الإسلام منهج حياة
سلسلة دروس في فكر الشهيد الصدر
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: تضمنت أطروحة «الإسلام منهج حياة» رؤية شمولية تجعل من الإسلام مشروعًا متكاملًا لتحرير الإنسان والقيام بوظيفة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وتتميّز بتأكيدها على العلاقة بين الإيمان ومقاومة الظلم والاستغلال، وبمحاولتها التوفيق بين الأحكام الشرعية الثابتة ومتطلبات الحياة المتغيّرة من خلال الاجتهاد ومنطقة الفراغ التشريعي.
غير أنّ الأطروحة تحتاج إلى مزيد من التدقيق في بعض منطلقاتها؛ إذ أنّ التحوّل الأخلاقي وحده لا يكفي لتغيير البنى الاجتماعية والاقتصادية الظالمة التي تسود في مجتمعاتنا. كما أنّ الاستدلال بالنصوص القرآنية على النتائج السياسية والاقتصادية يحتاج إلى بيان الوسائط التفسيرية والأصولية التي تصل بين دلالة النص والمبدأ العام والتطبيق العملي له، وبمعنى آخر الشواهد المذكورة قد لا تكون مطابقة للمعنى الذي أراد الصدر توجيه المعنى من خلاله.
وتتمثّل أبرز الإشكالات التطبيقية في عدم وجود تفاصيل كافية تكون معياراً للتمييز بين الأحكام الثابتة والمتغيّرة، وعدم وضوح صلاحيات الحاكم الشرعي في العصر الحديث، وغياب آليات تحقيق التوازن الاجتماعي ومنع الاحتكار في ظل اقتصاد عالمي تسوده النزعة الفردية، وعدم وجود أي ضمانات تمنع من انحراف السلطة عن الأهداف التي تعلنها.
ولا شك أن القيم الإسلامية، كالعدل والقسط والمساواة، تمثّل مرجعيات أساسية، لكنها تحتاج مع ذلك إلى سياسات اقتصادية ومؤسسية مناسبة، بل تستلزم اجتهادًا منضبطًا وخبرة متخصصة وآليات للمحاسبة والتقويم.
وبالطبع؛ لا يمكن فهم أطروحة الشهيد محمد باقر الصدر بمعزل عن انتمائه إلى الفكر الإسلامي الشيعي، ولا عن السياق السياسي والفكري الذي شهد تصاعد الحركات الإسلامية في القرن العشرين، ولا سيّما الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني سنة 1979.
فقد أسهمت المرجعية الشيعية، بما تتضمنه من مباحث الإمامة والمرجعية الدينية والاجتهاد والولاية، في تشكيل الإطار النظري لتصوّره حول الدولة الإسلامية ودور الفقيه في قيادة المجتمع خلال عصر الغيبة.
كما مثّلت الثورة الإيرانية، بوصفها تجربة سعت إلى إقامة نظام سياسي يستند إلى الإسلام، سياقًا تاريخيًّا مهمًّا لطرح أسئلة الدولة الإسلامية وإمكانات تجسيدها في الواقع المعاصر.
ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التأثير الفكري المباشر للخميني في الصدر وبين التقاطع بين مشروعيهما؛ إذ لا يكفي التزامن التاريخي أو الاشتراك في الهدف العام لإثبات أنّ أطروحة الصدر كانت نتيجة مباشرة للثورة أو أنّه تبنّى جميع مرتكزات نظرية الخميني في ولاية الفقيه.
وفي المجمل؛ فإن الأطروحة تكتسب أهميتها من محاولتها بناء تصور إسلامي متكامل للدولة والاقتصاد، غير أنّ استكمالها يتطلب وصل المبادئ الشرعية بالمؤسسات الفاعلة والسياسات القابلة للتقييم، واختبار مدى قدرتها على تحقيق العدالة والحرية والرفاه في الواقع.
قطوف من الكتاب (الإسلام منهج حياة)
وممّا لا شكّ فيه أنّ طرح الإمام الخميني لشعار «الجمهورية الإسلامية» كمنهج في الحياة وإطار للحكم، ما هو إلا أداء لفريضة من أعظم الفرائض الإلهية، بل هو استمرار لدعوة الأنبياء عليهم السلام إلى ما يُعيد إلى واقع الحياة المعاصرة روح التجربة التي مارسها النبي الأعظم ﷺ، وكرّس حياته كلّها من أجلها، ويُعيد روح الأطروحة التي جاهد من أجلها أهل البيت عليهم السلام، لا سيّما ثورة كربلاء الحسين عليه السلام، الذي ضحّى بكلّ قطرة من دمه الطاهر في سبيل إقامة حكم الله على الأرض.
ومن الطبيعي أن تجد الحضارة الغربية في اختيار الشعب الإيراني المسلم الإسلامَ منهجًا للحياة وطريقًا نحو بناء الدولة المعاصرة تحدّيًا صارخًا لأسسها الفكرية وأيديولوجيتها الحضارية؛ لأنّها ظنّت منذ أمد طويل أنّها صفّت الإسلام نهائيًّا، واستطاعت أن تفرض على المسلمين التخلّي عنه، واستبداله بتقليد الإنسان الغربي في منهجه وسلوكه في الحياة.
وقد قال الغرب الرأسمالي إنّ أوروبا لم تتطوّر إلا حين فصلت الدين عن الحياة، وقال الشرق الشيوعي إنّ الدين أفيون الشعوب؛ فلكي تستطيع الشعوب أن تكافح من أجل الحرية، لا بدّ لها أن تتخلّى عن الدين.
واليوم، فإنّ التجربة الإسلامية الماثلة أمامنا، المتمثّلة في الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة الوليّ الفقيه، ما هي إلا تعبير صادق عن ضمير الأمة التي لم تعرف لها مجدًا إلا بالإسلام، ولم تعش الأمة الذلّ والهوان والحرمان والتبعية للكافر المستعمر إلا حين تخلّت عنه وابتعدت عنه.
ومن هنا كان اختيار مركز نون للتأليف والترجمة هذه الدراسة التي بين يدي القارئ العزيز، من كلمات الشهيد الصدر، حيث تمّ تهذيبها وتشذيبها من بعض المكرّرات، مع التصرّف البسيط في العبارة، بغية المحافظة قدر الإمكان على عبارة الشهيد، هذا إلى جانب إضافة بعض العناوين للفقرات والموضوعات، وإعادة ترتيب بعض الأبحاث المتفرّقة، وجمعها في بحث واحد.
ولذا تُعدّ هذه الدراسة تلخيصًا لدراسة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، التي قدّم فيها أطروحته حول بناء الدولة الإسلامية المعاصرة، وقد نُشرت هذه الدراسة ضمن كتاب «الإسلام يقود الحياة»، وهو من منشورات دار التعارف، بيروت ـ لبنان، طُبع في العام 1424هـ ـ 2002م.
الأهداف
التعرّف إلى أنّ الإسلام منهج حياة وثورة وعقيدة تشمل كلّ شيء.
التعرّف إلى مسار ثورة الأنبياء عليهم السلام التي حرّرت الإنسان من الداخل والخارج.
فهم العناصر الثابتة والمتحرّكة في الشريعة الإسلامية.
إدراك المسؤوليات العامة للدولة الإسلامية في الحياة الاقتصادية.
الإسلام منهج حياة
يُردّد المثقّفون الغربيون، وبعض المثقّفين العرب، أنّ الإسلام دين وعقيدة، وليس ثورة ومنهجًا للحياة، وأنّه عبارة عن علاقة بين الإنسان وربّه، ولا يصلح لأن يكون أساسًا لثورة اجتماعية كالتي حصلت في العصر الحديث في إيران بقيادة الإمام الخميني قدّس سرّه.
وقد فات هؤلاء أنّ الإسلام ثورة لا تنفصل فيها الحياة عن العقيدة، ولا ينفصل فيها الوجه الاجتماعي عن المحتوى الروحي؛ ومن هنا كانت الثورة الإسلامية تحت مظلّة الوليّ الفقيه فريدة من نوعها على مرّ التاريخ.
لقد جاء الإسلام بمبدأ «لا إله إلا الله»، وهو مبدأ التوحيد الذي يمثّل جوهر العقيدة الإسلامية. بل بهذا المبدأ تمّ تحرير الإنسان من الداخل أولًا، أي تحريره حقيقةً من عبودية غير الله، وجعله يرفض كلّ أشكال الألوهية المزيّفة على مرّ التاريخ. وهذا ما سُمّي بـ«الجهاد الأكبر» أو «جهاد النفس»، ليكون ذلك مقدّمة نحو تحقيق نتيجة طبيعية، ألا وهي تحرير الإنسان من الخارج ثانيًا؛ بمعنى تحرير الثروة والكون حقيقةً من أيّ مالك سوى الله تبارك وتعالى. وهذا ما سُمّي بـ«الجهاد الأصغر».
وقد ربط أمير المؤمنين عليه السلام بين هاتين الحقيقتين حين قال: «العباد عباد الله، والمال مال الله».
إذًا، من خلال ذلك، حطّم الإسلام كلّ القيود المصطنعة والحواجز التاريخية التي كانت تعوق تقدّم الإنسان، وكدحه إلى ربّه، وسيره الحثيث نحوه.
ثورة الأنبياء عليهم السلام
لقد حمل الأنبياء مشعل الإسلام الذي كافحوا من أجله، ليُشكّلوا بذلك ثورة اجتماعية على الظلم والطغيان، وعلى كلّ ألوان الاستغلال والاستعباد، الأمر الذي نجم عنه أمران أساسيان، هما:
أولًا: لم تضع ثورة الأنبياء عليهم السلام مستغلًّا جديدًا في موضع مستغلّ سابق، ولا شكلًا من الطغيان بديلًا عن شكل آخر؛ لأنّها، في الوقت الذي حرّرت فيه الإنسان من الاستغلال، فقد حرّرته من منابع الاستغلال في نفسه أيضًا، وغيّرت نظرته إلى الكون والحياة.
قال تعالى:
﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (1).
نلاحظ في الآية الكريمة كيف يسير العملان الثوريان جنبًا إلى جنب، حيث يجعل المستضعفين أئمّة ويجعلهم الوارثين؛ وهذا يعني أنّ حلول المستضعفين محلّ المستغلّين والمستثمرين، وتسلّمهم مقاليد الحكم والسلطة من أيديهم، يواكب جعلهم أئمّة؛ أي تطهيرهم من الداخل والارتفاع بهم إلى مستوى القدوة والنموذج الإنساني الرفيع.
ولهذا، لن تكون عملية الاستبدال الثوري على يد الأنبياء عليهم السلام كما استُبدل الإقطاعي بالرأسمالي، أو الرأسمالي بالبروليتاريا (الطبقة العمالية الشيوعية)، مجرّد تغيير لمواقع الاستغلال، وإنّما هي تصفية نهائية للاستغلال ولكلّ ألوان الظلم البشري.
ثانيًا: إنّ صراع الأنبياء عليهم السلام مع الظلم والاستغلال لم يتّخذ طابعًا طبقيًّا كما وقع لكثير من الثورات الاجتماعية؛ لأنّه كان ثورة إنسانية حرّرت الإنسان من الداخل، من خلال الجهاد الأكبر قبل كلّ شيء، ولم يكن جانبه الثوري الاجتماعي إلا بناءً علويًّا.
وقد استطاع الإسلام، بعملية التحرير من الداخل، أن يُنبّه في النفوس الخيّرة كلّ كوامن الخير والعطاء، ويُفجّر فيها طاقات الإبداع على اختلاف انتماءاتها الطبقية في المجتمعات الجاهلية؛ فكان الغني يقف إلى جانب الفقير على خطّ المواجهة للظلم والطغيان، وكان مستغلّ الأمس يندمج مع المستغَلّ في إطار ثوري واحد، بعد أن يُحقّق الجهاد الأكبر فيه قيمه العظيمة.
إذًا، فالثائر على أساس نبوي ليس ذلك المستغِلّ الذي يؤمن بأنّ الإنسان يستمدّ قيمته من ملكية وسائل الإنتاج وتمكّنه في الأرض، ويسعى في سبيل انتزاع هذه القيمة من يد مستغِلٍّ آخر والاستئثار بها لنفسه، بحيث تفرض طبيعة هذا الصراع أن يكون الانتماء إلى طبقة المستغِلّين أو المستغَلّين هو الذي يُحدّد موقع الإنسان في الصراع.
بل الثائر النبوي هو ذلك الإنسان الذي يؤمن بأنّه يستمدّ قيمته الإنسانية من سعيه الحثيث نحو الله تعالى، واستيعابه لكلّ ما يعنيه هذا السعي من قيم إنسانية وفضائل أخلاقية، وفي الوقت ذاته يشنّ حربًا لا هوادة فيها على الاستغلال، باعتباره هدرًا لتلك القيم، وتحريفًا للإنسانية عن مسيرتها نحو الله وتحقيق أهدافها الكبرى.
شبهة أحكام الإسلام الثابتة في ظلّ أحكام الحياة المتغيّرة
كثيرًا ما يُثير المشكّكون سؤالًا حول كيفية معالجة مشكلات الحياة الاقتصادية (1) في نهاية القرن العشرين (2) على أساس الإسلام، مع ما طرأ على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، بعد قرابة أربعة عشر قرنًا، من توسّع وتعقيد، وما يواجه إنسان اليوم من مشكلات نتيجة ذلك!
والجواب: إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائمًا؛ ذلك أنّ الاقتصاد الإسلامي تمثّله أحكام الفقه في الثروة والمال، وهذه الأحكام تشتمل على قسمين من العناصر:
العناصر الثابتة: وهي الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة فيما يتّصل بالحياة الاقتصادية.
العناصر المرنة والمتحرّكة: وهي تلك العناصر التي تُستمدّ، على ضوء طبيعة المرحلة في كلّ ظرف، من المؤشّرات الإسلامية العامة (1) التي تدخل في نطاق العناصر الثابتة.
وبالتالي، لا يُستكمل الاقتصاد الإسلامي إلا باندماج العناصر المتحرّكة مع العناصر الثابتة في تركيب واحد. وقد تكون العناصر الثابتة منصوصًا عليها في الكتاب أو السنة، وتتّجه كلّها نحو هدف مشترك، على نحو يبدو منه اهتمام الشارع بتحقيق ذلك الهدف، فيُعتبر هذا الهدف بنفسه مؤشّرًا ثابتًا، وقد يتطلّب الحفاظ عليه وضع عناصر متحرّكة لكي يضمن بقاء الهدف أو السير إلى ذروته الممكنة.
3. القيم الاجتماعية التي أكّد الإسلام عليها
وهذا المؤشّر يعني أنّ في النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة ما يؤكّد قيمًا معيّنة، كالمساواة، والأخوّة، والعدالة، والقسط، ونحو ذلك. وهذه القيم تُشكّل أساسًا لاستنباط صيغ تشريعية متطوّرة ومتحرّكة وفقًا للمستجدّات والمتغيّرات، تكفل تحقيق تلك القيم، وذلك من خلال صلاحيات الحاكم الشرعي في ملء منطقة الفراغ التشريعي.
ومثال ذلك قول الله سبحانه وتعالى:
﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (1).
وقوله تعالى:
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (2).
(1) إنّ الإشارة إلى المشكلة الاقتصادية دون المشكلات الأخرى (الثقافية والسياسية والاجتماعية...) إنّما هي للدلالة على أنّ أكثر المشكلات تعقيدًا وبالغة الصعوبة، والتي نعيشها اليوم، هي المشكلة الاقتصادية، بل هي المدخل الرئيس، في أحيان كثيرة، إلى بروز المشكلات السياسية والاجتماعية وغيرها. والدليل على ذلك أنّ الأزمة العالمية المرتقبة في المستقبل القريب هي أزمة اقتصادية بامتياز، وتتمثّل في شحّ المياه العذبة وندرتها، الأمر الذي سيُسبّب مشكلات سياسية وحروبًا عسكرية بين دول العالم، قد نتلمّس بعض معالمها اليوم بمحاولة العدو الصهيوني إعادة احتلال مياه الوزّاني في جنوب لبنان، ولو تطلّب ذلك حربًا عسكرية شاملة مع لبنان وفي المنطقة كلّها.
(2) كتب الشهيد الصدر هذه الدراسة في أواخر سبعينيات القرن العشرين المنصرم.
أحكام الثروة بين الفقه الفردي والفقه المجتمعي
في أكثر الرسائل العملية للفقهاء، تُقدَّم عادةً الصورة المحدودة والفردية؛ لأنّها تتعامل مع فرد متديّن يريد أن يُطبّق سلوكه على الشريعة، رغم وجوده في مجتمع غير ملتزم بالإسلام منهجًا للحياة.
ومن هنا، لم تكن الصورة التي توحي بها تلك الرسائل العملية كافية لاستيعاب التصوّر الشامل لأهمية الاقتصاد الإسلامي وثماره المرجوّة في توفير السعادة والرفاه، ولكنّها، مع هذا، صورة لا غنى عنها، والهدف من تقديمها تحقيق ما يلي:
أولًا: تمكين الفرد المتديّن من طاعة ربّه والخروج عن عهدة التكليف في سلوكه الخاص.
ثانيًا: الحفاظ عمليًّا على ما يُمكن للفرد المتديّن الحفاظ عليه وتبنّيه في واقع الحياة، كتعبير حيّ عن الإيمان برسالة السماء، والإصرار على أنّها المنهج السويّ للحياة، وعن الرفض الضمني لأيّ نظام اجتماعي آخر.
ثالثًا: تحقيق نصيب من العدالة الاجتماعية التي يتوخّاها الإسلام، بالقدر الذي تتّسع له قدرة الفرد المتديّن في مجال التطبيق. وقد يكون من أروع الأمثلة على ذلك الدور الإنساني الربّاني الذي تقوم به فريضتا الزكاة والخمس في مجال التكافل الاجتماعي ورعاية الفقراء البائسين.
المسؤوليات العامة للدولة الإسلامية
لقد أضحت القوّة الاقتصادية من أكبر القوى الاجتماعية التي تدخل في تقييم المجتمعات المعاصرة وتحديد درجة قوّتها وصمودها على الساحة الدولية.
قال تعالى:
﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (1).
لا تعني الآية هنا القوّة العسكرية فقط، بل كلّ قوّة تُحقّق للمجتمع الإسلامي رهبة في نفوس المجتمعات الجاهلية التي تتربّص به وتتآمر عليه، وفي طليعة هذه القوى القوّة الاقتصادية للمجتمع.
وعلى هذا الأساس، يُمكن تحديد مسؤوليات الدولة الإسلامية عن الحياة الاقتصادية في المجتمع في خطّين عريضين:
أحدهما: تطبيق العناصر الثابتة من الاقتصاد الإسلامي.
والآخر: ملء العناصر المتحرّكة وفقًا لظروف الواقع، وعلى ضوء المؤشّرات الإسلامية العامة التي تقدّم ذكرها.
وتتفرّع من هذين الخطّين عدّة مسؤوليات تفصيلية، منها:
مسؤولية الضمان الاجتماعي: انطلاقًا من حقّ الأمة جميعها في الانتفاع بثروات الطبيعة وخيراتها.
مسؤولية التوازن الاجتماعي: بمعنى توفير حدّ أدنى من الراحة والرفاه لكلّ أفراد المجتمع، من خلال توفير إمكانات العمل وفرص الإنتاج للجميع، ومن خلال منع تجاوز مستوى المعيشة بصورة حادّة، أو احتكار الثروة في طبقة خاصة.
مسؤولية رعاية القطاع العام واستثماره بأقصى درجة ممكنة: وذلك من خلال الاستفادة من أحدث الأساليب وكلّ المستجدّات العلمية في سبيل تنميته وإصلاحه والارتفاع بمستوى قدرته الإنتاجية.
مسؤولية الإشراف على مجمل حركة الإنتاج في المجتمع: وإعطاء التوجيهات اللازمة بهذا الصدد، تفاديًا لمشكلات الفوضى في الإنتاج، والحيلولة دون الإسراف في الإنتاج على المستويين الفردي والمجتمعي.
وضع سياسة اقتصادية لتنمية الدخل الكلّي للمجتمع: ضمن الصيغ التشريعية التي تتّسع لها صلاحيات الحاكم الشرعي.
وعلى ضوء ما تقدّم، نكون قد حدّدنا تصوّرًا عن حياة المجتمع الإسلامي وما يسوده من صور العدالة والرخاء، وذلك من خلال توجيهه نحو الأهداف والقيم الإسلامية الكبرى والعمل على تحقيقها.
الخلاصة
أولًا: إنّ الإسلام ليس دينًا وعقيدة فقط، بل هو ثورة ومنهج للحياة في كلّ زمان ومكان، لكي يُحرّر الإنسان من الداخل أولًا عن طريق الجهاد الأكبر، ومن ثمّ تحرير الإنسان من الخارج عن طريق جهاد الظلم والاستغلال والعبودية.
ثانيًا: لقد استطاعت ثورة الأنبياء عليهم السلام، بوصفها ثورة اجتماعية، أن تُزيل مواقع الظلم والاستغلال نهائيًّا، وأن تُنبّه في نفوس البشرية كلّ كوامن الخير والعطاء والإبداع.
ثالثًا: إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائمًا، ومن منطلق عناصره الثابتة والمتحرّكة، بحيث يُمكن أن يستوعب كلّ مشكلات الحياة المعاصرة ويضع العلاج المناسب لها. وهذا ما يتطلّب منهجًا إسلاميًّا واعيًا للعناصر الثابتة في الشريعة، وإدراكًا معمّقًا لمؤشّراتها العامة، التي على ضوئها يتمّ استنباط العناصر المتحرّكة وتحديدها وفقًا لطبيعة المرحلة ومتطلّباتها، وذلك ضمن حدود صلاحيات الحاكم الشرعي.
رابعًا: تحتوي الشريعة الإسلامية على خطوط عامة ومؤشّرات أساسية ترتسم من خلالها صورة متكاملة لاقتصاد المجتمع الإسلامي، ومن أبرز تلك المؤشّرات والخطوط ممارسة المعصوم، نبيًّا أو وصيًّا، بحيث تُشكّل بمجموعها دلالة ثابتة يُمكن أن يستفيد منها الحاكم الشرعي (وليّ الأمر) في عصر الغيبة، ويعمل على تحقيق أهدافها وقيمها ضمن نطاق صلاحياته الشرعية.
خامسًا: لقد وضع الإسلام صورتين لأحكام الثروة والموارد الطبيعية: الأولى، الصورة الكاملة للمجتمع الإسلامي؛ والثانية، الصورة المحدّدة للفرد وعلاقاته مع الطبيعة والإنسان الآخر.
سادسًا: يعتبر الإسلام أنّ كلّ قوّة أو قدرة تُحقّق للمجتمع الإسلامي وأفراده رهبة في نفوس المجتمعات المتربّصة بهم شرًّا وسوءًا، لا بدّ من تنميتها ورعايتها، ولا سيّما القدرة والقوّة الاقتصادية في عصرنا الحديث؛ إذ يتطلّب ذلك من الدولة الإسلامية القيام بجميع مسؤولياتها وواجباتها في تطبيق أحكام الإسلام الثابتة والمتغيّرة، التي على ضوئها يُمكن تحقيق الضمان الاجتماعي، فضلًا عن خلق حالة من التوازن الاجتماعي بين الأفراد، والتصدّي لكلّ أساليب الاحتكار والاستبداد والطغيان.
ملاحظة تحريرية: صحّحتُ الأخطاء الإملائية واللغوية، ووحّدتُ علامات الترقيم، ونظّمتُ العناوين والفقرات والقوائم، وحذفتُ الرموز المشوّهة الناتجة عن المسح الضوئي. وأبقيتُ مضمون النص وأفكاره كما وردت في الأصل قدر الإمكان. أمّا أرقام الإحالات إلى الآيات والأحاديث، فقد تحتاج إلى مراجعة ومطابقة مع الهوامش الأصلية؛ لأنّ النص المرسل لا يتضمّن بياناتها كاملة.
من هو الشهيد الصدر؟
السيد محمد باقر الصدر (1935–1980م)، فقيه ومفكّر وفيلسوف إسلامي عراقي، وأحد أبرز علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف في القرن العشرين. جمع في مشروعه الفكري بين الفقه وأصوله والفلسفة والاقتصاد والسياسة، وسعى إلى تقديم رؤية إسلامية لقضايا الإنسان والمجتمع والدولة في مواجهة التيارات الفكرية الحديثة.
وُلد محمد باقر الصدر في مدينة الكاظمية قرب بغداد في 1 مارس 1935م، في أسرة علمية عُرفت بالاشتغال بالعلوم الدينية. توفي والده وهو صغير، فنشأ في ظروف مادية صعبة، ثم انتقل مع أسرته إلى النجف الأشرف سنة 1945م، حيث درس العلوم الدينية على أيدي عدد من علماء الحوزة، ومن أبرزهم السيد أبو القاسم الخوئي والشيخ محمد رضا آل ياسين.
وقد ظهرت نجابته مبكرًا، حتى أصبح من المدرّسين والباحثين البارزين في الحوزة العلمية، وأسهم في تطوير البحث الأصولي والفكر الإسلامي المعاصر.
اشتهر بكتاباته التي ناقشت الماركسية والرأسمالية، وبمحاولته تأصيل نظام اقتصادي إسلامي، كما ارتبط اسمه بالحركة الإسلامية في العراق وبموقفه المعارض لحكم حزب البعث. وقد أُعدم في العراق سنة 1980م، وأصبح يُعرف بلقب الشهيد الصدر.
أبرز إسهامات الصدر الفكرية:
لم يقتصر اهتمام الصدر على الفقه وأصوله، بل سعى إلى تقديم إجابات إسلامية عن الأسئلة الفلسفية والاقتصادية والسياسية التي أثارتها التيارات الحديثة، ولا سيما الماركسية والرأسمالية. ومن أشهر مؤلفاته:
فلسفتنا: ناقش فيه المذاهب الفلسفية والمادية، وطرح رؤية إسلامية في المعرفة والوجود.
اقتصادنا: درس فيه النظريات الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية، وسعى إلى بناء تصور متكامل للاقتصاد الإسلامي.
الأسس المنطقية للاستقراء: بحث فيه الأسس المعرفية للاستدلال الاستقرائي.
دروس في علم الأصول: من مؤلفاته المهمة في تجديد البحث الأصولي وتدريسه.
الإسلام يقود الحياة: مجموعة من الكتابات التي تناولت قضايا الدولة الإسلامية والاقتصاد والدستور والقيادة السياسية.
كما ارتبط اسمه بحزب الدعوة الإسلامية في العراق، وأسهم في صياغة توجهاته الفكرية في سياق المواجهة مع التيارات العلمانية والشيوعية وصعود سلطة حزب البعث. وقد شهد العراق منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين انتشارًا للتيارات الشيوعية والصراعات الأيديولوجية. فواجه الصدر هذه التحديات بالتأليف والبحث، محاولًا بيان موقف الإسلام من الفلسفة والاقتصاد والاجتماع. ولم تكن مواجهته فكرية محضة؛ إذ تداخل نشاطه العلمي مع العمل الإسلامي المنظم، وهو ما زاد حساسية موقعه في المشهد العراقي.
ومع تصاعد معارضة الصدر للنظام البعثي، تعرض للمراقبة والضغوط والاعتقال. وقد ازدادت المواجهة حدة بعد الثورة الإيرانية عام 1979م، حين اتخذ الصدر موقفًا مؤيدًا للثورة وقيادتها، في وقت خشي فيه النظام العراقي من انتقال أثرها إلى العراق. وتذكر الدراسات التاريخية أن نشاطه الديني والسياسي جعله من الشخصيات التي نظر إليها النظام بوصفها تحديًا لسلطته.
وبلغ الصراع ذروته في أبريل 1980م، حين اعتقل النظام العراقي الصدر وأخته بنت الهدى، ثم أعدمهما. وتذكر المصادر التاريخية أن إعدامهما جاء في سياق تصاعد التوتر بين النظام البعثي والحركة الإسلامية الشيعية، عقب الثورة الإيرانية ومواقف الصدر السياسية. وقد مثّل مقتلهما منعطفًا مهمًّا في تاريخ الحركة الإسلامية الشيعية في العراق.

