أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 23 سبتمبر 2026

تاريخ القُصاص وأثرهم في الحديث النبوي ورأي العلماء فيهم د. محمد لطفي الصباغ بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تاريخ القُصاص وأثرهم في الحديث النبوي ورأي العلماء فيهم

د. محمد لطفي الصباغ

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: (الوعظ) و(التذكير) و(القصص) كلها تندرج تحت معنى واحد هو الدعوة الى الله بالكلام أو الخطابة ويبدو أن الاسم الذي شاع في هذه الأيام بدلاً منها، هو (التدريس) و(الخطبة) و(الوعظ) و(التوجيه) و(الإرشاد). ويخطىء كثير من الناس عندما يظنون أنهم أدّوا واجبهم في الدعوة الى الله لأنَّ أحدهم ألقى درساً في المسجد، أو ارتجل خطبة في حفل أو ألقى موعظة في مجمع.

لا شك أن هذا الجانب مهم ولا يجوز أن يغفل تحت أي شعار، ولكنه ليس هو الدعوة التي تقوم على تكوين الإنسان المسلم وصياغة عقليته التي تنظر إلى تشريعات الاسلام على أنها شيء واحد. وقد يظن ظانٌّ أنَّ موضوع إفساد القصاص لم يعد موجوداً الآن، وإنما هو أمر تاريخي بحت لا يتصل اليوم بواقع الحياة والناس. وهذا ظن خاطىء بعيد عن الصواب، ذلك لأن هؤلاء القصاص ما زالوا مع الأسف موجودین بأسماء أخرى، ذکرناها آنفاً، يعيثون في الارض فساداً.

ولئن كان المخادعون الدجالون يظهرون تحت عنوان (القصاص) فيما مضى؛ فإنهم يظهرون في أيامنا هذه تحت عنوان: (الداعية والموجه والمربي والأستاذ والكاتب والمفكر) وما إلى ذلك من الألقاب !! ويبدو أن المجاملة التي ليست في محلها أسهمت في تأخير كشف حقيقة هذا النفر ..

وللأسف فإن كثيراً من الناس لا يعرفون هؤلاء القوم علی حقیقتهم، ويخلطون بين هؤلاء المرتزقين وبين الدعاة الى الله الواعين الصادقين. وقد يكون مما ساعد على مجاملتهم والسكوت عنهم أمران: 

- أنهم محسوبون على الدين، والدين يلقى الآن هجمة شرسة، ويتعرض لعدوان أثيم مخطط مدروس في كثير من بلدان المسلمين، فأي هجوم عليهم ينعكس على الدين الحق في هذه البلدان مما يجعل الغُيرُ مُضطرين إلى السكوت عنهم على مضض وحرقة.

- أن المجال فارغ والساحة خالية، فنحن الآن لا نجد من الدعاة الواعين العلماء أصحاب الفكر السليم النظيف البعيد عن الخرافة إلا عدداً يسيراً لا يكاد يستطيع أن يصنع شيئاً. وهؤلاء المنحرفون الانتهازيون المبطلون يتركون أثراً حسناً في الشباب والشابات، فيضع هذا الواقع المرء الواعي في موقف حرج: كيف يقطع هذا الخير الذي يلمسه من الناس المتصلين بهم؟.

ولكن هذا الوضع لا يجوز أن يدوم. ولا بُدَّ من أن تقوم حركة تعنى بالدعوة، وتكون هذه الحركة قائمة على أساس متين من الوعي والصدق والصفاء والبعد عن الانحراف والتدجیل واخرافات. إنَّ نجاح هؤلاء المخرفين ينبغي أن يُغري الصادقين بالعمل .. لا أن يجعلهم يتركون المجال لأولئك المنحرفين، وكشف الدجالين ينبغي أن يكون بالحكمة ومراعاة المصلحة العليا للدعوة إلى الله حتى يحال دون استغلال هذا الكشف من قبل أعداء الاسلام.

ومن هنا غدت الحاجة مُلحَّةٌ لفضح هؤلاء الدجالين وتحذير الناس منهم بالحكمة والأسلوب المناسب. وهناك أمر مهم نود أن نقرره، وهو أن هذا الجانب القاتم كان جانباً هزيلاً ضئيلاً ومؤقتاً في تاريخنا على طوله، وكان يقابله جانب الحق والصراحة والجرأة ويصارعه وكانت الغلبة في كثير من الأحيان للجانب الأخير .. وهذا الأمر نعتز به اعتزازاً كبيراً وهو أثر من آثار الاسلام العظيم في صياغة الانسان.

إننا لا نستطيع أن نغفل أولئك الشجعان الأبطال من أمثال الاوزاعي وابن حنبل وابن تيمية والعز بن عبد السلام والنووي .. وكثير غيرهم لقد صبر هؤلاء ومئات أمثالهم وصابروا وقدّم بعضهم حياته طيبة بها نفسه من أجل الحق والجرأة في قول كلمة الشرع.

وهذه رسالة موجزة في تاريخ القصاص وأثرهم في الحديث النبوي الشريف، وآراء العلماء فيهم، وقد وضعها المؤلف لتكون فصلاً من فصول مقدمته التي صدّر بها كتاب ((القصاص والمذكرين)) لابن الجوزي، والذي قام بتحقيقه ونشره. ولما اطلع على هذا الفصل بعض من العلماء والأدباء، اقترحوا أن يفرد في رسالة خاصة؛ ليعمَّ النفع بها، فنُشرت أولاً في مجلة (رسالة الخليج) العدد التاسع السنة الثالثة بتاريخ ١٤٠٣هـ. ثم نشرها في رسالة صغيرة؛ ليسهل تناولها وقراءتها.

وتكمن اهمية هذا الكتاب في التصدي لأولئك القصاص والوعاظ، الذين أفسحوا المجال أمام أعداء الله في الطعن في هذا الدين، وحجب الثقة عن هؤلاء، الذين ورثوا الأمة أكثيراً من المفاهيم المغلوطة، والأحكام المردودة، والقصص لا أصل لها، وللأسف فإن كثيراً منهم يحظى بألقاب رنّانة من نحو: العالم، والداعية وما إلى ذلك. ولعل بعضهم مكلف بمهمة تفريغ الدعوة الاسلامية من مضمونها وبربطها بهم وبتسخيرها لهم، وإدراجها ضمن مخطاطاتهم في النيل من الدعوة الإسلامية والمسلمين.

يقول المؤلف: وأودُّ أن أسوق إلى القراء الكرام عبرة من الماضي سمعتها من والدي رحمه الله وأكرم نزله - وكم سمعت منه تغمده الله بالرحمة الحكم العميقة والنظرات النافذة - قال رحمه الله تعليقاً على موقف بعض القصاص من معركة انتخابية جرت في بلادنا وكنت يومها صغير السن قال: (لقد رفع هذا الشيخ القاصّ فلاناً الذي يدعو الناس لتأييده إلى درجة لم يصل إليها سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وهو يعلم أنه كاذب فيما يقول، ولو كانت له مصلحة مع من يعارضه لما كان منه إلا هذا الموقف). إن هذا القاصّ كان ذا تأثير كبير على العامة وكان يدعو لتأييد إنسان ليس له أي غيرة على الإسلام ويخالفه في حياته مخالفة علنية واضحة. وقد نجح هو وأمثاله في هذا التدليس إلی حد بعيد.

ولو اتقى الله وآثر الدار الآخرة لما كان منه ما كان ولریما کان الوضع علی غیر ما انتهى إلیه. إن هذا الماضي الذي كان يضحك فيه على الناس باسم الاسلام يتراءى أنه مقبل على جيلنا الصاعد بألوان وأدوار تتفق وسمة العصر. ولذا فإنَّ على الواعين من العلماء أن يحذروا من تكرار المأساة ولكنها على شكل أشد وأفظع. وعلى أبناء أمتنا أن يتعظوا وأن يتبصروا وأن يستمعوا إلى من جرّب قبلهم.

____________________________________________

القصص والقصاص

١ - القصّ (في اللغة): القطع والتتبع وإيراد الخبر المقصوص. 

وقصّ الشعر والصوف: قطعه، والقصّ: أخذ الشعر بالمقصّ.

وأصل القص القطع والقص: فعل القاص إذا قص القصص.

ويقال: قصصت الشيء إذا تتبعت أثره شيئاً بعد شيء ومنه قوله تعالى: ﴿وقالت لأخته قصّيه﴾ أي تتبّعي أثره.

والقصة: الخبر وهو القصص. وقصّ عليَّ خبره يقصه قصّاً وقصصاً أورده.

والقَصص: الخبر المقصوص (بالفتح) وضع موضع المصدر حتى صار أغلب عليه.

والقصّ (في الاستعمال) هو فنّ مخاطبة العامّة ووعظهم بالاعتماد على القصة، والمقصد من القصص - في الأصل - مقصد ديني طيب، إذ في إيراد القصة موعظة وعبرة.

ومن أجل ذلك نرى القرآن الكريم يقصّ علينا أخبار الأمم السابقة .

قال تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾.

وقال سبحانه: ﴿ولقد جاءهم من الأنباء ما فيه مزدجر﴾.

أهمية القصص والمواعظ:

والقصة سلاح فعّال، إذا أحسن الانسان استعماله استطاع أن يحقق كثيراً من الخير والاصلاح، لأن النفس ترتاح لسماع القصة وتستمتع، وتتأثر بالمغزى الذي تحويه.

إن القصص الذي يكون في خدمة العقيدة - إن جانَبَ الكذب - سلاح من أسلحة الخير، ولقد قال بعض أهل العلم: القصص جند من جند الله.

والانسان بفطرته يميل إلى القصة لما يرى في سماعها من الأنس والمتعة، فإذا استطاع الداعية أن يستخدم هذه الأداة الممتازة ضمن دائرة الإسلام ولمصلحة الدين والخلق كان القصص محموداً وطيباً.

ونحن اليوم في أشد الحاجة إلى وجود القصة الهادفة بالإطار الفني المتعارف عليه، وهناك قصص جيدة تخدم قضية الدين والخلق ،ولكننا نريد الإكثار منها.

والقَاص - كما قال ابن الجوزي -: هو الذي يتبع القصة الماضية بالحكاية عنها والشرح لها. وذلك القصص. وهو في الغالب مستعمل فیمن يروي أخبار الماضين.

الفرق بين القصص والوعظ التذكير:

ويحاول ابن الجوزي في كتاب ((القصاص والمذكرين)) أن يفرّق بين القصص والوعظ والتذكير تفريقاً يرفع من شأن الوعظ والتذكير ويحط من القصص فيقول في تعريف التذكير:

بأنه تعريفُ الخلق نعم الله عز وجل عليهم وحثُّهم على شكره وتحذیرهم من مخالفته.

ويقول في تعريف الوعظ: بأنه تخويف يرقُّ له القلب.

ويقول: إن القصص مذموم، والتذكير والوعظ محمودان.

ثم قال بعد أن عرف القصص: (وهذا لا يذّم لنفسه لأن في إيراد أخبار السالفين عبرة لمعتبر وعظة لمزدجر .. وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء).

لماذا كره السلف القصص:

ثم أوردها وتتلخص بما يأتي:

١ - لأن القصص بدعة لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

٢ - لندرة صحة أخبار المتقدمين.

٣ - لأن القصص يشغل عن قراءة القرآن ورواية الحديث والتفقه في الدین.

٤ - لأن القصص في واقعه أفسد قلوب العوام.

٥ - لأنَّ في القرآن والسنة من العظة ما يكفي عن غيره مما لم یصح.

٦ - لأن معظم القصاص لا يتحرون الصواب.

وليس ابن الجوزي منفرداً بالتفريق بين هذه الكلمات بل إن آدم متز يذكر نقلاً عن ((كشف المحجوب)) للهرويجري أنَّ الصوفية كانوا يسمّون خطباءهم بهذا الاسم ((المذكرين)).

ويبدو أنَّ آدم متز وهم إذ اقتنع بأنَّ المذكرين غير القصّاص؛ فقال: ( .. وبدأت الثقة تتحول عنهم إلى طائفة خلفتهم وهي طائفة المذكرين، ويسمى مجلسهم مجلس الذكر) ..

وقال في تعليل تسمية مجلس الذكر: (وقد نشأ مجلس الذكر من قعود بعض الصالحين للتسبيح متنفلين بعد انقضاء الصلاة).

ثم قال: (وقد أجهد المذكر نفسه في أن يظهر بمظهر يكسبه من التقدير ما يزيد على سلفه القاصّ، وأكبر مظهر لذلك أنه لا يتكلم ارتجالاً ومن غير تقيد. بل كان يقرأ من دفتر).

وهذا - في ظني - غير صحيح، لأنها تسميات متعددة لمسمى واحد، ربما فرَّ من تسمية ((القصَّاص)) من يقوم بهذه المهمة هرباً مّمّا لصق بها من ذم. والله أعلم.

ويحسن أن نورد بعض ما ذكره ابن الجوزي عن القصاص في كتبه ونبدأ بكتابه ((تلبيس إبليس)) ثم نعرّج على ((صيد الخاطر)) ثم كتاب ((السر المعلوم)) ثم ((الموضوعات)).

قال ابن الجوزي في ((تلبيس إبليس)):

[ومن تلبيسه عليهم أن يحسّن لهم ازدراء الوعاظ ويمنعهم من الحضور عندهم فيقولون: من هؤلاء؟ هؤلاء قصاص. ومراد الشيطان أن لا يحضروا في موضع يلين فيه القلب ويخشع، والقصاص لا يُذَمُّون من حيث هذا الاسم، لأن الله عز وجل قال: ﴿نحن نقصُّ عليك أحسن القصص﴾، وقال: ﴿فاقصص القصص﴾].

وإنما ذم القصّاص لأن الغالب منهم الاتساع بذكر القصص دون ذكر العلم المفيد، ثم غالبهم يخلطفيما يورده، وربما اعتمد على ما أکثره محال.

فأما إذا كان القصص صدقاً ويوجب وعظاً فهو ممدوح، وقد كان أحمد بن حنبل يقول: (ما أحوج الناس إلى قاصّ صدوق).

ثم قال ابن الجوزي: [ذكر تلبيسه على الوعاظ والقصاص. 

قال المصنف: كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء، وقد حضر مجلس عبيد بن عمير عبدُ الله بن عمر رضي الله عنهما وكان عمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاص. ثم خست هذه الصناعة فتعرض لها الجهال، فبعد عن الحضور عندهم المميزون من الناس، وتعلق بهم العوام والنساء فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص وما يعجب الجهلة، وتنوعت البدع في هذا الفن وقد ذكرنا آفاتهم في كتاب القصاص والمذكرين إلا أننا نذكر هنا جملة: 

((فمن ذلك أن قوماً منهم كانوا يضعون أحاديث الترغيب والترهيب ولبس عليهم إبليس بأننا نقصد حث الناس على الخير، وكفهم عن الشر وهذا افتئات منهم على الشريعة، لأنها عندهم - على هذا الفعل - ناقصة تحتاج إلى تتمة، ثم قد نسوا قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كذب عليَّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار)) ومن ذلك أنهم تلمحوا ما يزعج النفوس ويطرب القلوب، فَنَوَّعوا فيه الكلام، فتراهم ينشدون الأشعار الرائقة الغزلية في العشق، ولبَّس عليهم بأننا نقصد الاشارة إلى محبة الله عز وجل، ومعلوم أن عامة من يحضرهم العوام الذين بواطنهم مشحونة بحب الهوى فيضل القاص ويُضل.

ومن ذلك ما يظهر من التواجد والتخاشع زيادة على ما في قلبه، وكثرة الجمع توجب زيادة تعمل، فتسمع الناس بفضل بكاء وخشوع، فمن كان منهم كاذباً فقد خسر الآخرة، ومن كان صادقاً لم یسلم صدقه من ریاء يخالطه.

ومنهم من يتحرك الحركات التي يوقع بها على قراءة الألحان، والألحان التي أخرجوها اليوم مشابهة للغناء، فهي إلى التحريم أقرب منها إلى الكراهة، والقارىء يطرب، والقاصّ ينشد الغزل مع تصفيق بيديه، وإيقاع برجليه، فتشبه السكر، ويوجب ذلك تحريك الطباع وتهييج النفوس، وصياح الرجال والنساء، وتمزيق الثياب، لما في النفوس من دفائن الهوى، ثم يخرجون فيقولون: كان المجلس طيباً، ويشيرون بالطيبة إلى ما لا يجوز.

ومنهم من یجري في مثل تلك الحالة التي شرحناها، لکنه ینشد أشعار النوح على الموتى ويصف ما يجري لهم من البلاء ويذكر الغربة ومن مات غريباً، فيبكي بها النساء ويصير المكان كالمأتم! وإنما ينبغي أن يذكر الصبر على فقد الأحباب لا ما يوجب الجزع. 

ومنهم من يتكلم في دقائق الزهد ومحبة الحق سبحانه، فلبَّس عليه إبليس أنك من جملة الموصوفين بذلك، لأنك لم تقدر على الوصف حتى عرفت ما تصف وسلكت الطريق. وكشف هذا التلبيس أن الوصف علم والسلوك غير العلم.

ومنهم من يتكلم بالطامات والشطح الخارج عن الشرع ويستشهد بأشعار العشق وغرضه أن يكثر في مجلسه الصياح ولو على کلام فاسد.

وكم منهم من يزوق عبارة لا معنى تحتها.

وأكثر كلامهم اليوم في موسى والجبل، وزليخا ويوسف، ولا یکادون یذکرون الفرائض ولا ینهون عن ذنب. فمتى يرجع صاحب الزنا ومستعمل الربا؟ وتعرف المرأة حق زوجها؟ وتحفظ صلاتها؟.

هيهات !!! هؤلاء تركوا الشرع وراء ظهورهم ولهذا نفقت سلعهم لأن الحق ثقيل والباطل خفيف.

ومنهم من يحث على الزهد وقيام الليل، ولا يبين للعامة المقصود، فربما تاب الرجل منهم وانقطع إلى زاوية، أو خرج إلى جبل فبقیت عائلته لا شيء لهم.

ومنهم من يتكلم في الرجاء والطمع من غير أن يمزج ذلك بما يوجب الخوف والحذر فيزيد الناس جرأة على المعاصي. ثم يقوي ما ذكر بميله الى الدنيا من المراكب الفارهة، والملابس الفاخرة، فيفسد القلوب بقوله وفعله.

وقال ابن الجوزي في ((تلبیس إبلیس)):

[وقد يكون الواعظ صادقاً قاصداً للنصيحة إلا أن منهم من أشرب الرئاسة قلبه مع الزمان، فيحب أن يعظم، وعلامته أنه إذا ظهر واعظ ینوب عنه أو يعينه کره ذلك، ولو صح قصده لم يكره أن یعینه].

وقال: [ومن القصاص من يخلط في مجلسه الرجال والنساء، وترى النساء يكثرن الصياح وجداً على زعمهنّ، فلا ينكر ذلك عليهن جمعاً للقلوب عليه.

ولقد ظهر في زماننا هذا من القصاص ما لا يدخل في التلبيس لأنه أمر صريح من كونهم جعلوا القصص معاشاً يستمنحون به الأمراء والظلمة، والأخذ من أصحاب المكوس ، والتكسب به في البلدان.

وفيهم من يحضر المقابر فيذكر البلى وفراق الأحبة فيبكي النسوة ولا يحث على الصبر.

وقد يلبس إبليس على الواعظ المحقق فيقول له: مثلك لا يغظ، وإنما يعظ مُتَيَقِّظ. فيحمله على السكوت والانقطاع، وذلك من دسائس إبليس، لأنه يمنع فعل الخير، ويقول: إنك تلتذ بما تورده وتجد لذلك راحة، فربما دخل الرياء في قولك، وطريق الوحدة أسلم. ومقصوده بذلك سد باب الخير وعن ثابت قال: كان الحسين في مجلس فقيل للعلاء: تكلم. فقال: أوهناك أنا؟ ثم ذكر الكلام ومؤنته وتبعته. قال ثابت: فأعجبني. 

قال: ثم تكلم الحسين فقال: وإننا هناك. يود الشيطان أنكم أخذتموها عنه فلم يأمر أحد أحداً بخير ولم ينهه عن شر].

وقال ابن الجوزي في ((صید الخاطر)):

[وقد كان جماعة من السلف يرون تخليط القصاص، فينهون عن الحضور عندهم، وهذا على الاطلاق لا يحسن اليوم، لأنه كان الناس في ذلك الزمان متشاغلين بالعلم، فرأوا حضور القصص صاداً لهم، واليوم كثر الاعراض عن العلم فأنفع ما للعامي مجلس الوعظ يرده عن ذنب، ويحركه إلى توبة، وإنما الخلل في القاص فليتق الله عزّ وجل].

وقال ابن الجوزي في ((صید اخاطر)):

[ ... ولقد أدخل المتزهدون في الدين ما ينفر الناس منه، حتى إنهم يرون أفعالهم فيستبعدون الطريق، وأكثر أدلة لذه الطريق القصاص فإن العامي إذا دخل مجلسهم وهو لا يحسن الوضوء كلموه بدقائق الجنيد وإشارات الشبليّ، فرأى ذلك العامي أن الطريق الواضح لزوم زاوية، وترك الكسب للعائلة، ومناجاة الحق في خلوة على زعمه، مع كونه لا يعرف أركان الصلاة، ولا أدّبه العلم ولا قوّم أخلاقه شيء من مخالطة العلماء فلا يستفيد من خلوته إلا كما يستفيد الحمار من الإصطبل، فإن امتد علیه الزمان في تقلله زاد يبسه، فربما خايلت له ((الماليخوليا))(ضرب من الجنون) أشباحاً يظنهم الملائكة ثم يطأطىء رأسه ويمد يده للتقبيل.

فكم رأينا من أكار ترك الزرع وقعد في زاوية، فصار إلى هذه الحالة فاستراح من تعبه، فلو قيل له : عد مريضاً قال: ما لي عادة، فلعن الله عادة تخالف الشريعة. فيرى العامة بما يورده هؤلاء القصاص أن طريق الشرع هذه لا التي عليها الفقهاء فيقعون في الضلال].

وقال ابن الجوزي في كتاب ((السر المعلوم)):

[لا يصلح لايداع الأسرار كل أحد، ولا ينبغي لمن وقع بكنز أن یکتمه مطلقاً، فربما ذهب هو ولم ینتفع بالکنز. وكما أنه لا ينبغي للعالم أن يخاطب العوام بكل علم فينبغي أن يخص الخواص بأسرار العلم لاحتمال هؤلاء ما لا يحتمله أولئك. وقد عُلم تفاوت الأفهام].

وقال ابن الجوزي عمن يعظ العوام:

[لیحذر الخوض في الأصول فإنهم لا یفهمون ذلك، لکنه يوجب الفتن وربما كفروه مع كونهم جهلة. وينبغي أن يمدح جميع الصحابة رضي الله عنهم ولا يتعرض بتخطئة أحد منهم، فقل أن یرجع ذو هوی عن عصبيته إن كان عامياً.فما يستفيد مكلم الناس بما قد رسخ في قلوبهم غيره إلا البغض والوقيعة فيه].

ولابن الجوزي كلام طويل على القصاص نجده في كتابه ((القصاص والمذكرين)).

هذا وابن الجوزي کان من کبار القصاص وقد بدا في کتاب القصاص والمذكرين متعاطفاً مع القصاص مائلاً إليهم، وإن كان الرجل بقي في دائرة الانصاف لم يجاوزها إلى التعصب والتحزب والمعاندة فلقد ذكر مساوئهم ونقائصهم، وذكر إساءة بعضهم للمعاني الكريمة الطيبة وللأغراض النبيلة السامية التي يؤديها الوعظ وتذكير الناس ودعوتهم إلى الخير.

ومن كتبه التي عني فيها بموضوع القصص كتاب ((المدهش)) الذي ترى تأثر ابن الجوزي فيه بالصوفية والمتصوفين واضحاً جداً.

ومهما يكن من أمر فإن ابن الجوزي كان ميالاً إلى القصّاص، وإنني أحسب أنه كان معذوراً عندما يبدو متحمساً بعض الشيء لجانب القصص والتذكير لأن ابن الجوزي كان واعظاً فصيحاً وداعية موفقاً خَبَرَ موضوع الاتصال بالعامة وخرج بنتائج قيمة من هذه التجربة سجّل بعضها في هذا الكتاب.

ولأن الواقع الأليم الذي كان يعاني منه المسلمون بحاجة إلى إصلاح وتذكير وإرشاد. ونظرة منّا إلى واقع المسلمين اليوم من غياب الدعاة إلى الله الصادقين، وبقاء الدجالين يصولون ويجولون تقنعنا بحاجة الناس إلى من يذكرهم بالله ويوقظ فيهم معاني الخير، وليس كما يتصور بعض الناس الذين يذهبون إلى القضاء على القصص والوعظ من حیث هو.

إن المجتمع في حاجة مستمرة إلى من يذكر أبناءه بالله .. ذلك لأن الغفلة والشهوة والشيطان عوائق ضخمة تقف حائلاً دون سلوك الصراط السويّ أو المحافظة على المستوى الرفيع الكريم الذي يقيمه الاسلام في المجتمع.

فكيف إذا أضفنا الى ذلك ما كان في أيام ابن الجوزي من تسلط النصارى على بلاد المسلمين ومهاجمتهم بالحملات الصليبية الواحدة تلو الأخرى، وتسلط الشيعة على أهل السنة إن هذا يضاعف الحاجة الی قیام مذکرین ووعاظ.

وإذا كان هؤلاء الوعاظ والمذكرون منحرفين فالواجب يقضي بإصلاحهم وقيام ناس فضلاء بهذه المهمة.

إننا اليوم في العالم الاسلامي نشكو غزو الحضارة الأوروبية لبلادنا وعاداتنا وفكرنا ونشكو خضوع عدد من الأنظمة التي تحكم بلاد المسلمين إلى اعتبارات جاهلية تعد التذكير بالله جريمة يعاقب عليها الحاكمون الدعاة الى الله.

هذا وقد ذكر ابن الجوزي الشروط التي يجب أن تتوافر في القاص، وهي:

١ - العلم وإتقان فنونه.

٢ - معرفة الحدیث وتمییز صحيحه من سقيمه.

٣ - العلم بالتاريخ وسير السلف وأخبار الزهّاد.

٤ - معرفة الفقه معرفة جيدة.

٥ - معرفة اللغة العربية معرفة جيدة.

٦ - تقوى الله والتخلص من الطمع.

٧ ۔ العمل بما یدعو الناس إلیه.

٨ - الزهد في الدنيا وترك المظاهر الفخمة.

وقريب من ذلك ما ذكره نصر بن محمد السمرقندي (المتوفى ٣٧٥ هـ) في كتابه ((بستان العارفين)) من صفات المذكر إذ قال: 

(أول ما يحتاج إليه المذكر .. أن يكون صالحاً في نفسه .. ورعاً. 

وينبغي أن لا يطول المجلس فيمل الناس.

وينبغي .. أن يكون متواضعاً ليناً ولا يكون متكبراً ولا فظاً غليظاً .. 

وإذا أراد أن يخبر الناس بشيء من فضائل الصلاة والصيام والصدقة فينبغي أن يعمل به أولاً .. 

وينبغي للمذكر أن يكون عالماً بتفسير القرآن والأخبار وأقاويل الفقهاء ..

وینبغي للمذکر إذا حدّث الناس أن لا یقبل بوجهه علی واحد دون آخر بل يعمّهم ..

ولا ينبغي للمذكر أن يكون طماعاً، لأن الطمع يذل الانسان ويذهب بهاء الوجه والعلم ولو أهدى إليه إنسان من غير مسألة فلا بأس أن يقبل هديته.

وينبغي أن يكون في مجلسه الخوف والرجاء في خلال مجلسه كلاماً يستظرفه السامعون ويبتسمون له، فإن ذلك يزيدهم نشاطاً وإقبالاً على السماع).

وذكر السمرقندي شيئاً من آداب المستمعين فقال:

(ينبغي أن يقبل المستمع إلى وجه المذكر .. ولا يشتغل بشيء غيره .. ويستحب للمستمعين عند فصل كل حديث أن يقولوا (صدقت) أو (احسنت)حتی یکون المذکر راغباً في الحدیث وأن يصلي المستمع عند سماع اسم محمد وأن ينزع وسواس الشيطان عن قلبه ولا ينام في حال المجلس .. ).

وكذلك فقد ذكر ابن الأخوة قريباً من هذه الشروط.

وذكر السبكي أموراً يجب على الخطيب والواعظ والقاص أن يتبعها، وفرّق بين هؤلاء، فالخطيب هو الذي يخطب الناس يوم الجمعة، والقاص - عنده - هو الذي يجلس في الطرقات مذكراً. قال رحمه الله:

( المثال الستون الخطيب: وعليه أن يرفع صوته بحيث يسمعه أربعون نفساً من أهل الجمعة، فلو خطب سراً بحيث لم يُسمِعْ غيره لم تصح على الصحيح .. وأما الالتفات في الخطبة، والدق على درج المنبر في صعوده، والدعاء إذا انتهى صعوده قبل أن يجلس والمجازفة في وصف السلاطين عند الدعاء لهم، والمبالغة في الاسراع في الخطبة الثانية فكل ذلك مكروه، ولا بأس بالدعاء للسلطان بالصلاح ونحوه، فإن صلاحه صلاحٌ للمسلمين، ولا يطيل الخطبة على الناس .. ولا يأتي بألفاظ قلقة يصعب فهمها على غير الخاصة، بل يذكر الواضح من الألفاظ ولا يتكلف السجع .. ).

وقال: (المثال الحادي والستون الواعظ: وعليه نحو ما على الخطيب، فليذكر بأيام الله، وليُخف القوم من الله، وينبئهم بأخبار السلف الصالحين وما كانوا عليه. وأهم ما ينبغي له وللخطيب أن يتلو على نفسه قوله تعالى: ﴿أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم﴾ ويتذكر قول الشاعر:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم

واعلم أن الكلام إذا لم يخرج من القلب لم يصل الى القلب. فكل خطيب وواعظ لا يكون عليه سيما الصلاح قلّ أن ينفع الله به).

وقال: (المثال الثاني والستون القاص: وهو من يجلس في الطرقات يذكر شيئاً من الآيات والأحاديث وأخبار السلف. وينبغي له ألا يذكر إلا ما يفهمه العامة ويشتركون فيه من الترغيب في الصلاة والصوم وإخراج الزكاة والصدقة ونحو ذلك. ولا يذكر عليهم شيئاً من أصول الدين وفنون العقائد. وأحاديث الصفات فإن ذلك يجرهم إلى ما لا ينبغي).

وذكر السبكي اسماً آخر للقاص وهو (قارىء الكرسي)، وفرَّق بينه وبين القاصّ بما يأتي:

- القاص يقرأ من حفظه وقارىء الكرسي يقرأ من كتاب.

- القاص يقف وربما جلس والقارىء يجلس. 

- القاص يكلم الناس في الطريق والقارىء يكون في المسجد أو المدرسة أو الخانقاه.

(المثال الثالث والستون قارىء الكرسي: وهو من يجلس على كرسي يقرأ على العامة شيئاً من الرقائق والحديث والتفسير. فیشترك هو والقاص في ذلك.

ويفترقان في أن القاص يقرأ من صدره وحفظه وربم اجلس، ولكن جلوسه ووقوفه في الطرقات. وأما قارىء الكرسي فيجلس على كرسي في جامع أو مسجد أو مدرسة أو خانقاه ولا يقرأ إلا من كتاب.

وينبغي له مثل ما ينبغي للقاص من قراءة ما تفهمه العامة ولا يخشى عليها منه .. ).

وقال ابن الاخوة: (والفقهاء والمتكلمون والأدباء والنحاة يسمون أهل الذكر والوعظ قُصّاصاً).

أنواع القصص

يحكي المقريزي عن الليث بن سعد أن القصص قصصان: 

قصص العامة، وقصص الخاصة.

- فأما قصص العامة فهو الذي يجتمع إليه النفر من الناس للقاصّ، يعظهم ويذكرهم قال: (وذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه).

- وأما قصص الخاصة فهو الذي جعله معاوية، إذ وتى رجلاً على القصص، فكان إذا سلم من صلاة الصبح جلس وذكر الله عز وجل وحمده وصلى على النبي، ودعا للخليفة ولأهل ولايته ولحشمه ولجنوده ودعا على أهل حربه وعلى المشركين.

يفهم من هذا الكلام أنَّ القصص نوعان: 

- قصص رسمي تسمح به الدولة وعندئذ لا بد أن يكون في خدمتها كما أشار إلى ذلك المقريزي. 

- وقصص تطوعي شخصي يقف فيه القاص بين نفر من الناس فيعظهم ويذكرهم.

ولا نرى قول المقريزي :(وذلك مكروه لمن فعله ولمن استمعه) قولاً صحيحاً، فلماذا يكون مكروهاً إذا كان القاصّ عالماً صادقاً في قوله من أهل البصر والوعي والحماسة للخير؟.

إن هذا الحكم غير صحيح. ولو قال: إن القصص القائم على الدجل والخرافة قصص مؤذ ضار وهو مكروه لمن يقوم به ولمن يستمع إلیه لكان کلامه صحیحاً.

وهناك تقسيم آخر للقصص: إذ ينقسم إلى نوعين: قصص ديني وقصص شعبي.

أما القصص الديني - وهو موضوع حديثنا - فمادته القصص الدينية الواردة في الكتاب والسنة والسيرة وكتب التفسير وشروح الحديث والاسرائيليات وكتب التصوف. وهو يقصد إلى الوعظ والاصلاح وترقيق القلب والتخويف من المعاصي، والتحذير من الانسياق وراءَ الدنيا.

وأما القصص الشعبي فمادته القصص التاريخي والأدبي والحكايات الشعبية المحبوكة والنوادر المسلية، وهذا النوع من القصص كان يحدث في الطرق ثم صارت ندواته تعقد في المقاهي وقد أدركنا شيئاً من القهوات القديمة في بلدنا دمشق ،وكثيراً ما كان القاص (الحكواتي) يقرأ من كتاب، وكانت القصص التي يرددها هؤلاء القصاصون قصصاً شعبية مثل قصة عنترة وقصة أبي زيد الهلالي وقصة الملك الظاهر .. وأمثال ذلك.

والروح التي تصبغ هذا القصص روح دينية مشبعة بالعواطف الاسلامية والمعاني الكريمة .. ويبدو أن هذين النوعين من القصص كانا مهنة يعيش أربابها من العمل فيها، فهؤلاء يجمعون وأولئك یجمعون.


جواز حضور مجلس القُصاص

وقد روي عن السلف وأئمة السنة آثار كثيرة في جواز حضور مجالس القُصَّاص والاستماع لهم، ومن ذلك:

- ما في ((أخبار المكيين)) (١٦٢) عن الأزرَق بن قيس: أن ابن عمر قعد إلى عُبيد بن عُمير وهو يقصّ، فجاء الناس يستفتون ابن عمر، فكان يقول: خلوا بيننا وبين قاصِّنا.

- وفي ((الآداب الشرعية)) (٨٢/٢) (في وعظ القصاص ونفعهم وضررهم و کذبهم): قال المروذي: سمعت أبا عبد الله [أحمد بن حنبل] يقول: يعجبني القُصَّاص؛ لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر. قلت لأبي عبد الله: فترى الذهاب إليهم؟ فقال: أي لعمري؛ إذا كان صدوقًا؛ لأنهم يذكرون الميزان، وعذاب القبر. قلت له: كنت تحضر مجالسهم أو تأتيهم؟ قال: لا. قال: وشكا رجل إلى أبي عبد الله الوسوسة، فقال: عليك بالقُصَّاص، ما أنفع مجالسهم.

وقال في رواية جعفر بن محمد: ما أحوج الناس إلى قاصٌّ صدوق. 

وقال في رواية علي بن زكريا التمار: وسُئل عن القُصَّاص والمُعبِّر؟ فقال: يُخرج المعبِّر، ولا يُخرج القُصَّاص.

وقال لنا: يعجبني القُصَّاص في هذا الزمان؛ لأنه يُذكِّر الشفاعة، والصِّراط … وسُئل عن مُجالسة القُصَّاص؟ فقال: إذا كان القاصُّ صدوقًا فلا أرى بمجالسته بأسًا .

وقال مهنا: إن أبا عبد الله سألوه عن القَصَص فرخَّص فیه.

فقلت له: حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر رما أنه كان يخرج من المسجد يقول: ما أخرجني إلَّا القُصَّاص، ولولاهم ما خرجت.

فقال لي: يعجبني القُصَّاص اليوم؛ لأنهم يذكرون عذاب القبر، ويخوفون الناس.

فقلت له حدثنا ضمرة، قال: جاءنا سفيان ههنا، فقلنا: نستقبل القُصَّاص بوجوهنا؟ فقال: ولُّوا البدع ظهوركم. فقال أحمد: نعم، هذا مذهب الثوري. 

وقال الأوزاعي: كان الحسن إذا قصَّ القاص لم يتكلم، فقيل له في ذلك، فقال: إجلالا لذكر الله تعالى. 

وسئل الأوزاعي عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلًا فيقصّ عليهم؟ فقال: إذا کان ذلك یومًا بعد الأیام فلیس به بأس.

وقال حبيب بن الشهيد: قال إنسان لابن سيرين: إن أبا مجلز كان لا يقعد إلى القاصِّ. قال: قعد إليه من هو خيرٌ منه.

وعن الحسن، قال: القصص بدعة، ونِعم البدعة، كم من دعاء مستجاب، وأخ مستفاد.

وقال حنبل: قلت لعمي [أحمد بن حنبل] في القُصَّاص؟ قال: القصَّاص الذي يذكر الجنة والنار، والتخويف، ولهم نية وصدق الحديث، فأما هؤلاء الذين أحدثوا من وضع الأخبار والأحاديث فلا أراه.

قال أبو عبد الله: ولو قلت أيضًا: إن هؤلاء يسمعهم الجاهل والذي لا يعلم فلعلَّه ينتفع بكلمة، أو يرجع عن أمر.

كان أبو عبد الله يكره أن يمنعوا أو قال: ربما جاءوا بالأحاديث الصحاح.

وروى حنبل من رواية أبي جعفر الرازي ماهان، عن الربيع بن أنس، قال: مرَّ عليُّ رضي الله عنه على قاصِّ فقام إليه، فقال: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هل تعرف المحكم من المتشابه؟ قال: لا. قال: هل تعرف الزجر من الأمر؟ قال: لا. فأخذ بيده فرفعها، وقال: إن هذا يقول: اعرفوني، اعرفوني.

وبإسناد صحيح عن أبي عبد الرحمن السُّلمي، قال: انتهى عليُّ رضي الله عنه إلى رجل وهو يقصّ، فقال: علمت الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت.

وعن ابن عباس رضي الله عنه بمعناه.

وعن عابد بن عمر أنه قال لقاصِ هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال فعلام تقص على الناس وتغرهم عن دينهم وأنت لا تعرف حلال الله من حرامه . اهـ

- وفي ((أخبار المكيين)) (١٥٧) عن عبد الله بن أبي مُليكة، قال: ذهبت انا وعبيد بن عُمير الليثي حتى دخلنَا على عائشة أم المؤمنِين رضي الله عنها، فقالت: يا ابن قتادة. قال: لبيك يا أُمه. قالت: خفِّف عن الناس القصَص، ولا تُملُّهم فيَملّوا.

وفي ((صحيح البخاري)) (٦٣٣٧) عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما، قال: حدِّث الناس كل جمعة مرَّة، فإن أبيت فمرَّتين، فإن أكثرت فثلاث مرار، تُمِلَّ الناسَ هذا القرآن، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حدیثهم، ولا تقصَّ عليهم، فتقطعُ عليهم حديثهم فَتُمِلُّهُمْ، ولكن أنصت، فإذا أمروك فحدِّثهم وهم يشتهونه، فانظر السجع من الدعاء فاجتنبه، فإني عهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه لا يفعلون إلَّا ذلك. - يعني: لا يفعلون إلَّا ذلك الاجتناب ـ .اهـ.

وفي ((مسند أحمد)) (٢٥٨٢٠) عن الشعبي، قال: قالت عائشة رضي الله عنها، لابن أبي السائب - قاصِ أهل المدينة -: ثلاثًا لتتابعني عليهن أو لأناجزنك. فقال: ما هن؟ بل أنا أتابعك يا أم المؤمنين. قالت: اجتنب السجع من الدعاء، فإن رسول صلى الله عليه وسلم، وأصحابه كانوا لا يفعلون ذلك، وقصَّ على الناس في كل جمعة مرَّة، فإن أبيت فثنتين، فإن أبيت فثلاثًا، فلا تُمِلّ الناس هذا الكتاب، ولا ألفينك تأتي القوم وهم في حديث من حديثهم فتقطع عليهم حديثهم؛ ولكن اتركهم فإذا حدَّوك عليه، وأمروك به فحدِّثهم.  

قلت: فمما سبق من الآثار يتبيَّن جواز حضور مجلس القاصِّ إذا كان صاحب علم وسُنَّة وصدق وأمانة.

وعند التأمل في الآثار الواردة في هذا الباب نجد أن هناك أسبابًا كثيرة جعلت بعض الأئمة ينهون عن حضور مجالس القُصاص والاستماع لهم، ومن ذلك:

أ- خوفهم من انشغال العامة بهذه المجالس عن مجالس العلماء، وعن طلب العلم الشرعي الذي به يعرف الحلال والحرام، وخاصة إذا تبيَّن أن أغلب من اشتغل بالقَصص والوعظ ليسوا أصحاب علم ولا سُنة، ولهذا كثُرَت فيهم وفي مجالسهم البدع.

- ففي ((الجامع لأخلاق الراوي)) (١٥٠٠) قال أيوب السختياني: ما أمات العلم إلَّا القُصَّاص، إن الرجل ليجلس إلى القاصِّ بُرهة من دهره فلا يتعلَّق منه بشيءٍ، وإنه ليجلس إلى الرجل العالم الساعة فما يقوم حتى يفيد منه شيئًا . 

وقال النقاش: حُدِّثت عن أبي الوليد الطيالسي قال: كنت مع شعبة فدنا منه شاب رقباني، فسأله عن حديث، فقال له شعبة: أقاصٌّ أنت؟ قال: وكان شعبة سيء الفراسة، فلا أدري كيف أصاب يومئذ؟!

قال: فقال الشاب: نعم. قال: اذهب فإنا لا نُحدِّث القصَّاص. قال: فقلت له: لمَ يا أبا بسطام؟ قال: يأخذون الحديث منا شبرًا، فيجعلونه ذراعًا . 

- وفي ((الحلية)) (١٢٤/٥) عن أبي عون، عن أبي إدريس الخولاني قال: لأن أرى في طائفة المسجد نارًا تتقد أحب إليَّ من أن أرى فيها رجلًا يقصُّ لیس بفقیه.

- وفي ((المذكر والتذكير والذكر)) لابن أبي عاصم (١٤) عن أبي عبد الرحمُن، أن عليًّا رظهله رأى رجلًا يقصّ، فقال: علمت الناسخ من المنسوخ؟ فقال: لا. قال: هلكت وأهلكت.

قال ابن أبي عاصم: وهذا دليل على امتحان القاص. اهـ.

- قال ابن الجوزي في ((تلبيس إبليس)) (ص١١١): كان الوعاظ في قديم الزمان علماء فقهاء وَقَدْ حضر مجلس عُبيد بن عمير عبد الله بن عُمَر رضي الله عنهما، وكان عُمر بن عبد العزيز يحضر مجلس القاصَّ، ثم خسَّت هذه الصناعة، فتعرض لها الجهال؛ فبَعُد عن الحضور عندهم المميزون من الناس، وتعلَّق بهم العوام والنساء، فلم يتشاغلوا بالعلم وأقبلوا على القصص، وما يُعجب الجهلة، وتنوَّعت البدع فى هذا الفن. اهـ

- وقال في ((القُصَّاص والمُذكِّرين)) (ص٦٦): وإنما كره بعض السلف القصص لأحد ستة أشياء: 

أحدها: أن القوم كانوا على الاقتداء والاتباع، فكانوا إذا رأوا ما لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنكروه حتى إن أبا بكر وعمر يّا لمَّا أرادا جمع القرآن قال زيد ظله: أتفعلان شيئًا لم يفعله رسول الله ؟!

والثاني: أن القصص لأخبار المتقدِّمين تندر صخَّته، خصوصًا ما ينقل عن بني إسرائيل، وفي شرعنا غُنية. وقد جاء عمر بن الخطاب ضظُله بكلمات من التوراة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له: ((أمطها عنك يا عمر!)) ...

والثالث: أن التشاغل بذلك يشغل عن المُهم من قراءة القرآن، ورواية الحدیث، والتفقه في الدين.

والرابع: أن في القرآن من القصص وفي السُّنة من العظة ما يكفي عن غيره مما لا تتيقن صحته.

والخامس: أن أقوامًا ممن يُدخِل في الدين ما ليس منه قصوا، فأدخلوا في قصصهم ما يفسد قلوب العوام.

والسادس: أن عموم القُصَّاص لا يتحرون الصواب، ولا يحترزون من الخطأ لقلة علمهم وتقواهم.

فلهذا كَرِهَ القصص من كرهه، فأما إذا وعظ العالم، وقصَّ من يعرف الصحیح من الفاسد؛ فلا کراهة اهـ.

مسألة: هل يُشترط فيها إذن الإمام والسلطان؟

- روى أحمد (٦٦٦١) عن عَمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي -صلى الله عليه وسلم -قال: ((لا يقصُّ على الناس إلَّا أمير، أو مأمور، أو مُراءٍ)).

ورواه أحمد (٢٣٩٩٤)، وأبو داود (٣٦٦٥) عن عَوف بن مالك الأشجعي ظله، قال: سمعتُ رسولَ الله َِ صلى الله عليه وسلم، يقول: ((لا يَقُصُّ إلَّا أميرٌ، أو مأمورٌ، أو مختالٌ)).

وفي ((القُصَّاص والمذكرين)) (٣٣) عن أزهر بن سعيد، عن ذي الكلاع، قال: كان كعب يقُصُّ في إمارة معاوية ظلله. فقال عوف بن مالك لذي الكلاع: يا أبا شرحبيل! أرأيت ابن عمِّك، أبأمر الأمير يقُصُّ؟ فإني سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم-، يقول: ((القصاص ثلاثة: أمير، أو مأمور، أو مختال)). فمكث كعب سنة لا يقصُّ حتى أرسل إليه معاوية رضي الله عنه، فأمره أن يقصَّ.

قال ابن الجوزي: وكان الأمراء يَلون الخطب، فيعظون الناس، ويذكرونهم فيها. فالمأمور: من يقيمه الإمام خطيبًا، فيعظ الناس ويقصُّ عليهم. والمختال: الذي نَصَبَ نفسه لذلك من غير أن يُؤمرَ به، فهو يقصُّ على الناس طلبًا للرياسة، فهو يُرائي بذلك ويختال.

- وفي ((الإبانة الكبرى)) (٢٨٤) عن أبي عامر عبد الله بن لُحيٍّ، قال: حججتُ مع معاوية بن أبي سفيان َظه، فلما قدمنا مكة، أُخبر بقاصٍ يقصُّ على أهل مكة لبني مخزوم، فأرسل إليه معاوية، فقال: أأمرتُك بهذا القَصَص؟ قال: لا. قال: فما حملك على أن تقُصَّ بغيرِ إذني؟! قال: ننشرُ علمًا علَّمنا الله. فقال معاوية: لو كنتُ تقدَّمتُ إليك قبل مرَّتي هذه لقطعت منك طابقًا [يعني: عضوًا]، ثم قام حين صلى صلاة الظهر بمكة، فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين مِلةً، وإن هذه الأُمة ستفترق على ثلاثٍ وسبعين ملةً - يعني: الأهواء - كلها في النار إلَّا واحدة، وهي الجماعة)).

- قال ابن أبي عاصم كخَّلُ في ((المذكر والتذكير والذكر)) (ص٩٧): فإذا قصَّ القاص بغير إذن الأمير؛ وجب على الأمير منعه من ذلك؛ إذ القاصُّ بغير إذن الأمير: متكلِّف، أو مختال، أو مُراءٍ، وهذه الأحوال مذمومة كلها، فيجب على الإمام المنع منها … وفي قول معاوية للقاص الذي أخبر به: أباذن تقصُّ؟ قال: لا. قال: لو كنت تقدمت إليك لقطعت منك طابقًا. موافق لقول عليٍّ: إني أكره العقوبة قبل التقدمة، فإن عادوا بعد التقدمة وجبت عليهم العقوبة.

وفي قول علي رضي الله عنه، للقاصِّ: أعلمت الناسخ من المنسوخ؟ دليل على امتحان القُصَّاص المأذون لهم فى القصص. 

وفي حديث السائب بن يزيد ما يدل على أن الإمام إذا أذن للقاص أن يقص بعد امتحانه أن يقص على رجليه قائمًا، وأن لا يطيل المكث لئلا يمل الناس، وقالت عائشة لابن السائب القاص: قص عليهم في الأسبوع يومين أو ثلاثة. اهـ.

- وفي ((الحوادث والبدع)) (ص١١١): قيل لابن سيرين: لو قصصت على إخوانك؟ فقال: قد قيل: لا يتكلم على الناس إلَّا أمير، أو مأمور، أو أحمق، ولست بأميرٍ، ولا مأمورٍ، وأكره أن أكون الثالث.

قلت: وباب القصاص والمذكرين باب كبير جدًّا صنَّف فيه غير واحد، ومن ذلك:

كتاب ((المذكر والتذكير والذكر)) لابن أبي عاصم، وهو منشور.

وكتاب ((القُصاص والمذكِّرين)) لابن الجوزي، تحقيق قاسم السامرائي، وقد أحسن في مقدمته في بيان نشأة القصاص والمراحل التي مروا بها منذ عهد الصحابة مه وما بعدهم، وهي مقدمة نافعة تكشف عن أسباب تحذير السلف من القُصاص والجلوس معهم.

وكتاب ((أحاديث القُصَّاص)) لابن تيمية.

وكتاب ((تحذير الخواص من أكاذيب القصاص)) للسيوطي.

مكان القصص:

ومكان القصص الديني هو المسجد والطريق.

جاء في ((معيد النعم)) للسبكي: 

(القاصّ هو من يجلس في الطرقات يذكر شيئاً من الآيات والأحاديث وأخبار السلف).

ويفهم من هذا النصّ أن القاصّ لا يجلس إلاَّ في الطرقات وقد يكون هذا في عصر السبكي، بينما في العصور السابقة كان يجلس في المسجد والطريق، وكانوا يختارون المساجد الكبرى.

وجاء في ((تاريخ الخلفاء) للسيوطي: 

(وفي أول سنة استخلف فيها المعتضد بالله منع الوراقين من بيع كتب الفلاسفة وما شاكلها ومنع القصاص والمنجمين من القعود في الطريق).

كان ذلك في سنة ٢٧٩ هـ وفي هذا النّص ما يدل على أن القصاص كانوا يقعدون في الطريق وعلى أن منعهم كان من المكرمات التي تذكر للحكام وعلى أنهم كانوا مقرونين بالمنجمين.

وأما زمانه فهو الوقت الذي يجتمع فيه أکبر عدد من الناس، وأنسب هذه الأوقات بعد صلاة الجمعة وبعد العصر والصبح وفي شهر رمضان وبعد كثير من الصلوات.

وكان القاص محبوباً من قبل العامة لأنه يسرهم بقصصه المسلّي ولا سيما إذا كان من أهل البيان والفصاحة. وكان يتمتع بنفوذ كبير، وإذا عرفنا أنَّ الحسن البصري رضي الله عنه الامام الكبير صاحب المكانة العالية كان من القصاص تبيّن لنا المستوى الذي يمكن أن يبلغه بعض من يتصدى لمهمة القصص.

ولم يكن هذا في عصر التابعين فحسب بل استمرَّ حتى زمن ابن الجوزي ومن بعده، فلقد ذكر مترجموه في سيرته ما يدل علی ارتفاع شأنه وهو دون شك من کبار القصاص.

ونظرة إلى أسماء القصاص الذين أوردهم ابن الجوزي في كتابه ((القصاص والمذكرين)) تبينّ هذه الحقيقة بأجلى بيان .. هذا وكثيراً ما نقرأ في التراجم أن فلاناً القاضي في بلد ما كان هو القاصّ فيها أيضاً.

من أجل ذلك كان الحكام والسياسيون يخشون القصاص الذين لم يرتبطوا بهم أعظم الخشية، وقد يمنعونهم من الجلوس في المساجد إلا بإذن.

وقد كانوا في أحقاب من التاريخ سبباً في قيام بعض الاضطرابات بين أهل السنة والفرق المنحرفة عندما كانوا يشحنون العامة بما يثيرهم، فيوقفون المبطلين عند حدهم.

كل هذا يدل على أثرهم الفعال في المجتمع واستجابة العامة لما يطلبه هؤلاء القصاص منهم على نحو ما فعل العامة من إيذاء لابن جرير، والشعبي، والسيوطي. وليس من شك في أن أثرهم الديني والخلقي كان كبيراً، ولقد استطاعوا أن يحققوا ما عجز عنه العلماء في كثير من الأحيان، وقد لاقى كلامهم رواجاً عند الدهماء وكان أشدّ استهواء لهم من كلام العلماء الجادّ الرصين.

جشع القصاص:

وكان القصاص على درجة كبيرة من الجشع فقد نقل جولد زيهر عن ((يتيمة الدهر)):

أنهم كانوا يكلفون واحداً بالجمع للقاصّ، وكان يدعى من يقوم ليجمع الصدقة في مجلس القصص، ((المكوز)) فكان القاصّ يأمر الحاضرين بإعطائه وإذا تفرّق الجمع تقاسما ما اجتمع من المال.

وذكر ياقوت أنَّ رجلاً جاء الى قاص يسمى أبا سليمان، فأعطاه فلساً وقال: ادع الله أن يردَّ عليَّ ابني. فقال: وأين ابنك؟ قال: بالصين. قال: أيرده الله من الصين بفلس؟ هذا مما لا يكون. إنما لو كان بجنَّابة أو بسیراف كان نعم.

وكانوا بالاضافة إلى جشعهم يرغبون في حبّ الظهور والشهرة، وكان كثير منهم يتصف برقة الدين وإن كان منهم في الوقت نفسه ناس صالحون، ولكنَّ هؤلاء الصالحين أخذوا بقول العلماء الذين أجازوا التساهل في رواية الحديث في مجال الترغيب والترهيب، فسوّغوا لأنفسهم أن يوردوا قصصاً ضعيفة .. وجاء ناس آخرون فاستغلوا هذا التساهل الذي درج عليه أولئك الصالحون، فعمدوا إلى اختراع قصص ودسّوها لهم فأخذوا يردّدونها.

يبدو أنَّ ظاهرة القصص بدأت مبكرة في تاريخنا، فقد جاء كلٌّ من تميم الداري- رضي الله عنه، وهو صحابيٌّ (متوفى سنة ٤٠ هـ) والحارث بن معاوية الكندي- وهو مختلف في صحبته، عمر بن الخطاب رضي الله عنه يستأذنانه في القصص، فأبى أن يأذن لهما وحذَّرهما .. ثم اشترط على تميم بعد إلحاحه في الاستئذان أن يتكلم في موضوعات معينة وفي وقت محدّد.

وعندما ظهر عدد من القصاص ارتفعت أصوات عدد من الصحابة في استنكار هذا الأمر وكشف دوافعه التي تتلخص في ابتغاء الشهرة، وكسب المال، والحصول على الجاه، حتى استعان بعض الصحابة برجال الشرطة لطردهم من المسجد، عنهم، لأنَّ التحدث إلى الناس في أمور الدين ودعوتهم إلى التحلي بفضائله في مجتمع يقوم على الدين يعطي المتحدث قوة وجاهاً وسلطاناً. 

والنفس الانسانية مفطورة على حب الذات والرغبة في اكتساب الجاه والسلطان، فإن لم تكن مخافة الله عاصمة للمرء من أن يبتغي بمثل هذا الحديث عرض الدنيا انساق إلى قول الزور واسترضاء العامة ولو كان ذلك مخالفاً للحق والشرع والعياذ بالله .. وهذا ما حصل لكثير من هؤلاء القصاص فيما بعد.

وهناك آثار عدة تحكي لنا مواقف الصحابة والتابعين من هؤلاء القصاص سنشير إليها بعد قليل، وقد ذكر بعضها ابن الجوزي في كتابه. 

وتوالى على مهمة الإنكار تابعو التابعين والعلماء العاملون في كل عصر، فمن ذلك صنيع الأعمش (المتوفى سنة ١٤٨ هـ) الذي رأى قاصاً في مسجد البصرة يقول:

(حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق عن أبي وائل .. ) فتوسط الأعمش الحلقة وجعل ينتف شعر إبطه. فقال له القاص: ياشيخ ألا تستحي؟ نحن في علم وأنت تفعل هذا؟ فقال الأعمش: الذي انا فيه خير من الذي أنت فيه. قال: كيف؟ قال: لأني في سنَّ وأنت في كذب. أنا الأعمش وما حدثتك مما تقول شيئاً. وهذا - دون شك - يدل على عمق في النظرة عندهم رضي الله

مضايقات القصاص للعلماء:

وقد تعرّض بعض العلماء في عصور مختلفة إلى مضايقات هؤلاء القصّاص، وقد تفاقم أمرهم وأثروا أثراً واضحاً في نشر الأحاديث الضعيفة والموضوعة بين العامة. وكان التصوف يُمدُّ القصاص بالخرافات والأباطيل وكذلك فقد كانت الاسرائيليات مصدراً من مصادر القصاص.

ومما يؤسف له أن بعض هؤلاء القصاص كانوا يعبثون بالناس ويسخرون منهم كما ذكر الجاحظ عن أبي كعب القاص، وكما ذكر أبو الفرج عن كلثوم بن عمرو.

ويبدو أنّ نفراً منهم كان يتدخل في الشؤون العامة حتى كان بعضهم سبباً في فتنة فمنعوا من الجلوس ومن الكلام، ثم سمح لهم بمعاودة نشاطهم بعد أن أخذت عليهم العهود بعدم التعرض لما يثير القلاقل.

وأمام هذه القوة العارمة للقصّاص آثر فريق من العلماء السلامة فسكتوا خوفاً من القصّاص وإيثاراً للعافية .. بل حمل ذلك بعضهم على تأييد الباطل .. وكانت ظاهرة المجاملة أكثر وضوحاً في الأزمان المتأخرة، حتى أصبحت مهمة العالم - مع الأسف -كأنها مقصورة على تلمس المعاذير لهم، وتكلف التأويلات للكلمات المنكرة التي قد يروونها عن الصوفية ولتصرفاتهم الشاذة .. ولكن يأبى الله إلا أن يقوم في كل عصر عدد من العلماء الصادقين والدعاة المجاهدين ينكرون المنكر، ويكشفون زيف الدجالين، ولا يبالون فيما يصيبهم من الأذى مؤثرين رضا الله على السلامة والمنفعة العاجلة.

ومن أهم آثارهم السيئة وضعهم الحديث أو نشرهم الموضوع وإذاعته ببيان مشرق ومقدرة على الكلام بالغة .. لقد شوّهوا السنَّة المرفوعة إلى النبي في أذهان الناس إذ أدخلوا فيها كثيراً من الخرافات والأباطيل ممّا يُحيل العقل وقوعه وممّا يتعارض مع أصول الشريعة المطهرة، ولو نظرنا الى الأحاديث الموضوعة لوجدنا أن نصيب القصاص في اختلاقها كان كبيراً، وهذا أمر طبيعي، لأن هذا القصّ المستمر يتطلب مادة كثيرة وجديدة، فكانوا مدفوعین لذلك دفعاً.

ومن المفاسد التي كانت تحدث بسبب القصّاص اختلاط الرجال بالنساء، فقد ذكروا أنَّ هؤلاء القصاص كانوا يقصون في الطرقات والمساجد، فيجتمع الرجال والنساء فيرفعون أصواتهم بالدعاء ويمدون أيديهم - كما يقول أبو طالب المكي، وابن الجوزي - وكان هذا الحال سبباً في انتقاد العلماء لهم، وكانوا يسلكون في معاملة العوام مسلك المحتالين والمشعوذين، حتى ينالوا أعطياتهم ومنحهم، وكانوا يجمعون مالاً كثيراً ولا يبالون بالذين ينتقدونهم، ويأتون بالأساطير والخرافات، والنوادر المضحكات، والأحاديث الموضوعة، يقولون ما ليس لهم به علم.

ومن المفاسد ما أشار إليه ابن الاخوة في ((معالم القربة)) حیث يقول:

(وفي زماننا هذا لا يطلب الواعظ إلا لتمام شهر ميت، أو لعقد نكاح، أو لاجتماع هذيان،ولا يجتمع الناس عنده لسماع موعظة ولا لفائدة، وإنما صار ذلك من نوع الفرح واللعب، والاجتماع، ويجري في المجلس أمور لا تليق من اجتماع الرجال والنساء، ورؤية بعضهم لبعض، وأشياء لا يليق ذكرها، وهذا من البدع المضلة).

أقسام العلماء في أمة محمد صلى الله عليه وسلم:

قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)) (١٣/١): العلماء من أُمَّته منحصرين في قسمين:

أحدهما: حُفَّاظ الحديث وجَهابذته، ونُقَّاده، الذين هم أئمة الأنام، وزوامل الإسلام، الذين حفظوا على الأُمَّة مَعاقد الدين ومَعَاقله، وحَمَوا من التغيير والتكدير مواردَه ومناهله ...

القسم الثاني: فُقَهاء الإسلام، ومَن دارت الفُتْيا على أقوالهم بين الأنام، الذين خُصُّوا باستنباط الأحكام، وعُنُوا بضَبْط قواعد الحلال والحرام؛ فهم في الأرض بمنزلة النجوم في السماء، بهم يهتدي الحيران في الظلماء. وحاجةُ الناس إليهم أعظم من حاجتهم إلى الطعام والشراب، وطاعتهم أُفرَضُ عليهم من طاعة الأُمهات والآباء بنصِّ الكتاب ... إلخ.

آراء عدد من الصحابة والتابعين والعلماء في القصّاص:

عمر بن الخطاب:

أورد ابن الجوزي وغيره أخباراً عن عمر رضي الله عنه تدلّ على أنه لم يكن يستريح إلى القصص.

فمن ذلك خبره مع تميم الداري، وخبره مع الحارث بن معاوية الكندي؛ فقد خوفه عمر من أن يكون القصص سبباً للعجب حتى يقوده ذلك إلى الهلاك قال:

((أخشى عليك أن تقصَّ فترتفع عليهم في نفسك، ثم تقص فترتفع، حتى يخيل اليك أنك فوقهم بمنزلة الثريا فيضعك الله عزَّ وجل تحت أقدامهم يوم القيامة بقدر ذلك)).

علي بن أبي طالب:

مرَّ عليٌّ رضي الله عنه على قاصّ فقال له: هل تعرف الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هل تعرف المحكم من المتشابه؟ قال: لا. قال: هل تعرف الزجر من الأمر؟ قال: لا. فأخذ بيده فرفعها وقال: إنَّ هذا يقول: اعرفوني اعرفوني.

ومرَّ على قاص آخر فسأله: علمت الناسخ من المنسوخ؟ قال: لا. قال: هلكت وأهلكت.

عبد الله بن عمر:

روى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن سالم عن ابن عمر أنه كان يخرج من المسجد يقول: ما أخرجني إلاَّ القصاص، ولولاهم ما خرجت.

وروى الطبراني أن ابن عمر رأى قاصّاً يقص في المسجد الحرام، وکان معه ابن له. فقال له ابنه: أي شيء يقول هذا؟ فقال: يقول اعرفوني اعرفوني.

وأخرج ابن أبي شيبة أن ابن عمر جاء فوجد قاصاً يقص في المسجد فوجه إلى صاحب الشرطة: أن أخرجه من المسجد فأخرجه.

عبد الله بن مسعود:

روى الطبراني أن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقف على عمرو بن زرارة وهو يقصّ فقال: يا عمرو لقد ابتدعت بدعة ضلالة أو إنك لأهدى من محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه.

وروى عنه أنه كان يقول: إذا سمعتم السائل يحدث بأحاديث الجاهلية يوم الجمعة فاضربوه بالحصى.

عبد الله بن عباس:

روي عنه خبر مشابه لخبر عليّ من أنه لقي قاصاً لا يعلم الناسخ من المنسوخ فقال: هلكت وأهلكت.

صلة بن الحارث:

روى الطبراني أن صلة بن الحارث الغفاري رضي الله عنه، رأى قاصاً يقص على الناس وهو قائم فقال: ((والله ما تركنا عهد نبينا ولا قطعنا أرحامنا حتى قمت أنت وأصحابك بين أظهرنا)).

عائشة أم المؤمنين:

أخرج ابن سعد في ((الطبقات)) عن عطاء قال: دخلت أنا وعبيد بن عمير على عائشة رضي الله عنها فقالت: من هذا؟ فقال: أنا عبيد بن عمير، قالت: قاصّ أهل مكة؟ قال: نعم. قالت: خفّفْ فإنَّ الذكر ثقيل.

أم الدرداء:

أخرج ابن أبي شيبة والمروزي عن جبير أن أم الدرداء بعثته إلى نوف بن فلان وقاصٌّ معه يقصان في المسجد فقالت: قل لهما فليتقيا الله وتكون موعظتهما للناس لأنفسهما.

الحسن البصري:

ذکر ابن الجوزي الحسن من أعلام القصاص، وقد روي عنه مدحٌ للقصص، ويريد به ما كان هو عليه من التذكير المتزن والوعظ السلیم.

روي عنه قوله: ((القصص بدعة ونعمت البدعة. كم من دعاء مستجاب وأخ مستفاد)).

وجاء في ((الآداب الشرعية)) إنه كان يجلس في مجلس القصاص بكل إجلال. قال الأوزاعي: كان الحسن إذا قصّ القاصّ لم يتكلم. فقيل له في ذلك فقال: إجلالاً لذكر الله عزَّ وجل.

بينما ذكر ابن الجوزي ونقل عنه السيوطي ما يدل على ذم الحسن للقصص، ولعلَّ التوفيق بين القولين أن كل قول باعتبار فالتأييد باعتباره تذكيراً وأمراً بالمعروف والذم لما فيه من المخالفات والله أعلم.

محمد بن سيرين:

كان ابن سيرين يستحسن القصص في بعض الأحيان، ويذمه في أحيان أخرى، فمن الأول أنه قال إنسان لابن سيرين: إنَّ أبا مجلز كان لا يقعد إلى القاصّ. قال: قعد إلیه من هو خير منه.

ومن الثاني أنه سأل رجلٌ محمد بن سيرين عن القصص. قال: بدعة، إن أول ما أحدث الحرورية القصص.

غضیف بن الحارث:

روى أحمد عن غضيف بن الحارث أنه قال: بعث إليَّ عبد الملك بن مروان قال: يا أبا أسماء إنا جمعنا الناس على أمرین. فقال: وما هما؟ قال: رفع الأيدي على المنابر يوم الجمعة، والقصص بعد الصبح والعصر. فقال: أما إنهما أفضل بدعكم ولست بمجيبكم إلى شيء منهما. قال: ولم؟ قال: لأنَّ النبي صلى الله عليه وسلم، قال: (ما أحدث قوم بدعة إلا رفع من السنة مثلها)، فتمسك بسنة خیر من إحداث بدعة.

الأوزاعي:

سئل الأوزاعي عن القوم يجتمعون فيأمرون رجلاً فيقص عليهم فقال: ((إذا كان ذلك يوماً بعد الايام فليس به بأس)).

فهو يرى أن القصص له مهمة وهي الوعظ والتذكير، وليس مهنة تتخذ لذاتها، وعند ذاك فقد تكون مملة وقد تضطر صاحبها إلى أن یکذب.

مالك بن أنس:

رُوي عنه كراهية القصص. ذكر ذلك ابن الحاج في ((المدخل)).

سفيان الثوري:

كان مذهب سفيان ألا يستقبلوا القصاص بوجوههم بل عليهم أن يولوا البدع ظهورهم وأصحابها أيضاً.

أحمد بن محمد بن حنبل:

كان الامام أحمد يقف منهم الموقف المنصف، فيذكر ما لهم من الفضل وحسن التأثير ويأخذ عليهم تهاونهم في رواية الأحاديث، فيعجبه منهم ذكرهم الشفاعة والصراط والميزان وعذاب القبر، ولا سيما إن كان القاص صدوقاً.

قال المروزي: سمعتُ أبا عبد الله يقول: يعجبني القصّاص لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر. قلت لأبي عبدالله: أفترى الذهاب إليهم؟ قال: إي لعمري إذا كان صدوقاً. لأنهم يذكرون الميزان وعذاب القبر. قلت: كنت تحضر مجالسهم وتأتيهم؟ قال: لا !! 

وقال في رواية علي بن زكريا التمار: يعجبني القصاص في هذا الزمان، لأنه يذكر الشفاعة والصراط.

وكان يوصي بعض المرضى بالوسوسة بحضور مجالسهم، فلقد شكا رجل اليه الوسوسة فقال: عليك بالقصاص ما أنفع مجالسهم.

ومع تقريره أنَّ القصاص من أكذب الناس، لم يكن يشتد عليهم وكان يكره أن يمنعوا لأنه ربما يسمعهم الجاهل فلعله ينتفع بكلمة أو يرجع عن أمر وربما جاءوا بالأحاديث الصحيحة، وكان يجب ألا يطيلوا فيملوا الناس قال: لا أحب أن يمل الناس ولا يطيل الموعظة إذا وعظ.

ابن قتيبة:

قال ابن قتيبة:

(إن الحديث يدخله الفساد من وجوه الزنادقة واحتيالهم للاسلام وتهجينه بدسّ الأحاديث المستبشعة والمستحيلة والقصاص فإنهم يميلون وجوه العوام إليهم ويستدرون ما عندهم بالمناكير والغرائب من الأحاديث، ومن شأن العوام ملازمة القاص ما دام يأتي بالعجائب الخارجة عن نظر العقول).

ابن حبّان:

علق ابن حبان على قصة أحمد ويحبي مع القاص الذي كذب عليهما فقال: (فإذا كان مثل هؤلاء يجسرون على أحمد ويحيي حتى يضعوا الحديث بين أيديهم من غير مبالاة بهم، كانوا إذا حلوا بمساجد الجماعات ومحافل القبائل مع العوام والرعاع أكثر جسارة في الوضع).

الغزالي:

قال في الإحياء:

أما القصص فهي بدعة، وقد ورد نهي السلف عن الجلوس إلى القصاص وقالوا: لم يكن ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا زمن أبي بكر ولا عمر (رضي الله عنهما) حتى ظهرت الفتنة وظهر القصاص.

وروي أن ابن عمر(رضي الله عنه) خرج من المسجد فقال:

ما أخرجني إلاَّ القاص ولولاه لما خرجت. وقال ضمرة قلت لسفيان الثوري: نستقبل القاص بوجوهنا؟ فقال: ولوا البدع ظهوركم. وقال ابن عون: دخلت على ابن سيرين فقال: ما كان اليوم من خبر؟ فقلت: نهى الأمير القصاص أن يقصوا. فقال: وفق للصواب.

وأما الأشعار فتكثيرها في المواعظ مذموم؛ قال تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون * ألم تر أنهم في كل واد يهيمون .. ﴾ .. وأكثر ما اعتاده الوعاظ من الأشعار ما يتعلق بالتواصف في العشق وجمال المعشوق وروح الوصال وألم الفراق والمجلس لا يحوي إلا أجلاف العوام، وبواطنهم مشحونة بالشهوات، وقلوبهم غير منفكة عن الالتفات إلى الصور المليحة، فلا تحرك الأشعار من قلوبهم، إلا ما هو مستكن فيها، فتشتعل فيها نيران الشهوات، فيزعقون ويتواجدون، وأكثر ذلك أو كله يرجع إلى نوع فساد.

فلا ينبغي أن يستعمل من الشعر إلا ما فيه موعظة أو حكمة على سبيل استشهاد واستئناس.

وقال الغزالي في (الاحياء) في باب منكرات المساجد:

[ومنها كلام القصاص والوعاظ الذين يمزجون كلامهم بالبدعة فالقاص إن كان يكذب في أخباره فهو فاسق، والإنكار عليه واجب.

وكذا الوعظ المبتدع يجب منعه، ولا يجوز حضور مجلسه إلا على قصد إظهار الرد عليه، إما للكافة إن قدر عليه أو لبعض الحاضرين حواليه، فإن لم يقدر فلا يجوز سماع البدع.

ومهما كان الواعظ شاباً متزيناً للنساء في ثيابه وهيئته كثير الأشعار والاشارات والحركات وقد حضر مجلسه النساء فهذا منكر يجب المنع منه، فإن الفساد فيه أكثر من الصلاح..].

ابن عقيل:

قال ابن عقيل في ((الفنون)) نقلاً عن ((الآداب الشرعية)):

[ولا يصلح للكلام على العوام ملحد ولا أبله، وکلاهما یفسد ما یحصل لهم من الاپمان، وقال: المرء مخبوء تحت لسانه، ولا بد أن ینکشف قصده من صفحات وجهه وقلبه أو لسانه.

وقال: ما أخوفني علی من کانت الدنیا أکبر همه أن تکون غایة حظه].

الحافظ الذهبي:

يدل على رأيه ما جاء في ((الميزان)) في ترجمة عبد المنعم بن إدریس إذ قال:

(قصّاص. لیس یعتمد علیه. تركه غير واحد)

وقال في كتابه ((بيان زغل العلم)): 

(الوعظ فنّ بذاته یحتاج إلى مشاركة جيدة في العلم ويستدعي معرفة حسنة بالتفسير والاكثار من حكايات الصالحين الفقهاء والفقراء والزهاد، وعدته التقوى والزهادة. فإذا رأيت الواعظ راغباً في الدنيا، قليل الدين فاعلم أن وعظه لا يتجاوز الأسماع، وكم من واعظ مفوه قد أبكى وأثر في الحاضرين في تلك الساعة ثم قاموا كما قعدوا .. ).

الحافظ ابن تيمية:

نشرت لابن تيمية رسالة حقق فيها القول في أحاديث يرويها القصاص وقال - كما ينقل عنه ابن مفلح -: (قال الامام أحمد: أكذب الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم- السؤال والقصَّاص. فيجب منع من يكذب مطلقاً. فكيف إذا كان يكذب ويسأل ويتخطى؟ وكيف من يكذب على رؤوس الناس في مثل يوم الجمعة؟ فنهيُ من يكذب من أعظم الواجبات. بل ونهيُ من روى ما لا يعرف أصدق هو أم کذب).

ابن مفلح:

عقد ابن مفلح في كتابه (الآداب الشرعية)) فصلاً مطولاً عن القصَّاص جمع فيها آراء العلماء المتعارضة في القصَّاص ولم يذكر هو شخصياً رأيه بوضوح وقوة.

الحافظ العراقي:

كتبتُ فصلاً مطولاً عن العراقي والقصَّاص في مقدمتي لكتابه القيّم الذي نشرتهُ أول مرة في مجلة أضواء الشريعة، ويدلل على موقفه منهم عنوان كتابه وهو ((الباعث على الخلاص من حوادث القصاص)) فلقد كان ذامًاً لهم، كاشفاً لعيوبهم، مبيناً غلطاتهم، ونحیل القاریء علی کتابه المذكور.

السيوطي:

يبدو أنَّ السيوطيّ تعرَّض إلى بعض المضايقات من بعض القصاص وقد ذكر ذلك في مقدمة كتابه ((تحذیر الخواص)).

وهو في هذا الكتاب يقف من القصاص موقفاً معارضاً مبيناً أنهم قوم كذابون، وإنك لترى ذلك واضحاً من عنوان الكتاب: ((تحذير الخواص من أكاذيب القصاص)).

وقد كتبتُ كذلك فصلاً مطوّلاً عن هذا الكتاب في مقدمتي له.

المصنفات التي ألفت في القصَّاص خاصة:

قد يفيد أن نذكر بعض المصنفات التي تتحدث عن القصاص وتبين ما لهم وماعليهم،وتذكر أثرهم، وتحذر الناس منهم. وهي:

١ - أخبار القصاص: لأبي بكر محمد بن الحسين المعروف بالنقاش الموصلي المتوفى ٣٥١ ولم أقف عليه. وقد ذكره حاجي خليفة.

٢ - كتاب القصاص والمذكرين: لابن الجوزي المتوفى ٥٩٧ هـ، وقد حققت هذا الكتاب وقدمت له ونشره المكتب الاسلامي ببيروت سنة ١٤٠٣ هـ.

٣ - الباعث على الخلاص من حوادث القصاص: للحافظ العراقي المتوفى سنة ٨٠٦ هـ وقد أورد المؤلف في هذا الكتاب الأحاديث والآثار التي تؤيد ما ذهب إليه من معارضة القصاص وذمهم.

وخلا الكتاب من الفصول والأبواب والعناوين لأن المؤلف - علی ما يبدو - كان يعد الكتاب كله فصلاً واحداً فيه لمن تدبره و وعاه خلاص من حوادث القصاص.

ولعله كان يرمي إلى تنبيه أولي الأمر في الدولة إلى هذه الفئة للقيام بمنعهم والحيلولة دون ضررهم على المسلمين. فهو يقول في آخر الكتاب:

(فيجب على ولاة أمور المسلمين منع هؤلاء من الكلام على الناس حتى تتبين أهليتهم لذلك عند العلماء الراسخين، فذلك من النصيحة لله ولرسوله ولولاة أمور المسلمين).

٤ - تحذير الخواص من أكاذيب القصاص: للسيوطي المتوفى ٩١١ هـ. وهو كتاب نافع جامع، وقد نشرته بطبعة محققة في سنة ١٣٩٢ هـ، وأعيد طبعه في هذا العام بعد أن وقفت على مخطوطات لم يسبق لي أن اطلعت عليها. وفي الطبعة الجديدة مزيد من التحقيق والشرح.  وقد حققت هذا الكتاب لأول مرة عن مخطوطة موجودة بمكتبة جامعة الرياض ونشرته في مجلة أضواء الشريعة في الریاض.

٥ - هذا وقد قام عدد من المستشرقين بدراسات عن القصاص، وهذه الدراسات لا يطمأن لها بحال، وهي خالية من القصد الحسن والتصور الصحيح. ونستطيع أن نذكر هنا أيضاً بحوث بعض المستشرقين التي نشروها في كتب لهم ليست مقصورة على القصاص: منها ما ذكره آدم متز في كتابه ((الحضارة الاسلامية في القرن الرابع)). ومنها ما کتبه جولد زیهر في کتابه ((دراسات إسلامية !)).

٦ - أما المسلمون في العصر الحديث فما يزالون مقصرين في دراسة هذا الموضوع وإنه بحاجة إلى دراسة متأنية وتعمق كاف. ومسح لما ورد عن القصاص في كتب ثقافتنا الاسلامية على شتی علومها.

هذا وقد كتب الأستاذ أحمد أمين فصلاً في ((فجر الاسلام)) استقى معظم مادته مما كتبه متز وجولد زيهر وذلك في الباب الخامس من فجر الإسلام تحت عنوان (الحركة العلمية في القرن الأول الهجري).

إنَّ واجب العلماء اليوم أن يقوموا بمتابعة جهود أولئك الأئمة الأعلام الذين مرَّ ذكرهم آنفاً، في النصح للأمة في كشف حقيقة المتاجرين بالدين، وبيان وجه الحق في الأحاديث المكذوبة التي يوردونها، لتتكامل حلقات سلسلة جهاد العلماء المجاهرين بالحق.

وفقنا الله إلى أن نكون ممَّن يقولون الحق لا يخشون في الله لومة لائم. والحمد لله رب العالمين.