أرشيف المدونة الإلكترونية

السبت، 19 سبتمبر 2026

مسلكيات إبراهيم السكران بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

مسلكيات

إبراهيم السكران

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: لقد ركّب الله في هذه الحياة أن (معالي الأمور) التي نص عليها القرآن، كالرسوخ في العلم، وإظهار الهدى ودين الحق على الدين كله، والتمكين في الأرض، وإصلاح الأمة، ونحوها من المطالب الكبرى لا تحصل للمرء وهو مستكملٌ راحته وطعامه وشرابه ونومه وأوقات استرخائه .. هذه حقيقة دلّ عليها الشرع وصرخت بها تجارب الحياة ..

وإذا كان المرء ينام حتى تُجهرك أشعة الحمرة في عينيه، ويبسط خوان الطعام كلما اشتهى، ويخصص الأوقات الطويلة للقهوة والشاي والعصائر والفطائر، ولا يسمح لنفسه بأن تتنازل عن أي فرصة فسحة أو مسامرات مع أصحابه، ولا يستطيع كبح جماح تصفح الإنترنت أن يسرق ساعاته، إذا كان المرء كذلك .. وما زال يرجو أن تتحقق يومًا ما خططه العلمية والدعوية والإصلاحية؛ فمثل هذا الشخص قد استأصل عقله، وزرع بدلًا منه مصباح علاء الدین!

ومن تأمل في ضخامة العلم، وقصر العمر، وكثرة متطلبات الحياة؛ أدرك حقًا أن عبارة الإمام يحيى بن كثير هذه (لا يستطاع العلم براحة الجسم) أنها: لم تخرج من طرف الذهن .. ولم تكتب بحبر الأدب .. وإنما حُفِرت حروفها بإزميل التجارب ..فالعلم جعله الله ثمينًا لا يُجلب في الأسواق المخفضة ..

ما أكثر ما رأيتُ عالمًا شابًا بزّ أقرانه يتدفق بالأسانيد والمسائل .. أو رأيت عملًا علميًا رصينًا صار أصلا في بابه .. إلا قلت في نفسي: رحم الله يحيى بن أبي كثير حين قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم). وهذا التعب الذي يجب تحمله ومكابدته لا يختص بمطلب دون مطلب، بل هو عام في (الكمالات الإنسانية) كلها، كما يقول ابن القيم: (الكمالات كلها لا تُنال إلا بحظ من المشقة، ولا يُعبر إليها إلا على جسر من التعب).

وأوضح ابن القيم عبارته هذه حينما شرح بعض مسائل القدر، فيقول: (يوضحه الوجه الحادي والعشرون: أنه قد استقرت حكمته سبحانه أن السعادة والنعيم والراحة لا يوصل إليها إلا على جسر المشقة والتعب، ولا يُدخل إليها إلا من باب المكاره والصبر وتحمل المشاق).

.. ولعل أول من نبَّه على هذا المعنى بعبارة بديعة جدًا، الإمام الحافظ الزاهد أبو إسحاق إبراهيم الحربي (٢٨٥هـ)، صاحب الكتاب المشهور تاريخيًا عن (غريب الحديث)، وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل، حيث نقل عنه ابن تيمية عبارة تهز النفوس مما فيها من البلاغة وهيبة المعنى، إذ يقول ابن تيمية: قال إبراهيم الحربي: ((أجمع عقلاء كل أمة على أن النعيم لا يُدرك بالنعيم)).

بل نقل الخطيب في تاريخه قول الحافظ إبراهيم الحربي رحمه الله -بعبارة أطول من هذه؛ فقال: ((أجمع عقلاء كل أمة أنه من لم يجرِ مع القدر لم يتهنّأ بعيشه، كان يكون قميصي أنظف قميص، وإزاري أوسخ إزار، ما حدثت نفسي أنهما يستويان قط، وفرد عقبي مقطوع، وفرد عقبي الآخر صحيح، أمشي بهما وأدور بغداد كلها، هذا الجانب وذلك الجانب، لا أحدث نفسي أني أصلحها، وما شكوت إلى أمي، ولا إلى أختي، ولا إلى امرأتي، ولا إلى بناتي قط: حُمّى وجدتها، الرجل هو الذي يدخل غمّه على نفسه، ولا يَغُمّ عياله، كان بي شقيقة خمسًا وأربعين سنة ما أخبرت بها أحدًا قط، وأفنيت من عمري ثلاثين سنة برغيفين، إن جاءتني بهما أمي أو أختي أكلت، وإلا بقيت جائعًا عطشان إلى الليلة الثانية)).

وهذه العبارة للحافظ إبراهيم الحربي رحمه الله شاع معناها فيمن جاء بعده من أهل العلم، فتتابعوا على تأكيد تجريبية وعقلانية هذا المعنى، وتداوله بين الأمم، حتى قال ابن القيم -رحمه الله- في تأثر واضح بعبارة إبراهيم الحربي: ((العقلاء قاطبة متفقون على استحسان إتعاب النفوس في تحصيل كمالاتها، وكل من كان أتعب في تحصيل ذلك؛ كان أحسن حالًا وأرفع قدرًا)).

والحقيقة أن من أعظم ما يعين النفس على تحمل هذا التعب الذي تتطلبه المعالي؛ أن يستحضر المرء الثمرة، وأن يستدعي في ذهنه حسن العاقبة، فإن الجدوئ والمكتسب تهوّن على النفس تحمل المشاق والتعب، كما يقول ابن الجوزي في استعارة مكثفة: ((تلمّح فجر الأجر يهُن ظلام التكليف)).

وقد شاع بين أهل العلم ربط كمية المنجزات بكمية العناء، ومن ذلك العبارة المتداولة بين أهل العلم التي يقولون فيها: ((بقدر ما تتعنى تنال ما تتمنى)). وقد أشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في جملة مكثفة بيانية جميلة: (حُفّت الجَّنُة بالمكاره).. فالجنة لا يوصل إليها إلا بمكابدة ما تكرهه النفوس من ترك الهوئ والشهوات ..

ولخص ابن القيم جزءًا من ذلك في تصويره لمشهد دخول النبيّ إلى مكة؛ فقال: (وكما دخل رسول صلى الله عليه سلم -إلى مكة ذلك المدخل العظيم، بعد أن أخرجه الكفار ذلك المخرج، ونصره ذلك النصر العزيز، بعد أن قاسى مع أعداء الله ما قاساه .. ، وبالجملة: فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة).

وهذا الكتاب الذي بين يديك حصيلة تمعّنات وتفحّصات في بعض مسالك (العلم)، وبعض مسالك (الإيمان)، دونتها في أزمان مختلفة، وأحببت موافقة الآية في الترتيب، فجعلت في هذا الكتاب القسم الأول لتأملات مسالك العلم، والقسم الثاني لتأملات مسالك الإيمان.. قاله المؤلف.

وقبل ذلك يقول: لفت انتباهي في كتاب الله كثرة اقتران مفردتي (العلم) و(الإيمان)، فجعلهما الله لقبًا على طائفة استشهد بكلامها فقال: ﴿وَقَالَ اُلَّذِينَ أُوتُواْ اُلْعِلْمَ وَاَلْإِيمَانَ﴾ [الروم: ٥٦]. وأخبر عن رفعة من جمعهما فقال: ﴿يَرْفَع اللهُ الَّذِينَ ءَامَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوأْ اَلْعِلْمَ دَرَجَتٍ﴾ [المجادلة: ١١].

ونبّهنا كيف يقود أحدهما إلى الآخر فقال: ﴿وَالزَّسِخُونَ فىِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ [آل عمران: ٧]. وقال: ﴿لَّكِنِ الراسِخُونَ فى الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَاُلْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٢].

وامتن الله على رسوله بهما سويًا فقال: ﴿مَا كُنتَ نَدرِى مَا اُلْكِنَبُ وَلَا اٌلإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال أبو العباس ابن تيمية: (فإن الخير كله، أصله وفصله، منحصر في العلم والإيمان)(الاقتضاء).

وقد أبدع المؤلف -وفقه الله- في نظم كتابه هذا، سيما موضوعات لها أثرها البليغ والكبير، منها: التفريق بين ((المشقة المعتادة التبعية، وبين المشقة المقصودة بالأصالة)) المنفصلة عن العبادات.كما أنه تحدث عن ((ترحيل المهام))، وهو تأجيل المهام الضرورية العلمية والعملية لصناعة العالم إلى مراحل أكبر وأبعد تسويفاً، وهو ما يمكن التعبير عنه بـ ((إحراق الوقت))، وفي المثل ((نام على البذور حتى ذهب الموسم))، وكذلك تنبيهه على ((أهمية حفظ العلم والعناية به))، و((التبحر في دقيق المسائل))، وعدم ((الولوع بشراء الكتب)) والحرص على اقتناء الكتب الأكثر نفعاً.

بالإضافة إلى تأكيده على ((الجمع بين التحصيل العلمي والثقافة المعاصرة))، وكذلك ذكره المعادلة المميزة ((الكتب البديعة أكثر من العمر.. والصوارف تتزايد، الأمر الذي يقتضي سرعة في القراءة أو القراءة الجردية))، كما أوضح مستويات القراءة، وأهمية ((القراءة الاستعراضية).

ثم طرح المؤلف الإمام ((النووي)) كمثال على بركة العلم والوقت، وذلك لتصنيفه المؤلفات الكثيرة المحررة والمنقحة، والتي أصبحت فيما بعد عمدة الشافعية، مع قصر مدة عمره، ثم تطرق إلى ((أغراض التصنيف)) وأهميته، وتطرق في ذلك إلى أحد المعاصرين وهو د. سفر الحوالي، وكذلك ((أثر تدريس التعليم في تعميق تصورات المعلم))، وتطرق إلى حاجة الناس في هذا العصر إلى تبسيط العلم وتسهيله لهم، والتأليف بهدف التعلم.

كذلك تحدث عن الحاجة إلى التعرف إلى سير الرموز المعرفية في التاريخ الإسلامي، وضرب لذلك مثلاً بـ ((شيخ الإسلام ابن تيمية))، وتلميذه ((ابن القيم))، ومن بعدهما بالشيخ ((محمد بن عبد الوهاب))، ثم انتقل إلى أهم مظاهر الإسلام، وأحد اهم أركانه العملية ((الصلاة)) لينشر من أسرارها، وسير السلف فيها ما يتعجب له القارئ!

ثم ينتقل إلى تأملات قرآنية، فيتعرض لمعاني الخشوع، والسكينة، والطمانينة في الصلاة، ثم ((خفض الجناح)) كسلوك له دوافعه القيمية النبيلة تجاه الوالدين وغيرهما من أصحاب الحقوق والأهل والجيران.ثم ((أثر التقوى على العلم)).

أزمة الخسارة في تضييع الوقت:

وأزمة الخسارة والغبن في استثمار هذا الرصيد الزمني هو الذي أشار له الحديث الذي رواه البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ).

ويبدو أن هذه الأزمة، أعني أزمة الترقب والتفرج قريبة من (الحالة السبهللية) التي وصفها الفاروق عمر بن الخطاب في الأثر المروي عنه: (إني أكره الرجل يمشي سبهللا، لا في أمر الدنيا، ولا في أمر الآخرة).

وجاء هذا المعنى في كتب الأثر مسندًا عن ابن مسعود رضي الله عنه حيث يقول: (إني لأمقت الرجل أن أراه فارغًا، ليس في شيء من عمل الدنيا ولا عمل الآخرة).

وهناك منظومة في الفقه مطوّلة مشهورة لابن عبد القوي رحمه الله، نظم فيها المقنع لابن قدامة كاملا في زهاء اثني عشر ألف بيت، وقد جمع ابن عبد القوي فيها في بيت واحد حديث البخاري وأثر عمر المشهور، حيث قال رحمه الله:

ولا يذهبنّ العمر منك سبهللا … ولا تغبننّ النعمتين، بل اجهدِ

ومن أكبر عوامل ((الحالة السبهللية)) ما يمكن تسميته مشكلة ((التقطع والترحل)) في أنصاف المشروعات .. وهذا أمرٌ قد نبّهت به المدونات المشهورة في أدب الطلب، ومن ذلك قول بدر ين ابن جماعة (ت٧٣٣ه): (وكذلك يحذر من التنقّل من كتاب ، كتاب من غير موجب، فإنه علامة الضجر وعدم الإفلاح).

ولعلك تتذكر أن العلامة ابن عثيمين يمثل مشروعًا فقهياً مكتملًا .. فبالله عليك لاحظ كيف يشرح فكرة نبعت من خبرته الطويلة حيث يقول في كتابه الذي جمعه من خطبه وسماه الضياء اللامع:

(وإن من الحكمة أن من ابتدأ بعمل وارتاح له فلیستمر علیه، فمن بورك له في شيء فليلزمه، وبعض الناس يبدأ الأعمال ولا يتممها، فيمضي عليه الوقت سبهللا من غير فائدة، فمثلا يقرأ في هذا الكتاب أو في هذا الفن، ثم يدعه من غير أن يكمله، وينتقل إلى غيره، ثم إلى آخر، من غير تكميل الأول، فيضيع عمله وينقضي عمره بلا فائدة، وكذلك في الأعمال الأخرى كل يوم له عمل، وكل يوم له رأي، فيضيع الوقت عليه من غير فائدة).

هذه حكمة عصرتها الخبرة يشرحها فقيه حدد هدفًا علميًا رفيعًا وبلغه فعلا .. وليست نظرية يتاجر بها منتسب لعلم النجاح فى قاعات الفنادق ..

المجرّات سلالم اليقين

في منتصف القرن العشرين أطبقت على انجلترا شهرة عالم الفلك والفيزياء الانجلیزي ((جيمس جينز)) (ت ١٩٤٦م)، وقد تنقّل جينز في حياته الأكاديمية بين جامعة كامبردج وجامعة برنستون، وكان بروفيسور (الرياضيات التطبيقية) في جامعة برنستون.

وكان له إسهامات رئيسية في حقلي الفيزياء والفلك، وخصوصًا في تطوير بعض المسائل في مجال الأشعة ،(stellar evolution) وتخلّق وتطور النجوم ،(radiation) وانتقد نظرية لابلاس في تكون النظام الشمسي واقترح فرضية بدیلة، ونحو ذلك.

وسميت باسم جينز عدد من المكتشفات العلمية، منها قانون فيزيائي يسمى (قانون رايلي-جينز) (Jeans law-Rayleigh) حيث ساهم جينز في تطويره وهو قانون يصف الإشعاعات الطيفية في الموجات الكهرومغناطييسية. 

ومن المكتشفات التي سميت باسمه (كتلة جينز) (Jeans mass) وهي نظرية تتعلق بنشأة النجوم، حيث تمثل الحد الأدنى لكتلة السحابة الغازية التي ينشأ عن انكماشها نجم جديد.

وكذلك فوهة قمرية (lunar crater) اكتشفت على سطح القمر سميت باسمه (فوهة جينز)، وكذلك فوهة مريخية (Martin crater) اكتشفت على سطح كوكب المريخ سميت باسمه أيضًا.

وأي قارئ لحياة ((جيمس جينز)) العلمية يلاحظ فورًا أنه كان يقف على هذه التخوم بين الكوسمولوجيا (الكونيات) والفيزياء؛ بسبب التحام هذين العلمين في العصور الأخيرة، فكثير من الفلكيين فيزيائيون، وكثير من الفيزيائيين فلكيون، ولذلك يقول الفلكي الأمريكي ((لويد متز)) (ت ٢٠٠٤م) في كتابه قصة الفيزياء: 

(الفلك أصبح اليوم أكثر من أي وقت مضى فرعًا من الفيزياء، ويكفينا لتأكيد ذلك أن نلاحظ العلاقات القائمة بين فيزياء الطاقة العالية والكونيات (الكوسمولوجيا)، أو بين تطور النجوم والفيزياء النووية، أو تلك العلاقات بين بنية المجرات وتحريك السوائل، فهي تظهر مدى الرابطة المتينة بين فرعي المعرفة هذين، بل إن قصة الفيزياء تبدأ بعض نواحيها بالفلك اليوناني).

وليس من العسير إدراك وتفسير سبب هذا التداخل والاشتراك بين مباحث الفيزياء والفلك والتي يشير إليها متز وزميله في النص السـابق، ذلك أن الفلك يعنى بالأجرام السماوية، والفيزياء تدرس حركة وسلوك المادة وطاقتها خلال الزمن والمكان، ومن الطبيعي تدرس الفيزياء حركة وسلوكيات هذه الأجرام، ومن هاهنا يجد يزيائي نفسه أحيانًا فلكيًا، ويجد الفلكي نفسه أحيانًا فيزيائيًا.

ولم يكتف ((جيمس جينز)) بكتابة الأطروحات المتخصصة، بل ن ينتمي إلى قطاع من المتخصصين يؤمنون بأهمية تبسيط (العلوم لبيعية) للقارئ العام، كما كتب الفيزيائي البريطاني (ستيفن كنغ) مثلًا كتابه المشهور (موجز تاريخ الزمن: من الانفجار ـبير إلى الثقوب السوداء) والذي بسّط فيه أسس الكوسمولوجيا كونيات)، وبيعت منه أكثر من عشرة ملايين نسخة، وتُرجم للغـات العالمية.

ولمِثلُ هذا النَّمَطِ مِنَ المُؤلَّفاتِ الَّتي تُخاطِبُ القارئَ العامَّ، حاز للمؤلِّفِ شُهرةً في الإعلامِ باعتبارِه شارحًا ومفسِّرًا للثَّوراتِ العِلميَّةِ في زَمَنِه، وقد لَعِبَ «جيمس جينز» هذا الدَّورَ فعلًا، خصوصًا في حقلِ الكوسمولوجيا (الكونيّات)، وهو حقلٌ شديدُ الجاذبيَّةِ والإبهارِ للقارئِ العامِّ.

وينتمي «جيمس جينز» إلى التَّيَّارِ الَّذي يُعطي الفلسفةَ موقعًا ذيليًّا بالنِّسبةِ إلى العلومِ الطَّبيعيَّةِ، وأنَّ الفلسفةَ ذاتُ هُويَّةٍ تَبَعيَّةٍ، باعتبارِ أنَّ العلومَ الطَّبيعيَّةَ تكتشفُ وتبتكرُ وتخترعُ، والفلسفةُ تُعلِّقُ لاحقًا فقط على ما تمَّ اكتشافُه. فالفلسفةُ لدى هذا التَّيَّارِ مجرَّدُ «تفسيراتٍ» لاحقةٍ لتطوُّراتِ العلومِ، كما يقولُ جينزُ مثلًا:

(الفلسفة في أية فترة زمنية، مرتبطة دومًا، وبشكل كبير؛ مع العلم في نفس هذه الفترة، لذلك فإن أي تغير رئيسي في العلم ينتج ردود فعل في الفلسفة).

وهذا الرأي التبخيسي للفلسفة في مقابل إجلال العلوم الطبيعية، والذي يتبناه الفيزيائي/ الفلكي ((جيمس جينز))، ليس رأيًا مبتكرًا له، بل هو اتجاه معروف في الفكر الغربي، ويشيع خصوصًا بين الباحثين في الحقول التجريبية، ويمكن أن نجد اعترافًا بهذا الدور التبعي/ التفسيري للفلسفة في التشبيه الذي صاغه رأس الفلسفة الألمانية ((هيغل)) (ت ١٨٣١م)، حين وصف الفلسفة في نهاية مدخل كتابه عن فلسفة الحق بقوله: (بومة مينرفا لا تنشر أجنحتها وتطير إلا حين يخيم المساء).

ومينرفا هي آلهة الحكمة والفلسفة في الأساطير الرومانية، وكان لها بومة، لأن البومة في تصوراتهم رمز للحكمة باعتبار سلوكها الصامت المراقب طوال النهار، واختيارها المواقع غير المأهولة. 

ومقصود هيغل بهذا التشبيه أن الفلسفة لا تبدأ في العمل إلا بعد انتهاء الأحداث والأعمال في النهار، فتأتي لاحقًا لتفسر فقط، ومقتضى هذا التشبيه أن الفلسفة ذات (مرتبة تفسيرية) فقط، لا (صانعة للأحداث).

وهناك شواهدُ أخرى كثيرةٌ في الفكرِ الغربيِّ لِمَن يميلُ إلى هذا الاتِّجاهِ التقزيميِّ لمكانةِ الفلسفةِ، في مقابلِ تعظيمِ العلومِ الطبيعيَّةِ ونتائجِها في الطِّبِّ والتكنولوجيا ونحوِها، وليس هاهنا محلُّ بسطِ هذه الشواهدِ.

ولذلك تجدُ أمريكا -مثلًا- المتفوِّقةَ في العلومِ والتقنيةِ يقلُّ فيها الفلاسفةُ، بينما أوروبا التي تراجعتْ مقابلَ التَّفوُّقِ الأمريكيِّ يكثرُ فيها الفلاسفةُ، حتى إنَّ عالمَ النفسِ الأمريكيَّ جرانفيل ستانلي (ت 1924م)، في مقالته «الفلسفةُ في الولاياتِ المتَّحدةِ» التي نشرها في فصليَّة «مايند»، حين كان يطرحُ تشخيصًا مبكِّرًا للواقعِ الفلسفيِّ في أمريكا، يقولُ: «الفلاسفةُ في أمريكا أندرُ من الثعابينِ في النرويج»(1)، لكنَّه يرجعُ ذلكَ لحداثةِ عُمرِ الولاياتِ المتَّحدةِ.

وقد استعرضَ ستانلي تفسيرًا لهذه الظاهرةِ -أعني محدوديَّةَ الفلاسفةِ في أمريكا- مرتبطًا بعُمرِ البلدِ، ومزاجِ الأعمالِ والاستثمارِ العمليِّ.

وفي تقديري الشخصيِّ أنَّ من أهمِّ كتبِ جيمس جينز كتابَه «الفيزياءُ والفلسفةُ» (Physics and Philosophy)، وهو دراسةٌ مقارنةٌ بين طريقةِ عملِ الفيزيائيِّين ومنتجاتِهم العلميَّةِ، وطريقةِ عملِ الفلاسفةِ ومنتجاتِهم التي قدَّموها، ويحاولُ جينزُ في كتابِه هذا أن يُثبتَ وجهةَ نظرِه تفصيلًا حول تواضُعِ ثمراتِ الفلسفةِ مقارنةً بالنتائجِ التي قدَّمَتْها لنا الفيزياءُ، وفي هذا الكتابِ مواضعُ صادمةٌ للقارئِ، مثلُ الموضعِ الذي شرَحَ فيه نظريةَ كانط، وحلَّلَ جدواها، وأنَّه يرى أنَّها لم تُضِفْ شيئًا ذا بالٍ، ثم حاولَ أن ينقلَ الفلسفةَ إلى تفكيرٍ جديدٍ على ضوءِ نتائجِ الفيزياءِ، كمفهومِ السببيَّةِ وحريَّةِ الإرادةِ وغيرِها.

وإذا وضعَ الباحثُ كتابَ جينز هذا في سياقِه التاريخيِّ، فسيستوعبُ بالضبطِ خلفيَّاتِ هذا الطرحِ؛ فكتابُ جينز هذا «الفيزياءُ والفلسفةُ» وُلِدَ في أيَّامِ «ثورةِ العلومِ الطبيعيَّةِ»، وتطوُّرِ الحياةِ الاجتماعيَّةِ بناءً على المكتشفاتِ والابتكاراتِ التي تضخُّها في حياةِ الناسِ، وكانت هذه المرحلةُ أصعبَ اللحظاتِ التي بدأت تعيشُ فيها الفلسفةُ «أزمةَ الجدوى»، فصارَ يتساءلُ كثيرٌ من الباحثينَ في الحقولِ التجريبيَّةِ خصوصًا عن «جدوى الفلسفةِ»، ويرونَ أنَّها لم تُقدِّمْ شيئًا؟

ومن أمتعِ المناقشاتِ التي حاولتْ دراسةَ هذه الظاهرةِ والرَّدَّ على المخالفينَ فيها، ورقةُ الفيلسوفِ الإنجليزيِّ برنارد ويليامز (ت 2003م)، وكانت بعنوانِ «حول بُغضِ وازدراءِ الفلسفةِ»، وقد نُشِرتْ في مجلَّة «لندن ريفيو»، وقد استفتحَها ويليامزُ بقولهِ: «حيثما وُجِدَ موضوعٌ فلسفيٌّ وُجِدَ مَن يكرَهُه ويزدريهِ». والرصدُ المثيرُ الذي عرضَه ويليامزُ هو قولُه في مقالتهِ: «هذه الأيَّام، معظمُ الذين يتَّخذونَ هذا الموقفَ ضدَّ الفلسفةِ ليسوا متديِّنينَ، بل علماءُ!».

وبطبيعةِ الحالِ، لم يكن ويليامزُ مسرورًا بهذه الظاهرةِ، بل خصَّصَ هذه الورقةَ للرَّدِّ على هذا الاتِّجاهِ المستخفِّ بالفلسفةِ بعدَ ثورةِ العلومِ الطبيعيَّةِ.

وهذه الظاهرةُ شديدةُ الشيوعِ في الفكرِ الغربيِّ العلميِّ، أعني ازدراءَ الفلسفةِ وتعظيمَ العلومِ الطبيعيَّةِ، تقودُنا إلى التَّساؤلِ: لماذا إذن شاعَ بينَ الشبابِ المثقَّفِ العربيِّ، المُعجَبِ بالغربِ، القراءةُ في «التُّراثِ» الفلسفيِّ الغربيِّ، كفلاسفةِ القرونِ السابعَ عشرَ والثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ، معَ الضَّعفِ في التكوينِ العلميِّ الطبيعيِّ؟

الحقيقةُ أنَّ هذه الظاهرةَ تستحقُّ الرَّصدَ والتَّحليلَ، وسأحاولُ أن أقدِّمَ تفسيرًا لها؛ ففي تقديري أنَّ هؤلاءِ الشبابَ العربَ قرؤوا للمفكِّرينَ العربِ الذين درسوا الفلسفةَ في الغربِ، ولم يقرؤوا لمختصِّي العلومِ الطبيعيَّةِ من العربِ، فنقلَهم المفكِّرونَ العربُ أصحابُ التكوينِ الفلسفيِّ إلى التُّراثِ الفلسفيِّ الغربيِّ، وصوَّروا لهم أنَّ التقدُّمَ المادِّيَّ الغربيَّ كلَّه نتيجةٌ للفلسفةِ الغربيَّةِ، وهذا التَّصويرُ نتيجةٌ طبيعيَّةٌ لكونِ هؤلاءِ المفكِّرينَ العربِ يُسوِّقونَ بضاعتَهم.

ولذلك وجدنا شبابًا عربيًّا يتخرَّجُ من كليَّاتِ الطبِّ والهندسةِ والعلومِ، ثم يصرفُ وقتَ فراغِه في قراءةِ التُّراثِ الفلسفيِّ الغربيِّ (القرونِ السابعَ عشرَ والثامنَ عشرَ والتاسعَ عشرَ)، بدلًا من أن ينشرَ الثقافةَ العلميَّةَ الحديثةَ والمعاصرةَ في بلدِه! وهذه ظاهرةٌ مدهشةٌ فعلًا، ومحزنةٌ في الوقتِ نفسِه، فالمؤهَّلونَ بالعلومِ التي يحتاجُها مجتمعُنا من الجادِّينَ في القراءةَ يتركُ بعضُهم ترقيةَ مجتمعِنا بتخصُّصِه، ويذهبُ يحفرُ في غبارِ التاريخِ الغربيِّ العتيقِ!

ويمكنُ للقارئِ أن يتابعَ بعضَ المقالاتِ الفلسفيَّةِ في صحفِنا المحليَّةِ، أو النَّدواتِ الفلسفيَّةِ في محيطِنا الخاصِّ؛ وسيلاحظُ أنَّ الرُّموزَ الفلسفيَّةَ الغربيَّةَ المتداولةَ، غالبُها السَّاحقُ، ينتمي إلى «الماضي» الفلسفيِّ الغربيِّ، وليس إلى «الراهنِ» والحديثِ والمعاصرِ، وآخرِ ما توصَّلَ إليه العلمُ!

سيلاحظُ الراصدُ للحالةِ الفلسفيَّةِ العربيَّةِ والمحليَّةِ خصوصًا -مثلًا- أنَّ الرُّموزَ الفكريَّةَ الفلسفيَّةَ المتداولةَ بينهم هم رموزُ القرنِ السادسَ عشرَ (مارتن لوثر)، أو رموزُ القرنِ السابعَ عشرَ (فرانسيس بيكون، ديكارت، توماس هوبز)، أو رموزُ القرنِ الثامنَ عشرَ (جون لوك، هيوم، روسو، كانط)، أو رموزُ القرنِ التاسعَ عشرَ (بنتام، هيغل، شوبنهاور، كيركيجارد، سبنسر، نيتشه)، ونحوُ هؤلاءِ.

ويعرفُ القارئُ أنَّ التطوُّرَ العلميَّ المعاصرَ تجاوزَ بمسافاتٍ فلكيَّةٍ أفكارَ وتَصوُّراتِ هؤلاءِ الفلاسفةِ الذين عاشوا عصورَ التخلُّفِ التكنولوجيِّ.

ولذلك يمكنُ القولُ إنَّ الشبابَ الذين طلَّقوا القراءةَ في العلومِ الشرعيَّةِ، وانصرفوا للقراءةِ في التُّراثِ الفلسفيِّ الغربيِّ، أنَّهم انتقلوا من «تُراثٍ» إلى «تُراثٍ آخرَ» فقط، وهم يتخيَّلونَ أنَّهم انتقلوا من الماضي إلى الحداثةِ!

وإذا كان بعضُ هؤلاءِ الشبابِ يُسمِّي الكتبَ الشرعيَّةَ كتبًا صَفراءَ، فالَّذي فعلَه هو أنَّه انتقلَ فقط من كُتُبٍ صَفراءَ شرقيَّةٍ إلى كُتُبٍ صَفراءَ غربيَّةٍ! فما زالَ في عالَمِ الصُّفرةِ بحسبِ معاييرِه!

لكن ما السَّببُ الذي دعا الشَّبابَ المثقَّفَ العربيَّ للإقبالِ على كُتُبِ الفلسفةِ العربيَّةِ، والعزوفِ عن الكُتُبِ العلميَّةِ العربيَّةِ؟ رُبَّما يعودُ السَّببُ إلى مبادرةِ المفكِّرينَ الفلسفيِّينَ العربِ، وتكاسلِ المختصِّينَ العربِ في العلومِ الطبيعيَّةِ عن تبسيطِ العلومِ للقارئِ العامِّ، وربَّما لأنَّ العلومَ تحتاجُ إلى معاملَ ومختبراتٍ وأجهزةٍ وتمويلٍ للبحثِ العلميِّ، بخلافِ الفلسفةِ التي هي «نشاطٌ تأمُّليٌّ ذهنيٌّ محضٌ» يُنهي المؤلِّفُ فيه كتابَه في غُرفتِه الخاصَّةِ، وبسببِ تفريطِ النُّظُمِ السياسيَّةِ العربيَّةِ في تمويلِ البحثِ العلميِّ اتَّجهتِ العقولُ إلى الاشتغالِ بالفلسفةِ كتعويضٍ.

على أيَّةِ حالٍ... ما سبقَ كلُّه كان استطرادًا غيرَ مقصودٍ بالأصالةِ، وإنَّما جرَّنا إليه توجُّهُ «جيمس جينز» إلى تبخيسِ الفلسفةِ وتعظيمِ العلمِ في كتابِه «الفيزياءُ والفلسفةُ»، فاضطرَّنا الحديثُ إلى عرضِ هذا الاتِّجاهِ في الفكرِ الغربيِّ.

وإنَّما كان المرادُ الأساسيُّ من السُّطورِ السابقةِ هو التَّعريفَ الموجزَ فقط بالفيزيائيِّ/الفلكيِّ «جيمس جينز»؛ تمهيدًا لعرضِ حوارٍ هامٍّ جريءٍ بينَه وبينَ طرفٍ آخرَ، وهو عالمُ الرِّياضياتِ الهنديُّ «عنايةُ اللهِ المشرقيُّ».

هذا الطَّرفُ الآخرُ في الحوارِ، وهو «عنايةُ اللهِ المشرقيُّ» (ت 1963م)، قد عُرِفَ بولعِه الغريبِ بالرِّياضياتِ، وأنهى الماجستيرَ.في الرِّياضياتِ وعمرُه (19) سنةً، وحطَّمَ الأرقامَ القياسيَّةَ السَّابقةَ له.

وفي نفسِ العامِ (1907م)، وقد أتمَّ التَّاسعةَ عشرةَ من عمرِه، سافرَ إلى بريطانيا لمواصلةِ دراساتِه في الرِّياضياتِ في جامعةِ كامبريدج، وأنهى خلالَ وجودِه في كامبريدج دراسةَ عدَّةِ تخصُّصاتٍ موازيةٍ في اللُّغاتِ الشَّرقيَّةِ والعلومِ الطبيعيَّةِ! ومكثَ في كامبريدجَ خمسَ سنواتٍ إلى العامِ (1912م)، ثم عادَ بعدها إلى الهندِ.

ولمَّا بلغَ عنايةُ اللهِ المشرقيُّ بحرَ الثَّلاثين، خطرتْ له فكرةُ تفسيرِ القرآنِ على ضوءِ مكتشفاتِ العلومِ الطبيعيَّةِ، ونفَّذَ الفكرةَ فعلًا، وأنهى المجلَّدَ الأوَّلَ منه وعمرُه (36 سنةً) في عامِ (1924م)، وسمَّاه «التَّذكرةَ»، فلفتَ الأنظارَ بعملِه هذا، وتمَّ ترشيحُه لجائزةِ نوبل، إلَّا أنَّ لجنةَ الجائزةِ اشترطتْ ترجمةَ العملِ إلى إحدى اللُّغاتِ الأوروبيَّةِ، فرفضَ عنايةُ اللهِ الجائزةَ، وقالَ: «لا أريدُ جائزةً لا تعترفُ بلغتي الأُرديَّةِ!» برغمِ أنَّه درسَ في كامبريدجَ أصلًا عدَّةَ تخصُّصاتٍ، وشأنُ التَّرجمةِ لا يكلِّفُه شيئًا، لكنَّها أنفةُ العالمِ الهنديِّ.

وانخرطَ عنايةُ اللهِ في المعتركِ السِّياسيِّ، وتقلَّدَ عدَّةَ مناصبَ حكوميَّةٍ، ثم استقالَ وأسَّسَ حزبًا سياسيًّا اسمُه «حركةُ الخاكسار»، وأنشأ صحيفةً أسبوعيَّةً باسمِ «الإصلاحِ»، وسُجِنَ عدَّةَ مرَّاتٍ.

وللأسفِ، لم تكنِ الصُّورةُ مشرقةً إلى هذا الحدِّ، فقد كان لدى عنايةَ اللهِ بعضُ التَّصوُّراتِ الخاطئةِ حولَ السُّنَّةِ النَّبويَّةِ، ومفهومِ اختلافِ النُّبوَّاتِ في التَّشريعِ، ونظريَّةِ التَّفسيرِ الإسلاميَّةِ، وغيرُها، وللتوسُّعِ حولَ شخصيَّةِ عنايةِ اللهِ المشرقيِّ ودورِه، يمكنُ مراجعةُ الكُتُبِ المتخصِّصةِ في ترجمتِه.

لكن... دعْنا نصلِ الآنَ إلى جوهرِ المرادِ من هذا التَّعريفِ بالشَّخصيَّتينِ، وهما: العالِمُ الفيزيائيُّ/الفلكيُّ الإنجليزيُّ «جيمس جينز»، وعالِمُ الرِّياضياتِ الهنديُّ «عنايةُ اللهِ المشرقيُّ».

ففي نفسِ الفترةِ التي قدِمَ فيها عنايةُ اللهِ المشرقيُّ إلى كامبريدجَ لمواصلةِ دراساتِه في الرِّياضياتِ، التقى بجيمس جينز، حيث كان جينزُ يُدرِّسُ في الجامعةِ، وتعرَّفَ عليه، وقد روى عنايةُ اللهِ المشرقيُّ قصَّةً مدهشةً وقعتْ له مع جينز، وقد نُشِرتْ هذه القصَّةُ في مجلَّةِ «نقوش» الباكستانيَّةِ، في عددِها الخاصِّ المكرَّسِ لسيرةِ عنايةِ اللهِ المشرقيِّ، ثم نقلَها عن المجلَّةِ المذكورةِ المفكِّرُ الهنديُّ «وحيدُ الدِّينِ خان» في كتابِه الذي تُرجِمَ إلى العربيَّةِ بعنوانِ «الإسلامُ يتحدَّى: مدخلٌ علميٌّ إلى الإيمان»، وأصلُ الكتابِ في النُّسخةِ الإنجليزيَّةِ بعنوانِ «اللهُ يتجلَّى: أدلَّةُ اللهِ في الطَّبيعةِ والعلمِ»، وذكرَ في مقدِّمتِه أنَّ هذا الاسمَ «اللهُ يتجلَّى» مأخوذٌ من آيةٍ في الإنجيلِ، ولكن في التَّرجمةِ العربيَّةِ جُعِلَ العنوانُ «الإسلامُ يتحدَّى».

حسنًا... دعْنا الآنَ ننقلْ هذا الحوارَ الطَّويلَ. يقولُ وحيدُ الدِّينِ خان في كتابِه «الإسلامُ يتحدَّى» ما يلي:

«وسوف أختمُ هذا البابَ بواقعةٍ رواها العالِمُ الهنديُّ المغفورُ له الدكتورُ عنايةُ اللهِ المشرقيُّ، وهو يقولُ:

كان ذلك يومَ أحدٍ، من أيَّامِ سنةِ 1909م، وكانتِ السَّماءُ تُمطِرُ بغزارةٍ، وخرجتُ من بيتي لقضاءِ حاجةٍ ما، فإذا بي أرى الفلكيَّ المشهورَ السيرَ جيمس جينز -الأستاذَ بجامعةِ كمبريدجَ- ذاهبًا إلى الكنيسةِ، والإنجيلَ والشَّمسيَّةَ تحتَ إبطِه، فدنوتُ منه، وسلَّمتُ عليه، فلم يَرُدَّ عليَّ، فسلَّمتُ عليه مرَّةً أخرى، فسألني: ماذا تريدُ منِّي؟

فقلتُ له: أمرينِ، يا سيِّدي! الأوَّلُ هو: أنَّ شمسيَّتَكَ تحتَ إبطِكَ، رغمَ شدَّةِ المطرِ!

فابتسمَ السيرُ جيمسُ، وفتحَ شمسيَّتَه على الفورِ.

فقلتُ له: وأمَّا الأمرُ الآخرُ، فهو: ما الذي يدفعُ رجلًا ذائعَ الصِّيتِ في العالمِ مثلَكَ إلى أن يتوجَّهَ إلى الكنيسةِ؟

وأمامَ هذا السُّؤالِ توقَّفَ السيرُ جيمسُ لحظةً، ثم قالَ: عليكَ اليومَ أن تأخذَ شايَ المساءِ عندي.

وعندما وصلتُ إلى دارِه في المساءِ، خرجتْ ليدي جيمسُ في تمامِ السَّاعةِ الرَّابعةِ بالضبطِ، وأخبرتني أنَّ السيرَ جيمسَ ينتظرُني. وعندما دخلتُ عليه في غُرفتِه، وجدتُ أمامَه منضدةً صغيرةً موضوعةً عليها أدواتُ الشَّاي، وكانَ البروفيسورُ منهمكًا في أفكارِه، وعندما شعرَ بوجودي سألني: ماذا كان سُؤالُكَ؟»

ودونَ أن ينتظرَ ردِّي، بدأَ يُلقي محاضرةً عن تكوينِ الأجرامِ السماويَّةِ، ونظامِها المدهشِ، وأبعادِها وفواصلِها اللامتناهيةِ، وطُرُقِها، ومداراتِها، وجاذبيَّتِها، وطوفانِ أنوارِها المذهلةِ، حتَّى إنَّني شعرتُ بقلبي يهتزُّ من هيبةِ اللهِ وجلالِه.

وأمَّا السيرُ جيمس، فوجدتُ شعرَ رأسِه قائمًا، والدُّموعَ تنهمرُ من عينيهِ، ويداهُ ترتعدانِ من خشيةِ اللهِ. وتوقَّفَ فجأةً، ثم بدأ يقولُ: يا عنايةَ الله! عندما أُلقي نظرةً على روائعِ خلقِ اللهِ، يبدأُ جسدي يرتعشُ من الجلالِ الإلهيِّ، وعندما أركعُ أمامَ اللهِ وأقولُ: «إنَّكَ لعظيمٌ!»، أجدُ أنَّ كلَّ جزءٍ من كياني يؤيِّدُني في هذا الدُّعاءِ، وأشعرُ بسكونٍ وسعادةٍ عظيمينِ، وأحسُّ بسعادةٍ تفوقُ سعادةَ الآخرينَ ألفَ مرَّةٍ. أفهمتَ يا عنايةَ اللهِ خان، لماذا أذهبُ إلى الكنيسةِ؟

ويضيفُ العلَّامةُ عنايةُ اللهِ قائلًا: لقد أحدثتْ هذه المحاضرةُ طوفانًا في عقلي، وقلتُ له: يا سيِّدي، لقد تأثَّرتُ جدًّا بالتفاصيلِ العلميَّةِ التي رويتموها لي، وتذكَّرتُ بهذه المناسبةِ آيةً من آياتِ كتابي المقدَّسِ، فلو سمحتم لي لقرأْتُها عليكم.

فهزَّ رأسَه قائلًا: بكلِّ سرورٍ.

فقرأتُ عليه الآيةَ التاليةَ: ﴿وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ * وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾.

فصرخَ السيرُ جيمسُ قائلًا: ماذا قلتَ؟ ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾؟ مُدهِشٌ! وغريبٌ وعجيبٌ جدًّا!! إنَّ الأمرَ الذي كشفتُ عنه بعدَ دراسةٍ ومشاهدةٍ استمرَّتْ خمسينَ سنةً، مَن أنبأَ محمَّدًا به؟ هل هذه الآيةُ موجودةٌ في القرآنِ حقيقةً؟ لو كان الأمرُ كذلك، فاكتبْ شهادةً منِّي أنَّ القرآنَ كتابٌ موحًى به من عندِ اللهِ.

ويستطردُ السيرُ جيمسُ جينزُ قائلًا: لقد كان محمَّدٌ أُميًّا، ولا يمكنُه أن يكشفَ عن هذا السِّرِّ بنفسِه، ولكنَّ «اللهَ» هو الذي أخبرَه بهذا السِّرِّ... مدهشٌ...! وغريبٌ وعجيبٌ جدًّا».

هذا الحوارُ المثيرُ الذي وقعَ بينَ الفيزيائيِّ/الفلكيِّ جيمس جينز، وعالِمِ الرِّياضياتِ الهنديِّ عنايةِ اللهِ المشرقيِّ، له دلالاتٌ، وفيه مواضعُ لا ينقضي منها العجبُ.

فهذا الانفعالُ العميقُ الذي وقعَ من «جينز» وهو يتعمَّقُ في دراسةِ المعلوماتِ الفلكيَّةِ ويستعرضُها إلى درجةِ الارتجافِ وانهمارِ الدُّموعِ، مشهدٌ يثيرُ كوامنَ الإيمانِ في النُّفوسِ البشريَّةِ.

وبسببِ أنَّ عنايةَ اللهِ كان صغيرَ السِّنِّ حين التقى بجينز، وانبهرَ بإيمانِه باللهِ، فقد كان لذلك أثرٌ عجيبٌ في تعميقِ اليقينِ باللهِ في نفسِ هذا الفتى، حتَّى اعتُبِرَ جينزُ مُلهِمًا له.

وهذا الكونُ العجيبُ بمجرَّاتِه ونجومِه وكواكبِه وأقمارِه ومداراتِه ونظامِه، دفعَ البروفيسورَ جينزَ إلى البحثِ عن أقربِ دينٍ يعرِفُه، فتمسَّكَ بالنصرانيَّةِ، فكيفَ لو تعرَّفَ على كتابِ اللهِ المحفوظِ، ورأى ما فيه من عجائبِ الإعجازِ العلميِّ، والإعجازِ التشريعيِّ، والإعجازِ البلاغيِّ، والإعجازِ الرُّوحيِّ؟

ثم انظرْ، مع كلِّ هذا الانبهارِ بعجائبِ الكونِ ونظامِه، ازدادَ جينزُ دهشةً حين سمعَ قولَ اللهِ تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، وشهِدَ أنَّ القرآنَ حقٌّ! فما أعجبَ ما يصنعُه القرآنُ في النُّفوسِ البشريَّةِ!

ومن العجائبِ في هذا الحوارِ أن تنظرَ كيف يجدُ البروفيسورُ «جينز» في فطرتِه البشريَّةِ ما يؤيِّدُه، وهو يناجي اللهَ بالتَّعظيمِ ويقولُ للهِ: «إنَّكَ لعظيمٌ»! فكيفَ لو عرَفَ هديَ رسولِ اللهِ ﷺ في مناجاةِ اللهِ بأشرفِ الأذكارِ والمقاماتِ، وقد تفطَّرتْ قدماهُ سَيْلًا؟!

ثم انظرْ كيف يحكي البروفيسورُ «جينز» عن السَّعادةِ والسَّكينةِ التي تغمرُ نفسَه حين يناجي اللهَ بالتَّعظيمِ، فكيفَ لو ذاقَ سكينةَ القرآنِ، وغمرتْه حلاوةُ التهجُّدِ، ولذَّةُ الخشوعِ والانطراحِ بينَ يديِ اللهِ؟!

كلُّ هذه المعاني في تعظيمِ اللهِ تكشَّفتْ للبروفيسورِ «جينز» وهو يتأمَّلُ فقط ملكوتَ السَّماواتِ والأرضِ، حتَّى بلغَ أن شهدَ للقرآنِ أنَّه حقٌّ، وأنَّ نبوَّةَ محمَّدٍ حقٌّ. ألا صدقَ اللهُ سبحانه إذ يقولُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: 53].

هذه المشاعرُ التي عصفتْ بالبروفيسورِ جينزَ وهو يتدبَّرُ عظمةَ مَلَكوتِ السَّماواتِ والأرضِ، وجمالِ الفَلَكِ، عُرِضَتْ لكثيرٍ من النَّاسِ غيرِه، وسأذكرُ بعضَ الشَّواهدِ:

فهذا إيمانويل كانط (ت 1804م)، رمزُ الفلسفةِ الألمانيَّةِ، وفي عملِه الثَّاني في ثلاثيَّتِه النَّقديَّةِ المشهورةِ، استفتحَ خاتمةَ الكتابِ بهذه العبارةِ ذاتِ الدَّلالاتِ المثيرةِ، حيث يقولُ كانطُ في كتابِه المشارِ إليه:

«شيئانِ اثنانِ يملآنِ العقلَ بإعجابٍ ومهابةٍ متجدِّدَيْنِ ومتزايدَيْنِ، كلَّما كرَّرنا النَّظرَ فيهما: الأفلاكُ المرصَّعةُ بالنُّجومِ فوقَنا، والقانونُ الأخلاقيُّ في داخلِنا».

حين تتأمَّلُ في مشاعرِ كانطَ هذه التي يرويها عن نفسِه، وتستحضرُ منزلةَ كانطَ المركزيَّةَ في الفلسفةِ بعامَّةٍ، والفلسفةِ الألمانيَّةِ بخاصَّةٍ؛ تصلُ إلى نتيجةٍ خلَّابةٍ، وهي انفعالُ أشدِّ النَّاسِ إيغالًا في العلومِ العقليَّةِ بهذه الآياتِ الكونيَّةِ الفلكيَّةِ في السَّماءِ...

حسنًا... دعْنا نتجاوزْ هذه الطَّبقةَ من أهلِ العلومِ الطبيعيَّةِ والفلسفيَّةِ، ولنتأمَّلْ في طبقةٍ أرفعَ منهم وأشرفَ وأنقى وأزكى وأعلمَ، وهم ساداتُ العلمِ والإيمانِ، وإذا دلفْنا إلى هذه الطَّبقةِ، فلن أستطيعَ أن أتجاوزَ قصَّةً شاهدَها الحافظُ أبو حفصٍ البزَّارُ (ت 749هـ) بنفسِه، ثم سجَّلَها في كتابِه «الأعلامُ العليَّةُ في مناقبِ ابنِ تيميَّةَ»، الذي تقدَّمتِ الإشارةُ إليه في فصلٍ سابقٍ.

وبالمناسبة، فكتابُ البزّار هذا، في تقديري، هو أعذبُ الكتبِ التي تُرجِمَتْ لأبي العبّاس. صحيحٌ أنَّ في ترجمةِ ابنِ عبدِ الهادي، وابنِ كثيرٍ توسُّعًا في نواحٍ ومعلوماتٍ معيَّنة، لكنَّ البزّارَ نقل أمورًا من دقائقِ تصرُّفاتِ ابنِ تيميةَ، في ليلِه ونهارِه، لا تجدُها عند غيرِه. وربما يكونُ السببُ في ذلك أنَّ البزّارَ اقتربَ من ابنِ تيميةَ شغفًا بنقلِ أحوالِه، وكان ابنُ تيميةَ يُدنيه منه، كما يقولُ البزّارُ: «وكنتُ مدّةَ إقامتي بدمشقَ ملازمَه جلَّ النهارِ، وكثيرًا من الليلِ، وكان يُدنينِي منه، حتى يُجلسني إلى جانبِه».

وإنّي أغبطُ كلَّ قارئٍ لم يقرأْ بعدُ «الأعلامَ العليّةَ»، لأنَّ متعةً تاريخيّةً تنتظرُه… وهذه القصّةُ التي نقلها البزّارُ عن ابنِ تيميةَ تتعلّقُ بموضوعِنا عن الفَلَك، حيث يروي الحافظُ البزّارُ برنامجَ ابنِ تيميةَ بعد صلاةِ الفجرِ مباشرةً، فيقولُ:

«ثم يشرعُ في الذكرِ، وكان قد عُرِفتْ عادتُه: لا يُكلِّمُه أحدٌ لغيرِ ضرورةٍ بعد صلاةِ الفجرِ، فلا يزالُ في الذكرِ يُسمِعُ نفسَه، وربما يُسمَعُ ذكرُه مَن إلى جانبِه، مع كونِه في خلالِ ذلك يُكثِرُ من تقليبِ بصرِه نحوَ السماءِ، هكذا دأبُه حتى ترتفعَ الشمسُ ويزولَ وقتُ النهيِ عن الصلاةِ».

فتأمّلْ كيف كان أبو العبّاس ابنُ تيميةَ يُكثِرُ من النظرِ في مَلَكوتِ السَّماواتِ والأرضِ بعد صلاةِ الفجرِ وهو يذكرُ اللهَ، يُقلِّبُ بصرَه في السماءِ، لما يتضافرُ في ذلك من اجتماعِ أسبابِ الاستغراقِ في استحضارِ العظمةِ الإلهيّةِ.

وإنما ورد النهيُ عن رفعِ البصرِ إلى السماءِ في حالِ الصلاةِ، كما سبقتِ الإشارةُ إليه في فصلٍ سابقٍ؛ لأنّها حالٌ خاصّةٌ من الخشوعِ والإطراقِ والأدبِ، وأمّا في سوى ذلك فلم يُنهَ عنه، بل هو من هديِ رسولِ الله ﷺ، كما كان يُقلِّبُ وجهَه في السماءِ وهو يلتمسُ تحويلَ القبلةِ: ﴿قَدْ نَرَىٰ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: 144].

وذكر الصحابةُ كثرةَ رفعِ النبيِّ ﷺ وجهَه إلى السماءِ، كما في صحيحِ مسلم: «فرفعَ النبيُّ ﷺ رأسَه إلى السماءِ، وكان كثيرًا ممّا يرفعُ رأسَه إلى السماءِ». وفي السننِ: «كان رسولُ الله ﷺ إذا جلسَ يتحدّثُ يُكثِرُ أن يرفعَ طرفَه إلى السماءِ».

ومن أعظمِ النماذجِ في التعاملِ مع الفَلَكِ كمعراجٍ لليقينِ، والتي تفوقُ ما ذكرناه عن غيرِ الرسلِ، موقفُ خليلِ اللهِ إبراهيمَ، وما جرى له من أحوالٍ مع الأجرامِ الفلكيّةِ... وقد نصَّ اللهُ في كتابِه أنَّه أرى إبراهيمَ «مَلَكوتَ السَّماواتِ والأرضِ» لتحقيقِ نتيجةٍ واضحةٌ، وهي قولُه: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾...

فأيُّ برهانٍ أعظمُ من هذا البرهانِ يبيّنُ أنَّ الفَلَكَ مِعراجٌ لليقينِ، وأنَّ الأجرامَ السماويّةَ وأحوالَها سلالمُ يصعدُ بها القلبُ إلى مداراتِ الجزمِ وخلعِ الارتياباتِ؟ ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: 75].

النظرُ في ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ... دربٌ ينتهي بصاحبِه إلى جنّةِ اليقينِ...

وقد دعانا اللهُ إلى هذا النظرِ في ملكوتِ السَّماواتِ والأرضِ، فقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَنظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأعراف: 185].

على أيّةِ حالٍ... من تأمّلَ في قصّةِ الفيزيائيِّ/الفلكيِّ جيمس جينز، وشدّةِ انفعالِه بعظمةِ صنعِ اللهِ وبدائعِ نظامِه في الفَلَكِ، حتى انهمرتْ دموعُه، وتأمّلَ عبارةَ كانط حين تحدّثَ عن تزايدِ الإعجابِ والمهابةِ كلّما كرّرَ المرءُ النظرَ في السماءِ المرصّعةِ بالنُّجومِ فوقَنا، وتأمّلَ كيف كان الإمامُ ابنُ تيميةَ يُقلّبُ بصرَه في السماءِ بعد صلاةِ الفجرِ حتى تطلعَ الشمسُ... ثم ضمَّ هذه المشاهدَ كلَّها إلى قولِ اللهِ: ﴿وَكَذَٰلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾؛ أدركَ شيئًا من عجائبِ أسرارِ القرآنِ في غرسِ اليقينِ في النفوسِ البشريّةِ...!

وكلّما أعادَ المرءُ التدبّرَ والتمعّنَ في العبارةِ الأخيرةِ: ﴿وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، انفتحتْ له أبوابٌ عظيمةٌ إلى مقامِ الإحسانِ، وهو أرفعُ مقاماتِ الدينِ، فوقَ الإسلامِ والإيمانِ، وهو أن تعبدَ اللهَ كأنّكَ تراه، يعني من شدّةِ اليقينِ… فإذا رأيتَ النُّجومَ تتدلّى بحبالِ ضيائِها إليكَ، فانتهزِ الفرصةَ، وتسلّقْ بها إلى قممِ اليقينِ… ________________________________________________

(فائدة) لما كان الإمام مسلم بن الحجاج يصنف كتابه ((الصحيح)) الذي هو أحد مفاخر هذه الأمة، وبلغ -رحمه الله- أحاديث الصلاة، وبلغ منها تحديدًا أحاديث مواقيت الصلاة، جاء لحدیث عبد الله بن عمرو المشهور في تحديد أوقات الصلاة، وكان هذا الحديث جاء بروايات متفرعة متعددة، فرتبها ترتيبًا حسنًا استوعب اختلاف الطرق فيها عن قتادة عن أبي أيوب عن عبد الله بن عمرو، فلما رأى رحمه الله صنيعه هذا أراد أن يوصل رسالة لقارئ كتابه أن هذه النتيجة الحديثية التي توصل إليها في حديث عبد الله بن عمرو لم تأت إلا بالعناء المضني، فأخرج بعدها أثرًا عن الإمام الحافظ يحيى بن أبي كثير (ت١٢٩هـ) يقول فيه: (حدثنا یحیی بن یحیی التمیمي، قال أخبرنا عبد الله بن یحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبي يقول: ((لا يُستطاع العلم براحة الجسم))).

يقول القاضي عياض (ت ٥٤٤هـ) في كتابه إكمال المعلم: (فكثيرٌ من يسأل عن ذكره هذا الخبر في هذا الموضع وليس منه، ولا هو من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من شرط الكتاب، فقال لنا بعض شيوخنا: إن مسلمًا رحمه الله أعجبه ما ذكر في الباب، وعرف مقدار ما تعب في تحصيله وجمعه من ذلك، فأدخل بینها هذا الخبر تنبيهًا على هذا، وأنه لم يحصِّل ما ذكر إلا بعد مشقة وتعب في الطلب، وهو بيِّن، والله أعلم).

(فائدة) يقول ابن تيمية: (وأفضل الخلق: محمد صلى الله عليه وسلم، ثم إبراهيم صلى الله عليهما وسلم) (اقتضاء الصراط المستقيم (٢/ ٨٣٣)). وقال ابن تيمية أيضًا: (فصلٌ: وأفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم الخليل)( مجموع الفتاوئ، (٣١٧/٤)). حسنًا .. لا شك أن محمد وإبراهيم الخليلين -صلى الله عليهما وآلهما وسلم- هما أعظم شخصين في تاريخ البشرية ..

(فائدة) في الحديث: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم، التقى بإبراهيم عليه السلام، وأخبره أن الجنة قيعان، وأنها عذبة الماء، طيبة التربة، وأن غراسها: (سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). وقد علّق النووي على هذا الخبر بقوله: (وقد منّ الله الكريم علينا وجعل لنا رواية متصلة، وسببًا تعلقًا بخليله إبراهيم -عليه السلام- كما منّ علينا بذلك في حبيبه خليله وصفيّه محمد صلى الله عليه وسلم). ثم ساق النووي بإسناده هذا الحديث السابق مرورًا بالترمذي.

(فائدة) في أحد تلك المشاهد كان الشيخ البزار يصوّر صلاة ابن تيمية .. وحين تحدّث عن طريقة تكبيره رسمها بعبارة تنقطع لها الأنفاس .. يقول البزار عن شيخه ابن تيمية: (وكان إذا أحرم بالصلاة يكاد يخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام، فإذا دخل في الصلاة ترتعد أعضاؤه حتى يميد يمنة ويسرة) (الأعلام العلية، ص٣٧).



المرأة وذئاب تخنق ولا تأكل أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المرأة وذئاب تخنق ولا تأكل

أبو عبد الرحمن بن عقيل الظاهري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: في المجتمع المتحضر.. حافوا على المرأة، فغمطوها حقها في حياة كريمة، تكون فيها خدينةً لزوجها، ودفئاً لأطفالها، تغمرهم بحنانها وعطفها، وتُغدق عليهم من وابل كرمها، تملأ بيتها بالسعادة والبسمة، وتمنح أسرتها جُل وقتها، تحوطهم بسكنها، وتحفهم بمودتها، والرحمة التي زرعها الله في نفسها..

كما أنهم أهدروا حريتها، وانحرفوا بها في مزالق الذبول والانكسار، وأغروها بالأصباغ والعطور والزينة، وفتنوها بالرواح والمجيء والعمل، حتى تلمكتها النشوة المُسكرة، ونالت منها الأزياء المزركشة، وفتنتها المجوهرات النفيسة، والسيارات الفارهة، والشقق الفاخرة، وأضحت تطرب لكل مدح وثناء، وتتراقص عندما تكون موضع الإعجاب والتقليد.. حتى اوغلت في الإنحلال، وأنست إلى التفلت..

وقد وصل بهنّ الأمر إلى محطات الترهل والانطفاء، كأي شيء يبدأ متوهجاً ثم سرعان ما يأفل، وقد أخفقت عمليات التجميل في استعادة نضارتهن، وأضحت ملفوظةً كبقايا هياكل ميتة في طريقها إلى الزوال. 

وفي هذا الكتاب ينعى المؤلف أخلاق النساء في مصر (والعالم العربي عموماً)، حيث رأى أنه في غُربةٍ جديدة لكنها في قلب الشرق، وفي أقرب وأحب البلدان إليه (مصر الحبيبة)، يقول: 

((لو كان شيءٌ فوق العتاب واللوم، لكان ذلك لأرض الكنانة المباركة، وإنما أعتب بإدلال ابنٍ لدى أم حنونة وكريمة، لأنني لا أريد أن تكون غريبة عن دوحتي، وهي واجتها! إن لكنانة الله حقاً علينا منذ حملنا القلم، ولهذا كنا نهفو إليها، ونترك أهلنا، ثم يزعجنا أن نكون في غربة))!

وأصل هذا الكتاب هو كتاب آخر قبله، وهو (شعب بوان)، وهو كتاب هموم عامي، ألفه عام 1395 هـ، وهذا الاسم كناية عن أرض مصر، ثم احدث عليه تعديلات فيفة، وسماه (المرأة وذئاب تخنق ولا تأكل)، (والخنق) يشير إلى الجوع النسبي، وباعثه التداوي من الرغبة بالإثم، وإيحاش القلب بالسلوك الرديء، حيث الركون إلى الرذيلة، والتقاعس عن الالتزام بمسؤوليات الزواج.

وهو في حقيقته وصايا عامة للنساء في حدود البيئة والجغرافيا والعادات الاجتماعية، حيث يتذكر أيام الماضي في بلاد السعودية، ويقارن بينها وبين ما يراه في مصر من مظاهر السفور والاختلاط وغير ذلك.

وقد وصف أبو عبد الرحمن الظاهري مصر بكلمات عذبة رقراقة؛ فيقول: 

((وفيهم -يعني أهل مصر- معلمو العالم العربي والإسلامي في العصور الأخيرة -كالمقريزي، والسخاوي، وشوقي، وزكي مبارك - ممن لا يحصيهم العد، وإن جحدهم بعض الجاحدين، وفيها قمم وأشياخ.. ومنها تداعى الجد والهزل والفكر ولاظرف والتسديد والشطح.. أما عامتهم؛ فقد امتع الله قلوبهم بالسكينة، وسلوكهم بالأريحية، لا يعرفون العقد النفسية والوجوم، وإن كانت بيوتهم وجيوبهم أفرغ من فؤاد ام موسى، وإنما تتدفق ضحكاتهم إلى اطراف آذانهم، مع كفاحهم المرير في تحصيل لقمة العيش، فكانوا قدوة الكادح الصابر، وهم في رضاهم وفرحهم قدوة الشكور، وفي ظني أن النسغ والبلسم سيتدفق من نيلهم الخالد)) اهـ (ص 42).

كما أنه يتألم لما رآه بمصر من البدع التي طالت العوائد والعقائد، وما يجري في أروقة المؤسسات من الرشا والسمسررة والنصب والاحتيال وانحراف السياحة، الأمر الذي لم تنفرد به مصر، وإنها لمصيبة وأي مصيبة..  ومن الطريف أن أذكر هنا عبارة أعجبتني للمؤلف، وهو قوله في الغزل:

((أيتها النسوة.. شعرنا العربي كله بكاءٌ عليكُنّ، ومنكُنَّ، ولأجلكنَّ.. وإنما غاية نسجه هو رضاكُنَّ فحسب، وما أكثر شقاء من يلهث خلفكنَّ)).

ولما وقع الكتاب في يد طبيب مصري كتب شعراً يمدح فيه التأليف ومؤلفه:

حديثك الشهد أرواني وأشبعني … وقولك الحق في الأعماق أسعدني

دلت تباريح نفسي في معيته… ومن التاباريح ما يشفي من الحزن

طالعته لوحةٌ بالحب ناطقةٌ… بين الأشقاء تستهدي وتبهرني

أصبت يا ابن عقيلٍ في مقالكم… كبد الحقيقة بالتلميح والعلن

كلمات صدقٍ بقلبي كان موقعها… يا طيبها كلمات عن بني وطني

روح الوفاء تسامت بين أسطرها… وجب الوفاء لمن بالأمس علمني

أطريت عشقهم للفن كلهم… فهم العباقر يرتفعون كالثكنِ

آنست روحي بالأقطاب من بلدي… أهل التقى والنقى والنور في الدجن

حييتهم قمماً في العلم شامخة… حدثت عنهم حديث المخلص الفطن

وفي المعاناة كم انصفت بذلهم… كم يدفعون بلا منٍّ ولا ثمن

فالفقر يعني فراغ العقل عندهم… وليس فقراً فراغ الجيب والسكن!

هذي قناعتهم ولأجلها ضحكوا… وتحرروا من قيود الزيف والفتن

فيا أخي أهدهم ما شئت من قُبَلٍ … فإليك أضعافها من مُعجَبٍ لَقِن!

ويقول في موطنٍ آخر:

عرفت لمصر فضلها ومكانها… فقلت رعاك الله كل جميل

تحييك مصر نيلها ونخيلها… وشعبٌ أبيُّ الروح جدُّ جميلِ

تقوم على الدنيا براهين مجده… وها هي ذي الأمجاد خير دليل

بناها رجالٌ اهل علمٍ وحكمةٍ… وعزمٌ كعزم الجن غير كليل

فلا تستمع فيها مقال مكابرٍ… فما ذلك الإعجاز صنع ذليل

حضارتهم ليست ركم حجارةٍ… وأطلال ربع في القفار محيل

ولكن علومٌ مستراد لمثلها… وأخلاق جيلٍ رائعٍ وقبيل

بلاد لها بالوحي عهدٌ وصحبة… وبالرسل من مستوزر وخليل

كنانته في الأرض فاضت شعابها… جياداً وفرساناً وعهد صهيل

سلوا يوم كيبور وحطين عنهمو… وعن كل ماضي الشفرتين صقيل

رأت عين جالوت حماة عقيدةٍ… ترد عن الإسلام شر دخيل

فهم خير جند الأرض ما دام فوقها… مصارع أغوال ومانع غيل

فلا أبرأ الباري مراضاً ببغضها… ولا بلغوا منها شفاء غليل

ستبقى لهذا الشرق دُرة تاجه … على كل حالٍ مُبرمٍ وسحيل







الأربعاء، 16 سبتمبر 2026

عصر الإسلاميين الجدد د. وليد الهويريني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

عصر الإسلاميين الجدد

د. وليد الهويريني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: اقتضت سنة الله تبارك وتعالى في هذه الحياة أن السلطة والملك لا يدومان مع الظلم والطغیان، قد جعل الله سبحانه الظلم سبباً لخراب العمران وضعف الأمم وسقوط المجتمعات. وكلنا يذكر الفوضى الخلاقة التي أعلنتها وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس، وأن رايس نفسها أكدت على ضرورة التخلص من حلفاء الغرب في المنطقة واستبدالهم بحلفاء جدد، كما أن الدراسات والأبحاث الغربية أكدت على ضرورة فتح الباب لشريحة من الإسلاميين لتسلم السلطة، وهذا ما لم يكن موجوداً في أجندة السياسة الأمريكية قبل ١١ سبتمبر ٢٠٠١م.

ولا ريب أن للثورات العربية آثارها الإيجابية في إطلاق حرية الدعوة الإسلامية بعد سجن طويل، فتحطم القبضة الأمنية الحديدية التي كانت تمسك بخناق الدعاة وتحاصر الخطاب الإسلامي في زوايا محدودة، سيكون له تداعياته الإيجابية الذي يحسن بالدعاة استثمارها على أكمل وجه، وإذا أردنا أن نحصر حديثنا في هذا المبحث في بلدان الثورات العربية، فإننا لا يمكن أن نغفل الآثار الفكرية الكبرى التي ستنتج عن تسلم الإسلاميين للسلطة فيها، سواء نجحت تجربتهم في السلطة أو فشلت، في كلا الحالتين آثارهما الإيجابية والسلبية على حد سواء. 

وقد برز إبان ذلك الإسلاميون الجدد، وقد ظهر هذا الاتجاه الفكري منذ زمن طويل، وذلك في أعقاب أول ارتطام بين الحضارة الغربية المعاصرة والأمة الإسلامية، الذي بدأ بدخول جيش نابليون مصر في عام (١٧٩٨ - ١٨٠١م)، وبرز بشكل جليّ مع الاستعمار البريطاني لمصر.

وقد اختلف الباحثون والمؤرخون حول تسمية هذا الاتجاه الفكري، فقد أطلقت علیه مصطلحات عدة مثل: (الاتجاه العصراني) أو (الاتجاه العقلاني) أو (التنوير الإسلامي) واليوم يطلق عليهم في كثير من الأوساط البحثية الغربية والعربية مصطلح (الإسلاميون الجدد). ومن أبرز سماته أنه يستهدف المواءمة والتوفيق بين نصوص الشرع ومعطيات الحضارة الغربية، وذلك بتطويع النصوص الشرعية، وتأويلها تأويلاً جديداً يتلاءم مع المفاهيم المستقرة لدى الغربيين.

ويعرفهم الشيخ أحمد سالم بأنهم (تيار فكري يسلّم بسلطة الوحي على العقل، وكونه معياراً للممارسات الإنسانية، حاول مفكروه التوفيق والمواءمة بين الإسلام وبين مفاهيم التنوير الغربي، فقبلوا منها ما رأوه حقاً، وردوا منها ما رأوه باطلاً، ولكنهم أثناء عملية التوفيق هذه، أضاعوا قطعيات من الشريعة وخالفوها، إما بقبول باطل وإما برد حق، فكانت مخالفة القطعي، بقبول ما هو باطل من المفاهيم الغربية، ورد ما هو ثابت قطعي من الدين).

ولعل أهم معالم المشروع التجديدي للإسلاميين الجدد، كالتالي: إصلاح التعليم، الاحتفاء بالفنون، بناء الجماعة الوطنية، إقامة نظام اقتصادي، الكفاح من أجل التجديد الإسلامي، التفاعل مع العالم.

إن ما نشهده حالياً هو تشتت المرجعية الإسلامية، وعجز التيارات الرافعة للشعار الإسلامي عن احتكار المشروعية الإسلامية، على الرغم من السمة الدينية الغالبة على المجتمع؛ فالبضاعة الإسلامية نفسها أصبحت شديدة التنوع، والسلطة التأويلية للنص لم تعد قائمة، ومسارات التدين غدت متعددة وغير محصورة في النمط السياسي.

ويأتي كتاب «عصر الإسلاميين الجدد» للدكتور وليد الهويريني في سياق مرحلة شديدة التحول في العالم العربي والإسلامي، حيث تداخلت التحولات السياسية مع المتغيرات الفكرية، وتراجعت أنظمة وصعدت أخرى، وانفتحت أمام التيارات الإسلامية مجالات واسعة للحركة والمشاركة السياسية والدعوية بعد عقود من التضييق والاستبداد. وفي خضم هذه التحولات برز تيار فكري جديد حاول أن يعيد قراءة العلاقة بين الإسلام والحداثة، وبين النص الشرعي والمفاهيم الغربية، وبين المرجعية الإسلامية ومتطلبات الدولة والمجتمع المعاصر. 

ومن المناسب أن نقتبس هذه العبارات المعبرة: (ثم لا ينبغي أن يستغرب المرء من وقوع بعض الإسلاميين في أخطاء فادحة بالمعايير الشرعية نتيجة لخلل في بنيتهم الاستدلالية الفقهية، أو طغيان الاهتمام بتحقيق مقاصد شرعية أدنى على حساب مقاصد شرعية أعلى منها) (ص 6).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:

(والمؤمن ينبغي له أن يعرف الشرور الواقعة ومراتبها في الكتاب والسنة، كما يعرف الخيرات الواقعة  مراتبها في الكتاب والسنة، فيفرق بين أحكام الأمور الواقعة الكائنة، والتي يُراد إيقاعها في الكتاب والسنة، ليقدّم ما هو أكثر خيراً وأقل شراً على ما هو دونه، ويدفع أعظم الشرين باحتمال أدناهما، ويجتلب أعظم الخيرين بفوات أدناهما، فإنّ من لم يعرف الواقع في الخلق والواجب في الدين لم يعرف أحكام الله في عباده، وإذا لم یعرف ذلك کان قوله وعمله بجهل، ومن عبد الله بغیر علم كان یفسد أکثر مما يصلح) جامع الرسائل ٣٠٥/١.

دعم الديكتاتوريات العربية لأكثر من ستين عاماً:

وفي نوفمبر ٢٠٠٣ م أدلى الرئيس جورج بوش الابن بأول اعتراف أمريكي علني، عندما ذكر بأن الولايات المتحدة ظلت تدعم الديكتاتوريات في الشرق الأوسط لأكثر من ستين عاماً، وأن تلك السياسة لم تجلب لأمريكا الأمن أو تخدم مصالحها، وأعلن بوش تخليه عنها وتبنيه لسياسة جديدة قوامها نشر الديمقراطية.

في فبراير ٢٠٠٤م قدم الرئيس بوش إلى مجموعة الثمانية مبادرة مشروع الشرق الأوسط الكبير، ونشرت صحيفة الحياة اللندنية في ٢٠٠٤/٢/١٣م نص المشروع، ففي المقدمة تحذر الورقة من اقتراب الشرق الأوسط من الانفجار بسبب التدهور الاقتصادي والاستبداد السياسي وخطورة ذلك على الغرب ومصالحه في المنطقة، وتلخص الورقة إصلاح النواقص التي حددها تقارير الأمم المتحدة عن التنمية البشرية العربية عبر محاور ثلاثة:

- تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح. - بناء مجتمع معرفي. - توسيع الفرص الاقتصادية.

وتقول ورقة المشروع ما نصه: (فالديمقراطية والحكم الصالح يشكلان الإطار الذي تتحقق فيه التنمية).

تدريب الشباب على المظاهرات السلمية:

وبالفعل قامت الولايات المتحدة قامت عبر مؤسسات أهلية بتدريب الآلاف من الشباب العربي على كيفية التظاهر السلمي، ومواجهة قوى الأمن، واستراتيجيات التغيير، وهذا ما ذكره د.محمد الأحمري مع كونه من المثقفين الذي ينفون نظرية المؤامرة حيث يقول: (الديمقراطيات القادمة في العالم العربي ستكون في الغالب ديمقراطيات موالية للغرب، أو على الأقل لا تعادي الغرب وهذا مطلب أساسي في المرحلة القادمة.

ثم يؤكد تدريب الغرب لمجموعات شبابية فيقول: (إن الذي يحدث الآن ليس عملاً أمريكياً نُفذ، ولكن سبق هذا عمل وهو تهيئة كثير من الشباب في دورات الاحتجاج المدني في صربيا .. فأصبح هناك نوع من التدريب لمجموعات مدنية يمكن أن تؤثر .. وأن تسقط أو تكسر المجموعات اليابسة).

ثم يستطرد فيقول: (هناك أعداد درّبت على الاحتجاج المدني في أغلب الدول العربية بما فيها دول الخليج ... هناك أعداد كبيرة جُهّزت لهذا الأمر).

والسؤال الذي يرد على حديث الدكتور الأحمري: هذه المجموعات التي درّبتها وجهّزتها الولايات المتحدة، هل درّبتها بانتظار تغيير كوني قدري لا دخل لها فيه فهي تنتظر حدث قد يأتي وقد لا يأتي؟ وهل يمكن لدولة كبرى أن تنفق هذه الأموال الطائلة وتدرّب الأعداد الكبيرة من غير أفق مستقبلي منظور وقريب يمكن أن يؤتي هذا التدريب والتجهیز أهدافه الذي من أجله وضعت؟

هذه الأسئلة ومثيلاتها ... لا تجد لها أجوبة في ظل هدير الأحداث المتلاحقة والعواطف الجارفة.

أكاديمية التغيير .. وأسئلة مشروعة؟!!

كان من اللافت أن مجلة المجتمع الكويتية نشرت تقريراً في عددها الصادر في ١٤٣٣/٢/١٣هـ الموافق ٢٠١٢/١/٧م بعنوان (أكاديمية التغيير ... أداة أمریکا لإجهاض الثورات العربية)، ومما جاء فیه:

(بتاريخ ١٦ ديسمبر ١٩٩٨م نُشرت وثيقة للمخابرات الأمريكية، تشرح خطة المخابرات المركزية لتفكيك يوغوسلافيا السابقة إلى عدة دول ضمن خطتها لإضعاف الكتلة السوفييتية، هذه الخطة اعتمدت على دعم مؤسسات وظيفتها المعلنة هي ((التغيير بدون عنف))، وكانت مجموعة ((أوتبور)) التي ترفع شعار ((قبضة يد)) - شعار حركة ((٦ أبريل)) - هي وسيلة المخابرات الأمريكية للإطاحة بالزعيم الصربي ((سلوبودان میلوسوفیتش)) (عام ٢٠٠٠م) عبر سلسلة احتجاجات واعتصامات. 

عندما نجحت هذه الخطة بدؤوا ينفذونها في العالم العربي؛ بهدف تدريب الشباب العربي على ((التغيير)) وقلب أنظمة الحكم عبر ما أعلن في البداية عن استخدام ((وسائل غير عنيفة))، وكانت أبرز هذه المؤسسات التي جرى الاعتماد عليها ودعمها هي ما سمي بـ(أكاديمية التغيير)) التي أُنفق عليها بسخاء بهدف تعليم الشباب كيفية قلب نظم الحكم أو التغيير عبر آليات ووسائل للتظاهر. هذه الأكاديمية التي تأسست في لندن في يناير عام ٢٠٠٦م، وافتتحت فرعاً لها في قطر عام ٢٠٠٩م تقوم بما يشبه التدريس للشباب العربي ((بلا مقابل))، وبدأت تعليم الشباب المصريين أدوات التغيير، وفلسفة وثقافة التغيير، وإستراتیجیات التغییر، وتکتیکات ووسائل التغییر. 

حیث ترکز على شرح وسائل للتظاهر ومواجهة قوات الأمن، وكيفية التغلب على كلاب البوليس، والخروج في مظاهرة، وحثِّ الناس على التظاهر والثورة، ووسائل شلِّ قدرات قوات الأمن على منع المظاهرات والاحتجاجات عبر فيديوهات تعليمية. وتقول في موقعها على ((فيسبوك)): إن هدفها ((نشر ثقافة التغيير، وتوفير الأدوات اللازمة لإحداث الثورات، وتدريب كوادر مؤسسات المجتمع المدني والأحزاب والأفراد على استراتيجيات ووسائل التغيير))، ولهذا انضم لها ثوار مصريون، حيث ركزت هذه الأكاديمية على تعليم النشطاء المصريين والعرب وسائل العصيان المدني، وأسالیب جدیدة للاحتجاج، ووضعت كتباً لتعليم النشطاء إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرات.

وكان لبعض النشطاء الذين شاركوا في هذا البرنامج دور في (ثورة ٢٥ ینایر)، وهو ما استفاد منه نشطاء من عدة حركات سياسية مصرية في هذه الثورة، خصوصاً في وسائل الاحتجاج والتغلب على الغاز المسيل للدموع وغيره. ولكن بعد انتصار الثورة، وتنحِّي ((مبارك))، بدأ البعض من هؤلاء الشباب ممن يتبعون نهج هذه الأكاديمية في استخدم نفس أساليب أكاديمية التغيير في التظاهر والتحريض ضد ((المجلس العسكري)) ومواجهة قوات الأمن والجيش، ولكن بأسالیب بها قدر من العنف، مثل استخدام احجارة وزجاجات المولوتوف بدعوی الرد على عنف الأمن، والتعدي على الشرطة والجيش وحرق آليات عسكرية.

وظهر مخطط مختلف لعمل ثورة جديدة يقودها هؤلاء الشباب، مستفيدين من وسائل هذه الأكاديمية، وانتشرت فيديوهات خبيئة على موقع الأكاديمية بعناوين مثل «كيف تواجه أناساً لا يقاتلون لكنهم لا يخضعون؟»، وعقد ندوات غريبة مثل ندوة بالتعاون مع مؤسسة (Shift) بعنوان ((تغيير النظم السياسية)) ستعقد في يناير الحالي عام ٢٠١٢ م .. حتى أصبح السؤال هو: لماذا استمر التدريب في تلك الأكاديمیة بعد قيام الثورة على ((تغيير النظم السياسية))، وبعدما نجحت الثورة في تغيير النظام؟!

واللافت أن البعض ممن يقودون فكرة التغيير هذه بعد الثورة يقولون على مواقعهم الشخصية و((فيسبوك)): إنهم هم من عملوا الثورة، وأسقطوا النظام، ولكن ((المجلس العسكري)) و((الإسلاميين)) سرقوا منهم ثورتهم؟!.

ثم يستطرد التقرير:

(فكرة ((أكاديمية التغيير)) هذه بدأت في أوائل ٢٠٠٥م من خلال ثلاثة شبان مصريين ذهبوا للبحث عن عمل في لندن، وجذبتهم فكرة مجموعة ((أوتبور)) الصربية - أو تم جذبهم لها - فأنشؤوا موقعاً إلكترونياً للترويج لأفكار العصيان المدني باللغة العربية، ولكنهم بدؤوا في عام ٢٠٠٥م يمارسون نشاطهم العلني في مصر عبر محاضرات لتعليم النشطاء المصريين كيفية (العصيان المدني والاعتصام)، وكان من بين حضور جلساتهم الأولى حوالي ٣٠ عضواً في حركة (كفاية) حيث استلهم المصريون الثلاثة الطريقة التي أطاحت بها مجموعة ((أوتبور)) بالزعيم الصربي ((سلوبودان ميلوسوفيتش)) من خلال احتجاجات سلمية عام ٢٠٠٠م، ودرسوا صراعات سابقة، وكان التركيز في البداية في مصر على تفادي العنف، وأن تكون المظاهرات سلمية.

وفي يناير ٢٠٠٦م ظهرت ((أكاديمية التغيير)) في لندن لتركز على تعليم النشطاء المصريين والعرب وسائل العصيان المدني وأسالیب جدیدة للاحتجاج، ووضعت كتباً لتعليم النشطاء إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرات.

ولمساعدة المتظاهرين على المقاومة السلمية بئّت (أكاديمية التغيير) في موقعها على الإنترنت فيلماً مدته ثماني دقائق حول أفكار تشبه ما جاء في كتيبها الإرشادي عام ٢٠٠٨م، وشرح الفيلم كيفية حماية المتظاهرين لصدورهم وظهورهم باستخدام دروع مصنوعة من البلاستيك والورق المقوى، وطريقة التخلص من آثار الغاز المسيل للدموع عن طريق تغطية الوجه بمحارم ورقية مشربة بالخل أو الليمون أو عصير البصل. ثم بدؤوا ينشرون هذه الأفكار للتغيير ومواجهة قوات الأمن في المصانع، ثم بدأ تعليمهم كيفية استغلال الـ((فيسبوك)) والإنترنت في التواصل بين النشطاء للتظاهر ونشر الأخبار التي يريدونها، وكان لبعض النشطاء الذين شاركوا في هذا البرنامج.

بداية الثورات العربية:

بدأت الثورات العربية في تونس أواخر العام 2010م، ثم شقت طريقها لعدد من البلدان العربية الأخرى، مثل سوريا وليبيا ومصر في 25 يناير 2011م، وقد جاءت هذه الثورات العربية بعد ظلام حالك السواد، عانت منه المجتمعات العربية عقوداً من الاستبداد والقهر والفقر والتخلف ومصادرة حريات الشعوب ونهب ثرواتها وارتهان قرارات أنظمتها للقوى الكبرى.

ولذا كان من الطبيعي أن تتلقى هذه الشعوب المستضعفة ما حدث بُعيد الثورة التونسية بفرحة عارمة وآمال عريضة وطوفان جارف من الاستبسال والحماس والعزيمة، التي أذهلت العالم وأزالت ركام سنوات القهر والاستضعاف التي ظن الكثيرون أن الشعوب العربية استكانت لذكرياتها الأليمة، ورضخت لقضبانها الفولاذية، واستسلمت لجلاديها وجلاوزتها، ولكن تهاوي الصنم الأول كان كافٍ ليشعل القلوب حماسة، ويُحيي معاني التضحية والفداء والحرية في نفوس المقهورين والمستضعفين.

ثورات متتابعة ولكن أين القائد؟

إن تتابع الثورات وتسارعها وطبيعتها الجماهيرية مع غياب شخصية القائد، كان له أثره الإيجابي من جهة عجز المستبد عن التفاوض معها أو قمعها أو التحكم بمطالبها، ولكنه من جهة أخرى كان له أثره السلبي الذي من ضمنه استنساخ الشعوب بعفويتها وتلقائيتها للثورات التي سبقتها دون دراسة معمقة لخصوصية كل بلد عربي وظروفه السياسية وإمكانياته الاقتصادية، وهذا من طبيعة العمل الشعبي العفوي.

العواطف لا تصنع القرار:

لئن كان من الطبيعي أن تنطلق الشعوب في اتخاذ قراراتها وحراكها بعفوية نابعة من دوافع منطقية ومتفهمة، فإن هذا مما يستوجب على علماء هذه الأمة ومفكريها إعادة النظر فيما يجري في المنطقة العربية، وذلك لصناعة أجواء من الوعي والنضج التي تتجاوز المشاعر الآنية وردود الأفعال المباشرة، والتي تجعل ممن لا يهمه يقيناً تحرير هذه الأمة من ربقة التبعية والاستبداد أن يتحكم بمصيرها، ويستثمر عواطفها المشبوبة ومطالبها المشروعة لتحقيق أهدافه.

لماذا الثورات العربية؟

يقول الدكتور النفيسي: (عندما سمعت باندلاع الاحتجاجات في تونس وسقوط النظام التونسي تداعى إلى ذهني صورة وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس قبيل تكليفها بحقيبة الخارجية عام ٢٠٠٥م، حيث مثلت أمام لجنة الاستماع في الكونجرس الأمريكي الذين سألوها عما ستفعله إذا استلمت حقيبة الخارجية، فقالت رايس: إن لدينا قائمة من الحلفاء في الشرق الأوسط انتهت صلاحيتهم واستُهلكوا تماماً، ويجب التخلص منهم واستبدالهم بحلفاء جدد للولايات المتحدة).

وقال: (نحن شعوب عاطفية وهذا أخطر شيء نعاني منه، عندما نشاهد هذه التحولات نتصور أن قضايانا حُلّت أو في بدايات الحل، لنهدأ قليلاً ونقرأ المشهد بالعقل وليس بالقلب).

المستشرق برنارد لويس يضع تقسيم الشرق الأوسط الجديد:

ثم كانت المفاجئة أن المجلة التابعة لوزارة الدفاع الأمريكية أعادت في حزيران ٢٠٠٣م نشر المشروع التقسيمي لبرنارد لويس، والذي يتضمن تقسيم الشرق الأوسط إلى أكثر من ثلاثين دويلة أثنية ومذهبية لحماية المصالح الأمريكية وإسرائيل، ويتضمن المخطط تجزئة العراق إلى ثلاث دويلات وإيران إلى أربع والأردن إلى دويلتين والسعودية إلى ثلاث دويلات ... إلخ.

وحيث يرى برنارد لويس أن جميع الكيانات ستشلها الخلافات الطائفية والمذهبية والصراع على النفط والمياه والحدود والحكم، وهذا ما سيضمن تفوق إسرائيل في الخمسين سنة القادمة على الأقل.

شواهد واقعية على بداية التنفيذ:

إذا تأملنا في واقع البلاد العربية، نجد أن طرفاً مما حيك بدأ في التحقق، فالسودان قسم فعلياً إلى دولتين وهناك مخطط لتقسيمه لخمس دول، ثم ما حدث في الصومال وتفککه، والعراق قُسم إلی حد کبیر لثلاثة أقالیم إثر تداعیات احتلاله، ودعم غربي متعمد لإقامة كيان كردي في الشمال وشيعي في الجنوب، مع الأخذ في الحسبان أن مجلس الشيوخ الأمريكي أقر في ٢٠٠٧/٩/٢٦م خطة لتقسيم العراق إلى ثلاثة أقاليم، ويمكننا القول بأن كارثة غزو العراق وسقوط بغداد يعد المحطة الأولى لمشروع الشرق الأوسط الكبير الذي يستهدف إعادة تشكيل وتقسيم المنطقة من جدید.

وفي مصر كشف القضاء المصري في ٢٠١٢/٢/٩م عن وجود مستندات خطيرة تكشف بالأدلة المادية التهم المنسوبة إلى عدد من منظمات المجتمع المدني، فقد أعلن المستشاران سامح أبوزيد وأشرف العشماوي قاضيا التحقيق في قضية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في مؤتمر صحفي أن لجنة التحقيق ضبطت في مقر المعهد الجمهوري الأمريكي خرائط مفصلة لمصر، ظهر عليها خطوط لتقسيمها إلى أربع دول، كما عثر بداخل أحد مقرات تلك الجمعيات خرائط بمواقع الكنائس، وتقارير رصد مواقع القوات المسلحة في الإسماعيلية، وأقر المستشاران بأن جميع المنظمات المتهمة تقدمت بطلبات لترخيص عملها رسمياً ولم تتم الموافقة عليها، وبرغم هذا باشرت النشاط بصورة غير شرعية، ووصفا نشاطها بأنه سياسي، ولا صلة له بالعمل المجتمعي أو الخيري، وكشف قاضيا التحقيق عن أن حجم التمويل الأجنبي الذي أنفقته المنظمات الأمريكية الخمس في الفترة من مارس إلى ديسمبر بلغ ٥٥ مليون دولار، وأنفقت المنظمتان الألمانيتان مليوناً و٦٠٠ ألف يورو، وبلغ حجم التمويل الخاص بالمنظمات المصرية الجاري التحقيق معها ٨٥ مليون دولار.

وفي ١٨ آذار ٢٠١١م نشرت صحيفة النهار اللبنانية وثيقة سرية تتضمن مخططاً أعدته المخابرات البريطانية عام ١٩٩٥ م لتقسيم ليبيا لثلاث دويلات تحت إطار حكم فيدرالي، وفي مارس ٢٠١٢ أعلن مؤتمر لزعماء قبائل وسياسيين ليبيين منطقة برقة في شرق ليبيا "إقليماً فدرالياً اتحادياً"، ولكن عقلاء ليبيا أحبطوا هذا الإعلان وتصدوا له، ولا تزال الساحة الليبية تمور بالعديد من الانقسامات القبلية والمناطقية، التي نسأل الله أن يوفق أهلها لاحتوائها والتوحد والائتلاف وبناء دولة قوية.

وخلال الثورة السورية ثمة تحذيرات متصاعدة من قادة عرب ومحللین ومفکرین عن خطورة تقسيم سورية على أساس طائفي، والأمل معقود بعد عون الله أن يحبط السوريون هذا المخطط الخطير.

ويشير الدكتور محمد الأحمري إلى أن هناك دراسات أمريكية وصلت لأعلى مناطق التفكير (الغربي) ترى أن العالم الإسلامي "السني " هو مركز تحدٍّ، ومن ثم فالقوة التي يمكن أن تكون موالية للغرب مستقبلاً هي الأقلية الشيعية في إيران والعراق والخلیج.

مشروع الثورات العربية:

يمكن إيجاز الأهداف الحقيقية لمشروع الثورات العربية، والذي أعده برنارد لويس، وآمنت به أمريكا، من خلال إبرازها في ثلاث نقاط :

الأولى: إعادة تشكيل وترتيب أوضاع المنطقة لتقبل النموذج الليبرالي عبر الديمقراطية الغربية .

الثانية: تهيئة المنطقة للعولمة، وهيمنة الشركات الأمريكية والأوروبية العابرة للقارات على اقتصاد المنطقة .

الثالثة: دمج وتطبيع دولة الصهاينة مع العالم العربي في كيان شرق أوسطي.

وبقدر ما يظن القارئ اليوم لهذه الأهداف الكبرى أن فيها مبالغة، إلا أنه لو دقق وأمعن النظر في الأحداث التي يعيشها العالم الإسلامي منذ ١١ سبتمبر - لا سيما بعد الثورات - يدرك أن المخطط وإن تعثر في بعض محطاته إلا أنه یجري إجمالاً کما خطط له.

الظروف المهيئة لبروز الإسلاميون الجدد للمشهد الفكري والسياسي

دور في (ثورة ٢٥ يناير) وأصبحت الأكاديمية نافذة لنشطاء مصر للتعرف على حركات العصيان المدني خارج العالم العربي، ولنشر الأساليب الجديدة للاحتجاج، وضعت الأكاديمية كتباً حول النشاط السلمي مع التركيز على العالم العربي، ومن بينها كتب ((حلقات العصيان المدني))، و((حرب اللاعنف .. الخيار الثالث))، و((زلزال العقول))، وبعد ذلك بعام نشرت الأكاديمية كتاب ((الدروع الواقية من الخوف))؛ وهو كتاب إرشادات حول طرق حماية الشخص لنفسه في مواجهة هجمات قوات الأمن أثناء المظاهرة حتى انتشرت أفكار ((أكاديمية التغيير)) في مصر).

حزب العدالة والتنمية النموذج الأمريكي للإسلام:

منذ انشقاق رجب طيب أردوغان ورفاقه من تحت عباءة رائد الحركة الإسلامية في تركيا نجم الدين أربكان، وانقسام الحركة الإسلامية التركية إلى حزبين هما "السعادة" و"العدالة والتنمية"، وصورة الخلاف وحقيقته غير واضحة لدى عامة سلاميين العرب، فضلاً عن الجماهير العربية التي أُخذت بشخصية أردوغان بعد استـلامه للسلطة، وظن بعضهم أن الخلاف حول الوسائل والأدوات السياسية، وظن بعضهم الآخر أنه تنسيق تكتيكي بين الحزبين، وظن آخرون أنه خلاف بين جيل شیوخ والشباب، ولکن عند التأمل والتدقیق نجد ان ما حدث لم یکن کذلك، بل وخلاف ضارب في الأعماق، يختلف خلافاً كلياً عن المشروع الإسلامي الذي قاده نجم الدین أربکان رحمه الله.

أكد قادة حزب العدالة والتنمية منذ انطلاقتهم أنهم خلعوا عباءة الحركة الإسلامیة، وأن حزبهم حزب يميني محافظ لا صلة له بالحركة الإسلامية، ويرى الباحث حسام تمام أن سلسلة التنازلات التي سلكها الحزب تظهر أن هذا لم يكن من قبيل المراوغة في التصريحات الإعلامية، فقد اتبع الحزب سياسة مخالفة تماماً ليس لما كانت عليه حركة الإسلامية بل لأي حزب يمكن أن يكون له من "الإسلامية" نصيب.

صوت حزب العدالة والتنمية في البرلمان التركي على إسقاط العقوبات القانونية حق الزناة، مع كون الزنى كان مجرّماً في القانون التركي بناء على مطالب الاتحاد الأوروبي، ولخص عبد الله جول - الرجل الثاني - منهجية الحزب في التنازلات مثلاً: (لقد انهارت حضارتنا الإسلامية، ولا بد من تغيير قيمنا تبعاً للواقع الجديد).

وفي الشأن الاقتصادي تبنى الحزب سياسة تقوم على الاندماج التام في الاقتصاد العالمي، وربط تركيا بقوى الرأسمالية الغربية، وهذا كان له أثره الإيجابي اقتصادیاً، ولكن الثمن كان غالياً، وفي منتدى جدة الاقتصادي الخامس الذي عقد في ١٧ و١٨ینایر ٢٠٠٤م أعلن أردوغان أنه یری خطأ مفهوم إقامة سوق إسلامیة مشترکة، حیث إن المشروعات التي تقوم على أساس عرقي أو ديني أو مذهبي لا يكتب لها النجاح، وقد عد التيار العلماني التركي تصريحات أردوغان موجهة للعالم الإسلامي لحثه على الحداثة والتوجه نحو ما أسموه (الليبرالية الدينية).

وقد عقب الكاتب السياسي الإسلامي سليمان عارف على تصريحات أردوغان حين قال: (إن أردوغان يتوجه تدريجياً نحو التغريب والتخلص من فكره السابق بمطالبته برفض السوق المشتركة الإسلامية). وأضاف: (لو كان أردوغان يتخوف من الأساس الديني للسوق المشتركة ويعارضها من هذا المنطلق، ترى هل نسي أن هناك أحزاباً في كثير من الدول الأوروبية تحمل الاسم المسيحي؟).

وتابع سليمان عارف قائلاً: (فيما يتعلق برفضه للمشروع على أساس قومي فإن الاتحاد الأوروبي يستند على أساس عرقي باستخدام كلمة أوروبي، فهل سيتراجع أردوغان عن كون منظمة الأمن والتعاون الأوروبي تقوم على أساس عرقي وجغرافي؟).

وفي المجال السياسي قبل أردوغان مشروع الشرق الأوسط الكبير، كما سيأتي تفصيله في الفقرة القادمة.

يقول الباحث حسام تّمّام في توصيف الخلاف بين مشروع الحركة الإسلامية التركية ومشروع حزب العدالة والتنمية: (المؤكد في المشهد التركي أننا بإزاء رؤيتين مختلفتين، بل ربما متناقضتين، أياً ما كانت المبررات أو السياقات التي تحكم تجربة كل فريق، فالخلاف بين الأربكانية والأردوغانية يتجاوز التعددية في المشروع الواحد إلى الانقسام بلا رجعة).

دور تركيا في مشروع الشرق الأوسط الكبير (الجديد)

يذكر الدكتور محمد بن حامد الأحمري أن تواصل الولايات المتحدة الأمريكية بأردوغان ورفاقه كان مبكراً، وذلك قبل تسلمهم للسلطة في تركيا بعشر سنوات على الأقل، منذ أن كانوا في الثلاثينيات من أعمارهم.

ويلخص الكاتب فهمي هويدي الدور التركي في مشروع الشرق الأوسط الكبير، حیث يقول:

"ليس المستهدف الشرق الأوسط فحسب، ولكنه العالم الإسلامي كله، والحديث الأمريكي المتواتر عن تغييرات مرجوة في خرائط المنطقة يبدو أنه كان أول الكلام وليس آخره، وهذا ليس استنتاجاً ولا هو استسلام لمنطق المؤامرة التي يصر بعض الأبرياء على نفي وجودها، ولكنه قراءة لأحدث الأخبار الآتية من العاصمة التركية أنقرة، ذلك أن صحيفة (يني شفق) نشرت في ٢٠٠٤/١/٣٠ خبراً مفاده أن الرئيس الأمريكي جورج بوش عرض على رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان خلال استقباله في البيت الأبيض يوم ٢٠٠٤/١/٢٨ معالم المشروع الأمريكي الجديد لـ (الشرق الأوسط الكبير)، الذي يمتد من المغرب حتى إندونيسيا، مروراً بجنوب آسيا وآسيا الوسطى والقوقاز.

وبحسب الصحيفة فإن المشروع طبقاً لما عرضه الرئيس الأمريكي، جعل من تركيا عموداً فقرياً، حيث تريد واشنطن منها أن تقوم بدور محوري فيه، حيث تتولى الترويج لنموذجها الديمقراطي واعتدالها الديني، لدرجة أن الرئيس الأمريكي اقترح أن تبادر تركيا إلى إرسال وعاظ وأئمة إلى مختلف أنحاء العالم الإسلامي لكي يتولوا التبشير بنموذج الاعتدال المطبق في بلادهم، وأن هذا النموذج هو الأصلح للتطبيق في العالم الإسلامي، ومن ثم الأجدر بالتعمیم لأسباب ثلاثة: 

أولها: أنه ملتزم بالعلمانية التي تهمش دور الدین إلی حدّ کبیر، بل وتعارض أي دور للدين في الحياة العامة، وهو مطلب تلح عليه واشنطن وتمارس أقصى ما تملك من ضغوط على الدول الإسلامية للاقتراب منه أو الالتزام به.

السبب الثاني: أن تركيا تعتبر نفسها جزءاً من الغرب، وموالاتها للولايات المتحدة ثابتة ولا شبهة فيها، وبالتالي فهي تعد جزءاً من العائلة الغربية، وتحتفظ مع العالم الإسلامي بعلاقات شكلية.

السبب الثالث: أن تركيا لها علاقاتها الوثيقة مع إسرائيل، الأمر الذي يلقي ترحیباً وتشجیعاً كبیرین من جانب واشنطن ودول الاتحاد الأوروبي. 

لهذه الاعتبارات فإن تركيا تعد من وجهة النظر الأمريكية الحليف النموذجي الذي ترشحه لكي يؤدي الدور الرائد في مشروعها ليس فقط لترويض المنطقة، ولكن أيضاً لتقديم نموذج الإسلام الذي تتوافر فيه شروط الاعتدال كما تراها واشنطن. 

وفي ٣١ يوليو ٢٠١٢م يصرح داود أوجلو وزير الخارجية التركي في خضم أحداث الثورة السورية قائلاً: (المنطقة تشهد تغيراً كبيراً، فإما القبول بشرق أوسط جديد أو القبول بالفوضى)، وأضاف: (أن التغيير الذي تشهده المنطقة يعد التغيير الأهم والأكبر في المائة عام الأخيرة).

وفي ٢٠١٢/١٠/٣ م يؤكد داود أوجلو على قناة الجزيرة أن (تركيا ومصر ودول المنطقة ستؤسس الشرق الأوسط الجديد)، حيث قامت تركيا بدعم الحكومة المصرية بملياري دولار، وقد لفت ضخامة المبلغ انتباه الإعلامي أحمد منصور، حيث قال في معرض حواره مع وزير الخارجية التركي (أريد أن أفهم هذه النقطة تحديداً، أنت التقيت مع الرئيس محمد مرسي أكثر من مرة، وذهبت إلى مصر عدة مرات، الرئيس مرسي جاء وحضر المؤتمر الرابع للحزب والتقى معك ومع رئيس الحكومة أردوغان، أنت أعلنت في زيارتك السابقة إلى مصر أن هناك ملياري دولار سوف تضخوها إلى مصر، وهذا ما أثار قلقاً عند المصريين؛ لأن رؤية العالم للأتراك أنهم يبيعون ولا يشترون، يأخذون ولا يعطون، فعلامات استفهام حول الملياري دولار في ظل أن تركيا تواجه أزمة اقتصادية).

أردوغان من قمة دافوس إلى سفينة الحرية:

لا ريب أن شعور الشعوب العربية بافتقاد القيادة المعبّرة عن تطلعاتها وآمالها وهمومها، أنتج تلقفاً لأي أنموذج يتّخذ بعض المواقف الحادة تجاه العدو الصهيوني، وقد رأينا كيف رمّزت الجماهير العربية والمشايخ والمفكرين أمين حزب الله اللبناني بعد حرب تموز ٢٠٠٦م، ثم تجلّت الحقيقة للجماهير والنخب مع الثورة السورية المبارکة في ٢٠١١م، وحاشا وکلا أن اشبه أردوغان بحسن نصر الله، فالفرق هائل بين الرجلين على كل المستويات، ولكني قصدت هنا ذكر المثال فقط للتدليل على أن شعور الشعوب العربية بغياب القادة يفضي لهذه النفسية التوّاقة لمخلّص وقائد معبّر عن أمانيها وتطلعاتها.

لا يغيب عن الأذهان أن أردوغان اكتسب شعبيته لدى المسلمين من المشادة الكلامية العلنية بينه وبين شمعون بيريز التي أقيمت على هامش المنتدى الاقتصادي في دافوس بسويسرا الذي عقد في كانون الثاني ٢٠٠٩م، وعلى الرغم من وجود تدهور نسبي في العلاقات التركية الإسرائيلية، إلا أنها لم تتجاوز المستوى الإعلامي الدعائي والتصعيد الدبلوماسي المرحليّ، فمع ارتفاع التصريحات الناقدة من أردوغان للسياسات الإسرائيلية تجاه الشعب الفلسطيني، إلا أن التعاون ظل مستمراً بين تركيا وإسرائيل على مستوى الدفاع والاستخبارات، فعلى سبيل المثال تم التوقيع على اتفاق بحوالي ١٦٥ مليون دولار حول الصور المحمولة جواً عشية القصف الإسرائيلي على غزة، كذلك واصل سلاح الطيران الإسرائيلي مهامه الخاصة بالتدريب في قاعدة التدريب في تركيا في قونيا، كما شاركت تركيا مع إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية في المناورة البحرية السنوية المشتركة التي تعقد سنوياً في أغسطس عام ٢٠٠٩م.

وعلى الرغم من التوتر الذي شاب العلاقات بين البلدين إثر تداعيات أزمة سفينة الإغاثة التركية، وما نتج عنها من قتلى وجرحى أتراك، إلا أن المحادثات بين وزير الخارجية التركي ووزير الدفاع الإسرائيلي قد أكدت على أنه لا تزال بعض القنوات الدبلوماسية مفتوحة، كما لا تزال المحادثات الهاتفية بين العسكريين من كلا البلدين مستمرة.

وعندما فازت حركة المقاومة الإسلامية (حماس) في الانتخابات الفلسطينية، دعا رجب طيب أردوغان حركة حماس صراحة إلى القبول بحل الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية جنباً لجنب، مؤكداً أنه يجب على حماس أن تفهم أن عدم الاعتراف بإسرائيل سيضر بعلاقاتها الدولية في المستقبل.

والموقف التركي المضطرب تجاه ليبيا بعد ثورته على نظام القذافي أشهر من أن نفصل الحدیث عنه.

نصيحة العثماني الجديد لمصر الثورة:

عند زيارة أردوغان لمصر بعد ثورة ٢٥ يناير وذلك في ٢٠١١/٩/١٢م، استقبلته الجماهير المصرية في مطار القاهرة الدولي بعفويتها وتلقائيتها وهي تقول (مصر وتركيا عاوزينها خلافة إسلامية)، ولم يكن ينتظر أحد من الإسلاميين أن يحييهم أردوغان موافقاً على هذه العبارة وملمحاً لشيء من هذا القبيل، ولكن كان آخر ما توقعه الشعب المصري فضلاً عن الإسلاميين أن يدعوهم أردوغان مباشرة وعبر إحدى الفضائيات المصرية للعلمانية، ويحث الشعب المصري على صياغة دستور يقوم على مبادئ العلمانية.

التصريح استثمره العلمانيون في مصر على الوجه الأكمل في الشماتة بالإسلاميين، ودعوتهم للاستجابة لنصيحة الرمز الإسلامي الحديث المتمثل بأردوغان، وقد أثار التصريح حفيظة عامة الإسلاميين، وصرح المتحدث الرسمي باسم جماعة الإخوان المسلمين محمود غزلان قائلاً: (إن تجارب الدول الأخرى لا تستنسخ، وإن ظروف تركيا تفرض عليها التعامل بمفهوم الدولة العلمانية) معتبراً نصيحة رئيس وزراء تركيا أردوغان تدخلاً في الشؤون الداخلية للبلاد. 

ماذا نريد أن نقول؟

الذي أريد أن أخلص إليه هو التأكيد على أن للحكومة التركية التي يقودها أردوغان أهدافاً وأجندة في المنطقة العربية، لا علاقة لها بما تأمله الشعوب العربية، إلا بالقدر الذي يتوافق مع المصلحة التركية القومية، والتي تنتظم في نهاية المطاف ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير والمصالح الغربية، فلا مانع من الاستفادة منها أو من غيرها من دول العالم في تحقيق ما يعود على الأمة الإسلامية بمنفعة تحصّلها أو ضرر تدفعه عنها، ومن ضمن ذلك مكافحة أطماع المشروع الإيراني في المنطقة، ومن العدل والإنصاف تثمين مواقفها الإيجابية وشكرها عليها، ولكن هذا ينبغي أن يكون مع حذر ووعي كاملين بما يدور حولنا، وفهم دقيق لحقيقة الدور التركي في المنطقة العربية.

وفيما سبق أوضحنا أن الإستراتيجية الأمريكية خلصت بعد ١١ سبتمبر إلى صناعة إسلام معتدل بمواصفات فكرية محددة، يمكن من خلالها نشر القيم الغربية في العالم الإسلامي.

التحذير من تنحية الشريعة الإسلامية عن الحياة العامة:

لقد كانت تجربة "حزب الوسط" في مصر الذي تشكلت نواته من شباب إسلاميين انشقوا عن جماعة الإخوان المسلمين يشكلون الثمرة الحركية لفكر "الإسلاميين الجدد"، حيث ميز الحزب نفسه بأنه حزب مدني، وضم معه بعض الأقباط، ولهذا رحب الإسلاميون الجدد بالحزب، فقد وضع د.يوسف القرضاوي كل ثقله ومكانته وراء دعم حزب الوسط، وانتقد بشدة موقف الإخوان منهم، وعندما قرأ كمال أبو المجد مبادرة الحزب عدَّها تمرداً على جمود تنظیم الإخوان وأیدها، واعترض محمد سليم العوابقوة على الهجوم غير المبرر على الحزب ودعا الحركة الإسلامية والمجتمع المدني عموماً لإدراك التطور الفكري وراء ذلك العمل، والذي دفع تلك المجموعة الإسلامية إلى الذهاب إلى ما هو أبعد من الإطار المعروف للعمل في داخل الحركة الإسلامية في مصر، وقد انتقد العوا قيادة الإخوان بشدة في تعاونها مع الحكومة في قمع الحرية السياسية.

ومن أبرز الأحداث التي استوقفت الجميع طويلاً الفتوى التي أصدرها الإسلاميون الجدد في ٢٧ سبتمبر ٢٠٠١م، بناء علی سؤال وجهه أعلى مستشار ديني للمسلمين (د. يوسف القرضاوي) في الذين يخدمون في الجيش الأمريكي، فقد استفتاهم حول جواز المشاركة في الحملة العسكرية على أفغانستان..

(جاءت الفتوى لتعلن بوضوح أن من واجب الأمريكيين المسلمين الخدمة في القوات المسلحة لبلادهم حتى لو كانت الولايات المتحدة تخوض حرباً ضد دولة مسلمة، وقد أذهلت الفتوى الكثيرين في العالم العربي والإسلامي وأغضبتهم، خاصة وأنهم يعرفون سجل القرضاوي الناقد لإساءة الولايات المتحدة استخدام القوة، وقد انضم للقرضاوي في تلك الفتوى الشجاعة والمثيرة للجدل كل من فهمي هويدي، وطارق البشري، وسليم العوا، فضلاً عن فقيهين آخرين)!.

إن الرؤية التوفيقية التي تبناها هؤلاء المفكرون - مع كامل احترامنا لعلمهم وفضلهم ومكانتهم - في هذه القضايا بُنيت غالباً على شذوذات علمية، وتأويلات محدثة للنصوص الشرعية لتتوافق مع المنظومة الفكرية الغربية، وهذا يعطي أي مفكر أو داعية أو ناشط سياسي أو مؤسسة إسلامية تذكرة (عبور) للذهنية الغربية الليبرالية التي ستصنّفه عندئذ ضمن دائرة (الإسلام المعتدل)، ولا يسوغ لإبطال هذه الرؤية التذرع بعداوات سابقة أو خصومات تاريخية من قبل الغرب، فقد اختلف الموقف الغربي كثيراً اليوم، وأصبح الباب مشرّعاً لحملَة هذا الفكر، ونحن نقرره هنا بوصفه تحليلاً وتوصيفاً للإستراتيجية الأمريكية في العالم الإسلامي بعد الثورات، وهذا لا يقتضي (بمجرده) إدانة أو تزكية أي شخصية إسلامية في هذا الطرف أو ذاك. 

تباين المواقف في جماعة الإخوان المسلمين:

أعود هنا إلى الحديث عن التباين الفكري داخل جماعة الإخوان المسلمين بين توجه تنويري وتوجه إسلامي أصيل، والذي أشرت إليه آنفاً، وهذا لم يغب عن العديد من الباحثين والراصدين في الشرق والغرب، ومما يؤكد وجود تيار إسلامي أصيل موقف قيادات عدة من تجربة حزب العدالة والتنمية التركي، فقد كتب د.محمد مرسي - الرئيس المصري الحالي وعضو مجلس الإرشاد سابقاً - مقالاً بعنوان: (الإخوان المسلمون والأحزاب الإسلامية المعاصرة) في ٢٠٠٧/٨/٥م، نُشر في الموقع الرسمي للجماعة، جاء فيه: 

(نعتقد أن الأمة هي مصدر السلطة، أي صاحبة الحق وحدها في اختيار رؤسائها وممثليها وأولي الأمر منها، وننزل على رأي الأمة حتى وإن خالف رأینا، ما لم يصطدم بأصل في الشرع .... إن العمل العام - ومنه العمل السياسي الذي يمارسه الإخوان - لا يخرج بأهدافه ووسائله "ولا ينبغي له أن يخرج" عن الأصول والثوابت الإسلامية، ولا يستطيع الإخوان أن يقرروا من عند أنفسهم- "كما يُقال تكتيكيّاً"- غضّ الطرف أو التقاعس أو إهمال أو تجميد بعض أجزاء منظومة العمل المتكاملة، بزعم أن ذلك- إن حدث- يمكن أن يُوجِد حالةً من القبول للإخوان عند النظم الحاكمة في بلادنا وفي الغرب ولدى الصهاينة؛ سعياً إلى تحقيق إنجازاتٍ سريعة في بعض مجالات العمل وخاصةً السياسية منها، ولو حدث ذلك التغاضي وغضّ الطرف فإن هذا يعني الحديث عن كيانٍ آخر غير جماعة الإخوان المسلمين.

إن الإخوان المسلمين وهم يسعون إلى إيجاد المجتمع المسلم الذي تخرج منه الحكومة التي تُعبِّر عن الأمة الراشدة وتحكم بما أنزل الله يضعون نصْبَ أعينهم أن الطريق طويل ومحفوفٌ بالمكاره، وأن الجهود المطلوبة عظيمة وكبيرة؛ لأن الأهداف عظيمة وكبيرة ..

﴿إِن الْحُكْمُ إِلاّ لِلَّهِ أَمَرَ أَلاَ تَعْبُدُوا إِلاّ إِيّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْفَيِمُ وَلَكِنّ أَكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٠]، وعندما يحدث في بعض البلاد الإسلامية فوزُ حزب من الأحزاب الإسلامية المعاصرة- كما وقع أخيراً لحزب العدالة والتنمية في تركيا المسلمة- فإن ذلك يُسعدنا من منطلق الأخوَّة العامة، وانتشار الحرية، وتحقيق العدل في تلك البلاد.

ومن كل ذلك يتضح أن مَن أراد أن يصف حركته أو حزبه بأنه إسلامي فلا بد من أن يكون الإسلام، والإسلام فقط هو صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في منهجه وفي تطبيقه وسلوكه وفي أهدافه وغاياته وفي متابعته ومراجعته، وإلا فإنَّ العبرةَ ليست بالألفاظ والمباني ولكنها بالمقاصد والمعاني وليختر كل لنفسه ما يشاء، ولكن المقارنة بين حالة النجاح لذاك الحزب في أيِّ من تلك البلاد ووضع ومسيرة الإخوان المسلمين عندنا مقارنةٌ مغلوطةٌ وقسمةٌ ضيزى ولا مكانَ لها؛ لأننا لا يمكن أن نُقارن بين حالتي النجاح لحركتين مختلفتين اختلافاً بيِّناً في الأصول والثوابت والأهداف والغايات وكذلك في الوسائل والآليات).

كما أن موقف قيادات الجماعة كان واضحاً في انتقاد ورفض نصيحة أردوغان لهم بتضمین العلمانية في دستور مصر بعید زیارته الأولی بعد ثورة ٢٥ ینایر. والجدير بالذكر أن مؤسسة راند الأميركية أصدرت دراسة حديثة في ١٨ أكتوبر ٢٠١٢ بعنوان (الإخوان المسلمون، شبابها، وتبعات للتواصل الأميركي)، قدمت في آخرها مجموعة من التوصيات لصانع القرار الأميركي في كيفية الانفتاح على الجماعة وشبابها!

تحذير العلماء من العلمانية:

وقد حاول بعض الإسلاميين التصدي للعلمنة الذي قادته الأنظمة الغربية وفرضه بالقوة على العالم الإسلامي، ومن هؤلاء: حسن البنا، وعلي الطنطاوي، ومصطفى صبري، وأحمد شاكر، ومحمود شاكر، ومحب الدين الخطيب، ومحمد الخضر حسين، ومحمد محمد حسين، وسيد قطب، وعبد الرحمن السعدي، ومحمد بن إبراهيم آل الشيخ، وعبد العزيز بن باز، وعبد القادر عودة، وعبد الرحمن الدوسري، وسفر الحوالي، ويوسف القرضاوي.

وهذا مقتطفات من أقوال بعضهم في هذه المسألة:

١- قال الشيخ محمد الخضر حسين شيخ الجامع الأزهر: (فصل الدين عن السياسة هدم لمعظم حقائق الدين، ولا يقدم عليه المسلمون إلا بعد أن يكونوا غير مسلمین).

٢- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: (إن من الكفر الأكبر المستبين: تنزيل القانون اللعين منزلة ما نزل به الروح الأمين على قلب محمد ليكون من المنذرين بلسان عربي مبين، في الحكم به بين العالمين والرد إليه عند تنازع المتنازعين مناقضة ومعاندة لقول الله عز وجل: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُوهُ إِلَى اللهِ وَالرّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩]).

٣- قال الشيخ عبد القادر عودة - تقبله الله في الشهداء -: (ولا خلاف بين الفقهاء والعلماء في أن كل تشريع مخالف للشريعة الإسلامية باطل لا تجب طاعته، وأن كل ما يخالف الشريعة محرم على المسلمين، ولو أمرت به أو أباحته السلطة الحاكمة أياً كانت).

٤- قال الشيخ يوسف القرضاوي: (بل إن العلماني الذي يرفض مبدأ تحكیم الشريعة من الأساس، ليس له من الإسلام إلا اسمه، وهو مرتد عن الإسلام بيقين، يجب أن يستتاب، وتزاح عنه الشبهة، وتقام عليه الحجة، وإلا حكم القضاءُ عليه بالردة، وجُرّد من انتمائه إلى الإسلام، أو سحبت منه "الجنسية الإسلامية"، وفرق بينه وبين زوجه وولده، وجرت عليه أحكام المرتدين المارقين، في الحياة، وبعد الوفاة).

توظيف الإسلاميون الجدد لتنفيذ أجندة الغرب:

الوقوع في شراك من هو أكثر قوة ونفوذاً أمر وارد، ويخلط بعض الناس بين ما يسميه تقاطع المصالح الذي قد يوجد بين اتجاهين مختلفين، وبين توظيف طرف لطرف آخر لمشاريعه، فعلى سبيل المثال: عندما زعم بعض الناس أن الجهاد الأفغاني ضد السوفييت في الثمانينيات تم توظيفه من المعسكر الغربي الأمريكي ضد المعسكر الشرقي السوفيتي، وأن تلك المعارك كانت داخله ضمن الحرب الباردة بين القطبين، حيث كان الدعم الغربي والعربي يتدفق على الجبهة الأفغانية آنذاك.

أجاب المدافعون عن هذا الزعم بأنه لم يكن تحالفاً أو توظيفاً، إنما هو عبارة عن تقاطع مصالح بين الجهاديين العرب والمعسكر الغربي. 

الذي يمكن أن يحدد أي الإجابتين أقرب للصحة، أن نسأل الإسلاميين الذين دعموا وأيدوا الذهاب للقتال هناك: ما هدفهم الرئيسي لحث الشباب المسلم على القتال: هل كان الهدف دفع عدوان الروس والذب عن المسلمين الأفغان فقط؟ أم كان  الهدف إقامة دولة إسلامية أو نواة دولة خلافة إسلامية لينطلق المجاهدون منها لتحریر فلسطين وتوحيد المسلمين ... إلخ؟

في تصوري أن الإجابة الدقيقة هنا مهمة، فإن كان الهدف هو الأول وهو دفع عدوان الروس فحسب، فيصح أن يقال إن ما حدث كان تقاطع مصالح وليس توظيفاً، وأما إن كان الهدف هو الثاني، فهنا يمكن أن يقال إن ثمة توظيفاً حدث؛ لأننا نعلم ما حدث بعد طرد الروس من اقتتال شرس بين الأحزاب الأفغانية ونوعيّة الصراعات والاغتيالات التي انتشرت هناك، ففي نهاية المطاف تحققت مصلحة الطرف الأقوى الذي كان يدير المعركة بكسر شوكة الروس في أفغانستان، ولم يتحقق ما كان يرجوه أصحاب الهدف الثاني.

كلامنا هذا يتناول الحادثة كمثال على مسألة التوظيف فحسب، ومن هنا يثور السؤال فيما لو سلّم القارئ معي على وجود المشروع الغربي الجديد في المنطقة العربية الذي يُراد أن يكون الإسلاميون الجدد أحد أهم أدواته: لماذا لا يتفطن هؤلاء الإسلاميون وفيهم أهل علم وثقافة واطلاع، وفي تصوري أن هذا يعود إلى الأسباب التالية:

١- قلة الخبرة السياسية:

إن الشعوب العربية عامة ومن ضمنها الإسلاميون عاشت معظمها في تغييب كامل عن التأثير على الشأن العام، وعانت جدباً وقحطاً في الميدان السياسي، والجدب الميداني والواقعي أنتج جدباً فكرياً وعلمياً، وفي تصوري أن شطراً كبيراً من هذا القصور يمكن تفهمه وتبريره قبل الثورات العربية، فحجم الابتلاء والقمع والتنكيل الذي صُبّ على الإسلاميين لأكثر من نصف قرن، لم يتح لهم المجال لتوسيع قدراتهم في هذا المضمار، بالإضافة إلى وجود قطاع عريض منهم لم يكن یرفع بهذا المجال رأساً، ویری الانشغال به من الکمالیات إن لم يكن من العبث. 

في فبراير ٢٠٠٨م عُقد مؤتمر في قطر بعنوان (أمريكا والعالم الإسلامي)، وقد حضر المؤتمر عدد غفير من المفكرين والباحثين من العالم الإسلامي والولايات المتحدة، وعندما اتصلت إحدى القنوات بالدكتور عبدالله النفيسي لاستطلاع رأيه حول المؤتمر، أبدى النفيسي رأياً حاداً تجاهه، وذكر أن الوفد الأمريكي يضم ١٢٢ شخصاً، أكثرهم لم يأت لدواعي حوار حقيقي، وذكر أن من ضمن الوفد الأمريكي رجل اسمه (مارتن أندك)، وهو يهودي أسترالي الأصل، كان يقود مظاهرات في سيدني، يقول فيها (العربي الجيد .. هو العربي الميت)، وعندما ذكر مذيع البرنامج أن نوايا الحاضرين جيدة، قال النفيسي (في السياسة النوايا غير مهمة، المهم هو النتيجة).

المقصودها هنا أن الإسلامیین قد لا تنقصهم في کثیر من الأحیان النوایا الصادقة، ولكن تسلّم السلطة في المشهد السياسي، وبقاء أكثر خيوط اللعبة السياسية لدى غيرهم من القوى الداخلية والخارجية، يفضي في نهاية المطاف أن يقوموا مكرهين أو كارهين بما لا يحبّون أن يقوموا به، بل قد يقع بعضهم فيما وقعت فيه النظم السابقة في علاقاته مع القوى الدولية والعدو الصهيوني.

وقد يتذرعون في ذلك بحجج مختلفة وظروف ضاغطة، ولكن في نهاية المطاف، فإن ظاهر المشهد الذي تراه الشعوب بعيداً عن الكواليس أن الإسلاميين يقومون بهذا الفعل أو ذاك الذي كانوا بالأمس القريب ينتقدون أو يعيبون النظم السابقة على فعله، ولهذا الأمر آثاره التي لا تخفى، فلسنا هنا بصدد إدانة أو تبرئة أي فصيل إسلامي في موقف من هذه المواقف، ولكننا نتحدث عن آثار سلبية محققة، بعيداً عن المقاصد الحسنة والدوافع النبيلة، ولو أننا تيقنّا أن لهذه المواقف مبرراتها ومسوغاتها المقنعة، فإن هذا لا يمنع الدعاة وعامة الإسلاميين من وضع إستراتيجية دعوية وعلمية لتلافي تلك الآثار السلبية المتحققة، مهما قدّرنا والتمسنا للسياسيين الإسلاميين من مسوّغات ومبررات.

٢- تضخم الدنيوي على حساب الديني:

تحت ضغط المفاهيم الليبرالية الغربية، بدأ بعض الإسلاميین الجدد في إیجاد مفهوم عصري حديث لمقاصد التصور الإسلامي في العمل السياسي، وبدأنا لا نلحظ كبير اختلاف بين خطاب ليبرالي وخطاب إسلامي حديث، يختزل الغاية من تطبيق الشريعة الإسلامية في حل مشكلات التنمية والبطالة وأزمة الإسكان، ومع يقيننا بأن في تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية التي تجعل من مهام النظام السياسي تأمين حاجات الناس الحياتية ومن ضمن ذلك مشاكل البطالة والإسكان وغيرها؛ إلا أنه من الانحراف المنهجي اختزال الغاية من تطبيق الشريعة الإسلامية فيها، وبعض الإسلاميين الجدد لا يصرح بهذا بشكل مباشر، ولكن خطابه الدعوي والإعلامي تجد فيه تكثيف الإشارة إلى هذا المعنى، والإغفال شبه التام عن الغايات العقائدية والإيمانية للغاية من إقامة النظام السياسي في الإسلام، وهذا يبدو جليّاً .

كذلك عند محاولة هذا الداعية أو المثقف الحكم على تجارب معاصرة لأحزاب ودول إسلامية، حيث يبدو "النجاح المادي في حل مشكلات التنمية" هو المعيار الوحيد للحكم على مجمل التجربة السياسية بالنجاح. 

(اتفق أهل العلم قديماً وحديثاً على تعريف الدولة الإسلامية، بأنها نيابة عن النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا به، وأن أوّل واجبات الإمام حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فالمطلوب حفظ الدين كله لا حفظ الحدود، والغاية حراسة الدين كله، وسياسة الدنيا به، لا اقتطاع جزء منه وتقديمه على أنه هو الدين وهو الإسلام !!

أما اختزالك الغاية من تطبيق الشريعة في حل مشكلات التنمية والبطالة ونحوه؛ فهو تزييف للوعي لا يقبل من مثقف موضوعي !! إننا نطبق الشريعة لأنها أمر الله، والله يقول: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَ ضَلالاً مُبِيناً﴾ [الأحزاب: ٣٦].

نطبق الشريعة حتى يصح إيماننا ويثبت لنا عقده، فإن الله يقول: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَ لا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجاً تِمَا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيما﴾ [النساء: ٦٥]، ويقول سبحانه: ﴿وَمَن لَمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤].

نطبق الشريعة لكي نبرأ من النفاق الأكبر فإن الله يقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبَلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكفُرُوا بِهِ﴾ [النساء: ٦٠].

ثم نطبق الشريعة لأنها السبيل الأوحد إلى الحياة الطيبة في الأرض كما قال تعالى: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ عَدُوٌّ فَإِمّا يَأْتِيَنْكُم مِنِّي هُدَى فَمَنِ اتْبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُ ولا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإنّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه: ١٢٣ - ١٢٤].

ونطبقها لكل ندفع عن أنفسنا وعن أمتنا الكوارث والأزمات فإن الله يقول: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَةً يَأتِيهَا رِوْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللَهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [النحل: ١١٢].

إذا كان الشاب أو المثقف أو الداعية يجعل الغاية من تطبيق الشريعة هو (حل مشكلات التنمية وتحقيق الرفاهية المادية)؛ فمن الطبعي أن يستهين أو لا يلقي بالاً للغايات الكبرى من تطبيق الشريعة الإسلامية التي أشار إليها العلامة د.صلاح الصاوي وأجمع عليها علماء الأمة، ومن ثم فمساحة الخلاف بينه وبين المشروع الغربي الذي يستهدف نشر قيم الديمقراطية الليبرالية في العالم الإسلامي تضيق إلى مربعات قليلة.

٣- الواقعية السائلة:

من خصائص السوائل أنها تتشكل بحسب الإناء الذي توضع فيها، ویوجد لدينا شخصيات تتشكل فكرياً وإعلامياً بحسب الفضاء السياسي والفكري الضاغط والمهيمن، فإن كان الفضاء الفكري تسيطر عليه القيم الإسلامية ومناخ الصحوة الإسلامیة - کما کان في الثمانینیات والتسعینیات - کانت إسلامية صحوية بامتیاز، حيث الصدام مع النظم انطلاقاً من الرؤية الإسلامية المثالية، مع عدم استحضار ما لديها من إمكانيات، ومدى جاهزية المجتمعات الإسلامية وتقبلها لتغيير شمولي في حقبة محدودة، وإن كان الفضاء الفكري تهيمن عليه فكرة التعايش السلمي "الطوباوية" كما في العشرية السبتمبرية، تشكلت بحسب هذا الجو السائد، وقادت عملية تعايش مع أشرس النظم العالمية والعربية عدواناً وقمعاً واستبداداً، واليوم عندما تصاعدت القيم الديمقراطية الغربية بعد الثورات العربية، تعود هذه الفئة إلى التصعيد مع النظم، ولكن ليس من بوابة الشريعة وإنما من نافذة الديمقراطية.

ليس هناك إنسان يمكن أن يسلم من تأثير الواقع عليه، بل المسلم مطالب بالتعامل مع الواقع الذي يعيشه، والتفاعل مع أحداثه والتكيف مع متغيراته، ولكن المهم أن يكون هذا التكيّف في الأدوات والوسائل المباحة، وليس في المفاهيم الشرعية التي لا يجوز العبث بها أو تفريغها من مضامينها، عبر تأويلات مستحدثة أو لغة عائمة لديها مشكلة كبيرة مع الوضوح والشفافيّة.

٤- الخلل في منهجية الاستيعاب لدى بعض الحركات الإسلامية:

إنّ تقبل الخلاف العلمي السائغ يُعد أحد أهم الأدوية الناجعة لعلاج إشكالية الافتراق والاختلاف في ساحة العمل الإسلامي، وكما أنه يوجد لدينا في التيارات الإسلامية شرائح تغلّب جانب المفاصلة والعنف اللفظي تجاه مخالفيها من الإسلاميين في مسائل اجتهادية، ليس فيها إجماع ولا مخالفة لقطعيات الشريعة؛ فإن لدينا في الجهة المعاكسة من التيارات من تفتح جانب الاستيعاب وتقبل الخلاف إلى المدى الذي يمنعها من تصحيح الرأي المخالف للإجماع، أو لقطعيات الشريعة والرد عليه بلغة واضحة، مع حفظ مقام القائل وعدم التعدي عليه، وفي تصوري أنه لا تنافٍ بين إحسان الظن بالمخطئ والترفّق به وحفظ سابقته في الخير، والدعوة والتعاون معه في موارد الاتفاق، مع نقده والرد عليه بلغة صريحة ومهذبة، متى ما كان الخطأ واضحاً بيّناً وله آثاره السلبية على الأمة، ولكن عندما تغيّب آلية التصحيح الرشيد في بعض الحركات الإسلامية، ويكون التركيز دوماً على تغليب جانب الاستيعاب على حساب تصحيح المفاهيم الخاطئة، يفضي هذا إلى تجذير المفاهيم الخاطئة وصعوبة علاجها واستئصالها بعد ذلك، ويصبح للمناخ السياسي والثقافي السائد عامل مؤثر لسير الحرکة الإسلامية في مسار لا یرتضیه الغیورون، ولکنهم یحجمون عن تصحیحه لما أشرنا إليه آنفاً.

أمريكا في مواجهة الجيش المصري:

عندما تلكأ المجلس العسكري في إعلان الفائز بالانتخابات الرئاسية المصرية صعدت الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي حدة هجومها وضغوطها على المجلس العسكري لإعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية وتسليم السلطة للرئيس المنتخب، ودعت وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون المجلس العسكري لتسليم السلطة للفائز في الانتخابات الرئاسية، وقالت: يجب أن يفي الجيش بالوعد الذي قطعه للشعب المصري بتسليم السلطة، معتبرة أن الإعلان الدستوري المكمل الذي أصدره العسكري مزعج، وطالبت الجيش بعدم التدخل أو محاولة إفساد السلطة الدستورية، وذكرت أن العسكريين الذي يحكمون مصر لم يكفوا عن قول شيء في العلن ثم يتراجعوا عنه في الخفاء بطريقة ما. وواصل الاتحاد الأوروبي من جانبه الضغط على المجلس العسكري لتسليم السلطة كاملة لرئيس مدني منتخب.

وبالطبع؛ فإن كل مسلم فرح بانسحاب قادة المجلس العسكري الحاليين من المشهد وتسليمهم السلطة لرئيس منتخب، ولكن المقصود هنا التدليل على اللهجة الغربية الحازمة لمنع عودة الحكم العسكري أو الحكم الاستبدادي التقليدي تماشياً مع ما تقتضيه أجندة المشروع الغربي في المنطقة، وسوف نكون سذجاً إذا تصورنا أن أمريكا تريد لدولة مسلمة يتجاوز عدد سكانها ٨٠ مليون نسمة على مرمى حجر من إسرائيل أن تنال حريتها واستقلالها.

كيف يغرس الخطاب التنويري أفكاره؟

لكي يتضح للقارئ الكريم دور الإسلاميين الجدد أو دعاة التنوير في غرس المفاهيم الليبرالية، سأذكر هذا المثال، وإن كنا نعتقد أن النوايا حسنة والدوافع نبيلة، ولكننا نتحدث عن المحصلة النهائية على عامة الناس:

عندما يقوم روائي أو كاتب بكتابة مقالة، يجاهر فيها بالإلحاد أو الزندقة، أو یذکر فيها ما يناقض قطعيات الشريعة الإسلامية، كالقول مثلاً بأن الحجاب غير واجب، أو القول بأن إقامة الحدود الشرعية وحشية وإجرام، وأن القرآن الكريم نص تاريخي قديم قد يكون طاله العبث والتحريف ..

فالموقف الشرعي معلوم، وهو رفض هذه الأقوال واستنكارها، ودعوة الدولة إلى محاكمة هذا المتعدّي على ثوابت الإسلام ومحكماته، ومقاضاته شرعاً. 

موقف الليبرالي: لا يجوز محاكمته، بل يجب على الدولة حمايته؛ لأن الليبرالية ترفض وضع قيود على الحريات إلا عند (الإضرار المادي للآخرين)، والأديان بمجردها ليس لها أي حق في تقييد حرية الفكر والإبداع.

موقف التنويري: لا يجوز محاكمته ويجب حمايته؛ لأن الإسلام جاء ليفتح باب الحريات ما لم يتسبب بضرر على الآخرين، والدليل على ذلك قوله تعالى ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكَفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وقوله تعالى ﴿لَسْتَ عَلَيْهِم بِمُسَيْطِرٍ﴾ [الغاشية: ٢٢]، والمنافقون مع كون أن لهم أفكاراً كفرية، لم يعاقبهم النبي صلى الله عليه وسلم، بل ناقشهم، وحاورهم.

التعقيب: كما ترى أن المحصلة واحدة بين الفهم الليبرالي والفهم التنويري، وأن المفهوم إذا جردته عن طريقة الاستدلال فواحد، فالسؤال: أي الخطابين أكثر قدرة على التأثير على عقول المجتمع المسلم المحافظ؟ وأيهما أكثر نفاذاً لعقول المسلمين؟ 

والجواب: لا شك في أن الخطاب الذي يستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية أكثر تأثيراً وقدرة على النفاذ في العقلية المسلمة المعاصرة، لا سيما أنها تشحن النفوس المهزومة بمبرر أمام الفكرة الليبرالية الضاغطة، وقد ذكرنا سابقاً أن الغربيين أنفسهم لا يعنيهم كيفية استخلاص المفكر والمثقف لفكرته، فالمهم لديهم أن تكون المحصلة النهائية للمفاهيم والأفكار متوافقة مع المفاهيم الليبرالية الغربية.

للتوسع في دراسة أفكار هذا الاتجاه يمكن الاستفادة من الكتب التالية:

١ - الاتجاهات العقلانية الحديثة، ناصر العقل، دار الفضيلة.

٢ - اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، فهد الرومي، مؤسسة الرسالة.

٣ - العصرانیون، محمد حامد الناصر، مکتبة الکوثر .

٤ - التنويريون والموقف من الآخر، ظافر شرقة، مركز الفكر المعاصر.

٥ - موقف الاتجاه العقلاني الإسلامي من النص الشرعي، سعد بن بجاد العتيبي، مركز الفكر المعاصر.

٦ - التجديد في الفكر الإسلامي، عدنان أمامة، دار ابن الجوزي.

٧ - مناهج الاستدلال على مسائل العقيدة الإسلامية، أحمد قوشتي، مركز التأصيل للدراسات والبحوث.

٨ - حوار هادئ مع الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، للشيخ د. سلمان بن فهد العودة.

تنبيهات للإسلاميين في كيفية إدارة المعركة الفكرية القادمة:

وأقصد بالإسلاميين هنا: العلماء والدعاة والتيارات الإسلامية كافة الملتزمين بمنهجية أهل السنة والجماعة في الفهم والاستدلال، ولو على سبيل الإجمال، وفي مقدمتهم السواد الأعظم من السلفيين، وعامة الفقهاء والدعاة من أتباع المذاهب الأربعة، الذين لا يتبنون محددات مدرسة التنوير الإسلامي. 

هذه تنبيهات مختصرة قائمة على فهم الخريطة السياسية والفكرية لهذه البلاد العربية التي شرحتها في الفقرة السابقة، وهذه التنبيهات موجهة للمجتمعات العربية الأكثر محافظة في سلوك أفرادها الظاهر، والتي تتغلغل بين أفرادها المفاهيم الشرعية، وثمة قاعدة استفدتها بعد البحث في هذه المسألة وهي (كلما كان المجتمع المسلم أكثر تديناً ومحافظة، كلما كان الطرح التنويري أكثر خطراً، والعكس صحيح)، ولهذا تجد في المجتمعات العربية الأكثر انفتاحاً، أن المعركة الفكرية الكبرى مع العلمانيين، وأن الخطوط الفاصلة بين التنويريين وعامة الإسلاميين لا تظهر كثيراً، لا سيما عند  اشتداد سطوة العلمانية المتطرفة، ومن جهة أخرى فإنك تلحظ أن الفارق بين التيار الإسلامي وتيار التنوير في المجتمعات المحافظة يكون أكثر وضوحاً، ذلك بأن تلك المجتمعات المحافظة تصبح غير قابلة للاختراق بالطرح العلماني الصريح، وبهذا يصبح الطرح التنويري هو الأقدر على اختراق الأسوار القيمية والفكرية، والأجدر بالدعم الخارجي والدعم الليبرالي الداخلي.

هذه تنبيهات عابرة أقدمها بين يدي القارئ الكريم، وأبعثها من طرف الذهن لرجالات الإسلام العاملين من علماء وشباب ومثقفين، وهم الأقدر على تصويبها والإضافة إليها:

١۔ قل الحق تاماً دون تردد أو تهور:

إذا أدركنا جيداً أن أجواء الربيع العربي وتشبع الفضاء العربي السياسي والإعلامي بقيم الديمقراطية الليبرالية، جعلت من حملَة هذه القيم ودعاتها من إسلاميين وليبراليين هم فرسان التغيير بدعم دولي خفي، يظهر حيناً ويتوارى حيناً آخر؛ فإن أكثر ما يتهدد الإسلاميين وعامة الدعاة والعلماء أن يكونوا " أداة وظيفية" في الصراع المرتقب بين النظم الشمولية والإسلاميين الجدد، والنجاة من هذا فيما أظن هو القيام بالواجب الشرعي تجاه كلا الطرفين، وقول الحق تاماً، فهو الذي سيجنبهم هذا الدور الذي سوف یزري برسالتهم ودعوتهم. 

وإذا كان التهور أو التعجل قد يكون في مسار التصدي للاستبداد والفساد؛ فإن التردد قد يقع فيه الإسلاميون حیال مؤسسات شرعية، تدور في فلك السلطة في عامة الأحداث والمتغيرات، والحق قديم، ولا ينبغي أن يكون نقد الخطأ أو الباطل مرهوناً بهوية صاحبه الفكرية، فإن كان ليبرالياً وصف بالتزلف والنفاق وإن كان داعية أو شيخاً تُكلف في التماس المعاذير له، ومع إدراكي بأن هذا باب خطير، قد يلج منه السفهاء والجهال في القدح فيمن عُرف فضلهم وعلمهم، إلا أن زجر هؤلاء السفهاء كما يكون بوعظهم والرد عليهم في الخطأ؛ فيكون كذلك بالتجافي والابتعاد عن التكلف في الدفاع عمن عرفت سيرته وطريقته في تبرير أوضاع خاطئة ومظالم مؤلمة.

كان لدى علمائنا وسلفنا الصالح من الفقه والرؤية الثاقبة ما جعلهم يدركون جيداً مخططات الطوائف المنحرفة، التي ربما سعت لتوظيف مكانتهم العلمية والشرعية في تمرير مخططاتها وأجندتها الخاصة.

جاء رجل حجَّ البيت فرأى قوماً جلوساً؛ فقال: من هؤلاء القعود؟ قالوا: هؤلاء قريش، قال: من الشيخ؟ قالوا: ابن عمر. فأتاه، فقال: إني سائلك عن شيء أتحدثني؟ قال: أنشدك بحرمة هذا البيت؛ أتعلم أن عثمان بن عفان فرَّ يوم أحد؟ قال: نعم. قال: فتعلمه تغیَّب عن بدر فلم یشهدها؟ قال: نعم. قال: فتعلم أنه تخلف عن بيعة الرضوان فلم يشهدها؟ قال: نعم. فكبَّر يعني الرجل السائل !!

قال ابن عمر: تعالَ لأخبرك، ولأبيِّن لك عما سألتني عنه. أما فراره یوم أحد فأشهد أن الله عفا عنه. وأما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت مريضة؛ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: "إن لك أجر رجل ممن شهد بدراً وسهمه".

وأما تغيّبه عن بيعة الرضوان؛ فإنه لو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان بن عفان لبعثه مکانه؛ فبعث عثمان، وکانت بیعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلی مكة.

فقال النبي صلى الله عليه وسلم -بيده اليمنى: "هذه يد عثمان - فضرب بها على يده، فقال: هذه لعثمان". فقال ابن عمر: اذهب بهذا الآن معك.

٢- لنستقي مادة الخطاب الإصلاحي من منظومتنا المفاهيمية الإسلامية:

في المجتمعات المحافظة التي ما زالت للمفاهيم الشرعية جذورها العميقة وانتشارها الواسع، وتتلقى شعوبها المفاهيم الشرعية بشكل مؤسسي في التعليم والمساجد، وليس للتيار الليبرالي اتساع شعبي، يجدر التأكيد على أن تكون مادة الخطاب الإصلاحي مستقاة من المخزون السياسي والحقوقي في الكتاب والسنة، مع الاستفادة من الأفكار والإجراءات والآليات التي أبدعها العقل البشري في العصور المتأخرة، فالخطاب الإصلاحي الذي يؤكد على تساوي أفراد المجتمع كافة أمام الشريعة، ويلغي التمايز الطبقي أمام القانون؛ ينبغي أن يبعث في وعي الناس انطلاقاً من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنما أهلك من كان قبلكم أنهم إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، وعندما وجدت الضغوط الاجتماعية التي تحول بين القصاص وإقامة الحكم الشرعي، وذلك لمنع قطع يد امرأة مخزومية - تعد بالمعايير الاجتماعية في مكة من الطبقات ذات الشرف والغنى - أمراً مرفوضاً وباطلاً في الإسلام فقال گلار: (أتشفع یا أسامة في حد في حدود الله، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).

لكأنّي أسمع هذا الصوت النبوي يجلجل في ردهات التاريخ ليطرق بأسماعه قلوب المسلمين في هذا  الزمان، الذي أخذ بألبابهم بعض صور العدل الموجودة في الديمقراطية الغربية، وظنوا أن لا سـبيل لتحصيلها إلا باستدعاء ذلك النموذج الغربي بكل مفاهيمه ومحدداته، وبين يـديهم هذا الماء العذب القراح من معين النبوة الصافي، يتدفق كالطوفان الجارف، يزيح عن طريقه دعاوى أقوام يزعمون أن العدل السياسي محصور في الديمقراطية الليبرالية، ويجرف في الوقت نفسه محسوبين على الفقه والعلم، ينسبون لهذه الشريعة الغراء من خالف هذا المنهج النبوي في كل أحواله.

إن المأمول أن يبعث التراث الفقهي - الذي دبجه علماء الإسلام منذ فجر تاريخ- في حقوق الأقليات غير الإسلامية في الدولة الإسلامية، وأن تبعث صورة الخليفة الراشد الذي اقتص لنصراني قبطي من ابن صحابي ووالٍ على مصر، عندما : (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً)، ويتذكر جيداً أن عمر بن الخطاب مر على باب قوم وعليه سائل يسأل، شيخ كبير ضرير البصر فضرب عضده من خلفه وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟ قال: يهودي، قال: فما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسأل الجزية والحاجة والسن، فأخذ عمر بيده وذهب إلى منزله، فرضخ بشيء من المنزل، ثم أرسل إلى خازن بيت المال، فقال: انظر هذا وضرباءه، فو الله ما أنصفناه أن أكلنا شبيبته ثم نخذله عند الهرم.

٣- لا تنفرد بالإصلاح الحقوقي وكن شریكاً:

من تأمل في الأبعاد الفكرية للثورات العربية، أدرك أنها مع مكاسبها وإيجابياتها التي لا يسع إنكارها وتجاهلها، إلا أنها قدمت ترويجاً دعائياً جارفاً لمفاهيم الديمقراطية الليبرالية في الحرية والعدالة، واستطاع الإعلام المصاحب للثورات والمناخ الدولي المصاحب للثورات أن يغرس في الوعي الشعبي أن مفاهيم الديمقراطية الليبرالية هي المدخل الثوري الوحيد القادر على الإطاحة بالنظم الاستبدادية، بل كان المتابع دوماً يلحظ في الغالب أن أي حراك ثوري في بلدان الربيع العربي لا يكون للأقلية العلمانية

والليبرالية نصيب كبير منه، لا يفلح في التقدم خطوة، وفي تصوري الشخصي أن هذا لم يكن عفوياً بأي حال. هذا الطوفان الدعائي الجارف لمصطلحات الديمقراطية الليبرالية، تسلل إلى لمجتمعات العربية المحافظة، وهذا أدى إلى ثلاثة أمور:

الأول: أن الوعي الشعبي المتدين في تلك المجتمعات المحافظة، أصبح يستعذب ويستحسن هذه المصطلحات، بوصفها أدوات أظهرت قدرتها على الفعل المؤثر على الأرض، وهو يحاول - بسبب تدينه - تضمينها معاني شرعية صحيحة، ولكن هذا أنتج عدم حماسته ولا تعاطفه - كما كان في السابق - لاستخدام المصطلحات الشرعية في الإصلاح.

الثاني: أن المناخ الدولي الذي تصوغه الدول الكبرى ومؤسساته الحقوقية والقنوات الفضائية العربية المؤثرة، لا يمكن بأي حال أن يدعم أي عملية تغيير وإصلاح في البلاد العربية ما لم تتشرب مضامينها هذه المفاهيم، أو على الأقل تتذرع بمصطلحات مجملة، يمكن من خلالها تضمين هذه المفاهيم الليبرالية فيها.

الثالث: أن الساحة الشعبية في تلك المجتمعات المحافظة، انقسمت تبعاً لانقسام النخب الإسلامية فيها تجاه تلك المفاهيم الليبرالية، فالراصد لتاريخ هذه المجتمعات يلحظ أن طائفة من الإسلاميين شرعوا منذ عشر سنوات أي بعد ١١ سبتمبر ٢٠٠١م للترويج لمصطلحات مجملة، تتضمن مضامين إيجابية صحيحة، ومضامين أخرى سلبية، كالتعايش والحرية واحترام الآخر، من دون أن تقوم - عبر خطابها الإعلامي والدعوي - بعملية نقدية للمضامين السلبية لهذه المصطلحات المجملة، أو توعية الجماهير المتابعة، عبر فرز المضامين السلبية عن المضامين الإيجابية لهذه المصطلحات المجملة.

ومضات شرعية إصلاحية:

١- السيادة للشرع والسلطة للأمة:

السيادة: هي السلطة العليا، التي تفردت وحدها بالحق في إنشاء الخطاب الملزم، المتعلق بالحكم على الأشياء والأفعال.

فالسيادة تعني السلطة العليا التي لها حق إصدار القوانين وإلزام الناس بها جميعاً، من دون أن تكون مقيدة بشيء، ولا أن تستمد مشروعيتها من أحد، فهي سلطة واحدة مطلقة مقدسة.

برز مصطلح (سيادة الشعب) أو (سيادة الأمة) من خلال الصراع العنيف في التاريخ الأوروبي مع الكنيسة، التي كانت تمارس كل أنواع القهر والاستبداد والطغيان ضد الشعوب الغربية، وتزعم أن هذا الاستبداد هو مقتضى الإيمان بسيادة النصرانية المحرّفة، فجاءت ردة فعل الفلاسفة والمفكرين الغربيين لاتجاه معاكس، لم يكتفوا فيه بمجرد عزل التعاليم الكنسية الجائرة، بل قاموا بنزع واستئصال علاقة الأديان وكل مقدس بالشأن العام، وبناء الدولة التي تنظم حياة الناس، وعبر مخاض طويل خلصوا لتأليه إرادة الإنسان وعدِّها معيار الحقيقة المطلقة. 

اتفق العلماء والمفكرون المسلمون على أن هذا المفهوم الغربي لسيادة الأمة ليس له وجود في الإسلام، (فالسيادة في الديمقراطية الغربية تعني أن إرادة الشعب هي العليا، وأنها في أمور السياسة والحكم والتشريع تبرم ما تشاء وتنتقض ما تشاء، لا يحدها في ذلك حد .. أما السيادة في الفكر السياسي الإسلامي فإنها محدودة من جانب واحد ومطلقة من الجانب الآخر، ففي الجانب الأول يحدها القرآن والسنة اللذان يعتبران من القواعد فوق الدستورية التي تلتزم السلطة التأسيسية باحترامها حين تضع الدستور).

٢- الحرية الشرعية هي مطلب الشعوب الإسلامية:

عندما أقرأ أو أتابع حديثاً لشريحة من الإسلاميين الجدد عن مطلب الحرية التي تتوق لها الشعوب الإسلامية؛ ألحظ عند التدقيق في خطابهم أن النبرة السائدة في خطابهم لا تتوجه بشكل كامل للمضامين الإيجابية التي تهم تلك الشعوب، وإنما نلحظ أن ثمة خطاباً غير مباشر لدوائر هامشية في المجتمعات الإسلامية وهي النخب الليبرالية. 

نجد أن هؤلاء الفضلاء یتحدثون بحماس، أن الإسلام کفل للمسلم الذي یرتد عن دينه ويعلن زندقته حماية قانونية، مستدلين بقوله تعالى: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩]، وأن النظام السياسي في الإسلام يبيح وجود أحزاب علمانية، ثم يشرع بعد ذلك في سرد مقطوعات هجائية محمّلة بالاتهام بالرجعية والتخلف والتشدد تجاه عامة علماء الأمة، وما دلت عليه النصوص الشرعية المحكمة وأجمع عليه أهل العلم من بطلان نسبة هذه الأقوال للإسلام.

فمن يبلّغ عنّا هؤلاء الفضلاء، أن الشعوب لا تتوق لحرية الزندقة والإلحاد، ولا تتطلع لحريّة العُري على الشواطئ، وأن هذه الشعوب المقهورة لا يُسهرها منع رواية فاجرة أو قصة ساقطة أو هذيان مهووس يسخر بالمقدسات ويعبث بالمحكمات .. ؟

٣- الشريعة الإسلامية حاكمة على التجارب المعاصرة لا العكس:

إن المتأمل في السجال الفكري والإعلامي طوال العقود الماضية بين الإسلاميين العلمانيين؛ يلحظ أن من الأدوات التي استخدمها العلمانيون سابقاً، ويستخدمها عض الإسلاميين الجدد اليوم - مع الأسف - للتدليل على فشل النموذج الإسلامي ي الحكم؛ هو الاحتجاج ببعض التجارب السياسية المعاصرة المحسوبة على النموذج لإسلامي؛ كتجربة الإنقاذ في السودان، أو تجربة طالبان في أفغانستان، ويصل الأمر إلى الاحتجاج بالتجربة الخمينية الإيرانية، وهذا مسلك غير علمي، فالتجربة الإسلامية تقيّم من خلال مادتها العلمية والفكرية التي دونها علماء الإسلام، استقوها من المصادر الشرعية، وتجلى التطبيق الأمثل لها في عهد النبي 128 ثم عهد لخلفاء الراشدين رضوان الله عليهم، وأما من جاء بعد هذه العهود المشرقة في التاريخ لإسلامي، وإلى وقتنا الحاضر، فيختلف اختلافاً واسعاً في درجة التزامه بمعايير المشروع الإسلامي الصحيح الذي تجلى في تلك العصور الزاخرة، فمنهم من كان للتزماً في غالب أدائه بهذه المعايير، ومنهم من غلب عليه الإخلال بها، ومنهم من زعم الانتساب لها وهو ليس من أهلها.

إن هذا الملحظ المهم ينبغي تضمينه في الخطاب الإسلامي الإصلاحي، بل لتأكيد عليه، وهذا يتطلب التجافي على من يحاول أن يجعل لبعض النماذج المتأخرة قيمتها المعيارية، ويقدمها للناس على أنها تجربة تطبيقية مثالية للنموذج الإسلامي، فالخطاب الشرعي التسويغي والتبريري لتجارب معاصرة، والتي تنطوي على أخطاء وانحرافات، يفضي لخلخة ثقة الناس بالمشروع الإسلامي، واختزال صورة النموذج الإسلامي المنشود في هذه التجربة أو تلك.

_____________________________________________

الورقة الأخيرة (لئلا تسرق أحلامنا)

ما جرى به القلم في هذا الكتاب، والذي شرعت خلاله في تقديم قراءة مختلفة لأبعاد الثورات العربية؛ لا يستهدف - حال الاقتناع بها أو بشيء منها - أن يسيطر على المرء الشعور بالإحباط وسوداوية الرؤية، بل المقصود تحفيز العقول والأذهان للمزيد من التأمل والرصد والوعي بحقيقة ما يجري حولنا من أحداث، في عصر أصبحت معظم منابر الإعلام - التي تصوغ مفاهيم الناس - في أيد غير أمينة على هوية الأمة الإسلامية وثقافتها، كما أن في هذه الأحداث مكاسب جمّة وفتوحات عظيمة، فالغرب لم يشرع في مشروع الشرق الأوسط الكبير أو في غيره من المخططات، إلا لشعوره بأن هذه الأمة الإسلامية - على الرغم من كل هذا التسلط والعدوان وإغراقها بكل أدوات التغريب والإفساد - لا تزال أبيّة على الذوبان.

 يقول المفكر الأمريكي الاستراتيجي فوكوياما المبشر بسيادة الحضارة الغربية: (الإسلام هو الحضارة الرئيسية الوحيدة في العالم التي يمكن القول بأن لديها بعض المشاكل الأساسية مع الحداثة).

ونحن معاشر المسلمين نؤمن إيماناً جازماً بأن هذا الدين وهذه الحضارة يستحيل فناؤهما؛ لأننا نملك وعداً إلهياً ربانياً بذلك ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٢٣]، ويقول هاه: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم كذلك).

لكننا في الوقت نفسه، ندرك أن الله وضع سنناً كونية وأسباباً شرعية، من حصّلها فاز بالنصر والتمكين، وبقدر تحصيلها بقدر ما تؤتى هذه الأمة من نصر وتمكین، وبقدر ما تفرط فيها بقدر ما تبتلى وتختبر، ونحن ليس لدينا ضمان من الله تعالى ألا تتحول المجتمعات الإسلامية من اليقظة الإسلامية في العلم والدعوة والسلوك إلى مفاهيم وسلو کیات محصورة في فئة قلیلة من الناس .

قبل ٥٠ عاماً فقط كنت تدخل للجامعات العربية في مصر والشام والعراق، فيندر أن تجد فتاة محجبة، وكنت تدخل إلى الجوامع، فقلما تبصر شاباً حافظاً للقرآن يؤمّ الناس، وكانت مظاهر التدين والالتزام بالشعائر في انحسار كبير، ثم منَّ الله على هذه الأمة بصحوة إسلامية عارمة، شعت بأنوارها آفاق الأرض، فانتشر الحجاب حتى أصبح مظهراً سائداً، وأقبلت الأجيال على حفظ كتاب ربها، وطلب العلوم الشرعية، والعمل الدعوي والإغاثي، وكما كان لهذه الصحوة الإسلامية منجزاتها ومكاسبها، فقد كان لها عثراتها وانتكاساتها، ومع ذلك كله فعندما تعقد مقارنة خاطفة، طبقاً للمعايير الشرعية بين أجيال الصحوة الإسلامية والأجيال التي سبقتها، والتي انتشر فيها الأفكار القومية والماركسية والبعثية؛ فإنك تدرك الفرق الهائل والبون الشاسع بين الجيلين، ولكن في الوقت نفسه هذا لا ينسينا أن أجيال الصحوة المباركة كانت نتاجاً لجيل مؤمن مجاهد في عهود سطوة العلمانية العربية، كان أحدهم يقبض على دينه كالقابض على الجمر، لا تزيده سخرية الهازلين ولا احتقار المتكبرين إلا مضاء وتضحية وجهاداً وثباتاً.

لم يظهر لهم وليّهم وعدوّهم، إذ الجميع يظهرون الموالاة فإذا غُلبوا ظهر عدوّهم .. ومن ذلك أن يُمحّص الله الذين آمنوا فيخلصهم من الذنوب فإنهم إذا انتصروا دائماً حصل للنفوس من الطغيان وضعف الإيمان ما يوجب لها العقوبة والهوان .. وقد شهدنا أن العسكر إذا انكسر خشع لله وذلَّ وتاب إلى الله من الذنوب وطلب النصر من الله وبرئ من حوله وقوّته متوكلاً على الله .. وشواهد هذا الأصل كثيرة .. وهو أمر يجده الناس بقلوبهم ويخشونه ويعرفونه من أنفسهم ومن غيرهم، وهو من المعارف الضروريّة الحاصلة بالتجربة لمن جرّبها والأخبار المتواترة لمن سمعها .. ثم ذكر حكمة أخرى فقال سبحانه: ﴿وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٤١]، وذلك أن الله سبحانه إنما یعاقب النّاس بأعمالهم، والکافر إذا كانت له حسنات أطعمه الله بحسناته في الدنیا، فإذا لم تبق له حسنة عاقبه بكفره، والكفّار إذا أُديلوا يحصل لهم من الطغيان والعدوان وشدّة الكفر والتكذيب ما یستحقّون به المحق، ففي إدالتهم ما یمحقهم الله به".

ثمة مكاسب كبرى - لا تخطئها عین المسلم - من هذه الأحداث، ومن ذلك: 

جريان سُنة الله تبارك وتعالى في الطغاة والمستبدين، بعد عقود من الظلم والاستبداد وشعور عامة المصلحين من دعاة ومفكرين وعلماء بانسداد الأفق وحتمية التعايش مع الاستبداد، حتى بدأت تنشأ توجهات فكرية وشرعية تؤصل وتقعد لتجميل وجه الاستبداد القبيح والتعايش معه، وحصر سبُل الحياة في مضايقه وتحت رماح عساكره، فجاءت هذه الأحداث لتسقط ورقة التوت عن هذه الطبقة الطفيلية التي ظلت لعقود تقتات من فتات الاستبداد، وتسبغ المشروعية الدينية والقانونية والأخلاقية على حُرّاسه وسدنته، وفي هذا من المكاسب الشرعية والأخلاقية الكثير.

كما كان للثورة السورية قصب السبق في تعرية العدو الصفوي وفضحه، والذي ظلت زُرافات من الشيوخ والمفكرين الإسلاميين لعقود تدافع عنه وتثني على ثورته الطائفية، وتزعم صدق مزاعمه في الدفاع عن قضايا الأمة، وتصف المحذرين منه بالهوس العقائدي أو بضيق الأفق أو بتفريق كلمة المسلمين، فيشاء الله ويكتب أن يتجلى الوجه الطائفي البغيض مع الاحتلال الغربي في بغداد الرشيد، ثم تكتمل سلسلة فظاعاته ومجازره على أرض الشام المباركة .

مضى على الساحة الإسلامية حينٌ من الدهر كان الثناء على نظام الملالي وأذرعته الطائفية علامة على حنكة الرجل السياسية وشهادة على منهجيته الوسطية وبرهاناً على عدائه للصهيونية، ثم تكشف القناع الطائفي، فأعلن بعض هؤلاء الفضلاء رجوعهم عما قالوه، وهذا من محامدهم ومآثرهم التي يشكرون عليها، ولكن هذا لا يمنع من القول اليوم بكل صراحة وأريحية:

نجح نظام الملالي في إيران وأذرعته الطائفية في لبنان والعراق وغيرها أن يخدع شرائح من الإسلاميين لأكثر من ثلاثين عاماً، كما نجحوا في توظيف عدد لا بأس به من قيادات العمل الإسلامي من حيث لم يشعروا في تقديم النظام الإيراني والنظام السوري للشعوب الإسلامية بوصفهما نظامين ممانعين وقوى مصطفة مع الأمة الإسلامية، بعيداً عن الأهداف الطائفية، والمقصود من هذه الإشارة التذكير بقدرة أعداء الأمة على مختلف عقائدهم ومشاريعهم على إحداث اختراق في وعي بعض النخب الإسلامية، مهما ظهر من حال هذه النخب من كثرة اطلاعها وممارساتها للعمل السياسي، فهي ليست عصيّة على الخداع والمكر الغربي الذي يُحاك لهذه الأمة ليل نهار، ومن هنا فالمأمول أن يفتح الإسلاميون صدورهم وآفاقهم لتبادل وجهات النظر المختلفة، وكثرة المراجعة والتدقيق في التحديات المحدقة بالأمة، في ظل تداعيات الثورات وما نجم عنها من زوال نظم وتبدل تحالفات وفوضى أمنيّة وتحولات سياسية وفكرية واجتماعية.

إن انفتاح مناخ الحريات الذي أعقب سقوط بعض النظم خلال الثورات العربية؛ يستلزم استثمار الدعاة والمفكرين والمصلحين على اختلاف مواهبهم وتوجهاتهم لهذا المناخ في مضاعفة الجهود للدعوة والإصلاح، ولن يجد المصلحون أكثر بركة وأعظم أثراً وارسخ ركناً من دعوة الناس إلى الإسلام بقیمه وشرائعه وأحكامه، فكلما كان المجتمع المسلم أكثر تديناً واستقامة ورشداً؛ كان أكثر قوة وإقداماً في مواطن النزال والإقدام، وكان أشد تآلفاً وتماسكاً بين أفراده عند الاضطراب والاختلال، وكلما ضعف التدين وخفتت أنواره وتراجعت آثاره، كلما نجح الأعداء في اختراق المجتمع المسلم والتلاعب بمکوناته و تدمیر مکتسباته. إن المؤمن المستيقن بوعد ربه جل وعلا لا يخشى من زوال هذا الدين، فالدين محفوظ بحفظ الله له، ولكن الخشية على جيل اليوم الذي تضغط عليه القيم الغربية الليبرالية لمسخ هويته ودينه، مستخدماً العدو في ذلك أسلحته كافة المادية والمعنوية، ومستثمراً احتياجاته الأساسية في الجنس والغذاء والأمان لحقنها بأجندته التغريبية، ولئن كانت العلمانية العارية والشيوعية الملحدة هي الذخيرة الفكرية التي نهشت أجيال الخمسينيات والستينيات من الشرق والغرب، فإن الذخيرة الفكرية لحرب الأفكار اليوم بين الحضارة الغربية والعالم الإسلامي يقوم على إعدادها محسوبون على الحالة الإسلامية أو متصالحون معها في الظاهر، والمحصلة هو نشر القيم الغربية الليبرالية بغطاء إسلامي شفاف لتقبله الشعوب المسلمة، وهؤلاء ليسوا سوى أداة مرحليّة لهذه الحقبة، سيتم التخلص منهم حال استنفاذ دورهم، أسوة بحلفاء الغرب السابقين من الطغاة والمستبدين، الذين أقر الله عيون المستضعفين ببداية انفراط عقدهم ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السّمَاءُ وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٩].