موجز تاريخ الفلسفة
مجموعة من الأساتذة السُّوفييت
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: إن فهم تاريخ الفلسفة يتيح لنا فهم سيرة الفكر الإنساني وقانونية هذا العلم، ويساعدنا على استيعاب الخبرة التاريخية العظيمة في التعرف على العالم، ويُطلعنا على أشكال الفكر النظري ومقولاته، ويعلمنا المنهجية المثلى للتفكير، والأسباب الكامنة وراء الأخطاء النظرية لمفكري الماضي، ليحذر من تكرارها في المستقبل، ومن الذاتية والجمود على الصعيد النظري والعملي، وهذا يزرع الأمل والثقة بقوة العقل الإنساني، وقدرته على معرفة العالم واستجلاء قوانينه.
ودراسة الفلسفة كعلم، يساعدنا على إغناء ذاكرة الإنسان بالمعارف الفلسفية التي أبدعها الفكر البشري خلال مسيرته الطويل، وكذلك استيعاب وتطوير تقاليد هذا الفكر التي لعتب في صياغته الفكر والثقافة العالميين.
كما تساهم دراسة الفلسفة كعلم في تشكيل الوعي والقناعات العلمية، وبناء المنظومات التربوية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية، وفهم طبيعة العلاقات وحدودها، وتذوق المعاني الجمالية الرفيعة.
أما موضوع علم الفلسفة باختصار: فهو لون من ألوان المعرفة الإنسانية للعالم، وإذا أردنا تعريفها؛ فهي مجمل الآراء والتصورات عن القضايا العامة لتطور الوجود والوعي، وتفاعل الفكر مع الواقع، وهي تتطور مع تطور المجتمع والبيئات وطبيعة الحياة الاقتصادية والاجتماعية، وقد تحولت بحكم تطورها إلى علم مستقل له موضعه المميز.
أما تاريخ الفلسفة؛ فقد ظهرت في بلدان الشرق القديم قبل حوالى 3000 سنة، وفي ذلك الحين ظهر هناك اتجاهان متضادان: المادية، والمثالية.
ولنتحدث بشيء من التفصيل والإيجاز عن أبرز المدارس الفلسفية الحديثة، وما يتعلق بها:
أولاً: أهم المدارس الفلسفية الحديثة وتطورها وخصائصها:
بدأت الفلسفة الحديثة (من القرن السابع عشر) بالتحول عن الميتافيزيقا المدرسية نحو العقلانية والتجريبية.
العقلانية (Rationalism):
مؤسسوها/روادها: رينيه ديكارت، باروخ سبينوزا، غوتفريد لايبنتس.
تطورها: بدأت بديكارت الذي شك في كل شيء للوصول إلى اليقين ("أنا أفكر، إذن أنا موجود"). تطورت مع سبينوزا الذي سعى لبناء نظام فلسفي متكامل على أسس هندسية، ولايبنتس بفكرته عن المونادات.
مميزاتها: الثقة بالعقل كمصدر وحيد للمعرفة اليقينية، الاستدلال المنطقي والرياضي، الاهتمام بالميتافيزيقا (الله، الروح، العالم).
عيوبها: إهمال دور التجربة والحواس، صعوبة إثبات فرضياتها الميتافيزيقية بشكل تجريبي، الميل إلى بناء أنظمة مغلقة ومنفصلة عن الواقع المحسوس.
التجريبية (Empiricism):
مؤسسوها/روادها: جون لوك، جورج بيركلي، ديفيد هيوم.
تطورها: بدأت مع لوك بفكرة "الصفحة البيضاء" (Tabula Rasa) التي يولد بها العقل وتملؤها التجربة. بيركلي دفع بها إلى المثالية الذاتية ("أن توجد يعني أن تُدرك"). هيوم أوصلها إلى قمة الشك في السببية والاستقراء والميتافيزيقا.
مميزاتها: التركيز على التجربة الحسية كمصدر للمعرفة، نقد الميتافيزيقا والتكهنات العقلية البحتة، اهتمامها بعلوم الطبيعة.
عيوبها: صعوبة إثبات المعرفة الضرورية والكلية، الوقوع في الشك المطلق (هيوم)، صعوبة تفسير بعض المفاهيم المجردة (العدالة، الأخلاق).
الكانطية (الفلسفة النقدية):
مؤسسها: إيمانويل كانط.
تطورها: جاء كانط ليوفق بين العقلانية والتجريبية. أكد أن المعرفة تبدأ بالتجربة ولكنها لا تنشأ كلها منها؛ فالعقل يمتلك مقولات وقوالب جاهزة (كالمكان والزمان والسببية) ينظم بها المدركات الحسية.
مميزاتها: ثورة في الفلسفة الغربية، أسست لإمكانية العلم مع حفظ مكانة الأخلاق، فصلت بين عالم الظواهر (Phenomena) الذي يمكن معرفته وعالم الأشياء في ذاتها (Noumena) الذي لا يمكن معرفته، وقدمت أساسًا للأخلاق قائمًا على الواجب.
عيوبها: تعقيد نظامها الفلسفي، صعوبة فهم فكرة "الشيء في ذاته"، والانتقادات التي وجهت لها من قبل الفلاسفة اللاحقين بأنها لم تذهب بعيدًا بما يكفي.
ثانياً: التيارات التقليدية للفلسفة المثالية والنزعات الجديدة ومؤسسيها:
المثالية هي تيار فلسفي يؤكد أن الواقع في جوهره عقلي أو روحي، وأن الأفكار أو الوعي هي الأساس للوجود المادي.
المثالية التقليدية:
أفلاطون: يرى أن الواقع الحقيقي هو عالم المُثل العقلية الثابتة، بينما العالم المادي مجرد ظلال أو نسخ ناقصة لتلك المُثل. (ليست حديثة لكنها الأساس التاريخي).
جورج بيركلي: (مثالية ذاتية/روحية) يرى أن الوجود يقتصر على الوعي المدرك والأفكار المدركة؛ "أن توجد يعني أن تُدرَك" (Esse est percipi). الأشياء المادية لا وجود لها خارج الإدراك.
إيمانويل كانط: (مثالية متعالية/نقدية) يرى أننا لا نعرف الأشياء في ذاتها، بل نعرفها كما تظهر لنا من خلال مقولات عقلنا (المكان، الزمان، السببية). العقل هنا يلعب دورًا رئيسيًا في تشكيل الواقع الذي ندركه.
النزعات الجديدة (المثالية الألمانية):
يوهان غوتليب فيشته: (المثالية الذاتية) يعتبر "الأنا المطلقة" هي الأساس لكل الوجود، وأن العالم الخارجي هو نتاج فعل "الأنا".
فريدريش فيلهلم يوزف شيلنغ: (مثالية موضوعية/طبيعية) حاول تجاوز فيشته بالقول بوجود وحدة بين الذات والموضوع، أو بين الروح والطبيعة في "المطلق".
جورج فيلهلم فريدريش هيغل: (المثالية المطلقة) هو قمة المثالية الألمانية. يرى أن الواقع برمته هو تجلي لـ"الروح المطلقة" أو "الفكرة المطلقة" التي تتطور جدليًا عبر التاريخ (الديالكتيك) للوصول إلى وعي كامل بذاتها. كل التاريخ البشري، والثقافة، والدين، والفلسفة، هي مراحل في هذا التطور الجدلي.
مميزاتها (النزعات الجديدة): النظرة الكلية للوجود، التركيز على التطور التاريخي والجدلي، محاولة تفسير كل الظواهر (الطبيعية، الاجتماعية، الروحية) ضمن نظام واحد.
عيوبها: التعقيد والغموض، النزعة اللاهوتية أو الصوفية، اتهامها بفرض نموذج عقلي على الواقع بدلاً من استخلاصه منه.
ثالثاً: الفلسفة الاشتراكية الحديثة:
تركز على نقد الرأسمالية والدعوة إلى مجتمع يقوم على الملكية الجماعية لوسائل الإنتاج والعدالة الاجتماعية.
الماركسية (Karl Marx & Friedrich Engels):
المميزات:
المادية التاريخية: تفسير تطور المجتمعات عبر الصراع الطبقي على أسس اقتصادية (وسائل وعلاقات الإنتاج).
المادية الجدلية: تطبيق مبدأ الديالكتيك الهيغلي على المادة بدلاً من الفكرة، معتبرة أن التناقضات المادية هي محرك التغيير.
نقد الرأسمالية: تحليل آليات الاستغلال الرأسمالي (فائض القيمة)، وتوقع حتمية انهيارها.
الشيوعية كغاية: الدعوة إلى مجتمع بلا طبقات، بلا ملكية خاصة لوسائل الإنتاج، حيث يُعطى لكل حسب حاجته ويُؤخذ منه حسب قدرته.
العيوب:
المغالاة في الدور الاقتصادي، وإهمال عوامل أخرى (ثقافية، دينية، نفسية) في تطور المجتمعات.
فشل تطبيقاتها في الواقع في تحقيق مجتمعات مثالية.
الجمود العقائدي في بعض تطبيقاتها.
اللينينية (Vladimir Lenin):
تطورها: تطبيق وتطوير للماركسية في سياق روسيا القيصرية.
المميزات:
نظرية الحزب الطليعي: ضرورة وجود حزب شيوعي منظم ومهني لقيادة الثورة وتوجيه البروليتاريا.
نظرية الإمبريالية: تفسير الرأسمالية في مرحلتها الاحتكارية الأخيرة كـ"أعلى مراحل الرأسمالية"، حيث تتجه للسيطرة على العالم.
ثورة البروليتاريا وديكتاتوريتها: ضرورة قيام ثورة عنيفة، تليها فترة "ديكتاتورية البروليتاريا" لتحطيم الدولة البرجوازية وبناء المجتمع الاشتراكي.
العيوب:
التأكيد على المركزية والتسلطية، مما أدى إلى أنظمة شمولية.
قمع الحريات الفردية باسم مصلحة الثورة.
الفشل في بناء مجتمع شيوعي حقيقي.
رابعاً: الفلسفة البرجوازية في أوروبا:
مصطلح "الفلسفة البرجوازية" هو مصطلح نقدي ماركسي بالأساس يصف الفلسفات التي نشأت وتطورت في سياق صعود الطبقة البرجوازية في أوروبا، والتي تدعم مصالحها أو تعكس رؤاها للعالم.
مميزاتها/خصائصها:
الفردية: التركيز على الفرد وحقوقه وحرياته (مثل فلسفات الليبرالية).
حق الملكية: الدفاع عن الملكية الخاصة كحق طبيعي وأساسي.
العقلانية والأخلاق البروتستانتية: الثقة في العقل، والعمل الجاد، والنجاح الاقتصادي كعلامة على الفضيلة.
العقد الاجتماعي: فكرة أن الدولة تنشأ باتفاق بين الأفراد لحماية حقوقهم (لوك، روسو).
الديمقراطية الليبرالية: دعم الأنظمة السياسية التي تضمن الحريات الفردية والتنافس الاقتصادي.
التبرير الأيديولوجي للرأسمالية: بعض الفلسفات ساهمت في تبرير النظام الرأسمالي كأكثر الأنظمة كفاءة وعدالة (مثل الليبرالية الاقتصادية).
الواقعية والعلمية: الميل إلى الفلسفات التي تدعم التطور العلمي والتقني الذي يخدم النمو الاقتصادي.
عيوبها (من منظور نقدي):
تبرير الاستغلال واللامساواة الاقتصادية.
إعطاء الأولوية للمصالح الفردية على حساب المصلحة الجماعية.
تجاهل أسباب الفقر والبؤس الناجمة عن النظام الرأسمالي.
المحدودية الطبقية في رؤاها للعالم.
خامساً: الفكر التنويري وعلاقته بالفلسفة:
الزمان والمكان: القرن الثامن عشر، بشكل خاص في فرنسا وألمانيا وبريطانيا.
جوهر التنوير: حركة فكرية وسياسية واجتماعية ركزت على العقل والحرية والتقدم كقيم أساسية. شعارها "تجرأ على المعرفة!" (Sapere aude).
علاقته بالفلسفة:
العقلانية: استمرارية وتأكيد على دور العقل في فهم العالم وحل مشكلاته، ونقد الخرافات والتقاليد الجامدة.
نقد السلطة: هاجم فلاسفة التنوير (فولتير، روسو، مونتسكيو) السلطات الدينية والسياسية المطلقة (الملكية المطلقة، الكنيسة).
الحقوق الطبيعية: الدفاع عن حقوق الإنسان الطبيعية في الحياة، الحرية، الملكية.
التقدم: الإيمان بقدرة البشرية على التقدم من خلال العلم والمعرفة.
العقد الاجتماعي: تطوير نظريات العقد الاجتماعي كأساس للحكم الشرعي.
فصل السلطات: (مونتسكيو) فكرة فصل السلطات (تشريعية، تنفيذية، قضائية) لضمان الحرية.
التأثير: شكل التنوير الأساس الفكري للثورات الحديثة (الأمريكية والفرنسية)، وأثر بعمق في تطور الفلسفة السياسية والأخلاقية والعلمية الحديثة.
سادساً. فلسفة الشعوب الإقطاعية (في سياقات غير أوروبية محددة):
الفلسفة في الأنظمة الإقطاعية (حيث تسيطر طبقة نبيلة من ملاك الأراضي على الفلاحين) عادة ما تكون وثيقة الصلة بالدين والأخلاق التقليدية، وتهدف إلى ترسيخ النظام الاجتماعي القائم.
الصين (الإقطاعية التقليدية):
الكونفوشيوسية: هي الفلسفة المهيمنة. تركز على الأخلاق، العلاقات الاجتماعية (الحاكم والمحكوم، الأب والابن)، الواجب، الطاعة، الانسجام الاجتماعي، ونظام الحكم القائم على الفضيلة. لم تشجع على التغيير الجذري بل على الاستقرار والنظام.
الداوية (الطاوية): تركز على الانسجام مع الطبيعة (الطاو)، البساطة، التلقائية، والابتعاد عن تعقيدات المجتمع والسياسة. تأثيرها كان غالبًا في الفن والأدب والبحث عن الخلود، لكنها كانت أقل تأثيرًا مباشرًا على إدارة الدولة.
البوذية: دخلت لاحقًا وتفاعلت مع الكونفوشيوسية والداوية، وساهمت في مفهوم الكارما وإعادة الميلاد والبحث عن التحرر من المعاناة.
الهند (نظام الطبقات الإقطاعي):
الفلسفات الهندية التقليدية (المدارس الست): متجذرة في الفيدا والأوبانيشاد.
الفيدانتا: تركز على طبيعة البراهمان (الواقع المطلق) والعلاقة بين الروح الفردية (أتمان) والكونية.
اليوغا والسامخيا: تهتم بتحرير الروح من قيود المادة والجسم.
النياما والفايشيشيكا: تهتم بالمنطق والفيزياء الذرية.
الميمامسا: تهتم بتفسير الطقوس الفيدية.
البوذية والجينية: نشأت كنقد للبراهمانية ونظام الطبقات، ودعت إلى التحرر الفردي من خلال الممارسة الروحية والأخلاقية.
مميزاتها: التركيز على الميتافيزيقا، الدورة الكونية، الكارما، التناسخ، التحرر (الموكشا)، وتبرير النظام الاجتماعي الطبقي (الفارنات) في بعض الأحيان.
اليابان (الإقطاعية السامورائية):
الشنتوية: ديانة وفلسفة يابانية أصلية، تركز على تقدير الطبيعة والأرواح (كامي)، والأجداد، والولاء للإمبراطور.
البوذية (خاصة زن): دخلت من الصين وكوريا، وأثرت بعمق في ثقافة الساموراي، مؤكدة على الانضباط، التأمل، الوعي اللحظي، وتقدير الفن والجمال.
الكونفوشيوسية: دخلت أيضًا، وشددت على الأخلاق، النظام الاجتماعي، الولاء للسيد، ومفاهيم الشرف (بوشيدو).
مميزاتها: مزيج من الروحانية والطبيعة، الأخلاق العملية، الولاء، الشرف، والاستعداد للتضحية.
بيزنطة (الإمبراطورية الرومانية الشرقية):
فلسفتها كانت امتدادًا للفلسفة اليونانية (خاصة الأفلاطونية والأرسطية) ولكنها صُبغت بصبغة مسيحية قوية.
الآباء الكبادوكيون: حاولوا التوفيق بين الفلسفة اليونانية والعقيدة المسيحية.
اللاهوت المسيحي: كان هو المهيمن، ويركز على القضايا اللاهوتية (طبيعة المسيح، الثالوث، الخلاص).
مميزاتها: فلسفة دينية بالأساس، تهدف إلى الدفاع عن العقيدة المسيحية وتوضيحها، مع الاحتفاظ ببعض الأدوات المنطقية والميتافيزيقية اليونانية.
بلاد القوقاز (خاصة أرمينيا وجورجيا في العصور الوسطى):
تأثرت بشدة بالفلسفة اليونانية (خاصة الأرسطية والأفلاطونية المحدثة) واللاهوت المسيحي البيزنطي.
فلاسفة وعلماء مسيحيون: (مثل ديفيد الأناهت) ترجموا وعلقوا على أعمال الفلاسفة اليونانيين، وطوروا لاهوتًا وفلسفة خاصة بهم، غالبًا ما كانت تخدم أغراضًا دفاعية عن العقيدة أو توضيحية لها.
مميزاتها: دمج الفكر الفلسفي اليوناني مع التراث المسيحي القوقازي، الاهتمام بالمنطق واللاهوت والميتافيزيقا.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق