إمارة الصبيان وهلكة خيار أمة محمد في حكم يزيد بن معاوية بن أبي سفيان
سنان بن سعد آل جراح
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يرى الكاتب أن دولة الإسلام الأولى، والتي أنشأها رسول الله صلى الله عليه وسلم، واستخلف عليه خيرة أصحابه أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، هي دولة قامت على العدل والفضيلة، يوقر فيها الكبير ويعرف لكل ذي فضل فضله.. حتى قامت دولة الصبيان في عهد يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، الذي تسلط على رقاب المسلمين، وأنزل بواسطة الأغيلمة والأصاغر إجرامه وضلاله بجماعة المسلمين، حتى أهلكوا الحرث والنسل، فكان أول ما أصابوا به المسلمين أن افتتحوا دولتهم بقتل الإمام الحسين رضي الله عنه، ومعه جماعة من خيار آل البيت رضوان الله عليهم، ثم أغاروا على خير بقاع الأرض "مكة"، و"المدينة النبوية، فجاسوا فيها بخيلهم ورجلهم، وألحدوا فيهما، وقتلوا خيرة الصحابة، جهراً، ظلماً في الحرب وصبراً!
وذكر ابن الجوزي أنه لم يرضَ بيعة يزيد أحدٌ ممن يُعوّل عليه، حتى العوام أنكروا ذلك، غر أنهم سكتوا خوفاً على أنفسهم، ومن بايعه كان مجبوراً مقهوراً.
ولنرى ماذا قال علماء المسلمين في يزيد لما هلك في أواخر حياته. يقول الإمام ابن حزم -رحمه الله -: وأخذ الله تعالى يزيد أخذ عزيز مقتدر، فمات بعد الحرة بأقل من ثلاثة أشهر وأزيد من شهرين (جوامع السيرة).
وقال الذهبيُّ -رحمه الله-: وكانت دولته أقل من أربع سنين؛ ولم يمهله الله على فعله بأهل المدينة لما خلعوه (سير أعلام النبلاء).
وقال الإمام ابن كثير -رحمه الله -: إنه لم ُيمهل بعد وقعة الحرة وقتل الحسين إلا يسيْرا حتى قصمه الله الذي قصم الجبابرة قبله وبعده، إنه كان عليماً قديراً. (البداية والنهاية).
وقال العلامة ابن حجر: ولم يلبثوا أن أخذ الله يزيد بن معاوية فجاءهم الخبر بموته فأخذ حصين الأمان من بن الزبيْ ودخلوا الحرم ثم رحلوا إلى الشام (تهذيب التهذيب).
وقال الإمام القسطلاني: قال ابن حجر العسقلاني: وأما محبة يزيد والرفع من شأنه فلا تقع إلا من مبتدع فاسد الاعتقاد (سؤالات القسطلاني لابن حجر).
وقال ابن الوزير: والواقع أن الناس طائفتان: طائفة أثنوا على يزيد، وهم النواصب، وطائفة ذموه، وهم سائر المسلمين (العواصم والقواصم).
وقال ابن تيمية: والمنقول في يزيد أنه لا يُسبُّ ولا يُحبُّ، وهذا هو المنصوص عن الإمام أحمد، وعليه المقتصدون من أصحابه، وغيرهم من جميع المسلمين (مجموع الفتاوي).
من هو يزيد بن معاوية؟
هو الخليفة، أبو خالد، يزيد بن معاوية بن أبي سفيان الأموي، القرشي، الدمشقي.
وكان ضخماً كثير الشعر شديد الأدمة بوجهه أثر جدري، ولي الخلافة بعد وفاة أبيه (سنة 60 هـ)، وأبى البيعة له عبد الله بن الزبير والحسين ابن علي، فانصرف الأول إلى مكة والثاني إلى الكوفة.
ولم يكن همُّ ييزيد إلا بيعةُ النَّفَر الذين سمَّاهم له أبوه، وهم الحسين، وابن الزبير، وابن عمر.
وفي أيام يزيد هذا كانت فاجعة المسلمين بالسبط الشهيد "الحسين بن علي" سنة 61 هـ وخلع أهل المدينة طاعته (سنة 63 هـ) فأرسل إليهم مسلم بن عقبة المري، وأمره أن يستبيحها ثلاثة أيام وأن يبايع أهلها على أنهم خول وعبيد ليزيد، ففعل بها مسلم الأفاعيل القبيحة، وقتل فيها كثيراً من الصحابة وأبنائهم وخيار التابعين.
وفي زمن يزيد فتح المغرب الأقصى على يد الأمير "عقبة بن نافع" وفتح "سلم بن زياد" بخارى وخوارزم. ويقال إن يزيد أول من خدم الكعبة وكساها الديباج الخسرواني.
ومدته في الخلافة ثلاث سنين وتسعة أشهر إلا أياماً.
قال الإمام الذهبي: ويزيد ممن لا نسبه ولا نحبه، وله نظراء من خلفاء الدولتين, وكذلك في ملوك النواحي, بل فيهم من هو شر منه وإنما عظم الخطب لكونه ولي بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بتسع وأربعين سنة والعهد قريب والصحابة موجودون كابن عمر الذي كان أولى بالأمر منه ومن أبيه وجده.
وفي الخبر الضعيف: "لا يزال أمر أمتي قائما حتى يثلمه رجل من بني أمية, يقال له: يزيد".
أما موضوعات هذا الكتاب، فبيانها فيما يلي:
في الباب الأول: ذكر بيعة يزيد بن معاوية، وتصدع الجماعة بسبب ذلك، وما جرى من دعوة معاوية إلى هذه البيعة في حياته، وبيان كيف انعقدت البيعة ليزيد، وموقف كبار أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وخروجهم إلى مكة عائذين بالكعبة، ولقائهم لمعاوية عندما حج تلك السنة، وتشاروهم فيمن يكلم معاوية بخصوص هذا الأمر، وكلام معاوية للصحابة في شأن يزيد، وتخييرهم بين ثلاث خصال، كله: ألا يتولى الخلافة أحدٌ ليس من بني أبيه، أو رهطه الأدنون، وترك معاوية للصحابة الذين رفضوا بيعة يزيد.
وفي الباب الثاني: قيام إمارة الصبيان، وتحقق نبوءة النبيّ صلى الله عليه وسلم، وذكر موقف الصحابة من بيعة يزيد، ورفض الحسين عليه السلام لهذه البيعة، ومن ورائه أهل العراق، ورفض ابن الزبير لها ومن ورائه أهل مكة، ورفض ابن عمر لها ومن ورائه أهل المدينة، وأن من بايع يزيد من بقية الأمصار بايعه على الإكراه، حيث أمر مروان بن الحكم وكان على الحجاز بأخذ عبد الرحمن بن أبي بكر بالبيعة، وإشارته على الوليد بن عتبة بقتل الإمام الحسين وابن الزبير إن لم يبايعا، وتهديد معاوية لابن عمر إن امتنع عن المبايعة بالقتل.
وفي الباب الثالث: ما جاء في أخبار النبيّ صلى الله عليه وسلم من هلاك هذه الأمة على يد أغيلمة من سفهاء قريش، وأن ذلك من علامات النبوة، وأول هذه العلامات: إمارة يزيد، وذك ما جاء عن أبي هريرة في ذكر الوعاءين اللين حفظهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وفي الباب الرابع: في بيان أن يزيد بن معاوية كان ينتزع الكبار من ولاياتهم، ويولي الأصاغر، ومن ذلك: نزع النعمان بن بشير وتولية عبيد الله بن زياد على الكوفة، ونزع الوليد بن عتبة عن المدينة وتولية عمرو بن سعيد بن العاص عليها، ومن الأصاغر الذين ولاهم يزيد في خلافته: شمر بن الجوشن الضبي، ومسلم بن عقبة المري، والحصين بن نمير السكوني.
وفي الباب الخامس: بيان هلكة أمه محمد صلى الله عليه وسلم على أيدي غلمة سفهاء، وكون هلاك الإمام الحسين وأهل العراق يكون على أيديهم، ثم ذكر بعض مناقب الإمام الحسين رضي الله عنه، وقيام الإمام الحسين على يزيد، وهلاك مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة أصحاب الحسين، وقتال أهل العراق. ثم ضرب الأصاغر الحصار على الكوفة تميهداً لقتل الإمام الحسين، ثم قتل الإمام الحسين، وبيان من هلك من أصحاب الإمام الحسين رحمة الله تعالى عليهم، وهلكة أهل المدينة على أيدي هؤلاء الغلمة.
ثم مناقب المدينة النبوية وحرمة أهلها، وما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن أحدث في الحرم، وما جرى في وقعة الحرة من استباحة مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وسفك الدماء بغير وجه حق، وما روي عن ابن عباس في تأويل آية من كتاب الله عز وجل في وقعة الحرّة، وخبر وفد عبد الله بن حنظلة على يزيد بن معاوية، وخلع أهل المدينة ليزيد بن معاوية، وخروج أهل المدينة لقتاله، وغدر بني حارثة بإدخال جيش مسلم (مسرف) بن عقبة، وموقف عبد الله بن عباس من غدر بني حارثة، وما جرى من قتل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر بعض من قتل منهم، وقتل سبعمائة من حملة القرآن.
ودعوة مسلم بن عقبة إلى بيعة يزيد بالقهر والظلم، وبيان أن القتل طال حتى من لم يُقاتل، ثم نهب جيش يزيد للمدينة النبوية، وتعطيل الصلاة في مسجد رسول الله، وشكر يزيد بن معاوية لمروان بن الحكم على مؤازرته مسرف بن عقبة في أمر الحرّة، وكلام علماء المسلمين فيما فعله يزيد بن معاوية في وقعة الحرّة، واتفاقهم على أن يزيد غزا المدينة وأخاف أهلها.
ثم ما جرى لأهل مكة من الهلكة وضرب الكعبة بالمنجنيق، ومناقب مكة المكرمة وحرمتها، وقيام عبد الله بن الزبير على يزيد بن معاوية، وما جاء في مناقب عبد الله بن الزبير، وسبب استحلال يزيد بن معاوية حرم مكة شرفها الله، ثم وعيد عمرو بن سعيد الأشدق لابن الزبير بغزو مكة، وإقسام يزيد أن لا يؤتى بابن الزبير إلا مغلولاً، وتجهيز يزيد الجيوش لقتال ابن الزبير، وأبو شريح ينصح عمرو بن سعيد بن العاص بعدم غزو الكعبة.
ثم بيان الإجماع على حرمة قتال ابن الزبير في مكة، وهلاك مسلم بن عقبة المري قبل غزو مكة، وتولي الحصين بن نُمير غزو ابن الزبير بمكة، واحتراق الكعبة بعد أن ضربها جيش يزيد بالمنجنيق، وذكر بعض من قُتل من الصحابة الكرام والتابعين الأطهار في حصار مكة، ثم هلاك يزيد بن معاوية ونهايته. ثم إرسال عبد الله بن الزبير لحصين بن نُمير، وتحريضه على قتال أهل الشام والأمويين.
الباب السادس: كلام علماء المسلمين في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان، وبيان غلط ابن عربي المالكي على الإمام أحمد في تعديل يزيد بن معاوية، بل ونقل اتفاق الأئمة الأربعة على تفسيق يزيد بن معاوية.
الباب السابع: بيان أقوال العلماء في لعن يزيد بن معاوية، وبيان أن العلماء الذين عارضوا لعنه، لم يخالفوا في تفسيقه، وبيان من قال من العلماء بكفر يزيد بن معاوية.
الباب الثامن: في الوجوه التي فسق بها علماء المسلمين يزيد بن معاوية. الوجه الأول: أنه من أمراء السوء الذين أخبر عنهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم. الوجه الثاني: أنه مجرمٌ سفّاك للدماء. والوجه الثالث: شربه للخمر. وشهد على ذلك: عبد الله بن الزبير، ومعقل بن سنان، وعبد الله بن حنظلة، ومحمد بن أبي الجهم، بل واشتهار ذلك عنه، وعلم الناس بذلك، والوجه الرابع: قتل الإمام الحسين رضي الله عنه، بلا ورع ولا داعي، والوجه الخامس: مناوأته لآل البيت، وحمله لعقيدة النصب تجاههم، والوجه السادس: استباحة يزيد لحرمة الحرمين: المكي، والمدني، وإخافة أهلهما.
الباب التاسع: بطلان كون يزيد له منقبة، وبيان حديث: "أول جيش من أمتي يغزون مدينة قيصر مغفور لهم" متعلق بغيره لا به، من حيث أن يزيد لم يكن أول من يغزو القسطنطينية، بل سبقه إليها: بُسر بن أبي أرطأة، وعبد الرحمن بن خالد بن الوليد، وبيان تعقب العلماء على ابن المهلب، ورأي ابن الأثير والبدر العيني في ذلك، وكون يزيد يغزو مدينة قيصر هو أمرٌ حسن، لكن سيئات الرجل كثيرة.
الباب العاشر: في بيان أن محبة يزيد بن معاوية هو مذهب النواصب، وأن النواصب في عقيدتهم يُحبون يزيد، وبيان مأخذ أهل السنة في عدم محبة يزيد.
الباب الحادي عشر: هلاك يزيد بن معاوية، وكلام علماء المسلمين في ذلك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق