أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 16 أبريل 2026

بصائر للمسلم المعاصر عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

بصائر للمسلم المعاصر

عبد الرحمن حسن حنبكة الميداني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: يتناول الكتاب بصائر توجيهية، ونظرات توعوية للمسلم المعاصر، وبخاصة فئة الشباب، حيث يحمل لهم النصيحة الخالصة، والتحذير الكبير من مكائد الأعداء، ويعرض المخاطر التي تحيط بالصحوة الإسلامية، وتدعوهم إلى وعيٍ ناضجٍ يجنّبهم الاندفاع والغلو، ويحصّنهم من الاستدراج الفكري والتنظيمي. كما ترسم معالم المنهج الإسلامي القائم على الوسطية، والتمسك بالكتاب والسنة، وتحكيم شرع الله -بعيداً عن التسرع في الأحكام أو التجرؤ على الدين بغير علم.

كما يُبرز الكتاب وظائف الأمة الإسلامية الكبرى: من الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والشهادة على الناس، والجهاد بمفهومه الشامل، مع بيان أن التمكين والاستخلاف مشروطان -بتحقيق: الإيمان والعمل الصالح. كما يكشف عن أسباب الانحراف الفكري، وأخطار التعصب والتقليد الأعمى، ويدعو إلى الفقه المتوازن، الذي يجمع بين الأخذ بالأسباب والتوكل على الله -سبحانه وتعالى-.

وفي سياق ذلك، يُحذَر الكتاب -من تحريف مفاهيم الجهاد وتعطيله، ومن استغلال الدين لخدمة الأهواء والأحزاب المؤطّرة، مؤكداً أن النهضة الحقيقية لا تقوم إلا على بصيرة، ووحدة، والتزامٍ صادقٍ بمنهج الله، وهو الالتزام الذي يردّ الأمة إلى دورها الحضاري ويهيئها للنهوض من جديد.

يقول الشيخ عبد الرحمن الميداني:

يا شباب الإسلام، ويا طلائع البناء الجديد، ويا حبات قلوب الأمة الإسلامية المجيدة. ليكن في علمكم أن دهاة الكيد العالميين قد بالغوا في الكلام على الصحوة الإسلامية المعاصرة في العالم الإسلامي، وهولوا أمرها لهدفين:

الأول: ليورطوا شباب الإسلام وطلائع البناء الجديد، في رعونات تسحق هذه الصحوة، وتعيد المسلمين إلى سباتهم.

والثاني: ليدقوا ناقوس الخطر في آذان دول العالم الغربي، وسائر الدول التي تخشى عودة الإسلام إلى الظهور والقوة في الأرض، تحذيراً لهم من ظهور الكيان العظيم الذي يخوفهم منه أحبار يهود وقادتهم تخويفاً كبيراً، ألا وهو ظهور كيان الأمة الإسلامية الواحدة من جديد.

فاعرفوا كيف تصحون إن كنتم حقا حريصين على صحوة حقيقية يقظة ناضجة، غير غبيّة ولا رعناء، ولا فَجَّةٍ ولا مراهقة.

لا تغتروا بمن يخادعكم ليستدرجكم، ولا يقودنكم أحداث الأحلام، ولا المراهقون في فهم الإسلام، ولا تعتبروا كل من يخالفكم في الرأي خصماً لكم، ولا كل من يوافقكم في الرأي صديقاً لكم، فقد يكون المخالف في الرأي من أكثر الناس وداً لكم، وحرصاً عليكم، ورغبة بتحقيق غايتكم، وقد يكون الموافق لكم في الرأي المصفق لأعمالكم، والمؤيد المُمِدّ لكم من أكثر الناس عداء لكم، وحرصاً على توريطكم، ورغبة بفشلكم وعدم تحقيق غايتكم.

لا تشتروا الثمار على أشجارها قبل أن يبدو صلاحها، فريح باردة أو شديدة تُسْقِطُها وهي غير صالحة للانتفاع بها. ولا تحاولوا أن تقطفوا ثمار زرعكم قبل نضجه، فإنكم إن فعلتم ذلك أتلفتم ثماركم، وأضعتم جهودكم وجلبتم اليأس إلى نفوسكم وأيأستم من وراءكم، ورجعتم من الحقل تمضعون مرارة الخيبة والندم.

واعلموا أن من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وليكن بُستانيكم زَرَّاعاً ماهراً مُجرِّباً محنكاً، وعليهما أيضاً بأصول الزراعة الحديثة. واتقوا الله في أعمالكم، إن الله مع المتقين، وأتقنوا وأحسنوا وسائلكم وأسبابكم وخططكم، إن الله مع المحسنين.

الحمد لله الذي فضل هذه الأمة الإسلامية الخاتمة للأمم بأمور:

الأول: استمرار العدالة فيها حتى يأتي أمر الله، وهذه العدالة ستظل في مجموع هذه الأمة بشكل عام، لا في جميعها. فهي لا تجتمع على ضلالة، ولا تزال تبرز هذه العدالة في طائفة منها يكونون ظاهرين على الخلق، يقولون الحق، ويهدون به، وبه يعدلون، لا يضرهم من خالفهم، حتى يأتي أمر الله.

الثاني: أنها أمة دعوة بالحكمة والموعظة الحسنة، تبلغ دين الله للناس أجمعين، بألسنتهم، وفي مواطنهم. وهذه الوظيفة هي الوظيفة الأساسية والرئيسية لهذه الأمة، والتي كلفها الله أن تقوم بها، وهي وظيفة تحمل فيها مجتمعة الرسالة التي حملها الرسول محمد ﷺ لمن بلغه مباشرة من الناس في زمانه.

الثالث: أنها أمه أمرٍ بالمعروف ونهي عن المنكر، داخل المجتمع الإسلامي على اختلاف دوائره ومؤسساته وأسره وشعوبه. فهي في مجموعها لا تسكت عن إحقاق الحق، وإبطال الباطل، ولا تهمل واجبات الإصلاح والتقويم والردع ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً.

الرابع: أنها أُمَّةً شَهادة، تشهد على الناس جميعاً يوم القيامة، بأنها بلغتهم دين الله، ودعتهم إلى اتباعه والعمل بأحكامه، وأقامت عليهم الحجة. وتشهد على الجاهلين والمنحرفين والعصاة من المنتمين إلى الإسلام، بأنها علمتهم أحكام الله، ونصحتهم، وأمرتهم بالمعروف ونهتهم عن المنكر.

الخامس: أنها أمة جهاد في سبيل الله؛ لالتزام دين الله في أنفسها، ولتحقيق التبليغ الواجب والدعوة إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وللقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولتحمل الشهادة التي ستشهد بها يوم الدين. ثم لإعلاء كلمة الله وإقامة العدل والحكم بالقسط، ما استطاعت إلى ذلك سبيلاً، فإذا علم الله أنها صارت مؤهلة لذلك استخلفها ومكن لها في الأرض، وملكها عروش الظالمين.

وقد دلّ على هذه الأمور الخمسة نصوص إسلامية كثيرة، منها النصوص التالية:

۱ - قول الله عز وجل في سورة (البقرة (٢):

{وكذلك جعلناكم أمّةً وَسَطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً} (١٤٣).

وسطاً: أي عدولاً.

(لتكونوا شهداء على الناس)، أي: لتبلغوا دين الله للناس كما بلغ الرسول، ولتدعوا إلى سبيل ربكم بالحكمة والموعظة الحسنة كما دعا الرسول، فتكونوا يوم القيامة شهداء على الناس بأنكم بلغتموهم الرسالة وأديتم إليهم الأمانة، كما يكون الرسول ﷺ شهيداً على من بلغه مشافهة أو مراسلة في حياته.

٢ - وقول الله عز وجل في سورة آل عمران (۳):

{كنتم خير أمة أخرجت للناس، تأمرون بالمعروف، وتنهون عن المنكر، وتؤمنون بالله} (۱۱۰).

أي: كنتم إذ اجتباكم الله واختاركم واصطفاكم خير أمة أخرجت للناس. فالاجتباء للرسول بالنبوة والرسالة، والاجتباء لأمة الإجابة بأن جعل منكم المسلمين الذين آمنوا بمحمد ﷺ، وحملوا رسالته، يبلغون الناس جميعاً، ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.

وقد أخرجهم الله من بين الناس لحمل هذه الوظيفة الربانية، وأعطاهم الله هذه الخيرية بعد أن بين لهم ما يجب أن يتصفوا به ليكونوا حقا خير أمة أخرجت للناس، وذلك في آيات سابقة لهذه الآية من سورة آل عمران نفسها، وهي قول الله تعالى:

{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته، ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم، فأصبحتم بنعمته إخواناً، وكنتم على شَفَا حُفْرةٍ من النار فأنقذكم منها، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون * وَلْتَكُنْ منكم أُمَّةً يدعون إلى الخير، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، وأولئك هم المفلحون * ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم} (١٠٢ - ١٠٥ ).

فاشتمل هذا النص على الصفات الكبرى التي تجعل أمة محمد ﷺ خير أمة أخرجت للناس، وهي الصفات المبينة في التكاليف التالية (للذين آمنوا):

أ - اتقوا الله حق تقاته: وذلك بفعل ما أمر به وترك ما نهى عنه.

ب - ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون: وهذا يفيد المحافظة الدائمة على مقتضيات الإسلام.

ج - واعتصموا بحبل الله جميعاً: وهذا يدل على وجوب وحدة جماعة المسلمين معتصمين بالله.

د - ولا تفرقوا: وهذا يفيد النهي عن كل صور التفرق ما دام الإسلام قائماً.

هـ - ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير: وذلك بالقيام بتبليغ دين الله، والدعوة إلى سبيله الذي هو سبيل الخير، ومنهج هذه الدعوة مبين في قوله الله لرسوله: {ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن}.

و - ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر: وهذه هي وظيفة العمل الإسلامي الدائم داخل المجتمع الإسلامي، لصيانته من الانحراف.

ز - ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات: وفي هذا نهي عن التفرق المذهبي أو الحزبي الذي يولد شقاقاً وصراعاً.

- وقول الله عز وجل في سورة (الحج (۲۲):

{يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم، وافعلوا الخير لعلكم تفلحون * وجاهدوا في الله حق جهاده، هو اجتباكم، وما جعل عليكم في الدين مِنْ حَرَج، مِلَّةَ أبيكم إبراهيم، هو سماكم المسلمين مِنْ قَبْلُ، وفي هذا، ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، واعتصموا بالله، هو مولاكم، فنعم المولى ونعم النصير } (۷۷ - ۷۸).

فقد أمر الله المؤمنين بأن يجاهدوا في الله حق جهاده، أي: جهاده الحق، والجهاد الحق: هو الجهاد الصادق المخلص، المطابق لمنهج الله، ولحدوده التي حدها، وأبان لهم أنه قد اجتباهم، أي: اصطفاهم واختارهم لهذه الوظيفة الجهادية، وأشار أن المضمون الأساسي لهذه الوظيفة هو تبليغ رسالة الرسول ﷺ كما بلغها الرسول، والدعوة إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، كما دعا الرسول إلى سبيل ربه بقوله تعالى: {ليكون الرسول شهيداً عليكم، وتكونوا شهداء على الناس}.

وحدد الله الصفات الأساسية الكبرى للمؤمنين المجتبين للقيام بالوظيفة المذكورة بالأوامر التي جاءت في النص وهي:

أ - اركعوا واسجدوا: وهو أمر بالصلاة بوجه عام.

ب - واعبدوا ربكم: وهو أمر بالعبادة في أية صورة من صور العبادة المشروعة.

جـ - وافعلوا الخير: وهو أمر بفعل الخير كل الخير.

د - وجاهدوا في الله حق جهاده: وهو يشمل كل أنواع الجهاد وصوره.

هـ - فأقيموا الصلاة: أي المفروضة.

و - وآتوا الزكاة: أي المفروضة.

ز - واعتصموا بالله، هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير: أي الجؤا إلى الله ليعصمكم بحفظه وحمايته، ويكون ذلك بالاستمساك بدينه واتباع شريعته، والتوكل عليه والاجتماع على التزام كتابه والوقوف عند حدوده.

٤ - وقول الله عز وجل في سورة النور (٢٤):

{وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم، وليُمكنَنَّ لهم دينهم الذي ارتضى لهم، وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً، يعبدونني لا يُشركون بي شيئاً، ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون * وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون * لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض ومأواهم النار ولبئس المصير} (٥٥ - ٥٧).

إن وعد الاستخلاف للمؤمنين الذي تضمنه هذا النص، مشروط بأهلية قسم كافٍ منهم عقيدةً وعملاً لهذا الاستخلاف، وحين يسلبهم الله السلطان والتمكين، ثم يؤخر عنهم عودة استخلافهم، فليعلموا أن الله عليم حكيم، وأنهم ما زالوا غير مؤهلين للاستخلاف حتى يحقق الله لهم وعده.

وعلى المسلمين دائماً أن يراجعوا حساباتهم، ويقيسوا واقع حالهم على منهاج الله لعباده المؤمنين حتى يعرفوا ما بين واقعهم ومنهاج الله لهم من تخالف، ليقوموا أمرهم، ويُصلحوا أحوالهم، ويقتربوا من مطابقة المنهاج اقتراباً يؤهلهم للاستخلاف الذي وعدهم الله به.

وعليهم أن لا يظنوا بالله غير الحق- ظن الجاهلية، ومهما تخلف عنهم النصر والفتح فليتهموا أنفسهم، فإنهم هم المذنبون أو المقصرون، أو المخالفون لمنهج الله.

ه - وما جاء في الصحيح من كلام الرسول ﷺ:

(لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة) رواه مسلم عن جابر.

* * *

المثال الخامس- تكفير من لم يحكم بما أنزل الله.

دخلت أغاليط حول هذا الموضوع كانت نتيجة تفسير النصوص على غير وجهها، وانطلقت بذلك تعميمات مخالفة لما أجمع أ أجمع أهل السنة. وإيضاحاً للمفاهيم الإسلامية التي تدل عليها النصوص مجتمعة متكاملة كتبت هذه المقولة:

إن الحكم بما أنزل الله، وقبول الحكم بما أنزل، والرضا القلبي والتسليم التام له، من عناصر عبادة العبد لربه، وهو ثمرة كبرى من ثمرات الإيمان.

وذلك لأن من عناصر الإيمان بالله جل وعلا: الإيمان بأنه حكم عدل، وبأنه أحكم الحاكمين، وبأن كلماته تمت صدقاً وعدلاً، وبأنه جل وعلا حكيم عليم، محيط بكل شيء علماً، فهو لا يغيب عن علمه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر.

ولأن من عناصر الإيمان بالله جل وعلا: الإيمان بأن شريعته لعباده هي أحكم الشرائع وأعدلها، إذ هو سبحانه عليم بأحوال عباده، محيط علماً بما في نفوسهم، خبيرإ بما ينتج عن كل حكم من مصلحة أو مفسدة، ومن خير أو شر، لذلك فهو أعلم بأحكام العدل التي تلائم عباده، وتضع الحقوق في مواضعها، وهو سبحانه منزّه عن الأغراض والأهواء الخاصة، فهو جل وعلا لا يحابي أحداً على حساب أحد، ولا يظلم أحداً لصالح أحد، ولا يعطي فريقاً من حق فريق آخر، وما يظلم ربك أحداً، وإنما يراعي في أحكامه الحق والعدل ومصالح عباده.

فمن أدرك هذا من عناصر القاعدة الإيمانية، وكان محباً للحق، طالباً له، ولو كان عليه لا له، أو كان طالباً مرضاة ربه بطلبه للحق، وبعده عن ظلم الآخرين، فإنه لا بد أن يجد نفسه مدفوعاً للحكم بما أنزل الله، ومدفوعاً لقبول حكم الله والتسليم به تسليماً كاملاً، وإلا كان عاصياً لربه، متبعاً لأهواء نفسه، مستهيناً بأعلى الفضائل الأخلاقية، وهو حب الحق وطلبه، وكراهية الظلم ومجافاته.

ومن يرفض أحكام الله تمرداً عليها، فإنه يتخذ إلهه هواه، ويرتدي أقبح أثواب الرذائل الخلقية، ويتعدى حدود الله، ويستكبر عن عبادته والخضوع لأحكامه.

ويضاف إلى أسس الحكم بما أنزل الله، أن مستند توحيد الله بالعبادة أن الحكم لله وحده، وقد أمر أن لا نعبد إلا إياه، وهذا ما احتج به یوسف عليه السلام على صاحبيه في السجن، إذ دعاهما إلى عبادة الله وحده، قال الله تعالى في سورة (يوسف ۱۲) يقص علينا ما قاله يوسف عليه السلام لصاحبيه في السجن:

{يَا صَاحِبَي السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَم اللهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (۳۹) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءِ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنزَلَ الله بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا اللهِ أَمَرَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ، ذَلِكَ الدِّينُ القَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)}.

فمستند توحيد الله في العبادة: توحيد الله في الحاكمية، إذ هو وحده الرب الخالق، فلا حكم لأحد غير الله فيما لم يأذن به الله، وإذ أمر سبحانه أن لا نعبد إلا إياه فقد وجب أن نفرده بالعبادة، فلا نشرك بعبادته أحداً، ولا نعبد سواه.

وعقيدة توحيد الله في الحاكمية هي عقيدة الأنبياء والرسل جميعاً، لأنها من كبريات الحقائق عن الله جل وعلا، وهي متصلة اتصالاً مباشراً بكون الله هو الرب الخالق المالك للكائنات كلها، أشيائها وأحيائها، ما كان منها في عالم الشهادة، وما كان منها في عالم الغيب، ومن كان هو المالك للكائنات فهو الحاكم المطلق في كل ما يملك، تصرفاً بالإيجاد والإعدام، والحياة والموت، ونحو ذلك، وتصرفاً بالأمر والنهي والتكليف.

وقد قص الله علينا مقالة يعقوب عليه السلام لأبنائه، فقال تعالى في سورة (یوسف ۱۲)

{وَقَالَ: يَا بَنِيَّ لا تَدْخُلُوا مِنْ بَابِ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابِ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أَغْنِي عَنْكُم مِنَ عَنْكُم مِنَ اللهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ، وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكَّلُونَ (٦٧)}.

أي: بيده أحكام المقادير يقضي بها كما يشاء.

ولذلك قرر الله لنا هذه الحقيقة مقترنة ببيان أنه لا إله إلا هو، وأن له كمال الحمد في الأولى وفي الآخرة، وأن الناس إليه يرجعون، ليحكم بينهم، وليجازيهم، فقال تبارك وتعالى في سورة القصص (۲۸):

{وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (۷۰)}.

وقال تعالى فيها أيضاً:

{وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهَا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (۸۸)}.

فالحكم في مقادير الحياة الدنيا وجزاءاتها وأقضيتها الكبرى لله وحده، لا يملك ذلك نبي ولا رسول ولا ملك، وكذلك الحكم يوم الدين، هو الله وحده.

وقد دلّ على تفرده سبحانه في الحكم في الأولى -قول الله تعالى لرسوله في سورة (الأنعام ٦):

{قُلْ: إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. قُلْ: لَا أَتَّبِعُ أَهْوَاءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذَا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ: إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ، إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)}

يقص الحق: أي يتتبع غاية الحق، ليحكم به سبحانه.

ودل على تفرده في الحكم في الأخرى يوم الدين، قول الله تعالى في سورة (الأنعام ٦):

{وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١) ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْخَاسِبِينَ (٦٢)}.

ونضيف أنه حين يكون ترك العمل بأحكام الله تركاً على سبيل التمرد على مبدأ الطاعة، أو على سبيل رفض حاكمية الله جل وعلا، أو على سبيل الشك في كونها حقاً وعدلاً، وتفضيل غيرها عليها، فذلك كفر وردة عن الإسلام- الذي يبدأ -الداخل فيه- بإعلان الاستسلام لأحكام الله والإذعان لها، والطاعة على قدر الاستطاعة.

وشأن هذا التارك كشأن إبليس إذ رفض حكم الله، وتمرد على طاعته، واعترض على أمره معانداً له، معتقداً أنه تكليف مخالف لمقتضى الحكمة، وبهذا يتضح لنا أن الباعث على ترك حكم الله في مثل هذه الحالة، إنما هو كفر بالله، أو كفر بحقه على عباده. ويغلب على الظن أن وضع القوانين العامة المخالفة لأحكام الله يدخل في هذا القسم الذي هو رفض حكم الله والتمرد على طاعته.

أما إذا كان ترك العمل بأحكام الله تركاً لا على سبيل التمرد على مبدأ الطاعة، ولا على سبيل رفض حاكمية الله جل وعلا، ولا على سبيل الشك في كونها حقاً وعدلاً وتفضيل غيرها عليها، فلا بد حينئذ أن يكون الباعث على ترك حكم الله أحد أمرين:

ا - فإما أن يكون الباعث الرغبة بالعدوان والظلم.

ب - وإما أن يكون الباعث الرغبة بالفسوق.

وذلك لأن حكم الله إما أن يكون في مجال الحقوق، وعندئذ يكون تركه ظلماً، لأن حكم الله هو حكم العدل، وإما أن يكون في مجال ضبط السلوك عن مواقع الإثم والقيام بفروض العبادات الله تعالى، وعندئذ يكون ترك حكم الله فسقاً وخروجاً عن حدود الله وتعدياً لها.

وعلى هذا نستطيع أن نفهم بوضوح ما جاء في القرآن حول هذا الموضوع، إذ جاء في سورة (المائدة ۳) قول الله تعالى:

{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (٤٤)}. 

{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون (٤٥)}.

{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (٤٦)}.

فقد بين الله في هذه النصوص الثلاثة البواعث التي تجعل الناس يتركون العمل بحكم الله، فالباعث إما أن يكون كفراً، وإما أن يكون ظلماً، وإما أن يكون فسقاً، وأشدها الكفر، ثم الظلم، ثم الفسق، على أن الكفر يشتمل على الظلم والفسق وزيادة، والظلم يشتمل على الفسق وزيادة، فتكاملت النصوص في بيان أطراف موضوع الحكم بغير ما أنزل الله، فلا يصح أن نجعل كل حكم بغير ما أنزل الله كفراً فالآيات تبين البواعث.

ومن الواضح في أغراض الدين الكبرى: أن الله أنزل الكتب على رسله لتحكم هذه الكتب بين الناس بالحق، وأمر المرسلين بأن يحكموا بما أنزل الله، وأمر المؤمنين إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، وأن يُحَكِّمُوا كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بينهم، وأن يرضوا بحكم الله ورسوله ويسلموا تسليماً، وجعل ذلك دليلاً على سلامة الإيمان وصدقه.

وقد دل على أن الله تبارك وتعالى قد أنزل الكتب على رسله لتحكم هذه الكتب بين الناس بالحق، قول الله تعالى في سورة البقرة (٢):

{كان الناس أمةً واحدةً فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقیم (۲۱۳)}.

فدل هذا النص على أن الناس كانوا أمة واحدة، ومعنى هذا بمقتضى دلالة جملة النصوص أنهم كانوا أمة واحدة مؤمنة، إذ كانوا في الدور الأول في عهد آدم على الإيمان والعمل برسالة الله لآدم، وكانوا في الدور الثاني بعد نوح عليه السلام على الإيمان والعمل برسالة الله لنوح، فاختلفوا بعد ذلك عن الحق، ودخلت فيهم أنواع الضلالات الاعتقادية والعملية، فبعث الله للناس جملة النبيين تترى لرد الناس عن ضلالاتهم وأنواع اختلافهم ولتبصيرهم بالحق حتى يلتزموه، وأنزل مع النبيين الكتاب بالحق، وبين الله أن من أهداف الكتاب المنزل أن يحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، في الأمور الاعتقادية، وفي أمور الحياة العملية.

وبما أن الكتاب الرباني منزل بالحق، فلا بد أن يكون حاكماً بالحق على المختلفين، فمن رجع إليه طالباً الحق بإخلاص رأى بيان الحق فيه، ومن حكَّمَه هدي إلى وجه الحق.

ثم كان حال الناس بعد أن أرسل الله النبيين وأنزل معهم الكتاب بالحق: أن أصيبوا بنوع اختلاف آخر هو الاختلاف في الكتاب، فكان من الذين أوتوا الكتاب ونظروا في البينات التي اشتمل عليها فريق اختلف فيه، ولم يكن سبب اختلافهم عدم إدراكهم للحق، وعدم وضوح البينات لهم، وإنما كان سبب اختلافهم فيه عامل البغي والحسد في نفوسهم، وهذا ما بينه الله بقوله: 

{وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ}.

ولكن المؤمنين طالبي الحق بصدق اهتدوا للحق الذي اختلف فيه الباغون فآمنوا بالكتاب وصدقوا بما جاء فيه من الحق، وحكموه في عقائدهم وأعمالهم، وفي شأن هؤلاء قال الله تعالى في الآية: 

{فَهَدَى الله الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ واللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مستقيم}.

ودل على أن الله أمر المرسلين بأن يحكموا بين الناس بما أنزل الله -قول الله تعالى لرسوله في سورة النساء (٤):

{إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللهُ وَلَا تَكُنْ لِلخَائِنِينَ خَصِياً (١٠٥)}.

وما دام الكتاب منزلاً ليحكم بين الناس بالحق، والمرسلون مبلغون له وحاملون لرسالته؛ فهم أول المكلفين بأن يحكموا بين الناس بما جاء فيه.

ودل على أن الله أمر المؤمنين إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بما أنزل الله، كون الله أمرهم بالأخذ بالحق، وبالحكم بالعدل، وكون كتاب الله قد اشتمل في أحكامه على الحق والعدل، وكون الله أمرهم بطاعته وطاعة رسوله، وأمرهم إن تنازعوا في شيء أن يردوه إلى الله والرسول، كل ذلك نجده في قول الله تعالى في سورة النساء (٤):

{إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا، وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ، إِنَّ اللَّهَ نِعِمَا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً (٥٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)}.

وربط الله صدق إيمان المؤمنين: بأن يحكموا الرسول فيما شجر بينهم مما قضى، ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً، ويُسَلِّموا تسليماً، فقال تعالى في سورة النساء (٤):

{فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً بِما قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيم (٦٥)}.

وجعل الله من صفات المؤمن الصادق أنه لا خيرة له في كل أمر قضى فيه الله ورسوله بحكم، فقال تعالى في سورة الأحزاب (۳۳):

{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)}.

فالمؤمنون الصادقون يردّون ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله، ويحكّمون الله ورسوله فيما شجر بينهم - أي: يحكمون كتاب الله وسنة رسوله فيما شجر بينهم - ثم لا يجدون في أنفسهم حرجاً من قضاء الله ورسوله، ويسلمون تسليماً، والمؤمنون الصادقون لا تكون لهم الخيرة من أمرهم في كل أمر يكون الله ولرسوله فيه قضاء.

ومن صفات المؤمنين الصادقين: أنهم إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم قالوا: سمعنا وأطعنا، وحققوا بالتطبيق العملي مضمون قولهم هذا، فالتزموا بالسمع والطاعة على مقدار الاستطاعة، دل على هذا قول الله تعالى في سورة النور (٢٤):

{إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)}.

وقولهم هذا تطبيق لما كانوا أعلنوه وبايعوا عليه من السمع والطاعة بشكل عام، منذ أعلنوا إسلامهم، لأنهم هنا يُدْعَوْنَ ليحكم الله ورسوله بينهم، فيستجيبون لهذه الدعوة.

من كل ذلك يتضح لنا أن الحكم بما أنزل الله، والرضا بحكم الله وبقضائه، والرضا بحكم رسوله، فرائض فرضها الله على المؤمنين، وقواعد من قواعد الإسلام الكبرى، وأن المؤمن صادق الإيمان لا يملك خياراً يبيحله مخالفة أحكام الله ورسوله، أو التمرد عليها. 

ويتضح لنا أن الحكم بما أنزل الله من أفضل العبادات التي يمارسها المؤمنون، وهو التزام بما تقضي به مكارم الأخلاق وفضائل السلوك الإنساني.

ثم إن الحكم بما أنزل الله، وإقامة حكم الله في الأرض، هو الحصن لاستقرار الحكم واستمراره، وهو الكفيل بسعادة الناس وأمنهم ورغد عيشهم، ثم هو سبيل سعادتهم يوم الدين، لما فيه من تحقيق لرضوان الله جل وعلا.

* * *

المثال السادس: التجرؤ على أحكام الدين 

وذلك بإصدار فتاوى التحليل والتحريم والتكفير والإخراج من الإسلام، خدمةً لأفكار التنظيم الذي يحمل شعار الإسلام.

ويُصدر هذه الأحكام من لا يملكون القدرة على فهم نصوص القرآن والسنة، وهم غير مؤهلين لا عقلاً ولا شرعاً لاستنباط الأحكام، مع أن الله عز وجل أمر برد ما يتنازع في حكمه الناس إلى القرآن والسنة، وإلى أولي الأمر المؤهلين منهم لاستنباط الأحكام، ولمعرفة ما يعرض لهم من شؤون السلم والحرب معرفة هي الصواب أو الأقرب إلى الصواب.

فقال الله عز وجل في سورة النساء (٤):

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلى اللهِ والرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)}.

وقال فيها أيضاً بشأن المنافقين:

{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كثيراً (۸۲) وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأمْرِ مِنْهُمْ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَا تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا لا تَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (۸۳)}.

وأولوا الأمر في كل موضوع: هم أهل الاختصاص فيه، فالفقهاء المؤهلون لاستنباط الأحكام الفقهية هم أولوا الأمر في هذا الشأن، والقادة العسكريون في شؤون الحرب هم أولوا الأمر فيها، وخبراء وعلماء الاقتصاد هم أولوا الأمر في حدود تخصصهم، والأطباء هم أولوا الأمر في شؤون الصحة والمرض، وهكذا.

ونجم عن التجرؤ على أحكام الدين لخدمة أغراض التنظيمات فتاوى عجيبة غريبة ما أنزل الله بها من سلطان، منها ما يلي:

١ - الانتماء إلى هذه الجماعة بعينها دون غيرها فرض، أو هو يساوي الدخول في الإسلام بإعلان الشهادتين.

۲ - يجب على كل مسلم أن يبايع إمام هذه الجماعة بعينها، لأنها هي الجماعة الكبرى في هذا البلد أو هي الجماعة المخلصة الوحيدة، أو نحو ذلك من عبارات.

- من لم ينتم إلى هذه الجماعة بعينها، ويعمل داخل تنظيمها، فهو مع صفوف أعداء الإسلام لا محالة، لأن حزب الجماعة هو المعسكر الإسلامي.

إلى غير ذلك من أحكام وفتاوى يصدرها بعض أتباع التنظيمات والجماعات التي تعمل لرفع منار الإسلام، وهي أحكام ما أنزل الله بها من سلطان، وفيها تجرؤ خطير على دين الله، وهو يدل على جهل بالإسلام، وفوضى فكرية، واعتماد على مجرد العاطفة غير البصيرة لخدمة الإسلام

[يشير -رحمه الله- إلى الحديث الذي أورده في موضع آخر من مجموع الفتاوى، إذ قال بشأنه: الحديث صحيح مشهور في السنن والمسانيد، كسنن أبي داود والترمذي والنسائي وغيرهم، ولفظه: افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة». وفي لفظ: «على ثلاث وسبعين ملة». وفي رواية: قالوا: يا رسول الله، من الفرقة الناجية؟: قال: من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». وفي رواية قال: هي الجماعة، يد الله على الجماعة». ولهذا توصف الفرقة الناجية بأنها أهل السنة والجماعة، وهم الجمهور الأكبر، والسواد الأعظم. أما الفرق الباقية فإنهم أهل الشذوذ والتفرق والبدع والأهواء، ولا تبلغ الفرقة من هؤلاء قريباً من مبلغ الفرقة الناجية (أي: في أعداد المنتمين إليها فضلاً عن أن تكون بقدرها، بل قد تكون الفرقة منها في غاية القلة). وشعار هذه الفرق مفارقة الكتاب والسنة والإجماع. فمن قال بالكتاب والسنة والإجماع كان من أهل السنة والجماعة.... انتهى].

ثم أبان رحمه الله بعد صفحات: أن من لم يكن ظاهر الكفر، ولا منافقاً يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وإنما أخطأ في الاجتهاد، أو لبس عليه الأمر بما أورده موردو الشبهات؛ فقال مقالة بدعية، فليس بكافر قطعاً.

بل قد يكون فاسقاً عاصياً، وقد يكون مخطئاً مغفوراً له، وقد يكون معه من الإيمان والتقوى ما يكون معه به من ولاية الله بقدر إيمانه وتقواه... أقول: وهذا من كمال إنصاف الإمام ابن تيمية، وعمق فهمه وبصيرته وورعه، وخوفه من الله عليه رحمة الله ورضوانه.

* * *

الجهاد في سبيل الله في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية

حدثنا التاريخ عن الجهاد الصادق في سبيل الله، بمختلف وسائله التي تبدأ بجهاد النفس، فجهاد الدعوة إلى الله، وتصل في مداها الأقصى إلى الجهاد بالقتال لإعلاء كلمة الله، وإقامة الحق والعدل في الأرض، وتثبيت قواعد الحكم الإسلامي. بدءاً بجهاد الرسول محمد ﷺ والذين آمنوا معه، وقد توّج الله هذا الجهاد بظهور الإسلام واستعلائه في شبه الجزيرة العربية.

ثم تابع مسيرة الجهاد في سبيل الله المؤمنون الصادقون بعد وفاة الرسول ﷺ، فأثمر جهادهم فتحاً مبيناً لعشاق الخير، وناشدي الحضارة المجيدة، وأثمر نصراً عزيزاً للبؤساء والمظلومين ومهضومي الحقوق.

وكان من عطاء هذا الجهاد الصادق المخلص، أنه منح الاكفياء للمساهمة في بناء الحضارة المثلى أرضاً مستقرة آمنة، وزمناً مباركاً فيه، فأخذوا يبذلون ما لديهم من طاقة وجهد في بناء الصرح الخالد، الذي دفعتهم إلى بنائه أسس الإسلام الراسخة التي تدعو إلى كل ما هو حق وخير وابتكار وإبداع جميل، لا شرّ فيه، والتي لا تفرق في الأخوة الإيمانية الإسلامية بين الأقوام والشعوب واللغات والألوان، ولا تفرق بين الطبقات، وتتيح فرص العمل والسبق والارتقاء لكل المسلمين المؤمنين على سواء.

وامتد الإسلام باستمرار حركة هذا الجهاد، وامتدت معه أصوله الحضارية شرقاً وغرباً، وحقق المسلمون به معجزة الفتح التاريخية، التي كادت تضم بين جناحيها معمور الأرض في مشارقها ومغاربها. وكان ذلك في أقصر حقبة عرفها تاريخ الفتوحات في الأرض، كما حقق المسلمون من كل الأجناس والأعراق انطلاقة حضارية فكرية وخلقية وسلوكية علمية وتطبيقية عظيمة أفادت منها الحضارة الغربية الحديثة كثيراً.

واستمر أمر المسلمين كذلك، حتى تسرب إلى نفوسهم مرض الانحراف عن الهدف المثالي الحق، الذي حددته لهم أسس الإسلام الاعتقادية والتشريعية، فدخل إلى قلوبهم داء الوهن، والطمع بالدنيا وحب الشهوات والتثاقل عن الجهاد في سبيل الله، والإخلاد إلى الأرض فوكلهم الله إلى نفوسهم، وألقى الخلاف بينهم، وضرب بين قلوبهم، وسلّط عليهم عدوهم.

ولكن حركة المد والجزر في البحر الزاخر من المسلمين المنتشرين في الأرض، كانت توقظهم بين حين وآخر إلى ما يجب عليهم نحو رسالتهم. الربانية الدينية الحضارية العظمى من الجهاد في سبيل الله جهاداً حقاً، مستوفياً كامل شروطه وأركانه، فكانت سوانح اليقظة هذه كافية لصد أعدائهم عنهم، ورد كيدهم في نحورهم وإبقاء هيكل الدولة الإسلامية العام مهيباً مرهوب الجانب.

وبين ضعف هذا الكيان وعوامل اليقظة ومظاهرها، لاحظ أعداء الإسلام عقيدته القوية الراسخة التي تجعل جيوش حملة رسالة الجهاد في سبيل الله كأنها الجبال الراسيات قوّةً وثباتاً، وامتحنوها عملياً خلال قرون صارعوا فيها المسلمين بكل وسيلة من وسائل القتال المكثف العنيف وكانت النتيجة أن مستهم صدمة عنيفة من الذعر والدهش والحيرة، ثم لم يجدوا سبيلاً إلى تفتيت هذه القوة المعنوية الهائلة، إلا أن يأتوا إلى جيوش حملة رسالة الجهاد الإسلامي الصادق، فيفرغوها من سر قوتها الحقيقية، ويحرفوا معاني الجهاد في سبيل الله داخل نفوسها، وأفكارها، وقلوبها، وفي ممارساتها العملية التي تنتظم حركة حياتها.

* * *

حيلة الربط الدوري بين ركن الجهاد في سبيل الله وبين إقامة الحكم الإسلامي 

ومن الخطط التي اتخذها الأعداء واستدرج إليها بعض أبناء المسلمين، وكثير منهم قبلها وروّج لها عن حسن نية، حيلة الربط الدوري بين الجهاد في سبيل الله بالقتال وبين إقامة الحكم الإسلامي الصحيح.

والنتيجة التي تحصل من هذا الربط أن لا يباشر المسلمون الجهاد في سبيل الله بالقتال مهما دعت الدواعي إليه، حتى يقيموا الحكم الإسلامي، وبما أن الحكم الإسلامي المنفذ لكل أحكام الله وشرائعه لعباده لا يستطيع أن يقوم في الأحوال الراهنة في كثير من بلدان العالم الإسلامي إلا عن طريق الجهاد في سبيل الله حتى حدوده القصوى؛ إذن فلا بد أن يتساقط طرفا الدور، فلا يقوم الحكم الإسلامي المطلوب، ولا يباشر المسلمون الجهاد في سبيل الله كما ينبغي، ويدور المسلمون بهذه الحيلة الفكرية في حلقة مفرغة، ليس لها طرف يمسكون به حتى تبدأ منه خطة عملهم.

وقامت نظريات جديدة تبناها بعض المسلمين، وهذه النظريات تنادي بأن الجهاد في سبيل الله حق، وركن من أركان الإسلام لنشره وصيانته، ولكن لا يصح مباشرة هذا الركن فيما وراء جهاد النفس وجهاد الدعوة السلمية الهادئة قبل توافر شروطه الأساسية، والمنطق عند هذا الحد سليم لا اعتراض عليه، وقد سبق شرحه في هذه البصائر.

ولكن عند الحديث عن الشروط؛ يعملون على انتحال شروط بعيدة المنال في ظروف المسلمين الحالية، ثم يعملون بكل وسيلة على جعل هذه الشروط مستحيلة الوقوع أو كالمستحيلة، كما يعملون على ربط هذه الفئات التي تنادي بهذه النظريات بهم ربطاً محكماً، يجعل كل أنواع النشاط التي تقوم به تحت اسم الإسلام كمن يحرث في البحر، تمتص بالجهد طاقاته، ولا تؤثر في الماء محاريثه، وينتهي الأمر إلى تعطيل ركن الجهاد في سبيل الله بالقتال نهائياً، وإبقائه كمادة معطلة عن التطبيق في دستور نظري.

على أننا نؤكد: أنه لا يصح مباشرة الجهاد بالقتال قبل توافر شروطه من تحديد الغاية الأساسية، وإعداد العدة المطلوبة للمواجهة، والقيام بواجب الجهاد بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وانتظار الفرص الملائمة.

ولكن على المسلمين جميعاً في مشارق الأرض ومغاربها أن يخططوا، ويساهموا في الإعداد التام لرد صور العدوان التي يبيتها ضدهم أعداؤهم من الشرق ومن الغرب ومما بينهما، ليوقعوا في شركهم كل بلد من بلدان العالم الإسلامي، وعلى المسلمين أن لا يتوانوا في القيام بهذا الواجب لحظة واحدة، فهم اليوم في سباق القوة، والإعداد الحقيقي لأسلحة الردع والصمود والجهاد في سبيل الله بصدق، إنما ينظرون إلى أواخر الصفوف المتقدمة في العالم المعاصر بالمناظير بعيدة المدى حتى يروها وهم خلفها. 

إن الأمر لا يحتمل التريث والصبر والأناة، ولكن اللحوق بالركب، ثم السبق، من الأمور الممكنة التي تتوافر لديهم أسبابها المادية، فما عليهم إلا أن يفتحوا كنوز أسبابهم المعنوية ويغترفوا منها، ويبدؤوا المسيرة الجادة متوكلين على الله، {ومن يتوكل على الله فهو حَسْبُه}.

خطة اصطناع المنظمات العميلة الأجيرة

استمرت جيوش الاحتلال الاستعماري في البلدان الإسلامية تنام على أشواك القلق والاضطراب والفزع من مباغتة المقاومة التي يقوم بها المجاهدون المسلمون ضد الغزاة. وبحثوا عن سر هذه المقاومة العنيدة المستمرة، والفداء الذي لم ينقطع، فوجدوا أن من أركان الإسلام لنشره وصيانته وحماية المسلمين وبلادهم من أي تسلّط غير إسلامي ركن الجهاد في سبيل الله، الذي يغذيه في قلب المسلم إيمانه الراسخ بما أعد الله للمجاهدين في سبيله من أجر عظيم عنده، فهو إن لم يظفر في الدنيا بالنصر، ظفر في الآخرة برضوان الله والجنة.

ولذلك وجه الاستعماريون جهوداً عظيمة في خطط متعددة الشعب لغزو هذا الركن العملي الخطير من أركان الإسلام الاجتماعية، ولإضعاف أثره في صفوف المسلمين وهدم بواعثه في قلوبهم، وفكروا وقدروا وخططوا، ثم استخدموا لهدم هذا الركن عدة أسلحة.

وعملوا على إلغائه ورفعه كلياً، وجربوا أن ينشروا بين المسلمين عقائد جديدة تفسر النصوص الإسلامية المصادر للتشريع بحسب أهوائهم، وتنادي بالأخوة الإنسانية دون تفريق بين الأديان القائمة، والمذاهب الفكرية المصطنعة، وتفسر الإسلام بأنه واحد من هذه الأديان المنتشرة في الأرض، يدعو إلى المحبة، وإلى التآخي العام بين البشر، مهما كانت مذاهبهم واتجاهاتهم وأعمالهم ومعتقداتهم، وما هو بدين قتال وسفك دماء، وأما القتال الذي حصل في صدر الإسلام؛ فقد كان عملية مرحلية فقط، انتهى دورها بانتشار الإسلام في العالم، وأضافوا إلى ذلك أخلاطاً اعتقادية تنسف الإسلام من أساسه.

واستأجروا للقيام بتنفيذ هذا المخطط أجراء ضمن صفوف المسلمين بألوان شتى وصور مختلفة، وظهر بعض هؤلاء الأجراء بأثواب قادة سياسيين، وظهر بعضهم بأثواب مصلحين دينيين، وابتدع بعضهم ديناً جديداً دعا إليه، وجمع فريقاً من المرتزقة عليه.

فظهرت "البهائية" في إيران ثم امتدت وظهرت "القاديانية" في الهند ثم امتدت، وكل منهما قد ضمن أخلاطه الاعتقادية الملفقة إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله، ودعا إلى التعايش بمحبة وإخاء وتعاون مع السلطات الاستعمارية الكافرة التي تمتص خيرات البلاد، وتنشر مبادئها باعتبارها أمة غالبة مستعمرة.

أما البهائية: فهي نحلة جديدة ظهرت في جسم الأمة الإسلامية بتدبير من اليهود وبعض الدول الاستعمارية، وبإمدادات من صانعي المكيدة لقادة هذه النحلة بالأموال وتيسير المصالح، ومختلف أنواع وصور الدعم والتأييد.

وهذه النحلة الأجيرة لأعداء الإسلام والمسلمين والتي يوجه قيادتها منافقون منهم قد قامت بتلفيق دين جديد بعقيدته وشريعته، تحت قناع الإصلاح الديني والاجتماعي المزيف، وباسم التآخي العام بين الناس على اختلاف أديانهم وقومياتهم ومذاهبهم.

ولهذه النحلة (البهائية) صلة في مفاهيمها بما يلي:

ا - بالإباحية من جهة.

ب - وبطرح الفوارق الدينية من جهة ثانية.

ج - وبإلغاء مبدأ الجهاد في سبيل الله من جهة ثالثة.

وأما القاديانية: فهي نحلة جديدة أيضاً، عملت بما تستطيع من خدمة مأجورة من قبل المستعمرين لهدم العقائد والشرائع الإسلامية التي يخدم هدمها مصالح المستعمرين في بلاد المسلمين، وكان لتأسيس هذه النحلة بين المسلمين تحت ستار ديني هدفان رئيسيان:

الهدف الأول: تفريق وحدة المسلمين وتوهين قوتهم، وهدم مبادئهم وعقائدهم .

الهدف الثاني: تمكين الدولة المستعمرة من بسط نفوذها على البلدان الإسلامية التي اغتصبتها، لا سيما الهند التي نشأت هذه الطائفة فيها. 

ومن أسباب هذا التمكين إلغاء ركن الجهاد في سبيل الله؛ ومما جاء في رسائل ميرزا غلام أحمد القادياني زعيم هذه الطائفة العميلة قوله:

"لقد قضيت معظم عمري في تأييد الحكومة الإنكليزية ونصرتها، وقد ألفت في منع الجهاد ووجوب طاعة أولي الأمر الانكليز، ما لو جمع بعضه إلى بعض لملأ خمسين خزانة".

وكذلك يعملون لإلغاء هذا الركن الإسلامي العظيم الذي هو حصن الأمة الإسلامية المكين.

* * *

فهرست الكتاب

نظرات حول أسباب الأخطاء وصور الجنوح الفكري عن إدراك الــحقائق.

الفصل الأول: حدود حقائق الأشياء ومقاديرها.

الفصل الثاني: مكانة الحق في مفهوم الدين.

الفصل الثالث: صور الإدراك بين الصواب والخطأ.

الصورة الأولى: إدراك الحقيقة إدراكاً كاملاً.

الصورة الثانية: إدراك الحقيقة إدراكاً ناقصاً.

الصورة الثالثة: إدراك تختلط فيه حدود الحقائق.

الصورة الرابعة: الزيادة على حدود الحقيقة مع ادعاء أن الزيادة داخلة في حدود الحقيقة.

الصورة الخامسة: التعميم الفاسد.

أمثلة من التعميمات الفاسدات.

المثال الأول: إدخال النتائج في الأحكام الخاصة بالمقدمات.

المثال الثاني: الحكم على كل معطيات الحضارة الغربية بالصحة أو بالفساد.

المثال الثالث: رفض كل دين لأن بعض ما يطلق عليه اسم دين هو باطل.

المثال الرابع: الحكم على كل عناصر مذهب إنساني بالصحة أو بالفساد.

المثال الخامس: تعميم الحرية وإطلاقها من غير قيود.

المثال السادس: تعميم المساواة واعتبارها مبدأ صالحاً في كل أحوالها.

المثال السابع: رفض كل ما عند المذاهب المخالفة لأن بعضها باطل.

المثال الثامن: رفض ما يمكن تعليله أو بيان حكمته من الأحكام الشرعية؛ لأن بعضها أمور تعبدية محضة.

المثال التاسع: من التعميمات الباطلات.

المثال العاشر: أخطاء في دعوات ترك التقليد والأخذ من الكتاب والسنة مباشرة والعمل بما صح عن الرسول.

الصورة الخامسة: الإدراك المنحرف عن مطابقة رقعة الحقيقة مع التلاقي الجزئي:

أمثلة:

المثال الأول: أخطاء الناس في مفهوم الزهد في الدنيا.

المثال الثاني: أخطاء في مفهوم القضاء والقدر.

الصورة السادسة: الادراك المجانب للحقيقة مجانبة كلية.

الفصل الرابع: أسباب الخطأ أو الجنوح الفكري عن إدراك الحقيقة.

المقولة الأولى: في شرح أسباب الخطأ أو الجنوح الفكري عن إدراك الحقيقة.

السبب الأول: الوهم الناشىء عن اضطراب نفسي أو عدم اتزان فكري.

السبب الثاني: ضعف أداة الإدراك أو وسيلته مع الغرور بالنفس.

السبب الثالث: انحراف النظر عن حدود رقعة الحقيقة.

السبب الرابع: «اشتباه الحقيقة بما جاورها».

السبب الخامس: تشابه الحقائق في صفاتها ولو تباعدت.

السبب السادس: ردود الأفعال الفكرية السريعة بمؤثرات نفسية.

أمثلة:

المثال الأول: التأرجح بين الاشتراكية والرأسمالية وترك الوسط الحق.

المثال الثاني: التأرجح بين الديمقراطية والديكتاتورية وترك الوسط الحق.

المثال الثالث: التأرجح بين الإفراط والتفريط في حجاب المرأة، وعزلها، أو إطلاقها. وترك الوسط الحق.

المثال الرابع: التأرجح بين الجبرية ومذهب المعتزلة وترك الوسط الحق.

المثال الخامس: التأرجح بين وجوب فعل الأصلح على الله وبين كونه سبحانه قد يشاء أي ممكن ولو كان قبيحاً. وترك الوسط الحق.

المثال السادس: الإفراط في الجنوح إلى جانب العقل والتفريط بتعطيل منطق العقل.

المثال السابع: رفع الوسط بين الخير والشر.

المثال الثامن: رفع الوسط الحق بين الإكراه في الدين وحصر الجهاد في سبيل الله بالدفاع فقط والتأرجح بين الأقصيين.

السبب السابع: «سوابق الأفكار»

السبب الثامن: التعصب لشخص أو قوم أو حزب أو جماعة أو فكرة قديمة.

السبب التاسع: التسرع في الحكم مع عدم وضوح الرؤية.

السبب العاشر: مؤثرات الأهواء والشهوات والمصالح الخاصة.

السبب الحادي عشر: «التقليد الأعمى».

المقولة الثانية: في عرض أمثلة من الأغاليط الناشئة عن الخطأ أو الجنوح الفكري عن إدراك الحقيقة

المثال الأول: هل الإنسان خليفة عن الله في أرضه؟

المثال الثاني: أي الطريقين أقرب؟

المثال الثالث: مقولة للشيخ أبي الحسن علي الحسني الندوي.

المثال الرابع: تعظيم الصغائر.

المثال الخامس: حول فكرة تكفير من لم يحكم بما أنزل الله.

المثال السادس: التجرؤ على أحكام الدين بإصدار الفتاوى.

(الباب الثاني)

الفهم الاسلامي الصحيح لقضية اتخاذ الأسباب مع التوكل على الله

الفصل الأول: مفاهيم عامة وأمثلة

(1) التوكل وظيفة إيمانية واتخاذ الأسباب وظيفة عملية

(۲) دافعا اتخاذ الأسباب الكونية

(۳) دخول كل سبب يكتشف في عموم الأسباب التي يجب اتخاذها.

(٤) تأثير التوكل على الله في الإمداد بقوى معنوية عالية لدى اتخاذ الأسباب.

(٥) اتخاذ الأسباب طاعة لسنن الله وطاعة لشرائعه.

(٦) انطلاقات الإيمان الثلاث، والتوكل تعبير إيماني وعبادة قلبية ونفسية

(۷) نتائج غير سارة للأغاليط في هذا الموضوع.

(۸) أمثلة.

الفصل الثاني: أدلة قرآنية وشرحها:

۱ - من سورة (القمر): (كذبت قبلهم قوم نوح …).

٢ - من سورة (الأعراف): (وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك …)

٣ - من سورة (القصص): قال: (سنشد عضدك بأخيك ....)

٤- من سورة (الصافات): (ولقد مننا على موسى وهارون ....)

٥ - من سورة (الصافات): (ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين..)

٦ - من سورة البقرة): وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم..)

من سورة (البقرة): وقاتلوا في سبيل الله واعلموا سميع عليم ... )

 من سورة (البقرة): (ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل من بعد موسى …)

- من سورة الأنفال): عدة نصوص.

- من سورة (آل عمران): (قل للذين كفروا: ستغلبون …).

٩ - من سورة (النساء): (فليقاتل في سبيل الله الذين …)

۱۰ - من سورة (محمد): (فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب …)

۱۱ - من سورة (المجادلة): (إن الذين يحادون الله ورسوله ...)

۱۲ . من سورة (المائدة): (ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا …)

الفصل الثالث: وجوه النصر وأدلته:

(۱) وجوه النصر.

(۲) أدلة وجوه النصر.

أ - في العهد المكي

۱ - قول الله من سورة (الفرقان): (وقال الرسول: يا رب إن قومي ...)

٢ - من سورة (يوسف): (حتى إذا استيأس الرسل ...)

٣- من سورة (الأنعام): (قد نعلم إنه ليحزنك الذين يقولون . .)

٤ - من سورة (الصافات): ولقد مننا على موسى وهارون ...

٥ -ومن سورة (الصافات): ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين )

.٦ - من سورة (الأنبياء): (ونوحاً إذ نادى من قبل ... )

٧- من سورة (غافر): (إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا . . .)

- من سورة (المؤمنون): (قال: رب انصرني بما كذبون ... )

- من سورة (الروم): (ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً …)

- من سورة (العنكبوت): قصة إهلاك قوم لوط.

ب - في العهد المدني:

۱ - من سورة (البقرة): عرض قصة طالوت

٢ - من سورة (الأنفال): (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول ... )

- من سورة (آل عمران): (ولقد نصركم الله ببدر . . . )

٤ - من سورة (النساء): (والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله …).

ه - من سورة (محمد): (يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله…)

٦ - من سورة (الحج): (ولينصرن الله من ينصره .)

- من سورة (الصف): (يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة ... )

- من سورة (الفتح): (إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً . . .)

٩ - من سورة (التوبة): (قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم)

۱۰ - سورة (النصر): 

(۳) خاتمة

من سورة (التوبة): (يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم ...)

(الباب الثالث)

الدين الحق منهج وسط بين التفريط والغلو

الفصل الأول: تمهيد عام حول الحقائق والنظر إليها

الفصل الثاني: تمهيد حول مفاهيم التفريط والغلو

(۱) أمثلة

(۲) قسم من الحقائق تضيق مسافة حدودها ومقاديرها

(۳) التفريط والغلو في الدين

الفصل الثالث: بيان التفريط والغلو في العقائد والمفاهيم الدينية الأساسية

(۱) مقدمة

(۲) التفريط في العقائد والمفاهيم الأساسية

(۳) الغلو في العقائد والمفاهيم

أمثلة:

المثال الأول: الغلو في تعظيم الرسول

المثال الثاني: غلو أهل الجبر

المثال الثالث: غلو بعض الجهلة في إثبات الصفات وغلو المؤولين

المثال الرابع: غلو المشركين

المثال الخامس: غلو بعض الجهلة من عوام المسلمين في تعصبهم غير الرشيد

الفصل الرابع: بيان التفريط والغلو في الأحكام التشريعية

(۱) مقدمة

(۲) التفريط في الأحكام التشريعية

(۳) الغلو في الأحكام التشريعية

أدلة قرآنية:

۱ - من سورة (الأعراف): (يا بني آدم خذوا زينتكم ...)

٢ - من سورة (يونس): (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق ...)

- من سورة (الأنعام): وقالوا: هذه أنعام وحرث حجر .....)

٤ - من سورة (المائدة): (ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة …)

غلو النصارى في الأحكام، وما جاء في سورة (الحديد) بشأنهم.

(ولقد أرسلنا نوحاً وإبراهيم ..)، (ورهبانية ابتدعوها …)

الفصل الخامس: بيان التفريط والغلو في السلوك الديني

(۱) مقدمة

(۲) التفريط في السلوك الديني

(۳) الغلو في السلوك الديني

أمثلة للغلو في السلوك

نصوص في بيان المنهج النبوي القصد

الفصل السادس: بيان التفريط والغلو في الولاء

(۱) مقدمة

(۲) التفريط في الولاء

(۳) الغلو في الولاء

(الباب الرابع)

الجهاد في سبيل الله

الفصل الأول: تعريف الجهاد ومجالاته

(۱) تعريف الجهاد

(۲) مجالات الجهاد في سبيل الله

(۳) استعراض النصوص القرآنية في الجهاد

أولاً: في العهد المكي

1 - من سورة (الفرقان): (ولقد صرفناه بينهم ليذكروا…)

٢ - من سورة (لقمان): (ووصينا الإنسان بوالديه . .)

- من سورة (النحل): (ثم إن ربك للذين هاجروا من بعد ..)

- من سورة (العنكبوت): (والذين جاهدوا فينا لنهدينهم …)

ثانياً: في العهد المدني:

۱ - من سورة (البقرة): (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا..)

۲ - من سورة (الأنفال): (إن الذين آمنوا وهاجر واوجاهدوا بأموالهم ... )

- من سورة آل عمران): (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون )

- من سورة (الممتحنة): (يا أيها الذين آمنوا . . . .)

ه - من سورة (النساء): (لا يستوى القاعدون من المؤمنين ..)

٦ - من سورة (محمد): (ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين ...)

- من سورة (الحج): (وجاهدوا في الله حق جهاده …)

.- من سورة (الحجرات): (قالت الأعراب: آمنا . . .)

٩ - من سورة (التحريم): (يا أيها النبي جاهد الكفار . . . )

١٠ - من سورة (الصف): (إن الله يحب الذين يقاتلون صفاً .. )

من سورة (الصف): (يريديون ليطفئوا نور الله بأفواههم ..).

۱۱ - من سورة (المائدة): (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ..).

۱۲ - ما جاء في سورة (التوبة).

الفصل الثاني: أهداف الجهاد في سبيل الله، وعناصره وشروطه.

(۱) موجباته من الواقع البشري.

(۲) غاية الجهاد في سبيل الله.

(۳) خطوات الجهاد في سبيل الله ووسائله

(٤) الدعوة إلى الجهاد في سبيل الله في التوراة والإنجيل والقرآن

(٥) شروط الجهاد في سبيل الله بالقتال

(٦) الروح المعنوية لدى المجاهدين في سبيل الله

(۷) الجهاد في سبيل الله في تاريخ بناة الحضارة الإسلامية

الفصل الثالث: محاولات التحريف في مفاهيم الجهاد في سبيل الله

(۱) مقدمة

(۲) استغلال ردود الأفعال الناتجة عن توجيه الاتهام

(۳) خطة تفريغ الجهاد في سبيل الله من مضامينه

(٤) حيلة الربط الدوري بين ركن الجهاد في سبيل الله وإقامة الحكم الإسلامي

(٥) حيلة اصطناع المنظمات العميلة الأجيرة

البهائية

القاديانية

(٦) خطة التوريط والإحباط

الفصل الرابع: توجيه حول قضيتنا الفلسطينية المعاصرة

خاتمة عامة

الفهرس



أغنية البئر أنس أبو رحمة بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أغنية البئر

أنس أبو رحمة
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: كثيرةٌ هي الكلمات التي تُقال بلا روح، وكثيرةٌ هي العناوين التي تمرّ عابرةً كأنها لم تُكتب، سطورٌ تتزاحم على الورق.. لكنها لا تقول شيئًا، كأنها فراغٌ يرتدي ثوب الكلام. فليس كل ما يُكتب فنًّا، لأن الفنّ الحقيقي يسكب الحياة في الحروف، فتهتز عروقها، وينبض قلبها، حتى تكاد تتجسّد المعاني، وتمتص الأوراق عذوبتها. 

لا ريب أن هناك فرقاً بين تلك الكلمات التي تُولد من قلبٍ حي، وعقلٍ حُر.. وتسقط بثقلها ورشاقتها على الأوراق، يجذبك جمالها، وتعانقك أساليبها، وتبهجك صفحاتها كنجوم الليل المضيئة، بينما الأخرى تُشبه الكلمات في شكلها، لكنها تولد ميّتةً، فارغة من أيّ معنى، كأنها ما خرجت إلا لتُدفن في مهدها، فهذه التي تظل حبيسة الشكل والصورة.

وبداخل كلٍّ منا رواية، هي الوطن الصغير الذي يسكننا، يكبر رغم كل شيء. رواية تشبه الجدران المتعبة، والهواء المشبع بالدخان، وأنينٌ خافت يبعث ما مضى من الذكريات. النوافذ أصبحت ضيّقة، لكنها دافئة، تُطلّ على حياةٍ لا تنطفئ، وأملٍ لا زلتُ أرقبه في النجوم. 

لا أميل إلى ضجيج الكلام، والذي يفضي في نهايته إلى لا شيء، ولا أحب تلك العبارات التي تنتفخ بنفسها وتخلو من مظاهر الحياة. سيما في واقعٍ تتكاثر فيه الأعباء، وتسير فيه الحياة سيراً ثقيلاً، حتى يصبح التعب جزءًا من التفاصيل اليومية، من تعبئة المياه، إلى جلب التكيات، إلى البحث عن عمل، إلى أداء بعض الواجبات هنا وهناك.

ما يشدُّ انتباهي هي تلك الكلمات التي تهرب من معناها، وتختبئ في ساحاتٍ لا تظللها، أعتقد أنه لا يمكن حتى جمعها أو تعليقها على جدارٍ هو في الحقيقة صادق. أصدق من تلك الكلمات، ويحمل في طياته خبراً يمكن أن تشاهده، على أضرحة البيوت المدمرة، وبقايا جدران تشبه أسوار الذكريات، نرى وعودًا تُقال ثم تُنسى، "سنُعمّرها"!؟ وتسيل في ذهني أسئلةً تبقى معلّقة: من سيُعمّرها؟ وكيف؟ ومتى؟ أسئلةٌ تتردّد، ولا تجد جوابًا.

أسمعهم يرفعون شعاراتٍ منمّقة: "العبور الكبير"، و"الفتح العظيم"، و"الإنجازات الوطنية"؛ عناوين براقة تُغري السامع كما تُغري موائد الترف في أفخم المطاعم، حيث يكتمل المشهد زينةً ولمعانًا، وتتناثر التفاصيل في هيئةٍ فاتنة، غير أنّ المذاق غائب، والجوهر مفقود. إنّها صورٌ مُحكمة الصياغة، لكنها خاوية المعنى، خيالٌ يتسكّع في فراغ الوعي، وخطابٌ يكرر نفسه في ضجيجٍ مأمون الاتجاه، تُدفع كلفته من أعمارنا، ويُقتطع ثمنه من مستقبلنا ومستقبل أبنائنا، في غفلةٍ ممن لا يُعنَى بالسؤال عمّا بعد.

ومع ذلك، تتشبث تلك الشعارات بجدرانٍ كأنها تستعيذ بالله منها؛ جدرانٌ تأبى أن تكون مسرحًا لكلماتٍ مصقولة بالزيف، وتضيق ذرعًا بحروفٍ تزيّنت وهي خالية. وليس بخافٍ أن طريق التعافي لا يبدأ من تكرار هذه اللافتات، بل من إعادة الحق إلى أهله، وردّ القرار إلى الشعب الذي صودر صوته دهورًا، وتعاقبت عليه أيادٍ آثمة سلبته إرادته، وأغرقته في دوّامات الحروب والفوضى والمهاترات. لقد صودرت الأحلام، وأُجّلت الآمال في حياةٍ كريمة، لا لشيءٍ إلا لتُخدم بها حسابات ضيقة، وأغراض لا ترى في الإنسان إلا رقمًا في معادلة الخسارة.

ما نخطّه اليوم ليس مجرد كلمات، بل هو صورة لصراعٍ خفيٍّ عميق، يدور بين قدرة الإنسان على التكيّف مع واقعٍ جامد، وانغلاقٍ سياسيٍّ خانق، وضغطٍ عسكريٍّ لا يرحم، وبين خطاباتٍ باهتة لا تنضج، تفتقر إلى الرؤية وتُفرغ المعنى من مضمونه. وفي ظل هذا التناقض، يفرض الواقع منطقه القاسي: إذ يخضع الناس لحكم الأقوى، فإذا كان الأقوى ماضياً في تثبيت بقائه، كان ذلك إيذاناً باستمرار المأساة، وتجدد دورات العنف، وتنامي بذور الحقد والكراهية في نسيج المجتمع.

لسنا في حاجةٍ إلى تماثيل جامدة ولا نُصُبٍ تُعيد تدوير الألم في صورٍ مكرورة، ولا إلى خطابٍ متوهّج الألفاظ يتطاير شرره حتى يغدو نذير خرابٍ يعصف بالبلاد والعباد. إنما حاجتنا الحقيقية إلى قيادةٍ وطنيةٍ راشدة، تُبصر مصالح الأمة بعين الحكمة، وتسعى إلى انتشال شعبها من وهدته، توجّه الطاقات نحو البناء لا الهدم، وتبسط ميزان العدل على الجميع، فلا تميل مع الهوى، ولا تنحاز إلا للحق العام.

نحن بحاجة إلى الوعي أكثر من أيّ وقتٍ مضى.. الوعي بإنسانيتنا، وبحقّنا في الوجود، بعيداً عن إعلام القتل والتخريب، وسرديات سفك الدماء، والقصائد التي تُمجّد الموت، نعم.. المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.. ولا مجد ولا خلود لأولئك المتاجرين بدمائنا، ولا لأولئك الذين يريدون هتك أعراضنا خدمةً لمشاريعم اللتجارية، ولا لأولئك الذين أرادوا أن يُجردوا الأطفال من لحومهم..

ستبقى صور المأساة والمذبحة والإبادة حاضرة في ذهن كلّ فلسطيني حُرّ، كان شاهداً على حرب الإبادة، والاستهتار، والتضييع الممنهج للوطن، وللحياة، وللأمل، وللمستقبل.. لدى هذا الشعب معجمٌ كبيرٌ من التضحيات، ومآثر تعجز عنها السرديات الساذجة لأعتى التنظيمات، لقد قدّم هذا الشعب عبر تاريخه النضالي ما عجز ويعجز عنها قادته، مجتمعين ومتفرقين..

الشّعب الذي قدَّمته قياداته لقمة سائغة في أطباق الأمم المتحدة، وتخلّت عنه في الوقت الذي يفترض أن تدافع فيه عنه، أمام أعتى ترسانة عسكرية، وأقوى سلاح، ليرى مصيره في الجزر والسلخ والقتل.. أدّعي أن الانفصام الحزبي، والدعاية الكاذبة، وفوضى السرديات، والتجارة بالدماء لا زالت قائمة في سوقها، والبندقية لا تزال مرصودة للعقل، حيث تفنى الآراء، وتُباد الحلول..

عوداً إلى موضوع آخر، من وحي الذكريات.. على جدار المخيّم، رسمتُ البحر. رسمتُ المراكب وهي تمضي، وصخورًا تحرس الشاطئ، وسماءً تتّسع لما لا يُقال. تركتُ لوحاتٍ بلا عناوين، واحدةٌ فيها قوس قزح، وأخرى خطوطٌ مبعثرة، لكنها – رغم بساطتها – كانت أقرب إلى الحقيقة من كثيرٍ من الكلام... نعم؛ أقرب إلى الحقيقة من كثيرٍ من الكلام..



الثلاثاء، 14 أبريل 2026

الزير سالم ألفريد فرج بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الزير سالم
ألفريد فرج
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تمهيد
في فضاء القرن الخامس الميلادي، حيث تمتدّ الصحراء على مدّ البصر، وتتشابك حدود الشام مع تخوم الجزيرة العربية، وُلدت واحدة من أخلد السير في الذاكرة العربية: سيرة الزير سالم، ابن ربيعة، وأخ كليب، سيد بادية الشام وحارس هيبتها. هناك، حيث كانت القبيلة وطنًا، والسيف قانونًا، والكلمة عهدًا لا يُنقض، تشكّلت ملامح حكايةٍ لم تُكتب بالحبر وحده، بل نُقشت بالدم والدمع، وتناقلتها الألسن جيلاً بعد جيل، حتى غدت جزءًا من الوجدان الشعبي، تتردّد في المقاهي، وتُروى في المجالس، وتُبعث حيّة كلما ذُكر الوفاء أو استُحضرت المروءة.

كان سالم، المهلهل، شخصيةً مركّبة، تجمع بين النقيضين: شاعرٌ رقيق الحس، وفارسٌ لا يلين، عاشقٌ للهو والغناء، ثم رجلٌ تجرّع مرارة الفقد فتحوّل إلى نارٍ لا تخبو. لم يكن انتقامه نزوة عابرة، بل قدرًا ساقه إليه مقتل أخيه كليب، ذلك الحدث الذي شقّ التاريخ نصفين، وأشعل حربًا امتدّ لهيبها أربعين عامًا، كأنها لعنةٌ تسري في الدم، لا تهدأ ولا تُغتفر.

وتبدأ خيوط المأساة حين تُدبَّر المكائد في الخفاء، وتتشابك المصالح مع الأحقاد. تُطرد روح سالم من مضارب قومه، فيغدو طريدًا في الفلاة، يتنقّل بين السراب والليل، بينما يبقى كليب وحيدًا، محاطًا بسلطانه، لكنه مكشوف الظهر. وفي لحظةٍ تختلط فيها الخديعة بالغواية، يُغتال كليب غدرًا على يد جساس، في مشهدٍ تختصر فيه الطعنة تاريخًا من القرابة، وتفتح بابًا لا يُغلق من الدم.

ومن هناك، تنفجر الحكاية بكل ما فيها من وجعٍ وعناد. يقف سالم على أطلال أخيه، لا يبكيه فقط، بل يحمله راية حربٍ لا تعرف السكون. تسير معه يمامة، ابنة كليب، وهي تحمل في قلبها سؤالًا لا يُجاب: كيف يعود الأب؟ ترفض المال والدماء، وترفض أن يكون العزاء بديلاً عن الحياة، فتغدو رمزًا للفقد الذي لا يُعوّض.

وتتعاقب المشاهد كأنها قدرٌ يتكرّر: حصارٌ يطول، وجوعٌ ينهك، وخياناتٌ تتوالد من رحم الحرب. جليلة، المرأة التي كانت بين نارين، تقف في وجه سالم، تسائله: هل يعيد الخراب ما مضى؟ فيجيبها بيقينٍ أعمى، كأن الانتقام وحده قادرٌ على إحياء الموتى. وبين هذا وذاك، يضيع الناس، وتضيع القبائل، ويغدو الدم لغةً وحيدة.

ويمتدّ الصراع حتى يطال الجميع، فلا يبقى أحدٌ بمنأى عنه. جساس، القاتل، يتحوّل إلى طريدٍ يطارده مصيره، وسالم، المنتقم، يُساق إلى الأسر بالحيلة، فيغيب سنواتٍ كأنها موتٌ مؤجّل، فيما تُستباح الأرض ويُذلّ القوم. وحين يعود، يعود بذاكرةٍ مثقلة، يرى ما خلّفته الحرب من خراب، وكأن الزمن قد دار عليه ليُريه وجهه الآخر.

وفي الذروة، يلتقي الخصمان، لا بوصفهما رجلين فحسب، بل بوصفهما تاريخًا كاملاً من الدم. يتقابلان في لحظةٍ صافية من القدر، تتجرّد فيها الأسماء من كل شيء إلا من نهايتها. يضرب كلٌّ منهما الآخر، كأنهما يُسدلان الستار على ملحمةٍ طال أمدها، ويتركان خلفهما سؤالًا أكبر من الحرب: ماذا بقي؟

وحين يسكن الغبار، لا يرتفع صوت السيوف، بل صوت الحكمة المتأخرة. يقف هجرس، ابن كليب، أمام هذا الإرث الثقيل، لا ليحمله كما هو، بل ليغيّره. يطلب الرحمة بدلًا من الثأر، ويُعلن أن الملك ليس سيفًا يُشهر، بل قلبًا يُصلح. وفي كلمته، كأن الحكاية كلها تنتهي عند معنى واحد: أن الدم، مهما طال، لا يبني وطنًا، وأن الرحمة وحدها قادرة على أن تُعيد للإنسان إنسانيته.



كسورٌ عشرية أحمد دحبور بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

كسورٌ عشرية 

أحمد دحبور

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: السلام -في مجتمعتنا-ليس عادةً فحسب، بل بقايا وطنٍ لم يُصادر بعد؛ سلامٌ تُمهّده ابتسامةٌ خفيفة، وتنسجه كلماتٌ مقتصدة، كأن الحروف فيه تقف على السطر وقفةَ حذر، تخشى أن تُكمل الجملة فتنكشف الحكاية. أمّا الذين لم يلتقوك يومًا، فإنهم لا يمرّون بك مرور العابرين، بل يُحاورونك بعيونٍ ترصد الملامح، ينتظرون ردًّا يشبههم، سلامًا يردّ إليهم شيئًا من إنسانيتهم المُهددة؛ فإن فتحتَ لهم باب الحرف، اتسع المعنى، وإن أوصدته، مضى كلٌّ إلى صمته، كأن الأبواب في هذه البلاد لا تُغلق على البيوت، بل على القلوب.

وهنا تبدأ الحروف دورها في رسم الحياة؛ فليست اللغة عندنا أداةَ وصفٍ فقط، بل سجلّ نجاة، وأرشيف وجع، ودفتر حضورٍ لا يغيب. تتحول الكسور العشرية— التي تبدو في ظاهرها أرقامًا صغيرة—إلى استعاراتٍ كبرى للمعاناة؛ فكل فاصلةٍ فيها ليست إلا وقفةَ تهجير، أو ارتجافةَ مخيم، أو انكسارَ بيتٍ تهدّم على ساكنيه. 

تتراصّ الأرقام فوق مقاماتٍ من عشرةٍ أو مئة أو ألف، كما تتراكم السنوات فوق صدورنا، بينما الفاصلة—تلك العلامة الدقيقة—تصير أبًا، وأمًّا، ونزوحاً، وخيمةً، واجتياحاً، وحربًا، إنها تُجزّئ العمر إلى مقاطع، وتُعيد قسمة الحياة -قسمةً قاسية- لتُخرج منها الباقي حنينًا إلى الماضي، أما الناتج؛ فهي وجعٌ لا ينتهي.

ولم تكن الكسور العشرية أوهامًا أبداً، بل هي نبضُ التفاصيل الصغيرة التي أهملها المؤرخون، واحتفظت بها الذاكرة الشعبية -كما يُحفظ الماء في أعماق البئر. هي الحكايات التي عاشها الأجداد في الظل، ولم تُدوَّن في السجلات، لكنها كبرت في الصدور حتى صارت حقائقَ لا تقبل المحو. 

إنّ قيمة هذه الشذرات والقصائد والمعاني وربنا المنشورات -التي نراها صغيرةً هنا وهناك- تكمن في تراكمها؛ فكما تصنع القطرات نهرًا، فكذلك تصنع التفاصيل وطنًا في الذاكرة، وتُعيد للحرف وظيفته الأولى: أن يكون شاهدًا لا يخون. وفي شعر أحمد دحبور، تتجلى هذه الحقيقة بوضوحٍ؛ إذ تتحول اللغة إلى مرآةٍ؛ تمنح الحرف بُعدًا للحياة التي تُقاوم الفناء؛ فيقول:

"صباح الخير كل صباح.. كل مساء.."
"فهل عجب اذا صبحتكم بالخير حين اشاء؟ "

"وما العجب؟"

"فنور بلادنا أن تظلم الدنيا هو المصباح"

"واهل بلادنا العرب تحيتهم سلام".

"للحياة سلام.. وللعصفور حيث يطير ألف تحية وسلام..

وللاطفال في الدنيا..

 وللفرح من أجله نحيا ..

لنومٍ لوّن الأحلام..

لديك يوقظ الغافي .. ويدفعه الى العمل.. إلى الأمل..

لكل الناس من بيض ومن حمرٍ.. ومن سود ومن صفر ..

سلام يغسل الأيام .. ويرسل عيده الأبوي للأيتام..

سلام للصباح، فكيف يسكن في الصباح ظلام؟ 

لقد قتل الغزاة النور .. 

هم اعتقلوا الهواء؛ فلم يطر من عشه العصفور..

وهم هدموا البيوت فلا بيوت لنا، ولكن حسرة وخيام..

وهم وضعوا أخي وأبي وراء الليل والسحب.. فكيف اعيش ليلاً ما له آخر؟!

ومدرستي بلا ناظر ..

ومقعد صاحبي شاغر..

فهل سيعود أم سيظل خلف السور؟!

وهل سيجيئني في غفوة ومنام؟

وكيف النوم تحت القصف واللهب؟

فباسم اخي وباسم أبي وباسم الناظر الغائب.. سأدعو ذلك الصاحب..

لنرفع فوق مدرستي الفلسطينية الأعلام

ويحيا شعبنا العربي تحيته سلام للحياة سلام..

لا شك أن تكرار هذه التحية .. رمزٌ للإصرار على البقاء، وتثبيتٌ لحقّ الإنسان في أن يبدأ يومه رغم كل عوامل اليأس والإحباط...

وهكذا، غدت الحروف كائناتٍ حيّة، تصرخ معنا، وتبكي معنا، وتكتبنا كما نكتبها؛ فإذا ضاق الواقع، اتسعت اللغة، وإذا خنقنا الصمت، نطقت الحروف بما عجزت عنه الحناجر، فكانت هي الوطن حين يغيب الوطن، وكانت الحياة حين تُهدَّد الحياة..



رجالٌ في الشمس غسان كنفاني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

رجالٌ في الشمس

غسان كنفاني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: تُمثل هذه الرواية سيرة الاختناق الطويل الذي عاشه الفلسطينيون عقب النكسة، وقد كُتبت بتروٍّ تحت شمسٍ لا ترحم، وكل من يقرأها يراها كمرآةٍ كاشفة لزمانٍ غريب، تتآكل فيه المعاني قبل أن تتآكل الأجساد. يخرج أبطالها من فلسطين، وقد شكلوا أجزاءً من ذاكرةٍ مُثخنة بالفقر والجوع والحرمان، وقد انتُزعت صورتها من الواقع الفلسطيني المُر.

خرج ثلاثتهم يحمل همَّ الوطن بكل تفاصيله الصغيرة: في الخبز، وفي الحكايات، وفي الخوف، وفي المستقبل. يتجهون نحو الكويت، حيث يبدو الأفق في ظاهره مفتوحًا، غير أنه في العمق مُحاطٌ بأسوارٍ خفية، تُدار بمنطق الانتظار، وتُعاد فيه صياغة الإنسان على هيئة فرصةٍ في الحياة مؤجلة. 

يعبرون الأردن ويخترقون العراق، كمن يسير داخل خرائط الآخرين، حيث يكون الطريق قدراً يُملى عليهم الخطّة والمسار، وحيث الصحراء تملأ الفراغ الوجودي، الذي يختبر هشاشتهم في كل خطوة. وفي هذا الامتداد، تتكثف الرمزية في الرواية حتى تنقلب المعاناة إلى واقعٍ ماديٍّ قاسٍ: صهريجٌ من حديدٍ، مغلقٌ على احتمالات الموت والنجاة، يتحول تدريجيًا من وسيلة عبور إلى فضاءٍ نهائي، حيث لا يعود الخارج ممكنًا، ولا الداخل قابلًا للحياة. 

هناك -داخل الصهريج-، وفي العتمة المشبعة بالحرارة، تتعطل اللغة، ويصير الجسد هو النصّ الأخير. يموت الثلاثة "أسعد ومروان وأبو قيس"، في نهاية مأساوية مروّعة، ليس لأنهم أخطأوا في الحسابات، بل لأن الحساب ذاته كان مختلًا منذ البداية؛ ولأن الطريق الذي سلكوه لم يكن طريقًا للنجاة، بل مسارًا مُحكمًا نحو الفناء. 

وأما "أبو الخيزران" (سائق الصهريج)، فيظلّ معلقًا بين صورتين: صورة الدليل الذي يعرف الدروب، وصورة الوسيط الذي يُعيد إنتاج المأساة؛ يعد بالوصول، ويؤجل الخطر، لكنه في النهاية لا يفعل سوى إدارة اللحظة التي تسبق الكارثة.

تأتي الصرخة من داخل أبي الخيزران: "لماذا لم تدقّوا جدران الخزان؟!"، ويبدو في ظاهره سؤالًا متأخرًا، لكنه في جوهره إدانةٌ بنيوية، تكشف عن خللٍ عميق في تصور الفعل ذاته، تهرُّباً من عقدة الذنب، وتأنيب الضمير. فهل كان الدقّ ممكنًا حقًا؟ وهل يُطلب من المختنق أن يُحسن التعبير عن اختناقه؟ أم أن الرواية، في عمقها، تُحيل إلى مفارقةٍ أشدّ قسوة، وهي: أن الإنسان حين يُحاصر حتى آخر حدّ، يُسلب منه حتى حقّ الاحتجاج، فيصير الصمت ليس عجزًا طارئًا، بل نتيجةً حتمية لنظام يفرغ الفعل من معناه؟!

وعندما لا يأتي الجواب من داخل الصهريج.. تتحول الصرخة إلى مرآةٍ تُعيد مساءلة القارئ، وتضعه في مواجهة سؤالٍ أخلاقي: هل كان الصمت خيارًا، أم أنه كان الشكل الوحيد الممكن في عالمٍ يضيق بالجميع حتى يختنق؟ 

وعلى هذا النحو، لا تكتفي الرواية بسرد مأساة ثلاثة رجال، بل تذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، لتفكك وهم "الخلاص الفردي"، وتكشف عن نظامٍ كاملٍ من اللامبالاة، والترف القاتل للمسؤوليات، حيث يُدفع الإنسان إلى حافة المخاطرة، ثم يُترك وحيدًا في مواجهتها. 

إنها تُعرّي "اقتصاد الأمل الزائف"، ذلك الذي يُغري أصحابه بالعبور، ويُخفي كلفته الحقيقية، لأن طريقه إلى المجهول.. حتى إذا انكشف الثمن، كان قد دُفع كاملًا -حيث لا يمكن التراجع. وفي هذا السياق، لا يبدو الموت نهايةً مفاجئة، بل نتيجةً منطقية لمسارٍ طويل من التضييق، حيث تتراكم العوامل الصغيرة—الفقر، الحدود، الانتظار، الخوف—حتى تُنتج لحظة الاختناق الكبير.

ومن خارج هذا الصهريج، لكن في مداره الواسع، تلوح تجبتي قبل هجوم 7 أكتوبر 2023 في غزة، حيث الحياة تُمارَس بوصفها محاولةً يومية للتماسك، لا مشروعًا مكتملًا لممارسة كل الرغبات أو تحقيق كل الأحلام والأماني.. في منتزه "برشلونة" (متنزه يقع في الجنوب الغربي لمدينة غزة، ويقطنه عشرات النازحين، حوله وفي داخله)، كان الفضاء المفتوح يمنح وهمًا مؤقتًا بالانفراج.. حيث الأشجارٌ تُظلّل القلق، والأضواءٌ تُخفف العتمة، والأصوات تؤكد أن الحياة ما زالت ممكنة -رغم كل شيء.

وهناك، كانت الضحكات تنطلق من بين التفاصيل المثقلة، تصدح من القلب، كانت الخطوات تُرسم كأنها تحدي صامت للأوجاع والقهر والظلام، كانت الأراجيح تمنح الجسد لحظة توازن؛ لتُثبت أن الإنسان لا يُختزل في شروطه القاسية، بل يمكن إعادة صياغة الطفولة التي لم تكبر بداخله.

غير أن المفارقة تبقى قائمة: بين "صهريجٍ مُحكم الإغلاق، ومتنزه مفتوحٍ على حدوده"، تتوزع التجربة الإنسانية بين شكلين من الحصار؛ أحدهما: يُنهي الحياة دفعةً واحدة، والآخر: يُبقيها في حالة تأجيلٍ دائم. 

وفي الحالتين، يتبدى أن الموت ليس دائمًا حدثًا فجائيًا، بل حركةٌ بطيئة من التآكل، تتسلل فينا عبر التفاصيل اليومية، وتعيد تشكيل الوجود الإنساني والبشري في صورةٍ أقلّ اكتمالًا. 

وهنا، تستقر الرواية في أفقها الأعمق، حيث نقف عند طرح مهم، وهو: أن السؤال ليس كيف ماتوا، بل كيف وُضعوا في موقعٍ لا يملكون فيه إلا أن يموتوا! وكيف صار الصمت—في عالمٍ كهذا—أقرب إلى الحقيقة من الصراخ.