أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

عبد الرحمن بن عوف عبد السلام العشري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 عبد الرحمن بن عوف

عبد السلام العشري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: يَزخَرُ تاريخُ الإسلامِ والمسلمينَ بالشخصيّاتِ العظيمةِ التي تُعَدُّ قُدوةً صالحةً ومِصباحًا منيرًا يُضيءُ لأبنائِنا وبناتِنا طريقَ المجدِ والعِزّة، ويُسهِمُ في نهوضِ أُمّتِنا ورُقيِّها.

ومن بينِ هذه الشخصيّاتِ البارزةِ الصّحابيُّ الجليلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله عنه، أحدُ العشرةِ الذين بشّرهم رسولُ الله ﷺ بالجنة، وكان من السّابقينَ إلى الإسلام، إذ كان واحدًا من الثمانيةِ الذين أسلموا في أوائل الدعوة.

لقد كان عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رجلَ الاقتصادِ الإسلاميّ بحقٍّ، يُنفِقُ مالَه في سبيلِ اللهِ نصرةً للدينِ وإعانةً للمسلمين، فما أنفقَ من مالٍ إلّا باركَ اللهُ له فيه فازدادَ نماءً وخيرًا.

وبلادُنا اليومَ أحوجُ ما تكونُ إلى رجالٍ من طرازِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، الذين يَجعلونَ من مالِهم وسيلةً للبناءِ والعطاءِ. وقد ضربَ المصريّون الشرفاءُ من رجالِ الاقتصادِ أروعَ الأمثلةِ حينَ تقدّموا لبناءِ المدارسِ وإغاثةِ المنكوبينَ في كارثتَي الزلازلِ والسيول، فكان عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قدوتَهم في البذلِ والسخاءِ.

باركَ اللهُ في مِصرَ، وفي أُمّتِنا الإسلاميّةِ جمعاء، وأكثَرَ فيها من أمثالِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، الذي قالَ عنه أهلُ زمانِه: «أهلُ المدينةِ شركاءُ لابنِ عوفٍ في مالِه؛ فالثلثُ يُقرِضُهم، والثلثُ يقضي عنهم ديونَهم، والثلثُ يصلُهم ويُعطيهم».

وتضمن هذا الكتاب أربعة محاور، وهي:

أولاً: الاحتفال بذكرى النصر على أبرهة صاحب الفيل:

وفيه قصة مولد عبد الرحمن بن عوف بعد عام الفيل، وتسميته، وقبيلته التي ينتمي إليها، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، استبشار والديه به، وذكر حادثة أبرهة الحبشي، ودوافعه لهدم الكعبة، وفرح أهل مكة بهزيمة أبرهة وجيشه.

ثانياً: ملامح النجابة على عبد الرحمن بن عوف:

وفيه رعاية والده له، وإعداده لحياة كريمة في مكة، وصفاته البارزة التي ظهرت عليه في صغره، واصطحاب أبيه له في رحلاته التجارية، وسخريته من الأصنام ومن يعبدونها، ثم محاولة أبيه إقناعه بالعدول عن رأيه في معبودات قريش، ثم تعلقه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وترقبه لما جاء به.

ثالثاً: عبد الرحمن بن عوف:

وفيه: إسلام "عبد عمرو" وتحويل النبيّ صلى الله عليه وسلم لاسمه إلى "عبد الرحمن"، وفرحته بإسلامه واسمه الجديد، وثباته أمام صدود قريش وعدوانها على المسلمين، وتهديدها بقطع أرزاقهم.

رابعاً: الاستعداد للانتقال إلى المدينة:

وفيه: هجرته إلى الحبشة، ثم عودته إلى مكة، ثم هجرته إلى المدينة، وتمهيد الرسول لدعوته بالمدينة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكيف آخى النبيُّ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، وعمله في التجارة ليعيش من كسبه، وإقناع الرسول للمهاجرين بالعمل، واشتراك عبد الرحمن بن عوف في إعداد المسلمين لملاقاة جيش مكة، وجهاده ودعوته إلى الله.



منظومة شرح الأثر فيما ورد في شهر صفر لأبي بكر العدني بن علي المشهور بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

منظومة شرح الأثر فيما ورد في شهر صفر

لأبي بكر العدني بن علي المشهور

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

        

تمهيد: هذا النظم النفيس، يتعلق بشرح الحديث الوارد: (لا صفر ولا عدوى ولا طيرة ولا غُول)، وكانت العرب تعتقد أن صفر هو شهر الدواهي والفتن والحروب وكثرة الموت، وتكمن أهمية مثل هذه الأنظام في تصحيح عقائد الإنسان، لا سيما تلك العقائد الجاهلية التي عرفها في سالف الأزمان، وظل الناس يقرونها في الأحداث والتغيرات على ما تصورته الأذهان.

وقد بيّن الشيخ المؤلف أن هذه الاعتقادات الجاهلية إنما هي بوحي من الشيطان، وقد حاول في نظمه ربط الأمور بمسبباتها، والولوج إلى تلك الظواهر من أبوابها الشرعية والعلمية، متبعاً ما خطّه العلماء في أسفارهم، جامعاً لها، ومرتباً لفصولها؛ حتى كان هذا النظم.

وأما الموضوعات التي تعرض لها في نظمه:

1-القضاء والقدر من علم الله وإرادته وإيجاد متعلقاتهما بقدرته ومشيئته، والنفع والضر بيده.

2-الأصل في الاعتقادات والتصورات الاتباع والاقتداء من غير زيغ ولا ميل. ويشير الناظم إلى ذلك بقوله:

والقصد في كل الشؤون ربطها... بالدين والإسلام من حيث أمر

3-أن الشريعة جاءت ببيان ما للشهور والأزمان من الفضائل والميزات.

4-وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم -نهى عن التشاؤم بدخول شهر صفر.

5-وقول (لا صفر) أي: لا يؤخر هذا الشهر عن محله كما في أنساء الجاهلية.

6-وأنه لا يُتشاءم بطيرٍ ولا حيوانٍ ولا إنسانٍ ولا شهرٍ.

7- نفي سراية العدوى والمرض بذاته من شيء إلى آخر.

8-نفي العدوى لا تنافي الأخذ بالأسباب التي منها: عدم دخول بلد الطاعون.

9-أن الشهور هي أيام، ويجري فيها ما يجري في غيرها، وهي أوقات الأحداث ومحلها، لا أنها تؤثر فيها بخيرٍ او شر. وفي ذلك يقول الناظم:

وكلها أيامُ مَن لا غيرُه... يُدلي بنفعٍ للعبادِ أو ضرر

ولا قياس في ابتلاءٍ أو قضا...يُجريه في يوم فيبقى اليوم شر

فالله يُعطي من يشاء وكذا... يمنعه إن شاء لا يُغني الحذر

فافهم أُخيَ الأمر إن شئت الرضا... واسلك طريق المصطفى الهادي الأبر

10-أن خير الأمور هي الفأل الحسن، وهو هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم وفعله.

11-ونفي الغول الذي هو جنس من الجن، تزعم العرب أنه كان يُضلُّها في سفرهم.

12-ونفي النوء: وهو نجم يظهر في السماء تزعم العرب أنه يأتي بالمطر ويُنشئه.

13-ونفي التشاؤم بصفر أو شوال، بالامتناع عن النكاح، والسفر، والتجارة، ونحو ذلك؛ وتزعم العرب أنه شهر يكثر فيه الموت، وتضل التجارة، ويهلك المسافر، وقد تزوج رسول الله من خديجة في صفر، وزوّج فيه ابنته فاطمة من علي، وأمضى في غار ثور ثلاثة أيام منه، وكانت غزوة الأبواء في أوله، وكذا خيبر. وفي ذلك يقول الناظم:

وكم غزاةٍ ذُكرت من مثلها... في مثل هذا الشهر والحقُّ انتصر

كما بنى في شهر شوّال علي... عائشة فصار فعلاً مُعتبر

وأبطل المختار شؤماً فاسداً... أسبابه الجَهل متى الجهل ظهر

14-وكان أهل الجاهلية يتشـاءمون أيضاً بنكاح شـهر شـوال، وسـببه أن طاعونا وقع في شـهر شـوال في سـنة من السـنين فمات فيه كثير من الرجال والنساء العرائس، فتشـاءموا بذلـك، وقد ورد الشـرع بإبطالـه، وكانت السيدة عائشة، تُفاخر وتقول: ما تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلا في شوال.

15- ومما ينتفي سعد السعود، وهما: كوكبي زحل والمريخ، كانت العرب تعتقد أنهما نجمـا نحس، وأن عطارد ممتـزج بين النحس والسـعد، فيتشـاءمون بالنجمين المذكورين تشـاؤما ّ جمًا فيتأخرون عن السعي في مصالحهم، وهو قـول باطل قد أبطله الشـرع.

16-ومن الأوقات التي يتشاءمون فيها: أيام المحاق، وذلك إذا بقي من الشـهر يوم أو يومان، وفيه اشـتداد الظلام، ويقولون: إنه وقـت نـزول القمر في العقـرب أو الدبران، وهو قـول باطل قد أبطله الشـرع. وقيل لعلي بن أبي طالب: أتلقى الخوارج والقمر في العقرب؟ فقال: وأين قمرهم؟

17-ومن الأوقات التي كانوا يتشاءمون بها آخر أربعاء من كل شهر، لا سيما شهر صفر، وذلك غير صحيح، وقد أبطله الشرع.

18- وأن من حصل له نوع تشاؤم، فيندب له أن يقول: أنا عبد الله ما شاء الله لا قوة إلا باللـه، اللهـم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، أشهد أن الله على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي إشارة لذلك يقول الناظم:

فقد أتت ادعيةٌ مأثورة... تُعالج الأمر إذا الحال اعتكر

فالبيهقي قد روى بسندٍ... حديثه المشهور عن نجل عمر

وعن أبي داود في روايةٍ... تؤيّد الذكر إذا الشكُّ بدر

       وللفائدة نزيد شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا).

قال ابن رجب الحنبلي: مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء. قال تعالى: ]إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ[ (التوبة: 37).

وقد اختلفوا في تفسير النسيء، على قولين:

1. فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر، فيحرمونها بدلها، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئاً؛ فكانوا يستحلون المحرم، بالقتال فيه؛ لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة، ثم يحرمون صفر مكانه، وربما احتاجوا إلى صفرٍ أيضاً، فيُحلِّونه، وجعلوا مكانه ربيعاً، وقيل: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام، ويسمونها "صفرين" ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما "محرمين".

2. وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة، وظاهر الآية يُشعر بذلك، حيث قال تعالى: ]إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا... [(التوبة: 37)، فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله.

كيف كان يعدُّ المشركون الشهور، وما هو النسيء عندهم؟

[ج]: كانوا إذا أرادوا استحلال سنةٍ من السنوات جعلوا المُحرَّم في صفر، ثُمَّ يعدُّون إلى صفر في السنة التالية، ويثبتون صفراً كما هو، فتكون عدة ذلك ثلاثة عشر شهراً (من المحرَّم في السنة الأولى إلى صفر في السنة التالية).

ولا بُد من توضيح هذه القضية بشيء من التفصيل والتحليل فيما يلي:

أولاً: النبيُّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة أصلاً؛ لأنها باب من أبواب الشرك كما جاء صحيحاً في غير ما حديث.

ثانياً: ما هو وجه الشرك في الطيرة؟ الأصل في الطيرة أنهم كانوا يزجرون الطير، ويتفاءلون بما طار منها إلى اليمين، ويتشاءمون بما طار منها إلى الشمال، ولم يربط الله تعالى بين قدره وبين الطيور، ومن زعم ذلك فقد قال على الله بغير علم، وفعله هذا كنصب الوثنين أزلاماً للقُربى والمغفرة، وكنصب أهل النجوم نجوماً للسعود والنحوس، فهذا أصل الطيرة الشركية، ومثل الطيرة: من يستدل على الأقدار بحركات الحيوان أو أصواتها أو رؤيتها، كنعيب البوم، ونعيق الغربان، ونباح الكلاب.

ثالثاً: الطيرة المنهي عنها: هي تعليق الأقدار بالأسباب، أو الاستدلال عليها بها، دون النظر في الأسباب أو المقدمات التي تورث شيئاً من النتائج،

مسألة العدوى بين الشرع والطب:

أولاً: يرى الأطباء المعاصرون أنَّ:

1. العدوى أمرٌ ثابتٌ في بعض الأمراض لا في جميعها.

2. أن انتقال العامل المُمرض من زيد إلى عمرو، لا يعني أن عمراً سيُصاب بالمرض يقيناً، بل هاهنا عوامل عدة داخلية وخارجية تساعد على ظهور المرض أو تقاومه وتمنه ظهوره، وحصول المرض يعتمد على محصِّلة هذه العوامل.

3. أن إصابة زيد بالمرض، ثم إصابة عمرو به بعد ملابسة زيد، لا يعني بالضرورة أن زيداً أعدى عمراً، بل من الممكن جداً أن يكون العكس صحيحاً، فهذه قضايا صحيحة وثابتة، لا يختلف فيها طبيبان.

ثانياً من الشرع:

1. أرسى النبي مسألة العدوى الطبية والحجر الصحي في قوله: "لا يورد ممرض على مصح"، وقوله: "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وقوله: "إذا وقع الطاعون بأرض فلا تفرِّوا.."، فهذه نصوصٌ ثلاثة غاية في الوضوح، لا ينبغي التغافل عنها، ولا عن مدلولاتها إطلاقاً.

2. وقد صحَّ عنه من أوجه قوله: "لا عدوى"، وقد جاء هذا بأصح الأسانيد عن جماعة من الصحابة، يحيل العقل تخطئتهم فيما نقلوه.

3. ولأهل العلم أقوالٌ كثيرة في التوفيق بين هذه النصوص التي ظاهرها التناقض، ولا يخلو أغلبها من نظر، يحول دون الأخذ به، وأولاها بالصواب هو ما اختاره ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" من حمل إثباته r للعدوى على أنها (جزء سبب)، وحمل نفيه لها على أنها (سبب تام)، فهذا أكثر الأقوال تطابقاً مع معطيات الطب المعاصر.

وقال بعض أهل العلم: تُحمل على أن يكون محل نفي العدوى (القلب)، ومحلُّ إثباتها (البدن)، ففي ذلك نهيٌ للمريض عن اعتقاد أن فلاناً هو الذي نقل إليه العدوى، وهذا أيضاً يتطابق مع معطيات الطب المعاصر؛ لأن جزم المريض بأن فلاناً أعداه بالذات غير مقبولٍ علمياً في كثيرٍ من الأحيان.

وقال آخرون: يحتمل أن يكون محلُّ نفي العدوى في العلاقات بين المسلمين، فلا ينبغي أن يتهم فلاناً من الناس بأنه سبب مرضه وأصل عدواه؛ لأنه اتهامٌ لا يستند إلى أصلٍ علمي.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون محل نفي العدوى أن يطالب فلاناً من الناس بتعويض ما أصابه أو أصاب دوابه من المرض والتلف للسبب السابق نفسه.

الخلاصة: ولا يبعد أن تكون هذه الأمور جميعها صحيحة ومقصودة بنفي العدوى. والله أعلى وأعلم.





من خلال مجريات الحرب على غزَّة تشريح الأزمة البنيوية لحماس في ضوء طوفان ما بعد 7 أكتوبر بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

من خلال مجريات الحرب على غزَّة

تشريح الأزمة البنيوية لحماس في ضوء طوفان ما بعد 7 أكتوبر

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: بعد الزلزال الكارثي الذي أحدثه السابع من أكتوبر الأسود وما تلاه من دمار غير مسبوق في قطاع غزة، تبرز الحاجة المُلحة إلى تشريح جذري للسلوك السياسي والتنظيمي لحركة حماس.

وهذا المقال لا يسعى إلى تبرير العدوان أو التهوين من فداحة الخسائر، بل يهدف إلى وضع المجهر على الممارسات البنيوية للحركة التي أسهمت في هذا المسار المأساوي.

إن النقد الموجه هنا هو صرخة عميقة من واقع يئن تحت وطأة الاستئثار الأيديولوجي، واستغلال العاطفة المقدسة، والتفرد المدمر بقرار الحرب والسلام.

سنخوض في تحليل صارم لتضخيم الذات الحزبي على حساب القضية الوطنية الجامعة، وكيف قادت حسابات المصالح الضيقة والأيديولوجيا المتعصبة إلى هذا الدمار الشامل، في محاولة لتقدير المصير المحتوم لحركة حماس في مرحلة ما بعد الحرب.

وفيما يلي بيان لأهم الانتقادات الموجهة إلى الحركة وأساليبها في إدارة دفة الحكم والسياسة في القطاع:


أولًا: البنية الفكرية والأيديولوجية

1. الاستقطاب الأيديولوجي والإقصاء الداخلي

أ. احتكار الانتماء الديني: الحركة حولت الانتماء للحزب إلى مرادف للإيمان، ما جعل أي اعتراض أو استقلالية يرقى إلى الخروج عن الملة.

ب. ثقافة التخوين والإقصاء: فرض وصاية حزبية على المجتمع، وتخوين كل من يخالف السرد الرسمي.

ج. تغييب الاجتهاد الفكري: قمع حرية التفكير والنقد، وإضعاف أي صوت مستقل داخل المجتمع.


2. التلاعب بالوعي الجماهيري

أ. تضليل الرأي العام: رسم صورة مزيفة عن الواقع عبر آلية إعلامية ضخمة، بهدف إعادة إنتاج الولاء الحزبي.

ب. استغلال العاطفة الدينية: استخدام الشعارات الدينية الكبرى كوقود لدعم المشروع التنظيمي الضيق.

ج. تضليل الأجيال: سيطرة على التعليم والإعلام لتغذية خطاب يسهم في الولاء الأعمى بدل الوعي النقدي.


3. الإعلام والتحكم في الرواية

أ. تضخيم النصر: تحويل الهزائم إلى انتصارات عبر الإعلام الرسمي.

ب. تخوين المعارضين: تصنيف المثقفين والنخبة بالعمالة أو النفاق.

ج. استغلال الفتوى: استغلال الدين لتبرير السياسات الحزبية والتحايل على الشرع.


ثانيًا: البنية السياسية وصنع القرار

4. الانفراد بالقرار السياسي والعسكري

أ. احتكار السلطة: تجاهل الفصائل الوطنية والنخبة المستقلة في صنع القرار.

ب. تجاهل مصالح الوطن: اتخاذ قرارات الحرب والسلم وفق أجندة حزبية ضيقة أو محاور إقليمية.

ج. ضعف التخطيط الاستراتيجي: قرارات عشوائية تؤدي إلى دمار شامل دون تقييم المخاطر الحقيقية.


5. الارتهان للمحاور الإقليمية

أ. قيود القرار الوطني: غزة تحولت إلى ورقة في صراعات خارجية.

ب. استخدام الوحدة الوطنية تكتيكيًا: المصالحة مع الفصائل ليست هدفًا استراتيجيًا دائمًا.

ج. تضارب المصالح العسكرية والسياسية: الجناح العسكري يفرض رؤيته على القرارات الوطنية.


6. الفجوة الأخلاقية في القيادة

أ. اتخاذ القرار من الخارج: قيادات غير موجودة على الأرض تصدر قرارات مصيرية.

ب. التضحية بالشعب: دماء الناس تتحول إلى رأس مال تفاوضي لتعزيز الموقف التفاوضي للحركة.

ج. غياب المساءلة: تجاهل المسؤولية الأخلاقية تجاه النتائج الكارثية.


ثالثًا: البنية الإدارية والاقتصادية

7. تجيير المال العام وإدارة المساعدات

أ. تحويل الإغاثة إلى أداة تحكم: الأموال المخصصة للإغاثة تُستثمر لتعزيز سيطرة الحركة وليس لإعادة البناء.

ب. التمويل الحزبي على حساب الشعب: الرواتب والمشاريع التنظيمية تأتي قبل أولويات المدنيين.

ج. غياب الشفافية: منع التدقيق والمحاسبة في إدارة الموارد المالية.


8. الفساد الإداري وتزكية الولاء

أ. استيلاء على المناصب: توزيع الوظائف بناءً على الولاء لا الكفاءة.

ب. تهميش الخبرة المهنية: حرمان المؤسسات المدنية من كفاءاتها لصالح البيروقراطية الحزبية.

ج. تقويض المؤسسات الوطنية: تعطيل عمل المؤسسات المدنية المهمة كالتعليم والصحة والبنية التحتية.


رابعًا: السياسات العسكرية ونتائجها

9. المغامرة الأيديولوجية وحروب العبث

أ. اندفاع غير محسوب: قيادة صادرة من أيديولوجيا متعصبة دون تقييم واقعي.

ب. حروب قصيرة الأمد: معارك غير مدروسة تتسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة.

ج. الاستهانة بالإنسان: اعتبار المدنيين مجرد أدوات تكتيكية في الصراع.


خامسًا: النتائج الاجتماعية والسياسية

10. تآكل البنية الاجتماعية والتنموية

أ. إهمال التعليم والصحة: انهيار المؤسسات الأساسية تحت وطأة البيروقراطية الحزبية.

ب. اقتصاد غير رسمي: السيطرة على اقتصاد الأنفاق والأنشطة الموازية لتأمين الولاء المالي.

ج. تحريف مفهوم الصمود: التركيز على الصمود العسكري فقط، وتجاهل الصمود الاقتصادي والاجتماعي للإنسان المدني.


11. فقدان الشرعية الداخلية

أ. تراجع الثقة الشعبية: الانتكاسات الكارثية تضع الحركة أمام ردود فعل شعبية حادة.

ب. خطر الانهيار الجزئي: استمرار النهج ذاته يؤدي إلى عزلة تدريجية.

ج. الحاجة إلى الشراكة الوطنية: ضرورة الانفتاح على فصائل ومجتمع مدني لإعادة بناء الشرعية.


سادسًا: التحديات المستقبلية

12. التأثير الإقليمي والدولي

أ. ضغط الأطراف العربية والدولية: الانتقادات تشكل نقطة ضغط لإعادة الإعمار.

ب. التفاوض من موقع القوة المنهكة: الجناح العسكري قوي لكنه مُنهك، مما يفرض حلولًا براغماتية.

ج. إعادة التموضع: ضرورة إعادة النظر في السياسات الخارجية لتجنب الإقصاء.


13. مستقبل الأيديولوجيا والمال

أ. تراجع الخطاب الديني الحصري: التحول نحو خطاب وطني شامل لاستيعاب مختلف التيارات.

ب. الرقابة المالية: تدقيق غير مسبوق على المساعدات يحد من التجيير الحزبي.

ج. إعادة توزيع الأولويات: وضع مصلحة المواطن قبل تعزيز الولاء الحزبي.


خاتمة: مفترق طرق وجودي

حركة حماس بعد الحرب تواجه خيارين:

إما الإصرار على النموذج الحالي: يؤدي إلى عزلة وانهيار داخلي تدريجي.

أو التحول عميق وجريء: يشمل مشاركة حقيقية في القرار الوطني، فصل الجناح العسكري عن السياسة، شفافية في إدارة الموارد، والتخلي عن الأيديولوجيا الإقصائية.

الوطن ليس حزبًا، والمقاومة ليست سلطةً احتكارية، بل أمانة ثقيلة تتطلب توازنًا بين السياسة والإنسان.






الاثنين، 6 أكتوبر 2025

موجز تاريخ الفلسفة مجموعة من الأساتذة السُّوفييت بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

موجز تاريخ الفلسفة

مجموعة من الأساتذة السُّوفييت

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: إن فهم تاريخ الفلسفة يتيح لنا فهم سيرة الفكر الإنساني وقانونية هذا العلم، ويساعدنا على استيعاب الخبرة التاريخية العظيمة في التعرف على العالم، ويُطلعنا على أشكال الفكر النظري ومقولاته، ويعلمنا المنهجية المثلى للتفكير، والأسباب الكامنة وراء الأخطاء النظرية لمفكري الماضي، ليحذر من تكرارها في المستقبل، ومن الذاتية والجمود على الصعيد النظري والعملي، وهذا يزرع الأمل والثقة بقوة العقل الإنساني، وقدرته على معرفة العالم واستجلاء قوانينه.

ودراسة الفلسفة كعلم، يساعدنا على إغناء ذاكرة الإنسان بالمعارف الفلسفية التي أبدعها الفكر البشري خلال مسيرته الطويل، وكذلك استيعاب وتطوير تقاليد هذا الفكر التي لعتب في صياغته الفكر والثقافة العالميين.

كما تساهم دراسة الفلسفة كعلم في تشكيل الوعي والقناعات العلمية، وبناء المنظومات التربوية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وفهم طبيعة العلاقات وحدودها، وتذوق المعاني الجمالية الرفيعة.

أما موضوع علم الفلسفة باختصار: فهو لون من ألوان المعرفة الإنسانية للعالم، وإذا أردنا تعريفها؛ فهي مجمل الآراء والتصورات عن القضايا العامة لتطور الوجود والوعي، وتفاعل الفكر مع الواقع، وهي تتطور مع تطور المجتمع والبيئات وطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وقد تحولت بحكم تطورها إلى علم مستقل له موضعه المميز.

أما تاريخ الفلسفة؛ فقد ظهرت في بلدان الشرق القديم قبل حوالى 3000 سنة، وفي ذلك الحين ظهر هناك اتجاهان متضادان: المادية، والمثالية.

ولنتحدث بشيء من التفصيل والإيجاز عن أبرز المدارس الفلسفية الحديثة، وما يتعلق بها:

أولاً: أهم المدارس الفلسفية الحديثة وتطورها وخصائصها:

بدأت الفلسفة الحديثة (من القرن السابع عشر) بالتحول عن الميتافيزيقا المدرسية نحو العقلانية والتجريبية.

  • العقلانية (Rationalism):

    • مؤسسوها/روادها: رينيه ديكارت، باروخ سبينوزا، غوتفريد لايبنتس.

    • تطورها: بدأت بديكارت الذي شك في كل شيء للوصول إلى اليقين ("أنا أفكر، إذن أنا موجود"). تطورت مع سبينوزا الذي سعى لبناء نظام فلسفي متكامل على أسس هندسية، ولايبنتس بفكرته عن المونادات.

    • مميزاتها: الثقة بالعقل كمصدر وحيد للمعرفة اليقينية، الاستدلال المنطقي والرياضي، الاهتمام بالميتافيزيقا (الله، الروح، العالم).

    • عيوبها: إهمال دور التجربة والحواس، صعوبة إثبات فرضياتها الميتافيزيقية بشكل تجريبي، الميل إلى بناء أنظمة مغلقة ومنفصلة عن الواقع المحسوس.

  • التجريبية (Empiricism):

    • مؤسسوها/روادها: جون لوك، جورج بيركلي، ديفيد هيوم.

    • تطورها: بدأت مع لوك بفكرة "الصفحة البيضاء" (Tabula Rasa) التي يولد بها العقل وتملؤها التجربة. بيركلي دفع بها إلى المثالية الذاتية ("أن توجد يعني أن تُدرك"). هيوم أوصلها إلى قمة الشك في السببية والاستقراء والميتافيزيقا.

    • مميزاتها: التركيز على التجربة الحسية كمصدر للمعرفة، نقد الميتافيزيقا والتكهنات العقلية البحتة، اهتمامها بعلوم الطبيعة.

    • عيوبها: صعوبة إثبات المعرفة الضرورية والكلية، الوقوع في الشك المطلق (هيوم)، صعوبة تفسير بعض المفاهيم المجردة (العدالة، الأخلاق).

  • الكانطية (الفلسفة النقدية):

    • مؤسسها: إيمانويل كانط.

    • تطورها: جاء كانط ليوفق بين العقلانية والتجريبية. أكد أن المعرفة تبدأ بالتجربة ولكنها لا تنشأ كلها منها؛ فالعقل يمتلك مقولات وقوالب جاهزة (كالمكان والزمان والسببية) ينظم بها المدركات الحسية.

    • مميزاتها: ثورة في الفلسفة الغربية، أسست لإمكانية العلم مع حفظ مكانة الأخلاق، فصلت بين عالم الظواهر (Phenomena) الذي يمكن معرفته وعالم الأشياء في ذاتها (Noumena) الذي لا يمكن معرفته، وقدمت أساسًا للأخلاق قائمًا على الواجب.

    • عيوبها: تعقيد نظامها الفلسفي، صعوبة فهم فكرة "الشيء في ذاته"، والانتقادات التي وجهت لها من قبل الفلاسفة اللاحقين بأنها لم تذهب بعيدًا بما يكفي.

ثانياً: التيارات التقليدية للفلسفة المثالية والنزعات الجديدة ومؤسسيها:

المثالية هي تيار فلسفي يؤكد أن الواقع في جوهره عقلي أو روحي، وأن الأفكار أو الوعي هي الأساس للوجود المادي.

  • المثالية التقليدية:

    • أفلاطون: يرى أن الواقع الحقيقي هو عالم المُثل العقلية الثابتة، بينما العالم المادي مجرد ظلال أو نسخ ناقصة لتلك المُثل. (ليست حديثة لكنها الأساس التاريخي).

    • جورج بيركلي: (مثالية ذاتية/روحية) يرى أن الوجود يقتصر على الوعي المدرك والأفكار المدركة؛ "أن توجد يعني أن تُدرَك" (Esse est percipi). الأشياء المادية لا وجود لها خارج الإدراك.

    • إيمانويل كانط: (مثالية متعالية/نقدية) يرى أننا لا نعرف الأشياء في ذاتها، بل نعرفها كما تظهر لنا من خلال مقولات عقلنا (المكان، الزمان، السببية). العقل هنا يلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل الواقع الذي ندركه.

  • النزعات الجديدة (المثالية الألمانية):

    • يوهان غوتليب فيشته: (المثالية الذاتية) يعتبر "الأنا المطلقة" هي الأساس لكل الوجود، وأن العالم الخارجي هو نتاج فعل "الأنا".

    • فريدريش فيلهلم يوزف شيلنغ: (مثالية موضوعية/طبيعية) حاول تجاوز فيشته بالقول بوجود وحدة بين الذات والموضوع، أو بين الروح والطبيعة في "المطلق".

    • جورج فيلهلم فريدريش هيغل: (المثالية المطلقة) هو قمة المثالية الألمانية. يرى أن الواقع برمته هو تجلي لـ"الروح المطلقة" أو "الفكرة المطلقة" التي تتطور جدليًا عبر التاريخ (الديالكتيك) للوصول إلى وعي كامل بذاتها. كل التاريخ البشري، والثقافة، والدين، والفلسفة، هي مراحل في هذا التطور الجدلي.

    • مميزاتها (النزعات الجديدة): النظرة الكلية للوجود، التركيز على التطور التاريخي والجدلي، محاولة تفسير كل الظواهر (الطبيعية، الاجتماعية، الروحية) ضمن نظام واحد.

    • عيوبها: التعقيد والغموض، النزعة اللاهوتية أو الصوفية، اتهامها بفرض نموذج عقلي على الواقع بدلاً من استخلاصه منه.

ثالثاً: الفلسفة الاشتراكية الحديثة:

تركز على نقد الرأسمالية والدعوة إلى مجتمع يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والعدالة الاجتماعية.

  • الماركسية (Karl Marx & Friedrich Engels):

    • المميزات:

      • المادية التاريخية: تفسير تطور المجتمعات عبر الصراع الطبقي على أسس اقتصادية (وسائل وعلاقات الإنتاج).

      • المادية الجدلية: تطبيق مبدأ الديالكتيك الهيغلي على المادة بدلاً من الفكرة، معتبرة أن التناقضات المادية هي محرك التغيير.

      • نقد الرأسمالية: تحليل آليات الاستغلال الرأسمالي (فائض القيمة)، وتوقع حتمية انهيارها.

      • الشيوعية كغاية: الدعوة إلى مجتمع بلا طبقات، بلا ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، حيث يُعطى لكل حسب حاجته ويُؤخذ منه حسب قدرته.

    • العيوب:

      • المغالاة في الدور الاقتصادي، وإهمال عوامل أخرى (ثقافية، دينية، نفسية) في تطور المجتمعات.

      • فشل تطبيقاتها في الواقع في تحقيق مجتمعات مثالية.

      • الجمود العقائدي في بعض تطبيقاتها.

  • اللينينية (Vladimir Lenin):

    • تطورها: تطبيق وتطوير للماركسية في سياق روسيا القيصرية.

    • المميزات:

      • نظرية الحزب الطليعي: ضرورة وجود حزب شيوعي منظم ومهني لقيادة الثورة وتوجيه البروليتاريا.

      • نظرية الإمبريالية: تفسير الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية الأخيرة كـ"أعلى مراحل الرأسمالية"، حيث تتجه للسيطرة على العالم.

      • ثورة البروليتاريا وديكتاتوريتها: ضرورة قيام ثورة عنيفة، تليها فترة "ديكتاتورية البروليتاريا" لتحطيم الدولة البرجوازية وبناء المجتمع الاشتراكي.

    • العيوب:

      • التأكيد على المركزية والتسلطية، مما أدى إلى أنظمة شمولية.

      • قمع الحريات الفردية باسم مصلحة الثورة.

      • الفشل في بناء مجتمع شيوعي حقيقي.

رابعاً: الفلسفة البرجوازية في أوروبا:

مصطلح "الفلسفة البرجوازية" هو مصطلح نقدي ماركسي بالأساس يصف الفلسفات التي نشأت وتطورت في سياق صعود الطبقة البرجوازية في أوروبا، والتي تدعم مصالحها أو تعكس رؤاها للعالم.

  • مميزاتها/خصائصها:

    • الفردية: التركيز على الفرد وحقوقه وحرياته (مثل فلسفات الليبرالية).

    • حق الملكية: الدفاع عن الملكية الخاصة كحق طبيعي وأساسي.

    • العقلانية والأخلاق البروتستانتية: الثقة في العقل، والعمل الجاد، والنجاح الاقتصادي كعلامة على الفضيلة.

    • العقد الاجتماعي: فكرة أن الدولة تنشأ باتفاق بين الأفراد لحماية حقوقهم (لوك، روسو).

    • الديمقراطية الليبرالية: دعم الأنظمة السياسية التي تضمن الحريات الفردية والتنافس الاقتصادي.

    • التبرير الأيديولوجي للرأسمالية: بعض الفلسفات ساهمت في تبرير النظام الرأسمالي كأكثر الأنظمة كفاءة وعدالة (مثل الليبرالية الاقتصادية).

    • الواقعية والعلمية: الميل إلى الفلسفات التي تدعم التطور العلمي والتقني الذي يخدم النمو الاقتصادي.

  • عيوبها (من منظور نقدي):

    • تبرير الاستغلال واللامساواة الاقتصادية.

    • إعطاء الأولوية للمصالح الفردية على حساب المصلحة الجماعية.

    • تجاهل أسباب الفقر والبؤس الناجمة عن النظام الرأسمالي.

    • المحدودية الطبقية في رؤاها للعالم.

خامساً: الفكر التنويري وعلاقته بالفلسفة:

  • الزمان والمكان: القرن الثامن عشر، بشكل خاص في فرنسا وألمانيا وبريطانيا.

  • جوهر التنوير: حركة فكرية وسياسية واجتماعية ركزت على العقل والحرية والتقدم كقيم أساسية. شعارها "تجرأ على المعرفة!" (Sapere aude).

  • علاقته بالفلسفة:

    • العقلانية: استمرارية وتأكيد على دور العقل في فهم العالم وحل مشكلاته، ونقد الخرافات والتقاليد الجامدة.

    • نقد السلطة: هاجم فلاسفة التنوير (فولتير، روسو، مونتسكيو) السلطات الدينية والسياسية المطلقة (الملكية المطلقة، الكنيسة).

    • الحقوق الطبيعية: الدفاع عن حقوق الإنسان الطبيعية في الحياة، الحرية، الملكية.

    • التقدم: الإيمان بقدرة البشرية على التقدم من خلال العلم والمعرفة.

    • العقد الاجتماعي: تطوير نظريات العقد الاجتماعي كأساس للحكم الشرعي.

    • فصل السلطات: (مونتسكيو) فكرة فصل السلطات (تشريعية، تنفيذية، قضائية) لضمان الحرية.

  • التأثير: شكل التنوير الأساس الفكري للثورات الحديثة (الأمريكية والفرنسية)، وأثر بعمق في تطور الفلسفة السياسية والأخلاقية والعلمية الحديثة.

سادساً. فلسفة الشعوب الإقطاعية (في سياقات غير أوروبية محددة):

الفلسفة في الأنظمة الإقطاعية (حيث تسيطر طبقة نبيلة من ملاك الأراضي على الفلاحين) عادة ما تكون وثيقة الصلة بالدين والأخلاق التقليدية، وتهدف إلى ترسيخ النظام الاجتماعي القائم.

  • الصين (الإقطاعية التقليدية):

    • الكونفوشيوسية: هي الفلسفة المهيمنة. تركز على الأخلاق، العلاقات الاجتماعية (الحاكم والمحكوم، الأب والابن)، الواجب، الطاعة، الانسجام الاجتماعي، ونظام الحكم القائم على الفضيلة. لم تشجع على التغيير الجذري بل على الاستقرار والنظام.

    • الداوية (الطاوية): تركز على الانسجام مع الطبيعة (الطاو)، البساطة، التلقائية، والابتعاد عن تعقيدات المجتمع والسياسة. تأثيرها كان غالبًا في الفن والأدب والبحث عن الخلود، لكنها كانت أقل تأثيرًا مباشرًا على إدارة الدولة.

    • البوذية: دخلت لاحقًا وتفاعلت مع الكونفوشيوسية والداوية، وساهمت في مفهوم الكارما وإعادة الميلاد والبحث عن التحرر من المعاناة.

  • الهند (نظام الطبقات الإقطاعي):

    • الفلسفات الهندية التقليدية (المدارس الست): متجذرة في الفيدا والأوبانيشاد.

      • الفيدانتا: تركز على طبيعة البراهمان (الواقع المطلق) والعلاقة بين الروح الفردية (أتمان) والكونية.

      • اليوغا والسامخيا: تهتم بتحرير الروح من قيود المادة والجسم.

      • النياما والفايشيشيكا: تهتم بالمنطق والفيزياء الذرية.

      • الميمامسا: تهتم بتفسير الطقوس الفيدية.

    • البوذية والجينية: نشأت كنقد للبراهمانية ونظام الطبقات، ودعت إلى التحرر الفردي من خلال الممارسة الروحية والأخلاقية.

    • مميزاتها: التركيز على الميتافيزيقا، الدورة الكونية، الكارما، التناسخ، التحرر (الموكشا)، وتبرير النظام الاجتماعي الطبقي (الفارنات) في بعض الأحيان.

  • اليابان (الإقطاعية السامورائية):

    • الشنتوية: ديانة وفلسفة يابانية أصلية، تركز على تقدير الطبيعة والأرواح (كامي)، والأجداد، والولاء للإمبراطور.

    • البوذية (خاصة زن): دخلت من الصين وكوريا، وأثرت بعمق في ثقافة الساموراي، مؤكدة على الانضباط، التأمل، الوعي اللحظي، وتقدير الفن والجمال.

    • الكونفوشيوسية: دخلت أيضًا، وشددت على الأخلاق، النظام الاجتماعي، الولاء للسيد، ومفاهيم الشرف (بوشيدو).

    • مميزاتها: مزيج من الروحانية والطبيعة، الأخلاق العملية، الولاء، الشرف، والاستعداد للتضحية.

  • بيزنطة (الإمبراطورية الرومانية الشرقية):

    • فلسفتها كانت امتدادًا للفلسفة اليونانية (خاصة الأفلاطونية والأرسطية) ولكنها صُبغت بصبغة مسيحية قوية.

    • الآباء الكبادوكيون: حاولوا التوفيق بين الفلسفة اليونانية والعقيدة المسيحية.

    • اللاهوت المسيحي: كان هو المهيمن، ويركز على القضايا اللاهوتية (طبيعة المسيح، الثالوث، الخلاص).

    • مميزاتها: فلسفة دينية بالأساس، تهدف إلى الدفاع عن العقيدة المسيحية وتوضيحها، مع الاحتفاظ ببعض الأدوات المنطقية والميتافيزيقية اليونانية.

  • بلاد القوقاز (خاصة أرمينيا وجورجيا في العصور الوسطى):

    • تأثرت بشدة بالفلسفة اليونانية (خاصة الأرسطية والأفلاطونية المحدثة) واللاهوت المسيحي البيزنطي.

    • فلاسفة وعلماء مسيحيون: (مثل ديفيد الأناهت) ترجموا وعلقوا على أعمال الفلاسفة اليونانيين، وطوروا لاهوتًا وفلسفة خاصة بهم، غالبًا ما كانت تخدم أغراضًا دفاعية عن العقيدة أو توضيحية لها.

    • مميزاتها: دمج الفكر الفلسفي اليوناني مع التراث المسيحي القوقازي، الاهتمام بالمنطق واللاهوت والميتافيزيقا.