أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

منظومة شرح الأثر فيما ورد في شهر صفر لأبي بكر العدني بن علي المشهور بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

منظومة شرح الأثر فيما ورد في شهر صفر

لأبي بكر العدني بن علي المشهور

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

        

تمهيد: هذا النظم النفيس، يتعلق بشرح الحديث الوارد: (لا صفر ولا عدوى ولا طيرة ولا غُول)، وكانت العرب تعتقد أن صفر هو شهر الدواهي والفتن والحروب وكثرة الموت، وتكمن أهمية مثل هذه الأنظام في تصحيح عقائد الإنسان، لا سيما تلك العقائد الجاهلية التي عرفها في سالف الأزمان، وظل الناس يقرونها في الأحداث والتغيرات على ما تصورته الأذهان.

وقد بيّن الشيخ المؤلف أن هذه الاعتقادات الجاهلية إنما هي بوحي من الشيطان، وقد حاول في نظمه ربط الأمور بمسبباتها، والولوج إلى تلك الظواهر من أبوابها الشرعية والعلمية، متبعاً ما خطّه العلماء في أسفارهم، جامعاً لها، ومرتباً لفصولها؛ حتى كان هذا النظم.

وأما الموضوعات التي تعرض لها في نظمه:

1-القضاء والقدر من علم الله وإرادته وإيجاد متعلقاتهما بقدرته ومشيئته، والنفع والضر بيده.

2-الأصل في الاعتقادات والتصورات الاتباع والاقتداء من غير زيغ ولا ميل. ويشير الناظم إلى ذلك بقوله:

والقصد في كل الشؤون ربطها... بالدين والإسلام من حيث أمر

3-أن الشريعة جاءت ببيان ما للشهور والأزمان من الفضائل والميزات.

4-وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم -نهى عن التشاؤم بدخول شهر صفر.

5-وقول (لا صفر) أي: لا يؤخر هذا الشهر عن محله كما في أنساء الجاهلية.

6-وأنه لا يُتشاءم بطيرٍ ولا حيوانٍ ولا إنسانٍ ولا شهرٍ.

7- نفي سراية العدوى والمرض بذاته من شيء إلى آخر.

8-نفي العدوى لا تنافي الأخذ بالأسباب التي منها: عدم دخول بلد الطاعون.

9-أن الشهور هي أيام، ويجري فيها ما يجري في غيرها، وهي أوقات الأحداث ومحلها، لا أنها تؤثر فيها بخيرٍ او شر. وفي ذلك يقول الناظم:

وكلها أيامُ مَن لا غيرُه... يُدلي بنفعٍ للعبادِ أو ضرر

ولا قياس في ابتلاءٍ أو قضا...يُجريه في يوم فيبقى اليوم شر

فالله يُعطي من يشاء وكذا... يمنعه إن شاء لا يُغني الحذر

فافهم أُخيَ الأمر إن شئت الرضا... واسلك طريق المصطفى الهادي الأبر

10-أن خير الأمور هي الفأل الحسن، وهو هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم وفعله.

11-ونفي الغول الذي هو جنس من الجن، تزعم العرب أنه كان يُضلُّها في سفرهم.

12-ونفي النوء: وهو نجم يظهر في السماء تزعم العرب أنه يأتي بالمطر ويُنشئه.

13-ونفي التشاؤم بصفر أو شوال، بالامتناع عن النكاح، والسفر، والتجارة، ونحو ذلك؛ وتزعم العرب أنه شهر يكثر فيه الموت، وتضل التجارة، ويهلك المسافر، وقد تزوج رسول الله من خديجة في صفر، وزوّج فيه ابنته فاطمة من علي، وأمضى في غار ثور ثلاثة أيام منه، وكانت غزوة الأبواء في أوله، وكذا خيبر. وفي ذلك يقول الناظم:

وكم غزاةٍ ذُكرت من مثلها... في مثل هذا الشهر والحقُّ انتصر

كما بنى في شهر شوّال علي... عائشة فصار فعلاً مُعتبر

وأبطل المختار شؤماً فاسداً... أسبابه الجَهل متى الجهل ظهر

14-وكان أهل الجاهلية يتشـاءمون أيضاً بنكاح شـهر شـوال، وسـببه أن طاعونا وقع في شـهر شـوال في سـنة من السـنين فمات فيه كثير من الرجال والنساء العرائس، فتشـاءموا بذلـك، وقد ورد الشـرع بإبطالـه، وكانت السيدة عائشة، تُفاخر وتقول: ما تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلا في شوال.

15- ومما ينتفي سعد السعود، وهما: كوكبي زحل والمريخ، كانت العرب تعتقد أنهما نجمـا نحس، وأن عطارد ممتـزج بين النحس والسـعد، فيتشـاءمون بالنجمين المذكورين تشـاؤما ّ جمًا فيتأخرون عن السعي في مصالحهم، وهو قـول باطل قد أبطله الشـرع.

16-ومن الأوقات التي يتشاءمون فيها: أيام المحاق، وذلك إذا بقي من الشـهر يوم أو يومان، وفيه اشـتداد الظلام، ويقولون: إنه وقـت نـزول القمر في العقـرب أو الدبران، وهو قـول باطل قد أبطله الشـرع. وقيل لعلي بن أبي طالب: أتلقى الخوارج والقمر في العقرب؟ فقال: وأين قمرهم؟

17-ومن الأوقات التي كانوا يتشاءمون بها آخر أربعاء من كل شهر، لا سيما شهر صفر، وذلك غير صحيح، وقد أبطله الشرع.

18- وأن من حصل له نوع تشاؤم، فيندب له أن يقول: أنا عبد الله ما شاء الله لا قوة إلا باللـه، اللهـم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، أشهد أن الله على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي إشارة لذلك يقول الناظم:

فقد أتت ادعيةٌ مأثورة... تُعالج الأمر إذا الحال اعتكر

فالبيهقي قد روى بسندٍ... حديثه المشهور عن نجل عمر

وعن أبي داود في روايةٍ... تؤيّد الذكر إذا الشكُّ بدر

       وللفائدة نزيد شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا).

قال ابن رجب الحنبلي: مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء. قال تعالى: ]إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ[ (التوبة: 37).

وقد اختلفوا في تفسير النسيء، على قولين:

1. فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر، فيحرمونها بدلها، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئاً؛ فكانوا يستحلون المحرم، بالقتال فيه؛ لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة، ثم يحرمون صفر مكانه، وربما احتاجوا إلى صفرٍ أيضاً، فيُحلِّونه، وجعلوا مكانه ربيعاً، وقيل: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام، ويسمونها "صفرين" ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما "محرمين".

2. وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة، وظاهر الآية يُشعر بذلك، حيث قال تعالى: ]إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا... [(التوبة: 37)، فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله.

كيف كان يعدُّ المشركون الشهور، وما هو النسيء عندهم؟

[ج]: كانوا إذا أرادوا استحلال سنةٍ من السنوات جعلوا المُحرَّم في صفر، ثُمَّ يعدُّون إلى صفر في السنة التالية، ويثبتون صفراً كما هو، فتكون عدة ذلك ثلاثة عشر شهراً (من المحرَّم في السنة الأولى إلى صفر في السنة التالية).

ولا بُد من توضيح هذه القضية بشيء من التفصيل والتحليل فيما يلي:

أولاً: النبيُّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة أصلاً؛ لأنها باب من أبواب الشرك كما جاء صحيحاً في غير ما حديث.

ثانياً: ما هو وجه الشرك في الطيرة؟ الأصل في الطيرة أنهم كانوا يزجرون الطير، ويتفاءلون بما طار منها إلى اليمين، ويتشاءمون بما طار منها إلى الشمال، ولم يربط الله تعالى بين قدره وبين الطيور، ومن زعم ذلك فقد قال على الله بغير علم، وفعله هذا كنصب الوثنين أزلاماً للقُربى والمغفرة، وكنصب أهل النجوم نجوماً للسعود والنحوس، فهذا أصل الطيرة الشركية، ومثل الطيرة: من يستدل على الأقدار بحركات الحيوان أو أصواتها أو رؤيتها، كنعيب البوم، ونعيق الغربان، ونباح الكلاب.

ثالثاً: الطيرة المنهي عنها: هي تعليق الأقدار بالأسباب، أو الاستدلال عليها بها، دون النظر في الأسباب أو المقدمات التي تورث شيئاً من النتائج،

مسألة العدوى بين الشرع والطب:

أولاً: يرى الأطباء المعاصرون أنَّ:

1. العدوى أمرٌ ثابتٌ في بعض الأمراض لا في جميعها.

2. أن انتقال العامل المُمرض من زيد إلى عمرو، لا يعني أن عمراً سيُصاب بالمرض يقيناً، بل هاهنا عوامل عدة داخلية وخارجية تساعد على ظهور المرض أو تقاومه وتمنه ظهوره، وحصول المرض يعتمد على محصِّلة هذه العوامل.

3. أن إصابة زيد بالمرض، ثم إصابة عمرو به بعد ملابسة زيد، لا يعني بالضرورة أن زيداً أعدى عمراً، بل من الممكن جداً أن يكون العكس صحيحاً، فهذه قضايا صحيحة وثابتة، لا يختلف فيها طبيبان.

ثانياً من الشرع:

1. أرسى النبي مسألة العدوى الطبية والحجر الصحي في قوله: "لا يورد ممرض على مصح"، وقوله: "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وقوله: "إذا وقع الطاعون بأرض فلا تفرِّوا.."، فهذه نصوصٌ ثلاثة غاية في الوضوح، لا ينبغي التغافل عنها، ولا عن مدلولاتها إطلاقاً.

2. وقد صحَّ عنه من أوجه قوله: "لا عدوى"، وقد جاء هذا بأصح الأسانيد عن جماعة من الصحابة، يحيل العقل تخطئتهم فيما نقلوه.

3. ولأهل العلم أقوالٌ كثيرة في التوفيق بين هذه النصوص التي ظاهرها التناقض، ولا يخلو أغلبها من نظر، يحول دون الأخذ به، وأولاها بالصواب هو ما اختاره ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" من حمل إثباته r للعدوى على أنها (جزء سبب)، وحمل نفيه لها على أنها (سبب تام)، فهذا أكثر الأقوال تطابقاً مع معطيات الطب المعاصر.

وقال بعض أهل العلم: تُحمل على أن يكون محل نفي العدوى (القلب)، ومحلُّ إثباتها (البدن)، ففي ذلك نهيٌ للمريض عن اعتقاد أن فلاناً هو الذي نقل إليه العدوى، وهذا أيضاً يتطابق مع معطيات الطب المعاصر؛ لأن جزم المريض بأن فلاناً أعداه بالذات غير مقبولٍ علمياً في كثيرٍ من الأحيان.

وقال آخرون: يحتمل أن يكون محلُّ نفي العدوى في العلاقات بين المسلمين، فلا ينبغي أن يتهم فلاناً من الناس بأنه سبب مرضه وأصل عدواه؛ لأنه اتهامٌ لا يستند إلى أصلٍ علمي.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون محل نفي العدوى أن يطالب فلاناً من الناس بتعويض ما أصابه أو أصاب دوابه من المرض والتلف للسبب السابق نفسه.

الخلاصة: ولا يبعد أن تكون هذه الأمور جميعها صحيحة ومقصودة بنفي العدوى. والله أعلى وأعلم.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق