أرشيف المدونة الإلكترونية

الأحد، 18 أكتوبر 2026

الإسلام منهج حياة سلسلة دروس في فكر الشهيد الصدر بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الإسلام منهج حياة 

سلسلة دروس في فكر الشهيد الصدر

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: تضمنت أطروحة «الإسلام منهج حياة» رؤية شمولية تجعل من الإسلام مشروعًا متكاملًا لتحرير الإنسان والقيام بوظيفة الإصلاح الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وتتميّز بتأكيدها على العلاقة بين الإيمان ومقاومة الظلم والاستغلال، وبمحاولتها التوفيق بين الأحكام الشرعية الثابتة ومتطلبات الحياة المتغيّرة من خلال الاجتهاد ومنطقة الفراغ التشريعي. 

غير أنّ الأطروحة تحتاج إلى مزيد من التدقيق في بعض منطلقاتها؛ إذ أنّ التحوّل الأخلاقي وحده لا يكفي لتغيير البنى الاجتماعية والاقتصادية الظالمة التي تسود في مجتمعاتنا. كما أنّ الاستدلال بالنصوص القرآنية على النتائج السياسية والاقتصادية يحتاج إلى بيان الوسائط التفسيرية والأصولية التي تصل بين دلالة النص والمبدأ العام والتطبيق العملي له، وبمعنى آخر الشواهد المذكورة قد لا تكون مطابقة للمعنى الذي أراد الصدر توجيه المعنى من خلاله.

وتتمثّل أبرز الإشكالات التطبيقية في عدم وجود تفاصيل كافية تكون معياراً للتمييز بين الأحكام الثابتة والمتغيّرة، وعدم وضوح صلاحيات الحاكم الشرعي في العصر الحديث، وغياب آليات تحقيق التوازن الاجتماعي ومنع الاحتكار في ظل اقتصاد عالمي تسوده النزعة الفردية، وعدم وجود أي ضمانات تمنع من انحراف السلطة عن الأهداف التي تعلنها. 

ولا شك أن القيم الإسلامية، كالعدل والقسط والمساواة، تمثّل مرجعيات أساسية، لكنها تحتاج مع ذلك إلى سياسات اقتصادية ومؤسسية مناسبة، بل تستلزم اجتهادًا منضبطًا وخبرة متخصصة وآليات للمحاسبة والتقويم. 

وبالطبع؛ لا يمكن فهم أطروحة الشهيد محمد باقر الصدر بمعزل عن انتمائه إلى الفكر الإسلامي الشيعي، ولا عن السياق السياسي والفكري الذي شهد تصاعد الحركات الإسلامية في القرن العشرين، ولا سيّما الثورة الإيرانية بقيادة الإمام الخميني سنة 1979. 

فقد أسهمت المرجعية الشيعية، بما تتضمنه من مباحث الإمامة والمرجعية الدينية والاجتهاد والولاية، في تشكيل الإطار النظري لتصوّره حول الدولة الإسلامية ودور الفقيه في قيادة المجتمع خلال عصر الغيبة. 

كما مثّلت الثورة الإيرانية، بوصفها تجربة سعت إلى إقامة نظام سياسي يستند إلى الإسلام، سياقًا تاريخيًّا مهمًّا لطرح أسئلة الدولة الإسلامية وإمكانات تجسيدها في الواقع المعاصر.

ومع ذلك، ينبغي التمييز بين التأثير الفكري المباشر للخميني في الصدر وبين التقاطع بين مشروعيهما؛ إذ لا يكفي التزامن التاريخي أو الاشتراك في الهدف العام لإثبات أنّ أطروحة الصدر كانت نتيجة مباشرة للثورة أو أنّه تبنّى جميع مرتكزات نظرية الخميني في ولاية الفقيه. 

وفي المجمل؛ فإن الأطروحة تكتسب أهميتها من محاولتها بناء تصور إسلامي متكامل للدولة والاقتصاد، غير أنّ استكمالها يتطلب وصل المبادئ الشرعية بالمؤسسات الفاعلة والسياسات القابلة للتقييم، واختبار مدى قدرتها على تحقيق العدالة والحرية والرفاه في الواقع.

قطوف من الكتاب (الإسلام منهج حياة)

وممّا لا شكّ فيه أنّ طرح الإمام الخميني لشعار «الجمهورية الإسلامية» كمنهج في الحياة وإطار للحكم، ما هو إلا أداء لفريضة من أعظم الفرائض الإلهية، بل هو استمرار لدعوة الأنبياء عليهم السلام إلى ما يُعيد إلى واقع الحياة المعاصرة روح التجربة التي مارسها النبي الأعظم ﷺ، وكرّس حياته كلّها من أجلها، ويُعيد روح الأطروحة التي جاهد من أجلها أهل البيت عليهم السلام، لا سيّما ثورة كربلاء الحسين عليه السلام، الذي ضحّى بكلّ قطرة من دمه الطاهر في سبيل إقامة حكم الله على الأرض.

ومن الطبيعي أن تجد الحضارة الغربية في اختيار الشعب الإيراني المسلم الإسلامَ منهجًا للحياة وطريقًا نحو بناء الدولة المعاصرة تحدّيًا صارخًا لأسسها الفكرية وأيديولوجيتها الحضارية؛ لأنّها ظنّت منذ أمد طويل أنّها صفّت الإسلام نهائيًّا، واستطاعت أن تفرض على المسلمين التخلّي عنه، واستبداله بتقليد الإنسان الغربي في منهجه وسلوكه في الحياة.

وقد قال الغرب الرأسمالي إنّ أوروبا لم تتطوّر إلا حين فصلت الدين عن الحياة، وقال الشرق الشيوعي إنّ الدين أفيون الشعوب؛ فلكي تستطيع الشعوب أن تكافح من أجل الحرية، لا بدّ لها أن تتخلّى عن الدين.

واليوم، فإنّ التجربة الإسلامية الماثلة أمامنا، المتمثّلة في الجمهورية الإسلامية في إيران بقيادة الوليّ الفقيه، ما هي إلا تعبير صادق عن ضمير الأمة التي لم تعرف لها مجدًا إلا بالإسلام، ولم تعش الأمة الذلّ والهوان والحرمان والتبعية للكافر المستعمر إلا حين تخلّت عنه وابتعدت عنه.

ومن هنا كان اختيار مركز نون للتأليف والترجمة هذه الدراسة التي بين يدي القارئ العزيز، من كلمات الشهيد الصدر، حيث تمّ تهذيبها وتشذيبها من بعض المكرّرات، مع التصرّف البسيط في العبارة، بغية المحافظة قدر الإمكان على عبارة الشهيد، هذا إلى جانب إضافة بعض العناوين للفقرات والموضوعات، وإعادة ترتيب بعض الأبحاث المتفرّقة، وجمعها في بحث واحد.

ولذا تُعدّ هذه الدراسة تلخيصًا لدراسة الشهيد السيد محمد باقر الصدر (رضوان الله عليه)، التي قدّم فيها أطروحته حول بناء الدولة الإسلامية المعاصرة، وقد نُشرت هذه الدراسة ضمن كتاب «الإسلام يقود الحياة»، وهو من منشورات دار التعارف، بيروت ـ لبنان، طُبع في العام 1424هـ ـ 2002م.

الأهداف

  1. التعرّف إلى أنّ الإسلام منهج حياة وثورة وعقيدة تشمل كلّ شيء.

  2. التعرّف إلى مسار ثورة الأنبياء عليهم السلام التي حرّرت الإنسان من الداخل والخارج.

  3. فهم العناصر الثابتة والمتحرّكة في الشريعة الإسلامية.

  4. إدراك المسؤوليات العامة للدولة الإسلامية في الحياة الاقتصادية.

الإسلام منهج حياة

يُردّد المثقّفون الغربيون، وبعض المثقّفين العرب، أنّ الإسلام دين وعقيدة، وليس ثورة ومنهجًا للحياة، وأنّه عبارة عن علاقة بين الإنسان وربّه، ولا يصلح لأن يكون أساسًا لثورة اجتماعية كالتي حصلت في العصر الحديث في إيران بقيادة الإمام الخميني قدّس سرّه.

وقد فات هؤلاء أنّ الإسلام ثورة لا تنفصل فيها الحياة عن العقيدة، ولا ينفصل فيها الوجه الاجتماعي عن المحتوى الروحي؛ ومن هنا كانت الثورة الإسلامية تحت مظلّة الوليّ الفقيه فريدة من نوعها على مرّ التاريخ.

لقد جاء الإسلام بمبدأ «لا إله إلا الله»، وهو مبدأ التوحيد الذي يمثّل جوهر العقيدة الإسلامية. بل بهذا المبدأ تمّ تحرير الإنسان من الداخل أولًا، أي تحريره حقيقةً من عبودية غير الله، وجعله يرفض كلّ أشكال الألوهية المزيّفة على مرّ التاريخ. وهذا ما سُمّي بـ«الجهاد الأكبر» أو «جهاد النفس»، ليكون ذلك مقدّمة نحو تحقيق نتيجة طبيعية، ألا وهي تحرير الإنسان من الخارج ثانيًا؛ بمعنى تحرير الثروة والكون حقيقةً من أيّ مالك سوى الله تبارك وتعالى. وهذا ما سُمّي بـ«الجهاد الأصغر».

وقد ربط أمير المؤمنين عليه السلام بين هاتين الحقيقتين حين قال: «العباد عباد الله، والمال مال الله».

إذًا، من خلال ذلك، حطّم الإسلام كلّ القيود المصطنعة والحواجز التاريخية التي كانت تعوق تقدّم الإنسان، وكدحه إلى ربّه، وسيره الحثيث نحوه.

ثورة الأنبياء عليهم السلام

لقد حمل الأنبياء مشعل الإسلام الذي كافحوا من أجله، ليُشكّلوا بذلك ثورة اجتماعية على الظلم والطغيان، وعلى كلّ ألوان الاستغلال والاستعباد، الأمر الذي نجم عنه أمران أساسيان، هما:

أولًا: لم تضع ثورة الأنبياء عليهم السلام مستغلًّا جديدًا في موضع مستغلّ سابق، ولا شكلًا من الطغيان بديلًا عن شكل آخر؛ لأنّها، في الوقت الذي حرّرت فيه الإنسان من الاستغلال، فقد حرّرته من منابع الاستغلال في نفسه أيضًا، وغيّرت نظرته إلى الكون والحياة.

قال تعالى:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ﴾ (1).

نلاحظ في الآية الكريمة كيف يسير العملان الثوريان جنبًا إلى جنب، حيث يجعل المستضعفين أئمّة ويجعلهم الوارثين؛ وهذا يعني أنّ حلول المستضعفين محلّ المستغلّين والمستثمرين، وتسلّمهم مقاليد الحكم والسلطة من أيديهم، يواكب جعلهم أئمّة؛ أي تطهيرهم من الداخل والارتفاع بهم إلى مستوى القدوة والنموذج الإنساني الرفيع.

ولهذا، لن تكون عملية الاستبدال الثوري على يد الأنبياء عليهم السلام كما استُبدل الإقطاعي بالرأسمالي، أو الرأسمالي بالبروليتاريا (الطبقة العمالية الشيوعية)، مجرّد تغيير لمواقع الاستغلال، وإنّما هي تصفية نهائية للاستغلال ولكلّ ألوان الظلم البشري.

ثانيًا: إنّ صراع الأنبياء عليهم السلام مع الظلم والاستغلال لم يتّخذ طابعًا طبقيًّا كما وقع لكثير من الثورات الاجتماعية؛ لأنّه كان ثورة إنسانية حرّرت الإنسان من الداخل، من خلال الجهاد الأكبر قبل كلّ شيء، ولم يكن جانبه الثوري الاجتماعي إلا بناءً علويًّا.

وقد استطاع الإسلام، بعملية التحرير من الداخل، أن يُنبّه في النفوس الخيّرة كلّ كوامن الخير والعطاء، ويُفجّر فيها طاقات الإبداع على اختلاف انتماءاتها الطبقية في المجتمعات الجاهلية؛ فكان الغني يقف إلى جانب الفقير على خطّ المواجهة للظلم والطغيان، وكان مستغلّ الأمس يندمج مع المستغَلّ في إطار ثوري واحد، بعد أن يُحقّق الجهاد الأكبر فيه قيمه العظيمة.

إذًا، فالثائر على أساس نبوي ليس ذلك المستغِلّ الذي يؤمن بأنّ الإنسان يستمدّ قيمته من ملكية وسائل الإنتاج وتمكّنه في الأرض، ويسعى في سبيل انتزاع هذه القيمة من يد مستغِلٍّ آخر والاستئثار بها لنفسه، بحيث تفرض طبيعة هذا الصراع أن يكون الانتماء إلى طبقة المستغِلّين أو المستغَلّين هو الذي يُحدّد موقع الإنسان في الصراع.

بل الثائر النبوي هو ذلك الإنسان الذي يؤمن بأنّه يستمدّ قيمته الإنسانية من سعيه الحثيث نحو الله تعالى، واستيعابه لكلّ ما يعنيه هذا السعي من قيم إنسانية وفضائل أخلاقية، وفي الوقت ذاته يشنّ حربًا لا هوادة فيها على الاستغلال، باعتباره هدرًا لتلك القيم، وتحريفًا للإنسانية عن مسيرتها نحو الله وتحقيق أهدافها الكبرى.

شبهة أحكام الإسلام الثابتة في ظلّ أحكام الحياة المتغيّرة

كثيرًا ما يُثير المشكّكون سؤالًا حول كيفية معالجة مشكلات الحياة الاقتصادية (1) في نهاية القرن العشرين (2) على أساس الإسلام، مع ما طرأ على العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، بعد قرابة أربعة عشر قرنًا، من توسّع وتعقيد، وما يواجه إنسان اليوم من مشكلات نتيجة ذلك!

والجواب: إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائمًا؛ ذلك أنّ الاقتصاد الإسلامي تمثّله أحكام الفقه في الثروة والمال، وهذه الأحكام تشتمل على قسمين من العناصر:

  1. العناصر الثابتة: وهي الأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسنة فيما يتّصل بالحياة الاقتصادية.

  2. العناصر المرنة والمتحرّكة: وهي تلك العناصر التي تُستمدّ، على ضوء طبيعة المرحلة في كلّ ظرف، من المؤشّرات الإسلامية العامة (1) التي تدخل في نطاق العناصر الثابتة.

وبالتالي، لا يُستكمل الاقتصاد الإسلامي إلا باندماج العناصر المتحرّكة مع العناصر الثابتة في تركيب واحد. وقد تكون العناصر الثابتة منصوصًا عليها في الكتاب أو السنة، وتتّجه كلّها نحو هدف مشترك، على نحو يبدو منه اهتمام الشارع بتحقيق ذلك الهدف، فيُعتبر هذا الهدف بنفسه مؤشّرًا ثابتًا، وقد يتطلّب الحفاظ عليه وضع عناصر متحرّكة لكي يضمن بقاء الهدف أو السير إلى ذروته الممكنة.

3. القيم الاجتماعية التي أكّد الإسلام عليها

وهذا المؤشّر يعني أنّ في النصوص الإسلامية من الكتاب والسنة ما يؤكّد قيمًا معيّنة، كالمساواة، والأخوّة، والعدالة، والقسط، ونحو ذلك. وهذه القيم تُشكّل أساسًا لاستنباط صيغ تشريعية متطوّرة ومتحرّكة وفقًا للمستجدّات والمتغيّرات، تكفل تحقيق تلك القيم، وذلك من خلال صلاحيات الحاكم الشرعي في ملء منطقة الفراغ التشريعي.

ومثال ذلك قول الله سبحانه وتعالى:

﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (1).

وقوله تعالى:

﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ (2).

(1) إنّ الإشارة إلى المشكلة الاقتصادية دون المشكلات الأخرى (الثقافية والسياسية والاجتماعية...) إنّما هي للدلالة على أنّ أكثر المشكلات تعقيدًا وبالغة الصعوبة، والتي نعيشها اليوم، هي المشكلة الاقتصادية، بل هي المدخل الرئيس، في أحيان كثيرة، إلى بروز المشكلات السياسية والاجتماعية وغيرها. والدليل على ذلك أنّ الأزمة العالمية المرتقبة في المستقبل القريب هي أزمة اقتصادية بامتياز، وتتمثّل في شحّ المياه العذبة وندرتها، الأمر الذي سيُسبّب مشكلات سياسية وحروبًا عسكرية بين دول العالم، قد نتلمّس بعض معالمها اليوم بمحاولة العدو الصهيوني إعادة احتلال مياه الوزّاني في جنوب لبنان، ولو تطلّب ذلك حربًا عسكرية شاملة مع لبنان وفي المنطقة كلّها.

(2) كتب الشهيد الصدر هذه الدراسة في أواخر سبعينيات القرن العشرين المنصرم.

أحكام الثروة بين الفقه الفردي والفقه المجتمعي

في أكثر الرسائل العملية للفقهاء، تُقدَّم عادةً الصورة المحدودة والفردية؛ لأنّها تتعامل مع فرد متديّن يريد أن يُطبّق سلوكه على الشريعة، رغم وجوده في مجتمع غير ملتزم بالإسلام منهجًا للحياة.

ومن هنا، لم تكن الصورة التي توحي بها تلك الرسائل العملية كافية لاستيعاب التصوّر الشامل لأهمية الاقتصاد الإسلامي وثماره المرجوّة في توفير السعادة والرفاه، ولكنّها، مع هذا، صورة لا غنى عنها، والهدف من تقديمها تحقيق ما يلي:

أولًا: تمكين الفرد المتديّن من طاعة ربّه والخروج عن عهدة التكليف في سلوكه الخاص.

ثانيًا: الحفاظ عمليًّا على ما يُمكن للفرد المتديّن الحفاظ عليه وتبنّيه في واقع الحياة، كتعبير حيّ عن الإيمان برسالة السماء، والإصرار على أنّها المنهج السويّ للحياة، وعن الرفض الضمني لأيّ نظام اجتماعي آخر.

ثالثًا: تحقيق نصيب من العدالة الاجتماعية التي يتوخّاها الإسلام، بالقدر الذي تتّسع له قدرة الفرد المتديّن في مجال التطبيق. وقد يكون من أروع الأمثلة على ذلك الدور الإنساني الربّاني الذي تقوم به فريضتا الزكاة والخمس في مجال التكافل الاجتماعي ورعاية الفقراء البائسين.

المسؤوليات العامة للدولة الإسلامية

لقد أضحت القوّة الاقتصادية من أكبر القوى الاجتماعية التي تدخل في تقييم المجتمعات المعاصرة وتحديد درجة قوّتها وصمودها على الساحة الدولية.

قال تعالى:

﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (1).

لا تعني الآية هنا القوّة العسكرية فقط، بل كلّ قوّة تُحقّق للمجتمع الإسلامي رهبة في نفوس المجتمعات الجاهلية التي تتربّص به وتتآمر عليه، وفي طليعة هذه القوى القوّة الاقتصادية للمجتمع.

وعلى هذا الأساس، يُمكن تحديد مسؤوليات الدولة الإسلامية عن الحياة الاقتصادية في المجتمع في خطّين عريضين:

  • أحدهما: تطبيق العناصر الثابتة من الاقتصاد الإسلامي.

  • والآخر: ملء العناصر المتحرّكة وفقًا لظروف الواقع، وعلى ضوء المؤشّرات الإسلامية العامة التي تقدّم ذكرها.

وتتفرّع من هذين الخطّين عدّة مسؤوليات تفصيلية، منها:

  1. مسؤولية الضمان الاجتماعي: انطلاقًا من حقّ الأمة جميعها في الانتفاع بثروات الطبيعة وخيراتها.

  2. مسؤولية التوازن الاجتماعي: بمعنى توفير حدّ أدنى من الراحة والرفاه لكلّ أفراد المجتمع، من خلال توفير إمكانات العمل وفرص الإنتاج للجميع، ومن خلال منع تجاوز مستوى المعيشة بصورة حادّة، أو احتكار الثروة في طبقة خاصة.

  3. مسؤولية رعاية القطاع العام واستثماره بأقصى درجة ممكنة: وذلك من خلال الاستفادة من أحدث الأساليب وكلّ المستجدّات العلمية في سبيل تنميته وإصلاحه والارتفاع بمستوى قدرته الإنتاجية.

  4. مسؤولية الإشراف على مجمل حركة الإنتاج في المجتمع: وإعطاء التوجيهات اللازمة بهذا الصدد، تفاديًا لمشكلات الفوضى في الإنتاج، والحيلولة دون الإسراف في الإنتاج على المستويين الفردي والمجتمعي.

  5. وضع سياسة اقتصادية لتنمية الدخل الكلّي للمجتمع: ضمن الصيغ التشريعية التي تتّسع لها صلاحيات الحاكم الشرعي.

وعلى ضوء ما تقدّم، نكون قد حدّدنا تصوّرًا عن حياة المجتمع الإسلامي وما يسوده من صور العدالة والرخاء، وذلك من خلال توجيهه نحو الأهداف والقيم الإسلامية الكبرى والعمل على تحقيقها.

الخلاصة

أولًا: إنّ الإسلام ليس دينًا وعقيدة فقط، بل هو ثورة ومنهج للحياة في كلّ زمان ومكان، لكي يُحرّر الإنسان من الداخل أولًا عن طريق الجهاد الأكبر، ومن ثمّ تحرير الإنسان من الخارج عن طريق جهاد الظلم والاستغلال والعبودية.

ثانيًا: لقد استطاعت ثورة الأنبياء عليهم السلام، بوصفها ثورة اجتماعية، أن تُزيل مواقع الظلم والاستغلال نهائيًّا، وأن تُنبّه في نفوس البشرية كلّ كوامن الخير والعطاء والإبداع.

ثالثًا: إنّ الإسلام قادر على قيادة الحياة وتنظيمها ضمن أطره الحيّة دائمًا، ومن منطلق عناصره الثابتة والمتحرّكة، بحيث يُمكن أن يستوعب كلّ مشكلات الحياة المعاصرة ويضع العلاج المناسب لها. وهذا ما يتطلّب منهجًا إسلاميًّا واعيًا للعناصر الثابتة في الشريعة، وإدراكًا معمّقًا لمؤشّراتها العامة، التي على ضوئها يتمّ استنباط العناصر المتحرّكة وتحديدها وفقًا لطبيعة المرحلة ومتطلّباتها، وذلك ضمن حدود صلاحيات الحاكم الشرعي.

رابعًا: تحتوي الشريعة الإسلامية على خطوط عامة ومؤشّرات أساسية ترتسم من خلالها صورة متكاملة لاقتصاد المجتمع الإسلامي، ومن أبرز تلك المؤشّرات والخطوط ممارسة المعصوم، نبيًّا أو وصيًّا، بحيث تُشكّل بمجموعها دلالة ثابتة يُمكن أن يستفيد منها الحاكم الشرعي (وليّ الأمر) في عصر الغيبة، ويعمل على تحقيق أهدافها وقيمها ضمن نطاق صلاحياته الشرعية.

خامسًا: لقد وضع الإسلام صورتين لأحكام الثروة والموارد الطبيعية: الأولى، الصورة الكاملة للمجتمع الإسلامي؛ والثانية، الصورة المحدّدة للفرد وعلاقاته مع الطبيعة والإنسان الآخر.

سادسًا: يعتبر الإسلام أنّ كلّ قوّة أو قدرة تُحقّق للمجتمع الإسلامي وأفراده رهبة في نفوس المجتمعات المتربّصة بهم شرًّا وسوءًا، لا بدّ من تنميتها ورعايتها، ولا سيّما القدرة والقوّة الاقتصادية في عصرنا الحديث؛ إذ يتطلّب ذلك من الدولة الإسلامية القيام بجميع مسؤولياتها وواجباتها في تطبيق أحكام الإسلام الثابتة والمتغيّرة، التي على ضوئها يُمكن تحقيق الضمان الاجتماعي، فضلًا عن خلق حالة من التوازن الاجتماعي بين الأفراد، والتصدّي لكلّ أساليب الاحتكار والاستبداد والطغيان.

ملاحظة تحريرية: صحّحتُ الأخطاء الإملائية واللغوية، ووحّدتُ علامات الترقيم، ونظّمتُ العناوين والفقرات والقوائم، وحذفتُ الرموز المشوّهة الناتجة عن المسح الضوئي. وأبقيتُ مضمون النص وأفكاره كما وردت في الأصل قدر الإمكان. أمّا أرقام الإحالات إلى الآيات والأحاديث، فقد تحتاج إلى مراجعة ومطابقة مع الهوامش الأصلية؛ لأنّ النص المرسل لا يتضمّن بياناتها كاملة.

من هو الشهيد الصدر؟

السيد محمد باقر الصدر (1935–1980م)، فقيه ومفكّر وفيلسوف إسلامي عراقي، وأحد أبرز علماء الحوزة العلمية في النجف الأشرف في القرن العشرين. جمع في مشروعه الفكري بين الفقه وأصوله والفلسفة والاقتصاد والسياسة، وسعى إلى تقديم رؤية إسلامية لقضايا الإنسان والمجتمع والدولة في مواجهة التيارات الفكرية الحديثة.

وُلد محمد باقر الصدر في مدينة الكاظمية قرب بغداد في 1 مارس 1935م، في أسرة علمية عُرفت بالاشتغال بالعلوم الدينية. توفي والده وهو صغير، فنشأ في ظروف مادية صعبة، ثم انتقل مع أسرته إلى النجف الأشرف سنة 1945م، حيث درس العلوم الدينية على أيدي عدد من علماء الحوزة، ومن أبرزهم السيد أبو القاسم الخوئي والشيخ محمد رضا آل ياسين. 

وقد ظهرت نجابته مبكرًا، حتى أصبح من المدرّسين والباحثين البارزين في الحوزة العلمية، وأسهم في تطوير البحث الأصولي والفكر الإسلامي المعاصر. 

اشتهر بكتاباته التي ناقشت الماركسية والرأسمالية، وبمحاولته تأصيل نظام اقتصادي إسلامي، كما ارتبط اسمه بالحركة الإسلامية في العراق وبموقفه المعارض لحكم حزب البعث. وقد أُعدم في العراق سنة 1980م، وأصبح يُعرف بلقب الشهيد الصدر.

أبرز إسهامات الصدر الفكرية:

لم يقتصر اهتمام الصدر على الفقه وأصوله، بل سعى إلى تقديم إجابات إسلامية عن الأسئلة الفلسفية والاقتصادية والسياسية التي أثارتها التيارات الحديثة، ولا سيما الماركسية والرأسمالية. ومن أشهر مؤلفاته:

  • فلسفتنا: ناقش فيه المذاهب الفلسفية والمادية، وطرح رؤية إسلامية في المعرفة والوجود.

  • اقتصادنا: درس فيه النظريات الاقتصادية الرأسمالية والاشتراكية، وسعى إلى بناء تصور متكامل للاقتصاد الإسلامي.

  • الأسس المنطقية للاستقراء: بحث فيه الأسس المعرفية للاستدلال الاستقرائي.

  • دروس في علم الأصول: من مؤلفاته المهمة في تجديد البحث الأصولي وتدريسه.

  • الإسلام يقود الحياة: مجموعة من الكتابات التي تناولت قضايا الدولة الإسلامية والاقتصاد والدستور والقيادة السياسية.

كما ارتبط اسمه بحزب الدعوة الإسلامية في العراق، وأسهم في صياغة توجهاته الفكرية في سياق المواجهة مع التيارات العلمانية والشيوعية وصعود سلطة حزب البعث. وقد شهد العراق منذ أواخر خمسينيات القرن العشرين انتشارًا للتيارات الشيوعية والصراعات الأيديولوجية. فواجه الصدر هذه التحديات بالتأليف والبحث، محاولًا بيان موقف الإسلام من الفلسفة والاقتصاد والاجتماع. ولم تكن مواجهته فكرية محضة؛ إذ تداخل نشاطه العلمي مع العمل الإسلامي المنظم، وهو ما زاد حساسية موقعه في المشهد العراقي.

ومع تصاعد معارضة الصدر للنظام البعثي، تعرض للمراقبة والضغوط والاعتقال. وقد ازدادت المواجهة حدة بعد الثورة الإيرانية عام 1979م، حين اتخذ الصدر موقفًا مؤيدًا للثورة وقيادتها، في وقت خشي فيه النظام العراقي من انتقال أثرها إلى العراق. وتذكر الدراسات التاريخية أن نشاطه الديني والسياسي جعله من الشخصيات التي نظر إليها النظام بوصفها تحديًا لسلطته. 

وبلغ الصراع ذروته في أبريل 1980م، حين اعتقل النظام العراقي الصدر وأخته بنت الهدى، ثم أعدمهما. وتذكر المصادر التاريخية أن إعدامهما جاء في سياق تصاعد التوتر بين النظام البعثي والحركة الإسلامية الشيعية، عقب الثورة الإيرانية ومواقف الصدر السياسية. وقد مثّل مقتلهما منعطفًا مهمًّا في تاريخ الحركة الإسلامية الشيعية في العراق. 




إلى الجيل الصاعد أحمد السيد بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

إلى الجيل الصاعد

أحمد السيد

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: ممـا لا شـك فيـه أنـه لا يمكـن اسـتيعاب كل مشـكلات الجيـل في كتـاب مختصر، ولكـن يمكـن بنـاء المنهجيـة المعينـة على التفكير بطريقـة صحيحـة، وضرب الأمثلـة الكثيرة لتكـون نماذج صالحـة للقيـاس، كما يمكـن تنـاول القضايـا ذات التأثير الكبير على حيـاة الإنسـان العلميـة والإيمانيـة والاجتماعيـة والأخلاقيـة، وهـذا كلـه مما يتناوله هذا الكتاب.

ويقصد بالجيل الصاعد: الجيل الذي أدرك شـبكات التواصل وهو في المراحل الأولى مـن عمـر التمييـز والمراهقـة. فضلا عمـّن نشـؤوا بعـد ذلـك ممـن اتصـل بهـذا الفضـاء الإلكرتوني دون سـن التمييـز، بـل مـن بدايـة الطفولـة.

وقد حدث عند ذلك تأثيرات جانبية خطرة بسـبب طبيعة التفاعل مـع المعلومـات في شـبكات التواصـل: كتشـتت الذهـن، وسرعـة الملـل، وتعـود النظـر إلى التافهين والانجـذاب للأضـواء الإعلاميـة، والركـون إلى المعلومـات السريعـة (المعلبة،) غير أن أشـد صـور الإشكال في هـذا العـالم الافتراضي الفسـيح هـي تصـدر المتعالمين، وتقـدم التافهين، وبـروز السـفهاء الذيـن يقـودون دفـة التوجيـه غير المبـاشر للجيـل الصاعـد، وجـرأة الجاهلين على الديـن والشريعـة، كما أن ممـا يلاحـظ على الجيـل الصاعـد أنـه بـدأ يتفشـى فيـه انعـدام المعلومات الثقافية الإسلامية الأولية كالمواقف الأساسـية في السيرة النبويـة، وأبـرز قصـص التاريخ الإسلامي وأحداثه الكبرى، إضافة إلى بعـض المعلومـات الأساسـية المتعلقـة بالتاريـخ الحديـث كقضيـة فلسـطين ومـا يرتبـط بهـا.

ويـأتي هـذا الكتـاب متوجها لأبنـاء الجيل الصاعد ببعـض القضايا التربويـة والإيمانيـة والسـلوكية والاجتماعيـة التـي يحتاجـون إليهـا، إضافـة إلى أنـه يخاطـب من سـميتهم (الجيـل العائر) أيضـا وهو الجيل المتوسـط بين الجيلين (الصاعـد والسـابق) ممـن تأثـروا بالسمات الجديـدة وبقيـت لديهـم المؤثـرات القديمـة، غري أننـي أنبـه إلى أن الكتـاب إنام هـو موجـه لمـن التفـت منهـم إلى نفسـه متسـائلاً باحثـاً ناظـراً مهتماً بمسـتقبله الديني والمعرفي والنفيس، لا إلى من هو غارق في بحـر الملهيـات، معرضـا عـن الارتقـاء واهتمام بنفسـه ودينـه!

رسائل الكتاب العشرة

1- لا تخش الفشل. 2- سؤال الهوية. 3-تحدي الإيمان والثبات.

4-التفكير بين النقد والشك. 5- مشكلة القدوات. 6-رباعية التميز للنخبة.

7-الفوضى المعرفية وترتيب الأوراق. 8-أهمية معرفة الجيل الصاعد للسياق التاريخي الحديث.

9- تحدي الشهوة والحب والزواج. 10- الهداية والاستقامة

خلاصة ما في الكتاب

نحـن بحاجـة – إلى الانفـكاك عـن المفهـوم المادي الضيـق والمختـزل للنجـاح، وإعـادة تعريفـه ليتوافـق مـع التصـور الإسلامـي للحيـاة؛ فهـذا يسـهل الكـثير من الأمـور في مسيرة الإنسـان ويزرع في نفسـه طمأنينـة يعلـم مـن خلالها أن ليـس عليـه إلا سـعيه، وأن واجبه هـو بـذل أقصى جهـده، فيـدرك ببذلـه ذلـك أنـه نجـح، سـواء تحققت الغايـة التـي سـعى لأجلهـا أم لا. ففـي نهايـة المطـاف الأمـور بيـد الله عـز وجـل ماضيـة وفـق تقدير 

محددات الهوية للشباب أو الشابات من الجيل الصاعد: 

(المحدد الأول): أنا مسلم أنتمي لأمة كبيرة: فمـن واجبـاتي خدمتهـا والقيـام عليهـا، والسـعي لنصرتهها، كل َحسب اسـتطاعته.

(المحدد الثاني): أنا ابن أبي وأمي وعائلتي: وهـذا يحقـق لي الشـعور بالانتماء والجماعة والنصرة، ومن واجباتي الإحسـان إليهم، والصبر على أذاهم.

(المحدد الثالث): أنا زوج أو زوجة، وأب أو أم: فالـزواج لي ليـس شيئاً عابراً، وإنما مقصـد مهـم، كما أن وجـود الأبنـاء مهـم في حيـاتي، فأنـا أربيهـم، وأحـرص على صلاحهـم، ومن ثـم نفعهـم للمجتمـع والأمة.

(المحدد الرابع): أنا صديق صالح: فالأصدقـاء والصحبـة تعنيـان لي أمـراً مـهماً، وتحققـان سـعادة لي وشـعوراً بالأنـس، كما أنها باب مـن أبواب التعـاون والـصبر لتحقيق غاية الوجـود. ولا شـك أن نـوع الأصدقـاء يسـهم في تحديـد ملامـح هوية الإنسـان، فلا تسـل عـن الممرء وسـل عـن خليله.

(المحـدد الخامـس): أنـا طالـب علـم أنفـع بـه النـاس – وهـذا للنخبة مـن الجيـل الصاعد – فليـس للعلـم -عندي– وقـت ومرحلة محـددة تنتهـي بانصرامها، بـل هـو مـن صفاتي التـي تلازمني ما حييـت، كما أنني أنفـع به الناس، ولا أجعلـه حبيـس صـدري، وهـذا الهـدف سـيصبغ هويتـي بصبغـة حسـنة تملأ حيـاتي وتصحح مسـاري.

(المحـدد السـادس): وهـو محدد إضافي نرجـو أن نراه في نخبة شـباب الجيـل الصاعـد وهـو (أنـا ُمُصلـح على طريـق الأنبياء:) وذلـك أن الله تعـالى وصـف طريـق الأنبيـاء بـالإصلاح في قولـه على لسـان شـعيب عليـه الـسلام {إن أريد الإصلاح ما استطعت} [سـورة هـود].

من أهم ما يعزز من هوية الشاب المسلم:

1-تعزيـز مرجعيـة الوحـي لديـه وارتباطـه بالكتـاب والسـنة باعتبارهمـا أساسـا حاكام لطريـق الإنسـان.

2-تحقيق العبودية لله. وقد سبق ذكرها.

3-الشـعور بالانتماء إلى الأمـة الإسلامية وهذا مـن أهم ما يعزز الهوية

4-العنايـة بتاريـخ المسـلمين والانتماء العـام إلى هـذا الميراث التاريخـي العظيـم، فنحـن أبنـاء الأبطـال والفاتحين والعلماء والأئمـة الصالحين.

5-العناية باللغة العربية فهي جزء أساسي من الهوية الإسلامية.

مجموعـة مـن التوصيـات بخصـوص تحدي الإيمان ومواجهة الإلحاد:

1-العنايـة بقـراءة الكتـب التـي تعـزز اليقين وتثبـت الإيمان بالحجـج والبراهين، وهـي في تزايـد كبري بفضـل الله تعـالى، فالمكتبـة الإسلامية أصبحـت ممتلئـة بالمؤلفـات المعتنيـة بشـأن تعزيـز اليقين وتثبيـت الإيمان ،بـل صـارت هنـاك مراكـز تخصـص جزءاً مـن منتجاتهـا لتغطيـة هـذا الملـف، كمركـز تكويـن ومركـز دلائـل ومركز رواسـخ ومركـز تبصير وغيرهـا.

ومـن الكتـب الجيـدة والمناسـبة: كتـاب النبـأ العظيم لمحمـد دراز، كما أننـي كتبـت عـدة كتـب يسـهل قراءتهها وفهمهـا للجيـل الصاعـد لتحقيـق هـذا الهدف، وهـي: (محاسـن الإسلام – كامـل الصـورة –سـابغات -التفـكير الناقد-البنـاء العقـدي).

2- الحـرص على البنـاء الشرعي، وذلك بدراسـة مرحلة التأصيل على أقـل تقدير، وسـيأتي شرح مـا يتعلق بمراحـل القراءة والدراسـة الشرعيـة في موضـوع الفوضى المعرفيـة بإذن الله.

3-الاهـتمام الخاص بمعجـزة الإسلام: القـرآن. والإنسـان كلما اقترب مـن القـرآن – حفظاً وفهماً وتلاوةً وتدبـراً وعملاً – فإنه يزداد إيمانـًا، وتنفتـح لـه أبـواب الهدايـة والتوفيـق، وقـد ثبت عـن النبي صلى الله عليه وسلم أنـه قـال عـن القـرآن: ((من اتّبعـه كان على الهدى ومـن تركه كان على ضلالة)).

ومـن أفضل صور العلاقـة بالقرآن: تخصيص ورد للقراءة والتدبر والاسـتهداء، ويحسـن أن يكـون بالتـدارس مـع الصحبـة الصالحـة الطيبـة، لتعلـم مـا في آيـات القـرآن مـن الإيامن والأحـكام والعرب، وهـذا مـن أفضـل مـا يمكـن أن يفيـد في تثبيـت الإيمان واليقين.

4- التسـجيل في البرامـج التعليميـة الإلكترونيـة التـي تعتنـي بتعزيـز اليقين والإيامن والعلـم الشرعـي.

5- القـراءة في الكتـب التي نقدت الثقافـة الغالبة - الثقافة الغربية المادية – لأن سـقوط قيمتها من النفس يسـتلزم شـبهاتها وإشـكالاتها وتأثيراتهـا، وفي هـذا السـقوط خير عظيـم، ومنهـا كتـاب: سـلطة الثقافـة الغالبـة لإبراهيـم السـكران، فـرج الله عنـه ونفـس كربته.

6- تنميـة التفكري السـليم، وتقويـة الحـس النقـدي المعتـدل، وسـأذكر تفاصيـل ذلـك في الموضـوع القـادم.

سمات التفكير الناقد أو النقدي

أولاً: اشتراط الدليل لقبول الدعوى:

إن الدعـاوى لا تسـاوي شـيئاً مـا لم يقرنهـا أصحابهـا بأدلـة تثبـت صحتهـا، فحين يقـول قائـل: إن هـذا الأمـر وقـع في التاريـخ، أو إن هـذا الحكـم منسـوب إلى الشرع، ونحو ذلـك، فإن هـذا القول وحده لا يثبـت شـيئا مـا لم يكـن معـه دليـل يدعـم هـذا الادعـاء. وكثريا مـا يقـع اللبـس في الواقـع بسـبب القبـول للدعـاوى غير المبرهنـة.

ثانياً: اشتراط الصحة لقبول الدليل:

ينظـر المفكـر الناقـد عند نقـده لأطروحـة المخالف إلى ثلاثـة أمور: إلى الدليـل، وإلى نتيجتـه، وإلى طريقـة الاسـتدلال التـي توصل بها إلى النتيجـة. فـإذا تضمـن إحداهـا خطـأ ما اختلـت أطروحتـه، وصارت محـل استشـكال في ميـزان النقـد العلمـي، ومـن أكثر ما يقـع من الخطأ في ذلـك: عـدم صحـة الدليـل إمـا مـن جهـة الثبـوت أو مـن جهـة الدلالـة، وقـد شرحـت ذلـك بأمثلتـه في كتـابي: (أصـول الخطأ).

ثالثا: اشتراط (اللزوم) لقبول النتيجة من الدليل:

لا يكفـي لصحـة الاسـتدلال بدليـل مـا أن يكـون ثابتـاً في نفسـه، ولا أن يكـون فهـم ألفاظـه صحيحـاً، بـل لابـد أن يكـون بين الدليـل والمدلـول (النتيجـة) علاقـة لـزوم؛ أي: أن يكـون الدليـل مسـتلزماً للنتيجـة. فحين يقـول قائـل: إن وجـود المصائـب والكـوراث؛ يعني عـدم وجـود خالـق نقـول لـه: إن دليلـك لا يسـتلزم نتيجـة أبـداً، فإن وجـود المصيبـة على شـخص ما لا يسـتلزم انتفـاء وجود مـن ينظر إلى وقوعهـا بعين الحكمـة، فكيـف لـو كانـت هـذه المصائـب والكوارث في ظـرف زمنـي يراد لـه أن يكون اختبـارا وابتلاء، ويـراد له أن يكون محلاً لتمحيـص النـاس وتنقيتهم؟ أليس هذا مقتضى ما أخبر الله به عن حال الدنيا؟

ً رابعـاً: اشتراط عـدم مناقضـة الدليـل لمـا هـو أرجـح منـه مـن القطعيـات إذا كان ظنيـاً:

إن مـن يتصـف بالتفكري النقـدي العلمـي يفحـص النتائـج التـي يتوصـل إليهـا النـاس كما يفحـص الأدلة والاسـتدلالات، فإذا كانت النتائـج تعـارض أو تناقـض نتائـج أخـرى ثبتـت بأدلـة أكثـر قـوة فإنه يقـدم الأقـوى على مـا دونه، وقـد ذكرت بعـض الأمثلة على ذلك في كتـابي المشـار إليـه قريباً.

خامسا: عدم قبول التناقض:

إّنّ التناقـض بين أمريـن يـدل على أن أحدهمما – فقط – صحيح؛ إذ إن النقيـضين لا يرتفعـان ولا يجتمعـان والمفكـر الناقـد لا يقبل الجمع بين النقائـض، بـل يدقـق في المتناقضـات ويرجـح منها ما كان مسـتنداً إلى دليـل صحيـح ؛ أيّاً كان نوعـه (خبرياً أو عقلّيًّا أو حسّيًّـا). كما أّنّ المفكـر الناقـد ينفـر من الأشـخاص الذين تكثـر التناقضات في أطروحاتههم، وأقـول: (تكثـر)؛ لأن الإنسـان لا يخلـو – لنقصـه ونسـيانه وجهلـه - مـن أن يقـع في كلامـه شيء مـن الاخـتلاف أو التناقـض، ويكـون مـردوداً عليـه مـا تناقـض فيـه، ولكـن: أن يكثـر ذلـك في المرء ويفحـش، فهذا دلالـة على اضطراب أصولـه واختلال قواعـده المعرفية، ولسـنا بحاجة إلى مزيـد من الاختلال والاضطراب المعـرفي في هـذا الزمـن.

سادسـاً: التفريـق بين المعارف القطعية والمعـارف الظنية، والتعامل مع كل منهما بما يناسـبه:

إن المفكـر الناقـد يختلـف عـن المفكـر الشـكاك، فالناقـد يـدرك التفـاوت بين المصـادر، ومـن ثـم يتعامـل مـع كل منهام بما يليـق بـه، بحسـب وجـود البراهين المثبتـة لقـوة ذلـك المصـدر مـن عدمهـا. وأمـا الشـكاك فيتخذ الشـك منهجاً له يعانت بـه في وجه الحقائق، ولا يفـرق بين المصادر.

سـبيل اكتسـاب المعرفة النقدية:

ومن الطرق الفاعلة لاكتساب التفكير النقدي، دراسة ما يلي من هذه العلوم:

1-علـم مصطلـح الحديـث: إذ ينمـي القـدرة على فحـص ثبوت الأخبـار، وطـرق كشـف دقيـق خللهـا وعللها.

2-علـم أصـول الفقـه: وهـو ينمـي القـدرة على فحـص معـاني الأخبـار، واسـتنباط دلالاتهـا، والربـط بين النصـوص، وطريقـة الجمـع بين الأخبـار حين تعارضهـا.

3-علـم الجـدل والمناظـرة: وهو ينمـي القدرة على تنظيم الحجج وترتيبهـا، وكيفيـة عرضهـا بصـورة واضحـة بينـة، ويعين على إدراك مغالطـات الطـرف المقابـل. مع التنبـه إلى عدم الاسـتغراق فيه، وعدم الانجـرار مـن خلاله إلى علـم المنطق.

4- قـراءة مؤلفـات العلماء الذيـن تميـزوا واشـتهروا بعقليتهـم الناقـدة، على مـر العصـور في التاريـخ الإسلامي، مـن أمثـال ابـن حـزم، وابـن تيميـة، والذهبـي، مع مراعـاة التـدرج المنهجـي في قراءة كتبهـم.

5- متابعـة نتـاج بعض المعاصريـن المتمكنين ممن تميـزوا بالفكر الناقـد في المناظـرات كأحمـد ديـدات، أو في الطـرح التحليلي كعبـد الوهـاب المسيري في نظرتـه للعلمانيـة والحداثـة.

سمات الرجل القدوة

أولاً: الانطلاق من المحكمات:

والمحكمات هي قضايا الدين الواضحة البينة الكلية. فمن أهـم السمات التـي يجـب أن تتوفـر فيمـن يصلـح أن يكون قـدوة: انطلاقـه مـن المحكمات لا من المتشـابهات، وبنـاءه الفروع على الأصـول لا العكـس؛ لأنـّه إنما تفقـه الحيـاة ويؤخـذ العلـم بهـذا، ولا يتيـه المـرء ويختل سيره ويزل إلا باختلال أصولـه ومنطلقاتـه، إذ إنها للمـرء كالسـّكة للقطـار؛ تضبط سريه وتضمن سلامته.

ثانياً: : الجمـع بني النصـوص الشرعيـة وبين مراعـاة المقاصـد والمصالـح:

كثيراً مـا ينشـب الصراع بين معسـكري النصـوص والمقاصـد، فالمعسـكر الأول يعيـب على الثـاني تمييـع الديـن والشريعـة، ويعيـب الثـاني على الأول جمـوده وبعـده عـن حاجـة النـاس وروح الإسلام، والمطلـوب مراعـاة الأمريـن؛ فالطريقـة الشرعية لا تُحِدث صراعاً بين النصـوص والمقاصد، بل توائم بينهـا فتجعل النصوص علامات مرشـدة للفقيـه في تعاملـه مـع المقاصـد، وتجعـل المقاصد أفقاً يلحظه الفقيـه وهـو يتعامل مـع النص.

ثالثاً: الوعي وحسن فهم الواقع:

لا بـد للمرء لكي يسـتحق مقـام القدوة أن يكـون على دراية بواقع النـاس، فهـذا رسـول الله صلى الله عليه وسلم يؤثـر دفع مفسـدة نفور قومـه - بإدراكه أنههم حديثـو عهـد بـالإسلام - على مصلحـة بنـاء الكعبـة لتعـود على مـا كانـت عليـه زمـن إسماعيل عليـه السلام، وسـبب المفسـدة التي يمكـن أن يتأثـر بها قومه هو أن بناء الكعبـة يتطلب هدمها أولاًً؛ فدرأ رسـولُ الله الفتنـة وقـدم دفـع المفسـدة على جلب المصلحـة من خلال ملاحظتـه لمسـتوى وعـي الناس وطبيعـة المرحلة التي يعيشـونها.

رابعاً: تقديمه مصلحة الأمة على مصلحة الفرد:

لا يكـون المـرء حقيقـا بمقـام القـدوة إلا بتقديـم المسـلمين ومصالحهـم على مـا دون ذلـك مـن المصالـح، وهـذا أمـر في غايـة الأهميـة، ومـع كونـه واضحـاً ومقـرراً في الشريعـة إلا أن مـن النـاس مـن تغلبهـم أهواؤهـم ومصالحهـم الشـخصية حتـى ضمـن إطـار اشـتغالهم في العلـم الشرعـي والدعـوة الإسلامية.

خامساً: تصديق القول بالعمل:

الإسلام ليـس نظريـة فلسـفية، ولا ينفـك التنظير فيه عـن التطبيق بأي حـال من الأحوال، فمـن اكتفى بالكلام والشـعارات العريضة، ثـم ناقـض عملـه قوله فليـس أهلاً لأن يكـون قدوة.

سادساً: التوازن والاعتدال:

إن مـن صفـات القـدوة ألا يكـون مـن أهـل الغلـو بمختلـف صـوره، فلا يكـون مغاليـا في تعظيـم الرجـال ولا يكـون مغاليـا في تعظيـم الحـكام، ولا يكـون مغاليـا في التكفير، ولا يكـون مغاليـا في نقـد التراث، ولا يكـون مغاليـاً في نقـد الدعـاة، بـل يكـون معتـدلاً متزنـاً، والاعتـدال صفـة مـن أهـم صفـات القـدوة.

سابعاً: عدم مخالفة الثوابت الشرعية:

إن مـن يخالـف المحـكمات والثوابـت الشرعيـة - التـي يسـتحيل تبـدلها باخـتلاف الأحـوال والأزمنـة، والتـي اسـتفاضت الأدلـة الشرعيـة عليهـا وكانـت مححل قبـول بين عامـة عـلماء المسـلمين - لا يكـون حقيقـاً بمقـام الاقتـداء. كمـن يسـقط حجيـة السـنة، أو يعادي أصحـاب رسـول الله صلى الله عليه وسلم أو يسـتبيح دمـاء المسـلمين المعصـومين المصـلين استرضـاء لحاكـم أو وزيـر أو جماعـة!.

ثامناً: التنوع المعرفي:

إن تشـعب الأفـكار والقضايـا في زمننـا، وتداخـل الموضوعـات التـي تشـغل عامـة النـاس وخاصتهـم، وتصـدر رمـوز مـن المخالفين للثوابـت الشرعيـة ممن يتحدثون في شـتى الموضوعـات، يتطلب إيجاد قـدوات معرفيـة متنوعـة الاهتمامات متعـددة الثقافات لسـد الفجوة، ورص الصـف، وإحسـان المعالجـة. وهـذا ليـس شرطـا في القـدوة، لكـن مـن الحسـن وجـوده خاصـة في زماننـا هذا.

وينبغي التنبيه هنا إلى أن الاقتـداء ينقسم إلى ثلاثـة مسـتويات بحسـب صفـات الشـخص المقتـدى بـه:

المستوى الأول: الاقتداء الجزئي المحدد بباب معين.

المستوى الثاني: الاقتداء المنهجي والفكري والسلوكي العام.

المسـتوى الثالث: الاقتداء التام الشـامل في كل شـأن من شـؤون المقتـدى بـه، وهـذا لا يكون إلا للرسـول صلى الله عليه وسـلم.

سبيل تحصيل الفهم لطالب العلم الشرعي

وسبيل تحصيل الفهم أمور متعددة، منها:

1-العنايـة بتدبـر وتفهـم كتـاب الله وسـنة رسـوله صلى الله عليه وسلم، فـإن التفقـه بمعانيها يكسـب الإنسـان عقلا حكيما متصلا بمعـاني الوحي ومقاصـده.

2-الاهتامم بعلـم أصـول الفقـه وعلـوم اللغـة العربيـة، وليـس المقصـود بعلـوم العربيـة علمـي النحـو والصرف فقـط، بـل إدراك فقههـا وأدبهـا وشـعرها وبيانهـا، وحفـظ عيـون مـن شـعرها ومتنهـا.

3-إدمـان النظـر في كتـب الأئمـة الكبـار المجتهديـن الذيـن اسـتعملوا فيهـا الفهـم والقيـاس والاجتهـاد، سـواء مـا كان منهـا في تفسري القرآن كتفسير الطبري والقرطبي وابن عاشـور، أو ما كان في شرح السـنة والحديـث كالتمهيـد لابـن عبـد البر، وفتح البـاري لابن حجـر رحمـه الله وإحـكام الأحـكام لابـن دقيـق العيـد، وكذلك كتب الفقـه الموسـعة المقارنـة التي تعـرض الأدلة والأقـوال والترجيح بينها ككتـاب المغنـي لابـن قدامـة والمجمـوع للنـووي وغيرهمـا. 

4-التركيـز على مؤلفـات إمـام بعينـه وقراءتها كلهـا أو جلها حتى يخلـص إلى القـارئ تفـكير المؤلـف ومنهجيتـه ونقـده ونظره وقياسـه. ثـم عمـل ذلـك مـع مؤلفـات إمـام آخـر، وهكـذا، مثـل ابـن تيميـة، وابـن كـثير، وابـن القيـم، والذهبي...إلـخ

5-العنايـة بأبـواب الوجـوه والنظائر والفروق سـواء ما كان منها في القـرآن أو اللغة أو الفقه.

مداخل العلوم والتأصيل الأولي

لِكُـِلِّ عِلْـم مـن العُلـوم مـواد تأصيليـة أوليـة تفتـح أبـواب هـذا الفـن وتعِرف الطالـب بمسـائله، وهـي ضروريـة في قانـون التـدّرّج، لأن سـنة العلـم الماضيـة هـي البـدء بصغـار العلـم قبـل كبـاره، ومـن لا يلتـزم بهها فإنـه يقـع في إشـكالات متعـددة، منهـا: الانقطـاع وعدم الاسـتمرار.

وكتب القسم الأول تتفرع إلى فرعين:

الأول: مداخل العلوم. الثاني: المتون التأصيلية الأولية.

فأما مداخل الفنون فتتناول ما يلي:

أ- التعريف العام بالفن المراد دراسته. ب- التعريف بأهم كتبه ورموزه.

جـ- التعريف بأهم موضوعات العلم. د- التعريف بتاريخ العلم

وأمـا المتـون التأصيليـة فتتناول أصول مسـائل الفـن وأهم أحكامه بـدون أدلـة أو بذكـر الأدلة مختصرة.

ثم ينتقل بعد ذلك إلى مرحلة البناء، ويدرس فيها الكتب التي تُعنى ببناء المفاهيم الجديدة وبيان أدلتها ثم بعد ذلك تأتي مرحلة التمكين، ويدرس فيها الكتب الموسعة والكبيرة. وقـد كان مـن سـنة العلامء العنايـة بمثـل هـذه الكتـب، وتكـرار قراءتهـا.

فعلى سـبيل المثـال لقـب الشـيخ جمـال الديـن أحمـد بـن محمد الأُشـمومي الشـافعي بـ(الوجيـزي) لحفظـه كتاب (الوجيـز) في الفقه الشـافعي للغـزالي وعنايتـه بـه، ولقب الإمـام الزركشي بــ (المنهاجي) نِسبةً إلى (منهـاج الطالبين) للإمـام النـووي، وجـاء في طبقـات الشـافعية الكربى للسـبكي، في ترجمـة المـزني صاحـب الشـافعي أنـه قـال: «أنـا انظـر في كتـاب الرسـالة منـذ خمسين سـنة، مـا أعلـم أني نظـرتُ فيـه مرَّة إلا وأنـا أسـتفيد شيئاً لم أكـن عرفتـه». 

وذكـر الذهبـي في (سير أعلام النُّبلاء) في ترجمـة القـاضي الرامهرمـزي مؤلـف الكتـاب الذائـع: «المحدث الفاصـل» قـال: (ما أحسـنه مـن كتـاب. قيـل: إن السـلفي - يقصـد أبـا طاهـر السـلفي بكسر السين - كان لا يـكاد يفارق كمـَّه). أي أنـه كان يدمـن النظر في هذا الكتاب.

كيف نتعامل مع هذا النوع من الكتب؟

الجـواب: بالتكـرار، ولا يكتفـى بتكرارها مرتين أو ثلاثة بل يجب ألا يقـل التكـرار عـن خمـس مـرات، ولا يعني ذلك أن يكـون التكرار متتاليـاً، بـل المقصـود أن تتـم مراجعتـه مـراراً، ولـو كان في كل نصـف سـنة مرة. ولضمان الإحاطة بالكتاب واسـتيعابه ينصـح بتلخيصه إلى جانب التكرار، وسـيأتي ذكر قواعد التلخيص إن شـاء الله تعالى.

أمثلة على كتب مركزية:

- في علم الحديث: «مقدمة ابن الصلاح». - في علم أصول الفقه: «الرسالة» للشافعي.

- في مقاصد الشريعة: «الموافقات» للشاطبي. - في السيرة النبوية: «سيرة ابن هشام».

- في النحو: «شرح ابن عقيل على الألفية». - في علوم القرآن: «البرهان» للزركشي.

- في الرقائق والسلوك: «رياض الصالحين ومدارج السالكين».

- في التاريخ الإسلامي: «البداية والنهاية» لابن كثير.

- وليست هذه الأمثلة على سبيل الاستقصاء والحصر.

* ملاحظـة: الكتـب المركزيـة ليـس بالضرورة أن يكـون لـكل فـن كتـاب واحـد منهـا، بل يمكـن أن يكـون في الفن عـدة كتب مركزيـة، ثـم إذا تعمقـت في تخصصـات الفـن، فسـتجد كتابـًا أو كتبـًا مركزيـة في كل فـن. ففـي علـوم الحديـث مثلا: يضـاف شرح علـل الترمـذي وتحريـر علـوم الحديـث أو فتـح المغيـث للسـخاوي. ليكـون المجمـوع مـع مـا سـبق ذكـره ثلاثـة كتب.

ثم يأتي بعد ذلك مرحلة التخصص، وهي مرحلة تؤدي إلى عمـق الفهـم لههذا المجـال، وإدراك مداخلـه ومخارجه وتاريخه ومكوناتـه، ومـن ثـم يسـتطيع الممرء المشـاركة في هـذا المجـال بالكتابـة أو المحـاضرة وغير ذلـك، وهـذه المشـاركة تشـعر الإنسـان بالثقـة الكبيرة.

ثم بعد ذلك تأتي مرحلة الكتب المطولة أو الموسوعية، وهذه المطولات يستودع فيهـا كل شيء متعلق بهذا الفـن، ولا يشـذ عنهـا إلا قليـل مـن الموضوعـات، وهـي كتـب مهمـة للمتخصـص، فـإذا تخصصت في مجـال فلابد أن تكـون عندك أمهات الكتـب فيـه ومطولاتُها.

* الكتـب المطولـة ليـس بالضرورة أن تقـرأ كاملـة، وإنما تكـون مرجعاً للبحـث والتحليـل والتحضير. ومـن الجيـد للمتخصـص أن يقـرأ كتابـا على الأقـل مـن المراجـع الكبرى في فنـّه.

* أمثلة على المطولات: كتـاب المغنـي لابـن قدامـة المقـدسي في الفقـه الحنبلي، وكتـاب المجمـوع للنـووي في الفقـه الشـافعي، وكتـاب تفسير الطبري في التفسير، وكتـاب فتـح البـاري في فقـه السـنة....،الخ

دون الفوائد بأنواع التدوين الثلاثة:

يقلـل البعـض مـن قيمـة التدويـن ويعلـون مـن شـأن الحفـظ، ويعكـس آخـرون القضيـة. وعنـد النظـر والتأمـل فـإن التـوازن بينهما هـو الأصـوب والأكثـر نفعـاً، وسـأعرض باختصـار لأهـم أنـواع التدويـن التـي تفيـد طالـب العلـم وتشـكل لـه مـع مـرور الوقـت مرجعـا خاصـا تكثـر فائدتـه ويعظـم نفعـه.

أ. التدوين على الكتاب نفسه:

تعـود على مـلء الصفحـات البيضـاء الفارغـة في أول الكتاب وفي آخـره بالفوائـد الجديـدة عليـك مـن نفـس الكتـاب، وذلـك بكتابـة رأس الفائـدة ورقـم الصفحـة، ولا تـدع معلومـة ذات قيمـة – سـواء أكانـت متعلقـة بصلـب الكتـاب أم كانـت مـن الفوائـد المذكـورة في الحـواشي، أو في اسـتطرادات المؤلـف - دون تدويـن، وهـذا مفيـد جـداً في المراجعـة لاحقـاً.

ب. التدوين في الدفتر الجامع للفنون:

مـن الحسـن أن يكـون لـدى طالـب العلـم دفرت كبري مقسـم إلى فنـون متنوعـة، ينقـل إليـه المهـم والمركـزي مـن الفوائـد المتعلقـة بهـذا القسـم ممـا قـرأه في بطـون الكتـب، أو اسـتمع إليـه مـن أهـل العلـم والاختصـاص. فيصبـح هـذا الدفرت بعـد زمـن موسـوعة جميلة مـن الفوائـد المهمة المقسـمة على الفنـون والعلوم.

جـ. التدوين في دفتر التخصص:

إذا تخصصـت في علـم معين أو اهتممـت بـه اهتمامـاً بالغـاً، فلتجعـل لنفسـك دفرتاً خاصـاً بهـذا العلـم لا تكتـب فيـه أي فائـدة ليسـت متعلقـة بـه، ولتنقـل إليـه تلـك الفوائـد مـن مختلـف الكتـب التـي تقرؤهـا في شـتى الفنـون، ولنفرتض مثلا أنـك مهتـم بالتاريـخ الإسلامي فإنـك سـتجد معلومات تاريخيـة في أثنـاء قراءتك في كتب الفـرق والمذاهـب، وفي كتـب العقائـد، وكذلـك في كتـب الأدب وفي كتـب السياسـة، وفي الفلسـفة وغير ذلـك.

فـكل فائـدة (مهمـة) تمـر عليـك ممـا لهـا ارتبـاط بالتاريـخ؛ سـواء وجدتهـا في كتـب التاريـخ أو في غيرهـا، فلتنقلهـا إلى هـذا الدفتر الخـاص بالتاريـخ، ثـم سـتجد بعـد سـنوات أن هـذا الدفرت قـد صـار مـن أغلى مـا لديـك؛ لأنك نقشـت حروفه على مدى سـنوات طويلة مـن بطـون الكتب وسـتكرره مسـتمتعا بفوائده حتى تحفظـه أو تكاد. 

تلخيص الكتب المهمة والمركزية

إن مـن أهـم مـا يرسـخ المعلومـات ويقربهـا للمراجعـة السـهلة أن يكتـب القـارئ خلاصـة الكتـاب المهـم الذي يـرى أنه يفيـده كثيرا في مسريته ومنهجيتـه المعرفيـة، وقـد عرف بعـض العلماء بالعنايـة التامة بتلخيـص الكتـب كالإمـام الذهبـي الـذي لخـص مائتي كتـاب تقريباً- كما ذكـره الدكتور بشـار عـواد في كتابـه عن الإمـام الذهبـي وتاريخه. ولابـد لطالـب العلـم أن يعتنـي بالتلخيـص عنايـة تامـة، وسـأذكر بعـض القواعـد المختصرة في موضـوع التلخيـص:

1- ليـس كل كتـاب يلخـص؛ وإنما تلخـص الكتـب المركزيـة، وبعـض الكتـب البنائيـة المهمـة.

2- طريقـة التلخيـص تبـدأ برسـم الخارطـة المعرفيـة للكتـاب عبر تشـجير موضوعاتـه، وعناوينـه وفصولـه، ثـم تنقـل هذه المشـجرة إلى دفتر تفرق فيـه؛ أي: تكتـب كتابـة نثريـة فيـه مع تباعـد فيما بينها، ثم تُملأ خلاصـات المعلومـات المتعلقـة بهـذه العناوين مـن الكتاب. وباختصـار فالفكـرة هـي أن نضـع خطـة التلخيـص أولاً؛ عبر كتابـة العناويـن، ثـم نملأ المعلومـات ونسـد الفراغـات. 

3- التلخيـص لا يتنـاول الاسـتطرادات التـي لا علاقـة لهـا بصلـب موضـوع الكتـاب؛ بل محـل هـذه الاسـتطرادات أن تكتب في الصفحـات البيضـاء في أول الكتاب؛ بحسـب ما سـبق بيانـه في النوع الأول مـن أنـواع التدويـن.

4- من المهم جداً مراجعة التلخيصات بين كل فترة وأخرى.

التكرار العلاج الناجع للنسيان:

لا تحـل مشـكلة النسـيان بخلطـة سـحرية أو ضربـة حـظ، وإنما حلهـا يكمـن في تكـرار المقـروء مـن كتـب مركزيـة ومحاولـة هضمهـا واسـتيعابها على أتـم وجـه. فتكـرار الكتـب المركزيـة في كل فن خمس مـرات تقريبـا سيرسـخ كثريا مـن المعلومـات. ومـن المعينـات على ذلك مـا سـبق ذكـره في التدويـن والتلخيص، فالكتابـة المسـتخلصة مـن الكتـب المقـروءة يسـهل مراجعتهـا، والمراجعـة تثبـت المعلومـات.

طالبُ العلم الرسالي

ينبغي على طلاب العلم الذين يريـدون بطلبهـم إيـاه إحيـاء الإسلام، ما يلي:

1-إدراكهـم لأهميـة الوقـت وحرصهـم على سـاعات أيامهـم وعـدم إهدارهـا.

2-توقد عزائمهم، وتجدد هممهم، وارتباطهم الدائم بالعلم.

3-التزامهـم بالمعنـى الرسـالي في تحديـد خارطتهـم العلميـة والإصلاحية؛ لا بما يفرض عليهم مـن نتائج الخلافات والصراعات وحظـوظ النفـس التـي تؤطـر مسريتهم وتحجـم أهدافهـم وتضيـق آفاقهـم!

4-استقامتهم السلوكية بموافقة أعمالهم لمعلوماتهم.

5-سـدهم للثغـور العلميـة التـي يفتحهـا الأعـداء في بنيـان الإسلام، فيجاهدونهـم بالقـرآن جهـاداً كبيرا، ويظهـرون الديـن بالحجـة والبيـان والبرهـان على الديـن كلـه، ويراغمـون المنافقين بكشـف مكائدهـم وتضليلاتهـم البيانيـة التـي يلمـزون فيهـا الحـق وأهلـه.

6-اهتمامهـم بأمر المسـلمين، واجتهادهـم في معرفة أحوالهم، وفي تعلـم مـا يجعلهم مدركين لما يحتاجه واقع المسـلمين مـن إصلاح.

7-لا يجعلـون مـن تعليمهـم العلـم وسـيلة لبناء مجدهـم الدنيوي أو لزيـادة أرصدتهـم الماليـة، بـل يبذلـون العلـم لمـن يحتاجـه بقـدر اسـتطاعتهم؛ دون مزايـدات واشتراطات تحـرف العلـم عـن مسـاره إلى مسـار التجـارة والأمـوال.

8-قلة خلافهم على إخوانهم، وبعدهم عن الجدل والخصومات، وعدم انشغالهم بأخطاء العلماء والدعاة.

وختامـا؛ فـإن حاجتنـا إلى التزكيـة المسـتمرة الدائمـة عظيمـة، وحاجتنـا إلى إصلاح قلوبنـا حتـى تححب الإيمان وتكـره الكفـر والفسـوق والعصيـان بالغـة، وإذا زكـت النفـس وصلـح القلـب فإن مـرور الفتـن والشـهوات عليه يختلف تـأثيره عن مرورهـا على القلب المريض، وشـتان شـتان بين القلبين، وبين النفسين، فالله الله يا شـباب الجيـل بـإصلاح القلـوب وتزكيـة النفوس ففيهـا الوقايـة العظيمة من الفتن.