أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 30 يونيو 2026

أهمية وفضل الصلاة المكتوبة (دراسة قرآنية موضوعية) د. جمال محمود محمد الهوبي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أهمية وفضل الصلاة المكتوبة (دراسة قرآنية موضوعية)

د. جمال محمود محمد الهوبي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الصلاة خير موضوع، وهي خير الأعمال وأفضلها، كما أن لها منزلة منفردة عن سائر العبادات البدنية، كونها أحد المحطات الروحية المرتبطة بالزمان والمكان، وإحدى الصلات المتعلقة بأقدس التوجهات؛ إذ اتجاه العبد فيها إلى مولاه وخالقه، وكونها العمل الذي يُنال به العبد أشرف المطالب ويتبوأ به أزكى المقامات، حيث تنبري فيها أصدق معاني الإخلاص والخضوع، ويظهر فيها أبلغ عبارات الاستسلام والاستكانة، انسجاماً مع عالم الملك في الاستجابة والسجود.

وهذا الكتاب هو دراسة قرآنية موضوعية، سعى الباحث من خلالها إلى سبر أغوار فريضة الصلاة المكتوبة، والمتمثلة (بالصلوات الخمس)، فتناولها من منظور الشرعي والفقهي، الذي يشحذ به همم المؤمنين نحو تحقيق الخشوع التام، وتحذيرهم من مغبة التهاون ففيها، كونها العبادة التي تمثل عماد الدين وركنه المتين.

وقد اعتمد المؤلف في صياغة الكتاب على المنهج الوصفي التحليلي القائم على الاستقراء والاستنباط، متدرجاً من تأصيل مفهوم الصلاة وفضلها الزمني والمكاني، مروراً بأحكامها وشروطها الفقهية الصارمة، وصولاً إلى أبعادها التعبدية كصلة مباشرة بين العبد وربه، مع بيان الآثار المترتبة على إقامتها أو تضييعها. 

أولاً: فضل الصلاة على سائر العبادات:

  • الصلاة هي العبادة الأولى والوحيدة التي فُرضت في السماء مباشرة من الله تعالى إلى رسوله ﷺ بلا واسطة الوحي (جبريل عليه السلام) ليلة الإسراء والمعراج، بينما فُرضت باقي العبادات في الأرض بواسطة جبريل بعد الهجرة.

  • وقد أجمع العلماء على فرضيتها بمكة قبل الهجرة النبوية بأعوام، في حين أن الزكاة والصيام والجهاد فُرضوا في السنة الثانية للهجرة، والحج في السنة السادسة للهجرة.

  • كما أن افتراضها اقترن برؤية النبي ﷺ لآيات ربه الكبرى في ليلة مباركة ومكان سامٍ لم يبلغه بشر قبله ولا بعده.

  • وهي "عمود الإسلام" الذي لا يقوم البنيان إلا به، فمن أقامها أقام الدين ومن هدمها هدم الدين؛ كما ورد في كثير من الأحاديث.

  • وتتميز الصلاة باشتمالها على معاني وممارسات سائر أركان الإسلام؛ ففيها تكرار الشهادتين، وفيها زكاة بالوقت، وصيام بالامتناع عن المفرطات، واستقبال للكعبة الشريفة كالحج.

  • كما أنها لا تسقط عن المكلف البالغ العاقل بحال من الأحوال (في سفر أو حضر، صحة أو مرض، أمن أو خوف) إلا عن الحائض والنفساء رخصةً من الله.

ثانياً: مفهوم الصلاة وإقامتها في الشريعة:

  • التعريف اللغوي: تدور معاني الصلاة في اللغة حول (الدعاء، والاستغفار، والرحمة، والتسبيح).

  • التعريف الاصطلاحي والشرعي: فهي عبادة ذات أركان مخصوصة، وأذكار معلومة، وأوقات مقدرة، تُفتتح بالتكبير وتُختتم بالتسليم، وكمالها بالسنن والخشوع.

  • وقد أجمع المفسرون على أن التعبير القرآني بـ (إقامة الصلاة) يعني المداومة والمواظبة على أدائها في مواقيتها المحددة، مع توفية شروطها، وأركانها، وسننها، بخشوع تام للقلب والجوارح.

  • يظهر في التعبير القرآني بلاغة في الأمر بها؛ إذ لم يعبر القرآن عن الأمر بها -بلفظ "المصلين" إلا في موضعين جاءا في سياق الذم (الساهين عن صلاتهم، والصد عنها)، تنبيهاً على أن العبرة بـ "الإقامة" والخشوع لا بمجرد الحركات الظاهرة.

ثالثاً: الصلاة كصلة مباشرة بين العبد وربه:

  • الصلة بين العبد وربه: تمثل الصلاة لقاءً روحياً يرفع فيه الحجاب بين العبد الضعيف الفقير المحتاج، وبين ربه الغني القدير القريب.

  • وفي الحديث القدسي الشريف: تتجسد أسمى معاني الصلة في انقسام سورة الفاتحة بين الله وعبده؛ حيث يرد الله تعالى على عبده في صلاته إعظاماً وإجابةً وتفويضاً عند كل آية يقرؤها.

  • منبع الراحة وقرة العين: كانت الصلاة مفزع النبي ﷺ وملجأه إذا حزبه أمر أو ضاقت به الدنيا، وكان يجد فيها راحته وقرة عينه.

رابعاً: حكم الصلاة والآثار الفقهية لتركها:

  • الصلاة فرض عين على كل مسلم ومسلمة، بالغ، عاقل، وهي معلومة من الدين بالضرورة.

  • المريض: يصلي على حاله التي يستطيعها (قائماً، فقاعداً، فعلى جنب، أو بالإيماء بالعين والقلب) ولا تسقط عنه ما دام عَقله حاضراً.

  • المسافر: شُرع له القصر والجمع رخصة وتصدقاً من الله تعالى عليه.

  • النائم والناسي: يثبت العذر في حقهما ويجب عليهما القضاء فور التذكر والاستيقاظ.

  • الصبي: لا تجب عليه شرعاً (القلم مرفوع عنه) ولكن يؤمر بها لسبع سنين ويُضرب عليها لعشر من باب التعويد والتربية.

  • حكم ترك الصلاة جحوداً: من تركها جاحداً لوجوبها أو مستهزئاً بها فهو كافر مرتد بإجماع الأمة، لا يُغسل ولا يُكفن ولا يُصلى عليه ولا يُدفن في مقابر المسلمين.

  • حكم ترك الصلاة تكاسلاً: من تركها تهاوناً مع إقراره بوجوبها فهو مرتكب لكبيرة من أعظم الكبائر، ويُعد فاسقاً عند جمهور السلف والخلف، ويقع تحت مشيئة الله وعقابه الوخيم، لكنه لا يخرج من الملة (يُغسل ويُصلى عليه ويُدفن في مقابر المسلمين).

خامساً: شروط صحة الصلاة:

  • دخول الوقت: لا تصح الصلاة قبل وقتها ولا بعده إلا لعذر، وأفضل الأعمال أداؤها في أول الوقت طاعةً والتزاماً بالتوقيت الإلهي المكتوب.

  • الطهارة من الحدثين (الأصغر والأكبر): اشتراط الوضوء أو الغسل لصحة الصلاة، لما فيه من امتثال لأمر الله، ونظافة البدن، وتنشيط الروح والجسد، وتهذيب النفس للوقوف في أبهى صورة بين يدي الخالق.

  • ستر العورة: يُعد ستر العورة شرطاً أساسياً لا تقبل الصلاة عند الله إلا به، واشتراطه في هذه العبادة بالذات يبرز مكانتها العالية وفضلها.

  • استقبال القبلة: فقد أوجب القرآن الكريم التوجه نحو المسجد الحرام في قوله تعالى: [فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَامِ]. وقد مر تشريع القبلة بمرحلة انتقالية؛ حيث صلى المسلمون نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهراً، ثم صُرفوا نحو الكعبة المشرفة. ثم جاء الأمر بالتوجه إلى الكعبة يدل على فضل الصلاة؛ لكونها تربط العبد بأفضل قبلة على الإطلاق، وأول بيت وُضع للناس في الأرض ليجمع الأمة على وحدة الاتجاه والهدف.

سادساً: فرائض وأركان الصلاة:

  • النية: هي ركن أساسي وميزان الإخلاص وقبول العمل بدليل قوله ﷺ: (إنما الأعمال بالنيات)، والصلاة بلا نية كجسدٍ بلا روح.

  • تكبيرة الإحرام: هي مفتاح الدخول في حرمات الصلاة وتحريم ما كان مباحاً خارجها، وفي النطق بلفظ (الله أكبر) وتكراره دلالة على صَغار وضَآلة كل ما في الوجود (كالعرش والسموات والأرض) أمام عظمة الخالق، مما يملأ قلب المصلي هيبةً وتعظيماً.

  • القيام: فرض واجب في الصلاة المكتوبة للقادر عليه بالكتاب والسنة والإجماع، والوقوف بين يدي الله مرتين في كل ركعة لقراءة القرآن يُظهر عظيم شرف هذه العبادة.

  • الفاتحة (أم القرآن): ركن لازم في كل ركعة لا تصح الصلاة إلا به، وتظهر قيمتها وفضلها من خلال: كونها كلام الله البليغ والمعجز الذي لا يدانيه كلام. وفضلها المتفرد؛ إذ لم ينزل في الكتب السماوية السابقة (التوراة، الإنجيل، الزبور) ولا في سائر القرآن مثلها، وهي أعظم سورة فيه. وتفسيرها الشامل؛ فرغم قصر آياتها إلا أنها حوت معاني غزيرة شملت: الثناء على الله، وإثبات ربوبيته وملكيته ليوم الدين، وتخصيصه بالعبادة والاستعانة، وطلب الهداية إلى الصراط المستقيم (طريق الأنبياء والصالحين)، والتحذير من طريق المغضوب عليهم (اليهود) والضالين (النصارى).

  • الركوع: علامة الخضوع والذل والتواضع المطلق لله عز وجل، وصرفه لغيره كفر ورِّدة، ويتحقق بـ: الطمأنينة وإقامة الصلب فيه. وتعظيم الرب بقول: "سبحان ربي العظيم". وتكراره (17) مرة في اليوم والليلة يرسخ معاني الاستسلام للخالق.

  • الرفع من الركوع (الاعتدال): ركن يشترط فيه الطمأنينة الكاملة وإقامة الصلب، وهو موطن عظيم لحمد الله والثناء عليه بعد الرفع.

  • السجودان والقعود بينهما: والسجود هو أبلغ صور التواضع والعبودية؛ إذ يضع العبد أشرف ما فيه (وجهه) على الأرض طاعةً لله. وشرع فيه تسبيح الله الأعلى، وهو أقرب موطن يكون فيه العبد من ربه، ومظنة استجابة الدعاء. وتكرار السجود (34) مرة يومياً في الفرائض يعكس محورية هذا الركن وفضله.

  • القعود الأخير والتشهد: ركن يختتم الصلاة، وتظهر قيمته في اشتماله على الثناء على الله، والسلام على النبي ﷺ، والسلام على عباد الله الصالحين في الأرض والسماء، وختمه بكلمة التوحيد (الشهادتين).

  • السلام: هو ركن التحلل من الصلاة والالتفات عن اليمين والشمال بصيغة "السلام عليكم ورحمة الله"، وفضله يكمن في كونه ختام الصلاة الذي يشتمل على نشر السلام والدعاء بالرحمة.

سابعاً: اهتمام القرآن الكريم بالصلاة:

  • الاهتمام اللفظي والعددي: ورد ذكر لفظ الصلاة ومشتقاتها والأفعال والصفات المتعلقة بها في القرآن الكريم نحو (90) مرة في أكثر من (80) آية، وتنوعت صيغها بين المفرد والجمع والمخاطب والغائب، مما يدل على العناية البالغة بها.

  • شمولية الموضوعات: أحاط القرآن بالصلاة من كافة جوانبها؛ فتحدث عن فضلها، ومفهوم إقامتها، وأحكامها، وعلاقتها بالأنبياء، وثواب مقيميها، وعقاب مضيعيها.

  • الربط بين الصلاة والعقيدة الإسلامية: قرن القرآن الصلاة بأصول الدين وأركان الإيمان:

    1. الإيمان بالله: قُرنت الصلاة بعبادة الله وتوحيده في سورة طه.

    2. الإيمان بالكتب: جاء مدح مقيمي الصلاة مقترناً بالإيمان بما أُنزل للرسول والأنبياء قبله.

    3. الإيمان بالرسل: قُدمت الصلاة تشريفاً وتلازماً مع الإيمان بالرسل في سورة المائدة.

    4. الإيمان باليوم الآخر: رُبطت الصلاة بعمارة المساجد والإيمان بالبعث والحساب.

    5. الإيمان بالغيب: جُعلت الصلاة صفة ملازمة للمؤمنين بالغيب في مطلع سورة البقرة.

    6. الإخلاص: اعتُبر الإخلاص شرطاً لصحة الصلاة، والصلاة بلا إخلاص باطلة كجسد ميت.

    7. الخوف والخشية من الله: اعتُبرت إقامة الصلاة الدليل العملي الظاهر على خشية الله وتقواه.

  • الربط بين الصلاة والشريعة الإسلامية: ربط القرآن الصلاة بخصال التشريع والعمل الصالح، ومن ذلك:

    1. قراءة القرآن: قُرنت تلاوة الكتاب (أفضل عبادة لسانية) بإقامة الصلاة (أفضل عبادة بدنية).

    2. الذكر: جاء الأمر بذكر الله بعد الفراغ من الصلاة لعطف العام على الخاص وتأكيد تلازمهما.

    3. الزكاة: اقترنت الصلاة بالزكاة في مواضع كثيرة جداً؛ لأن الصلاة حق الخالق والزكاة حق المخلوق.

    4. التمكين في الأرض: جُعلت إقامة الصلاة أولى واجبات ومعالم الجماعة المُمكّنة في الأرض.

    5. النهي عن المنكر: الصلاة الصحيحة وسيلة تربوية تنهى صاحبها وتزجره عن الفحشاء والمنكر.

    6. الصبر: أَمَر القرآن بالاستعانة بالصبر والصلاة لمواجهة مشاق الحياة ومصائب الدنيا.

    7. الرزق: قرر القرآن أن طلب الرزق لا يجوز أن يمنع من الصلاة، وأن الصلاة تبارك الرزق ولا تعطله.

    8. خصال الخير ووراثة الفردوس: افتتح الله صفات المؤمنين المفلحين بالصلاة وختمها بالصلاة في سورتي (المؤمنون والمعارج) دلالةً على عظم منزلتها وإحاطتها بجميع أعمال البر.

ثامناً: اهتمام الأنبياء عليهم السلام بالصلاة:

أقام الأنبياء -وهم القدوة والأسوة- الصلاة وحافظوا عليها، وجاء ذكر اهتمامهم بها في مواضع شتى من القرآن:

  • إبراهيم عليه السلام: اعتَبَر إقامة الصلاة هي الهدف الأسمى لإسكان ذريته بوادٍ غير ذي زرع عند البيت المحرم، ودعا ربه بصيغة دائمية: [رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي]، وشارك ابنه في بناء الكعبة لتكون مصلى ومثابة للناس.

  • إسماعيل عليه السلام: نشأ في بيت نبوة وشارك في بناء البيت، وامتدحه الله بالاستمرارية في أمر أهله وعشيرته بالصلاة والزكاة فكان عند ربه مرضياً.

  • شعيب عليه السلام: كان يكثر من الصلاة ويطيلها حتى عُرِف بها بين قومه، واستهزأوا به لكون صلاته هي التي تحركه للأمر بالمعروف والنهي عن منكراتهم الاقتصادية والتعبدية [أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا].

  • زكريا عليه السلام: اتخذ لنفسه محراباً خاصاً بالصلاة، ونال البشارة بيحيى عليه السلام من الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب، واتخذ الصلاة والتسبيح شكراً لله على هذه النعمة.

  • عيسى عليه السلام: نطق في المهد مبيناً التزامه التام بالوصية الإلهية الصارمة الملازمة له طوال حياته: [‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا].

تاسعاً: ثواب إقامة الصلاة في الآخرة:

حفظ الله سبحانه أعمال المؤمنين وفي مقدمتها الصلاة، وجعل ديمومتها حتى الموت سبباً للأجر العظيم، ونيل الفلاح والهدى، والأمن من الخوف والحزن، ويتلخص هذا الثواب في أربعة أمور:

  • أ- مغفرة الذنوب والسيئات:

    • الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة مكفرات للذنوب والخطايا ما لم تُغشَ الكبائر.

    • فسر المفسرون (كابن عباس ومجاهد) "الحسنات" في قوله تعالى: [إِنَّ الحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ] بأنها الصلوات الخمس التي تمحو المعاصي وتكون توبة للتائبين.

  • ب- النجاة من النار:

    • المحافظة على الصلاة تؤمن صاحبها من أحوال القيامة وأهوال الفزع الأكبر.

    • الصلاة نور وبرهان ونجاة للمصلي يوم القيامة، بينما تاركها يُحرم النجاة ويُحشر مع رؤوس الكفر (قارون، وفرعون، وهامان، وأبي بن خلف).

    • اهتمت الآيات بذكر الصلاة في مقام النجاة من خلال: الإشارة إليها كأهم الأعمال الصالحة، والتصريح بها، وتقديمها بالذكر على الزكاة.

  • ج- دخول الجنة ووراثة الفردوس:

    • جنات النعيم والإكرام: ذكرت سورة المعارج ثماني خصال لدخول الجنة والإكرام فيها بأصناف الملاذ والمسار، وجاءت الصلاة في مقدمتها وخاتمتها (الديمومة والمحافظة).

    • وراثة الفردوس الأعلى: ذكرت سورة المؤمنون ثماني صفات لوراثة الفردوس (أعلى الجنة وأوسطها)، وافتُتحت بالخشوع في الصلاة واختُتمت بالمحافظة عليها تبياناً لعلو شأنها.

    • جنّات عدن (الإقامة الأبدية): جُعلت إقامة الصلاة إحدى الخصال الأربع الموجبة لوراثة جنات عدن التي ينتهي إليها كل نعيم وسرور.

  • د- نيل رضا الله عز وجل:

    • عَدّ القرآن الكريم إقامة الصلاة وأمر الأهل بها من أقوى أسباب تحصيل رضا الله العبد، كما في قصة إسماعيل عليه السلام: [وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكانَ عِنْدَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا].

    • الصلاة في مقدمة الأعمال الصالحة التي تجعل صاحبها من "خير البرية" المستحقين لرضوان الله الأكبر في الجنة، وهو الرضا الذي لا يعقبه سخط أبداً.

عاشراً: عقاب مضيع الصلاة:

المسلم الذي يترك الصلاة بالكلية، أو يفرط في أوقاتها وأركانها وشروطها، معرض لعقوبات غليظة في دور الخلافة الثلاث:

  • 1- عقاب مضيع الصلاة في الدنيا:

    • الحرمان من الثمرات: يُحرم من ثمرات الصلاة المتمثلة في الولاء، والإيمان، ونصر الله (وهي بضع عشرة ثمرة).

    • ارتكاب الكبيرة والعقوبة القضائية: يرتكب كبيرة من أعظم الكبائر، ويُحبس عند أبي حنيفة حتى يصلي، ويُستتاب عند مالك والشافعي ثلاثة أيام فإن أصر قُتل حداً.

    • المعيشة الضنكة: يقع في ضيق الصدر، والقلق، والحيرة، والضلال وإن تنعم ظاهره؛ لإعراضه عن الصلاة التي هي أعظم الذكر لقوله تعالى: [فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا].

    • حرمان النور والبرهان: يُنزع منه النور الهادي في الدنيا، والبرهان الدال على استقامته وإيمانه.

  • 2- عقاب مضيع الصلاة في البرزخ (القبر):

    • عذاب القبر ثابت بالكتاب والسنة، وإذا كان ترك الاستنزاه من البول يوجب العذاب، فترك الصلاة أوجب تبعا لعظم الذنب.

    • ثبت في حديث الإسراء والمعراج عقاب من تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة، حيث تُرضخ وتُشدخ رؤوسهم بالصخور، وكلما رضخت عادت كما كانت دون تفتر عنهم.

  • 3- عقاب مضيع الصلاة في الآخرة:

    • الحشر مع أئمة الكفر: يُحشر تارك الصلاة مع الطغاة؛ إن شغله ماله فمع (قارون)، وإن شغله ملكه فمع (فرعون)، وإن شغلته رياسته فمع (هامان)، وإن شغلته تجارته فمع (أبي بن خلف).

    • الحساب بغضب وسخط: يلقى الله سبحانه وهو عليه غضبان.

    • المساءلة والوعيد بالويل والغيّ ودخول سقر:

  • هي أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، وبفسادها يفسد سائر العمل.

  • الوعيد بـ (الويل) وهو العذاب أو وادٍ وجبل في جهنم للساهين عن صلاتهم المؤخرين لها عن وقتها.

  • الوعيد بـ (الغيّ) وهو وادٍ شديد في جهنم أو الخسران والخيبة للذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات.

  • دخول (سقر) لكون ترك الصلاة أول الأسباب الموجبة لعذاب الكفار والمجرمين فيها، والمسلم العاصي بتركها قد يدخلها مؤقتاً إن لم تنله الشفاعة، ولا يخلد فيها لتوحيده.

الحادي عشر: خاتمة البحث (أهم النتائج والتوصيات)

أ- أهم النتائج:

  1. الصلاة أول عبادة فُرضت في السماء ليلة الإسراء والمعراج مباشرة من الله تعالى بلا واسطة الوحي جبريل.

  2. الصلاة المكتوبة هي أفضل العبادات البدنية الفعلية على الإطلاق في الإسلام.

  3. مفهوم الصلاة يجمع بين أقوال وأفعال مخصوصة تفتتح بالتكبير وتختتم بالتسليم، وكمالها بالخشوع والسنن.

  4. تعبير القرآن بـ (الإقامة، والمحافظة، والمداومة) يفيد وجوب الاستمرارية والديمومة عليها حتى الممات.

  5. شروط الصلاة، وفرائضها، وسننها، وأحكامها الفقهية تعكس تميزها ومكانتها العالية.

  6. اهتمام القرآن البالغ بالصلاة تَمثّل في تكرارها نحو (90) مرة في (80) آية، وربطها الوثيق بأصول العقيدة وفروع الشريعة.

  7. حظيت الصلاة بعناية قصوى من الأنبياء والمرسلين (كإبراهيم، وإسماعيل، وشعيب، وزكريا، وعيسى، ومحمد) عليهم السلام لكونهم القدوة والأسوة.

  8. رتّب الشارع على إقامة الصلاة ثمرات جليلة وثواباً عظيماً دنيا وآخرة، وتوعّد مضيعها بعقاب وبيل في دور الخلافة الثلاث (الدنيا، والبرزخ، والآخرة).

  9. الصلاة هي الذخيرة الحقيقية والأشياء قيمة للمؤمن العارف، فهي الرفيق الذي لا يتخلى عنه حين يفارقه الأهل والمال والنفس.

ب- أهم التوصيات:

  1. وصية كل مسلم بالمحافظة التامة على الصلوات المكتوبة بأركانها، وشروطها، وخشوعها، وسننها حتى يأتيه اليقين (الموت).

  2. توصية الباحثين والدعاة والخطباء بتكثيف الجهود وتوجيه الخطاب التوعوي لبيان منزلة الصلاة والتحذير من تضييعها في المصنفات والمحاضرات.

  3. توصية ولاة الأمور والمسؤولين بامتثال واجب التمكين في الأرض عبر إقامة الصلاة، وعمارة المساجد، والدعوة إليها، وتيسير سبلها للعباد.




الاثنين، 22 يونيو 2026

«الآداب الإسلامية» الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

«الآداب الإسلامية» 

الشيخ الدكتور عبد الرحمن بن معلا اللويحق

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: للآداب الإسلامية صبغة حضارية خاصة، وأثر عميق يرتبط بالإيمان والثواب والفضيلة، وهي إحدى المؤثرات في صياغة الشخصية المسلمة المتوازنة، ومن خلال استعراض الكتاب يظهر ضرورة ضبط السلوكيات اليومية للمسلم بالتوجيهات النبوية، الأمر الذي يُسهم في تحقيق الطمأنينة النفسية والسلام الداخلي، ويحمي صاحبها من مشاعر القلق والتوتر، وتساعده على التغلب على المشكلات الحياتية المختلفة.

ويمكن تلخيص أهداف الآداب الإسلامية عموماً في أنها تعمل على بناء إنسان متوازن في نفسه وبين أبناء مجتمعه، بالإضافة إلى دورها في تهذيب السلوك العام والخاص، ومع البيئة المحيطة (المنزل، الطريق، المسجد)،كما تُقدِّم نموذجاً تربوياً قائماً على القدوة الحسنة.

ويُبرز الكتاب نظرة الإسلام إلى المنزل بوصفه واحة للأمن؛ فشرع آداباً، مثل (الاستئذان، والسلام، وصلاة ركعتين عند الدخول)، كما أنه أحاط النشاط اليومي (كالأكل والشرب، ونحوهما) بهالة من الآداب التي تضمن البركة والنظافة، كما يعكس رقي الذوق الإسلامي في التعامل مع ردود الفعل الجسدية الطبيعية (كالعطاس، والتثاؤب، ونحوهما)، كما شرع ما يحفظ النظافة الشخصية ويصون كرامة الإنسان، من خلال وضع (أحكام الخلاء، الوضوء، والغسل،..).

أضف إلى ذلك وضعه لآداب الحاجات الإنسانية العادية (كالنوم، والاستيقاظ، والجلوس، والحديث..)، وتنظيمها وفق قواعد السلوك الجميل. كما وضع ضوابط أخلاقية واجتماعية للزينة وحسن المظهر، وأقام لإسلام للطريق آداباً تضمن الحماية والاحترام المتبادل بين أفراد المجتمع، وأخيراً يتحدث عن آداب المساجد، التي هي بيوت الله تعالى، ولها قدسية خاصة تستوجب رعاية فائقة لها.

أما أهم الآداب التي تحدث عنها الكتاب، فهي:

أولاً: آداب دخول المنزل والخروج منه

  • إلقاء السلام: فهو تحية أهل الجنة ومصدر البركة والسكينة، ويُستحب أن تُلقى بصيغة الجمع حتى لو كان البيت خالياً؛ عملاً بقوله تعالى: {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ}.

  • ذكر الله والتسمية: وهو سلاح مهم لطرد الشيطان ومنعه من المبيت والعشاء في المنزل.

  • التزام الأذكار المأثورة: فيقول عند الدخول: «اللهم إني أسألك خير المولج وخير المخرج...»، بينما يقول عند الخروج: «باسم الله، توكلت على الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله...» لنيل الكفاية والوقاية والهداية.

ثانياً: آداب الطعام والشراب

  • آداب الطعام:

    • غسل اليدين قبل الأكل وبعده- لطرد الشيطان وجلب البركة والصحة.

    • التسمية في أوله، وفي أثنائه حال النسيان («بسم الله أوله وآخره») والحمد لله- في آخره.

    • عدم عيب الطعام تقديراً للنعمة ومنعاً للكبر.

    • الأكل باليد اليمنى ومما يلي الآكل، وتجنب الأكل متكئاً.

    • استحباب التحدث على الطعام لعق الأصابع والصحفة، وعدم البدء بالأكل قبل أهل الفضل والكبار، والدعاء للمضيف عند الفراغ.

  • آداب الشراب:

    • التسمية في أوله والحمد في آخره.

    • الشرب على ثلاث دفعات متوالية (مثنى وثلاث).

    • كراهية الشرب من فم السقاء مباشرة.

    • كراهية النفخ أو التنفس في الإناء لأسباب صحية وذوقية.

    • استحباب الشرب جالساً (والقيام للجواز والضرورة).

    • الشرب باليمين، وتقديم الأيمن فالأيمن في المجلس.

    • التحريم القاطع للشرب في آنية الذهب والفضة كسرًا للكبر ومراعاة للفقراء.

    • النهي عن ملء المعدة؛ لحديث: (ثلث لطعامه، وثلث لشرابه، وثلث لنَفَسِه).

ثالثاً: آداب العطاس والتثاؤب

  • يُشرع للعاطس أن يعطس في داخلة ثوبه.

  • ثم يحمد الله على ذلك، وعلى من سمعه أن يشمّته بقوله «يرحمك الله»، فيرد العاطس بـ «يهديكم الله ويصلح بالكم». 

  • لا يُشمت من لم يحمد الله.

  • إذا تكرر العطاس؛ فإن صاحبه مزكوم، ومن الأدب الدعاء للمزكوم بالشفاء.

  • ويُشمت غير المسلم بـقولنا: «يهديكم الله». 

  • ويُندب وضع اليد أو المنديل وخفض الصوت كفّاً للأذى والعدوى.

  • وفي حالة التثاؤب؛ فإنه يُستحب كظمه ورده ما استطاع العبد، مع وضع اليد على الفم لمنع دخول الشيطان. 

  • ويكره رفع الصوت بالتثاؤب- وإصدار الآهات أثناءه.

رابعاً: آداب الخلاء

  • الاستعاذة بالله قبل الدخول («اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث») لحجب عورات بني آدم عن الجن.

  • قول «غفرانك» عند الخروج من الخلاء.

  • الدخول بالرجل اليسرى والخروج باليمنى.

  • تجنب اصطحاب ما فيه ذكر لله من خاتم ومصحف ونحوهما.

  • كراهية الكلام والذكر داخل الخلاء إلا للضرورة.

  • تحريم قضاء الحاجة في موارد المياه، وطرق الناس، وظلالهم.

  • وجوب الاستبراء والتحرز من البول تجنباً لعذاب القبر.

  • النهي عن الاستنجاء أو مس الذكر باليد اليمنى صيانةً لها.

  • عدم استقبال القبلة أو استدبارها في الصحراء ببول أو غائط.

  • غسل اليدين بالماء بعد الخروج.

خامساً: آداب النوم والاستيقاظ

  • النوم على الشق الأيمن.

  • استحباب طهارة البدن (على الأقل الوضوء).

  • وضع اليد تحت الخد الأيمن

  • نفض الفراش قبل الاضطجاع عليه.

  • التزام الأذكار المأثورة قبل النوم («اللهم أسلمت نفسي إليك...»).

  • ذكر الله تعالى عند الاستيقاظ («الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور»).

  • النهي عن النوم على البطن؛ لأنها ضجعة يبغضها الله.

  • النهي عن النوم واليد ملوثة بالدسم، والتحذير من ذلك.

  • اتخاذ احتياطات السلامة قبل النوم من إطفاء النيران والمصابيح.

  • إغلاق الأبواب، وتغطية الآنية لحمايتها من المفسدات والشياطين.

سادساً: آداب اللباس والزينة والمظهر

  • التوسط في اللباس والمظهر من غير إسراف ولا مخيلة.

  • المحافظة الدائمة على نظافة البدن والثياب.

  • الاعتناء بشعر الرأس واللحية وترجيلهما.

  • استحباب التجمل والتنظف في مواطن الاجتماع (كالجمعة والعيدين).

  • والابتداء باليمين عند اللبس وبالشمال عند النزع.

  • والتسمية والحمد عند لبس الجديد.

  • تحريم الذهب والحرير على الرجال صوناً لرجولتهم ومحاربة للترف.

  • إباحة الذهب والحرير للنساء؛ وموافقة ذلك لطبيعتها.

  • تحريم تشبه الرجال بالنساء والعكس، وعدّ ذلك من الكبائر.

  • تحريم ثياب الشهرة والاختيال وجر الثوب خيلاءً.

  • تحريم تغيير خلق الله والمثلة في الجسد. 

  • تحريم الوشم والوشر (تحديد الأسنان) إلا ما كان لعلاج ألم أو إزالة تشويه ونقص.

سابعاً: آداب الطريق

  • المشي بسكينة وتواضع {يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا}.

  • الابتعاد عن المرح والخيلاء.

  • غض البصر عن المحرمات صوناً لحرمات الآخرين.

  • إفشاء السلام على من عرف المسلم ومن لم يعرف.

  • إماطة الأذى عن الطريق.

  • تجنب إلقاء القاذورات أو التسبب في الأخطار.

  • الالتزام بحقوق الطريق عند الاضطرار للجلوس فيه.

  • آداب الجلوس في الطريق (غض البصر، كف الأذى، رد السلام، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر).

ثامناً: آداب المسجد

  • الدخول بالتنظف، والتطيب (للرجال دون النساء)، وارتداء الزينة المباحة، واجتناب الروائح الكريهة كالثوم والبصل.

  • قراءة ذكر الخروج إلى المسجد، والدخول بالرجل اليمنى مع الاستغفار وسؤال الله فتح أبواب رحمته، والخروج باليسرى وسؤال الله من فضله.

  • التزام السكينة والوقار أثناء المشي للصلاة وداخل المسجد، وتجنب رفع الصوت والجلبة.

  • صلاة ركعتين (تحية المسجد) قبل الجلوس.

  • ملازمة الذكر، التسبيح، قراءة القرآن، ومدارسة العلوم الشرعية.

  • المحافظة التامة على نظافة المسجد، والنهي المطلق عن البيع والشراء، أو إنشاد الضالة، أو إنشاد الشعر الذي لا يخدم الإسلام ومكارم الأخلاق في رحابه.