أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن لإمام أبي الفرج ابن الجوزي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن

لإمام أبي الفرج ابن الجوزي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: يُعد كتاب «مثير العزم الساكن إلى أشرف الأماكن» للإمام ابن الجوزي من أبدع ما كُتب في التراث الإسلامي عن الحج والحرمين الشريفين، إذ جمع مؤلفه جملة كبيرة من الأحكام الفقهية، والأحاديث النبوية، والتاريخ الإسلامي، والآداب الشرعية، والرقائق القلبية، والأشعار الإيمانية، والتي توضّح شرف هذه الأماكن وأهميتها وفضلها.

وقد استعرض فيه عدداً من الأماكن الشريفة وهي (الحرم المكي والحرم المدني، والمدينة، المسجد الحرام، والمسجد النبوي، ومسجد قباء، والبقيع، مسجد خديجة، ومسجد الشجرة، وموضع مولده الشريف، وغار حراء، والصفا والمروة، وجبل الصفا) وغيره ذلك، مُبيناً فضائل هذه الأماكن المقدسة وما ارتبط بها من أخبار الصالحين والعلماء والعباد وغيرهم. 

ولعل الحادي على تأليفه كما يقول ابن الجوزي (هو الشوق إلى مكة المكرمة، والحنين إلى البيت العتيق)، فجعل من كتابه محطات أدبية، ورحلةً روحية، وأجزاء علميةً تصحب القارئ من لحظة التهيؤ للحج أو العمرة حتى زيارة المدينة المنورة، ثم الانقلاب إلى البقيع وزيارة قبور شهداء أحد، وختاماً بالعودة إلى الديار والوطن.

وقد افتتح ابن الجوزي كتابه ببيان منزلة الحج وفرضيته وشروطه وأركانه وواجباته وسننه، مؤكداً أن الحج من أعظم شعائر الإسلام وأجلّ القربات التي يُتقرب فيها إلى الله تعالى، وأنه العبادة التي جمعت أنواع العبادات كلها؛ ففيه عبادة القلب بالإخلاص والنية، وعبادة البدن بالمشقة والسَّفر، وعبادة المال بالإنفاق والبذل. وقد عرض أقوال الفقهاء في مسائل الحج، وذكر النصوص الواردة في فضله، مبيناً أن الحج المبرور ليس له جزاءً إلا الجنة، وأنه سبب لمغفرة الذنوب وتكفير الخطايا، وغير ذلك من الفضائل.

ثم انتقل إلى وصف طريق الحج ومنازله وآداب السفر عموماً، وأحوال الحجاج وما يعتريهم من شوق ووجد وحنين إلى بيت الله الحرام، وزيّن ذلك بما أورده من الأشعار الرقيقة والأخبار المؤثرة عن بعض الصالحين والعُبّاد. 

وقد أفرد لذلك أبواباً واسعة لذكر الحرم المكي والكعبة المشرفة والمسجد الحرام، فبيّن فضائل مكة وأسمائها، وقصة بناء الكعبة، وفضل الحجر الأسود والركن اليماني وزمزم والطواف والسعي، وذكر ما روي عن العارفين والزهاد عند مشاهدة البيت العتيق وما يجدونه من خشوع وانكسار وهيبة، وما يعتريهم من أحوال البكاء والدهشة والخرور والجذب.

كما ضم الكتاب ثروة تاريخية وأدبية كبيرة، فذكر بعضاً من أخبار الأنبياء في الحج، وطرفاً من أخبار الخلفاء الراشدين في الحج، وكذلك من بعدهم، وأخبار الصالحين والعلماء والعباد في أسفارهم إلى البيت الحرام، كما تناول بإسهاب أسواق العرب في مواسم الحج، وذكر نُتفاً من خطب الفصحاء والشعراء بمكة والحج.

وقد أوضح ابن الجوزي أهمية الحج كعبادةٍ لها أثرها في جمع كلمة المسلمين، ومظهراً من مظاهر وحدتهم الدينية، وكونه موسماً لتبادل المنافع الدينية والدنيوية. وبهذا أصبح الكتاب سجلاً حضارياً ووثيقةً مُصوّرة لطبيعة الحياة العلمية والاجتماعية المرتبطة بالحرمين الشريفين عبر العصور المختلفة والأزمنة الراشدة.

وختم ابن الجوزي كتابه بالحديث عن المدينة المنورة وفضائلها ومسجد النبي صلى الله عليه وسلم وقبره الشريف والبقيع وسائر المشاهد المباركة فيها، ثم أتبع ذلك بأبواب في الاتعاظ بالقبور والحكم والمواعظ ليكون المسلم على استعداد دائم لسفره القريب إلى الدار الآخرة. 

ولعلي ألخّص هذا الكتاب في الفقرات التالية:

-1-

يروي ابن الجوزي في مستهل كتابه قصة رجلٍ كان في طريقه إلى الحج، فسقط بعض متاعه الثمين في البحر، وكان فيه ما تساوي قيمته آلاف الدنانير، ومع ذلك رفض أن يتوقف لاسترجاعه خشية أن تفوته الوقفة بعرفة. وبيّن أن سبب هذا الزهد في المال تعلّقه الشديد بالحج وثوابه، مستشهداً بحادثة سابقة عطش فيها أثناء الحج، ثم عثر على ماءٍ بمعجزة ظاهرة؛ فسقى نفسه وسائر القافلة، مما زاد يقينه بفضل هذا الموسم وعظمة أجره، حتى آثر الوقوف بعرفة على أموال طائلة قُدِّرت بعشرات الآلاف من الدنانير.

-2-

ثم تحدث عن أسباب الشوق إلى مكة، وقسم المشتاقين إليها إلى ستة أصناف: منهم من يشتاق إليها لأنها وطنه، ومنهم من يقصد أرباح التجارة، ومنهم من يحب السفر والتنزه، ومنهم من تحركه الرغبة في الشهرة والرياء بلقب الحاج، وهؤلاء مغرورون بحقيقة قصدهم. أما المؤمن الصادق؛ فهو الذي يشتاق إلى ما في الحج من الثواب والقرب من الله، وهناك نوع آخر من الشوق الخفي العميق الذي يجده بعض الناس في قلوبهم دون سبب ظاهر، وهو من أدق أسرار المحبة لمكة والبيت الحرام.

-3-

ويفسر هذا الشوق الخفي بثلاثة أمور، وهي: دعوة إبراهيم عليه السلام أن يجعل الله أفئدة من الناس تهوي إلى مكة، وما ورد في بعض الآثار من حنين القلوب إلى الكعبة، ثم الميثاق الأول الذي أخذه الله على ذرية آدم بأرض عرفة. ويرى أن مكة تمثل للنفوس موطناً أولاً ومعنىً قديماً مغروساً في أعماق الفطرة، ولذلك تميل إليها القلوب وإن لم تدرك سبب ذلك. ويؤكد هذا المعنى بما ورد من شوق النبي ﷺ وأصحابه إلى مكة بعد هجرتهم منها.

-4-

ويستطرد ابن الجوزي في بيان أن حب الأوطان أمر فطري، مركوز في النفوس، فيذكر أخبار الملوك والعظماء الذين اشتاقوا إلى أوطانهم وهم في الغربة، كما يورد أشعار العرب وحكمهم التي تؤكد أن الإنسان يحن دائماً إلى أرض مولده وذكريات صباه. ويرى أن هذا الحنين لا يقتصر على البشر، بل يظهر حتى في الإبل والطيور التي تعود إلى أوكارها ومواطنها، مما يدل على أن حب الوطن جزء من طبيعة المخلوقات.

-5-

ثم يتطرق ابن الجوزي إلى آداب الاستعداد للحج، فيؤكد ضرورة التوبة ورد المظالم والتخلص من المال الحرام، والإخلاص في النية لله تعالى، وأداء صلاة الاستخارة قبل السفر. كما يحث على اختيار الرفيق الصالح لما له من أثر في صلاح القلب وزيادة الإيمان، ويورد نماذج من أخلاق السلف في الإحسان إلى رفقاء السفر وخدمتهم. ويختم بذكر آداب الخروج والسفر وأدعيته، وما يعتري المؤمنين من شوق وحنين إلى مكة ومشاعر التأثر عند وداع الحجاج أو تذكر المشاعر المقدسة.

________________________________________________

أهم الأحكام الفقهية التي تطرق لها ابن الجوزي في كتابه (مثير الغرام الساكن)

أولاً: التلبية وأحكامها:

  • دعا النبي ﷺ إلى الله مستقبلًا الجهات الأربع، فكانت الإجابة: «لبيك اللهم لبيك».

  • التلبية مستحبة عند أحمد والشافعي، وواجبة في ابتداء الإحرام عند أبي حنيفة، ويرى مالك أن تركها يوجب دمًا.

  • صيغتها المشهورة: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك».

  • يُستحب للرجل رفع صوته بالتلبية؛ لحديث: «مر أصحابك فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعار الحج».

  • تُسن التلبية عقب الصلوات، وعند صعود المرتفعات، ونزول الأودية، ولقاء الركبان، وإقبال الليل والنهار، وعند الأسحار، وسماع الملبين، وفي جميع بقاع الحرم.

  • لا يُستحب إظهار التلبية في الأمصار عند الحنابلة، وخالف في ذلك أبو حنيفة والشافعي.

ثانياً: محظورات الإحرام إجمالًا:

  • ذكر المؤلف أن محظورات الإحرام تسعة، وهي: لبس المخيط، وتغطية الرأس، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، والتطيب، وقتل الصيد، والجماع، والمباشرة بشهوة فيما دون الفرج، والاستمناء.

  • من فعل بعض المحظورات كلبس المخيط أو التطيب ناسيًا فعليه الفدية عند الحنابلة، وخالف الشافعي في ذلك.

ثالثاً: أحكام اللباس وتغطية الرأس:

  • يحرم على الرجل المحرم تغطية رأسه، وفي تغطية الوجه خلاف.

  • لا حرج في الاستظلال بالخيمة والشجرة والسقف ونحوها.

  • إذا عصب رأسه لدواء أو جرح بما يعد ساترًا للرأس لزمته الفدية.

  • يجوز الاتزار والارتداء، ولبس الهميان للحاجة.

  • المرأة تلبس ما شاءت من الثياب الساترة المعتادة، لكنها لا تلبس النقاب ولا البرقع ولا القفازين، وتستر وجهها بالسدل عند الحاجة دون مباشرة البشرة.

رابعاً: أحكام الطيب والزينة:

  • استعمال الطيب يوجب الفدية عند الحنابلة.

  • الحناء ليست من الطيب عند الحنابلة والشافعية، وخالف أبو حنيفة.

  • يحرم لبس الثوب الذي بقيت فيه رائحة الطيب المؤثرة.

  • يحرم استعمال الأدهان المطيبة، وأكل ما يظهر فيه أثر الطيب من طعم أو رائحة.

  • يجوز شم الفواكه والنباتات التي لا يقصد بها التطيب كالتفاح والسفرجل والأترج.

  • من قصد شم الطيب أو الجلوس عند العطار لأجل التلذذ بالرائحة لزمته الفدية.

خامساً: حلق الشعر وتقليم الأظفار:

  • حلق ثلاث شعرات يوجب الدم عند الشافعية والحنابلة.

  • من اضطر لإزالة شعر يؤذيه أو قص ظفر منكسر فلا فدية عليه عند الحنابلة.

  • تقليم ثلاثة أظفار يوجب الدم عندهم.

  • يجوز النظر في المرآة، لكن لا يشتغل بإصلاح الشعر وترتيبه.

  • إذا احتاج إلى بعض المحظورات لمرض أو أذى جاز مع الفدية.

سادساً: النكاح والجماع ومقدماته:

  • لا يصح عقد النكاح للمحرم عند مالك والشافعي والحنابلة في المشهور.

  • تكره الخطبة والشهادة على النكاح.

  • تحرم المباشرة بشهوة والاستمناء، وتجب الكفارة بفعلها.

  • الجماع قبل الوقوف بعرفة يفسد الحج ويوجب بدنة.

  • الجماع بعد الوقوف وقبل التحلل الأول يفسد الحج عند الحنابلة ويوجب بدنة.

  • أما بعد التحلل الأول فلا يفسد الحج، لكن تلزم الفدية.

  • من أفسد حجه أو عمرته وجب عليه إتمام الفاسد ثم القضاء.

  • تكرار النظر حتى الإنزال يوجب الدم عند الحنابلة.

  • اللواط وإتيان البهيمة في معنى الجماع المفسد للحج عندهم.

سابعاً: الصيد وأحكامه:

  • يحرم على المحرم الصيد، ولا يملك ما يصيده حال الإحرام.

  • من قتل صيدًا له مثل من النعم ضمنه بمثله، وإلا ضمنه بالقيمة.

  • قدّر الفقهاء أمثالًا لكثير من الصيد؛ فالنعامة فيها بدنة، وحمار الوحش وبقرة الوحش فيهما بقرة، والظبي فيه كبش، والغزال فيه عنز، والأرنب فيها عناق.

  • ما لا مثل له من الطيور الصغيرة يضمن بالقيمة.

  • إذا اشترك جماعة في قتل صيد فعليهم جزاء واحد عند الحنابلة والشافعية.

  • لا جزاء في قتل السباع ونحوها مما لا يؤكل لحمه عند الحنابلة ومالك والشافعي.

ثامناً: ما يجوز قتله للمحرم:

  • ثبت في الصحيحين إباحة قتل خمس فواسق للمحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور.

  • وقاس الفقهاء عليها كل مؤذٍ؛ كالفهد والنمر والذئب والصقر والشاهين والزنبور والبرغوث والبق والبعوض والوزغ والذباب والنمل المؤذي.

  • وفي القمل والصئبان خلاف عند الحنابلة.

تاسعاً: مسائل متفرقة في الصيد:

  • إذا ذبح المحرم الصيد صار ميتة لا يحل أكله عند الحنابلة.

  • إذا اضطر المحرم بين أكل الميتة وأكل الصيد أكل الميتة عند الحنابلة.

  • يحرم على المحرم أكل الصيد الذي صيد من أجله.

  • من أكل من هذا الصيد فعليه الضمان عند الحنابلة.

  • إذا أتلف صيدًا مملوكًا وجبت عليه الكفارة والضمان.

عاشراً: أحكام شجر الحرم:

  • يجب الضمان في قطع شجر الحرم؛ فتضمن الشجرة الكبيرة ببقرة والصغيرة بشاة، خلافًا لداود الظاهري. 

  • يجوز قطع ما أنبته الآدميون في الحرم، أما ما نبت بنفسه فلا يجوز قطعه ويجب ضمانه. وخالف أبو حنيفة فأسقط الضمان عما أنبته الناس أو كان من جنسه، بينما أوجب الشافعي الضمان في الجميع. 

  • استثنى الفقهاء الشجر اليابس والعوسج والشوك والإذخر فلا ضمان في قطعها.

حادي عشر: محظورات الإحرام إذا تكررت:

  • إذا كرر المحرم المحظور من جنس واحد كالحلق أو اللباس، فالأصل عند الحنابلة أن عليه كفارة واحدة، وفي رواية: تتعدد الكفارة إذا اختلفت الأسباب. أما أبو حنيفة ففرّق بين ما وقع في مجلس واحد فتجب كفارة واحدة، وما وقع في مجالس متعددة فتتعدد فيه الكفارات.

ثاني عشر: أحكام الدماء:

  • أما في دماء الجبران (بفعل محرّم أو ترك واجب) يجزئ الجذع من الضأن، وهو ما أتم ستة أشهر ودخل في السابع، والثني من غيره؛ فالثني من المعز ما أتم سنة، ومن البقر ما أتم ثلاث سنين، ومن الإبل ما أتم خمس سنين.

  • دم فدية الأذى وما في معناها يجوز ذبحه في الحل أو الحرم حيث وجد سببه.

  • أما دماء التمتع والقران وترك الواجبات وجزاء الصيد والهدي المنذور فتختص بالحرم. 

  • ويجوز الأكل من دم التمتع والقران والهدي التطوعي، بينما اختلف العلماء في غيرها؛ فمالك أجاز الأكل من أكثر أنواع الهدي، والشافعي قصره على هدي التطوع.

ثالث عشر: المعاني الروحية في الإحرام وأعمال الحج:

  • ينبغي استحضار المعاني القلبية عند أداء المناسك؛ فيتذكر عند الإحرام إجابة نداء الله، وعند التجرد من المخيط الكفن، وعند التلبية نداء الحق تعالى. 

  • المقصود من العبادات تزكية النفس وإصلاح القلب، لا مجرد أداء الصور الظاهرة.

  • الحج مدرسة تربوية على احتمال المشاق وقطع العلائق الدنيوية، وتذكير دائم بسفر الآخرة؛ فمفارقة الأهل تذكّر بمفارقة الدنيا، وحمل الزاد يذكّر بزاد الآخرة، والوقوف بعرفة يذكّر بموقف القيامة، والتعلق بأستار الكعبة يشبه تعلق المذنب برحمة مولاه، والسعي بين الصفا والمروة يمثل الفرار إلى الله واللجوء إليه.

رابع عشر: أحوال الخائفين من السلف عند الإحرام:

  • كان السلف -رحمهم الله- يخشون ألا تُقبل منهم إجابة النداء. 

  • فمن ذلك حال علي بن الحسين الذي اصفرّ لونه وارتعد خوفًا من أن يقال له: «لا لبيك ولا سعديك».

  • وكذلك جعفر الصادق الذي كان يتغير وجهه عند إرادة التلبية خوفًا من ردها.

  • وأبو سليمان الداراني الذي أغمي عليه عند الإحرام تأثرًا وخشية.

  • كما أورد قصة شاب بذي الحليفة كان يردد خوفه من رد التلبية، فلما نطق بها خرجت روحه، في تصوير بليغ لعظيم خوف السلف من عدم القبول.

خامس عشر: من مات في طريق الحج أو العمرة:

  • دل حديث الرجل الذي وقصته ناقته وهو محرم، على أن المحرم إذا مات يبقى حكم إحرامه؛ فيغسل ويكفن في ثوبيه ولا يطيب ولا يغطى رأسه، ويبعث يوم القيامة ملبيًا. وهذا مذهب أحمد والشافعي وداود، خلافًا لأبي حنيفة ومالك.

  • كما رويت أحاديث في فضل من مات في طريق الحج أو العمرة، وأنه يُرجى له الأمن من الحساب ودخول الجنة، وأن الحاج والمعتمر في ضمان الله تعالى ورعايته.

سادس عشر: فضائل عشر ذي الحجة:

  • فسّر جمهور السلف قوله تعالى: ﴿وليالٍ عشر﴾ بأنها عشر ذي الحجة، وهي أفضل أيام العام وأعظمها بركة.

  • ونقل المؤلف عشرين قولًا في تفسير قوله تعالى: ﴿والشفع والوتر﴾، أشهرها أن الشفع يوم النحر والوتر يوم عرفة، أو أن الشفع الخلق والوتر هو الله سبحانه، أو أن المراد أنواع العبادات والأعداد وغيرها من الأقوال التفسيرية.

  • كما وردت أحاديث كثيرة في فضل العمل الصالح في هذه الأيام، منها حديث ابن عباس: «ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام العشر»، وأنها تفوق سائر الأيام حتى الجهاد إلا من خرج بنفسه وماله فلم يرجع بشيء.

  • وحثت الأحاديث على الإكثار فيها من التهليل والتكبير والتحميد، وبيّنت عظم شأن الصيام والذكر فيها، وأن السلف كانوا يعدون عشر ذي الحجة أفضل عشر العام.

  • ومن آثار السلف: تفضيلهم ثلاث عشرات هي: العشر الأول من ذي الحجة، والعشر الأواخر من رمضان، والعشر الأول من المحرم، مع تقديم عشر ذي الحجة في الفضل.

سابع عشر: يوم التروية وسبب تسميته:

  • وردت آثار في فضل ليلة التروية ويومها، وأن من الأعمال المستحبة فيهما الصيام والذكر وإحياء الليل.

  • سمي يوم التروية بهذا الاسم لأن الحجاج كانوا يتزودون فيه بالماء ويتروون منه قبل خروجهم إلى عرفات، إذ لم تكن عرفات ذات ماء كافٍ في ذلك الوقت.

ثامن عشر: يوم عرفة وفضائله:

  • اختلف العلماء في سبب تسمية عرفة؛ فقيل: لأن آدم وحواء تعارفا فيها بعد هبوطهما إلى الأرض، وقيل: لأن جبريل كان يعلّم إبراهيم المناسك ويقول له: «أعرفت؟» فيجيب: «عرفت».

  • من فضائل ليلة عرفة ما ورد في بعض الآثار من تنزل الخيرات والبركات فيها، وأنها من الليالي المعظمة.

  • ومن أعظم فضائل يوم عرفة أن آية إكمال الدين: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ نزلت على النبي ﷺ في حجة الوداع بعرفات يوم الجمعة، كما ثبت عن عمر بن الخطاب.

  • ويختم المؤلف هذا الباب بالتنبيه إلى شرف يوم عرفة ومكانته العظيمة، وأنه من أجلّ أيام الإسلام وأعظمها بركة ورحمة ومغفرة.

____________________________________________

تاسع عشر: الوقوف بعرفة وأحكامه:

  • يبدأ وقت الوقوف بعرفة من طلوع فجر يوم عرفة إلى طلوع فجر يوم النحر.

  • من أدرك جزءًا من هذا الوقت وهو عاقل فقد أدرك الوقوف.

  • من وقف نهارًا وجب عليه البقاء إلى غروب الشمس.

  • من دفع قبل الغروب لزمه دم عند الفقهاء المذكورين في الكتاب.

  • يوم عرفة أكثر الأيام عتقًا للرقاب من النار.

  • يباهي الله تعالى بأهل الموقف ملائكته ويقربهم برحمته.

  • تتنزل فيه المغفرة العامة وتُرجى فيه إجابة الدعوات.

  • وردت آثار كثيرة تدل على شمول الرحمة لأهل الموقف وعظيم فضلهم.

  • يُعد هذا اليوم من أعظم مواسم التوبة والإنابة إلى الله تعالى.

  • لا يُرى الشيطان في يوم أذلّ ولا أصغر ولا أشد غيظًا منه في يوم عرفة.

  • وأنه سبب ذلك نزول الرحمات وتجاوز الله عن الذنوب العظام.

  • كثرة المغفرة والعتق تُحبط مساعي الشيطان وتُضعف كيده.

  • وصيام يوم عرفة لغير الحاج يكفّر ذنوب السنة الماضية والباقية.

  • يستحب لغير الحاج؛ لما فيه من الأجر العظيم.

  • يكره للحاج صومه؛ ليتقوى على الدعاء والذكر والوقوف.

  • ثبت أن النبي ﷺ وقف بعرفة مفطرًا، وكذلك أبو بكر وعمر رضي الله عنهما في الحج.

  • وأفضل الدعاء دعاء يوم عرفة.

  • أفضل ما يُقال فيه: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير».

  • كان النبي ﷺ يكثر من التهليل والتوحيد في هذا اليوم.

  • وردت أدعية جامعة للاستغفار وطلب النور والهداية ودفع الشرور.

  • استحب السلف الإكثار من سؤال العتق من النار والرزق الحلال وصلاح الأحوال.

  • ونُقلت عن الصحابة والتابعين أدعية ومواقف مؤثرة مليئة بالخضوع والافتقار.

  • كانوا يستشعرون سعة رحمة الله مع شدة الخوف من التقصير.

  • امتلأت كلماتهم بالرجاء والعفو وحسن الظن بالله تعالى.

  • ظهرت في مواقفهم معاني المحبة والإنابة والتذلل بين يدي الله.

  • وكان كثير من العباد والصالحين يبكون في عرفة بكاءً شديدًا.

  • مع رجائهم للمغفرة كانوا يخافون من رد أعمالهم.

  • من دعائهم: أن لا يُحرم الناس الرحمة بسبب تقصيرهم.

  • جمع السلف بين الخوف من الذنب والرجاء في فضل الله وعفوه.

  • وقد وردت آثار في اجتماع جبريل وميكائيل وإسرافيل والخضر بعرفة.

  • وتضمنت هذه الروايات أذكارًا في تعظيم الله ونسبة النعم إليه.

  • كما وردت روايات في لقاء الخضر وإلياس في موسم الحج.

  • أكثر أهل العلم يعدون هذه الأخبار من الآثار التي لا يُبنى عليها حكم شرعي.

  • وقد أورد المؤلف روايات في صلوات مخصوصة ليوم عرفة.

  • تضمنت أعدادًا معينة من الركعات والقراءات والأذكار.

  • هذه الروايات لم يثبت أكثرها عند أهل الحديث.

  • المعتمد هو الإكثار من الذكر والدعاء والعبادة المشروعة الثابتة.

عشرون: التعريف في الأمصار:

  • التعريف هو اجتماع أهل البلدان في المساجد يوم عرفة تشبهًا بأهل الموقف.

  • روي أن أول من فعله ابن عباس رضي الله عنهما.

  • نُقل عن عدد من التابعين فعل ذلك.

  • ورجّح الإمام أحمد أنه لا بأس به إذا كان على وجه الذكر والدعاء.

حادي وعشرون: الدفع من عرفة إلى مزدلفة:

  • يكون الدفع بعد غروب الشمس مع السكينة والوقار.

  • يسير الحاج إلى مزدلفة من طريق المأزمين.

  • إذا وصل صلى المغرب والعشاء جمعًا قبل النزول.

  • يبيت بمزدلفة حتى الفجر ويجمع منها حصى الجمار.

  • عدد الحصى سبعون حصاة، تكون أكبر من الحمص وأصغر من البندق.

  • من ترك المبيت الواجب أو أخلّ به على الوجه المذكور لزمه الدم بحسب التفصيل الفقهي المذكور.

ثاني وعشرون: أحكام ليلة النحر:

  • يستحب إحياء ليلة النحر بالذكر والصلاة والدعاء.

  • كان عبد الله بن عمر يحيي هذه الليلة.

  • وردت آثار في فضل إحياء ليلتي العيدين وليلة النصف من شعبان.

ثالث وعشرون: أعمال الحاج بعد فجر يوم النحر:

  • يصلي الحاج الفجر بالمزدلفة في أول الوقت.

  • يقف عند المشعر الحرام للذكر والدعاء والتكبير.

  • يدفع إلى منى قبل طلوع الشمس.

  • إذا مر بوادي مُحَسِّر أسرع في السير قليلاً.

رابع وعشرون: أحكام رمي جمرة العقبة:

  • يبدأ الحاج يوم النحر برمي جمرة العقبة.

  • يرميها بسبع حصيات متعاقبات.

  • يكبر مع كل حصاة.

  • يشترط أن تقع الحصاة في المرمى.

  • لا يجزئ الرمي بغير الحصى.

  • لا يجزئ إعادة الرمي بحصاة سبق الرمي بها.

  • يقطع التلبية مع أول حصاة.

  • لا يقف للدعاء عند جمرة العقبة بعد الرمي.

  • وقت الرمي الأفضل بعد طلوع الشمس، ويجزئ بعد منتصف الليل.

خامس وعشرون: أحكام الأضحية:

  • الأضحية من أعظم القربات يوم النحر.

  • جمهور العلماء (مالك والشافعي وأحمد) على أنها سنة مؤكدة.

  • أبو حنيفة يرى وجوبها على الغني المقيم.

  • يستحب عدم المماكسة الشديدة في ثمن الأضحية لأنها قربة إلى الله.

سادس وعشرون: آداب المضحي:

  • من أراد الأضحية يستحب له الإمساك عن أخذ الشعر والأظفار منذ دخول عشر ذي الحجة حتى يضحي.

  • الأفضل أن يذبح أضحيته بنفسه إن أحسن الذبح.

  • فإن لم يحسن الذبح استحب له حضور أضحيته ومشاهدتها.

سابع وعشرون: أفضل الأضاحي:

  • عند الحنابلة: الإبل أفضل، ثم البقر، ثم الغنم.

  • تجزئ الشاة عن شخص واحد.

  • تجزئ البدنة (الإبل) أو البقرة عن سبعة أشخاص.

ثامن وعشرون: العيوب المانعة من الإجزاء:

  • العوراء البين عورها.

  • المريضة البين مرضها.

  • العرجاء البين عرجها.

  • العجفاء (الهزيلة التي لا مخ لها).

  • العضباء التي ذهب أكثر أذنها أو قرنها.

تاسع وعشرون: وقت الذبح:

  • يبدأ بعد صلاة العيد أو بعد قدرها.

  • عند الحنابلة: يمتد إلى آخر ثاني أيام التشريق.

  • وعند الشافعية: إلى غروب شمس آخر أيام التشريق.

  • في الذبح ليلاً خلاف بين العلماء.

ثلاثون: التصرف في الأضحية:

  • لا يجوز بيع جلد الأضحية عند الجمهور.

  • ويجوز أن يأكل المضحي ثلثها، ويهدي ثلثها، ويتصدق بثلثها.

واحد وثلاثون: أحكام الحلق والتقصير:

  • بعد الذبح يحلق الرجل رأسه أو يقصره.

  • الحلق أفضل من التقصير.

  • المرأة لا تحلق رأسها، وإنما تقصر قدر أنملة.

  • من لم يكن له شعر يستحب أن يمر الموسى على رأسه.

اثنان وثلاثون: التحلل من الإحرام:

  • التحلل الأول يحصل باثنين من ثلاثة: 

    • الرمي.

    • الحلق أو التقصير.

    • طواف الإفاضة.

  • بعد التحلل الأول يحل كل شيء إلا النساء.

  • إذا أتى بالثالث حصل التحلل الكامل.

ثلاثة وثلاثون: أحكام التكبير:

  • يشرع التكبير عقب الصلوات في أيام التشريق.

  • صيغته المشهورة: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، والله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد.

  • يستمر التكبير إلى عصر آخر أيام التشريق.

رابع وثلاثون: أحكام الهدي:

  • يذبح الهدي بعد رمي جمرة العقبة.

  • يستحب إشعار الإبل والبقر المهدى إلى الحرم.

  • يستحب تقليد الغنم بعلامة تدل على كونها هدياً.

خامس وثلاثون: أحكام مسجد الخيف:

  • يستحب الصلاة فيه لمن تيسر له ذلك.

  • وردت آثار في فضله وأن جماعة من الأنبياء صلوا فيه.

أولاً: فضل مكة ومكانتها

  • مكة هي أحب البلاد إلى الله تعالى وأكرمها عنده، وقد شهد بذلك النبي ﷺ حين قال: «إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله».

  • اختار الله مكة من بين سائر البلدان، وجعلها البلد الحرام ومهبط الوحي ومهوى أفئدة المؤمنين.

  • من خصائصها أنها تضم بيت الله الحرام، ولذلك سُمِّيت أم القرى؛ لأنها أصل البلاد وأشرفها.

  • وردت آثار كثيرة تدل على بركة مكة وعظيم منزلتها عند الله تعالى.

ثانياً: حرمة مكة وأحكامها:

  • حرَّم الله مكة يوم خلق السماوات والأرض، وستبقى حرماً إلى يوم القيامة.

  • لا يجوز القتال فيها إلا ما أذن الله به للنبي ﷺ ساعةً من نهار يوم الفتح.

سادس وثلاثون: من أحكام الحرم:

  • عدم قطع شجره وشوكه.

  • عدم تنفير صيده.

  • عدم أخذ لقطته إلا لمن يريد التعريف بها.

  • عدم حشِّ حشيشه إلا ما استثني كالإذخر.

  • شدد السلف في شأن المعاصي بمكة؛ لعظم حرمتها ومكانتها.

ثالثاً: مضاعفة الأجور والآثام في مكة:

  • الحسنات في مكة أعظم أجراً وأكثر ثواباً من غيرها.

  • نقل عن جماعة من السلف أن السيئات تعظم فيها أيضاً لشرف المكان.

  • كان السلف يحرصون على الإكثار من الطاعات عند قدومهم مكة، ومن ذلك:

    • ختم القرآن.

    • الصدقة.

    • كثرة الصلاة والعبادة.

  • ورد عن عمر رضي الله عنه النهي عن احتكار الطعام بمكة، وعدّه من الإلحاد والظلم.

رابعاً: أهل مكة وأهل الحرم:

  • وصف النبي ﷺ أهل مكة بأنهم أهل الله، وأوصى بحسن معاملتهم.

  • كان السلف ينادون أهل مكة بقولهم: "يا أهل الله".

  • وردت آثار في تعظيم أهل الحرم، وأن تأمينهم وإكرامهم من تعظيم حرمات الله.

  • زوار مكة وعمار بيت الله يعدّون وفد الله وضيوفه.

خامساً: فتح مكة وأحداثه البارزة:

  • كان فتح مكة نتيجة نقض قريش لصلح الحديبية.

  • دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً في رمضان، وأزال الأصنام التي كانت حول الكعبة.

  • كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً، فجعل النبي ﷺ يطعنها ويقول: ﴿جاء الحق وزهق الباطل﴾.

  • أرسل السرايا لهدم أشهر الأصنام في الجزيرة العربية كالعزى ومناة وسواع.

  • عيّن عتاب بن أسيد والياً على مكة، ومعاذ بن جبل معلماً لأهلها.

سادساً: أذان بلال فوق الكعبة:

  • أمر النبي ﷺ بلالاً رضي الله عنه أن يؤذن فوق ظهر الكعبة يوم الفتح.

  • كان ذلك إعلاناً لانتصار التوحيد وزوال سلطان الشرك.

  • أظهر الأذان تغير موازين الجاهلية، فتعجبت قريش من رفع بلال صوته فوق الكعبة.

  • أخبر الله نبيه ﷺ بما دار بينهم من أقوال، فكان ذلك من دلائل نبوته.

سابعاً: فضل الكعبة وأسماؤها:

  • سميت الكعبة: 

    • لتربيع بنائها.

    • أو لعلوها وارتفاعها.

  • وسميت البيت الحرام لعظيم حرمته وحرمة ما حوله.

  • وسميت البيت العتيق لأحد المعاني الآتية:

    • أن الله أعتقه من تسلط الجبابرة.

    • لكونه قديماً.

    • لأنه لم يملكه أحد.

    • لأنه نجا من الغرق زمن الطوفان.

ثامناً: الكعبة أول بيت وضع للناس:

  • نص القرآن على أن الكعبة أول بيت وضع للناس لعبادة الله.

  • ذكر العلماء أقوالاً في معنى أوليتها، منها:

    • أنها أول بيت ظهر في الأرض.

    • أو أول بيت خصص لعبادة الله تعالى.

  • وردت آثار كثيرة في شرف موضعها وأن الأرض دحيت من جهته.

  • ارتبطت الكعبة بعبادة الأنبياء من آدم إلى إبراهيم ثم محمد عليهم الصلاة والسلام.

تاسعاً: بناء الكعبة عبر التاريخ:

  • قيل إن الملائكة بنتها أولاً، وقيل إن آدم عليه السلام بناها، ثم رفع أثرها زمن الطوفان.

  • أعاد إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام بناءها بأمر الله تعالى.

  • نادى إبراهيم الناس بالحج بعد إتمام البناء.

  • توالت بعد ذلك عمارتها:

    • العمالقة.

    • جرهم.

    • قريش.

    • ابن الزبير رضي الله عنه.

  • عند بناء قريش لها شارك النبي ﷺ في حل النزاع حول وضع الحجر الأسود.

عاشراً: المسجد الحرام وفضله:

  • وسّع الخلفاء المسجد الحرام عبر العصور لاستيعاب الحجاج.

  • أول توسعة كبرى كانت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

  • ثم تتابعت توسعات عثمان وابن الزبير والوليد وغيرهم.

  • الصلاة في المسجد الحرام تعدل مئة ألف صلاة فيما سواه من المساجد.

الحادي عشر: كسوة الكعبة وسدانتها:

  • أول من اشتهر بكسوة الكعبة تُبَّع الحميري.

  • تعاقبت أنواع الكسوة عبر العصور:

    • الأنطاع.

    • الثياب اليمانية.

    • القباطي.

    • الديباج.

  • تولت قبائل وأسر معينة خدمة الكعبة وسدانتها.

  • أبقى النبي ﷺ مفتاح الكعبة في بني شيبة قائلاً:

    • «خذوها يا بني أبي طلحة خالدة تالدة، لا ينزعها منكم إلا ظالم».

الثاني عشر: فضل الحجر الأسود والركن اليماني:

  • الحجر الأسود من حجارة الجنة، وكان أشد بياضاً من اللبن فسودته خطايا بني آدم.

  • وردت آثار بأنه يشهد يوم القيامة لمن استلمه بحق.

  • كان عمر رضي الله عنه يؤكد أن تقبيله إنما هو اتباع للسنة لا تعظيماً للحجر بذاته.

  • يستحب استلام الحجر الأسود والركن اليماني اقتداءً بالنبي ﷺ.

  • وردت آثار في فضل الدعاء عند الركن اليماني، ومن أشهر الأدعية:

    • ﴿ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار﴾.

سابع وثلاثون: أحكام الكعبة والمعالم المحيطة بها:

  • السنة استلام الركنين اليماني والأسود فقط، وهو مذهب الجمهور (مالك والشافعي وأحمد)، خلافاً لأبي حنيفة.

  • يُعدّ الحِجْر جزءاً من الكعبة، لذا يجب إدخاله في الطواف، ولا يصح الطواف دونه عند الجمهور.

  • يُستحب الدعاء عند محاذاة ميزاب الكعبة، وتحته يقع "مصلى الأخيار" كما وصفه ابن عباس، والشراب من ماء زمزم هو "شراب الأبرار".

  • البيت المعمور: بيت في السماء (السابعة أو السادسة) يوازي الكعبة تماماً، يدخله كل يوم 70 ألف ملك ثم لا يعودون إليه أبداً.

  • أصحاب الفيل: غزا أبرهة الأشرم مكة لهدم الكعبة، فرفض الفيل التقدم نحو الحرم، وأرسل الله طيراً أبابيل تحمل حجارة أهلكت الجيش، وحمى الله بيته وغنم أهل مكة أموالهم.

ثامن وثلاثون: آداب الدخول وفضل النظر إلى الكعبة:

  • يُستحب دخول الحرم من باب بني شيبة، ورفع اليدين بالدعاء والتعظيم والحمد عند رؤية البيت.

  • النظر إلى الكعبة عبادة تنزل بسببها الرحمات (20 رحمة للناظرين)، وهو محض الإيمان ويمحو الذنوب.

  • كان الصالحون (كمليكة بنت المنكدر والشبلي) تفيض أرواحهم وتخشع قلوبهم هيبة وإجلالاً عند رؤية البيت.

تاسع وثلاثون: أحكام الطواف وصفته وثوابه:

  • أقسام الطواف: أربعة؛ مسنون (القدوم)، وفرض (الزيارة/الإفاضة)، وواجب (الوداع)، ومستحب (التطوع).

  • يبدأ الطواف من الحجر الأسود بالتقبيل أو الاستلام أو الإشارة، ويُشترط جعل البيت عن اليسار، والطهور، وستر العورة.

  • ويُسن للرجل الاضطباع، والرَّمَل (إسراع المشي) في الأشواط الثلاثة الأولى، ولا يشرع ذلك للنساء ولا لأهل مكة.

  • والأفضل الطواف راجلاً، ويجوز الركوب أو الحمل لعذر، ولا يصح للحامل (بدون عذر للمحمول) عند بعض الأئمة إلا بدم.

  • والطواف سبعاً وصلاة ركعتين بعده يعدل عتق رقبة، وبكل خطوة تُرفع درجة وتُحط خطيئة، والله يباهي بالطائفين.

  • وقد حث السلف على الاستكثار من الطواف لأنه أول ما يغبط به العبد في صحيفته، ومن طاف 50 مرة خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه.

  • ولا ينقطع الطواف بالبيت حتى آخر الزمان، حيث يرجع الكفر مستولياً على المكان، فيهدم الكعبة "ذو السويقتين من الحبشة".

الأربعون: آداب الطواف والتحذير من المعاصي في الحرم:

  • الطواف بمنزلة الصلاة، فينبغي فيه الخشوع والسكينة والاشتغال بالذكر، وتجنب اللغو وفضول الكلام.

  • يجب غض البصر شرفاً للمكان، ويذكر ابن الجوزي قصة افتتان خالد بن يزيد برملة بنت الزبير أثناء الطواف كمثال على خطورة إطلاق البصر.

  • وبيّن أن لمن ينتهك حرمة البيت عقوبات معجلة؛ كالتصاق ساعد رجل بساعد امرأة، ومسخ "يساف ونائلة" حجرين، وشلل رجل أراد ضرب زوجته المستجيرة بالبيت.

الحادي والأربعون: لطائف الولادة والإشارة في الطواف:

  • الولادة في الكعبة: وُلِد حكيم بن حزام داخل الكعبة (وثبتت الرواية فيه)، ورُويت قصة في ولادة علي بن أبي طالب داخلها لكن إسنادها لا يثبت.

  • طواف القلب: المقصد الأسمى والغاية الخالصة من طواف البدن حول البيت هي "طواف القلب" في حضرة الرب واستشعار عظمته.

الثاني والأربعون: أحكام ماء زمزم:

  • يستحب الشرب من ماء زمزم، وفي مقدمتها "التضلع" (الشرب حتى الامتلاء) لحديث ابن عباس: "التضلع من ماء زمزم براءة من النفاق". 

  • يستحب الدعاء المأثور عند شربه: "اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء...". 

  • يرى جمهور الفقهاء (الأكثرون) عدم كراهة الوضوء والغسل منه لعموم طهوريته، وعن الإمام أحمد بن حنبل روايتان؛ إحداهما كالمذهب المنع من الكراهة، والأخرى بالكراهة. 

  • والمستند الفقهي للكراهة هو أثر العباس بن عبد المطلب رضي الله عنه: "لا أُحِلُّها لمغتسل، ولكن لشاربٍ حلٌّ وبلٌ"، حيث يرى أصحاب هذا القول أن هذا المنع للحفاظ على ماء زمزم للشرب والاستشفاء دون استهلاكه في الغسل، وتعظيماً للموضع ومائه الشريف من أن تجري به غسالة الآدميين.

  • وفي الكرامة المأثورة عن الإمام سفيان الثوري؛ حيث تحوّلت ماء زمزم له في السَّحَر إلى "سويق لوز" ثم "لبناً مشوباً بعسل" ثم "سكراً بلبن". وفي سياق آخر، يذكر قصة الرجل الذي استغل حديث "ماء زمزم لما شُرب له" فشرب دلواً بنية أن يُملي عليه سفيان بن عيينة مائة حديث، فاستجاب له وحدثه بها.

الثالث والأربعون: وظائف الحرم التاريخية (السقاية والرفادة)

  • أسس قصي بن كلاب أعمالاً للحج، وجعلها فرضاً على قريش:

    • أولاً: السقاية: وذلك بتوفير الماء في حياض من أدم (جلد) تُوضع بفناء الكعبة ويُحلى بالزبيب واللبن لكسر ملوحة المياه قبل حفر زمزم.

    • ثانياً: الرفادة: وذلك بجعل خرجٌ مالي (ضريبة تكافلية) تجمعه قريش من أموالها لصناعة الطعام للحجاج الضعفاء الذين لا سعة لهم.

    • وقد انتقلت هذه الوظائف عبر بني عبد مناف إلى هاشم، ثم المطلب، ثم عبد المطلب، وصولاً إلى العباس بن عبد المطلب الذي أقره الإسلام عليها.

  • ويبرز في هذه الأعمال رعاية المصالح العامة، من خلال ترخيص النبي ﷺ للعباس بن عبد المطلب رضي الله عنه بترك المبيت بمنى ليالي التشريق والمبيت بمكة، لأجل القيام بوظيفة السقاية، وهو أصل فقهي يُستدل به على سقوط الواجبات المناسكية تيسيراً وتأميناً لمصالح الحجيج الحيوية.

  • ثم تطور الرفادة تاريخياً حتى إدخال عبد الله بن جدعان طعام "الفالوذج" (وهو لُباب البر مع العسل) لضيافة الحجاج، وصولاً إلى العهد الأموي حيث اشترى معاوية بن أبي سفيان "دار المراجيل" وجعل فيها قدوراً تُنحر فيها الجُزر والغنم وتُطبخ طوال موسم الحج وشهر رمضان على نفقة بيت المال، وهو ما يؤصل فقهياً لمسؤولية ولي الأمر في إطعام وتأمين زوار الحرم.

الرابع والأربعون: أحكام العمرة وأركانها وفضلها في رمضان:

  • ذهب الإمام أحمد بن حنبل (وهو مقول علي وابن عمر وابن عباس والمنصور من قول الشافعي) إلى وجوب العمرة، مستدلين بقوله تعالى: {وأتموا الحج والعمرة لله} وبحديث جبريل الطويل في رواية الجوزقي التي زادت: "وأن تحج البيت وتعتمر". بينما ذهب الإمامان أبو حنيفة ومالك إلى أنها سُنّة.

  • أما أركان العمرة فهي (الإحرام، الطواف، والسعي على إحدى الروايتين)، والواجب في (الحلاق أو التقصير). وتذكر الروايات الفقهية فيمن ارتكب محظوراً -الخلاف (بين وجوب الفدية أو عدم الشيء عليه)، وكذا الخلاف فيمن ترك الحلاق بالكلية هل يلزمه دم أم لا.

  • أما مواقيت الإحرام للعمرة؛ فمن كان داخل مكة وأراد العمرة، يجب عليه فقهياً الخروج إلى أدنى الحِل للإحرام، وأفضله التنعيم (مسجد عائشة رضي الله عنها) امتثالاً لأمر النبي ﷺ لعبد الرحمن بن أبي بكر لإعمار أخته عائشة، أما من هو خارج الحرم؛ فينشئ عمرته من الموضع الذي هو فيه قبل الميقات أو عنده.

  • وردت احاديث كثيرة في فضل العمرة في رمضان، منها: (حديث معقل بن أبي معقل، أم سليم، وأم سنان الأنصارية) في أن "عمرة في رمضان تعدل حجة" أو "حجة مع النبي ﷺ"، وهو مضاعفة للأجر بالزمان الفاضل.

  • وينقل ابن الجوزي صورة حية للحياة الثقافية والسياسية في الجاهلية عبر "سوق عكاظ" و"سوق ذي المجاز"، حيث كانت عكاظ مركزاً لـ:

    • التحكيم السياسي والسيادة، وذلك من خلال: إرسال كسرى للهدايا الفاخرة ليأخذها "سيد العرب" لمعرفة ساداتهم والاعتماد عليهم، وأخذها حرب بن أمية.

    • القضاء والتحكيم الاجتماعي، وذلك ببروز المحكمين مثل عامر بن الظرب (ذو الحكم) الذي كان يحث على محاسن الأخلاق ويحرم الغدر، وهو أول من قضى في ميراث "الخنثى المشكل" من حيث يبول.

    • ثم المفاخرات الشعرية وأسواق الأدباء؛ حيث تضرب القبة من الأدم (الجلد) للنابغة الذبياني ليحكم بين الشعراء (الأعشى، حسان بن ثابت، الخنساء). ويورد النص المحاكمة النقدية الشهيرة بين النابغة وحسان في نقد بيت حسان لغوياً وبلاغياً ("لنا الجفنات الغر...").

  • الخطابة في الحرم المكي:

  • وقسّم الإمام ابن الجوزي الخطابة في الحرم إلى قسمين (الجاهلية والإسلام):

    1. خطب الحنفاء في الجاهلية: مثل خطبة كعب بن لؤي، وخطبة قُس بن ساعدة الإيادي الشهيرة ("من عاش مات، ومن مات فات...")، وخطبة زيد بن عمرو بن نفيل وهو مسند ظهره للكعبة متبرئاً من الأوثان. ويعلق النص بأن قوله: "إن في السماء لخبراً" هو رد مبكر على الملاحدة الدهريين، ويورد الشاهد النبوي في قُس: "أما إنه يُبعث يوم القيامة أمة وحده".

    2. الخطب النبوية بمكة: وهي أربع خطب محورية:

      • يوم الفتح (الخطبة الأولى والثانية): تقرير التوحيد، إبطال مآثر الجاهلية ونخوتها بالتفاخر بالآباء ("كل مأثرة أو دم تحت قدمي هاتين إِلا سدانة البيت وسقاية الحاج"، "أنتم الطلقاء"). وتأكيد حرمة مكة وتحريم سفك الدماء وشجرها وإقرار دية شبه العمد المغلظة.

      • حجة الوداع (الخطبة الثالثة والرابعة والخامسة): خطبة عرفة وأيام التشريق بمنى، والتي تضمنت قواعد الإسلام الكبرى: (حرمة الدماء والأموال والأعراض، وضع الربا وجنايات الجاهلية، التحذير من الشيطان والنسيء، الوصية بالنساء وحقوقهن الزوجية، والتأكيد على الأخوة الإسلامية والمساواة الكاملة: "لا فضل لعربي على عجمي، ولا لأسود على أحمر إلا بالتقوى").

وختم المصنف هذا الباب بسرد أثري وجغرافي لـ 18 موضعاً بمكة يستحب فيها الذكر والصلاة، مبيناً تاريخها وتطور عمارتها، ومن أهمها:

الموضع

الأهمية التاريخية والأثرية والتطور المعماري

مولد النبي ﷺ

كان بيد عقيل بن أبي طالب، ثم اشتراه محمد بن يوسف وأدخله في داره (البيضاء)، حتى حجّت الخيزران (جارية المهدي) فجعلته مسجداً مستقلًا في الزقاق.

منزل السيدة خديجة

وفيه ولدت أولادها وتوفيت، اشتراه معاوية بن أبي سفيان وهو خليفة فبناه مسجداً وصيَّره مصلى.

دار الأرقم بن أبي الأرقم

عند الصفا، موضع استخفاء النبي ﷺ في بدء الدعوة، وتعرف بدار الخيزران.

مسجد الجن (البيعة)

بأعلى مكة، موضع الخط الذي خطه النبي ﷺ لابن مسعود ليلة استماع الجن ومبايعتهم له.

مسجد الشجرة

يقابل مسجد الجن، موضع كرامة معجزة مجيء الشجرة للنبي ﷺ وعودتها بأمره.

مسجد الكبش

بمنى، الموضع الأثري الذي نزل فيه الكبش الذي فدى الله به إسماعيل عليه السلام.

مواضع جبلية وعُمرية

جبل حراء (التعبد والبعثة)، جبل ثور (الغار والهجرة)، مسجد الجعرانة والتنعيم (مواقيت العمرة).

  • لطيفة وجدانية وسلوكية (خاتمة الباب):

يختم ابن الجوزي ببيان آداب إيثار العبادة على الدنيا في هذه المواضع، حيث ينقل قصة أم إبراهيم العابدة حين رأت الحجاج مقبلين على البيع والشراء بمنى عند الجمار، فصاحت غيرةً لله تعالى وقالت: "حبيبي قد أقبلوا على الدنيا وتركوك"، في إشارة إلى ضرورة تجريد القصد للآخرة في مواطن النسك وتجنب الاندراج الكلي في المظاهر المادية أثناء الحج.

الخامس والأربعون: أغراض الأشعار والأنظمة الواردة في الكتاب:

  • الشوق والحنين: تدور معظم القصائد المعروضة حول الحنين الجارف إلى ديار نجد، وكاظمة، ورامة، وزرود، وبانة الواديين، والجزع.

  • البرق والنسيم كمثيرات للوجد: يُجمع الشعراء (مثل ابن الشبل، وأبي عبد الله الخياط، والبارع) على أن رؤية البرق النجدي وهبوب ريح الصبا هما أشد ما يهيج لوعتهم ويسلب نومهم.

  • البكاء والأطلال: يصف الشعراء وقوفهم على الديار المقفرة بدموع غزيرة تفضح حبهم المكتوم، مستأنسين بمشاركة أصحابهم (الخلان) في البكاء والوقوف على الطلل.

  • مصارع العشاق في الحرم: يذكر جعفر السراج في أبياته أن مناطق الحرم كالحطيم، وزمزم، والمحصب، وخيف منى، كانت تاريخياً مصارع ومواقع لقتل العشاق والمتيمين بكمد الشوق.

السادس والأربعون: كرامات الحج وقبول الحجاج:

  • قصة علي بن الموفق الأولى: بعد أن حج أكثر من خمسين حجة، وهب ثواب حجته لمن لم يُتقبل حجه من أهل الموقف، فرأى رب العزة في المنام يبشره بأنه قد غفر لأهل الموقف جميعاً وشفّعهم في أهل بيتهم.

  • قصة علي بن الموفق الثانية: عند حجته الستين، غلبته عينه عند الميزاب مفكراً في حاله، فقيل له في المنام: "هل تدعو إلى بيتك إلا من تحب؟" فسرى عنه غمه.

  • رؤيا ملكي مسجد الخيف: حيث رأى ابن الموفق ملَكين أخبر أحدهما الآخر أن الله قبل 6 أنفس فقط من أصل 600 ألف حاج، وفي الليلة التالية أخبره أن الله وهب لكل واحد من الستة المقبولين 100 ألف، فعمت البشارة والسرور.

  • قصة عبد الله بن المبارك (الرواية الأولى): خرج للحج بخمس مئة دينار، فلقي امرأة شريفة بناتها عراة وجياع، فأعطاها المال كله وترك الحج؛ فخلق الله ملكاً على صورته يحج عنه كل عام مكافأة له على إغاثة الملهوف.

  • قصة ابن المبارك (الرواية الثانية): تصدق بنفقته وزاده وبغله على امرأة اضطرت لأكل الميتة لإعالة أطفالها، وفي طريق عودة الحجاج وجد الناس يشكرونه على إعانتهم في مواطن الحج وهو لم يبرح الكوفة، فأُري في المنام أن ملكاً حج باسمه.

  • قصة زاهد دمشق وذو النون المصري: تصدق رجل بـ 800 درهم (نفقة حجه) على جاره الذي اضطر لأكل الميتة، فرأى ذو النون المصري في المنام وهو بعرفة أن الله لم يتقبل من أهل الموقف إلا من هذا الرجل الذي تخلف عن الحج بجسده وحضر بهمه، فوهب الله له أهل الموقف جميعاً.

  • حج الملائكة: تلقت الملائكة آدم عليه السلام وأخبروه أنهم حجوا البيت قبله بألفي عام وكان تسبيحهم (سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر). كما ثبت أن الملائكة والسحاب تستأذن بالطواف حول البيت عند نزولها للأرض.

  • حج آدم عليه السلام: حيث طُويت له الأرض فجاء من الهند مشياً على قدميه وحج 40 حجة، وتلقى كلمات الدعاء والاستغفار خلف مقام إبراهيم فاستجاب الله له ولذريته من بعده.

  • حج الأنبياء: فما من نبي بعثه الله بعد إبراهيم إلا وحج البيت (ومنهم موسى، ويونس، وعيسى عليهم السلام)، ويوجد بين الركن والمقام وزمرم قبور 99 نبياً قدموا حجاجاً وقبروا هناك.

  • حج الحواريين وأصحاب الكهف: حج الحواريون ومشوا تعظيماً للحرم، ويحج عيسى عليه السلام في آخر الزمان ومعه أصحاب الكهف (لأنهم لم يموتوا ولم يحجوا بعد).

السابع والأربعون: حج النبي صلى الله عليه وسلم وعمرته:

  • عدد الحجات والعمل: حج النبي ﷺ بعد الهجرة حجة واحدة (حجة الوداع) في السنة العاشرة، وحج قبل الهجرة حِججاً لا يُعرف عددها، واعتمر 4 عُمَر.

  • صفة حجة الوداع: خرج معه بشر كثير، وأهلّ بالتوحيد من ذي الحليفة، ورمل في الطواف ثلاثاً ومشى أربعاً، وصعد الصفا والمروة، ووقف بعرفة حتى الغروب، وجمع بالمزدلفة، ونحر 63 بدنة بيده، وركب الجدعاء مستلماً الركن بمحجنه.

6. حج الخلفاء الراشدين

  • أبو بكر الصديق (رضي الله عنه): استعمل عمر بن الخطاب على الحج سنة 11 هـ.، واعتمر في رجب سنة 12 هـ، وفيها لقي والده أبا قحافة بمكة وتباكيا فرحاً، واستقبله وجهاء مكة. وطاف بالبيت وجلس يعرض على الناس القضاء ورد المظالم فلم يشتكِ أحد. وحج بالناس في نفس السنة (12 هـ) واستخلف عثمان بن عفان على المدينة.

  • قصة حج عمر بن الخطاب (رضي الله عنه).

  • كرامة إجابة الدعاء للسري بن يحيى: ظهلت سحابة جاره الصائم في يوم صائف شديد الحر، وأمطرت عليه وحده دون أصحابه ليرتوي ويملأ الحياض لهم دون أن يفطر.

  • طيّ الأرض لمسلم بن يسار وأصحابه: خروج مسلم بن يسار مع أصحابه بعد فوات وقت الحج حياءً منه، فأصابهم إعصار شديد ليلاً، ليجدوا أنفسهم صباحاً أمام جبال تهامة مدركين منازل الحج بقدرة الله.

  • رؤية حبيب العجمي ومالك بن دينار في موضعين: تواتر الروايات برؤية حبيب العجمي ومالك بن دينار بالبصرة في يوم التروية، ورؤيتهم في الوقت ذاته بعرفات في يوم عرفة.

  • ستر الحال عند الحسن بن الخليل: عتاب الحسن بن الخليل لمن رآه بعرفات وطاف معه ثم وجده بمصر وأخبر الناس بحجه، مبيناً كراهته للشهرة وإفشاء كرامة قطعه المسافات الشاسعة في ليلة واحدة.

  • سياحة إبراهيم بن أدهم مع الشيخ المجهول: خروج ابن أدهم من بلخ مع شيخ غريب طويت لهما الأرض كالموج، فمرا بالمدن والكوفة والمدينة ومكة ثم بيت المقدس في أيام معدودات، دون أن يعرف إبراهيم اسمه.

  • فراسة وكرامات موسى بن جعفر (الكاظم): لقاء شقيق البلخي للفتى الصوفي في القادسية وزبّالة، وكشف الفتى لخواطر شقيق بآيات القرآن، ثم نبع الماء له من البير وارتفاعه واستحالة الرمل سويقاً وسكراً، ليتضح بمكة أنه السيد موسى بن جعفر.

  • توبة صاحب المقثأة على يد شاب دمشقي: وفيها لقاء معروف الكرخي بشاب طويت له المسافات من دمشق إلى مكة، وجوع الشاب ثلاثين يوماً وضربه من صاحب مقثأة ظنه لصاً، حتى جاء فارس فأنقذه، فتاب صاحب المقثأة وتصدق بماله ولزم الشاب حتى ماتا بالربذة.

  • نبع الماء والقدح الزجاجي لأبي تراب النخشبي: كرامة جرت لأبي تراب في طريق مكة حين اشتد العطش بأصحابه، فضرب برجل الأرض فنبع ماء زلال، وضغط بيده فخرج له قدح زجاجي أبيض شربوا منه حتى بلغوا مكة.

  • حال الزهد لأحمد بن إبراهيم المسوحي: حجه بقميص ورداء ونعل طاق دون حمل زاد أو ركوة، مستعيناً بكوز فيه تفاح شامي يشمه من بغداد إلى مكة.

  • الأمن من الاستيحاش بنان الحمال: وذلك بسماعه هاتفاً بالبرية على طريق تبوك يذكره بمعية المحبوب سبحانه عندما دخله الخوف.

  • نجاة أبي الحسن المزين بالتسليم العالي: فيذكر قصة سقوطه في بئر بطريق تبوك وسكون نفسه لئلا يفسد الماء على الناس، فجاءه أفعى طوقه بذنبه وأخرجه برفق ثم اختفى.

  • صلاة سهل بن عبد الله بمكة دون حيلة: وفيها دعوة سهل بن عبد الله لأحمد بن سالم عند المغرب بترك التدبير والتوكل للصلاة بمكة في وقت العشاء.

  • نبع الماء في الجبل بدعاء صوفي: وفيها سماع جعفر الخلدي وأصحابه خرير الماء يملأ ركوة أحد الصالحين بعد إيمائه إلى جبل صلد عند فقدهم الماء، دون أثر للشقوق في الصخر.

  • طعام النسر المشوي لأبي تراب النخشبي: حيث انقض نسر على ربع ظبي شواه أصحاب أبي تراب في طريق، وإلقاء النسر ذاته للربع المشوي بين يدي أبي تراب في طريقه الأخرى، ليتناولوا طعامهم في وقت واحد.

  • قصة التوكل والوفاة المعلومة لعابد مجهول: صحبة عبيد الله بن أبي نوح لعابد طوى جرابه صرة دنانير لشراء حمار، وقام الليل صائماً متبتلاً حتى وصلا عسفان ومكة. وكتابة العابد وصيته لعباد بن عباد يخبره بموته ودَفنه بالبطحاء وهو صحيح، وتحقق الأمر كما وصف. ووصيته الأخرى بالذهاب لبيت المقدس لدفع ميراثه (العصا والقدح والجراب) لشيخ ناداه باسمه واستلم الأمانة واختفى.

  • أبو جعفر المجذوم وصنيع الله بالضعيف: وفيها مباغتة الشيخ المجذوم لأبي الحسين الدراج في كل منزل (المغيثة، القرعا) متقدماً عليه رغم علته، قائلاً له: «يصنع الله للضعيف حتى يتعجب القوي»، حتى التَقاه بمنى واستجيبت دعواته في الفقر والآخرة.

  • إسلام عبد المسيح النصراني ببركة الصدق: وفيها مسايرة شاب نصراني متوكل لإبراهيم بن الخواص وحامد الأسود بالبرية ليمتحن خاطره، ومنعه من دخول مكة لشركه، ثم إسلامه بعرفات فور رؤيته الكعبة واضمحلال كل دين غير الإسلام في قلبه.

  • مساجلة أحمد بن محمد النيلي مع الجن: وفيها سماعه جنّاً ليلًا في ليلة مطيرة بـطريق الكوفة يتذاكرون أحوال السائرين إلى الله، وإجازته لشعرهم ببيتين كشفا صدق دعواه في السير مع الحق، فصاحوا وانقطع كلامهم.

  • قصة العبدة التي عجزت عن الوصول إلى مكة بقوتها، فلما صدقت مع الله حملها الله بقدرته حتى وصلت إلى البيت الحرام.

  • قصة الجارية الحبشية التي سألها الشِّبلي عن مقصدها فقالت: «من عند الحبيب إلى الحبيب»، وأن غايتها من الحبيب هي الحبيب نفسه، وأن لسانها لا يفتر عن ذكره.

الثامن والأربعون: نماذج شعرية تُظهر حنين الحجاج إلى أوطانهم وأهليهم بعد انتهاء مناسك الحج.

  • اشتياق بعض الحجاج إلى العراق وبغداد عند اقتراب عودتهم من الحجاز.

  • تصوير ألم الغربة ولوعة الفراق واشتداد الحنين إلى الديار والأهل.

  • كثرة الأشعار التي تصف مشاهد الوداع بعد الحج.

  • بيان ما يصيب القلوب من الحزن عند افتراق الأحبة والرفقة.

  • تصوير الدموع والزفرات والحنين الذي يبقى بعد رحيل الرفاق.

  • سؤال الركبان عن الأوطان والأحبة وأخبار الديار البعيدة.

التاسع والأربعون: زيارة القبور في طريق الحج:

  • زيارة النبي ﷺ قبر أمه آمنة وبكاؤه عند قبرها.

  • أذن الله له بزيارة قبرها ولم يأذن له بالاستغفار لها.

  • بكى النبي ﷺ لذلك وأبكى من حوله.

  • نزل قوله تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين﴾ في هذا السياق كما ورد في بعض الروايات.

الخمسون: المجاورة بمكة:

  • اختلف العلماء في استحباب الإقامة الدائمة بمكة؛ فكرهها بعض العلماء كأبي حنيفة، واستحبها آخرون كالإمام أحمد وجماعة من العلماء.

  • أسباب الكراهة عند من كرهها:

    • خوف الملل من كثرة الألفة بالمكان.

    • ضعف تعظيم الحرم بسبب الاعتياد.

    • أن الشوق يتجدد بالمفارقة أكثر من الملازمة.

    • الخوف من الوقوع في الذنوب بالحرم مع عظم حرمة المكان.

  • أما أسباب الاستحباب؛ فهي كثيرة، منها:

    • شرف مكة وفضلها.

    • مضاعفة الحسنات فيها.

    • كثرة من جاورها من الصالحين والعلماء.

الحادي والخمسون: من سكن مكة أو جاور بها:

  • ذكر عدد كبير من الصحابة الذين استوطنوا مكة بعد الإسلام.

  • ومن كبار التابعين الذين أقاموا بها: مجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، وسفيان بن عيينة، والفضيل بن عياض وغيرهم.

  • اشتهر بعض المجاورين بشدة تعظيمهم للحرم واحتياطهم في آدابه.

الثاني والخمسون: فضل رمضان بمكة:

  • ورد حديث في فضل إدراك رمضان بمكة وصيامه وقيامه.

  • تضمن الحديث ذكر مضاعفة الأجور والثواب العظيم لمن جمع بين رمضان والإقامة بمكة.

الثالث والخمسون: المدفونون بالحرم من الأنبياء والصالحين:

  • وردت آثار تذكر دفن عدد من الأنبياء بمكة.

  • ذُكر أن قبور هود وصالح وشعيب وإسماعيل عليهم السلام في نواحي الحرم.

  • وردت روايات في فضل الدفن بمقبرة مكة وأن من دفن بها يُبعث آمناً يوم القيامة.

الرابع والخمسون: من أكثروا الحج من الأنبياء والصالحين:

  • رويت أخبار عن كثرة حج بعض الأنبياء والصالحين.

  • ورد أن آدم عليه السلام حج مرات كثيرة ماشياً.

  • عطاء بن أبي رباح حج أكثر من سبعين حجة.

  • سفيان بن عيينة لازم الحج نحو سبعين سنة.

  • ذكر نماذج لصالحين حجوا عشرات المرات مع الزهد والتوكل والمشقة.

الثالث والخمسون: ثواب من مات عقب الحج:

  • من علامات إرادة الله الخير بالعبد أن يوفقه لعمل صالح قبل موته.

  • معنى قوله ﷺ: «إذا أراد الله بعبد خيراً عسَّله» أي يوفقه لعمل صالح ثم يقبضه عليه.

  • روي عن الحسن البصري: أن من مات عقب رمضان أو الغزو أو الحج رُجي له أجر الشهداء.

الرابع والخمسون: التشوق إلى الحج ومكة:

  • امتلأ آخر الكتاب بقصائد وأشعار تصف الشوق إلى مكة والمشاعر المقدسة.

  • وفيها تمني العودة المتكررة إلى البيت الحرام.

  • الحنين إلى الكعبة وزمزم والصفا والمروة ومنى وعرفات.

  • استحضار ذكريات الحج وما يصاحبها من مشاعر إيمانية ووجدانية.

  • بيان أن محبة مكة والحج من أعظم ما يملأ قلوب المؤمنين.

الخامس والخمسون: بداية أبواب المدينة النبوية:

  • انتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن مدينة الرسول ﷺ.

  • بيّن أن أشهر أسمائها هو المدينة، وإذا أُطلقت انصرفت إلى مدينة النبي ﷺ.

  • ذكر بعض الأقوال اللغوية في أصل تسمية المدينة وعلاقتها بالطاعة والدِّين والملك.

أولًا: أسماء المدينة ومعانيها

  • المدينة سُمِّيت بهذا الاسم من مادة الدين التي تدل على الملك والسلطان والتدبير.

  • يقال: دان الأمر أي ملكه وتصرّف فيه.

  • ومنه سُمِّيت الأمة مدينة؛ لأنها مملوكة مذللة.

  • من أسماء المدينة النبوية: طابة وطيبة.

  • سمّى الله المدينة طابة كما في الحديث النبوي.

  • معنى طابة وطيبة: أنها طُهِّرت من الشرك، وكل طاهرٍ طيّب.

  • اسم يثرب كان اسمًا للأرض التي قامت عليها المدينة.

  • قيل إن «يثرب» مشتق من التثريب، أي اللوم والتوبيخ.

ثانيًا: فضائل المدينة النبوية:

  • من أخاف أهل المدينة ظلمًا أخافه الله تعالى ولعنته الملائكة والناس.

  • دعا النبي ﷺ بأن يجعل الله في المدينة ضعف بركة مكة.

  • حرَّم النبي ﷺ المدينة كما حرّم إبراهيم عليه السلام مكة.

  • دعا النبي ﷺ بالبركة في صاعها ومدّها وأرزاق أهلها.

  • على مداخل المدينة ملائكة يحرسونها.

  • لا يدخل المدينة الطاعون ولا المسيح الدجال.

  • الدجال لا يستطيع دخول مكة ولا المدينة.

  • المدينة تُخرج المنافقين والكافرين عند الفتن كما ينفي الكير خبث الحديد.

  • من أراد أهل المدينة بسوء أذابه الله كما يذوب الملح في الماء.

  • الصبر على شدائد المدينة سبب لنيل شفاعة النبي ﷺ أو شهادته يوم القيامة.

  • من مات بالمدينة شفع له النبي ﷺ يوم القيامة.

  • المدينة هي مهاجر النبي ﷺ ومضجعه ومبعثه.

  • المحافظة على حقوق أهل المدينة وجيران النبي ﷺ من أسباب الفوز بشفاعته.

  • النبي ﷺ كان يدعو دائمًا بالبركة لثمار المدينة وأهلها.

ثالثًا: فضل الإقامة في المدينة:

  • المدينة خير للناس وإن ظنوا أن الرخاء في غيرها.

  • من ترك المدينة رغبة عنها أبدل الله فيها خيرًا منه.

  • المدينة تنفي شرار الناس وتُظهر الأخيار.

  • كان الصحابة والتابعون يرغبون في السكنى بها لما فيها من الفضائل والبركات.

رابعًا: فتح المدينة ودخول النبي ﷺ إليها:

  • لم تُفتح المدينة بحرب أو قتال.

  • بدأ انتشار الإسلام فيها عندما التقى النبي ﷺ ستة من الخزرج في موسم الحج.

  • أسلم هؤلاء ودعوا قومهم إلى الإسلام.

  • تمت بيعة العقبة الأولى ثم بيعة العقبة الثانية.

  • أرسل النبي ﷺ مصعب بن عمير لتعليم أهل المدينة القرآن والإسلام.

  • هاجر المسلمون إلى المدينة قبل هجرة النبي ﷺ.

  • قدم النبي ﷺ المدينة يوم الاثنين في شهر ربيع الأول.

  • نزل أولًا في قباء ثم دخل المدينة.

  • صلى أول جمعة في بني سالم.

  • نزل في بيت أبي أيوب الأنصاري حتى بُني المسجد النبوي ومساكنه.

  • أقام بالمدينة عشر سنوات حتى وفاته ﷺ.

خامسًا: حرم المدينة وأحكامه:

  • المدينة حرم ما بين عير وثور.

  • من أحدث فيها حدثًا أو آوى محدثًا استحق اللعنة والوعيد الشديد.

  • صيد المدينة وشجرها لهما حرمة عند جمهور العلماء.

  • لا يجوز تنفير صيدها أو الاعتداء على حرمها.

  • تختلف بعض أحكام حرم المدينة عن أحكام حرم مكة في مسائل الصيد والشجر.

سادسًا: بناء المسجد النبوي:

  • اختير موضع المسجد حيث بركت ناقة النبي ﷺ.

  • كان المكان مربدًا للتمر لغلامين يتيمين من بني النجار.

  • اشتراه النبي ﷺ ليبني فيه المسجد.

  • أزيلت القبور القديمة والنخيل والخراب من الموقع.

  • شارك النبي ﷺ بنفسه في نقل اللبن والحجارة أثناء البناء.

  • بُني المسجد أولًا باللبن وسُقف بالجريد وأعمدته من جذوع النخل.

  • وسّعه عمر بن الخطاب ثم عثمان بن عفان رضي الله عنهما.

  • استمرت توسعات المسجد عبر العصور الإسلامية.

سابعًا: فضل الصلاة في المسجد النبوي:

  • الصلاة في المسجد النبوي خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد الحرام.

  • المسجد النبوي من أعظم المساجد التي تُشد إليها الرحال.

  • صلاة الجمعة فيه مضاعفة الأجر.

  • وردت أحاديث في فضل صيام رمضان بالمدينة وعظيم ثوابه.

ثامنًا: المنبر وحنين الجذع:

  • صنع المنبر النبوي من الخشب بثلاث درجات.

  • كان النبي ﷺ قبل المنبر يخطب مستندًا إلى جذع نخلة.

  • لما انتقل إلى المنبر حنَّ الجذع وبكى شوقًا إليه.

  • سمع الصحابة صوت حنينه كصوت الطفل الباكي.

  • احتضنه النبي ﷺ فسكن.

  • عد العلماء ذلك من معجزات النبي ﷺ الظاهرة.

تاسعًا: الروضة الشريفة

  • قال النبي ﷺ: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة».

  • الروضة من أشرف بقاع الأرض.

  • المحافظة على العبادة والطاعة فيها من أسباب الفوز بالجنة.

السادس والخمسون: مسجد قباء وفضله:

  • مسجد قباء أول مسجد أسس في الإسلام.

  • أثنى الله على أهله بقوله: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾.

  • كان النبي ﷺ يزور مسجد قباء راكبًا وماشيًا.

  • كان يأتيه غالبًا كل سبت.

  • من توضأ وأحسن الوضوء ثم صلى فيه ركعتين كان له أجر عمرة.

  • كان كبار الصحابة يعظمون شأن مسجد قباء ويحثون على زيارته.

السابع والخمسون: علماء المدينة وأهلها:

  • استوطن المدينة عدد كبير من الصحابة والتابعين.

  • من أشهر فقهاء التابعين بالمدينة:

    • سعيد بن المسيب.

    • عروة بن الزبير.

    • القاسم بن محمد.

    • سليمان بن يسار.

    • أبو بكر بن عبد الرحمن.

    • عبيد الله بن عتبة.

    • خارجة بن زيد.

  • ورد حديث في فضل عالم المدينة وأن الناس يرحلون إليه لطلب العلم.

  • فُسِّر عالم المدينة عند كثير من العلماء بالإمام مالك بن أنس.

الثامن والخمسون: من مواعظ أبي حازم:

  • سبب كراهية الناس للموت: أنهم عمروا دنياهم وأخربوا آخرتهم.

  • المحسن يلقى الله كالغائب يقدم على أهله، والمسيء كالعبد الآبق يقدم على مولاه.

  • رحمة الله قريبة من المحسنين.

  • أعقل الناس من تعلم الحكمة وعلّمها.

  • أحمق الناس من باع آخرته بدنيا غيره.

  • زهد الدنيا في كلمات جامعة: حلالها حساب وحرامها عذاب.

  • أعظم ما يملكه المؤمن: الثقة بالله واليأس مما في أيدي الناس.

  • الرزق مقدر، فلا ينال الإنسان إلا ما كتبه الله له.

التاسع والخمسون: وفاة النبي ﷺ وموضع دفنه وصفة قبره:

  • اختلف الصحابة بعد وفاة النبي ﷺ في مكان دفنه (بين البقيع، أو عند منبره، أو في مصلاه).

  • حسم أبو بكر الصديق الخلاف بنقله حديثاً عن النبي ﷺ: «لم يُقبر نبي، إلا حيث يموت»، فدُفن تحت فراشه في بيت عائشة.

  • وذِكر الخلاف التاريخي في شكل ترتيب قبور النبي ﷺ وصاحبيه (أبي بكر وعمر) داخل الحجرة، وكذلك الخلاف في كون القبر مسنماً (مرتفعاً كالسنام) أو مسطوحاً.

الستون: توسعة المسجد النبوي وهدم حجر أزواج النبي ﷺ

  • التوسعة الأموية: أمر الوليد بن عبد الملك عامله عمر بن عبد العزيز بشراءحجر أزواج النبي ﷺ لإدخالها في المسجد، وهو ما تسبب في بكاءٍ حارٍ من أهالي المدينة.

  • بساطة العيش النبوي: وُصفت الحجر بأنها كانت مبنية من اللَّبِن (الطيني) وجريد النخل، وقد نهى رسول الله أم سلمة أن تُبنى باللبن، وقال: «إن شر ما ذهب فيه مال المسلم البنيان».

  • تمني سعيد بن المسيب لو تُرِكت الحجر على حالها ليرى الزوار والناشئة زهد النبي ﷺ في الدنيا، فيكون ذلك رادعاً لهم عن التكاثر والفخر.

الحادي والستون: فضل زيارة القبر الشريف والسلام عليه ﷺ:

  • التأدب في الزيارة: ووجوب الوقوف عند القبر الشريف بتأدب تام كأنه ﷺ حيٌّ يرزق.

  • وأورد ابن الجوزي أحاديث وآثار تبشر زائر القبر الشريف بالشفاعة يوم القيامة، وأن الصلاة والسلام عليه تبلغه عبر ملائكة سياحين في الأرض، ويرد الله عليه روحه ليرد السلام.

  • كما ذكر حكاية عن كعب الأحبار، وفيها نزول 70 ألفاً من الملائكة يطوفون بالقبر الشريف ويصلون عليه غدواً وعشياً، وهي لا تصح بحال.

  • أحوال وكرامات جرت للزوار: ذِكر قصص تاريخية لزوار وأئمة (مثل سعيد بن المسيب ليلة الحرة، وأبي الخير الأقطع) حدثت لهم كرامات، وسماع بعضهم رد السلام، أو نال طعاماً، أو بُشّر بالشفاعة أو جاءه رزق.

الثاني والستون: فضل البقيع وزيارة قبور الشهداء:

  • دعاء النبي لأهل البقيع: وكان خروج النبي ﷺ ليلاً إلى البقيع (كما في حديث عائشة) للاستغفار والدعاء لأهل بقيع الغرقد.

  • فضل الموت في الحرمين (مكة والمدينة) وأنه يُبعث صاحبه في الآمنين، واستحباب زيارة جبل أحد وقبر حمزة بن عبد المطلب وقبور الصحابة والتابعين بالبقيع.

الثالث والستون: الاتعاظ بالقبور وأحوالها:

  • فالقبور أول منازل الآخرة، وذكر حديث بكاء عثمان بن عفان عند القبر لكونه المحطة الأولى؛ إن نجا منه العبد فما بعده أيسر، وإن لم ينج فما بعده أشد وأفظع.

  • وأن الغاية من زيارتها تذكير الآخرة والزهد في الدنيا، كما في التوجيه النبوي: «زوروا القبور، فإن فيها عظة».

  • وقد اورد مواعظ الحكماء والعلماء في الموت وأشعارهم؛ كمالك بن دينار، والحسن البصري، وابن السماك، وذكر فيها أن القبور تبلي محاسن الصور، وتساوي بين الملوك والفقراء، ولا ميزان فيها إلا بالتقوى.

  • وذكر خطاب القبر للميت: وأورد الحديث عن أن القبر يتكلم يومياً؛ فيكون "روضة من رياض الجنة" للمؤمن يرحب به، أو "حفرة من حفر النار" تلتئم أضلاع الكافر والفاجر فيه ويُسلط عليه التنانين.

  • ثم نداء الأرض اليومي: الأرض تنادي ابن آدم بخمس كلمات تذكره بتقلب أحواله (يمشي على ظهرها ومصيره لبطنها، يفرح ويذنب ويضحك ويأكل الحرام على ظهرها، ثم يحزن ويُعذب ويبكي ويأكله الدود في بطنها).



الدفاع عن حديث الجارية تصنيف عبدالله بن فهد الخليفي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الدفاع عن حديث الجارية

 تصنيف عبدالله بن فهد الخليفي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: العقل نعمة من الله تعالى جسيمة، فهو مناط التكليف في الإنسان، وأحد الضروريات الخمس التي حافظ عليها الشرع، وقد أرشد القرآن الكريم إلى أهمية العقل في تبيُّن الآيات، والاتعاظ بالحوادث، والتفكر في المخلوقات، والتمييز بين المتشابهات، والتفريق بين الهداية والغواية، وقد وصف القرآن الكفار أنهم لا يعقلون، ولا يفقهون، وكثيراً ما يُنبّه إلا أنه لا يستفيد منه إلا أولو النُّهى والألباب، وأرباب التذكرة والاستبصار، وهم أصحاب العقول السليمة.

وقد اتفق عقلاء هذه الملة، بل كل من سلمت فطرته من غوائل الشهوة والشبهة على أن العقل الصريح يتفق تمام الاتفاق مع النقل الصحيح، إلا أن النقل مقدم على العقل وليس العكس، خلافاً لما فعلته بعض الفرق الضالة، الذين جعلوا العقل حاكماً على النقل، وفتحوا بذلك كل أبواب الفتنة والشر والضلالة.

وبالفعل فقد رأينا بعض المتأثرين بالسفسطة الكلامية، كيف أنهم أساءوا استخدام العقل، فكان ذلك سبباً في ضعف يقينهم في صفات الله جل وعلا، ولم تسلم فطرتهم من عبث العابثين، وإخضاع الروح العالي في الدين إلى المناقشة والرد، حتى جعلوا من تلك السفسطات مبادئ لا يمكن مخالفتها، بل أساساً لكل بحث في الدين، فإذا جاء النص أرهقوه تأويلاً حتى ينسجم مع ما ظنوه عقلاً وأصلاً!!

وهذا جزء حديثي صغير، وضعه الشيخ عبد الله الخليفي للدفاع عن حديث الجارية المشهور عند مسلم وغيره، والذي طالمها ردَّه المتكلمون بالتأويلات الضعيفة والشبهات الواهية والمجازفات الخطيرة، التي أثرت تاريخنا الفقهي والحضاري بالجدال الفقهي والخصومات الفكرية، والمنازعات المذهبية، ابتداءً بالطعن في بعض رواته، كالطعن في (هلال بن أبي ميمونة) أحد رواة الحديث، ثم وصم الحديث بالاضطراب (وبالتالي بالضعف)، وتزييف أقوال الحفاظ، خصوصاً الحفاظ االثلاثة (البزار، والبيهقي، وابن حجر).

ولعل الباعث الأساس على تأليفه هو الرد على الشيخ حسن على السقاف في رسالته (تنقيح الفهوم العالية فيما صح وما لم يصح من حديث الجارية)، وكعادة هذا الرجل الذي استمرأ القذع والسبِّ والتجريح في أهل السُّنة والمحدثين، والذي كثيراً ما ينعتهم بالبلادة، وقلة الفهم، والتشبيه والتمويه، والضلال، فقد عرّض نفسه بهذا التأليف للامتحان، وكان لزاماً على من يعتني بالدفاع عن السُّنة أن يضعه على ميزان النُّقاد رواية ودراية ليُعرف خطؤه من صوابه.

وقد وضع السقاف في رسالته المشار إليها- عدداً من الشبهات التي ظنها وجوهاً صحيحةً لرد الحديث وإبطاله؛ لكنها في الحقيقة ليست بشيء في ميزان النقد العلمي والحديثي. ولم يفت السّقاف أن يحشو كتابه المذكور بألفاظ ظالمة وقبيحة، غيرَ مُبالٍ بما يورده، أسوةً بسلفه من الجهمية والمعطلة.

 وينقل الخليفي أن السقاف الذي ردَّ حديث الجارية مع جلالته واتفاق النقاد على صحته، وقع في هوّة التناقض والاختلاف؛ حيث صحح أحاديث اتفق المحدثون على ضعفها ووهائها، وتوثيقهم لمن أجمع النُّقاد على تركهم، وضرب لنا مثلاً بحديث أبي جعفر الرازي عيسى بن ماهان (انسب لنا ربك)، فوثّقه السّقاف في حين اتفق النُّقاد على ضعفه.

وهو بلا ريب تناقض فاحش، فكيف يقع فيه، وهو -أي السقاف -صاحب (تناقضات الألباني الواضحات)؟!، وللأسف فقد كان منهج التأويل سبباً في الجمود الفكري، ودعوة إصرار على ردّ كل حق وصواب، حتى رمى بعضهم كبار الحفاظ بالوهم والخطأ وقلة الفهم!

كل ذلك حفاظاً على المنهج المضطرب في رد الحديث وإبطاله، وتأويله عدداً من آيات الصفات، واستطاع الخليفي -فيما أحسب- أن ينقض منهج السقاف، والذي يتضح أنه امتدادٌ للمدرسة الكوثرية المتعصبة، والذي طعن قبل تلميذه طعناً جارحاً في الحديث ومصححيه ورواته، انتصاراً لأشعريته ومذهبه العقدي.

كما تناول المؤلف بعض الصفات الإلهية التي تأولها بعض المبتدعة؛ كالساق والوجه واليد والاستواء ونحوها، وذكر عنه أربعة عشر افتراءً على أئمة السلف، كابن خزيمة، والدارقطني، وأبي عثمان الدارمي، وابن تيمية، وابن القيم، وغيرهم. ولعل أمثال السقاف أحقُّ من يُتَّهمُ في صدقهم، وتطرح شهاداتهم، ولا يُوثق بعلمهم ولا عملهم، فإنه لا عمل إلا بعد يقين، ولا يقين إلا بعد توحيد خالص، غير مشوبٍ بالآراء والفلسفات، وإن أولى الناس بردِّ شهادته في حكم الله ودينه من ردَّ شهادة الله على كتابه وبهت حقَّ الله بباطله.

يقول المؤلف: "وقد يرى القاريء في هذا الكتاب شيئاً من الشدة وقد وقعت على سبيل المقابلة؛ فالمردود عليه طويل اللسان" اهـ. ونحن لا نرى مقابلة التسفيه بمثله أو الغلط بمثله؛ لأن الإنصاف يقتضي التأدب في الخصومة، لأن تسويغ ذلك يفضي إلى استمراء ذلك، واستمراره واتباعه منهجاً مع كافة الخصومه، وصيرورته سجيّةً في أصحابه.

فينبغي أن يُعامل كل إنسان بما يليق به؛ لأن قلة الإنصاف تحدِث في العلم فساداً كبيراً؛ ذلك لأن من لا يقدر الإنصاف قدره، فقد يرى بعض الآراء العلمية الصحيحة قد صدرت من شخص لا يرتاح هو لأن تكون قد صدرت منه، فيقابلها بالرد والأنكار، وقد تكون له براعة بيان، فيصرفها في تشويه وجه الحق، وهو يعلم أنه حق، فيظهر الجهل على العلم، ولو في فئة قليلة، أو دائرة صغيرة.

حديث الجارية

أما حديث الجارية؛ فهو ما رواه مسلم وغيره عن معاوية بن الحكم السلمي، قال: "كانت لي غنم بين أُحُد والجَوَّانِيَّةِ، فيها جارية لي، فأطلعتها ذات يوم، فإذا الذئب قد ذهب منها بشاة فصككتها؛ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له، فعظم ذلك عليّ فقلت: "يا رسول الله أفلا أعتقها؟"، قال: "ادعها"، فدعوتها.

فقال لها: "أين الله؟" قالت: "في السماء". 

قال: "من أنا؟"، قالت: "رسول الله". قال: "أعتقها فإنها مؤمنة". 

والحديث صححه ابن خزيمة في صحيحه (859) وأبوعوانة في مستخرجه (1727) وابن الجارود في المنتقى (212).

  • وعن صدقة، قال: سمعتُ سليمان التيمي، يقول: لو سئلتُ أين الله؟ لقلتُ في السماء.

  • قال يحيى بن المغيرة: سمعتُ جرير بن عبد الحميد، يقول: كلام الجهمية أوله عسل، وآخره سُم، وإنما يحاولون أن يقولوا: ليس في السماء إله. إسناده جيد، مختصر العلو (ح: 149).

أما أبرز شبهات السقاف على حديث الجارية من جهة الرواية

 الشبهة الأولى: الطعن في هلال بن أبي ميمونة -أحد رواة الحديث-، ونقل لذلك قولين فقط من "تهذيب الكمال"، وهما قول النسائي ((لا بأس به))، وقول أبوحاتم الرازي ((شيخ))، ثم نقله كلام ابن حبان فيه، وقوله فيه أنه ((صدوق)) فقط، متخذاً من ذلك ذريعةً للطعن في الحديث!

الجواب: لا يخفى على أحد له معرفة بالفن أنهما متشددان، ولا يخفى أن هلال بن أبي ميمونة ممن احتج بهم البخاري في صحيحه في غير ما موضع فهو ثقة عنده، وكذلك احتج به مسلم، ووثقه الإمام مالك، والدارقطني، وابن حبان، والذهبي في الميزان ((ثقة))، وتابعه الحافظ في التقريب. 

الشبهة الثانية: احتج السقاف برواية عبدالرزاق في المصنف: عن ابن جريج عن عطاء وفيها: فسألها النبي صلى الله عليه وسلم ((أتشهدين أن لا اله الا الله)) قالت: نعم ((وأن محمدا عبده ورسوله)) قالت نعم ((وأن الموت والبعث حق))قالت نعم ((وأن الجنة والنار حق)) قالت نعم فلما فرغت قال ((اعتقها أو أمسك)).

ثم قال السقاف: هذا اسناد صحيح عال، بل وادعى أن صحابي هذا الحديث هو معاوية بن الحكم السلمي راوي حديث الجارية في صحيح مسلم ليتسنى له الحكم على الحديث بالاضطراب.

والجواب: أن عطاء في رواية عبدالرزاق غير عطاء في رواية مسلم؛ فعطاء في رواية مسلم هو عطاء بن يسار كما جاء مصرحا به وابن جريج لا يروي عن عطاء بن يسار، إذن عطاء في رواية عبد الرزاق هو عطاء بن ابي رباح على الراجح، ويروي عنه ابن جريج، ولا يعرف له سماع من معاوية السلمي، بل هو مطعون بسماعه من جمع الصحابة ولم يسم عطاء الصحابي في الحديث، ولم يصرح بالسماع منه فالرواية مرسلة لا صحيحة كما زعم السقاف.

 أما من ناحية الدراية فالحادثة في صحيح مسلم غير الحادثة في مصنف عبدالرزاق واليك الفروق بينها:

الفرق الأول: هو أن الرجل صاحب الجارية عند عبدا لرزاق أراد أن يهدي الشاة الى النبي صلى الله عليه وسلم وهذا لا يوجد في رواية مسلم

الفرق الثاني: هو أن الرجل صاحب الجارية في مصنف عبد الرزاق يعرف الحكم الشرعي في المسألة على عكس معاوية بن الحكم السلمي عند مسلم فانه جاء مستفتياً

الفرق الثالث: أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر معاوية بن الحكم السلمي باعتاق الجارية على عكس صاحب الجارية عند عبدالرزاق فإن النبي صلى الله عليه وسلم قد خيره بين الاعتاق والامساك

الشبهة الثالثة: احتج هذا المنفوخ برواية سعيد بن زيد عن توبة العنبري عن عطاء بن يسار به  _ وقد ذكر سندها المزي في تحفة الأشراف _ والتي فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم مد يده اليها (أي الجارية) مستفهما من في السماء ؟ قالت الله قال فمن أنا ؟ فقالت رسول الله قال اعتقها فانها مسلمة)) وزعم السقاف  أن حديث الجارية من رواية معاوية السلمي مضطربة، وهنا اتهم الشيخ الألباني بالتناقض في شأن سعيد بن زيد؛ إذ أعل به هذه الرواية في "مختصر العلو"، وحسن روايته في ارواء الغليل؟!

والجواب: أنه حتى لو كانت رواية سعيد بن زيد حسنة وهو صدوق فان روايته هنا معلولة بمخالفته لمن هو أوثق منه عند مسلم، ولا يعزب عن ذهنك أن اسناد مسلم على شرط الشيخين فرجاله ثقات متفق عليهم عند أهل الفن، هذا ان كانت روايته حسنة. والصواب أنها دون ذلك فإن سعيد بن زيد بن درهم على ما جاء في تهذيب التهذيب: ثقة عند ابن معين في رواية، وقال أحمد لا بأس به ووثقه ابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب وقال البخاري والدارمي ((صدوق حافظ)).

 وأما من جرحه فأولهم يحي بن سعيد القطان؛ قال ابن المديني سمعت يحي بن سعيد القطان يضعف سعيد بن زيد في الحديث جدا ثم قال قد حدثني وكلمته.. وعليه فإن القطان أعلم بحال سعيد بن زيد من غيره لالتقائه به وجرحه هنا مفسر فلا أقل من أن يعتبر عند اصدار الحكم النهائي على سعيد،  وقال أبو حاتم الرازي ((ليس بالقوي)) وقاله النسائي أيضاً.. 

وقال عنه البزار ((لين))، وقال الجوزجاني ((يضعفون حديثه وليس بحجة))،  وقال ابن حبان ((كان صدوقا حافظا ممن يخطيء في الأخبار ويهم في الآثار حتى لا يحتج به اذا انفرد)).

وقد أورد الذهبي في ميزان الإعتدال حديثين منكرين لسعيد بن زيد، وذكره ابن الجوزي في الضعفاء والمتروكين- كما أفاد الشيخ حمدي السلفي في تحقيقه للضعفاء والمجروحين- لابن حبان، وقال العقيلي في الضعفاء عن يحيى بن معين أنه سئل عن سعيد بن زيد فقال ضعيف.

الشبهة الرابعة: احتج السقاف بما بما رواه أحمد وأبو داود وغيرهما من من طريق حماد بن سلمة عن الشريد بن السويد الثقفي قال قلت يا رسول الله ان أمي أوصت أن أعتق رقبة وان عندي جارية سوداء نوبية فقال رسول ((من ربك)) قالت: الله، قال ((فمن أنا)) قالت رسول الله قال اعتقها فانها مؤمنة.

والجواب: هذا مرسل حسن. أما الارسال فلأن أبا سلمة مطعون بسماعه من جمع من الصحابة ولا نعرف تاريخ وفاة الشريد بن سويد حتى نعرف أكان معاصراً له أم لا، كما أن هذه الجارية غير جارية معاوية بن الحكم السلمي فاالإسناد غير الإسناد والصحابي غير الصحابي والمتن غير المتن فمعاوية أراد اعتاق جاريته لأنه صكها على وجهها أما الشريد فأراد اعتاقها لأن أمه أوصت بذلك وعلى فرض أنهما رواية واحدة فرواية مسلم الصحيحة المتصلة أرجح.

 الشبهة الخامسة: روى  أحمد في المسند، وأبو داود في سننه كتاب الأيمان والنذور عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن أبي هريرة أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم بجارية سوداء أعجمية فقال يا رسول الله ان علي عتق رقبة مؤمنة فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ((أين الله؟)) فأشارت باصبعها الى السماء فقال لها ((من أنا؟)) فأشارت باصبعها الى رسول الله والى السماء أي أنت رسول الله فقال اعتقها فانها مؤمنة

والجواب: أن الجارية هنا غير جارية معاوية فجارية معاوية تفصح جيداً، وهذه لا تفصح ومعاوية جاء مستفتي على خلاف صاحب الجارية هنا فإنه يعرف الحكم الشرعي في المسألة، وهي غير جارية محمد بن الشريد أيضا فمحمد بن الشريد ذكر أن أمه هي التي عليها عتق رقبة على خلاف صاحب الجارية هنا ثم ان جارية محمد بن الشريد كانت تفصح جيداً.

أما إسناد الحديث فهو ضعيف لأن سماع يزيد بن هارون من المسعودي بعد الاختلاط كما في الكاشف للذهبي ولكن يزيداً لم يتفرد فقد تابعه أسد بن موسى وأبو داود الطيالسي عند ابن خزيمة، ورواية الطيالسي عن المسعودي قبل الاختلاط لأنه بصري ورواية أهل البصرة عن المسعودي قبل الاختلاط _ كما في تهذيب التهذيب _ مع العلم أنه جاء في رواية الطيالسي ((من ربك)) بدلا من ((أين الله)) ولكن عوناً خالفه الزهري فروى الحديث بلفظ ((أتشهدين أن لا الا الله))!.

الشبهة السادسة: زعم هذا المأفون تبعا لشيخه الغماري _ كما ص 22_ تواتر الامتحان بشهادة أن لا اله الا الله ولكن الغماري عاد لينقض هذا التواتر المزعوم ببذكره لرواية ((من ربك)) فهذه من تناقضات الغماري الواضحات بل ومن تناقضات غلامه السقاف

وأقول أيضا رداً على هذه المهاترة أن الامتحان بقولنا ((من ربك؟)) سؤال عن الربوبية ويجوز أن يكون عن الألوهية والامتحان بالشهادة سؤال عن الألوهية والامتحان ((بأين الله؟)) سؤال عن الأسماء والصفات، وهذا يكون النبي صلى الله عليه وسلم بين التوحيد كله لا كما يزعم الأشاعرة أن من آمن بأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم دون الرجوع الى تأويلاتهم أو على الأقل عاملها معاملة المجهولات التي لم يذكرها النبي صلى الله عليه وسلم ولم يبينها وهذا مايسمونه بالتفويض لم يكن موحداً.

وهنا ألزم السقاف بتضعيف حديث ((أعوذ بالله ورسوله أن أكون كوافد عاد)) لأنه تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه الاستعاذة بالله وحده _ وقد احتج السقاف بهذا الحديث في رسالته الإغاثة ص23 _ ومع صحة حديث الجارية وكونه درجته من أعلى درجات الصحة فإنه لا يجوز الاعتراض عليه بهذه الاعتراضات السمجة.

وقد حمل الشافعي هذا الحديث على الأعجمية التي لا تفصح فيجزئها وصف الإسلام - قال الشافعي في الأم: ((إلى أن لا يعتق إلا بالغة مؤمنة فإن كانت أعجمية فوصفت الاسلام أجزأته، أخبرنا مالك عن هلال ابن أسامة عن عطاء بن يسار عن عمر بن الحكم أنه قال: أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت يا رسول الله إن جارية لي كانت ترعى غنما لى فجئتها وفقدت شاة من الغنم فسألتها عنها فقالت أكلها الذئب فأسفت عليها وكنت من بنى آدم فلطمت وجهها وعلى رقبة أفأعتقها؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم (أين الله؟) فقالت في المساء فقال (من أنا؟) فقالت أنت رسول الله)). فهذا إمام مذهب الإثنين المذكورين لم يستشكل الحديث وهو أول من صنف في مختلف الحديث، وهذا مثالٌ واضحٌ جليٌ  على الفرق بين الفقهاء وأدعياء الفقه.

 وخلاصة الجوابين أن امتحان مجهول الحال ليس كمثل امتحان معروف الحال، وامتحان الأعجمي ليس كمثل امتحان العربي؛ فالإثنان يجزيء منهما التعريف ببعض شرائع الإسلام.

ومن العجب إن هذا الرجل المضطرب حقاً، لا يفتأ يغرس الشبهات في قلوب المسلمين وعقولهم، ولا ينسى أن يستشهد بأقوال الكاذبين أمثاله، فيقول: بلغ بهم التشبيه أن يقولوا: "أثبتوا كل شيء وأعفوني من الفرج واللحية!"، فأطلقوها كذبة وأغروا بها العوام والدُّهماء، كبرت كلمةً تخرج من في هذا الأحمق وأمثاله من المتصوفة القبورية...

_________________________________________________ 

وكان حشوهم ولغطهم في هذه المسألة من وجوه:

الوجه الأول: أنهم استدلوا بالآثار الضعيفة والموضوعة، وجعلوها أصلاً يبنون عليها الأحكام، ولا يعلمون أن اتباع الحديث يحتاجُ أولاً إلى إثبات صحة الحديث، وثانياً إلى فهم معناه.

الوجه الثاني: أنهم إذا صحَّ الحديث أولوه بأقوالٍ غير مُفيدة، تَبعُد عن المراد المقصود للشارع.

الوجه الثالث: أنهم ردُّوا صحيح الأخبار بمعقولاتهم السخيفة، التي لأجلها يُكفرون ويُضللون، ويُبدعون أقواماً من أعيان الأمة وأعلامها.

_____________________________________________ 

  • مناقشة مواضيع الكتاب:

أولاً: الجواب في دعوى اضطراب الحديث:

 ١) ان جميع الطرق التي ليس فيها "أين الله"، أو "أين ربك" ضعيفة لا يحتجُّ بها، فلا يصح ان تعارض حديث الجارية الصحيح المصرح باللفظ المذكور، فثبت والحمد لله أن لفظ "أين الله" لفظ الرسول ، وقد صح، فلم يبق مجملاً.

 ٢) أنه لو صحت هذه الطرق؛ فإنها لا تدور على حادثة معينة، بل على حوادث كثيرة:

أ- حادثة الرجل الأنصاري الذي جاء إلى الرسول وأخبره أن عليه رقبة، واستفتاه في أمر الجارية العجماء.

ب- حادثة المرأة التي جاءت تستفتي الرسول بشأن جاريتها لتعتقها؛ لأن عليها رقبة.

ثانياً: الجواب على قول الغماري في تعليقاته على التمهيد (٧/ ١٣٥): 

"...والمعهود من حال النبي الثابت عنه بالتواتر، أنه كان يختبر إسلام الشخص بسؤاله عن الشهادتين، اللتين هما أساس الإسلام ودليله، أما كون الله في السماء، فكانت عقيدة العرب في الجاهلية، وكانوا مشركين، فكيف تكون دليلا على الإسلام ؟".

والجواب عليه من وجوه:

١- لم يقدم الغماري دليلا بينا أن الرسول حصر استدلاله على إسلام الناس فيما ادعاه.

٢- التخيلات والظنون لا يحل لمسلم أن يصفع بها الألفاظ النبوية الثابتة.

 ٣- كون الله في السماء لم تكن عقيدة العرب في الجاهلية؛ لأن مشركي الجاهلية الأولى كانوا يلحدون في أسمائه تعالى، ويعطلون صفاته، قال تعالى: {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون} /الأعراف: ١٨٠/.

ثالثاً: الجواب على استدلالهم  بحديث حصين والد عمران، أن النبي سأله: كم تعبد من إله؟ 

قال: ستة في الأرض وواحد في السماء! قال: فأيهم تعبد لرهبتك ورغبتك؟ قال: الذي في السماء. فقال النبي : أما إنك لو أسلمت، علمتك كلمتين تنفعانك. فلما أسلم حصين، أتى النبي فقال: يا رسول الله علمني الكلمتين اللتين وعدتنيهما. قال: قل اللهم الهمني رشدي وعافني من شر نفسي". 

  • فالجواب على ذلك:

أن هذا الحديث أخرجه البخاري في (التاريخ الكبير: ٣/ ١)، والترمذي (٥/ ٥١٩)، وضعفه بقوله: "هذا حديث غريب"، والبيهقي في (الأسماء والصفات، ص ٥٣٤)، والدارمي في (الرد على المريسي العنيد، ص ٢٤) من طريق شبيب بن شبيبة عن الحسن، عن عمران بن الحصين.

وهذا الإسناد ضعيف من أجل شبيب؛ ففي التقريب: "صدوق يهم في الحديث"، وفيه عنعنة الحسن. رواه ابن خزيمة في التوحيد (ص ١٢٠) وإسناده ساقط، وهذا الحديث ضعفه الألباني في (ضعيف الجامع الصغير، ح ٤١٠٢).

وضعف هذا الحديث لا يقدح في صحة حديث الجارية.

 وقد استغل الكوثري -ومن بعده السقاف- أسوأ الاستغلال للرواية الثانية للحديث، واتخذها كشاهد في الجملة، لا في التفصيل، فجاء الكوثري واعتمد عليها جُملةً وتفصيلاً، عازياً إياها للذهبي في (العلو)،  موهماً القارئ أنها ثابتةً عنده، فضرب بها الحديث الصحيح، وأبطل دلالته الصريحة على مشروعية السؤال بـ"أين الله"؛ لأنه لم يقع فيها هذا اللفظ، وإسنادها ضعيف كما ترى، ولا عبرة بالضعيف، وفيما صحَّ وثبت منها الخير والكفاية.

وكان الكوثري معروفٌ بعدائه الشديد لأهل السُّنَّةِ والحديث، فكان يرميهم بلقب الحشوية والمجسمة، وهو في ذلك ظالمٌ له مُفترٍ، وقد يُدعِّمُ فريته بما رواه بعضهم، في تفسير (عسى أن يبعثك ربُّك مقاماً محموداً)، قال: يُجلسني على العرش (رواه الذهبي عن ابن مسعود مرفوعاً، ص 74- 75)، وضعفه جداً، بقوله: "مرسله الأحمر متروك الحديث". ورواه (ص 99) عن ابن عباس مثله موقوفاً، وقال: "إسناده ساقط وعمر بن مدرك الرازي متروك، وهذا مشهور من قول مجاهد، ويروى مرفوعاً، وهو باطل"، وقد خرجهما الألباني في الضعيفة (ح 871).

 وقال في ترجمة محمد بن مصعب العابد: "فأما قضية قعود نبينا على العرش، فلم يثبت في ذلك نص، بل في باب التأويل حديثٌ واهٍ، وما فسر به مُجاهد الآية فهو أثرٌ مُنكر.

وبعد بيان ضعف هذا الحديث روايةً، فإن دلالته تنقلب حُجّةً على السقاف والكوثري لا لهما؛ لأن إقرار النبي ﷺ لحصين قبل إسلامه حين قال: "الذي في السماء" فيه دلالة واضحة على أن الفطرة البشرية مجبولة على التوجه إلى العلو وإثبات الفوقية لله سبحانه، وأن الشرك الذي كان عليه أهل الجاهلية إنما هو في اتخاذ الشفعاء والأنداد في الأرض، لا في جحد كون الإله الحق في السماء مستوٍ على عرشه بائناً من خلقه. 

أما اعتماد الكوثري وتبعه السقاف على الأحاديث الواهية في مسألة القعود، ومحاولتهما التشغيب بها على أهل السنة، فمردودٌ بأن أهل الحديث هم أول من بيّن ضعف تلك الروايات المرفوعة ونكارتها، فمنهج أهل السُنّة وسطٌ وعَدل، يثبتون ما أثبته الله لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من غير تحريف ولا تعطيل، ومن غير تكييف ولا تمثيل، ويردون الأحاديث الضعيفة والموضوعة ولا يبنون عليها معتقداً، خلافاً لأهل الكلام الذين يقبلون الضعيف إذا وافق أهواءهم وتأويلاتهم، ويردون الصحيح المتواتر إذا خالف عقولهم وسفسطاتهم. 

  • الاستواء على العرش:

قال ابن رشد في "الكشف عن مناهج الأدلة" (ص66): " القول في الجهة" وأما هذه الصفة، لم يزل أهل الشريعة من أول الأمر يثبتونها لله سبحانه، حتى نفتها المعتزلة، ثم تبعهم على نفيها متأخرو الأشعرية؛ كأبي المعالي –وقد ثبت رجوعه عنها- ومن اقتدى بقوله، وظواهر الشرع كلها تقتضي إثبات الجهة مثل قوله تعالى: "ثم ذكر بعض الآيات المعروفة، ثم قال" إلى غير ذلك من الآيات التي إن سلط التأويل عليها عاد الشرع كله مؤولاً، وإن قيل فيها إنها من المتشابهات، عاد الشرع كله متشابها؛ لأن الشرائع كلها متفقة على أن الله في السماء، وأن منه تنزل الملائكة بالوحي إلى النبيين...".

وإتماماً لهذا المحور العَقدي المهم الذي عقده المؤلف الخليفي في كتابه، نلخص جواب أهل السنة في إثبات صفة الاستواء على العرش وعلو الله على خلقه في الوجوه التالية:

  • الوجه الأول: الإجماع السلفي المتواتر: استفيضت أقوال أئمة السلف من القرون المفضلة على إثبات أن الله تعالى فوق سماواته، مستوٍ على عرشه، بائنٌ من خلقه، كما نقل ذلك الإمام الأوزاعي قال: "كنا والتابعون متوافرون نقول: إن الله تعالى ذكره فوق عرشه، ونؤمن بما وردت به السنة من صفاته". ونقله الإمام الشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أساطين الملة.

  • الوجه الثاني: بطلان تأويل الاستواء بـ (الاستيلاء): إن لجوء المعطلة إلى تأويل قوله تعالى [الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى] بمعنى (استولى)، هو تحريفٌ للَّفظ عن ظاهره بلا دليل، بل هو لغةٌ مستنكرة لم تعرفها العرب في سياق الممدوح؛ إذ لا يُقال "استولى على العرش" إلا لمن كان منازعاً فيه مغلوباً ثم غَلَب، والله سبحانه له الملك والملكوت قبل خلق العرش وبعده، فلا قهر ولا مغالبة في حقه سبحانه.

  • الوجه الثالث: دلالة العقل الصريح والفطرة السليمة: إن العقول السليمة والهمم الفطرية تتوجه تلقائياً عند الدعاء والاضطرار إلى العلو، ولم يقل أحدٌ من العقلاء بتوجه القلوب إلى الأسفل أو اليمين أو الشمال، فدلّ هذا على أن القول بنفي العلو والجهة مصادمٌ للفطرة التي فطر الله الناس عليها، ومؤدٍ بالضرورة إلى القول بالعدم؛ إذ إن ما لا يكون في داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، هو في حقيقة العقل عَدَمٌ مَحض، تَعالى الله عَمّا يقول المعطلون عُلواً كبيراً.

وفي ختام هذه القراءة لرسالة "الدفاع عن حديث الجارية" للشيخ عبد الله بن فهد الخليفي، يتجلى لنا بوضوح عظمة المنهج الحديثي السلفي القائم على رعاية النصوص وصيانتها روايةً ودراية. وقد أفلح الباحث في تقشير شبهات السقاف وإبراز تهافتها المنهجي، وتناقضاته الصارخة التي يثبت فيها الضعيف ويضعف فيها الصحيح انتصاراً للمذهب والهوى.

وإن كشْفَ عوار المدرسة الكوثرية وتلاميذها في هذا العصر يُعد من أوجب واجبات الذبّ عن السنة النبوية، لتبقى بيضاء ناصعة، لا يزيغ عنها إلا هالك، ويظل العقل الصريح خادماً للنقل الصحيح تبيعاً له، لا حَاكماً عليه ولا مجهضاً لدلالاته.