أسرار حرب لبنان: من انقلاب بشير الجميّل إلى مجازر المخيمات الفلسطينية
ألان مينارغ
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) كانت من أعقد الصراعات في المشرق العربي، إذ تداخلت فيها العوامل الطائفية والسياسية والإقليمية والدولية. وكانت جرحًا مفتوحًا، نزف طيلة خمسة عشر عامًا، ولم تندمل آثاره حتى اليوم.
في شوارع بيروت التي كانت تُسمّى “باريس الشرق”، انقلب الحياة إلى أنين، والعمران إلى رماد، والجار إلى خصمٍ يترصّد جاره من خلف المتاريس. لم تكن حربًا بين جيشين، بل حربًا عبثية تاه فيها المعنى، وتشابكت فيها الهويات حتى ضاعت البوصلة، وامتزج دم الأبرياء بصيحات الانتصار الزائف.
وفي قلب هذا الجحيم، كان الفلسطيني ـ اللاجئ والمقاتل والإنسان ـ أكثر من دفع الثمن، إذ وجد نفسه في بلدٍ لجأ إليه هربًا من نكبة، فإذا به يعيش نكبةً أخرى. هُدمت مخيماته، وحوصر أطفاله، وتنازعت عليه البنادق من كل صوب، حتى غدا الوجود الفلسطيني في لبنان مرآةً مكبّرة لمأساة الأمة بأسرها: أمةٍ تمزّقها الأهواء، وتغتالها الحروب بأيدي أبنائها.
ويمكن تلخيص المرحلة التي تشير إليها ــ من انقلاب بشير الجميّل إلى حرب المخيمات والمجازر الإسرائيلية ــ على النحو الآتي:
انقلاب بشير الجميّل وصعود الكتائب (1980–1982)
بعد سنوات من الصراع الداخلي بين القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية، برز بشير الجميّل زعيم "القوات اللبنانية" (الجناح العسكري لحزب الكتائب الماروني) كلاعب رئيسي يسعى لفرض هيمنة الموارنة على الدولة اللبنانية بدعمٍ إسرائيلي.
نجح الجميّل في توحيد الميليشيات المسيحية بالقوة عام 1980، وبدعم إسرائيلي واسع شارك في العمليات ضد الفلسطينيين وضد الوجود السوري في لبنان.
وفي العام 1982، شنّت إسرائيل غزوها الواسع للبنان بذريعة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، فاجتاحت الجنوب ووصلت إلى بيروت، وحاصرت المقاومة الفلسطينية والسورية فيها.
انتخاب بشير الجميّل واغتياله (1982)
بعد حصار بيروت وخروج قوات منظمة التحرير منها، انتُخب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية بدعمٍ إسرائيلي وأمريكي في أغسطس 1982.
غير أنه قُتل في 14 أيلول/سبتمبر 1982 بتفجيرٍ استهدف مقرّ حزب الكتائب في الأشرفية، قبل تسلّمه السلطة فعليًا.
مجازر صبرا وشاتيلا (أيلول 1982)
عقب اغتيال بشير لجميّل، دخل الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية، وسمح لقوات "الكتائب اللبنانية" بقيادة إيلي حبيقة بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا، حيث ارتُكبت مجزرة مروعة بحق الفلسطينيين واللبنانيين، قُتل فيها ما بين 2000 إلى 3500 مدني، تحت أنظار الجيش الإسرائيلي.
كانت هذه المجزرة ذروة التواطؤ بين إسرائيل والميليشيات اللبنانية المسيحية ضد الوجود الفلسطيني.
حرب المخيمات (1985–1987)
بعد انسحاب منظمة التحرير إلى الخارج، اندلع صراع داخلي جديد في بيروت بين حركة "أمل" الشيعية والفصائل الفلسطينية المتبقية في المخيمات (وخاصة صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة).
وعرف هذا الصراع باسم حرب المخيمات، واستمرّ قرابة عامين، حيث حوصرت المخيمات الفلسطينية وتعرّضت لتجويعٍ وقصفٍ قاسٍ.
كانت خلفيات الحرب متشابكة، بين رغبة حركة أمل المدعومة سوريًا في السيطرة على بيروت الغربية ومنع عودة الفصائل الفلسطينية، وبين رفض الفلسطينيين الخضوع لسيطرة أي طرف لبناني.
🔹 الخلاصة
الحرب الأهلية اللبنانية كانت سلسلة من التحوّلات:
من صراع داخلي طائفي إلى غزوٍ إسرائيلي مباشر.
ومن انقسام لبناني–فلسطيني إلى حروب تصفية داخلية.
انتهت فعليًا باتفاق الطائف عام 1989 الذي أرسى نظامًا جديدًا لتقاسم السلطة، لكنه لم يُنهِ تمامًا آثار تلك المرحلة الدامية.
ولم تكن الحرب الأهلية اللبنانية مجرد محطة زمنية، بل هي بداية مرحلة جديدة من التحكم الخارجي والتوازن الهش الذي لا يزال يطبع لبنان حتى اليوم.
نهاية الحرب الأهلية اللبنانية
اتفاق الطائف (1989)
بعد خمسة عشر عامًا من الدمار والاقتتال (1975–1990)، جاء اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية، ووافق عليه معظم النواب اللبنانيين المجتمعين في مدينة الطائف.
كان الاتفاق بمثابة صفقة إنهاء الحرب، لا حلاً جذريًا لأسبابها. وقد نصّ على:
تعديل النظام السياسي بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية (الماروني) لصالح الحكومة والبرلمان.
المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان والإدارة العامة.
حلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها خلال ستة أشهر (باستثناء حزب الله الذي استُثني بحجة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب).
الاعتراف بالدور السوري كقوة “حافظة للأمن” عبر اتفاق ثنائي لبسط النفوذ السوري على لبنان.
تنفيذ الاتفاق
تمّ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا تحت رعاية سوريا التي بسطت هيمنتها على لبنان سياسيًا وأمنيًا حتى عام 2005.
وانتهت الحرب رسميًا في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990، عندما قضت القوات السورية على تمرد قائد الجيش آنذاك ميشال عون في قصر بعبدا.
وهكذا انتهت الحرب الأهلية عسكريًا، لكن جراحها ظلت مفتوحة سياسيًا وطائفيًا.
أبرز التحديات بعد الحرب وحتى اليوم:
1. الطائفية السياسية
اتفاق الطائف أوقف الحرب لكنه كرّس النظام الطائفي بدل أن يلغيه.
فالسلطة ما زالت تُوزّع على أساس مذهبي: رئيس ماروني، رئيس وزراء سني، ورئيس مجلس شيعي.
هذا جعل الدولة عاجزة عن بناء مؤسسات وطنية جامعة، وأبقى الانقسام قائمًا في بنية الدولة والمجتمع.
2. السلاح خارج الدولة:
أحد أهم إفرازات الحرب هو استمرار حزب الله كقوة مسلحة موازية للجيش، بحجة “المقاومة ضد إسرائيل”.
لكن مع مرور الوقت، أصبح السلاح أداة نفوذ داخلي وإقليمي، مرتبطًا بمحور إيران وسوريا، ما جعل الدولة رهينة ازدواجية القرار العسكري والسيادي.
3. النفوذ الإقليمي والدولي:
لبنان لم يتحرر من صراعات الوكالة: كان في زمن الحرب ساحة صراع سوري–إسرائيلي–فلسطيني.واليوم أصبح ساحة صراع إيراني–إسرائيلي–أمريكي–سعودي. فكل أزمة إقليمية تُترجم مباشرة على أرض لبنان، من خلال الانقسامات السياسية والطائفية.
4. الاقتصاد المنهار والفساد
بعد الحرب، بُني لبنان على اقتصاد ريعي يعتمد على المصارف والدَّين العام، دون قاعدة إنتاجية. تراكم الفساد حتى انهار النظام المالي في 2019، وتفجرت أزمة مالية غير مسبوقة جعلت أكثر من 80٪ من اللبنانيين تحت خط الفقر، وتحوّلت الدولة إلى شبه مفلسة.
5. اللاجئون الفلسطينيون والسوريون
رغم مرور عقود، لم تُحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وظلت المخيمات تعاني التهميش والبطالة وانعدام الحقوق المدنية. ثم جاءت أزمة اللجوء السوري لتضيف عبئًا جديدًا على بلدٍ يعاني أصلًا من الانقسام والضائقة الاقتصادية.
6. التحديات الأمنية الراهنة
في ضوء تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله على الحدود الجنوبية عامي 2024–2025، يعود شبح الحرب مجددًا. فلبنان اليوم يقف على حافة انفجار جديد، بين مطرقة العدوان الإسرائيلي وسندان الانهيار الداخلي، وسط عجزٍ رسميٍّ كامل عن فرض قرار موحد أو حماية المدنيين.
🔹 الخلاصة:
انتهت الحرب الأهلية اللبنانية بوقف إطلاق النار لا بوقف الانقسام. فما زالت روح الحرب تسكن السياسة، وما زال السلاح يُحكم القرار، وما زال لبنان يدفع ثمن أن يكون ساحةً لتصفية حسابات الآخرين.
وإذا لم يتكوّن مشروع وطني جامع يتجاوز الطائفية والارتهان للخارج، فإن لبنان سيبقى في هدنةٍ مؤقتة، لا في سلامٍ حقيقي.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق