شرح سفينة النجاة
محمد سالم بحيري
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: متن «سفينة النجاة» من المتون المباركة التي أُلِّفت على مذهب الإمام الشافعي رضي الله عنه، وقد قصد به مؤلفه تقريبَ مسائل العبادات إلى أيدي المبتدئين، ليكون مدخلًا يسيرًا إلى فقه الطهارة والصلاة وسائر الفروض العينية التي لا يسع المسلم جهلها.
وقد سار في ترتيبه على منهج أئمة المذهب الذين مرّوا بمراحل التأسيس والنضج والتنقيح، فجمع خلاصة ما استقر عليه المذهب بعد جهدٍ طويلٍ من التحرير والمراجعة، بدءًا من الإمام الشافعي مؤسِّس الأصول، مرورًا بمدارس العراقيين والخراسانيين، وانتهاءً بما نقّحه الإمامان الرافعي والنووي، اللذان بهما استقرّ المذهب وبهما يُعتمد القول عند المتأخرين.
فجاء هذا المتن الصغير تلخيصًا عمليًا لمقررات المذهب في بابه التعبدي، يُعبّر عن روح المدرسة الشافعية في وضوح العبارة، ودقة الترتيب، وجمال السبك، مما جعله موضعَ عناية الشراح والمعلمين في الأزمنة المتأخرة.
وقد قُصد بهذا الشرح الوقوف على مراد المصنف، وإيضاح عبارته، وربطها بالأصل الذي نُسج منه نسيجُ الفقه الشافعي، ليكون القارئ على صلةٍ بين المتن المختصر وأصول المذهب المحررة في كتب الرافعي والنووي ومن تبعهم.
وفيما يلي مقدمة وجيزة وضعها الشيخ محمد البحيري لتاريخ المذهب الشافعي، وهي على وجازتها مفيدة:
"مدخل إلى المذهب الشافعي"
مر المذهب الشافعي بخمس مراحل :
مرحلة التأسيس
مرحلة النضج .
مرحلة التنقيح الأول
مرحلة ما بين التنقيحين
مرحلة التنقيح الثاني.
أولا : " مرحلة التأسيس "
المراد بها الطور الذي أسس فيه الإمام الشافعي الله مذهبه.
إمامه الإمام الشافعي الله وطيب ثراه ونفعنا بعلومه في الدارين.
. النشأة: نشأ في قبيلة هذيل وتلقى اللغة العربية منهم فقد كانوا من أفصح العرب.
. العلم كانت العربية أول العلوم التي طلبها فكانت لها أثر واضح في فقهه.
شيوخه :
. لزم الإمام مالك الله إلى أن توفى ۱۷۹ هجريا .
وكانت مدرسة الإمام مالك ليست مدرسة الحديث المحض وليست مدرسة الرأي التي تشترط شروطاً كثيرة للعمل بأخبار الآحاد ؛ إنما هي مدرسة تجمع بين الأثر والنظر فاستفاد منها.
. التقى أصحاب الحديث وتلقى عنهم واطلع على منهجهم في النظر .
. تلقى فقه أهل الرأي - ليس بواسطة - بل عن قرب عن إمام كبير وهو محمد بن الحسن من كبار أئمة الرأي.
. اطلع على مدرسة الليث بن سعد - ليس عندنا خبر صريح بذلك - لكن المنقول عنه قال : " الليث أفقه من مالك إلا أن أصحابه لم يقوموا به " فرجح بناءً على علمه وخبرة اطلاعه على مذهب الليث الله
. كان اطلاعه الواسع على المذاهب الفقهية بما فيهم مدرسة الحديث ومدرسة الرأي عامل كبير فقد وقف بين المدرستين .
يقول الإمام أحمد الله: "ما زلنا نلعن أصحاب الرأي ويلعوننا حتى جاء الشافعي فوفق بيننا ".
. فأعلم الإمام الشافعي أصحاب الحديث أن ليس كل رأي مذموما ولام أهل الرأي على ترك العمل بأخبار آحاد كثيرة فقد اشترطوا للعمل بها شروطا منعتهم من العمل بها.
تأسیس مذهبه
بعد وفاة الإمام مالك بدأت تظهر له بعض الآراء التي يخالف فيها الإمام مالك وصار له تلاميذ في العراق يروون هذه الآراء التي وافقه فيها والتي خالفه فيها).
تلاميذه ( رواة القديم ) :
مثل : الكرابيسي والإمام أحمد وأبو ثور ويسمونهم " أصحاب رواة القديم".
مروياته
في العراق: صنف بعض التصانيف فيها كـ" الحجة في الفروع " و " الرسالة في أصول الفقه " ولم يصل منها شيء إلا قليل ينقله بعض الأصحاب في كتبهم في الأصول ، ويسمى هذا بالقديم.
فالقديم: هو اصطلاح يقع على كل ما رواه الشافعي قبل أن يأتي مصر.
في مصر : صنف بعض التصانيف فيها كـ " الأم في الفروع " و " الرسالة ( الجديدة ) في أصول الفقه " وهي ما بين أيدينا الآن.
أول مدون الأصول الفقه:
كان أول من دون في أصول الفقه بكتابه المعروف "الرسالة" .
سميت الرسالة :
الشافعي (المرسل) - الحارث بن سريج النقال (الناقل) - عبد الرحمن بن مهدي (المرسل إليه).
تلاميذه رواة الجديد)
الربيع بن سليمان المرادي ؛ الربيع بن سليمان الجيزي ؛ الإمام المزني ، والإمام البويطي.
ثانيا : مرحلة النضج والتفريق
المراد بها :
مرحلة ظهر فيها مسائل لم يكن للإمام الشافعي نص فيها فاحتاج الأصحاب من بعده إلى :
. أن ينظروا ويخرجوا بعض المسائل على كلام الشافعي فيلحقوا النظير بنظيره. أو
. يتفقهون فيها من حيث نظرهم ولم يأخذوا من كلام الشافعي كما قال النووي رحمه الله.
أئمة المرحلة:
مدرستان:
ثالثاً: مرحلة التنقيح الأول
المراد بها:
مرحلة وقع فيها الخلاف بين الأصحاب نتيجة هذه الثروة المتراكمة في:
. أقوال الشافعي المروية عنه.
. تصانيفه المنتشرة بين يدي الأصحاب.
. أوجه الأصحاب وتصانيفهم.
فهذا يقول: هذا قول الشافعي الجديد وآخر يقول بل هو القول القديم ولابد من ترجيح
أئمة المرحلة :
ظهر أئمة محررون :
. يجمعون هذه الثروة الفقهية .
. يبينون المعتمد في المذهب من غيره الذي ينبغي أن يُفتي به المفتي ويقضي به القاضي.
. يضعفوا ما حقه التضعيف.
. يحررون الجديد والقديم.
. يحررون ما قاله جمهور العلماء وهو ما ينبغي أن يُفتى به وما قاله البعض وهو ما لا ينبغي أن يفتى به .
(1) الإمام الرافعي
┌───────────────────────────────────│ الإمام الرافعي ─────────────────────┘
│ │
▼ ▼
كتاب "المحرر" شرح الوجيز (للغزالي)
│ ──────────────────────
│ ▼ ▼ ▼ ▼
│ العزيز (الشرح الكبير) وجيز مختصر شرح مبسوط (لم يُكمل)
│ - بين أيدينا. - في أربع مجلدات. - سمّاه "المحمود". - وصل إلى الصلاة.
- في ثمان مجلدات. - لم يصل إلينا.
│
▼
- مقتبس من "الوجيز" للغزالي.
- "نهاية المطلب" للجويني.
- اختصره "البسيط".
- "البسيط" اختصره "الوسيط".
- "الوسيط" اختصره "الوجيز".
- "المحرر" مقتبس من "الوجيز".
(2) الإمام النووي
┌───────────────────────────────────
▼ ▼ ▼
اختصر شرح مهذب الشيخ أبي إسحاق، وسماه "المجموع" صنّف كتابًا مستقلاً" سماه التحقيق"
"الشرح الكبير" للرافعي
وسماه "روضة الطالبين وعمدة المفتين"
واختصر المحرر، وسماه: "منهاج الطالبين"
_______________
فعل مثل ما فعل الرافعي
. بين المعتمد من الأقوال.
. جمع بين متعارض الأقوال بأن:
-حمل المطلق على المقيد.
-خص العام بالخاص.
-
حرر مجال الخلاف وأزال التعارض بينهما.
-رجح بين أوجه الاصحاب.
. ابتكر ألفاظا لهذا الترجيح:
( الأظهر - المشهور - الصحيح - الأصح – المذهب ) .
رابعا: مرحلة ما بين التنقيحين
المراد بها :
هي المرحلة بين التنقيح الأول والتنقيح الثاني وفيها عمل الفقهاء مشرط النقد على كلام النووي والرافعي ( مرحلة التنقيح الأول ) .
أئمة المرحلة:
(1) أبو العباس بن الرفعة صاحب كتاب "المطلب العالي في شرح وسيط الغزالي " .
(۲) تقي الدين السبكي.
(۳) الإمام الإسنوي وله :
. "كافي المحتاج في شرح المنهاج" وهو أنفس شروح المنهاج وتعقب فيه النووي ووصل فيه إلى المسافرة
. المهمات على الرافعي والروضة وتعقب فيه ) الروضة - الشرح الكبير ) .
(٤) الإمام ابن العماد
. قرأ المهمات على الإسنوي وبدأ له أن الإسنوي قد غلط في نقد النووي في بعض الوجوه فكتب نقدًا للنقد سماه التعقبات على المهمات"
(٥) الأذرعي: وله :
. " التوسط والفتح بين الروضة والشرح " وهو نقد الرافعي والنووي.
. شرح المنهاج ( قوت المحتاج – غنية المحتاج ).
(٦) الإمام الزركشي وله :
. "خادم الرافعي والروضة" في خمسة عشر مجلدا.
. أكمل شرح الإسنوي على المنهاج ( كافي المحتاج ( وسماه "السراج الوهاج بتكملة كافي المحتاج".
المراد بها :
خامسا : مرحلة التنقيح الثاني
مرحلة قام فيها شيخ الإسلام زكريا الأنصاري مقام الحكم على ما كتب قبله وقام فيها تلاميذه ومن بعده بعمل مشرط النقد في كلامه وكلام من قبله.
أئمة المرحلة:
(۱) شيخ الإسلام زكريا الأنصاري
شرح البهجة الوردية (نظم لابن الوردي للحاوي الصغير)، سماه "الغرر البهية "
(شرح روض الطالب) مختصر لابن المقنى، سماه " أسنى المطالب"نصر فيه النووي والرافعي في أكثر ما نقدوا.
اختصر منهاج النووي سماه " منهج الطلاب"، ثم:
شرحه في: "فتح الوهاب بشرح منهج الطلاب".
______________________________
(۲) الإمام الهيتمي
شرح المنهاج في "تحفة المحتاج".
شرح الإرشاد في "الإمداد"، ثم "شرح الجواد".
الإيعاب شرح العباب، وهو - مستوعب لكل الفروع الفقهية المذهبية
شرح المقدمة الحضرمية.
_____________________________
(۳) الإمام الخطيب
شرح المنهاج في "مغني المحتاج".
شرح البهجة الوردية في "المواهب السنية".
وله شرح على التنبيه.
____________________________
( ٤) الإمام الرملي
شرح على العباب
شرح المنهاج في "نهاية المحتاج".
____________________________
فائدة كل هذه الشروح والنقد تدل على عدم التعصب.
. فائدة مشرط النقد كانوا يعملونه بشرطين:
1. من المتأهلين.
2. وفق القواعد العلمية.
____________________________
المعتمد في المذهب *
ما اتفق عليه الشيخان الرافعي والنووي .
فإن اختلفا:
المعتمد من كلام النووي .
فإن اختلفت تصانيف النووي:
رجعنا إلى محققي المتأخرين:
( الهيتمي - الرملي - الخطيب - الأنصاري ) .
رجعنا إلى كلام الهيتمي والرملي.
فإن اختلفا:
مشايخ مصر: يرجحون مقالة الرملي .
بقية مشايخ الشافعية في العالم : يرجحون مقالة الهيتمي.
فائدة : لذا عندما نقول المعتمد عند الشافعية ما اتفق عليه الهيتمي والرملي لا يعني هذا أن هذا جهد الرجلين فقط بل أعدناه إلى ما لا يحصى من العلماء والعالمان إنما كلامهما زبدة كلام من سبق.
______________________________
فالفقه على قسمين :
(أ) فرض عين:
-يجب على كل مسلم أن يدرسه.
-لا يسع المسلم جهله فإذا فرط فيه الفرد يأثم.
(ب) فرض كفاية
-لا يجب على كل مسلم أن يدرسه.
-إذا درسه البعض سقط الإثم عن الكل لكن إذا فرط فيه جميع المسلمين يأثمون .
وفرض العين إنما يختلف باختلاف الشخص ، فثمة عادات يومية لا يسع المسلم جهلها :
-( مثال) الصلاة والطهارة والزكاة والحج .
-(مثال) فقه المعاملات إذا كان تاجرا .
-(مثال) أبواب الإجارة فالعلاقة التي بينك وبين سائق التاكسي علاقة إجارة ، فأنت تستأجره لينقلك من مكان لآخر ، والعقد لا تلزم فيه الكتابة.
هل معنى ذلك أنه يجب على العبد أن يعرف كل فرع في هذه الأبواب؟
- يجب عليك العلم بالمسائل الظاهرة فقط التي تعم بها البلوى.
- لا يجب عليك العلم بالخفيات ، بل تسأل فيها عالم.
كتب المصنف الله إلى باب الزكاة ولم يذكر الحج لأن الحج لا يتعرض له أكثر الناس.
بدأ المصنف الله بداية عقدية وهي أركان الإسلام الخمسة.
ومردها إلى حديث رسول الله ﷺ " بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق