أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 27 مايو 2026

أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير) إعداد: فيحان بن فراج بن هقشة بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (رسالة ماجستير)

إعداد: فيحان بن فراج بن هقشة

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا البحث المبارك النافع، يتناول ما لآل البيت رضوان الله عليهم من الأحكام والفضائل التي اختصوا بها، ولم يشاركهم فيها أحدٌ من الناس، فتناول الحقوق المالية، ثم الحقوق غير المالية، ثم حقوق مواليهم، وبعض الأحكام التي تجري عليهم.

ولعل هذا البحث هو أول بحث أفرد في هذا الموضوع، بعد أن كان منثوراً في بون الكتب الفقهية، وتنبع أهمية هذا البحث من وجوب التعريف بآل البيت، والتعرف على حقوقهم لتتم مراعاتها، والتنبه لمكانة أهل البيت النبوي الشريف في عقيدة أهل السنة، ولم يألُ الباحث جهداً في جمع مادته النافعة المباركة، فقد متّع أنظارنا بما رأيناه فيه من تحقيق وموضوعية، تنم عن تمكنه من المادة.

وقد بين الباحث منهجه العلمي في البحث، من حيث اعتماده على المذاهب الأربعة المعتمدة عند أهل السنة، وترتيب أقوالهم، ومناقشتها، وبيان أدلة كل قول، ومن ثم الترجيح بينها، مع العناية بضرب الأمثلة التي تقرب المسائل للقارئ، وربط ذلك بالواقع.

أما خطة البحث كما بينها الباحث، فهي كما يلي:


المبحث/ التقسيم

الموضوع

المقدمة

تشمل: نبذة موجزة عن الموضوع وأهميته، الدراسات السابقة، منهج البحث، وخطته.

التمهيد

بيان معنى مفردات العنوان ويشتمل على أربعة مباحث:

↳ المبحث الأول

معنى الآل في اللغة والاصطلاح.

↳ المبحث الثاني

المراد بآل البيت.

↳ المبحث الثالث

الألفاظ ذات الصلة: (الأشراف، الأسياد).

↳ المبحث الرابع

بيان فضلهم ومكانتهم بين المسلمين.

الفصل الأول

أحكام آل البيت في الزكاة (ويشمل أربعة مباحث):

↳ المبحث الأول

أخذ آل البيت زكاة غيرهم.

↳ المبحث الثاني

أخذهم زكاة بعضهم.

↳ المبحث الثالث

أخذهم الزكاة إذا حُبِس عنهم الخمس.

↳ المبحث الرابع

عمالتهم على الزكاة بأجر منها.

الفصل الثاني

أحكام آل البيت المالية في غير الزكاة (ويشمل خمسة مباحث):

↳ المبحث الأول

أخذهم صدقة التطوع.

↳ المبحث الثاني

أخذهم الكفارات.

↳ المبحث الثالث

أخذهم غلة الوقف والوصايا.

↳ المبحث الرابع

أخذهم النذور وجزاء الصيد وعشر الأرض.

↳ المبحث الخامس

حقهم في الغنيمة والفيء (ويشمل ستة مطالب):

↳ المطلب الأول

تعريف الغنيمة في اللغة والشرع.

↳ المطلب الثاني

تعريف الفيء في اللغة والشرع.

↳ المطلب الثالث

الفرق بين الغنيمة والفيء.

↳ المطلب الرابع

الصلة بين الغنيمة والفيء.

↳ المطلب الخامس

حق آل البيت في الغنيمة.

↳ المطلب السادس

حقهم في الفيء.

الفصل الثالث

أحكام آل البيت غير المالية (ويشمل سبعة مباحث):

↳ المبحث الأول

حكم الصلاة على آل البيت.

↳ المبحث الثاني

حقهم في الإمامة الكبرى.

↳ المبحث الثالث

حقهم في الإمامة الصغرى.

↳ المبحث الرابع

الكفاءة في النكاح.

↳ المبحث الخامس

تلقيبهم بألقاب خاصة.

↳ المبحث السادس

حكم الانتساب إليهم كذباً.

↳ المبحث السابع

حكم سبهم والانتقاص منهم.

الفصل الرابع

الملحقون بآل البيت (ويشمل ثلاثة مباحث):

↳ المبحث الأول

إلحاق بني المُطّلب بآل البيت.

↳ المبحث الثاني

إلحاق أولاد الهاشميات بآل البيت.

↳ المبحث الثالث

إلحاق موالي آل البيت بآل البيت.

الخاتمة

تتضمن: أهم النتائج التي توصل إليها الباحث، والتوصيات المقترحة.

وقد تناولت في كتابي "تنوير البيت في شرح أحاديث إحياء الميت" جُل هذه المسائل، ويمكنك الرجوع إليها، وأُثبت هنا بعض المسائل التي أشرت إليها هناك، وهي عشر مسائل كبار:

المسألة الأولى: هل يحرم على بني هاشم الأخذ من الزكاة مطلقاً؟

1-ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والحنابلة إلى منع بني هاشم من أخذها، حتى وإن مُنعوا خمس الفيء والغنائم ([1]).

واستدلوا بأن الزكاة إنما حرمت على بني هاشم لشرفهم برسول الله ﷺ، وهذا المعنى لا يزول بمنع الخمس ([2])، ولخبر: «إن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم» ([3]).

2- وذهب بعض أهل العلم ([4]) إلى أنه إذا لم تحصل كفايتهم من الفيء والخمس؛ جاز لهم الأخذ منها؛ لقلة ذلك، أو لظلم من يستولي على حقوقهم، أو منعهم إياها بعض الولاة الظلمة، أو لخراب بيت المال، أو توقف الغنائم والفيء بسبب تعطيل الجهاد، أو لسقوط حقهم في الخمس بعد وفاة رسول الله ﷺ كما يقول الحنفية ([5])؛ فإنهم يُعطون من الصدقة المفروضة ما يكفيهم؛ لأن ذلك محل حاجة وضرورة ([6]).

واستدلوا لذلك بأنهم إذا مُنعوا ما وجب لهم من الخُمس، جاز لهم أخذ العوض عنه وهو الزكاة، لأن عوض الزكاة هو خُمس الخمس، وهو لم يصل إليهم، وإذا لم يصل إليهم العوض عادوا إلى المُعوّض. ولأن أخذهم للزكاة نشأ عن حاجة وضرورة؛ فإعطاؤهم إياها أفضل من خدمتهم لذميٍّ أو ظالم. وهو قولٌ قويّ ([7]).

3- بينما قيّد بعض العلماء جواز أخذ الصدقة الواجبة من الهاشمي للهاشمي؛ لخلوها من الآفات ([8]).

وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله: "وأما صدقة الأعلى –يعني نسباً -على الأعلى فلا مانع فيه" ([9])، وقال بذلك أبو يوسف من الأحناف ([10])، واستدلوا على ذلك بقوله ﷺ: «اليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى» ([11]).

4- وذهب بعض الحنفية والشافعية والحنابلة إلى جواز أخذهم من الزكاة مطلقاً ([12])، ورجحه ابن تيمية -رحمه الله ([13])؛ وقالوا: إنهم لا يأخذون الزكاة بوصف القرابة، وإنما يأخذونها بوصفٍ آخر من التي جاءت في الآية.

قالوا: وليس القصد من هذا الأخذ أن يكثر مالهم، لأن بينهم وبين ذلك سداً حاجزاً، من قوله ﷺ: «اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً» ([14]).

والقوت: ما يسدُّ الرمق، ولا يفضل منه شيء من الغذاء والعشاء، وهو شيء اختاره ﷺ لنفسه وأهل بيته، ولا أكمل منه ([15]).

وقال القرطبي -رحمه الله: معنى الحديث أنه طلب الكفاف؛ فإن القوت ما يَقوِّت البدن، ويكفُّ عن الحاجة وفي هذه الحالة سلامة من آفات الغنى والفقر جميعاً ([16]).

وقال ابن حجر الهيثمي -رحمه الله: وإذا كان المخرج بقدر المدخل، بحيث لم يتخلف منه شيء، فهو قوت، بمعنى أنه بقدر الكفاية، وليس فيه زيادةٌ عليهما ([17]).

تــــنــــبــــيـــــه:

روى أبو داود في «سننه» عن ابن عباس رضي الله عنهما، أنه قال: «بعث بي أبي إلى رسول الله في إبل أعطاه إياها من الصدقة يبدلها» ([18]).

قال الإمام النووي -رحمه الله ([19]): وجواب هذا الحديث من وجهين -أجاب بهما البيهقي رحمه الله ([20]): (أحدهما): أن يكون قبل تحريم الصدقة على بني هاشم ثم صار منسوخاً بما ذكرناه.

(والوجه الثاني) أن يكون قد اقترض من العباس للفقراء إبلاً، ثم أوفاه إياها من الصدقة، وقد جاء في رواية أخرى ما يدل على هذا، وبهذا الثاني أجاب الخطابي، والله تعالى أعلم" أهـ.

المسألة الثانية: واختلفوا في جواز أخذهم من الصدقة النافلة (التطوع):

1-فذهب جمهور العلماء من الحنفية، والشافعية والحنابلة، إلى جواز أخذهم صدقة النفل، وهو رواية عن مالك، ومذهب المالكية: الجواز مع الكراهة ([21])؛ لأن الذل فيها أكثر، وجمعاً بين الأدلة ([22]).

واستدلوا على ذلك: بما رواه البيهقي في «سننه»: عن جعفر بن محمد، عن أبيه: «أنه كان يشرب من سقايات كان يضعها الناس بين مكة والمدينة، فقلت: أو قيل له، فقال: «إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة» ([23]).

وبالقياس؛ فقالوا: إن هذه الصدقات لا تُعد من أوساخ الناس، بل هي من المعروف المباح، وتشبه استعمال الماء في الطهارة على الطهارة، لأنه يتبرع بما ليس عليه، بخلاف المال المؤدى في الواجب، فإنه كالماء المستعمل في إزالة الدنس ([24]).

وبيان ذلك: أن المؤدِّي للصدقة المفروضة يُطهّر نفسه بإسقاط الفرض، فيتدنس المؤدَّى، كالماء المستعمل في وضوء الفرض وفي النفل (التطوع)، فالمتطوع بماله لا يتدنس به المؤدّى؛ كمن توضأ وهو على طهارة، فإن الماء لا يتدنس، ويجوز الوضوء به ([25]).

2-وذهب بعض العلماء إلى تحريمها ([26])؛ قياساً على الزكاة، وللنصوص الدالة على ذلك؛ كما جاء في الخبر: «أنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد» ([27]).

وأجابوا على قول الجمهور: بأن قياس المال على الماء ممنوع، لأن إثبات تدنس الماء بالاستعمال أصلٌ، وهو متنازع فيه ([28])؛ وليس منصوصاً أو مُجمعاً عليه، ولما منعوا حكم الأصل لأنه متنازع فيه، منعوه كذلك في الفرع؛ لأنه لا وجه للقياس ([29]).

وأجيب عنه: بأن الماء في التطهير فوق المال، لأن المال يُطهّر صاحبه حكماً، والماء يطهره حقيقةً وحكماً، فيكون المال مطهراً من وجه دون وجه، بخلاف الماء، فجعلوا الماء متدنساً في الفرض دون النفل (التطوع) عملاً بالشبهين والوجهين، وعليه فيصحُّ القياس ([30]).

المسألة الثالثة: فإن قيل: لو كانت الصَّدقة حراماً على أزواج النبيّ ﷺ؛ لكانت محرمةً أيضاً على مواليهنَّ، كما أنّها لَمَّا حُرمت على بني هاشم حُرّمت على مواليهم ([31])، وقد ثبت في الصحيح «أنَّ بريرة تُصدق عليها بلحم فأكلته» ([32])، ولم يُحرِّمه النَّبِيُّ ﷺ عليها، وهي مولاةٌ لعائشة رضي الله عنها؟

        فالجواب على هذه الشبهةِ ([33]): هو أنَّ تحريم الصدقة على أزواج النبي ﷺ لم يكن بطريق الأصالة، وإنما هو تبعٌ لتحريمها عليه ﷺ، وإلا فالصدقة حلال لهنَّ قبل اتصالِهنَّ به، فهنَّ فرغ في هذا التحريم، والتحريم على المولى فرع التحريـــم علـى سيده، فلمَّا كان التحريمُ على بَنِي هاشم أصلاً، استتبع ذلك تحريمها على مواليهم، ولَمَّا كان التحريم على أزواج النبي ﷺ، تبعاً لَم يَقْوَ ذلك على استتباع مواليهنَّ؛ لأنـه فـرع عـن فرع.

        ونخلص من هذا إلى ترجيح حرمة الصدقة على أزواج النبيّ ﷺ، دون مواليهنَّ فإنها تُباح لهُنَّ، وفي ذلك يقول ابن القيم -رحمه الله: "وكيف يجوز لهنَّ أخذ الزكاة مع قوله ﷺ: «إنها لا تحل لآل محمد»، و«إنها أوساخ الناس»، فأزواج النبيّ أولى بالصيانة عنها، والبُعد منها" ([34]).

ويدل على تحريم الصدقة على موالي بني هاشم: ما رواه أصحاب السنن -بإسنادٍ صحيح -واللفظ لأبي داود ـ عن أبي رافع ([35]): «أنَّ النبي بعث رجلاً على الصدقة من بني مخزوم، فقال لأبي رافع اصحبنِي فإنك تُصيب منها، قال: حتى آتي رسول الله ، فأسأله، فأتاه فسأله، فقال: مولى القوم من أنفسهم، وإنا لا تَحِلُّ لنا الصدقة» ([36]).

ويدل لذلك أيضاً: ما رواه الطبراني في «الأوسط»: عن ثوبان، مولى رسول الله ﷺ: أن رسول الله ﷺ دعا لأهله، فذكر علياً وفاطمة وغيرهما. فقلت: يا رسول الله: من أهل البيت أنا؟ قال: «نعم، ما لم تقم على باب سُدَّةٍ، أو تأتي أميراً تسأله» ([37]).

تــــنــــبــــيـــــه:

        إذا كان موالي بني هاشم وبني المطلب ممن تحرم عليهم الصدقة، فحرمة ذلك على الأرقاء والمكاتبين أشد؛ لأنهم أولى بالمنع، ذلك أن تمليك الرقيق يقع لمولاه، بخلاف العتيق؛ فهو لنفسه، بينما موالي أزواج النبيّ ﷺ لا تحرم عليهم؛ لاعتبارهم كغيرهم، ولحديث بريرة.

المسألة الرابعة: في الحكمة من تحريم الصدقة المفروضة عليهم:

تعددت الأقوال في الحكمة من تحريم الصدقة المفروضة عليهم، وبيان ذلك فيما يلي:

١-قالوا: لأنها أوساخ الناس، أي: أدناسهم وأقذارهم، لأنها تزكي أموالهم، وتطهر أدناسهم، فطهرهم الله من هذه الأوساخ، وعوضهم بما يقيتهم من خمس الغنائم، ومن الفيء.

٢-وقيل: حُرّمت عليهم لشرفهم؛ لأن يد المتصدق هي العليا، فكيف تعلو يد على يد هي أشرف منها؟

٣-وقيل: حُرّمت عليهم؛ حتى يثبت أجرهم؛ لأن بني هاشم وبني المطلب كانوا أكثر المدافعين عن النبي ﷺ، والناصرين له، مسلمهم وكافرهم، وكانوا معه في شعب أبي طالب جميعاً، فلا ينبغي أن يأخذوا أجرهم من الناس.

٤-وقيل: حُرّمت عليهم؛ حتى يكونوا قدوة في البذل والتضحية للناس لا الانتفاع منهم ([38]).

٥-وقيل: حُرّمت عليهم؛ لأن خمس الغنيمة والفيء يكفيهم، وهو الذي جعل منه رزق نبينا محمد ﷺ؛ حيث قال: «وجُعل رزقي تحت ظل رمحي» ([39]).

وإنما جُعل رزقهم من الفيء ([40])؛ لأن الفيء إنما حصل بجهاد المهاجرين والأنصار وإيمانهم وهجرتهم ونصرتهم، فالمتأخرون إنما يتناولنه مخلفاً عن أولئك، وهذا يُشبه تناول الوارث ميراث أبيه.

المسألة الخامسة: في أخذ آل البيت من الكفارات، والنذور، وغلة الوقف، ووصايا الفقراء، وجزاء الصيد، وعُشر الأرض.

1- لا يجوز لأهل البيت الأخذ من الكفارات ([41])، وهو معتمد المذاهب الأربعة، قالوا: لأن الكفارات تشبه الزكاة من حيث الوجوب، بل هي أولى؛ لأن مشروعيتها لمحو الذنب، فهي من أشد أوساخ الناس، ومثلها في ذلك جزاء الصيد ([42])؛ لأنه كالكفارة ([43])، كما اتفقوا على أنه يحرم عليهم الأخذ من عُشر الأرض ([44])؛ لأنه من الصدقات المفروضة ([45]).

2-يجوز لأهل البيت الأخذ من النذور ([46])؛ لأنها في الأصل تطوع، وإن كان الوفاء بها واجب، ولا يقع عليها اسم الزكاة والطُّهرة ([47]).

3- وكذلك يجوز لهم الانتفاع من غلة الوقف ([48]) كماء السبيل ونحوه؛ لأنه ليست صدقة مفروضة أو واجبة، بل يجوز لهم الأخذ من غلة الوقف إن أوقفها على الفقراء والمساكين وتحقق فيهم هذا الوصف ([49]).

4-ويجوز لهم الأخذ من الوصايا للفقراء ([50])؛ لأنها من جملة التطوعات والتبرعات؛ فيجوز لهم أخذها والانتفاع بها، وهي أشبه بالهبة ([51]).

المسألة الخامسة: حكم الانتساب لآل البيت كذباً:

قال القاضي عياض -رحمه الله -في كتابه الشفا: روى أبو مصعب الزُّهريّ، عن مالك: فيمن سب من انتسب إلى بيت النبي ﷺ؟ قال: "يضرب ضرباً وجيعاً، ويُشهر ويحبس طويلاً حتى تظهر توبته لأنه استخفاف بحق الرسول ([52])).

وقد ورد في الحديث أنه ﷺ، قال: «أيما رجل ادعى إلى غير والده، أو تولى غير مواليه الذين أعتقوه، فإن عليه لعنة الله، والملائكة، والناس أجمعين إلى يوم القيامة، لا يقبل منه صرف ولا عدل» ([53]).

وفي البخاري: عن سعد رضي الله عنه، قال سمعت النبي ﷺ، يقول: «من ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلم أنه غير أبيه، فالجنة عليه حرام» ([54]).

المسألة السادسة: اعتبار شرف النسب في كفاءة النكاح:

ومن الخصال المعتبرة في كفاءة النكاح ([55]) عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة النسب ([56])، واستدلوا بقول عمر رضي الله تعالى عنه: "لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء"، واختلفوا في فروع هذه المسألة.

1-فذهب الحنفيّة والحنابلة في رواية: إلى أن القُرشيين بعضهم أكفاء بعض، سواءً كان أحدهما هاشمياً أم لا ([57]).

2-وذهب الشَّافعية إلى أن القرشيين بعضهم أكفاء بعض على اختلاف القبيلة، لكنهم خصُّوا من ذلك الهاشميين والمطلبيين فجعلوهم أكفاء بعض دون غيرهم، وخصُّوا من الهاشميين الشريفة -من أبناء الحسن والحسين عليهما السلام-؛ فقالوا: لا يكافئها إلا شريف مثلها ([58]).

3-والرواية الأخرى عند الحنابلة: أن العرب بعضهم أكفاءُ بعض ([59])، وهو الراجح.

4- بينما الكفاءة في النسب غير معتبرة عند المالكية ([60]).

المسألة السابعة: هل لآل البيت علامةٌ مميزة أو لون لباس معين؟

والجواب ([61]): أنه لا توجد علامة مميزة يختصُّ بها آل البيت عن غيرهم من الناس، وأما العلامة الخضراء التي توضع على العمامة للتفريق بين الشريف وغير الشريف، فلا أصل لها في الشرع؛ بل حدثت سنة ثلاثة وسبعين وسبع مئة بأمر ملك مصر السلطان شعبان بن الحسين، ثم توسع الناس فيها؛ حتى جعلت العمامة كلها خضراء، ولعل اختيار هذا اللون؛ لكونه أفضل الألوان، وكونه لون الحُلّة التي يكساها نبينا ﷺ في الموقف، أو كونه لون ثياب أهل الجنة

ولبس هذه العمامة مباحٌ لكل أحد، ولا يختصُّ بلبسها إنسانٌ دون آخر، لأن الناس مضبوطون بأنسابهم الثابتة، وليس لبس العلامة مما ورد به شرع فيتبع إباحةً ومنعاً، ومن الجائز أن يُعمّم بها كل المنتسبين إلى أهل البيت النبوي؛ كبني هاشم وبني المطلب، بل وحتى من أولاد بناته كالزينبية، واستحسن ذلك بعض العلماء من أجل أن يُعرفوا فيُجلوا تكريماً لهم، والأولى تركه؛ لأن النبيّ ﷺ لم يكن يتميز عن أصحابه بلباسٍ ولا هيئة.

وصدق الإمام الأديب أبو عبد الله محمد بن جابر الوادي الأندلسي؛ إذ قال: 

نور النبوة في كريم وجوههم                  يغني الشريف عن الطراز الأخضر

يقول الشيخ يوسف النبهاني -رحمه الله: "والأشراف مضبوطون بأنسابهم، لا بألقابهم، ومعروفون بأحسابهم لا بأثوابهم، ولقد أفحش في الخطأ من ظنّ الشرف بالألوان، أو بقول: يا سيد فلان، فرحم الله امرءاً عرف حدّه، فوقف عنده، وعلم سقامه، فلم يتقدم أمامه، فإن الكذب مدته قصير، والزيف لا يخفى على الناقد البصير" ([62]).

االمسألة الثامنة: انتساب أولاد الهاشميات لآل البيت عليهم السلام:

ويُقصد بأولاد الهاشميات من كانت أمهاتهم من بني هاشم وآباؤهم من غير بني هاشم، فهؤلاء لا يُلحقون بأهل البيت في الانتساب اتفاقاً؛ لأن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم دون أمهاتهم، وهم ليسوا من بني هاشم اعتباراً بالأب، بل هم من ذوي أرحامهم.

ولا يرد عليه حديث: (إن ابني هذا سيّدٌ) يعني الحسن؛ لأن أباه علياً من بني هاشم، كما أن هذه البنوة مختصّة ببني فاطمة، بدليل قوله تعالى: {مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ} (الأحزاب: 40)، وقيل: البنوة في الأحاديث هي بنوة مجازية.

 وأما دخول عيسى عليه السلام في أولاد زكريا عليه السلام في قوله تعالى: {وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى} (الأنعام: 85) وهو ولد بنته، إنما أدخله فيهم لأنه ليس له أب ([63]).

المسألة التاسعة: إلحاق أولاد الهاشميات بآل البيت عليهم السلام في تحريم الصدقة؟

اختلف العلماء في ذلك على قولين:

الأول: لا تحرم عليهم الزكاة ولا غيرها، وهو قول جمهور العلماء من المالكية والحنفية والشافعية في الأصح، والحنابلة ([64])، قالوا: لأنه لا يوجد ما يُخصصهم من عموم أدلة الزكاة، فيجوز لهم الأخذ من كافة الصدقات فرضها ونفلها، ولا حقّ لهم في خمس ذوي القُربى المستحق في الغنائم والفيء.

الثاني: أنهم يدخلون في التحريم، وهو قول أبي بكر الخلال من الحنابلة ([65])، وهو قول ضعيف.

المسألة العاشرة: هل يدخل الشخص في آل نفسه؟

اختلف علماء اللغة في ذلك؛ فذهب بعض المحققين إلى التفصيل في ذلك، وهو أن الشخص إذا ذُكر مع آله فلا يدخل فيهم؛ لأن الأصل في الكلام التأسيس، وإن لم يذكر معهم كأن يقال آل زيد فعند ذلك يدخل فيهم، وعلى كُلٍّ فإن الشخص داخل في آله من باب أولى ([66]).


([1]) الفيء شرعاً هو ما يغنمه المسلمون من الكفار دون قتال، قال تعالى: {وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} (الأنفال: 41)، أو هو كما عرّفه أبو محمد عبد الله بن نجم الجذامي المالكي: كل مالٍ فاء -أي عاد -للمسلمين من الكفار من خُمُسٍ، وجزية، وأهل العنوة، وأهل الصلح، وخراج أرضهم، وما صولح عليه الحربيون من هدية، وما يؤخذ من تجار الحربيين، وتجار أهل الذمة، وخُمس الركاز، وخُمس الغنائم. والفرق بين الفيء والغنيمة: أن الغنيمة ما كان بقتال بخلاف الفيء. انظر: عقد الجواهر الثمينة في مذهب أهل المدينة (1/ 499).

([2]) قالوا: وإنما منعوا الزكاة لشرفهم وفضلهم، وشرفهم وفضلهم باقٍ حتى لو منعوا الخُمس؛ فيبقى المنع. انظر: المجموع شرح المهذب (6/ 227)

([3]) رواه الطبراني في الكبير (11/ 217)، برقم: (11543)، ومعرفة الصحابة لأبي نُعيم (5/ 2687)، برقم (6430).

([4]) ومنهم المالكية، وهو مشهور مذهبهم، الذي رجحه متأخروهم، ورجحه ابن تيمية رحمه الله. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 102)، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير (1/ 493).

([5]) البناية شرح الهداية؛ لبدر الدين العيني (3/ 218).

([6]) وانظر: حقوق آل البيت؛ لابن تيمية (ص 30)، وشرح غاية المنتهى (2/ 157).

وذهب الباجي من المالكية إلى أنه لا يجوز أخذ آل البيت من الزكاة ولو حُبس عنهم الخُمس إلا إذا وصلوا إلى حدٍ يُباح لهم فيها أكل الميتة، لا مجرد ضرر عارض، واستدل بأن الانتقال بالحكم من الحرمة الثابتة بالنص إلى الإباحة يشترط فيه أعلى الرتب، ولعيه فلا يكفي مجرد الضرر، بل لا بد من الضرورة التي يباح معها أكل الميتة. انظر: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير: (1/ 493).

([7]) انظر: النوازل الكبرى للوزاني (2/ 79).

([8]) وهذا القول هو: رواية عن أبي حنيفة، وهو قول أبي يوسف، واختاره ابن تيمية -رحمه الله، وقال: "وهو محكيٌّ عن طائفةٍ من أهل البيت" انظر: شرح فتح القدير (2/ 211)، وتيسير الفقه الجامع للاختيارات الفقهية (1/ 400).

بينما ذهب جمهور العلماء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة إلى تحريم أخذهم زكاة بعضهم، ورجحه الشوكاني في السيل الجرار. انظر: حاشية ابن عابدين (2/ 350)، وحاشية الدسوقي (2/ 212)، والمجموع شرح المهذب (6/ 226)، والمغني (4/ 109)، والسيل الجرار (2/ 65).

واستدل الجمهور بعموم الأحاديث المحرمة للصدقة عليهم، مع عدم ورود مخصص لها بالتحليل، فشمل ذلك العموم المحرم صدقات الناس وصدقاتهم. وقالوا: إن في خمس الخمس غنىً لهم عن صدقات الناس وصدقاتهم لبعضهم. ===

== وأجاب الفريق المجيز: بأن أدلة الجمهور لا تفيد تحريم صدقاتهم على بعضهم، للقطع بأن الناس في قوله ﷺ: «إنما هي غسالة أيدي الناس» غيرهم، لأنهم المخاطبون بالخطاب المذكور، ويقتضي مفهوم المخالفة للحديث: أن غسالة بني هاشم وصدقاتهم ليست مكروهة لهم ولا محرمة عليهم، كما أن التعويض بخمس الخمس عن صدقات الناس لا يستلزم كونه عوضاً عن صدقات أنفسهم، فلا مانع من أخذ زكوات وصدقات بعضهم. انظر: فتح القدير (2/ 211)، وتيسير الفقه الجام ع للاختيارات الفقهية (1/ 404 -405).

([9]) فتح الباري بشرح صحيح الباري، لابن حجر العسقلاني (2/ 227).

([10]) مجمع الأنهر، وحاشيته در المنتقى (ص 224).

([11]) صحيح البخاري(2/ 112)، برقم (1427)، وصحيح مسلم (2/ 717)، برقم (1033).

([12]) يعني: يجوز أخذهم من الزكاة سواءً مُنعوا الخمس أم لم يمنعوه، وهذا القول رواية عن أبي حنيفة، وقول أبي يوسف، واختيار الطحاوي، وهو وجه عند الشافعية، اختاره أبو سعيد الإصطخري، وحكاه الرافعي عن محمد بن يحيى صاحب الغزالي، وهو رواية عن أحمد، اختارها ابن تيمية والقاضي يعقوب. انظر: حاشية ابن عابدين (2/ 350)، وفتح القدير (2/ 211)، والبناية شرح الهداية (3/ 218)، والمجموع شرح المهذب (6/ 227)، والاختيارات الفقهية لابن تيمية (ص 14)، وكشاف القناع (2/ 291)، والفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي (2/ 913).

([13]) مطالب أولي النهى (2/ 157).

([14]) صحيح البخاري (8/ 98) برقم (6460)، وصحيح مسلم (2/ 730)، برقم (1055).

([15]) انظر: الشرف المؤبد لآل محمد؛ للنبهاني (ص 42)، والموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 102).

([16]) انظر: فتح الباري لابن حجر (11/ 293).

([17]) أسنى المطالب في صلة الأرحام والأقارب، لابن حجر الهيتمي (ص 226).

([18]) سنن أبي داود (2/ 123)، وصححه الألباني رحمه الله.

([19]) المجموع شرح المهذب (6/ 227).

([20]) السنن الكبرى للبيهقي (7/ 48).

([21]) البناية شرح الهداية (3/ 219)، وشرح فتح القدير (2/ 212)، وحاشية ابن عابدين (2/ 351)، والمبسوط (2/ 12)، وحاشية الدسوقي (2/ 212، 1/ 494)، ومغني المحتاج (3/ 120)، والمجموع شرح المهذب (6/ 239)، والمغني لابن قدامة (4/ 113)، وكشاف القناع (2/ 291)،

([22]) الشرف المؤبد لآل محمد؛ للنبهاني (ص 40).

([23]) إسناده صحيح، السنن الكبرى للبيهقي (6/ 303).

([24]) وقد تقدمت الأحاديث بمعناه، عند ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عائشة، وعند مسلم في "صحيحه" عن عبد المطلب بن ربيعة، وقد تقدم تخريجهما.

([25]) شرح فتح القدير (2/ 212 -213).

([26]) وهو رواية عن أبي حنيفة، ورجحها ابن الهمام، وقول عند المالكية، والشافعية، ورواية عن أحمد.

انظر: فتح القدير (2/ 212)، وحاشية ابن عابدين (2/ 351)، وحاشية الدسوقي (1/ 294، 2/ 212)، والمجموع شرح المهذب (6/ 239)، والمغني (4/ 113) والإنصاف (3/ 257).

([27]) انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (1/ 102 -104).

([28]) لأن بعض العلماء يقولون بطهارة الماء المستعمل كالمالكية.

([29]) شرح فتح القدير (2/ 212، 213).

([30]) البناية شرح الهداية (3/ 229).

([31]) حرمة الزكاة على موالي بني هاشم هو قول الجمهور: من الحنفية والشافعية والحنابلة، وبه قال بعض المالكية كابن الماجشون، وأصبغ، وابن حبيب. انظر: البناية شرح الهداية (3/ 220)، وشرح فتح القدير (2/ 213)، والمبسوط (3/ 12)، وحاشية ابن عابدين (3/ 350)، وحاشية الدسوقي (1/ 494).

أما معتمد المالكية، فهو حلُّ الزكاة لهم، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد، ونسبه ابن قدامة لأكثر العلماء. انظر: حاشية الدسوقي (1/ 494)، والمجموع شرح المهذب (6/ 227)، والمغني (4/ 110).

([32]) صحيح البخاري (2/ 128)، برقم (1493)، وصحيح مسلم (2/ 755)، برقم (1075).

أما معتمد المالكية، فهو حلُّ الزكاة لهم، وهو وجه عند الشافعية، ورواية عن أحمد، ونسبه ابن قدامة لأكثر العلماء. انظر: حاشية الدسوقي (1/ 494)، والمجموع شرح المهذب (6/ 227)، والمغني (4/ 110).

([33]) فضل أهل البيت وبيان علو مكانتهم، عبد المحسن العباد البدر (ص 11 -12).

([34]) جلاء الأفهام في الصلاة على خير الأنام، (ص 115).

([35]) أبو رافع: اسمه أسلم، مولى النبيّ ﷺ، وكان قبطياً، زوجه مولاته، ومات بعد قتل عثمان سنة 35 هـ، انظر: معرفة الصحابة لأبي نعيم (1/ 251)

([36]) أخرجه أبو داود في سننه (2/ 123)، برقم (1650)، والترمذي (3/ 37)، برقم (657)، والنسائي (5/ 107)، برقم (2612).

([37]) أخرجه الطبراني في الأوسط (3/ 98).

([38]) انظر: عقيدة أهل السنة في أهل البيت وفضلهم.

([39]) مسند  أحمد -ط المكنز (2/ 2054).

([40]) ويشترك في الفيء غنيهم وفقيرهم، وكبيرهم وصغيرهم، ولا يفضل أحد منهم على أحد إلا بالذكورة، فللذكر سهمان وللأنثى سهم. وقال المزني: يسوى بينهما، وقال القاضي حسين: المدلي بجهتين يفضل على المدلي بجهة. الموسوعة الفقهية الكويتية (32/ 232).

([41]) الكفارة: لغةً من التكفير وهو المحو، وهي: جزاء مقدر من الشرع لمحو الذنب وأصلها التغطية كأنها تغطى الذنب وتستره، ومثال ذلك: كفارة اليمين، وكفارة الظهار، وكفارة القتل، وكفارة الواطئ في صوم رمضان. انظر: معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية (3/ 148)

([42]) الصيد شرعاً: أخذ غير مقدور عليه من وحشي طيراً وبرّا بقصدٍ، وهو كل ممتنع متوحش طبعاً لا يمكن أخذه إلا بحيلة، وجزاء الصيد: أي عقوبته المقدرة هي إما بإهداء ما يماثله للكعبة، أو بتقويمه وشراء طعاماً للفقراء مكاته، أو بالصوم على قدره. معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية (2/ 400)

([43]) أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (ص 70 -71)، وموسوعة الفقه الكويتية (1/ 102).

([44]) لخبر: «فيما سقت السماء والعيون أو كان عثرياً العشر، وما سقي بالنضح نصف العشر» صحيح البخاري (2/ 126) صحيح البخاري (2/ 126) وقوله: (عثرياً) أي: ما يشرب من غير سقي إما بعروقه أو بواسطة المطر والسيول والأنهار وهو ما يسمى بالبعل، سمي بذلك من العاثوراء وهي الحفرة لتعثر الماء بها. و(العشر) أي: عشرة من المائة. (بالنضح) بنضح الماء والتكلف في استخراج.

([45]) أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (ص 78).

([46]) غلة الوقف: هو الزيادة والفائدة والدخل الذي يحصل من الوقف؛ كالزرع والثمر واللبن وكراء الأرض وأجرة الدابة وما شابه ذلك. انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (23/ 206)

([47]) أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (ص 77).

([48]) أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (ص 77).

([49]) أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (ص 72 -75).

([50]) الوصية شرعاً: تمليك مضاف لما بعد الموت. معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية (3/ 483)

([51]) أحكام آل البيت في الفقه الإسلامي (ص 76).

([52]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى - وحاشية الشمني (2/ 311).

([53]) صحيح، سنن الدارمي (4/ 1892)، عن ابن عباس رضي الله عنهما.

([54]) صحيح البخاري (8/ 156).

([55]) كفاءة النكاح: هي مساواةٌ مخصوصة بين الرجل والمرأة، يوجب عدمها عاراً انظر: الموسوعة الفقهية (34/ 266).

([56]) وذهب مالك إلى عدم اعتبار ذلك في الكفاءة، انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية (34/ 272 -274).

([57]) واستدلوا لذلك: بفعل النبيُّ ﷺ الذي زوج ابنتيه من عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان أموياً لا هاشمياً، وزوج علي رضي الله عنه ابنته من عمر رضي الله عنه، ولم يكن هاشمياً بل عدوياً، وبإجماع الصحابة على ذلك، فدل على أن الكفاءة في قريش لا تختص ببطن دون بطن.

([58]) واستدلوا لذلك: بحديث: (إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد) أخرجه مسلم (4 / 1782) يعني متكافئان، وخبر: (إن الله اصطفى كنانة من بني إسماعيل، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفاني من بني هاشم). أخرجه البخاري (فتح الباري 7 / 484)

([59]) واستدلوا بما رواه البيهقي في الكبرى: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله ﷺ: «العرب بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة، ورجل برجل والموالي بعضهم أكفاء لبعض قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، إلا حائك أو حجام» ضعيف، السنن الكبرى (7/ 217)، وأعله ثم ضعّفه.

([60]) واستدلوا لذلك: بحديث: (لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى) أخرجه أحمد (5 / 411) وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (3 / 266) وقال: رجاله رجال الصحيح، ويتأيد ذلك بقوله تعالى: {إن أكرمكم عند الله أتقاكم} (الحجرات: 14).

([61]) الشرف المؤبد لآل محمد (ص 46 -47)، والحاوي للفتاوي (2/ 40).

([62]) الشرف المؤبد لآل محمد (ص 48).

([63]) كشاف القناع (4/ 287).

([64]) حاشية الدسوقي (1/ 493)، وشرح منتهى الإرادات (1/ 434)، والمجموع شرح المهذب (15/ 353)، والبيان للعمراني (8/ 84)، وكشاف القناع (2/ 291)، والإنصاف (3/ 256).

([65]) كشاف القناع (2/ 291)،

([66]) العين (4/ 89)، ومقاييس اللغة لابن فارس (1/ 150)، والمفردات للراغب (ص 96)، والمصباح المنير للحموي (ص 11)، ولسان العرب لابن منظور (1/ 186)، انظر: فيض القدير (4/ 106).








السراج المنير في قصة مولد البشير النذير محمد أحمد بن طه بن أحمد بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

السراج المنير في قصة مولد البشير النذير

محمد أحمد بن طه بن أحمد

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

        

  تمهيد: هذا الكتاب من إصدار الطريقة الصوفية الركينية في السودان، وهي كما يقول صاحبها: "طريقة صوفية، سلفية، منهجها التجديد"! ومجددها الشيخ محمد أحمد الشهير بالرُّكين (ت 1964 م)، والمتمدح بقوله: "السالك على نهج السنة المرضية"، والذي يُوصّف طريقته بأن: "مشربها نبوي، وعلمها وهبي"، وقد أسسها "بإشارة محمدية" على حد زعمه، مع بشارة خاصة لمن انتسب إليها أن يكون من "الناجين يوم القيامة"!

ولا شك أن هذا الجمع بين 'الصوفية والسلفية' في آن واحد يحمل مفارقة منهجية واضحة؛ إذ كيف يستقيم ادّعاء السلفية والالتزام بالمنهج الأثري، مع ما تلا ذلك في الكتاب من ركائز صوفية غالية؟ مثل القول بتلقي العلم الوهبي، وتزكية المنتسبين للطائفة ببشائر النجاة الأخروية القطعية، وهو مسلك يباين تماماً منهج السلف القائم على تجريد الاتباع، والمحاكمة إلى النصوص الصحيحة، وعدم قطع الصكوك الإلهية بالنجاة لأحد." 

  ويبتدئ الكتاب بما ينبغي على القارئ تلاوته من الفاتحة مرة، والمعوذات ثلاث مرات، ثم خمس آيات من أوائل سورة الفتح، يلي ذلك آخر آية منها، وبينهما يُهلل عشرين مرة، ثم يتلو صيغة مُعيّنة في الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثاً، وبعد ذلك القراءة في المولد الموضوع.

وقد تضمن المولد جملة طيّبة من العقائد والأدعية وأخبار المصطفى صلى الله عليه وسلم ونسبه وشمائله، وقد امتاز بحسن العبارة، وترتيب المقاصد، والسجع غير المتكلف، والفصل بين الفقرات المختلفة، وقد وضع لكل فقرة صيغة مُعيّنة من الصلاة والسلام على رسول الله، وهي (اللهم صلّ وسلم على الذات المحمدية، وانفحنا ببركتها واهدنا إلى الرشاد).

ومما يُنتقد على هذا الجزء وسائر ما صُنّف على طريقته في الموالد بعض القضايا التي لا تثبت، منها: عقيدة النور المحمدي، وأولية هذا النور، وكونه مادة المخلوقات والأرواح العلوية، ومن جرأة المصنف تصحيحه إسناد حديث جابر (أول ما خلق الله نور نبيك) ولعل تصحيحه كشفي، وهو غير معتبر في الشرع، ولا عند أهل الفن، ولا يصح الاعتماد عليه!

وقد تتابع جهابذة المحدثين ونقاد الأثر على تفنيد هذا الحديث (حديث جابر في النور)؛ حيث نصّ الحفاظ (كالسيوطي، والصنعاني، والغماري) على أنه حديث موضوع ولا أصل له في دواوين السنة المعتبرة، بل إن مَنبتَه مأخوذ من الفلسفات الإشراقية والغنوصية القديمة. أما دعوى التصحيح عبر 'الكشف الصوفي'، فمسلك باطل عند أهل الفن؛ لأن الأحكام والسنن والعقائد لا تثبت إلا بالرواية والعدالة والضبط، والكشف ليس من مآخذ التشريع ولا تصحيح الآثار 

ثم زعم المؤلف أن الشهادتين مكتوبة على شجر الجنة، ونحور الحور العين، وسقوف الجنة، وهذا غير مُمتنع عقلاً، ولكن يجب إثباته شرعاً، وكذلك زعمه أنه كان يُلبّي جهراً وهو في صُلب إلياس، وهي دعوى عارية عن الصِّحة، وأن آدم أتى آمنة في المنام وأمرها أن تُسميه مُحمّداً! وحضور مريم وآسية يوم ميلاده! كذلك كونه ولد مختوناً مقطوع السرة، ساجداً، وأن الملائكة أخذته وطافت به في جميع الأرض والعوالم العلوية؛ فهذا يحتاج لإثبات، على أن المؤلف ذكر ختان جده، وتسميته له محمداً.

وعلة هذه الأخبار والقصص العجيبة (كالتلبية في صلب إلياس، وحضور مريم وآسية، والولادة ساجداً ومختوناً) أنها مستقاة من كتب 'الموالد المتأخرة' وسير القصاصين الواهية، مثل كتاب 'الأنوار' للبكري المتهم بالوضع، ومثل هذه المرويات نبّه على بطلانها ومخالفتها للواقع المحقق أئمة السير كابن كثير والذهبي؛ حيث إن في المعجزات والدلائل الصحيحة الثابتة في السيرة النبوية غنية وكفاية عن هذه الواهيات التي تفتح باب الطعن في السير 

ومن القضايا التي هي محل نظر: القيام في المولد والذي تتابع عليه عامة الصوفية المتأخرين، ويصحب هذا القيام إنشاد الشعر، وتلاوة المدائح التي تتناول بركة ميلاده، والآيات التي صاحبت مولده، وغير ذلك.

ولعل من نافلة القول أن أول تأليف في الكلام على هذه المسألة هو تأليف الإمام الحجوي- والذي طبع بفاس سنة ١٩١٨م، في كتاب سماه: (صفاء المورد في عدم القيام عند سماع المولد).

وقد عبر عن رأيه فقال بكراهية القيام وتبديع المحتفل، وقد تعرض من جراء ذلك لعدة انتقادات كثيرة حيث يقول:

(فقام زمرة ممن يدعي العلم وليسوا منه في شيء، وهم: عبد الله الفاسي، وأحمد بن المواز رئيس مجلس الاستيناف، ومحمد الرافعي ... وكل منهم ألف في الرد عليَّ، وكلهم بدَّل في كلامي وغيّر، سواء في الدلائل والبراهين التي تمسكتها ... واتفقوا جميعاً على الكذب والتقول عليّ بما لم أقله من غير حياء ولا احتشام، ولا سيما ثانيهم، وقد تداركتني العناية الإلَهية بكوني كنت طبعت (صفاء المورد) وكان ردهم بعد الطبع، فلولا أنه كان مطبوعاً، لربما دخل الناس شك في كذبهم .. كذبوا عليّ ونسبوا إليّ أقوالاً توجب الكفر، وخصوصاً ثانيهم ... ).

لذلك ألف الحجوي كتباً أخرى للرد عليهم من بينها: (الحق المبين والخبر اليقين بما في قراطيس حجة المنذرين بما يخالف الدين)، مخطوط بالخزانة العامة ح(٢٣٢) - وطبع بتونس -. و (سوط الإفهام والإفحام) طبع بالجزائر. 

وتكشف هذه المعركة الفكرية الحامية التي خاضها الإمام الحجوي في المغرب عن مدى تغلغل التدين الشعبي المدعوم ببعض الفتاوى الرسمية آنذاك، حيث كان 'القيام في المولد' خطاً أحمر في العرف الاجتماعي. فكانت ردود الفقهاء التقليديين (مثل ابن المواز في كتابه 'حجة المنذرين') تعكس الصراع الأزلي بين فقهاء النصوص المحققين، وبين فقهاء الفروع والرسوم الذين يدافعون عن المألوف العادتي ولو خالف السُنّة المحضة، لتظل كتب الحجوي الثلاثة وثيقة تاريخية ناصعة في التجديد ومحاربة الجمود البدعي 




الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية إيرينا بيتروسيان بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الإنكشاريون في الإمبراطورية العثمانية

إيرينا بيتروسيان

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: كثيرًا ما يلقي مؤرخونا الوطنيون والأجانب في مؤلفاتهم ضوءًا على تاريخ الفيلق الإنكشاري وأثر ذلك الفيلق في تاريخ الإمبراطورية العثمانية وتطورها. ولطالما کان الجيش الإنكشاري يجذب انتباه الكُتّاب والمؤرخين، وذلك لكونه جزءاً لا يتجزأ من تنظيم الدولة العثمانية، وعنصراً مميزًا لجهازها العسكري، وذلك في أواسط القرن الرابع عشر الميلادي.

وهو الجيش الذي أنشأه السلطان أورخان، فاجتبى طريقةً يختار بها أفراد هذا الجيش من أبناء البلاد الأوروبية المفتوحة، وابتنى لذلك ثكنات عسكرية ضخمة ومغلقة، يتم فيها تلقينهم مبادىء الدين الإسلامي، وأخضعهم لمنهج عسكري متكامل، وتدريب صارم على فنون الحرب والقتال 

ولقد أبلى الجيش الانكشاري بلاءًً حسناً في المعارك التي خاضها العثمانيون إبّان قوتهم؛ فكانوا يندفعون كالأسود في ساحات القتال (لأنهم قواتُ النُّخبة)، وكان لهم الفضل في ترجيح كفة النصر في المعركة الحاسمة يوم فتح القسطنطينية وغيرها من المعارك الشهيرة.

 ثم مع مرور الزمن بدأ دمج القوات الإنكشارية في الجيش النظامي العثماني، وتسلَّموا لواء كتائب المُشاة، وكان دورهم مُكمّلاً لدور الجيش النظامي، وأدُّوا دوراً كبيراً في تطوير النظام الدولي العثماني. حيث اتخذ السلاطين والخلفاء من هذه القوات حرساً لقصور الرئاسة والملك، ونتيجة تحول الإنكشاريين إلى الحرس البريتوري، كان لهذا التطور تأثيره الكبير في تاریخ ترکیا؛ فإن دراسته تجذب انتباه المؤرخین؛ وکان ذلك مثيراً رئيسيًا للاضطرابات الاجتماعية فيما بعد.

وفي أي نظام عسكري فإنه لا بد من وجود تطلعات دكتاتورية في التنظيم الاجتماعي والسياسي، وبالفعل فقد أضحى النظام الانكشاري فيما بعد المخالف لصلاحيات السلطة السلطانية العليا. ونتيجةً لذلك فقد تسرّب حُب السلطنة والمال والمع إلى صفوف الانكشاريين- عندما عاشوا بين المدنيين بصبغتهم العسكرية، ونظرتهم الطبقية العليا، ما أدى إلى كثرت تعدياتهم؛ إذ أنه ما اختلط الجند بأهل المدن إلا وقد فسدت طبيعتهم وتغيرت أخلاقهم وتبدلت مهمتهم، وأصبح البلاء في وجه الحكم منهم، والعداء للسكان من أعمالهم، وصاروا يتدخلون في شؤون الدولة، وتعلقت أفئدتهم بشهوة السلطة، وانغمسوا في الملذات والمحرمات، وشق عليهم أن ينفروا في أوقات البرد الشديد، ونظروا إلى العطايا السلطانية ومالوا إلى النهب والسلب حين غزو البلاد.

 وفي خضم بحث الانكشاريين عن السلطة والمال، ودورهم السلبي بعد اختلاطهم بأهل المدن؛ كان عملهم الجديد هو إثارة الاضطرابات داخل الدولة العثمانية، فكانوا يثيرون الحروب -ولو كان جحيمها يصب فوق رؤوسهم- ليواصلوا نهب البلاد المفتوحة، وبذلك نسوا الغاية التي وجدوا من أجلها.

لقد كانت فاتحة أعمال السلطان مراد الثالث عام ٩٨٢ هـ هي إصدار أمر يمنع شرب الخمور؛ فهاجوا وماجوا حتى اضطروه لإباحته ضمن شروط، لخوفه من نقمتهم، وهكذا فإن الجيوش لا تهزم إلا حينما تترك عقيدتها ولا تلتزم بمبادئها. وقد مهّد وثوب الانكشاريين إلى مركز القيادة في الدولة العثمانية إلى جعلها في حالة خطيرة من الفوضى؛ فصاروا هم الآمر والناهي والسلطان ألعوبة بأيديهم، فظهر الفساد وضاعت البلاد.

ثار الإنكشاريون في مناطق مختلفة من الدولة العثمانية، في إستانبول والقاهرة وبودا -يطالبون بإشعال الحروب حينما اقتضت المصلحة ألا تكون هناك حروباً  وقد أشار سنان باشا عام ٩٩٧ هـ إلى أشغالهم بمحاربة المجريين تحت إلحاح شديد من قبلهم، وكانت النتيجة انهزام والي بودا العثماني، ومقتل حسن باشا والي الهرسك، وسقوط عدة قلاع عثمانية بأيدي النمسا!

 وفي عام ١٠٢٧ هـ حاول السلطان عثمان الثاني إبادتهم بإعداد العدة لحشد جيوش جديدة في ولايات آسيا الصغرى وتدريبها وتنظيمها، ولما حاول ذلك خلعوه وقتلوه، وأعادوا مصطفى الأول الذي خلعوه عام ١٠٣٢ هـ أيضاً، وهذه هي نهاية كثير من المصلحين حينما يتاح للجيوش الفاسدة أن تكتب أقدار الأمم.

واستمر الانكشاريون في عهد السلطان مراد الرابع سنوات- عشر -سائرين في طريق الضلال، سادرين في غيهم وطغيانهم؛ فهم الذين نصبوه فالأمر والنهي يجب أن يكون لهم ما دام رأس الدولة بأيديهم. كما أنهم قاموا بقتل السلطان ابراهيم الأول خنقاً- حينما حاول التخلص منهم.

 وهم الذين أربكوا الدولة إذ وضعوها في حالة من الفوضى بقتلهم السلاطين وتولية أولادهم الصغار السن من بعدهم كالسلطان محمد الرابع فقام الإفرنج باحتلال أجزاء من البلاد فاضطر الصدر الأعظم والعلماء إلى عزله.

ثم ثار الانكشارية في عهد السلطان سليمان الثاني، ودخلت جيوش الأعداء بعضا من أراضي الدولة واحتلتها، وخلع الانكشارية السلاطين: مصطفى الثاني، أحمد الثالث، مصطفى الرابع إلى أن قيض الله للسلطان محمود الثاني عام ١٢٤١ هـ التخلص منهم؛ فقد هيأ لذلك وسلط عليهم المدفعية سنة ١٨٢٦م؛ فقضى عليهم؛ وقتل في عشيّة واحدة منهم ٦ آلاف انكشاري. 

 وينظر المؤرخون إلى القضاء على الفيلق الإنكشاري سنة ١٨٢٦ على أنه فعل ناجع أخير من كفاح السلاطنة العثمانيين ضد ذلك الحرس التمردي الخطر، ويمكن أن نعدّ البحث حول دور الفيلق الإنكشاري في تاريخ الدولة العثمانية عاماً وتقریبیًا.

وفي المقابل كان للفيلق الإنكشاري أثر مهمٌ في عملية تشكيل تنظيم الدولة العثمانية لكونه عنصراً فاعلاً في تركيب النظام الحربي - السياسي والاجتماعي في الإمبراطورية العثمانية، وبعد أن كان في البداية بمنزلة الثقل الاجتماعي السياسي الموازن للقوة الحربية القبلية بغرض تعزيز السلطة العليا، صار مع تعزز نظام التيمار يكتسب أكثر فأكثر ملامح التنظيم العسكري البحت، مبتعدًا على الدوام عن تنظيم السلطة العليا.

إن عملية الابتعاد هذه (يعني عن التربية الرفيعة وحب الجهاد والتضحية) والجارية بالتوازي مع التطور المستقل في الفيلق الإنكشاري نفسه بوصفه بنية اجتماعية - سياسية أدى إلى الاصطدام السافر بين السلطة العليا وجيش البلاط المأجور، وبعد أن فقد الفيلق الإنكشاري في ذلك الوقت خصال القوة فوق الاجتماعية - وهذا ما كان يشدد عليه من مكانته الأولية - القوة التي باتت سلاحًا رئيسيًا بيد الحاكم العثماني في سير عملية تسوية المصالح الاجتماعية لدى مختلف فئات المجتمع، تحول إلى قوة اجتماعية مستقلة قادرة على أن تؤثر في تداول السلطة العليا نفسها.

ولأجل إدراك طبيعة هذه القوة، وكيف صارت في بداية القرن السابع عشر، لابد أن نأخذ العمليات السائرة في طيات الفيلق الإنكشاري نفسه، مثلها مثل عوامل التطور الاجتماعي الذي مرّ به المجتمع العثماني عامة. منذ البداية كان الإنكشاريون يمثلون قوة كثيرة العدد ومنظمة تنظيمًا جيدًا على ضوء واجباتها العسكرية، وتتمتع بمصالحها الطائفية الخاصة، والواقع أن الإنكشاريين كانوا جيشًا مأجوراً - بالإضافة إلى صور شاذة لأجوره-يفسر نفسية الإنكشاريين التي تشكلت قبل كل شيء تحت تأثير مصالحهم المادیة المیرکانتیلية وکفاحهم المبکر في سبیل ضمان مصالحهم الاقتصادیة.

بقي الجيش الانكشاري محافظًا على خصاله المحترفة، وغالبًا المنعزلة، حتى أواسط القرن السادس عشر أي عهد حكم سليم الثاني (١٥٦٦-١٥٧٤) ومنذ أواسط القرن السادس عشر ارتبط ذلك التنظيم - لعدة أسباب ستذكرها فيما بعد- بعلاقات كثيرة في المجتمع، فاكتسب كأي تنظيم مفتوح قوة واستقرارًاً.

ومع بداية القرن السابع عشر، فقد الفيلق الإنكشاري تمامًا خصاله المنعزلة التي ظهرت فيما سبق إثر نظام (ديوشيرمه) ومراعاة قواعد النظام الداخلي، وعلى وجه الخصوص حظر الزواج، ولكن هذا لا يعني عدم وجود استثناءات، ففي عهد سليم الثاني لما أصيب الكثير من الإنكشاريين إثر المعارك بمختلف العاهات، وفقدوا بذلك قدرتهم على تأدية الخدمة العسكرية، نالوا تصريحًا رسميًا يسمح لهم بالزواج.

ومن الطبيعي أن أبناءهم - طبقًا لعادات القرون الوسطى وهي توريث المهنة - صاروا من ضمن الراغبين في التسجيل في الفيلق الإنكشاري مشكلين من أنفسهم تنظيماً كثير العدد (كولوغو)، في مطلع القرن السابع عشر أصبح الزواج في الفيلق الإتکشاري حقاً للجمیع حتی الأغلان العجم، وبسبب ظھور عدد لا یاس به من (الكوغولو) أزيح التجنيد رويدًا رويدًا إلى الفيلق بطريقة (ديوشيرمه)، كان عدد (الكوغولو) كبيرا لدرجة أن الكثيرين منهم كانوا ينتظرون من أجل التحاقهم بالفيلق الإنكشاري سنوات، وذلك إبان اجتيازهم الخدمة في حاميات المحافظات.

وقد أدى حق الإنكشاريين الواقعي في الزواج وتسجيل أبنائهم في الفيلق الإنكشاري إلى توسع هائل للعلاقات الاجتماعية بين الإنكشاريين ومختلف طبقات المجتمع، خلقت إمكانية تسجيل أشخاص في الفيلق الإنكشاري غير مجندين بطريقة (ديوشيرمه) ظروفًا مواتية ليتسرب باستمرار إلى صفوف الإنكشاريين العناصر المنفصلة عن طبقتها التي فارقت نشاطاتها الاجتماعية السابقة لسببٍ أو لآخر، وقد نعت الإنكشاريون أنفسهم أولئك الأشخاص المتسربين إلى صفوفهم بصورة غير قانونیة بـ (صابلامه).

أدى تسرب هؤلاء الـ (الصابلامه)-أو كما كانوا يسمونهم كذلك (أجنبي) أو (الغرباء) - إلى انحلال النظام في الجيش الإنكشاري ومخالفة قواعد السلوك غیر المدونة، ومن الجدير بالاهتمام أنه عند ظهور التشويش الداخلي في الفيلق كان الإنكشاريون يتَّهمون في ذلك (الغرباء) لكونهم لا يحترمون عادات الحياة الداخلية في الفيلق.

ومن المعلوم أنه عند الانطلاق إلى الحملة في تموز عام ١٥٨٩م، كان الإنكشاريون يتذمرون على قادتهم (الغرباء) الذين لا يلتزمون القوانين القديمة، كما كان لهذه الظاهرة خطر على الجيش الإنكشاري؛ لأن جواز تسجيل الأشخاص هؤلاء خلافًا لنظام (ديو شيرمه) كان يفسد الضباط أخلاقيًا لكونهم مستعدين أن يدخلوا إلى عداد الإنكشاريين أي شخص يريد ذلك مقابل رشوة، ولأجل أن يكون ذلك ممكناً كان لا بد من وجود الوظائف الشاغرة على الأقل التي كانت متوافرة دوماً، بسبب كثرة الوفيات بين الأغلان العجم والإنكشاريين.

ومن جملة عواقب هذه الظاهرة التزايد المستمر لعدد الجيش الإنکشاري، وذلك لأن الکُتّاب الإنکشاریین وغيرهم من موظفي الفيلق غالباً ما كانوا يسجلون في الدفاتر أسماء الأشخاص الراغبين في الالتحاق بالجيش ويقبضون عنهم الأجور، وقد مهد ذلك سبيلاً لتغير البنية العرقية في الفيلق الإنكشاري الذي كان يتترك أكثر فأكثر؛ إذ إن السكان الأتراك هم الذين يسعون أكثر من غيرهم نحو الالتحاق بجيش البلاط، لأجل الحفاظ على الامتيازات والسمعة الاجتماعية العالية.

وكان ظهور ممثلي العرق السائد في صفوف الإنكشاريين يغير البيئة النفسية للجيش المكوّن في السابق من الأشخاص المعتنقين الإسلام الفاقدين أصولهم الجنسية والدينية والثقافية مما أسبغ طبيعة شاذة لهذه الطائفة العسكرية، وهذا ما كان يساعد في البداية على وجوده كقوة خاصة (غير اجتماعية)، وتجدر الإشارة إلى أن (الأتراك)-أو كما نعتتهم طبقة المثقفين من المجتمع العثماني (الفلاحون) - كانوا -برأي القمة البيروقراطية - غير صالحين لدور حرس العاصمة إذ إنهم يزرعون في نفس الجيش الروح الفلاحية التركية.

تميز النصف الثاني من القرن السادس عشر - بخصوص الفيلق الإنكشاري- بانتشار جذب الإنكشاريين إلى أعمال تتعارض مع واجباتهم العسكرية، فقد تدفق الإنكشاريون إلى مجال الصناعة والتجارة والمضاربة، ومع حلول القرن السابع عشر كان الكثير من الإنكشاريين يمارسون حرفة ما.

وفي إستنبول كان أغلب الإنكشاريين والسباهيين والجبجية والطويجية والعربجية يعملون بالتجارة الصغيرة، وفي المحافظات كان الإنكشاريون يعملون على نطاق واسع في الشراء وإعادة البیع، کما تشهد الوثائق الترکیة أن الإنکشاریین في مدن المحافظات۔حیث کانوا مرابطين -عملوا في بيع الأطمعة والجزارة، وصنع الخبز.

وإن أسباب انجذاب الإنكشاريين إلى الأعمال الاقتصادية في النصف الثاني من القرن السادس عشر هي: إما سوء الحالة المعيشية لدى أغلبية الإنكشاريين العاديين الذين كان عليهم إطعام عيالهم من أجورهم المنخفضة بسبب انخفاض سعر الآقجة، وارتفاع أسعار الأغذية في الربع الأخير من القرن السادس عشر، وإما الرغبة في استخدام المنزلة الاجتماعية ذات الامتيازات بغرض الاغتناء.

ومن المعلوم أنه ليس كل الإنكشاريين كانوا يعانون من فقر مدقع، ومن البديهي أن التفاوت الطبقي قد شمل المجتمع كله بما فيه الإنكشاریون الذین کانت من ضمنهم فئات یتمتع أفرادها بدخول عالیة نسبيًا. كان الكثير من الإنكشاريين لتعاملهم المستمر مع المال يدخرون مبالغ لا يستهان بها. 

فقد عمل الكثير من الإنكشاريين الأثرياء بالمراباة، فيرابون بالأموال التي يحصلون عليها من الخدمة العسكرية، كذلك طال الارتشاء الفیلق الإنكشاري بأسره، طولاً وعرضاً، حتى الآغا الإنکشاري کان يأخذ رشوات عند ترقي الضباط في رتبهم، وعند إجراء التجنید دیوشیرمه، كان الآغا يسند ذلك العمل إلى الضباط ويأخذ منهم مبالغ هائلة من المال، أما الضباط فكانوا بدورهم يأخذون معهم إلى التجنيد الإنكشاريين ويأخذون من كلٌّ منهم ثلاثة أو أربعة آلاف آقجه، وکانت البیالغ المدفوعة یعوض عنها عند إجراء التجنید حين تظهر مجالات واسعة للاختلاسات.

كما كان هنالك مجال واسع لمختلف أنواع البلطجة لدى الخدمة الإنكشارية (يسقجي) التي تقوم بحراسة الأماكن العامة في استنبول والمحافظات، وكانت لدى الضباط الإنكشاريين مجالات واسعة للثراء، فقد کانوا يستغلون حقهم في رفع الأجور للإنكشاریين الجنود، والترقي في المناصب، وعند تسجيل الأغلان العجم والقوغولو الذين خدموا فترة معينة في الفيلق، وعند الإعفاء من المشاركة في الحملات، والتعيين في المناصب التي لا تشترط تأدية الخدمة العسكرية، كانت رشوة هيئة الضباط تؤثر بصورة مباشرة في انحلال النظام في الجيش الإنكشاري إذ كان أغلبية الإنكشاريين لا يرون في ضباطهم قادة محترمین یؤدون خدمتهم بلا عيب، بل يرونهم دُمی يحركها مرؤوسوهم كما يشاؤون.

إن هذه الاستهانة السافرة بالواجبات العسکریة غدت جدیرة بالإنکشاریین منذ النصف الأخير من القرن السادس عشر، فبسبب انشغال الجميع: إما بالكسب الإضافي، وإما بتحسین الحالة المعیشیة لعیالهم، کان الإنکشاریون یفقدون شیئًا فشيئًا خبرتهم القتالية لامتناعهم عن القيام بالتدريبات العسكرية المستمرة، لقد أثّر التلهي عن الواجبات الأساسية تأثيرا مهلكًا في إضعاف القدرة القتالية لدى الجيش الإنكشاري عامة، كما أدى إلى الاشمئزاز من اتخاذ الأعمال العسكرية حرفة.

وبما أن الإنكشاريين كانوا معنيين فقط برفع أجورهم ودخولهم، وبصفتهم قوة اجتماعية منظمة ومسلحة في المجتمع، كان بمقدورهم الكفاح بقوة في سبيل مصالحهم المادية، ولما مني الإنكشاريون بعواقب الأزمة المالية - التي حلت على البلاد في النصف الأخير من القرن السادس عشر - وعواقب تضخم العملة، تحولوا إلى أكثر العناصر الاجتماعية اضطرابًا وخطرا يلجؤون إلى التمرد في كل مرة كانت حقوقهم الاقتصادية يُعبَثُ بها.

إن تمرد الإنكشاريين وعدم انضباطهم في أثناء الحملات، وتحاشيهم الخدمة، وقلة فاعليتهم القتالية، وازدياد خطرهم بسبب عدم وجود التنظيم والمراقبة عند تسجيل الجدد في الفيلق من عداد الكوغولو أو الأغلان العجم، أو الدخلاء، وازدياد نفقات الحكومة على إعالة الفيلق، وكل هذا في ظل الهزائم الحربية - السياسية التي منيت بها الإمبراطورية العثمانية في نهاية القرن السادس عشر ومطلع القرن السابع عشر، أدت إلى إجراء محاولة الإصلاح العسکري الأولى التي قام بها السلطان عثمان الثاني.

وکما ورد آنفًا انتهت هذه المحاولة بالإخفاق، وأسفرت عن ازدياد الجيش المأجور قوة واستقلالاً عن السلطة العليا، وفي مطلع القرن السابع عشر تحولت الفئة الإنكشارية المرتشية والمتهمة فقط بيقائها وغير المتجانسة من الناحية المادية إلى قوة غير خاضعة للقيادة، قادرة على أن تفرض شروطها على الباب العالي والسلطان.

لقد تحول الجيش الإنكشاري من سلاح قوي بيد سلطة الحكام العثمانيين إلى قوة كان إسنادها عاملاً حاسمًا لوضع مختلف خطط السياسة الداخلية والخارجية، واستعمال هذه القوة كوسيلة في الصراع على السلطة من طائفة معينة ضمن الأسرة الحاكمة غدا منتشرا ونشيطا؛ أدی بصورة حتمية إلى إضعاف سلطة السلطان.

لقد تحول الفيلق الإنكشاري لفترة طويلة إلى عامل معوّق للتطور السياسي الداخلي في الدولة العثمانية والمحافظ على الأنظمة القديمة، وفي مطلع القرن السابع عشر لما أدرك الجيش قوته، صار بمقدوره أن يولّي على العرش السلطان الذي یرتضیه دون تعویق، إلی جانب ذلك کان ازدیاد جيش البلاط قوة مخلاً للتوازن الاجتماعي مزيحًا إلى الخلف الطبقة التيمارية ذات النفوذ السياسي الكبير في الماضي.

وكان تطور العمليات الاقتصادية في المجتمع يشير بوضوح إلى نمو طبقة الأغنياء وانتبلاء في عداد بيروقراطية الحاشية، وانخفاض الأهمية السياسية لدى الطبقة الإقطاعیة اخادمة، وبعد أن کان الفیلق الإنکشاري في البداية منظمة اجتماعية بيد السلطة العليا، صار مع بداية القرن السابع عشر أداة في النزاع على السلطة بين النخبة في البلاط، ثم بيد طبقة العلماء، نظراً لنزعتهم الرجعية التي كانت ترضي كثيرًا الفيلق الإنكشاري المعني بثبات مكانته في المجتمع واستقرارها.

___________________________________________________

خاتمة

الانكشارية كلمة عربية منحوتة من العبارة التركية (يني تشاري) والتي تعني "العسكر الجديد"، أو "الجيش الجديد"، والذين كانوا يتبعون للسطان مباشرةً، وتحت غمرته، وكان يُطلق عليهم (قابي قولاري) أو عبيد الباب -أي: باب السلطان-. كما أطلق عليهم لقب "البكتاشية" وهو اسم طريقة صوفية، وذلك لصلاتهم الوثيقة بها.

لقد مثّل النكشاريون عصب الجش النظامي العثماني، والتي ظهرت إبان القرن الرابع عشر الميلادي، في عهد السلطان أورخان الثاني سنة ١٣٢٤م واستمرت حتى ١٨٢٦، وهو تاريخ القضاء عليهم، وإحلال فرق أخرى حديثة محلهم. الأمر الذي تزامن مع مرحلة الشيخوخة والهرم وظهور عوامل الضعف والتدهور في الدولة العثمانية، وذلك مختلف مجالات الحياة العامة.

وكان الانكشاريون مجرد كتائب أغلبها مُشاة، وهي كانت تمثل قوات النُّخبة فيه، ويتراوح عددهم ما بين ٦ إلى ١٠ آلاف مقاتل، كانوا يستقدمونهم صغاراً من مختلف البلاد، ويُخضعونهم للتربية الدينية والعسكرية الشاقة، فمنهم من يرتقي عن الجندية إلى وظائف أعلى في الدولة، ومنهم من يبقى جندياً.

وكان للجيش الانكشاري دورٌ كبير في نجاح الدولة العثمانية في معاركها المختلفة حول العالم، لكنها سرعان ما تحولت إلى قوة ضارّة، ورمزٍ للفوضى والتمرد، حيث خلعت أكثر من ١٢ اثني عشر سلطاناً من آل عثمان، وتآمرت على قتل آخرين، وتخلت عن القتال في معارك أضعفت الدولة العثمانية بعدها.

اتخذ الانكشاريون من المعارك والحروب مهنةً يتكسبون بها ويغنمون منها الأموال، حتى أنهم ثاروا ضد السلاطين لأجل افتعال الحروب وإرسالهم لنهب البلاد المفتوحة، ولما دخل الانكشاريون معترك الحياة السياسية، ومارسوا التجارات والأموال، واستقروا بالمدن بسبب الزواج والذرية؛ ظهر ضعف السلاطين العثمانيين وتسلط وزراء الدولة وقادة الجيش الانكشاري عليهم، فاستبدوا بأمور الدولة والتصرف في الشئون العامة.

لم يكن الانكشاريون يملكون أي خبرة سياسية أو إدارية تتعلق بالدولة، ولم يكن غايتهم أي إصلاح سياسي أو رعاية لمصلحة العامة، وإنما قصدوا بذلك السعي وراء شهوات النفس وحظوظها في دور الخلافة وسلاطين آل عثمان، وقد ظهر الترف والبذخ في حياة الكثيرين منهم.

ولم يعد لدى الانكشاريين وقت لحماية الدولة، ورعاية شئون الخلافة؛ مما أتاح للولاة في الأقاليم التصرف المطلق في إدارة جميع الأمور في أقاليمهم؛ فساءت الإدارة وتفشى الظلم وضاقت موارد الرزق وأهمل التعليم، وتفشى الجهل وصار أكبر هم الولاة جمع الأموال وأخذ الأتاوات واحتكار الأقوات، وانكمشت الزراعة والتجارة واندثرت كثير من الصناعات والحرف، وتفشى السلب والنهب وقطع الطريق.

ولما كثر تمرّد الانكشاريين عن الخدمة العسكرية، وتمادوا في ظلمهم للعامة ونهبهم لأموال الناس، وخلعهم ربقة الإمام وطاعته من اعناقهم، وسيطروا على مفاصل الحياة بالقوة العسكرية، قام السلطان محمود الثاني بفتوى من شيخ الإسلام العثماني بحصدهم جميعاً عن طريق خطةٍ أعدَّها بقصفهم بواسطة القوة المدفعية في الجيش النظامي العثماني، قُتل فيها أكثر من ٦ آلاف انكشاري، وتم إلغاء الفرقة الانكشارية. والقضاء عليها بعد وجودها أكثر من ٤٦٥ سنة.

_________________________________________________

فهرست الموضوعات

الفصل الأول - تاريخ تأسيس الفيلق الإنكشاري .. ٧

الفصل الثاني - نظام التكميل وتركيب الفيلق الإنكشاري .. ٢٥

الفصل الثالث - الفيلق الإنكشاري وأهميته العربية والسیاسية في مرحلة توطد تنظيم الدولة العثمانية من القرن الخامس عشر وحتى النصف الأول من القرن السادس عشر .. ٤٩

الفصل الرابع - السلطة العليا وحروب القرنين الخامس عشر والسادس عشر .. ١٠٥

الفصل الخامس - الفيلق الإنكشاري وأزمة السلطة العليا .. ١٧٣

خاتمة .. ٢١٧

المصادر .. ٢٢٧