختار (أسد الصحراء): قاد الجهاد ضد الاحتلال الإيطالي في ليبيا لعشرين عاماً وهو في سن متقدمة. تميز بنقاء منطلقاته النابعة من القرآن الكريم، ورفضه القاطع لقتل الأسرى أو التمثيل بهم، قائلاً جملته الشهيرة: "نحن لا نقتل الأسرى.. هم ليسوا معلمينا، معلمنا هو الإسلام".

الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي: قائد ثورة الريف في المغرب ضد الاحتلالين الإسباني والفرنسي. والذي ابتكر تكتيكات "حرب العصابات الحديثة" التي اعترف "هو تشي مينه" وماو تسي تونغ (وقيل جيفارا نفسه) بأنهم تعلموا منها. تفوق بنجاحه في تأسيس كيان منظم (جمهورية الريف) جمع القبائل المتناحرة تحت راية الشريعة والعدل.

كذلك عز الدين القسام: السوري الذي قاد بواكر الثورة المسلحة المنظمة ضد الانتداب البريطاني والهجرة الصهيونية في فلسطين. كان يربط العمل العسكري بالوعي التربوي والديني، ونال الشهادة مقبلاً غير مدبر.

إرنستو تشي جيفارا

إرنستو جيفارا (Ernesto Guevara)، المعروف بـ "تشي جيفارا"، الثوري الكوبي، والطبيب والكاتب، والزعيم السياسي، والقائد العسكري، وزعيم حرب العصابات، وأحد رموز النضال الشعبي في العالم، ولد في الأرجنتين عام 1928 لعائلة برجوازية (متوسطة ميسورة الحال) ذات ميول يسارية. درس الطب وتخرج طبيباً، لكنه اختار ألا يمارس المهنة بشكل تقليدي، بل كرّس حياته للثورة المسلحة ضد ما كان يراه "إمبريالية واستغلالاً للشعوب"

رحلة الدراجة النارية

 لقد دراجته النارية نقطة التحول الكبرى في حياته، فكانت رحلته الشهيرة عبر أمريكا اللاتينية على دراجة نارية برفقة صديقه (ألبيرتو غرانادو). خلال هذه الرحلة، شاهد جيفارا بعينيه الفقر المدقع، والظلم الواقع على عمال المناجم والفلاحين، وهوان المرضى (خاصة بمرض الجُذام).

فاستنتج جيفارا أن العلاج الطبي لا ينفع مع مجتمعات مريضة بالظلم السياسي. فسافر إلى غواتيمالا وشهد الإطاحة بحكومة "جاكوبو أربينز" اليسارية المنتخبة ديمقراطياً عبر انقلاب عسكري دعمته المخابرات الأمريكية (CIA) لصالح شركات الفواكه الأمريكية. وكانت هذه الحادثة أقنعته نهائياً بـ "عدم جدوى التغيير السلمي الديمقراطي" وضرورة الكفاح المسلح.

ثم تعمق جيفارا في قراءة أدبيات (كارل ماركس) و (فلاديمير لينين)، وتحول من مجرد متمرد غاضب إلى أيديولوجي ماركسي ملتزم. التقى بـ "راؤول كاسترو" في المكسيك، والذي عرّفه بدوره على شقيقه "فيدل كاسترو"، لينضم جيفارا رسمياً إلى "حركة 26 يوليو" الكوبية كطبيب أولاً، ثم كقائد عسكري ثانياً.

تميزت شخصية (جيفارا) بالنزاهة الشديدة؛ حيث رفض المناصب والامتيازات المادية بعد نجاح الثورة وعاش حياة قاسية. كذلك الصبر والقدرة على التحمُّل، حيث: واجه مرض الربو المزمن الحاد طوال حياته ولم يمنعه ذلك من القتال في الجبال مع الثوار. بالإضافة إلى كونه عسكرياً بارعاً ومنظراً ممتازاً لـ "حرب العصابات".

لكنه انتهج نهجاً في غاية القسوة والدموية؛ فقد كان يؤمن بالعنف الثوري الصارم، وأشرف بنفسه على محاكمات وإعدامات لمعارضي الثورة في سجن "لا كابانا"، بالإضافة إلى الراديكالية الحادة في السياسية وإصراره على تصدير الثورة حتى في بيئات غير مهيأة (مثل بوليفيا) مما أدى لفشله ومقتله. وأخيراً يؤخذ عليه إهماله الأبعاد الإنسانية أحياناً؛ حيث يُقدّم الأيديولوجيا الجافة على الحسابات الواقعية وحياة الأفراد.

الثورة الكوبية 

انطلقت الثورة فعلياً في العام (1956) عندما أبحرت سفينة "غرانما" من المكسيك إلى كوبا، وعلى متنها 82 ثائراً (منهم كاسترو وجيفارا) للإطاحة بنظام الديكتاتور "فولغينسيو باتيستا" المدعوم من أمريكا. فتعرضت المجموعة لكمين فور وصولها، ولم ينجُ منهم سوى نحو 12 إلى 20 شخصاً فروا إلى جبال "سييرا مايسترا".

وفي الفترة ما بين عامي  (1957-1958) بدأ الثوار حرب عصابات من الجبال، واكتسبوا حاضنة شعبية هائلة من الفلاحين بسبب عدالة مطالبهم وتوزيعهم للأراضي.

وقاد جيفارا معركة "سانتا كلارا" الحاسمة، حيث استولى على قطار عسكري محمل بالذخيرة، مما أدى لانهيار معنويات جيش النظام، وفرار الديكتاتور باتيستا ودخول الثوار العاصمة هافانا ظافرين، وذلك في حدود (يناير 1959).

ولم تكن معركة "سانتا كلارا" مجرد انتصار عسكري عابر، بل كانت تجسيداً عبقرياً لتكتيكات حرب العصابات التي صاغها جيفارا؛ حيث نجح ببضع عشرات من المقاتلين في محاصرة مدينة استراتيجية وقطع شريان الإمداد الرئيسي لجيش الديكتاتور باتيستا. هذا الحسم العسكري لم يسقط هافانا فحسب، بل رسّخ اسم "تشي" كواحد من أبرز المنظرين العسكريين في القرن العشرين .

وكان الرفاق الأساسيون (لتشي جيفارا)، هما: (فيدل كاسترو) القائد العام، و(راؤول كاسترو)، و(كاميلو سيينفيغوس) (أحد أشهر قادة الثورة الكوبية).وكانت الثورة والتخطيط متداخلاً بين عدة بلدان بين المكسيك (مكان التجهيز والالتقاء) وكوبا (أرض الثورة). لاحقاً حاول جيفارا تطبيق النموذج في الكونغو (أفريقيا) وفي بوليفيا (أمريكا الجنوبية).

وكانت نتيجة هذه الثورة: تأسيس أول دولة اشتراكية في نصف الكرة الغربي، وطرد النفوذ الأمريكي من كوبا، وفي المقابل تم فرض حصار أمريكي خانق على كوبا استمر لعقود، وتحول كوبا إلى منارة لحركات التحرر في العالم الثالث. 

نهاية جيفارا

بعد خلافات غير معلنة حول إدارة الدولة وميل كاسترو نحو السوفييت، غادر جيفارا كوبا سراً متنازلاً عن جنسيتها ومناصبه. ذهب للقتال في الكونغو وفشل، ثم توجه إلى بوليفيا لإشعال ثورة في أمريكا الجنوبية. هناك، عانى من ملاحقة الجيش البوليفي المدعوم بوحدات خاصة من الاستخبارات الأمريكية (CIA). 

ونظراً لعدم تعاون الفلاحين المحليين معه بسبب الخوف والدعاية المضادة، تم حصاره وإصابته واعتقاله في قرية "لا هيغويرا". وفي 9 أكتوبر 1967، ثم صدرت الأوامر بإعدامه ميدانياً دون محاكمة، وتم قطع يديه لإثبات هويته ودفنه في مكان سري (إلى أن أُعيد جثمانه إلى كوبا عام 1997). 

_________________________________________________

ومضات من الكتاب

تحدث الكتاب عن "المرحلة الرومانسية الاستكشافية" في حياة جيفارا. المسدس المخبوء في الحذاء والخيمة يعكسان روح المغامرة والاعتماد على الذات في بيئة قاسية. هذه الرحلة البدائية جردته من رفاهية الطبقة البرجوازية التي ولد فيها، وجعلته يلتصق بالأرض والطبيعة، وهي الخلفية النفسية التي أهّلته لاحقاً لتحمل حياة الأدغال وجبال "سييرا مايسترا" الوعرة طوال سنوات الثورة.

إن هذه "المرحلة الرومانسية" لم تكن مجرد نزهة لشباب برجوازي يبحث عن الإثارة، بل كانت عملية "تعرية اختيارية" من امتيازات الطبقة. فالألم الذي عاينه جيفارا في أجساد مرضى الجُذام وعيون الفلاحين المنسيين، شكّل لديه صدمة وجودية حوّلت مبضع الطبيب في يده إلى بندقية ثائر، بعدما أدرك أن أوبئة المجتمع السياسية لا تُعالج في غرف العمليات المعقمة.

(بدأت رحلة إرنستو جيفارا حينما انطلق هو وصديقه ألبرتو للترحال في دول أميركا اللاتينية، وخبأ كل منهما مسدساً في حذائه للدفاع عن نفسه من خطر الحيوانات المفترسة. انطلقا على دراجة نارية، حاملين معهما خيمة يأويان إليها في حال عدم عثورهما على مكان للنوم).

(وفي أثناء الرحلة برزت لدي (جيفارا) عدّة أسئلة يحيطها الغموض. حينما رأى بعينيه ذلك الفقر المدقع، وتلك المظاهر للظلم الفاحش. تنظر أحياناً، فترى الثروات الضخمة، والأموال الكثيرة. لكن، ما هو نصيب العامل أو الفلاح من ذلك؟ وكأنه حُكم على سكان تلك القرى بالنسيان الدائم. ترى الأمية، والظلم، والحرمان من أية مساعدات طبية، فهذه أمور لا أنساها ببساطة).

وهنا نرى لحظة "اليقظة الفكرية والضميرية". والصدمة الناتجة عن المفارقة الصارخة (ثروات هائلة مقابل فقر مدقع وأمية ونسيان) هي التي حوّلت جيفارا من "سائح مستكشف" إلى "ثائر أيديولوجي". إنها تؤكد المعنى الإنساني المشترك: أن رؤية الظلم الصراح تولد حتماً رغبة عارمة في التغيير، وتثبت أن جيفارا انطلق من معايشة حقيقية لمعاناة المقهورين ولم يكن مجرد مُنظّر يقرأ الكتب في الغرف المغلقة 

يُجيب جيفارا عن هذا التساؤل -بقوله: (عندما يتعرف الفقير على معاملة الأغنياء والجشعين له، تولد في داخله عدوانية يصعب إخفاؤها، عدوانية تجاه أولئك الذين لا يردعون أنفسهم عن نهش الآخرين. عندها، لا يعرف أباً أو أمّاً، أخاً، أو أختاً ... ففي الصراع من أجل الوجود لا يوجد إلاّ عامل واحد فقط هو العامل السلبي. أو بكلمات أخرى، هناك موضوع عدواني نقيض لمجتمع الأصحاء. هناك مرض فيه شيء مهين للأصحاء؛ لأن على أصحاب تلك الأمراض أن يطعموا سیدهم).

ويمثل هذا النص التطبيق العملي للفلسفة الماركسية حول "الصراع الطبقي"، لكن بصياغة نفسية. جيفارا يحلل "العنف الثوري" هنا ليس كخطيئة، بل كـ "رد فعل حتمي" ومرض اجتماعي أنتجه جشع الأغنياء 

وتضعنا هذه الرؤية أمام الجانب الأكثر جدلية في شخصية جيفارا؛ وهي شرعنة العنف الصارم كأداة وحيدة للتغيير. ففي حين يرى المدافعون عنه أن هذا العنف كان جراحة ضرورية لاستئصال ورم الظلم، يرى نقاده أن هذه الراديكالية الحادة والاندفاع الأيديولوجي الأعمى قاداه إلى إهمال قيم التسامح وحقوق الأفراد، مما حوّل الثورة في بعض محطاتها إلى آلة إقصائية دموية. 

وفي موطن آخر يُعبّر جيفارا عن أمله في تحقيق الحرية، وإلا فسوف يبقى البشر معذبون، يقول: (أريد أن أمارس مهنة الطب أيضاً. لكنني أرى ضرورة للتغيير. التغيير الحقيقي الذي يكفل القضاء على مآسي البشر، وعلى أسباب المرض، وهذا لا يستطيع تحقيقه العلاج الطبي… أعتقد أن ثروات هذه البلاد من المعادن، ومن الأراضي الخصبة، يجب أن تخدم جميع الناس، لا أن تخدم بعض العائلات الغنية فقط، أو الشركات الأميركية. فهؤلاء يشكِّلون ورماً سرطانياً، لا يمكن القضاء عليه إلاّ باستتصاله النهائي).



كان إرنستو يشعر بانتعاش في كل مرّة كان يتحدث بها راؤول عن السمة الأممية للثورة: (تحرير أميركا اللاتينية بكاملها … تقديم مثال ... عدم تكرار الأخطاء التي وقعوا بها في غواتيمالا وبوليڤيا والمكسيك ... على الثورة أن تحمي نفسها ... ).

يقول الشيوعي خوسيه مارتي ما معناه: (إن جوهر المسألة لا يكمن في: كم من السلاح تملك في يدك، وإنما كم نجمة في السماء تريد أن تصطاد! وهكذا أرى المسألة. أما النقاشات البيزنطية، والمهازل، فقد ولّى زمانها، وحان وقت العمل.. نحن لا نناضل بدلاً عن الشعب، إنما مع الشعب. وفي ذلك بالضبط تمكن قوتنا. لقد شكلنا (حركة 26 تموز) قبل مغادرتي كوبا، وهي لن تكون مجرد تغيير في الاسم لذلك الإطار الذي يضمني مع أصدقائي الذين اقتحموا الثكنة... بلغنا عدة آلاف حتى ذلك الوقت، ومنذ ذلك الحين أخذ عددنا يتزايد، وانضمت إلينا عدة منظمات. ومع انضمام: أرماندو خارتا، وفرانكا بايسي، وخاوستينو بیريس، ومناصريهم، حققنا انضمام ثوريين حقيقيين. وهكذا جمعنا قوانا ودخلنا في حزب الشعب الكوبي).

ويقول جيفارا: (نحن لن نبخل بدمائنا، لا أنا ولا أي رفيق من رفاقي، من أجل قضية سامية. ونحن لا نبحث عن سيجار من أجل المشاجرة. وأنا أحقد على العنف، لكن، بما أن القوة والعنف الدموي استخدما لفترة طويلة ضد شـعبنا الكوبي، فأنا أختار هذا النضال).

يقول كاسترو: (نحن سننتصر، وستكون أولى مهماتنا: إجراء الاصلاح الزراعي. وسنعطي الأرض لمن يزرعها، وستعود حقوق العمال إلى حيويتها وقانونيتها. بالإضافة إلى وضع قانون يحمي العاملين من وحش البطالة. وسنخفض أجور السكن، هذه المشكلة المرعبة يضطر العامل فيها إلى دفع 20 - 30% من أجره إلى الرأسمالي بمئابة أجرة سكن. كما أننا سنعمل على تأمين الطاقة الكهربائية، وكل مصادر الطاقة الأخرى. بالإضافة إلى تأميم شركات الاتصال والبرق. عندها نشرع في تصنيع البلد، والدستور يستعيد مضمونه الصحيح وفاعليته. من أجل ذلك سيكون إلى جانبنا كل الشعب الكوبي. وإذا استشهدنا، سيرفع الآخرون سلاحنا، ويستمرون في الطريق، مثلما نسير نحن على درب النضال التحرري الذي سار عليه خوسيه مارتي ورفاقه. لقد صاغ خوسي مارتي المبادىء النظرية الأساسية، وقام بتعميق فكر سيمون بوليڤار حول أميركا اللاتينية، من أنها جوهرياً أمة واحدة. وأشار أيضاً إلى أن النضال في كوبا متمم لنضالات شعوب أميركا اللاتينية الأخرى. كما حذّر من خطورة التبعية للولايات المتحدة، لأنها تهدد حرية كل بلدان أميركا اللاتينية. وتبعاً لروح هذه المبادىء نكمل المسيرة).

ويرفع جيفارا شعاره (إما الوطن وإما الموت)؛ فيقول: (أنا على استعداد للقتال ضد الطغاة في أي بلد كان. ولمَ لا يكون هذا البلد كوبا؟).

إن هذا الاستعداد المطلق للتضحية عابر للحدود يختزل الشغف الأممي الذي ميز جيفارا وكاسترو، واللذين لم يريا في كوبا نهاية المطاف، بل مجرد شرارة انطلاق لتطهير القارة بأكملها من هيمنة الاحتكارات الأجنبية. إنها صياغة عملية لفكرة "الجسد الواحد" في مواجهة الطغيان، حيث تصبح جبهات القتال مترابطة، وتغدو نصرة المظلوم واجباً أخلاقياً لا يعترف بحدود الجغرافيا أو الهويات الضيقة.




المؤامرة الكبرى على بلاد الشام محمد فاروق الخالدي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المؤامرة الكبرى على بلاد الشام

محمد فاروق الخالدي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الشام منذ مطلع القرن العشرين والمؤامرات (الصليبية والصهيونية) تمزق أوصالها، وتفتك برجالها، وتحكم القبضة على أبنائها، محاولة زعزعة عقيدتها، وإِفساد مسلك أجيالها، ولذلك فالمهمة التي رُشّحت لها الشّام من كونها الأرض التي ينزل فيها عمود الكتاب، وكونها الملاذ الأخير للمؤمنين، وموطن العصبة الصالحة، ومعقل الطائفة المنصورة، والموضع الذي يقضي فيه المسلمون على آخر موطئ (للدجال)، في الأرض المباركة، وكلنا إيمانٌ بوقوع ذلك، ولن تقوم الساعة حتى يتحقق ذلك.

وإن جیوش الجهاد التي طردت صليبي أوربا من بلاد الشام ومصر وشمال أفريقية، سيُدحر أحفادهم من فلسطين وما حولها. فقد كانت الشام ولا تزال وطناً للصالحين والطيبيبن والشهداء والمجاهدين؛ ففيها دفن عشرات الصحابة رضي الله عنهم: في دمشق وحمص وحماة والقدس وسائر أنحاء فلسطین. 

وهذا يتطلب منها التربية البنّاءة للجيل- على مبادئ الدين، وتقوى الله، وعودة صادقة إِلى صفاء العقيدة، مع التراص والتكاتف والمحبة بين المؤمنين، والبراءة من أعداء الدين، بالإضافة إلى قيادة راشدة تُقدّر الإعداد، وتُحسن الارتقاء بالمجتمع، والاتصال بالأمة، وسياسة الخصوم، وما على المسلمين إِلا أن يعودوا إلى التمسك بتعاليم دينهم، بعد أنْ تفرقت بهم السبل، وتقاذفتهم الاهواء والفتن.

أما هذا الكتاب؛ فيتناول سقوط الخلافة العثمانية في بلاد الشام، والعوامل المساعدة على ذلك، ويناقش الأحداث الكبرى التي ستقع في بلاد الشام، وخصوصاً احاديث الملحمة الكبرى، ليكون المسلم على وعي بما يُحاك له من مؤامرات للإجهاز على مقدساته وعقيدته.

وقد اشتمل الكتاب على خمسة أبواب، بيانها فيما يلي:

الباب الأول:

خصص للحديث عن فضائل بلاد الشام ومناقب أهلها، والدور المنتظر لهم، والاستشهاد بالأحاديث النبوية الصحيحة حول ذلك الموضوع بعد التعريف ببلاد الشام، وحدودها عند الأقدمین.

الباب الثاني:

ذكر فيه عوامل سقوط الدولة العثمانية، وذكر مزاياها الطيبة أيام قوتها، وبيان دور السلطان عبد الحميد الثاني، في الدفاع عن فلسطين والوقوف أمام التيارات الحاقدة، من ماسونية ودعاة التغريب والقومية المتطرفة.

الباب الثالث:

وفيه رصد لعناصر المؤامرة الكبرى ممثلة في دور الحركة الطورانية، وردة فعل الحركات القومية عند العرب، ثم ثورة الشريف حسين على الخلافة العثمانية لمساعدة الإنجليز تمويلاً وتسليحاً. وبيان التآمر والتعاون الصليبي الصهيوني تخطيطاً وتمويلاً، وخداعاً وغدراً.

الباب الرابع:

ويتناول التحالف مع الإنجليز، والحصاد المرير الذي جناه العرب والمسلمون، ابتداءً باحتلال دمشق من قبل فرنسا وكذا بيروت، وطرد حليفهم فيصل بن الحسين، ثم عزل الشريف حسين ونفيه إِلى قبرص، ليعيش حياة الذل والندم والحرمان. وآخر ذلك الحصاد: إلغاء الخلافة وطرد الخليفة ومصادرة أملاکه علی يد كمال أتاتورك ... بعد احتلال بريطانيا لبقية البلاد.

الباب الخامس:

ويتحدث عن مرحلة الانتداب الاستعماري: مرحلة تقسيم بلاد الشام وتجزئتها بین أطماع حلفاء الأمس (الإنجلیز والفرنسیین) فقد مزقت فرنسا سوریا إِلى دويلات عديدة، وأنشأت في لبنان ما يسمى بدولة لبنان الكبير بعد أن ضمت إليه عدة أقضية من سوريا، وقد تم ذلك لمصلحة نصارى لبنان على حساب المسلمین. كما تناول إنشاء بريطانيا لإمارتها في شرقي الأردن تحت مظلتها، كما عملت على تهويد فلسطين بالمكر والقوة طوال ثلاثين عاماً.

ولم يتوقف هذا الحصاد المرير والمكر الاستعماري عند حدود مرحلة الانتداب؛ بل امتدت آثاره لتمثّل مأساة مستمرة تتجرع الأمة مرارتها حتى يومنا هذا. ويتجلى ذلك بوضوح في سياسات الاحتلال الصهيوني الغاشم تجاه الشعب الفلسطيني، ولا سيما معاناة الأسرى والأسيرات في سجون الاحتلال، الذين يواجهون أبشع أصناف التنكيل والتعذيب الممنهج، وحرمانهم من أدنى الحقوق الإنسانية التي كفلتها الشرائع السماوية والمواثيق الدولية. وإن ما يشهده السجناء اليوم من عزل وتجويع وإهمال طبي متعمد، ما هو إلا حلقة متصلة من فصول تلك المؤامرة الكبرى التي بدأت بتمزيق الشام وتهجير أهله وسلب مقدساته.

___________________________________________________

عوامل سقوط الخلافة العثمانية

يمكن إِرجاع عوامل سقوط الدولة العثمانية إِلى: 

أ- عوامل داخلية ب- وأخرى خارجية.

أولاً- العوامل الداخلية: 

يمكن إِيجاز تلك العوامل في:

١ - البعد عن منهج الإسلام:

عندما سار السلاطين الأوائل على المنهج الشرعي القويم، حققوا إِنجازات رائعة، وفتوحات عظيمة، منذ عهد (مراد الأول) حتى عهد (سليمان القانوني) ما بین ( ٧٩١ هــ و ٩٧٤ه).

ثم بدأ الخلل والضعف مع إِطلالة القرن الحادي عشر الهجري، ففيه تقهقرت الدولة، وضعفت هيمنتها السابقة وخاصة على الأقاليم الأوربية. ومن أجل ذلك توجه بعض السلاطین نحو إِصلاح مؤسسات الدولة، وتمثلت الدعوة في العودة إِلى الجهاد وتطبيق الشريعة الإسلامية، وتقوية نفوذ السلطان. إلا أن الأمور سارت على غير المتوقع؛ فقد غرق كثير من السلاطين والقادة في الترف ومتاع الدنيا الزائل، وتعلق علية القوم وطبقات المجتمع في النزعات الصوفية.

ومن يطلع على تاريخ السلاطين في أواخر الدولة، يُذهل من الإسراف في مظاهر الترف، ومن رأى قصورهم في استانبول، يعجب لهذا البذخ والإسراف، بل ومن دخل قصر (دولمة بهجة) وما أنفق عليه أيام السلطان عبد المجيد - والد عبد الحميد الثاني - مما أوقع الدولة في ديون باهظة، يعلم مدى قوة هذا التيار في إضعاف الدولة العثمانية.

کما أن کثرة الجواري ۔ من أجناس مختلفة ۔ منهنّ اليهوديات والنصرانیات، قد أثر في سلوك بعض السلاطین، فکان للمحظیات منهن دور کبیر في اختیار ولاة العهد وعزل آخرين، وتدبير المؤامرات للتخلص من بعض القادة والأمراء .. هذا عدا عن المؤامرات التي كانت تحاك في القصور السلطانية.

• ولذلك تخلى السلاطين بعد (سليمان القانوني) عن الغزو وقيادة الجيوش، واعتمدوا على الصدر الأعظم والقادة العسكريين، لمتابعة الفتوحات وقيادة الجيوش، وهذا أمر طبيعي، لأن من يعيش عيشة البذخ والترف لا يستطيع التفرغ للجهاد وقيادة الجيوش.

• ثم بدأ السلاطين، يتنازلون رويداً رويداً عن تحكيم الشريعة؛ فأدخلوا القوانين الغربية (الوضعية) في الدولة، وما كان دستور (١٨٧٦م) الذي ألغاه السلطان عبد الحميد، ثم أعيد عام (١٩٠٨م) إلا دستوراً وضعياً، هو دستور بلجیکا المعدّل، وسمي من أجل ذلك مدحت باشا: (أبو الدستور) وهو الذي نقله إِلى حيز التنفيذ.

٢ - إخفاق محاولات الإصلاح في أواخر عهد الدولة:

عندما أحس قادة الفكر والسياسة بضعف الدولة اتجهوا نحو الإصلاح، ونادوا بضرورة تطوير مؤسسات الدولة، وكان هناك تیاران متعارضان.

أ- تيار يرى الاقتباس من الغرب النصراني ومؤسساته دون قید أو شروط.

ب- وتيار يطالب بالعودة إِلى الأسس الإسلامية والتقاليد العثمانية.

وتغلّب الاتجاہ الاول ۔ مع الزمن- وکان من أشهر المنادین به (فؤاد باشا) الذي تولى رئاسة الوزراء (الصدارة العظمى)، في عهد السلطان عبد العزيز، عم السلطان عبد الحميد، والمتوفى عام ١٨٦٩م.

لقد تبنى فؤاد باشا فكرة الإصلاح على الأسس الغربية، واستبعد المفاهيم الإسلامية كوسيلة للإصلاح، وكان يرى أن الدولة محكوم عليها بالموت إِذا لم تتمثل خطا التطور الغربي، فتكون ماليتها على غرار مالية إِنجلترا، ومعارفها کمعارف فرنسا، ونظمها العسكرية مقتبسة من روسیا.

کان (فؤاد باشا) وزيراً في عهد السلطان عبد المجيد، وقد أعدّ هذا الوزير الأجيال التالية له من الوزراء ورجال الدولة عن طريق إِرسالهم في بعثات تعليمية وتدريبية إِلى عواصم أوربا، وأسهم هؤلاء في دفع عجلة التغريب التي بدأها کبیرهم فؤاد باشا.

• والواقع أن محاولات الإصلاح تعود إلى أوائل القرن الثالث عشر الهجري، عند السلطان سليم الثالث ومحمود الثاني، وابنه عبد المجيد، واستمر ذلك مدة سبعین سنة، إلا أن الإصلاح رکز آنذاك علی تقلید دول أوربا، وقد سمي ذلك العهد بـ (عهد الإصلاحات) أو (عهد التنظيمات).

• ومن ذلك أن السلطان محمود الثاني قد بطش بالإنكشارية وتخلص من تجاوزاتهم، وقضى على طريقة الصوفية المنحرفة، تلك هي (البكتاشية) الباطنية، ثم فتح باب التجديد والتغريب على مصراعيه، دون انتقاء للنافع من الحضارة الغربية، وترك الفاسد منها.

ثم جاء السلطان عبد المجيد ليعيش عيشة مترفة، وأعطى التغريب صفة رسمية، وصدرت في عهده مراسيم سلطانية مثل (فرمان خط الكلخانة)، وفرمان (خط شريف)، وبعد سبعين سنة من محاولات الإصلاح تلك، اتضح إخفاقها في انتشال الدولة العثمانية من ضعفها وأزماتها الداخلية والخارجية. ذلك أن تلك التنظيمات لم تستند على أسس إِسلامية واضحة، وأن مجملها کانت في صالح أهل الذمة من رعایا السلطان، مما جعل الدول الکبری، تتدخل بعد ذلك بحجة حماية الطوائف التابعة لها. لقد تحولت تلك التنظيمات إلى علمانية واضحة لها آثارها الخطيرة على النظام والدولة، الأمر الذي أدى إلى إسقاط الخلافة لاحقاً.

وقفة مع حركة الإصلاح (التغريب) وآثارها الخطيرة

مما يجدر الانتباه إليه أنّ الانحراف غیر المقصود، قد بدأ من منطلق التخلص جمود الفقهاء أمام التغيرات الحيوية الجديدة للدولة، ومن توهم المسلمين بأن سبـب تخلفهم هو عجزهم التنظيمي والإداري، وأن محاكاة أساليب الأمم الغربية جدير بالقضاء على ذلك التخلف. وعلى هذا الأساس قامت الحركة المسماة بـ (حركة الإصلاح) التي بلغت اوجها في عهد فؤاد باشا.

إِن الإصلاح مطلوب، لكن ما صحبه من سوء الفهم، وغبش التصور، قد أدى إِلى إِلغاء الشريعة آخر الأمر، تحت شعار الإصلاح والتجديد، وهو ما فعله كمال أتاتورك بعد ذلك. الأمر الذي يسّر انتشار روح التفرنج في الأمة، وتطور الأمر؛ حتى نشأت حركة ثورية تطالب بالإصلاح، وكان قادة هذه الحركة من مختلف الاتجاهات والميول، كانوا لا يتفقون إلا على وضع حد للسلطان عبد الحميد الثاني.

• وقد نتج عن جمود الفقهاء العثمانيين وعدم قدرتهم على استيعاب شؤون الحياة وتطوراتها، أن ظلت القوانين المستوردة تحتل رويداً رويداً، مواقع جديدة من الحياة الإِسلامية، دون أن تلتفت النظر إِلی خطورتها، حتی جاء الیوم الذي أصبح فیه اقتباس هذه القوانين أمراً مقرراً ومنهجاً لا غبار عليه.

وبذلك فإِن انحراف المسلمين وجهلهم بحقيقة دينهم، وعجزهم عن مسايرة الأحداث، كانت المنفذ الرئيسي لتسرب العلمانية إلى الشرق المسلم. وإِلا فقد كان السلاطين العثمانيون ينظرون إلى ملوك أوربا - حتى وهم يطلبون منهم المدربين - أنهم خنازير حقيرة، ليس إلا ..!

ثم کانت بعد ذلك حركة مدحت باشا وأعوانه، وحركة الماسون، ودعاة التغريب، ومساومة اليهود على فلسطين، ونمو حركة (تركيا الفتاة)، والجناح العسكري فيها (الاتحاد والترقي)، وصلتهم بمحافل الماسون، ومخططات يهود. وقد تمكن هؤلاء بعد صراع طويل من إِزاحة السلطان عبد الحميد، عام ١٩٠٩م، بقيادة جماعة (الاتحاد والترقي)، وأعلنوا تطبيق الدستور العلماني الوضعي، الذي كان السلطان عبد الحميد قد أوقفه منذ عام ١٨٧٦م. ثم عطلت المحاكم الشرعية باسم (الإصلاح والتقنين).

٣ - تعدد العناصر وتنوع الملل والنحل وظهور الحركات القومية:

ضمّت الدولة العثمانية عناصر كثيرة، وقومیات متعددة، مختلفة الأدیان، متشعبة المذاهب، يقطنون في شرق أوربا وغرب آسیا، وشمال أفریقیا، فكان هذا التنوع مصدر قلق للدولة في مرحلة ضعفها، وتقهقر نفودها.

• ولعل أخطر إِجراء سمح به العثمانيون هو إِعطاء الدول الأجنبية (حق حماية الأقليات في الأراضي العثمانية) ... وكان أول من منح هذا الحق لفرنسا -هو السلطان سليمان القانوني، وذلك حماية لنصارى المشرق على حد زعمهم، ثم تدخلت الدول الأوربية الأخرى لتزاحم فرنسا، وعلى رأسها روسیا.

وفي مؤتمر برلين (١٢٩٥هـ / ١٨٧٨م) تقرر منح كل دولة حق حماية الطائفة المرتبطة بها في المذهب، فكانت امتيازات الحماية سبباً مباشراً للتدخل الأوربي في مصالح الدولة العثمانية، وصارت قيوداً تطوق عنق الدولة. ومن هذا المنطلق، صار لفرنسا نفوذ في البلاد العثمانية عن طريق رعاية الكاثوليك، ولروسيا نفوذ عن طريق رعاية الأرثوذكس، ولبريطانيا نفوذ عن طريق رعایة البروتستانت، ومن ثم مناصرة دروز لبنان.

● إِن تلك الامتيازات كانت تعني حقوقاً تمنحها الدولة العثمانية لرعایا الدول الأجنبية النازلين في بلادها، أو السائحين فيها أو المارين بها مروراً، وهي امتیازات لم تمنح للعثمانین أنفسهم. ومن أشهر تلك الامتيازات: إِعفاء أولئك الأجانب من الضرائب المباشرة، ومن جزء كبير من رسوم الجمارك، ثم إن السلطات العثمانية ما كانت لتستطيع دخول بيت رجل أجنبي مهما كان السبب، حتى لو أن جريمة ارتكبت في ذلك البيت!

فلم يكن للسلطة العثمانية أن تتدخل للتحقيق في جريمة وقعت في ذلك البيت، بل كان الذي يقوم بالتحقيق أو المحاکمة، هو قنصل الرجل الذي یسکن ذلك البيت، وکانت القوانين العثمانية لا تطبق على الأجانب النازلين في الامبراطورية العثمانية.

• وأصبح لفرنسا نفوذ قوي في الدولة العثمانية - بسبب تلك الامتيازات:

فمنذ عهد سليمان القانوني (القرن السابع عشر) منحت فرنسا في عهد ملكها (فرنسوا الأول) بعض الامتيازات، التي صارت تنمو مع مرور الزمن، حتى أصبحت فرنسا هي صاحبة الحق في حماية الطوائف الكاثوليكية والموارنة بشكل خاص. وكان سفراء فرنسا وقناصلها في إِسلامبول يتدخلون عند الباب العالي دفاعاً عن الموارنة، حتى أن فرنسا قامت أكثر من مرة بتعیین قناصل موارنة لها في بيروت دعماً لهم.

واستغلت فرنسا امتيازاتها أبشع استغلال، فراحت تخطط من أجل استرجاع البلاد المقدسة. وركزت جهدها على النشاط التبشيري في لبنان، والتبشیر عندهم لا يعني الدعوة إِلى النصرانية، بقدر ما يعني تحقیق مکاسب سياسية، واستغلال كل ظرف طارئ لتكون لبنان وسواحل بلاد الشام أرضاً فرنسية. ومن هذا المنطلق كانت فرنسا تبني علاقتها مع الدولة العثمانية، وتمارس الضغوط وتحرك عملاءها داخل البلاد الإسلامية لتحقيق مطامعها.

وقد بادر السلطان عبد المجيد إِلى الميل نحو إِنجلترا والنمسا وبقية الدول التي أنقذته من حملة محمد علي باشا على بلاد الشام، وذلك خوفاً من زيادة نفوذ فرنسا في المنطقة ... فبادر إِلى الإصلاحات التي كانت تتطلبها، وأعلن ما سمي بالتنظيمات سنة ١٨٤٤م، وخط شريف همايون سنة ١٨٧٦م، لكن ذلك كله لم يحد من مطامع تلك الدول ... إِذ أن الأقليات المذهبية والدينية في متصرفیة لبنان وسکان ولایة بیروت، توزعت حمایتها للدول الکبرى، فصار لقناصل تلك الدول الكلمة المسموعة يحمون أتباعهم داخل الدولة العثمانیة، حتى أن الدولة العثمانية صارت عاجزة عن منع التبشير، فعندما أرادت منع باعة الأناجيل الدوّارين من التجول في المدن والقرئ، تدخل القناصل ومنعوا الحكومة، وألزموها بالسماح للباعة!.

فللذميين حقوق في دولة الإسلام فلا يجوز أن يعتدى على أرواحهم وأموالهم وأماكن عبادتهم، أما أن تعطى لهم، امتيازات خاصة لا يحلم بها المسلمون، وتسند إليهم الولايات - كمتصرفية جبل لبنان - وتترك لهم حرية التعاون أو حرية التآمر والخيانة مع دول الكفر، فليس هذا من الإسلام في شيء.

وأية دولة إِسلامية هذه التي صار المبشرون وقناصل الدول النصرانية يشرّقون فیها ویغربون دون حسیب او رقیب؟! وكيف سمح العثمانيون لإرساليات التبشير أن تبث سمومها في بلاد الشام وغيرها، مع العلم أن مناهج تلك المعاهد والمدارس الصليبية تصطدم مع الإسلام ابتداءً في أخص خصائص الألوهية والربوبية، وأسماء الله وصفاته !!. وبذلك انتهت الدولة العثمانية إِلى هذا الضعف، وتلك التبعية، خلافاً لما كانت عليه أيام قوتها، وتمسكها بشريعة الإسلام.

أما ظهور الحرکات القومیة تأسیاً بالقومیات العلمانیة التي سادت أوربا، فكان لها أثر قوي في تمزيق أوصال الدولة العثمانية، وسيطرة تيارات العصبية الجاهلية على حساب الإسلام.

٤ - الحركات الباطنية والدولة العثمانية:

لقد كانت الدولة الصفوية الشيعية في فارس، شوكة دامية بجوار الدولة العثمانية، إِذ كانت تشن الحروب الشرسة وخاصة أيام (اسماعيل الصفوي)، الذي كان يطمح إلى تأسيس امبراطورية رافضية في العالم الإسلامي، ويطمع في اکتساح العراق ومعظم بلاد الشام، لو قدر له ذلك، فكان يشغل الجيوش العثمانية عن متابعة فتوحاتها في أوربا المرة تلو المرة.

· أما الحركات الباطنية فكانت أحقادها لا تنطفئ، من ذلك ثورات الدروز في لبنان وجبل حوران. فقد تمردوا عام ١٩١٠م، وهاجمت عصاباتهم أکثر من منطقة في حوران، ووصل فرسانهم حتی القلمون، وبلغ عدد القتلی من حوران وحدها ستین قتیلاً!.

وكان الوالي اسماعيل فاضل باشا يعتقد أن الإنجليز كانوا وراء هذه الثورات ضد الدولة، وفي إِحدى غاراتهم؛ قتل من مدينة درعا وحدها سبعة عشر مسلماً -كانوا يدافعون عن قرية (بصر الحرير)؛ إِذ أبيدت فيها عشيرة المقداد المسلمة .. ولذلك قرر الصدر الأعظم أن ينهي أعمال تلك العصابات، فأرسل قوة ضاربة إِلى الجبل، واعتقل المئات، ونفى كثيرين وأعدم آخرين، منهم والد سلطان الأطرش، وكان قد قتل من الدروز في جبل حوران في تلك الحملة ما بين (٦٠٠ - ٧٠٠) تحت قصف المدافع. وكانت التهمة كما يقول سلطان الأطرش هي: (الخروج على الخلافة، والكفر بالإسلام).

• ومن ذلك الفتنة التي أشعلها البكتاشي العلوي (اسكند قلندر جلبي) في الأناضول، واستمرت شهوراً عديدة، إِلى أنْ تم القضاء عليه سنة ٩٣٥هـ

• وكان النصيريون طائفة نشازاً في الدولة العثمانية، حتى اعتبرتهم الدولة أنهم ليسوا من المسلمين، ولا من أهل الذمة، ولذلك لم تدخلهم في إِطار (نظام الملل) الذي شرعته. واقترح بعض الولاة على السلطان عبد الحميد إِدخالهم في الدين الإسلامي، فأخذ السلطان بذلك الرأي، واستدعى مشايخهم، وتظاهروا بالإسلام طواعية، وبنى الوالي لهم المساجد والمدارس، لكنهم بعد وفاة السلطان أحرقوا المساجد وحولوا المدارس إلى مساكن.

وكانوا عوناً للدولة الصفوية ضد العثمانيين، وكذلك كانوا (لتيمور لنك) الذي فتك وخرّب ديار أهل السنة، ولذلك كثيراً ما أرسلت الدولة الحملات العسكرية.

• وفي عهد الانتداب الفرنسي، اتصل القائد الفرنسي لأسطول البحر المتوسط ببعض عشائر النصيريين، الذين أعلنوا استعدادهم طواعية لمساعدة فرنسا عند نزولها الساحل، وكان يقدر أن النصيريين سوف يجندون (٢٦ ألف مقاتل)، وکان يمدهم بالسلاح استعداداً لتلك الحرب، کما كانت فرنسا تقدر أن المتاولة (شيعة لبنان) يجندون أربعة آلاف، والدروز قد يجندون عشرين ألفاً لمساعدة فرنسا.

• وسوف نجد أن هذه الفرق قد استغلتها فرنسا بعد احتلالها لسوریا ولبنان، وشكلت لبعضهم حكومات طائفية في جبال النصيرية وجبل حوران (الدروز).

٥ - التخلف العلمي والتقني:

كان مصطلح الإصلاح في العصور الإِسلامية، يعني العودة إِلى الينابيع الإسلامية، القرآن والسنة، والاجتهاد في ضوئهما، ولا يتصدى لهذه المهمة سوى العلماء والفقهاء المجتهدين القادرين (على القضاء الصحيح في النوازل والحوادث التي تعرض في حياة المسلمين).

وبحلول القرن الثالث عشر الهجري، تحول مفهوم الإصلاح إلی برنامج سياسي، تبنته فئة ليست من الفقهاء المجتهدين، وإِنما قام به جيل تلقى ثقافته في عواصم أوربا ... ونشأ على الاستهانة بقيم الدين وكراهة رجاله واحتقارهم، وتقديس الحضارة الغربية.

•· ويمكن أن نضيف: أن إِخفاق تجربة التنظيمات العثمانية (التي استمرت سبعين سنة) في إِيجاد الصيغة المثلى لما يمكن أن تأخذه الدولة العثمانية من الحضارة الغربية، وما يجب أن تدعه، كان من أسبابه التخلف العلمي والتقني. 

وإن عهد السلطان عبد الحميد الذي جاء بعد تجربة التنظیمات، قد شهد تطوراً ملحوظاً في المجالين العلمي والتقني، بسبب سياسة السلطان في الأخذ بالتحديث بدلاً من التغريب، فتم في عهده إِنشاء كليات الطب والعلوم والتجارة والزراعة وإِنشاء الجسور والسكك الحديدية، وشبكات الطرق، وتحديث الجيش والآلة العسكرية، مع تبني سياسة الوحدة الإسلامية بين الشعوب الإسلامية داخل الدولة وخارجها.

• فانتعشت مؤسسات الدولة، ولكن أنصار التغريب عارضوا تلك السياسة، وعلى رأسهم جماعة الاتحاد والترقي، وتساندهم دول الاستعمار ومؤسسات اليهود، فلم يقدّر لهذه التجربة الاستمرار مع الأسف.

● وبقي أن نهتم بناحية مهمة -وهي أن الدولة العثمانية كانت تهتم بالناحية العسكرية، على حساب الاهتمام بنشر تراثها وثقافتها، واللغة العربية، لغة القرآن، وكانت تكتفي بإدارة البلاد المفتوحة عن طريق المسلمين من أهلها، أو إِداريين عثمانيين ... ولذلك لم يبق لها أثر حضاري وثقافي متميز في أوربا الشرقیة مثلاً.

وكانت اللغة الرسمية في دواوين الدولة هي اللغة التركية، وكانت المدارس الحكومیة تدرس باللغة الترکیة، وکان أکثر معلمیها من الأتراك، ومن کان عربياً منهم ألقى دروسه بالتركية، وتجافى عن الكلام بالعربية، حتى خارج غرف الدرس منعوا أبناء العرب أن يتحاوروا في الشؤون العادية بينهم بالعربية! وکان ذلك أیام جماعة الاتحاد والترقي بشکل خاص.

• قال الأمير مصطفى الشهابي: (أتذكر أنني درست سنة واحدة في مدرسة تجهیز الحكومة العثمانیة بدمشق، فکانت جمیع الدورس تلقی بالتركية، وكان اللسان العربي يدرس أيضاً باللسان التركي، وكان معلم العربية رجلاً تركياً، يتكلم لغة الضاد بلهجة تركية، ولا يفرق بين المذكر والمؤنث ولا يفقه شيئاً من أدوات اللغة إلا مبادئ من الصرف والنحو مطبوعة في كتاب ترکي) !!

وبعد تمكن الاتحاديین من عزل السلطان عبد الحميد، توجه سليمان التاجي الفاروقي، من شعراء الشام بقصیدة إلی السلطان محمد الخامس (محمد رشاد) يشكو إِليه ما آل إليه أمر العرب بعد عزهم، ويخص مصير اللغة العربية بأبلغ الأسى بقوله:

العرب لا شقيت في عهدك العرب … سيوف ملكك والأقلام والكتبُ

وكل خير أتى فالعرب مصدره … بل أيُّ فضلٍ أتى لم تحوه العرب

لسانهم أخلق الإهمال جدته … فبات ينعي على الكُتّاب ما کتبوا

تمشت اللهجة العجماء فیه إِلی … أن أنکرته بنوه أخلصُ النجبُ

وقال فؤاد الخطيب من شعر الثورة بعد العتاب:

جاروا علی لغة القرآن فانصدعت … له القلوب وضجّ البيت والحرم

فالقدس باكية والشام شاكية … وفي الحجاز يكاد الركن ينحطم

أكلما حاول العرب الرقي علت … في الترك شكوى وقالوا: فتنة عَمَمُ

ثانياً- العوامل الخارجية لسقوط الدولة العثمانية:

وتتمثل فيما يأتي:

١ - الغزو الفكري والعسكري:

• أما الغزو الفكري:

فيتمثل في كثرة المدارس الأجنبية في الدولة العثمانية، ناهيك عن نشاط حركة الاستشراق والتنصير في استانبول ومدن الشام وخاصة: في دمشق وبیروت.

وقد بلغت المدارس الأجنبية في مدارس استانبول عام ١٩٢١م - ١٣٤٠هـ / ستين مدرسة، منها احدى وثلاثون مدرسة تابعة لفرنسا، والباقي يتبع دول: أمريكا وبريطانيا وإيطاليا والنمسا.

• أما المدارس غير الإسلامية التي كانت في ولاية سوريا سنة ١٨٨٦م - ١٣٠٣هـ، فقد بلغت كالتالي:

- لواء الشام: ٩٦ مدرسة ما بين مدارس عادية وعالية، للذكور والإناث.

- لواء بيروت: بلغت ثماني عشرة مدرسة بأنواعها المختلفة.

- لواء البلقاء واللاذقية وعكا: ٣٦ مدرسة بأنواعها المختلفة.

وأکثر المدارس التبشیرية کانت لفرنسا بعد أن حصل ملکها (فرانسوا الأول) على حق الامتیازات الأجنبیة عام / ١٥٣٦م، أیام السلطان سلیمان القانوني. وجددت الدولة العثمانیة هذه الامتیازات ثماني مرات حتی عام/ ١٧٤٠م.

وكانت فرنسا تفتح المدارس والجامعات، في لبنان خاصة، وتعمل على نشر اللغة الفرنسیة حتی بین المسلمین ناهیك عن النصاری، و کان لها سنة / ١٩١٠م، أكثر من مائة مدرسة، يتعلم فيها أكثر من عشرة آلاف طالب.

وكان لفرنسا في سوريا كلها، جهاز دعائي يعمل على نشر نفوذها الثقافي والسياسي والديني، يتمثل في مجموعة من الصحفيين والصحف التي تعمل على دعم النفوذ الفرنسي، وكان الكاثوليك والموارنة من أخلص الفئات لفرنسا.

• يقول محمد كرد علي - متحدثاً عن مخاطر المدارس الأجنبية: (إِن المدارس الأجنبية في الشام جنت عليها أعظم جناية، فهي أشبة بالسارق، لأنها سرقت الأرواح والنفوس والأفراد، وهي أسوأ أنواع السرقات).

وقد تنبه السلطان عبد الحميد إلى خطر المدارس الأجنبية في دیار المسملين فقال: (إنها تشكل خطراً كبيراً على بلادنا، وقد كان خطؤنا جسيماً إِذ سمحنا لکل دولة في کل زمان ومکان بإنشاء المدارس التي یرغبونها، وها نحن الآن نجني ضرر ما زرعنا. سمحنا لهم بفتح المدارس فقاموا يعلمون الطلاب أفكاراً معادیة لبلادنا)!.

واهتم بفتح المدارس فقال: (لقد ارتفع عدد المدارس منذ اعتليت العرش إِلى عشرة أضعاف ما كانت عليه، ومع ذلك فلا تفي بالحاجة، ونحن بحاجة إِلى فتح مدارس إِعدادية فهي تهيئ الطلاب لدخول مؤسسات علمية، ليتخرج منها مهندسون ومعماریون وفنیون). إلا أن عوامل الأنهيار كانت قوية، ودعاة التخريب وسيل السقوط كان هادراً، فما نفعت تلك الإصلاحات الجادة، إِذ جاءت بعد فوات الأوان.

• الغزو العسكري والاستعماري:

كان الغزو العسكري قوياً حاقداً، يخطط له منذ أمد بعيد، حتى تحولت الدولة العثمانية عند الدولة الصليبية إِلى ما يسمى بدولة الرجل المريض، تتصارع حكوماتهم علی اقتسام تلك التركة .. إن أوربا النصرانية لم تنس سقوط القسطنطينية بيد السلطان محمد الفاتح رحمه الله .. ومنذ ذلك التاريخ وحتى بداية القرن العشرين، وقادة أوربا يضعون الخطط  للإجهاز على الدولة العثمانية، واقتسام ترکتها.

وقد أصدر أحد ساستهم الكبار (المسيو جوفارا) كتاباً يضم تلك المقترحات والخطط تحت عنوان: (مائة مشروع لتقسیم ترکیا). ولخص الأستاذ شكيب أرسلان هذا الكتاب في: (حاضر العالم الإسلامي). ثم صدرت نسخة محققة لذلك الكتاب تحمل عنوان: (التعصب الأوروبي أم التعصب الإسلامي).

• وفي الكتاب بسط لتلك الخطط الصليبية والمقترحات الجهنمية من أجل الإجهاز على الدولة العثمانية، وقد جاء الكتاب زاخراً بالحقد والغيظ، واشترك في تلك الخطط، الساسة ورجال الدين ورجال الحرب، ولفيف من الفلاسفة.

• وقد تبين للسطان عبد الحميد حقيقة التآمر الخبيث؛ فقال: (لم أكن أستطيع الوقوف أمام تلك القوى بمفردي)، وقال بمرارة: (ويمكن للصليب أن يتحد في كل وقت، ولكنّ الهلال يبقى بمفرده).

واستمر القوم يتآمرون ويتعاونون مع جمعيات الماسون السرية، وعصابات يهود الموتورة، فتجمعت ضد الدولة مجموعات المجرمين من اليهود والصرب والبلغار، وكان هؤلاء هم عماد الثورة التي أسقطت الخلافة ومزقت البلاد وهيأت ديار المسلمين للاستعمار الحديث ممثلاً في التحالف البريطاني - الفرنسي - الصهيوني، وذلك من موضوعات هذا الكتاب الأساسية.

٢ - مطامع الحركة الصهيونية ودسائس اليهود:

أحسنت الدولة العثمانية إِلى اليهود بالسماح لهم بالهجرة إِلى أراضيها عقب سقوط الأندلس، أواخر القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي). فانتشر اليهود في البلقان والأناضول وبلاد العرب، وكان منهم السماسرة وأرباب التجارة والأغنياء .. إلا أن طبيعة اليهود لا تقدر معروفاً، وهي- هي في التآمر الدنيء ضد من أحسن إِلیها.

• وبعد أن خضعت فلسطين للحكم العثماني (أوائل القرن العاشر الهجري)، هاجر إليها بعض اليهود بنسبة قليلة لم تبلغ نسبتهم حتى أواخر العهد العثماني سوى (٥٪) من سكانها العرب المسلمين. 

• وعندما تكشفت للدولة العثمانية مخاطر المشروع الصهيوني بفلسطين، قامت بمحاربة الهجرة اليهودية إِليها، ومنعت بيع الأراضي لليهود، وقامت عام ١٨٨٧م بفصل سنجق القدس عن ولاية سوريا، وأخضعته بصورة مباشرة للباب العالي، من باب زيادة الاهتمام بفلسطين وإفشال المخطط الصهوني.

•· وكانت الحكومة العثمانية في عهد السلطان عبد الحميد قد أصدرت أمراً قاطعاً لمنع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وكان للسلطان عبد الحميد موقف مشرف لحماية فلسطين المسلمة. وقد سمح لليهود الاجانب بزيارة فلسطين، على ألا تتجاوز إِقامتهم فيها ثلاثة أشهر، ابتداء من عام / ١٨٧٦م. 

ثم أصدرت الحكومة العثمانية مزيداً من اللوائح في عام ١٩٠٠م، لتشدید الرقابة على الهجرة، ومنها أنه يتعين على جميع اليهود القادمين إِلى فلسطين تسليم جوازات سفرهم إِلى السلطات العثمانية التي كانت تمنحهم بطاقات خاصة، توضح مهنة کل زائر یهودي، وجنسیته، والغرض من زیارته، کما تمنحهم إذناً مؤقتاً بالإقامة والانتقال في فلسطين، لمدة لا تزيد على ثلاثة أشهر .. ووضع نظام دقيق للمراقبة ولمراجعة هذه البطاقات لمعرفة من يخالفون الامر.

•· وفي عهد الاتحاديين استمر نشاط اليهود الألمان لإحراز مواقع للنفوذ اليهودي في جمعية الاتحاد والترقي، ومن ثم فتح باب الهجرة اليهودية إِلى فلسطین.

• ومن هنا فقد أرسل السفير البريطاني في إِسلامبول إِلى وزير خارجية بلاده، يخبره برفع الحظر عن الهجرة إِلى فلسطين، وامتلاك الأراضي فيها، وذلك في ٢١ ديسمبر/ ١٩١٣م .. وضمّن تقريره مبشراً بالنجاح الذي أحرزته الصهيونية (في عهد الاتحاديين). بإلغاء جوازات السفر الحمراء، التي كان يتعين على اليهود الأجانب حملها عند وصولهم أرض فلسطين، والتي كانت تحدد فترة إِقامتهم فيها بثلاثة أشهر.

وقد تعاون اليهود والماسون، ودول الحلفاء - منذ بداية الحرب العالمية الأولى - على احتلال ديار المسلمين، بعد الإجهاز على تركة ما يسمی بالرجل المريض، فتحطمت بذلك آمال العرب بعد خداع الإنجليز للشريف حسين، الذي أفاق من غفوته مؤخراً، وأدرك أبعاد اللعبة فقال: (الله پرحم الخلافة، ویحسن عزاء المسلمين فيها).

• واشترط الحلفاء على كمال أتاتورك وبقية العملاء بعد الحرب (إلغاء الخلافة، وطرد الخليفة خارج الحدود، ثم إعلان علمانية الدولة ... )، وقد نفذ أتاتورك هذه الشروط بعد قتل علماء المسلمين والقضاء على معالم الإسلام!.

ولم تقتصر دسائس الحركة الصهيونية على السيطرة على الأرض وامتلاكها بالمكر والقوة فحسب، بل تطورت أدواتهم التآمرية في العصر الحديث لتأخذ غطاءً تشريعياً وقانونياً عنصرياً، تمثل في محاولاتهم المستمرة لسنّ وتطبيق قوانين وإجراءات لتنفيذ حكم الإعدام بحق المقاومين والأسرى الفلسطينيين. هذه القوانين الجائرة لا تعكس فقط الوجه الإرهابي للاحتلال، بل تكشف عن عمق المأزق القانوني والأخلاقي للمشروع الصهيوني الذي يحاول قوننة القتل وتصفية الوجود الفلسطيني، في تحدٍ سافر لكل القوانين الإنسانية، وهو ما يؤكد الرؤية الاستشرافية لعلماء الأمة وقادتها- كالسلطان عبد الحميد- الذين أدركوا مبكراً خطر تمكين هذا الكيان الاستيطاني في قلب بلاد الشام.

___________________________________________________

دور اليهود والماسون في إجهاض دولة الخلافة

إن تاریخ اللدغات الیهودیة في معقل الخلافة قديم، کان قد بدأ منذ عهد السلطان مراد الثاني، ومن بعده السلطان العظیم، محمد الفاتح- رحمه الله / ١٤٨١م، الذي اغتاله طبيبه الخاص يعقوب باشا بالسم.

كما ساهمت جارية يهودية في اغتيال بعض أبناء السلطان سليمان القانوني وبعض أحفاده وهي (نوربانو)، كانت جميلة فاتنة تزوجها السلطان، فدبرت المكائد داخل القصور السلطانية، كعادة يهود دائماً.

واستمر تغلغل اليهود ومؤامراتهم في دوائر الحكم العثماني حتی انتهت بزوال الخلافة، وهدم ذلك المعقل الإسلامي الخطير على يد كمال أتاتورك.

• وقد استخدم اليهود في خططهم قوى الشر التالية:

١ - يهود الدونمة: أي المرتدون:

وهم الذين تظاهروا بالإسلام بعد وصولهم من الأندلس وتجمعهم في مدينة سلانيك التركية، ومنهم من تظاهر بالإسلام بعد معركة المسيح الدجال (سبتاي سيفي)، الذي ادعى أنه المسيح المنتظر لتخليص اليهود وتسليمهم حكم العالم بعد إِعادتهم إلى أرض الميعاد.

وحين ألقي القبض على ذلك الدجال، تظاهر باعتناق الإسلام لينجو من القتل، وتبعه كثير من أتباعه اليهود متظاهرين باعتناق الإسلام .. وحملوا أسماء إِسلامية ووصلوا لأعلى المناصب، مما سهل عليهم مهمة التخريب والتمهيد للقضاء على الخلافة.

وكان من هؤلاء اليهود المرتدين كثير من زعماء (جمعية الاتحاد والترقي)، وهي الجناح العسكري (لتركيا الفتاة). كما كان كثير من هؤلاء اليهود وغيرهم وراء المحافل الماسونية التي كان لها دور خطير في حياكة المؤامرات ضد الدولة العثمانية. فكان من أبرز رجال التنظيم السري الماسوني:

طلعت باشا: وهو من زعماء تركيا الفتاة، تولى الصدارة العظمى بعد وزارة الداخلية، وكان له دور خطير في إِيقاع الدولة العثمانية في أتون الحرب العالمية الاولى.

يساعده نظراؤه في المعتقد والاصل: أنور باشا، وزير الدفاع بعد إِبعاد السلطان عبد الحميد، وجمال باشا (السفاح)، تتمة الثالوث الخبيث لهذه العصابة. ومنهم الیهودي أمنویل قره صو نائب (سلانیك).

ومن جماعة الاتحادييين مصطفى كمال أحد الضباط الأشرار، والذي أسقط الخلافة العثمانية من خلال تمثيل مشبوه مع الحلفاء والماسون .. كما قرر اليهود اختراق الجيش العثماني عن طريق المحافل الماسونية وفي وحدات الجیش الثالث في سلانیك حیث کان معظم سکانها من الیهود (١٠٠ ألف من أصل ١٤٠ ألفاً)، وكان شعار الجيش الثالث في مزاعم الإصلاح (حرية - إِخاء - مساواة) وهي نفس مبادئ الماسونية.

٢- الجمعيات السرية: (الماسونية):

وعلى رأسها الماسونية التي تغلغلت في كيان الدولة ونجحت بمساعدة الدونمة لتكوين جمعية (تركيا الفتاة)، والتي كان مدحت باشا من مؤسسيها، وتركز نشاط الجمعية في سلانيك، حيث كثرت فيها محافل الماسون التي يديرها یهود الدونمة وغیرهم من الیهود الذین ظلوا علی يهودیتهم.

• قال الفيلسوف الماسوني (شاريبا) في حفل أقيم للماسون:

(انظروا إلى إخوانكم الماسونيين في (سالونيك)، الذين قاموا بالحركة الدستورية، التي قلبت نظام الحكم العثماني في آخر عهد السلطان عبد الحميد، دون أن تسيل قطرة دم واحدة. أجل! فبمثل هذا الشعب الماسوني تفخر الماسونية، ويعظم من شأن وسائلها السلمية السليمة)!

●● وكتب محمد رشيد رضا في مجلة المنار:

(كان السلطان عبد الحميد عدواً للجمعية الماسونية، لاعتقاده أنها جمعية سرية تسعى لإزالة السلطة الدينية من حكومات الأرض، وهو يفتخر بالخلافة الإسلامیة ویحرص علیها. وقد تنفس الزمان للماسون بعد الانقلاب الذي کان لهم فیه أصابع معروفة، فأسسوا شرقاً عثمانياً، أستاذه الأعظم طلعت باشا وزير الداخلية، وأركانه زعماء جمعية الاتحاد والترقي وأنصارها من اليهود وغيرهم).

• وضمت جمعيات الماسون السرية، المجرمين والإِرهابيين، من اليهود والبلغار والصرب واليونان، وهم عماد الثورة التي زحفت علی استانبول، وعزلت السلطان عبد الحمید. وكان يرأس الوفد الذي قدم للسلطان وثيقة العزل اليهودي الماسوني (قر صو)، الذي صده السلطان مع هرتزل - کما سيأتي - وکان رئيس الجالية اليهودیة في سلانيك، ومعهم الحاخام (موسى ليوي).

٣- الدعاية الفاجرة:

شنّ رجال الماسون واليهود، والجمعيات السرية، دعاية فاجرة ضد السلطان عبد الحميد فصورت الحكم في عاصمة الخلافة أبشع تصوير، بينما صورت تلك الدعایة مدحت باشا الیهودي الماکر بطلاً من أبطال العالم، وسمته (أبا الأحرار)، وسخرت صحف أووربا وإِذاعاتها لتمجيد مدحت، حامل لواء الإصلاح والحرية في السلطنة العثمانية وحين عزله السلطان عبد الحميد ونفاه إِلى الطائف، هبت سفارات الغرب في استانبول محتجة على قسوة السلطان ومطالبة بالعفو عن مدحت باشا!

صورت الدعاية الفاجرة أن السلطان عبد الحميد كان مستبداً ظالماً، بينما كانت سياسته خلاف ذلك تماماً، يقول أحد معاصريه: (الملك عبد الله) في مذكراته: 

(ولقد زعم الناس أن عبد الحميد كان ظالماً، لقد كذب الناس، والله لم يكن بالظالم، ولكنه الحذر المتحوط، ولقد عرف بعد أن ذهب، أنه لم يقتل أحداً، ولم ينفذ حكم الإعدام في محكوم أبداً إلا مرة واحدة، والبقية يبقون في الحبس حتى يدركهم الموت، وأما الذين ينفون من بلادهم إِلى اسطنبول أو إلی الخارج، فهم أولئك الذین عرض علیه أنهم خلاف علیه أو علی سلطانه، فیخرجهم إلى مكان لا يعرفون فيه، فيقي دولته بذلك التدبير الفتن).

• ولا تذكر لنا الجرائد أو كتب المذكرات عن أي سیاسي سوري اعتقله السلطان عبد الحميد، بسبب أفكاره السياسية، وخاصة في الفترة السابقة الانقلاب عام ١٩٠٨م.

ويذكر محمد كرد علي: حسنات السلطان عبد الحميد؛ فقال: (في أيام عبد الحميد خفت وطأة الأشقياء واستراحت الشام قليلاً .. وأبطل عبد الحميد الحکم بالقتل، فکان القاتل یخلد في سجنه).

وإنه لأمر عجيب أن تقلب الحقائق إلى هذا الحد، وإِن كان موقف السلطان يعتبر ليناً وغير شرعي في عدم إِقامة الحد على القاتل العمد مثلاً!!

٤- الصليبية الغربية الحاقدة:

تعاونت الدول الغربية كلها مع المعارضة ضد الدولة العثمانية، وسخرت خدمات البريد (وهو أمر مهم آنذاك) لهذا الغرض، وقدمت المساعدات المالية كذلك، وعن طريق البريد كانت توزع الجرائد والمنشورات المعادية للدولة العثمانية، وقامت مقاطعات دول أوربا الشرقية بثورات متلاحقة على الدولة العثمانية ذات السيادة عليها آنذاك، وأنهكت بسبب ذلك، وأكمل الحلفاء -بريطانيا وفرنسا - الحرب والتآمر على ديار المسلمين خلال الحرب العالمية الأولی، وهو موضوع هذا الكتاب.

٥- تسخير الدعوة إلى القوميات الجاهلية ضد الدولة العثمانية:

استغل اليهود بعض مفکري العرب وأکثرهم من النصارى، لإبراز مساوئ الخلافة على نطاق واسع. ودعوا إِلى القومية العربية بأساليب بعثت الشك في أولئك الدعاة الذین قلدوا النزعات القومية التي اجتاحت أوربا في القرن التاسع عشر. 

وقد اعترف مؤرخو النصارى من العرب بأن الرواد الأوائل لحركة القومية العربية كانوا من النصارى، وأنهم تعاونوا مع الماسونية ومحافلها في المشرق، كما أن إثارة القومية التركية الطورانية من جاهليتها كانت دسيسة يهودية، وراءها رجال الماسون والدونمة، وقد مزقت الدولة العثمانية، وقضت على الأجناس غير التركية من المسلمين، وأسقط الكماليون خلفاء الاتحاديين الخلافة کما سیأتي تفصیله إِن شاء الله.

السلطان عبد الحميد والحركة الصهيونية:

كان قادة الحركة الصهيونية قد لجأوا إِلى قناصل الدول الغربية من أجل الاتصال بالدولة العثمانية، وبالسلطان عبد الحميد، بعد أن نجحت تلك الحركة بعقد مؤتمرها الأول في سويسرا (بمدينة بال) سنة ١٣١٥هـ - ١٨٩٧م، برئاسة هرتزل اليهودي النمساوي الأصل.

وکان السلاطین العثمانیون قد حدّوا من الهجرة إِلی دیار المسلمين، وتنبه السلطان عبد الحميد لذلك ومنع السماح للزوار منهم ومن الجنسيات الأوربية امختلفة ان یقیموا أکثر من ثلاثة أشهر.

• وفي عام ١٩٠١م، قام (تيودور هرتزل) زعيم الحركة الصهيونية بزيارة كانت الأولى من نوعها للسلطان عبد الحميد، يرافقه: (إيمانويل قره صو) زعيم الأقلية اليهودية التركية، والحاخام (ليفي موشيه)، وقد حاولوا أن يحصلوا على إذن يسمح فيه لليهود بالهجرة إلى فلسطين، بصفتهم رعايا للدولة العثمانية، کما حاولوا إِغراءه بتسدید دیون الدولة العثمانیة، وقدرها (خمسون ملیون جنيه ذهبي)، وتعادل / ١٥٠ مليون ليرة عثمانية ذهباً، وهبة مقدارها (خمسة ملايين من الجنيهات)، تقدم لخزينة السلطان الخاصة.

ورفض السلطان بإباء كل ذلك، وأعلن استحالة تحقيق هذا الهدف وهو علی قید الحیاة ... وبدأ تصعید التآمر ضده داخلیاً وخارجیاً، حتی تمکنوا من إسقاط السلطان عبد الحميد ... وكان قره صو اليهودي واحداً من الذين اشتركوا في تقديم قرار الاتحاديين بالعزل إِلى السلطان.

ولذلك استنکر السلطان هذا الوضع المزري مشیراً بیده إلی اليهودي (قره صو) قائلاً: ما وجدتم غير هذا اليهودي، لتبلغوا خليفة المسلمين بهذا القرار؟!

• وقد كتب السلطان بعد عزله رسالة إِلى شيخه، الشيخ محمود أبو الشامات، شيخ الطريقة الشاذلية بدمشق، يشرح فيها عروض هرتزل وإِغراءات اليهود .. وهذه مقتطفات من تلك الرسالة یقول فیها:

(إنني لم أتخل عن الخلافة لسبب ما، سوى أنني بسبب المضايقة من رؤساء جمعية الاتحاد والترقي وتهديدهم، اضطررت، وأجبرت على ترك الخلافة.

إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في فلسطين (الأرض المقدسة)، ورغم إِصرارهم فلم أقبل بصورة قطعية، وأخيراً وعدوا بتقديم (١٥٠ مليون ليرة ذهبية إنجليزية) فرفضت ذلك بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي:

إِنکم لو دفعتم ملء الارض ذهباً، فضلاً عن (١٥٠ ملیون) لیرة ذهباً، فلن أقبل بهذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والملة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة، فلم أسود صحائف المسلمين آبائي وأجدادي من السلاطين والخلفاء العثمانیین، لهذا لن أقبل بتكلیفكم هذا بوجه قطعي أیضاً).

(وبعد جوابي القطعي، اتفقوا على خلعي وأبلغوني أنهم، سيبعدونني إِلى (سلانيك)، فقبلت بهذا التكليف الأخير، وحمدت المولى، وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ الدولة العثمانية والعالم الإسلامي بهذا العار الابدي الناشئ عن تکلیفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة (فلسطین)، وقد کان بعد ذلك ما كان ... وأعتقد أنّ ما عرضته كاف في هذا الموضوع الهام، وبه أختم رسالتي هذه)! انتهى كلامه.

كان السلطان عبد الحميد، يرى أن السماح لليهود بالاستيطان في فلسطین یعني الموت لأهلها من المسلمین، یقول في مذ کراته: (نکون قد وقعنا قراراً بالموت على إِخواننا في الدين).

وكان يرى (أن الإسلام هو القوة الوحيدة التي تجعلنا أقوياء، ونحن أمة حية قوية، ولكن بشرط أن نصدُقَ في ديننا العظيم). رحم السلطان عبد الحمید، فقد ضحی بعرشه في سبيل إنقاذ فلسطین؟؟!!

وبدأ بعده مسلسل التنازلات ابتداء بالثورة العربية الکبری، أو (الخدیعة العربیة الکبری)، وانتهاء بأوسلو، وکامب دیفید، و(واي بلانتیشن)؟!!

• وفي عهد جماعة الاتحاد والترقي، سمح لليهود بالهجرة إِلى فلسطين، کما أعطوا تسهيلات كثيرة.

کتب الحاج أمین الحسيني في مذکراته أن «جمال باشا» کان قد حضر حفلة أقامتها (فرلاندو) الصهيونية اليهودية، مديرة دار المعلمات في القدس، واغتنمت الخبيثة الفرصة، فحشدت لاستقباله صفوة مختارة من الفتيات -الطالبات وغير الطالبات - وقمن أمامه باستعراض رياضي، وبعد انتهاء الزيارة قدمت له (ألبوم) يشتمل على صور الفتيات المشاركات بالحفل مع عناوينهنّ، فمنح الخبيث (جمال) بعد الزيارة أرضاً واسعة، لليهود من أراضي الأوقاف الإسلامية، وأصدر أمره إِلى مجلس إِدارة القدس بإِتخاذ الإجراءات القانونية لتسجیلها باسم اليهود!!

• والحقيقة أن الدولة العثمانية حافظت على الهوية الإسلامية لأرض فلسطين ورسخّتها لأربعة قرون متوالية، كما أن أهالي فلسطين كانوا يعتبرون هذه الدولة دولتهم، ويحسون بالولاء لها، وكانوا يتمتعون بكافة الحقوق السياسية وغيرها التي يتمتع بها الاتراك، ويشاطرونهم جميع مناصب الدولة العسكرية والمدنية، فمثلاً كان موسى كاظم الحسيني - والد عبد القادر الحسيني- متصرفاً لعسير ثم لنجد ثم لحوران ما بين ١٨٩٢ حتى ١٩١٢م، والشیخ أسعد الشقيري والد أحمد الشقيري، الذي تولى منصب مفتي الجيش العثماني الرابع.

حتى إذا هبت رياح الطورانية وقومية العرب العلمانية تغير الحال إِلى ما نحن فیه. لقد كانت الحركات القومية كانت وراء تمزيق الامبراطورية العثمانية وإِسقاط السلطان العثماني وإلغاء الخلافة. وكان اليهود والنصارى وراء تلك الجمعيات القومية .. 

• حرك يهود الدونمة ومنظمات الماسون جمعية الاتحاد والترقي بقياداتها المشبوهة، من رعاع الحاقدين على الإسلام وأهله، فتبنت نزعة طورانية جاهلية، واعتمدت على تتريك العرب والعناصر الأخرى، ومن ثم كان الظلم والخراب والدمار لبلاد الشام تحت حكم الاتحادیین وجمال باشا السفاح طوال سنوات الحرب.

• وحرك الإنجليز الجمعيات العربية، وخدعوا الشريف حسين بن علي؛ لیقوموا بثورتهم ضد الدولة العثمانیة، مدفوعین بمکر الإنجلیز وحقد الفرنسیین، مستخدمين أموالهم وسلاحهم، فمزقوا الجيوش العثمانية على طول صحراء العرب الشاسعة، وأعانوا الحلفاء على احتلال بيت المقدس، ودمشق وحلب وبیروت وبغداد، فکانت الکارثة وتقسیم البلاد.

• وقد تبنى نصارى الشام الحركة القومية كمرحلة لمحاربة الجامعة العثمانیة، ثم تبنت فرنسا عملاءها من نصارى الشام، ودعاة المؤتمر العربي الأول المنعقد في باريس للتوصل إلى مطامعها في الديار الشامية.

• ورغم معاونة الجيش العربي لبريطانيا وفرنسا في محاربة الجيش العثماني، فقد ظهرت الأحقاد الصليبية صارخة، عند مشارف القدس، وأمام قبر صلاح الدين، على لسان قادتهم الغزاة.

• كما اتضحت أخلاق الغزاة على حقيقتها غدراً وحقداً ولؤماً، فكانت المفاجآت الالیمة من خلال: اتفاقیة سایکس ۔ بیکو، ثم وعد بلفور، وإِعلان وثيقة الانتداب الغادرة. وكان التلون المريب مع الشريف حسين وقادة الحركة العربية ... والتعاون الوثيق مع قادة الحركة الصهيوينة ... بمطامعهم وخبثهم وأحقادهم.

• واتضحت أبعاد المؤامرة جلیة، خلال مسرحیة مشبوهة، قادها کمال أتاتورك للإجهاز على دولة الخلافة، وإقصاء الشريعة الإسلامية، بدعم الحلفاء ومباركتهم، لتصبح تركيا دولة علمانية تعيش على هامش الأمم، وقد فقدت مقومات عزتها ومجدها ألا وهو الإسلام.

• وظهرت نتائج المأساة الألیمة، عندما قسمت بلاد الشام إِلی أربع دول، وکل دولة کرسوا في حكمها قیادات علمانیة أو طائفية، ما تزال تسوم سكانها سوء العذاب. أما فلسطین فقد هیأها الإنجلیز لتكون لقمة سائغة لیهود وعصابات صهيون.

· أما حليفهم الحسين، فقد تركوه ليحكم الحجاز فقط بعد الآمال العريضة، والوعود المعسولة، ثم عزلوه ونفوه إلى جزيرة قبرص يقاسي آلام الغربة والندم والحرمان. حیث والی أعداء الله وأقواماً قد غضب الله علیهم، يشارکه في ذلك القيادات السياسية والقومية عند العرب والترك معاً، متناسين قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنِكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ... ﴾ [المائدة: ٥١].

• أما المتآمرون من قادة الترك الاتحاديين، فقد تركوا البلاد يلتهمها الحلفاء، هاربین بأنفسهم، فقتل طلعت باشا الصدر الأعظم، وأنور وزير الدفاع، وجمال السفاح حاكم بلاد الشام (أيام الحرب العالمية الأولى)، قتلوا غيلةً في مجاهل آسيا ومدن ألمانيا .. وقد سجلوا عليهم لعنة التاريخ والمسلمين الصادقين.

• وها هي آثار أضخم مؤامرة (مرَّتْ على ديار المسلمين منذ مطلع هذا القرن)، ما تزال الأمة تعاني من ويلاتها وشرورها حتى اليوم. ولعل أمتنا المنكوبة تثوب إِلى رشدها، وتعي تاريخها وتعتبر من تجاربها، فتبني حاضرها ومستقبلها على ضوء ماضيها، متمسكة بقرآنها وسنة نبيها، وسيرة  سلفها الصالح.

___________________________________________________

الدور المنتظر لأهالي الشام: كما بشرت به الأحاديث النبوية

إن فضائل الشام، وبركة الشام، وفضل الإقامة في بلاد الشام، كل ذلك مرهون بالدور الرائد الذي يُعَدُّ له أهل تلك البلاد، دور الجهاد في سبیل الله، وطرد التحالف اليهودي الصليبي، الذي ما فتئ مستمراً منذ مطلع الدعوة الإسلامية وحتى الآن، وإلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وهذا ما أخبرنا به الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم في أحادیثه الصحاح، فقد أخبرنا بأن المعركة الفاصلة قادمة، وأن المسيح -عليه السلام -سيقدم ويقود المسلمين ليقتل الدجال، ملك يهود، ويحكم بالإسلام، ويكسر الصلبان، ويقضي على مشركي اليهود والنصارى، فساحات المعارك ستكون في بلاد الشام.

• وقد وردت بذلك الأحاديث الصحيحة التالية:

١ - عن أبي الدرداء رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (فسطاط المسلمين يوم الملحمة بالغوطة إلى جانب مدينة يقال لها: دمشق من خير مدائن الشام). والفسطاط: المدينة التي فيها مجتمع الناس، وكذلك الخيمة الكبيرة.

- وفي رواية ثانية: قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (يوم الملحمة الكبرى، فسطاط المسلمين بأرض يقال لها: الغوطة فيها مدينة يقال لها: دمشق خير منازل المسلمین یومئذ).

٢ - وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تقوم الساعة حتی ینزل الروم الأعماق، أو بدابق، فیخرج إِلیهم جیش من المدينة، من خيار أهل الأرض يومئذ ... ) إِلى أن قال: (فيقول المسلمون: لا والله، لا نخلي بینکم وبین إِخواننا، فيقاتلونهم، فینهزم ثلث لا یتوب الله عليهم أبداً، ويقتل ثلثهم، أفضل الشهداء، ويفتتح الثلث، لا يفتنون أبداً).

• فأرض المعارك مع أعداء دین الله، في بلاد الشام: حلب ودابق، والغوطة، وكذلك فلسطين، غرب نهر الأردن وشرقيه. قال عليه الصلاة والسلام:

٣ - (يقاتل بقيتكم الدجال على نهر الأردن، وأنتم شرقي النهر، وهم عربيّه).

• ومما تقدم يتبين أنه من العقائد المشتركة عند اليهود والنصارى عقيدة (الهرمجدّون) وهو الاعتقاد بمجيء يوم يحدث فيه صدام ومعارك بين قوى الشر وقوى الخير، وقد استغل اليهود هذا الاعتقاد عند النصارى ليقنعوهم أنَّ دولة للیهود علی أرض فلسطین ستكون بمثابة موقع متقدم للیهود والنصاری، لقتال المسلمين في هذه المعركة، وبهذا الاعتقاد يحاولون تغطية محاولاتهم المتكررة لهدم المسجد الأقصى، وبناء الهيكل المزعوم مكانه، ومن ثم انتظارهم لمجيء المسيح، وحدوث المعركة (مجدّو) أو (الهرمجدون).

والمعروف أن بلدة (مجدو) هي بلد في فلسطین، تبعد (٥٥ میلاً) عن تل أبيب، وتقع في الجنوب الشرقي لمدينة حيفا على بعد عشرين ميلاً عنها.

والحديث عن معركة (الهرمجدون) أو الملحمة العظمى كما سماها الرسول صلى الله عليه وسلم، متداول على نطاق واسع، وعلى أعلى المستويات وفي أدق القضايا العالمية وأخطرها.

• والمسلمون يعتقدون: بنزول المسيح عليه السلام من السماء، لكسر الصليب وقتل الخنزير وقتل أعدائه من اليهود وعُبّاده من النصارى.

ويؤمّه المهدي: وهو دليل نزوله بالإسلام، وأول من يقتله المسيح هو الدجال -ملك اليهود .. (یقتله عند باب اللّد بفلسطین ومعه - مع الدجال - سبعون ألف يهودي فيهزم الله اليهود، فلا يبقى شيء مما خلق الله عز وجل ليتوارى به يهودي، إلا أنطق الله ذلك الشيء ... إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم لا تنطق ... ).

٤ - وعن النواس بن السمعان الكلابي قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم - يقول: (ينزل عيسى بن مريم عليه السلام عند المنارة البيضاء شرقي دمشق).

• ومما تقدم ندرك أهمية الدور المرشحة له الشام، وندرك أهمیة تکریس الجهود للشام، وندرك الآمال المعقودة على الشام وأهلها، نقول هذا مع العلم أن أثقل وضع على الإطلاق هو وضع الشام، فهو يحتاج إِلى حكمة وجرأة وإِعداد جهادي للأمة کلها.