أول مرة أصلي
خالد أبو شادي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لعلّ أحدنا يحافظ على الصلوات الخمس في كل يوم وليلة، لكنه لا يدري أن بإمكانه أن يصلّي بشكلٍ آخر. يحفظ الفاتحة، ويعرف متى يركع ومتى يسجد، ويؤدي صلاته كما يؤدي المرء أمرًا اعتاده، حتى غدت جزءًا من روتينه اليومي. لكن هل سأل أحدنا نفسه يومًا: هل عرفت حقًّا مَن أقف بين يديه؟
منذ تلك اللحظة، لم تعد الصلاة مجرد ركعاتٍ تنتهي، بل صارت لقاءً ينتظره، وكلماتٍ يسمعها القلب قبل اللسان، وسجودًا نضع فيه أثقاله كلها بين يدي الله.
قد نصلّي سنواتٍ طويلة، ثم نكتشف أننا لم نصلِّ مرةً واحدة كما ينبغي؛ لأننا عرفنا حركات الصلاة، ولم نعرف أسرارها، وحفظنا ألفاظها، ولم نتدبر معانيها، ووقفنا بأجسادنا بين يدي الله، بينما كانت قلوبنا في مكانٍ آخر.
وحين يحضر القلب، تتغير الصلاة؛ يصبح التكبير انتقالًا من ضجيج الدنيا إلى سكينة القرب، والركوع خضوعًا، والسجود راحةً، والدعاء حديثًا لا يريد القلب أن ينتهي.
لذلك، لسنا بحاجة إلى أن نتعلم صلاةً جديدة، بقدر حاجتنا إلى أن نصلّي صلاتنا التي نعرفها بقلبٍ جديد. فربما كانت هذه هي المرة الأولى التي نصلّي فيها حقًّا. وهو ما يناقشه هذا الكتاب ويبحث فيه:
________________________________________________
مفاتيح الحلاوة:
أو سمها إن شئت دليل استخدام الكتاب، وهي أهم صفحة من صفحات الكتاب، لأنها تعلمك كيف تحول ما تقرأ إلى واقع حي ونتيجة ملموسة، وهي كما يلي:
(۱) قلما تجتمع الجودة مع السرعة
إذا أردت تمام الاستفادة من الكتاب وبالتالي من الصلاة، فأعط الصلاة وقتها، ولا تستعجل في أدائها، ولا تسرق منها، فإنها تسرق من خشوعك وتنهب من إيمانك، والصلاة بركة، وكم من معان لطيفة يفهمها المصلي أثناء صلاته ولم تكن قد خطرت بقلبه قبل ذلك، وكل هذا يدعوك إلى التمهل، فتمهل.
وليس التمهل أثناء الصلاة وحدها، بل مبكرا ومن قبل الصلاة، فأمرك نبيك إذا أردت الصلاة أن تأتيها وقد علتك السكينة لا مهرولا، لئلا تلج صلاتك وأنت مضطرب، تعلو أنفاسك وتهبط ومعها أفكارك، فقال: (إذا ثوب للصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأنوها وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا، فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة). [ صحيح رواه مسلم عن أبي هريرة كما في صحيح الجامع رقم: ٤٥٦، والتثويب: الإقامة].
أي: أنه في حكم المصلى، لذا ينبغي له اعتماد ما ينبغي للمصلى اعتماده، واجتناب ما ينبغي للمصلي اجتنابه.
(٢) التنويع أساس:
التكرار أول طريق الملل، والملل هو الذي يقود إلى السهو والغفلة عن معاني الصلاة، والنفس سريعة الملل، فإذا كررت نفس الأذكار التي تحفظها، وتفكرت في نفس المعاني كل مرة مللت الصلاة وهرب منك الخشوع، لذا ستقرأ أذكارًا كثيرة ومنوعة في هذا الكتاب لكل ركن من أركان الصلاة، وليس المطلوب منك أن ترددها جميعا في صلاة واحدة، بل تخير لكل صلاة ذكرا، وعش بين أنوار هذا الذكر، وتأمل معانيه، وعندما تعتاده ويتسلل إليك الشيطان عن طريق السهو؛ انتقل إلى غيره.
() خذ الكتاب بقوة
ليس المطلوب أن تقرأ الكتاب كله بسرعة ودفعة واحدة، بل المقصود أن تقرأ القليل وتتشرب معاني هذا القليل، ثم تعمل بهذا القليل فإنه يوصلك إلى الكثير بإذن الله .
(٤) سرعة التلبية انفع:
قم إلى الصلاة متى سمعت النداء، وبكر إليها ما استطعت، لتطرد هم الدنيا وتغرس بدلاً منه هم الآخرة، وتحظى بثمرة الرزق الروحي للصلاة مكافأة لك على جهدك، ومقابلة للإحسان بالإحسان.
(٥) الأماكن البهية والأوقات الذهبية
لاشك أن القلب يكون أكثر استعدادا وأقرب قبولا وأظهر روحا في الأماكن المقدسة كالمساجد خاصة لو كان أمام الكعبة أو في الروضة الشريفة، وفي الأزمنة المقدسة مثل رمضان بلياليه واعتكاف العشر الأواخر منه، مما يجعل العمل بهذا الكتاب فرصة سانحة وكنزا سهل المنال في ظل تفرغ طبيعي للعبادة وفراغ نفسي من كل الهموم الدنيوية وبركة لا تدانيها بركة أي وقت أو مكان آخر.
____________________________________________
* السرعة والبط
فأطل في الصلاة منفردًا، ولا تطل فيها إن كنت تؤم المصلين إلا إذا علمت أنهم يؤثرون التطويل، وهذا أصوب، وأقرب إلى السنة، وأدنى إلى الإخلاص وأرجى للمنال. وكثير من معاني هذا الكتاب تجدها في صلاة الفرد وفي النافلة حيث الإطالة كما تشاء والاغتراف من نهر السكينة وحدك، واعلم كذلك أن صلاة الجماعة أول النهار وأنت مشغول في عملك ليست كصلاة آخر النهار حين ترجع إلى البيت وتسنح لك فرصة التبكير إلى المسجد وصلاة السنة والاستعداد للصلاة، وواجبك أن تقتنص من كل صلاة أقصى ما تستطيع من غنائم وثمرات.
* حفظ الأذكار
لا بد لك من حفظ أذكار الصلاة المأثورة عن النبي ﷺ بأنواعها إن أردت ذروة حضور القلب، وقد اخترت لك الصحيح منها دون الضعيف، لتعيش أجواء الصلاة تماما كما عاشها رسولك من قبل، وتلهج بنفس ما نهج به فتقتفي أثره نفسًا بنفس، وركعة بركعة، وصلاة بصلاة.
* جوف الليل أخشع
لا شك أن جوف الليل أحب للرب وأقرب من الرحمة، وأبعث على حضور القلب، وأبعد عن الأشغال، وأدنى من الإخلاص، وأدعى الجمع الهم على الله، فضلاً عن أهم شيء يحدث فيه وهو نزول الرب سبحانه إلى السماء الدنيا ليستقبل كلام من أحبه وناجاه.
الخشوع من الإيمان، والإيمان يزيد وينقص، وبالتالي الخشوع يزيد وينقص یزید بالاشتغال بالعلم النافع والعمل الصالح، كما ينقص بمرض القلب ويذهب بموته، وذلك بالانصراف إلى الشبهات والشهوات، فإذا قل خشوعك في وقت من الأوقات فما هي غير جولة وبعدها جولات، وإذا زارك الفتور مرة فالمهارة أن تقصر فترة الزيارة، وتتدارك بسرعة بالإقبال على الطاعات لتكمل مشوار اللذة الإيمانية.
* ارفع سقف تطلعاتك
إذا لم تسع في زيادة خشوعك فسيهاجم الشيطان رصيدك الحالي من الخشوع ليقل، ثم يتضاءل رويدا رويدا حتى تفقد حلاوة الصلاة، وتتحول صلاتك إلى عبء ثقيل، ثم تكسل عنها وتؤخرها عن وقتها، والحل الذكي: أن تعلو لكي لا تهبط، وتزيد لثلا تنقص، وتتطلع دائما إلى مقامات أعلى من حضور القلب وإلا غاب، وأن تكون طموحا في خشوعك، ولا ترضى بأن تكون عاليا بل تسعى دائما إلى الأخشع.
ففي لحظات فتورك لا تطل صلاتك وبادر بها سهو الشيطان، لأنك إن أطلت فيها سهوت وغفلت، وفي لحظات المد الروحي والعلو الإيماني تكون الصلاة ربيعه أول مرة !!
______________________________________________
المقدمة
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد
أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله
يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ۱۰۲].
يَتَأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا ﴾ [النساء: 1].
يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عظِيمًا ﴾ [الأحزاب: ۷۰، ۷۱]
أما بعد:
فقد يسر الله لي الاطلاع على هذه الرسالة القيمة لابن القيم رحمه الله، وقد رأيتها أول ما رأيتها أثناء تصفحي لإحدى المواقع الإلكترونية، وقد اعتمد
(۱) رسالة أسرار الصلاة في موقع صيد الفوائد بعناية أبي عبد الله همام الجزائري.
أول مرة أصلي
ربنا لك الحمد سبحان إلى الأعلى الله اكبر سبحان ربي العديم .
القلب أطل ما شئت واغرف من معاني الصلاة ما استطعت، وأعطها حظها من السكينة والطمأنينة.
(١٢) في الفراغ والشغل
كان أبو الدرداء الله يقول: من فقه الرجل أن يبدأ بحاجته قبل دخوله في الصلاة ليدخل في الصلاة وقلبه فارغ
فاجتهد في تنفيذ هذه الوصية البهية لتنعم بالهدية، ولا تكن مشغولاً بدنياك قبل الصلاة وأثناء الصلاة وبعد الصلاة، وإلا سرقت صلاتك من بين يديك، و تسربت كنوزها أمام عينيك.
الله اكبر ميدان على المقيم اينالات الله سبحان ولي الأعلى
أول مرة أصلي
المعتني بها في إخراجها على ثلاث نسخ خطية لكتاب السماع لابن القيم من بلدان ثلاثة، وهي مصر والعراق والمملكة العربية السعودية، ولم أتوقف وقتها عندها كثيرا، ثم وفقني الله لزيارة بيته الحرام معتمرا، فرأيت الرسالة بعنوان آخر)، وقد أشار منتقيها إلى أنه اختارها من كتابين لابن القيم:
الأول: كتابه عن مسألة السماع، وقد قال ابن القيم في آخره: فهذه إشارة ما ونبذة يسيرة جدا في ذوق الصلاة.
الثاني: في كتاب ابن القيم عن الصلاة وحكم تاركها.
والرسالة مغمورة بين كتب ابن القيم الشهيرة، والفائدة منها لا توصف، وقد استفدت منها غاية الاستفادة في صلاتي، وأتاحت لي العمرة التفرغ للغوص في معانيها والتأمل في كنوزها ثم تطبيقها، وكانت هذه الرسالة من رزق العمرة الذي رزقنيه ربي، وأحسست أني لم أكن أصلي قبل هذه الرسالة، وصرت واقفا أمام الكعبة وكأني أصلي لأول مرة.
ولما رجعت من العمرة اطلعت عليها أكثر من مرة حتى عقدت العزم على نشرها لتعم الفائدة، لكنني تصرفت فيها وعالجتها برؤية مغايرة، وكان عملي في هذه الرسالة كالآتي:
(۱) الجمع بين الرسائل الثلاث، حتى تخرج هذه الرسالة جامعة الخلاصة الرسائل الثلاث، حيث وجدت اختلافا كبيرًا بين هذه الرسائل، وفي كل واحدة من الفوائد ما ليس في الأخرى، فجمعت الفوائد المتفرقة كلها في رسالة واحدة، فكانت هذه الرسالة التي بين يديك.
(۲) تبسيط لغتها لتناسب عموم الناس، فيسهل فهمها والعمل بها في ظل ما أصاب لغتنا العربية من هجمات جعل من الصعب على الكثير فهم بعض مفرداتها.
(٣) الإسهاب في شرح عبارات منها اختصرها ابن القيم لكنها ممتلئة، وتحمل بين طياتها معاني غزيرة، لذا رأيت أن أبسط هذه الفوائد، وأشرحها للناس.
(٤) أضفت إليها ما يتعلق بالصلاة من كتب ابن القيم الأخرى مثل: مدارج السالكين والفوائد وغيرهما، مما أثرى الرسالة وضاعف فوائدها.
(5) الإضافة إليها من عندي، حيث أضفت إليها الكثير من المعاني الروحية للصلاة، وشرحت فيها كثيرًا من أذكار الصلاة التي تصب في نفس هدف الرسالة.
(٦) أعدت صياغتها لتكون في صورة الأمر والنهي، وحتى يسهل اتخاذها برنامجا عمليا وخطة لإنقاذ خشوعنا الضائع وسط الزحام.
(۷) اختصرت منها كثيرًا مما جاء في مقدمتها وأواخرها عن فضل الصلاة وعبودية الجوارح، وهو كلام على نفاسته لا يصب في هدفي من التركيز على أركان الصلاة نفسها وأذكارها وحضور القلب فيها، وحذفت كذلك كل ما يتعلق بالنواحي الفقهية التي قد تقطع خط استرسال الكلام الروحي العذب.
وهي رسالة أوجهها إلى نفسي وإلى الأكثرية الغالية من المصلين الذين يصلون وسط كثرة فرطت في صلاتها فلم تصل بالأصل أو لم تحافظ على الصلاة، وأقل القليل من هؤلاء المصلين هو الذي يقيم للصلاة ركوعها وسجودها وخشوعها، ويلتذ بها، فإذا رأيت المسجد يغص بالمصلين فاعلم أن مقيمي الصلاة بينهم قلة، ولعلها نبوءة النبي ﷺ حين قال:
(أول شيء يرفع من هذه الأمة الخشوع حتى لا ترى فيها خاشعا).
والحال وصف به عمر بن الخطاب الله أهل زمانه فقال: «الحاج قليل والركب كثير»، فكيف بأهل زماننا ؟! وهو زمان رق فيه الورع وقل الخشوع
قدر الإسلام عندك
قال الإمام أحمد بن حنبل:
إنما قدرهم من الإسلام على قدر حظهم من الصلاة، ورغبتهم في الإسلام على قدر رغبتهم في الصلاة، فاعرف نفسك يا عبد الله واحذر أن تلقى الله ولا قدر للإسلام عندك، فإن قدر الإسلام في قلبك كقدر الصلاة في قلبك.
ورجائي في الله كبير أن يغير حالكم أيها القراء بعد القراءة، ويورثكم الخشوع مع قراءة آخر صفحة من هذا الكتاب إن شاء الله، وأن تحسوا بما أحس به نبيكم من قبل من أحاسيس مبهجة ومشاعر مفرحة حين قال: وجعلت قرة عيني في الصلاة.
والخشوع مفتاح الاستقامة الكلية وبوابة الهداية لسائر أعضاء الجسد كما أوضح ذلك الإمام الجنيد حين قال: «الخشوع تذلل القلوب العلام الغيوب، والقلب أمير البدن، فإذا خشع القلب، خشع السمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء، وما نشأ عنها حتى الكلام.
والخشوع يقظة نفسية دائمة الخلجات القلب ولفتاته حتى لا يتفلت، وحذر يقظ من هواجسه ووساوسه حتى لا يضل، واحتياط من سهواته وغفلاته خشية أن يزيغ وتعتريه القساوة أو الموت.
والخشوع من أنفع العلوم وأجلها لأنه يوجب خشية القلوب، وقد كان ﷺ يستعيذ من علم لا ينفع، وقلب لا يخشع، ودعوة لا تسمع، فإن القلب الذي لا يخشع علمه لا ينفع، ودعاؤه لا يسمع.
وهو أوجب للدعاة، فإذا لم يكن الخشوع صفة الدعاة وحالهم اليوم، فإن الخطب جلل، والمصيبة عظيمة، والإصلاح المرتقب أبعد، وهداية الناس وهم، وبالتالي فذنب هؤلاء المصلحين مضاعف، وجريمتهم أفظع، وكم أصيب الإسلام بأيدي أبنائه كما أصيب بحراب أعدائه.
وكل راع مسئول عن رعيته، لذا كانت مسئولية الآباء والأمهات عن خشوع أبنائهم مضاعفة، ولما رأى مالك بن دينار رجلاً يسيء صلاته فقال: ما أرحمني بعباله، فقيل له: يا أبا يحيى.. يسيء هذا صلاته وترحم عياله !! قال: إنه كبيرهم ومنه يتعلمون.
الطمع المستحب
لكني أطمع من وراء هذه الرسالة في أكثر من الخشوع بكثير، ويتعدى هدفي من هذه الرسالة الصلاة إلى ما بعد الصلاة، ألا إن هدفي البعيد هو:
إقبال العبد على ربه سبحانه في سائر شئونه، حتى لا يقطع أمرا دونه، وتكميله حقوق عبوديته ظاهرا وباطنا على الوجه الذي يرضاه الرب سبحانه.
غرس بذور التربية الذاتية في القلب، بأن تتعلم أن تخشع دون أن تعبأ بغيرك ولو كنت الخاشع الوحيد في مسجدك أو جامعتك أو عملك أو قريتك أو مدينتك، فتتربى على أن تستقيم ولو انحرف الكون كله، ويضيء قلبك ولو عم الظلام قلوب من حولك.
التربية على المسئولية الفردية واستشعار المحاسبة الفردية والتهيؤ للوقوف أمام الله يوم القيامة كما وقفت بين يديه في الصلاة في الدنيا.
المشاركة في إحياء الأمة ونصرتها عن طريق صلاة الخاشعين وتضرعهم، وما أحوجنا اليوم إلى دعوة صادقة من قلب منيب تخرق أطباق السماء لتمسح ما حل بالمسلمين من ألوان الشقاء.
ليست الصلاة إذن حركات تستغرق ساعة من اليوم أو بعض ساعة ثم ينقضي الأمر وتغور معاني الصلاة في أعماق النسيان، لكنها باختصار حركة تصحيحية وثورة تغييرية تستهدف تعديل مسارك في الحياة وتصحيح وجهتك وتعيد صياغتك الجديدة على عين الله أفهامهم وقصودهم، وهم أهل الصراط المستقيم الذين أمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة) .
فهل يدرك الكتاب هدفه القريب والبعيد ؟! وهل يحدث الدواء أثره فيكم معاشر القراء ؟! اللهم آمين.
وتأمل ما في إسناد فعل الإنعام إلى ضمير الجلالة من إشادة بشأن المنعم عليهم ورفعة قدرهم؛ خلافًا لغيرهم من المغضوب عليهم والضالين، وفيه أيضًا أدب مع ا الله حيث نسب الإنعام والهداية إلى الله تعالى، والغضب حذف فاعله أدبا، وأسند الضلال إلى العبيد.
لأول مرة أراجع ذاكرة أيامي وصحيفة أعمالي وأشعر بالخوف من أن أكون ممن عرف شيئا من الحق ثم نكص عنه فيغضب الله علي، أو ممن زين له الشيطان باطله فرآه حقاً وسيء عمله فرآه حسنا فأكون من الضالين.
التأمين ورفع اليدين
ثم اشرع في التأمين آخر هذا الدعاء تفاؤلاً بإجابته وحصوله، وطابعا عليه، وأصغ لتأمين الملائكة معك، فقد قال النبي ﷺ: «إذا قال الإمام: {غير الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} فقولوا آمين، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه».
وهذا التأمين ينطق به المصلون في الجماعة في نفس واحد ولسان واحد، ليعلنوا وحدة الأمة الرائعة، ونظامها الفريد الذي لا تقدم فيه ولا تأخر، ولهذا اشتد حسد اليهود للمسلمين عليه حين سمعوهم يجهرون بالتأمين في صلاتهم.
قال ﷺ: (ما حَسَدَتُكم اليهود على شيء ما حسدتكم على السلام والتأمين).
يحسدوننا على الصلاة وبيننا اليوم من لا يصلي !! يحسدوننا على نعمة يركلها بعضنا اليوم بقدمه؛ فلا يصلي أو يصلي جسده وقلبه غير مصل !! يحسدوننا على كلمة واحدة من كلمات الصلاة فكيف بسائر الصلاة؟! لعلنا نراجع بذلك نفوسنا ونعرف قدر صلاتنا لننزلها ما تستحق.
فاتحة الكعبة الكعبة
قال محمد الحمصي: رأيت ابن أبي الحوارى فلما صلى قام يصلي فاستفتح بـ ﴿ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إِلى ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ﴾ فطفت حول الكعبة كله ثم رجعت، فإذا هو لم يتجاوزها فلم يزل يُردِّدُها حتى الصبح.
الركوع
ثم ارفع اليدين عند النزول للركوع تعظيماً لأمر الله، ولتمكين اليدين من المشاركة في هذه العبودية الخاصة كعبودية باقي الجوارح، واتباعاً كذلك لسنة النبي ﷺ.
ثم اشرع في التكبير الذي هو في انتقالات المصلي من ركن إلى ركن كالتلبية في انتقالات الحاج، من مشعر إلى مشعر، فهو شعار الصلاة، كما أن التلبية شعار الحج.
ثم اهبط له راكعاً، والركوع خضوع بظاهر الجسد، ولهذا كانت العرب لشرفها ومكانتها تأنف منه ولا تفعله، حتى روي أن حكيم بن حزام الله بايع النبي أن لا يخر إلا قائما أي لا يركع الله.
فانزل برأسك استكانة لهيبة الله وتذللاً لعزته، وهو ما تعبر عنه حركة جوارحك حين تحني له صلبك، وتخفض قامتك، وتنكس هامتك، وتكبره معظماً له، ناطقا بتسبيحه مقترنا بتعظيمه، لذا إن شئت سميت الركوع ركن:
الخضوع للعظمة
ولهذا قال النبي ﷺ عنه: (فأما الركوع فعظموا فيه الرب). ففي الركوع خضوع القلب، وخضوع الجوارح، وخضوع اللسان على أتم الأحوال.
وانشد كمال العبودية في الركوع بأن تتصاغر وتتضاءل لربك، بحيث يمحو تصاغرك لربك كل تعظيم في قلبك لنفسك أو للخلق، ويثبت مكانه تعظيمك الله وحده الذي لا شريك له.
وكلما استولى على قلبك تعظيم الرب وقوي؛ خرج منه تعظيم الخلق، وتصاغرت لديك نفسك، فالركوع في الحقيقة ركوع القلب، وإنما الجوارح أتباع له وجنود.
مفتاح الخضوع أذكار الركوع
واحفظ أذكار الركوع عن ظهر قلب، لأنها نعم المعين لك على استحضار عظمة الرب الجليل والخضوع له، وقد كان النبي ﷺ يطيل الركوع كإطالته للقيام تماما لأنه كان يكرر هذه الأذكار في تأن وتدبر، ولقد اخترت لك منها أربعة أدعية - تضاف إلى سبحان ربي العظيم - توصلك إلى الهدف:
(سبحان ذي الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة)
والجبروت: من الجبر بمعنى القهر والغلبة فيقصم الجبارين والمتكبرين أو بمعنى جبر الكسر فيرحم المظلومين ويجبر خواطر المكروبين، أو بمعنى العلو فلا تناله الأفكار ولا تصل إلى كنهه العقول.
والملكوت: وهو الملك الظاهر لنا من آثار قدرته ودلائل عظمته، والملك الغائب عنا من الكرسي والعرش والجنة والنار وسائر مشاهد الغيب.
والكبرياء: هو الترفع عن الانقياد، وهو صفة مذمومة في في حق البشر، لكنها صفة مدح في حق الرب سبحانه، وهو نابع من كمال الذات وكمال الوجود، لذا فهو سبحانه المتفرد بالكبرياء وحده، فقد قال: (الكبرياء ردائي، فمن نازعني في ردائي قصمته).
ولذا لا يسمح الله لأحد من خلقه أن يشاركه ولو في ذرة من هذا الكبرياء، بل وحرم عليه أن يدخل الجنة عقوبة مغلظة لمن كان في قلبه ولو مثقال ذرة من كبر .. نعم مثقال ذرة !!
(اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت، خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي).
بك آمنت: وفي تقديم بك إشارة إلى التخصيص، ولك أسلمت أي لك ذللت وانقدت، وخشع أي خضع وتواضع وسكن لك، «سمعي»: فلا يسمع إلا ما يُرضيك، فلا أسمع لغوا ولا غيبة ولا فاحش قول أو غناء، وبصري»: فلا يخون من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ولا ينظر إلى الحرام، وتخصيص السمع والبصر من بين الحواس لأن أكثر الآفات والشواغل والملهيات منهما، فإذا خشعتا قلت الوساوس، ثم يأتي كمال الخشوع والخضوع في ظهور أثره على المخ والعظم والعصب وكل خلية في الجسد.
واحذر أن يخالف حالك خارج الصلاة قولك داخلها، فتتمرد على الله ولا تخضع لأوامره ونواهيه، وإياك أن تظل مُصِرًا على مخالفة أمر من أوامره صغيرًا كان أو كبيرًا، وإن توالت منك المخالفات والخروقات فماذا كان معنى ترديدك في الصلاة: (خشع لك سمعي وبصري ومخي وعظمي وعصبي)
أنسيت بعد الصلاة ما عاهدت الله عليه في الصلاة؟! أم ظننت الخضوع كلمة تلوكها الألسنة دون أن تعرف طريقها إلى العمل ؟! ألا تستطيع أن تكون رجلا وعلى مستوى الكلمة التي وعدت بها الله ؟! أما حان لك أن تعلن خضوع كل عباداتك ومعاملاتك وأخلاقك لشرع الله ؟!
أكنت تكذب على ربك وأنت بين يديه ؟! أم كنت تردد ما لا تفهم معناه؟! لو كنت أجنبيا لا تفهم العربية لكان لك بعض العذر، فكيف والقرآن نزل بلسانك، لذا كان كتاب الله في حقك أيها العربي حجتين اثنتين لا حجة واحدة؛ مرة لأنه خطاب ربك، ومرة ثانية لأنه أنزله بلغتك.
أيها الراكعون .. راجعوا ركوعكم قبل أن ترفعوا رؤوسكم.... أيها الراكعون .. أحنيتم ظهوركم ونسيتم قلوبكم والقلب أولى .... يا من ركع وما ركع لأنه ما خضع، وتاه عن طريق الهداية وما رجع: أنقذ نفسك !! الكون كله والخلائق بأسرها خضعت ولم يبق إلا أنتم أيها البشر فمتى تتأدبون وتقدرون الله قدره وتخشعون!!
لأول مرة أعرض حصائد سمعي وبصري ومخي على لأول قلبي، وأحاسب نفسي عن كل ما دخل سمعي هل هو مما يرضي الرب سبحانه، وهل صنت بصري من صور العري التي عمت حولي وطغت وأعيت، وهل قطعت على الشيطان طريقه وأحبطت محاولات إفساده من البداية؛ حين حميت محي من التفكير في الحرام والشغف بالحرام والتخطيط للحرام، فإن معرفة الداء أولى خطوات العلاج.
المتمردون
يا من لم ترتدي الحجاب أو ارتديتيه دون أن تتأدبي بآدابه وتراعي قدسيته فتزينت للرجال وتعطرت لتلفتي الأنظار، هل خضعت الله ؟ يا من تلوث ماله بالربا وجنى منه ما يُسميه بالفوائد وهو أصل المضار، هل خضعت الله ؟ يا من أطلق العنان لبصره وأرخى الزمام لشهوته وتتبع خطى هواه واقتفى أثر الشيطان، هل خضعت الله ؟!
يا من كنز ماله فما هل خضعت لرب المال ورازقه ؟!، فما أخرج زكاته، وبخل عن نفسه فما جاد بالصدقة، يا من ساء خُلقه وأذى جيرانه وأقرانه حتى هجروه واجتنبوه وما كلموه، هل خضعت الله ؟!
(سبوح قدوس رب الملائكة والروح).
سبوح: هو المسبح أي المبرأ من النقائص والشريك والولد وكل ما لا يليق به.
قدوس: من القدس، والتقديس هو التطهير، والأرض المقدسة: الأرض المطهرة، وسميت الجنة حظيرة القدس، لأنها مُطهَّرة عن آفات الدنيا، وسُمِّي جبريل روح القدس لأنه طاهر من العيوب في تبليغ الوحي المطهر من كل ما لا يليق بالخالق.
ومن عجيب ما جاء في تعريف القدوس أنه المنزه عن أوصاف الكمال.. فأنت إذا أردت أن تثني على ربك نسبت إليه الكمالات التي تعرفها، لكنه سبحانه منزه عن الكمالات البشرية التي يتصورها عقلك القاصر، والتي قد تصلح أن تُنسب لنفسك أو للبشر حولك، لكنها لا تليق بالخالق سبحانه.
وهذا القصور في تصور الكمال لأنك بشر وتفكيرك تفكير بشر، لكنه سبحانه لا تصل إلى عظمته العقول والأفهام، فكل ما خطر ببالك من درجات الكمال، فالله بخلاف ذلك لأنه أعلى وأجل من ذلك، وقريب من هذا قول الشاعر:
ألم تر أن السيف ينقص قدره … إذا قلت إنَّ السيف أمضى من العصا
وقوله رب الملائكة والروح، كذلك مما يساعدك على تعظيم الرب التأمل في عظمة خلقه، وهل أعظم من خلق الملائكة ؟! والروح هو جبريل عليه السلام، وهذا من التخصيص بعد التعميم، ويكفيك قراءة هذا الحديث لتعلم عظمة خلق ملك واحد من الملائكة، قال: أذن لي أن أحدث عن ملك من حملة العرش رجلاه في الأرض السفلى وعلى قرنه العرش، وبين شحمة أذنه و عاتقه خفقان الطير سبعمائة عام.
وكأن المعنى: كيف لا تخضع له وقد خضع له من هو أعظم منك خلقا حتى از دحمت بهم السماوات، فما من موضع قدم إلا وملك واضع جبهته ساجد الله.
الخضوع المؤقت !!
اسأل نفسك في جلسة صفاء وحضور قلب ونقاء:
هل أخضع الله بكل جوارحي وكياني في رمضان ثم أنساه بعد رمضان؟!
هل أرتدي الحجاب في موسم الحج والعمرة ثم أخلعه بعدهما ؟!
هل أرجع إلى الله تائبا مستغفرا تحت وطأة المرض والفقر حتى إذا شفاني وأغناني نسيته وهجرته ؟!
هل أبكي ويرق قلبي عقب موت قريب أو دفن حبيب ثم ما أسرع ما يلهيني الدينار وتعاقب الليل والنهار؟! وأمام بريق الذهب أكتشف أن أثر الذكرى قد ذهب !!
(سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي)
وهو الدعاء الذي ما تركه رسول الله ﷺ في صلاة قط كما روت ذلك أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها حيث قالت: ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} [النصر: ١] يصلي صلاة إلا قال فيها: (سبحانك ربي وبحمدك، اللهم اغفر لي).
يعلمنا بذلك الثبات على الطاعة وعدم التراجع عنها مهما تكن الظروف.
وطلب المغفرة نتيجة عملية وثمرة طبيعية للخضوع الله، وقولك: وبحمدك أي أسبح الله متلبسا بحمدي له على توفيقه، فبقوتك التي هي نعمة تسحق الحمد سبحتك لا بحولي وبقوتي، والتسبيح إشارة إلى صفات الجلال، والتحميد إشارة إلى صفات الكرم.
ومن معاني هذا الدعاء: أنزه الله عن جميع النقائص وأحمده بجميع الكمالات، وهو من تقديم التخلية على التحلية، فقدم التسبيح الدال على التخلية على التحميد الدال على التحلية، وتقديم الثناء والمدح أرجى الإجابة دعاء: «اللهم اغفر لي».
ومع أن هذا الدعاء مشروع في الركوع والسجود، إلا أن طعمه في الركوع مختلف عن طعمه في السجود، ففي الركوع يرتبط هذا الدعاء ارتباطا وثيقاً بهدف الركوع وهو الخضوع للعظمة، وهو بمعنى أن الله بعظمته لا يُعجزه أن يغفر لك ذنوبك ولو كانت كالجبال الشاهقات، ومن شك في إمكانية غفران الله له ذنبه فقد اتهم الله في عظمته وطعن عليه في قدرته، أما عن ترديد هذا الدعاء في السجود فهو مرتبط بالتذلل لله والافتقار إليه.
ولشرف التسبيح وفضله سُمِّيت صلاة النافلة سبحة لاحتوائها على التسبيح؛ ومنه قوله: واجعلوها سُبْحَةً)، ومنه سميت صلاة الضحى: سبحة الضحى، حتى رُوي أن عمر بن الخطاب الله جلد رجلين سبحا بعد العصر أي صليا نافلة.
وبتقلبك بين هذه الأدعية الأربعة إضافة إلى سبحان ربي العظيم» تصل إلى هدف الركوع الذي أسميناه آنفًا: الخضوع للعظمة، وإن لم تصل إلى هذا المعنى في ركوعك فلا ترفع رأسك منه حتى تتذوقه.
الأول أراجع نفسي في تحقق خضوعي الله؛ هل هو في سري مثل هوة جهري أم أني خائن له في السر ؟! هل هو في جدي مثل هزلي أم أن هزلي يعتريه الإفراط والاعتداء والكذب ؟! هل هو في حالات هدوئي مثل غضبي أم أن غضبي من النوع الأعمى الذي أطيح فيه بأدب الإيمان وأجرح من حولي ؟! وهكذا في سائر أحوالي وأوقاتي، وبذا أحدد الخروق والتجاوزات ثم أسعى حثيثا فور أن أسلم في رتقها ومعالجتها بعون الله وتوفيقه.
.. إشراقة ..
قال أويس القرني: لأعبدن الله في الأرض كما تعبده نورانية الملائكة في السماء، فكان إذا استقبل الليل قال: يا نفس... هذه ليلة القيام، فيصف قدميه حتى يصبح، ثم يستقبل الليلة الثانية، فيقول: يا نفس.. هذه ليلة الركوع، فلا يزال راكعاً حتى يصبح، ويستقبل الليلة الثالثة، فيقول: يا نفس.. هذه ليلة السجود، فلا يزال ساجدًا حتى يصبح.
القيام من الركوع
ثم انتقل إلى مقام الاعتدال والاستواء، رافعا يديك، واقفا في خدمة ربك وبين يديه كما كنت في حالة القراءة، واستبشر بقولك: سمع الله لمن حمده، فمعناه: سمع سمع قبول وإجابة، ثم احمد الله على ما حرم منه غيرك كما فعلت في الفاتحة.
ولهذا الاعتدال طعم خاص وحال يتذوقه القلب غير طعم الركوع وحاله، وهو ركن مقصود لذاته كركن الركوع والسجود سواء، ولهذا كان رسول الله يطيله كما يطيل الركوع والسجود، ويُكثر فيه من الثناء والحمد والتمجيد، ويقول فيه:
(ربنا ولك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد).
ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما: أي ملء العالم العلوي والسفلي والفضاء الذي يملأ ما بينهما، فهو ليس أي حمد بل حمد يملأ الكون والوجود.
وملء ما شئت من شيء بعد: وهذا يشمل ما فوق تصورات العقل وإدراكاته مما فوق السماوات وتحت الأرض، ويشمل كذلك الخلق الذي سيخلقه الرب بعد ذلك، فحمده يملأ كل موجود وكل ما سيوجد، وهذه العبارة تشمل المكان والزمان المكان الموجود الآن والزمان المستقبل.
أهل الثناء والمجد: لتعود إلى ما افتتحت به الصلاة من الحمد والثناء والمجد، لتستمر جرعات التعظيم تسري في قلبك لا تزول بل تتجدد مع تتابع أركان الصلاة حتى تبلغ ذروتها عند انقضاء الصلاة.
أحق ما قال العبد واعلم أن هذا الدعاء أصدق قول قاله العبد، وأحق قول نطق به البشر، فليس فيه ذرة واحدة من كذب أو زيف أو ادعاء، فهو سبحانه أحق من أثني عليه، وأحق من مجد، وأحق من استحق صفات التقديس والإجلال.
اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت: فاغرس في قلبك اليقين بأنه المتفرد بالمنع والعطاء، وأنه إذا أعطى لم تطق السماوات والأرض بمن فيهن أن تمنع عطاءه، وإذا منع لم تطق السماوات والأرض ومن فيهن إعطاء من منعه.
..لأول مرة..
لأول مرة أوقن بما قسمه الله لي، ويطمئن قلبي على رزقي وأجلي، فلا أقلق أو أضطرب، ولا أحقد على غيري أو أحسده، بل يمتلئ قلبي بالرضا والتسليم الذي غرفت منه حين نهلت من معين الصلاة.
ولا ينفع ذا الجد منك الجد: أي لا ينفع عنده ولا يخلص من عذابه ولا يدني من كرامته حظوظ بني آدم من الرئاسة والملك والغنى والسلطة والجاه، إنما ينفعهم التقرب إلى الله بطاعته وإيثار مرضاته فحسب.
فعش في أنوار هذا الدعاء، أو اختر الدعاء الذي تتسابق الملائكة في رفعه إلى الله جل في علاه، فعن رفاعة بن رافع الزرقي الله قال: كنا يوما نصلي وراء النبي، فلما رفع رأسه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، قال رجل وراءه ربنا ولك الحمد حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: من المتكلم، قال: أنا، قال: (رأيت بضعة وثلاثين ملكا يبتدرونها أيهم يكتبها أول).
يعني أن كل ملك منهم أسرع ليكتب هذه الكلمات قبل الآخر ويصعد بها إلى حضرة الله تعالى لعظم قدرها.
أو لك أن تختصر القول في قيامك بقولك: (اللهم ربنا لك الحمد).
فإن حدث ووافق حمدك حمد الملائكة من حولك فيا بشراك بمغفرة خطاياك.
قال النبي: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، فإنه من وافق قوله قول الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه.
حين تكلمت الصلاة!!
. أنا هديتك التي أرسلت بها إلى ملك الملوك، فهل ترسل إلى ملك الملوك هدية فارغة ؟! وهل تبعث إلى أغنى الأغنياء بسلة خاوية؟! أخي.. أنت وحدك من تملك حرية الاختيار في تحديد نوع هديتك وتجميلها أو تلطيخها، والله طيب لا يقبل إلا طيبا، وصلاة ليس فيها خشوع ليست من الطيب، فكيف تقبل ؟!
أنا وصية رسول الله ﷺ لك وهو على فراش الموت، وأنا عهده إليك، فهل نفذت وصيته ؟! وهل رعيت ذمته ؟! وهل وضعت في قائمة أعمالك وجدول أولوياتك الاستعداد لليوم الذي يلقاك فيه فيسألك عن ما فعلت من بعده؟!
أنا صلتك التي تصلك بربك ومع ذلك ضيعتني وأهنتني وما عرفت قدري ولا مكانتي؛ بل تركتني وسهوت.. أنا الحبل الذي يربطك بالجنة ولولاي لضللت الطريق عنها؛ ومع ذلك هجرتني ولهوت.
أنا أول سؤال من أسئلة حسابك يوم الجزاء، فإن عجزت عن إجابته أو أسأت في إجابته هلكت، وما نفعك باقي صالح الأعمال ولو كان كالجبال.
أنا المنافحة عنك في ظلمة القبر، أنا التي ترد عنك ملائكة العذاب وسوء الحساب، أنا خير حارس لك؛ فأصلح ما بيني وبينك حتى أصدق في حمايتك، ولك مطلق الحرية: إن أحسنت فلنفسك وإن أسأت فعليها.
أنا شارة القرب من الله، وإذا كانت الملوك تعد من أرضاها بالأجر والقرب، كما قال السحرة لفرعون: ﴿ إن لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين ﴾ [الشعراء: ٤١]، فأجابهم: {نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [الأعراف: ١١٤ ]، فما ظنك بكرم الله وهو الخالق جل في علاه ؟!
أنا نهرك الذي تغتسل به كل يوم خمس مرات ليطهرك من الموبقات، فإذا اتسخت بذنوبك وتدنست بغفلاتك، فصدقني !! ليس لك غيري يغسلك ويزكيك، ويُعيد إليك سابق طهرك وينقيك.
أنا عماد الدين، والعمود الفاصل بين الإسلام والكفر، وقد قدمني ربي على سائر العبادات، وأوجب قتل من هجرني، فهل تظن كل هذه العظمة لي من تحريك اللسان دون مشاركة القلب ؟! وصلاح الظاهر دون الباطن ؟! وأي معنى لتحريك لسانك إذا مات قلبك ؟!
أنا غذاء القلب، وقلبك إذا خلا من الغذاء الرباني من ذكر الله ومعرفته وحبه يبس، وإذا يبس القلب ضربته نار الهوى وحرارة الشهوة فازداد قساوة وغلظة، وعندها تيبس الجوارح تبعا ليبوسة القلب؛ وتمتنع أغصان الجوارح عن الامتداد نحو القربات إذا مددتها، والانقياد لك إذا قدتها، فلا تصلح بعد هي والقلب الذي يقودها إلا للنار ﴿فوَيْلٌ للْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ أَوْلَئك في ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [الزمر: ٢٢].
أنا إحدى أهم وقفتين تقفهما بين يدي مولاك: موقف الصلاة وموقف القيامة، فإن أحسنت في الأولى هانت عليك الثانية وإلا .. فالموقف أهول من أن يوصف.
على موائد السجود
ثم كبر الله وخر له ساجدا، ولا ترفع يديك وأنت تسجد، لأن اليدين ينحطان للسجود كما ينحط الوجه، فلما هبطا لعبوديتهما؛ أغنى ذلك عن رفعهما، ولذلك لم يُشرع رفعهما عند القيام من السجود، لأنهما يرفعان معه كما يوضعان معه.
والسجود أبلغ هيئات العبودية، وتأمل الحكمة في أمرك بالسجود إذ أمرك الله بالسجود خشوعا وتذللاً بين يديه، ليردك بذلك إلى أصل العبودية وأعلى درجات الاستكانة إن كانت قد سرت فيك نزعة كبر أو نفخة استعلاء.
الوجه حين قال: {سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثر السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩]، ويكفي السجود شرفًا أن الله جعل علامته في أشرف أعضاء الإنسان وهو فسر مجاهد هذه العلامة بأنها الخشوع، وفسرها غيره بأثر الخشوع وهو النور والبهاء الذي يعلو وجوه الساجدين.
ويكفي السجود فضلا أن النبي ﷺ يعرف أمته يوم القيامة بكونهم غرا من أثر السجود أي بيض الوجوه منه، فمن كان أكثر سجودا في الدنيا كان وجهه أعظم ضياء وأشد إشراقا من غيره يوم القيامة، فيتعرف عليه النبي ﷺ أسرع من غيره، وقد سجدت الأمم من قبلنا فلم يظهر على جباههم شيء، فتلك علامة مميزة لهذه الأمة في موقف الحشر تعرف بها بين الأمم.
ويكفي السجود كرماً أن الله حرم على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود.
وظائف السجود الستة
الذل والافتقار
مكن أعز أعضائك وهو الوجه من أذل الأشياء وهو التراب، لتتدارك ما نزل بك من الهفوة والغفلة والإعراض الذي خرج بك عن أصلك يا ابن التراب.
وأقرب باب يدخل منه العبد على الله تعالى هو الإفلاس، فلا يرى لنفسه حالا ولا مقاما يمن بها على ربه أو يتطاول بها على خلقه، بل يدخل على الله تعالى من باب الافتقار الصرف والإفلاس المحض؛ دخول من كسر الفقر والمسكنة قلبه حتى وصلت تلك الكسرة إلى سويدائه فانصدع، وشملته الكسرة من كل جهاته، وشهد أن في كل ذرة من ذراته الظاهرة والباطنة فاقة تامة وضرورة كاملة إلى ربه تبارك وتعالى، وأنه إن تخلى عنه الله طرفة عين هلك وخسر خسارة لا تجبر إلا أن يعود إلى مولاه ليتداركه برحمته.
وإن أمكنك أن لا تجعل بينك وبين الأرض حائلا فتسجد على الأرض مباشرة فافعل، فإن ذلك أجلب للخشوع وأدل على الذل، وقد كان النبي ﷺ لا يتقي بوجهه الأرض قصدًا بل يسجد عليها بلا حائل، ولذا سجد في الماء والطين مبالغة في التواضع والتذلل لله، فإذا اتفق لك ذلك فافعل، وتيقن أن الأرض سترد إليك يوما ما هذا الجميل كما حكى ذلك عطاء الخراساني: ما من عبد يسجد لله سجدة في بقعة من بقاع الأرض إلا شهدت له يوم القيامة وبكت عليه يوم يموت.
وأعط كل عضو من أعضائك حظه من الذل والعبودية، فضع رأسك بالأرض بين يدي ربك، راغما له أنفك معفّرًا وجهك، وقد سجد معه أنفك، ويداك، وركبتاك، ورجلاك.
وارفع بطنك عن فخذيك، وفخذيك عن ساقيك، وعضديك عن جنبيك، ولا تضعهما على الأرض ليستقل كل عضو من أعضائك بالعبودية، ويأخذ كل جزء منك حظه من الخضوع لا أن يحمل بعضهم بعضا، وبهذا تبلغ غاية خشوع الظاهر.
عبور الحدود
وهو افتقار يتجاوز حدود الصلاة إلى ما بعد الصلاة ليغمر جميع لحظات حياتك وسائر نشاطاتك كما تمنى ذلك الإمام ابن القيم وهو يصف الدرجة الأسمى والقمة العظمى من الافتقار إلى الله الغني المتعال فقال:
يتخلى بفقره أن يتأله غير مولاه الحق، وأن يُضيع أنفاسه في غير مرضاته، وأن يفرق همومه في غير محابه، وأن يؤثر عليه في حال من الأحوال، فيوجب له هذا الخلق وهذه المعاملة صفاء العبودية، وعمارة السر بينه وبين الله، وخلوص السود فيصبح ويمسي ولا هم له غير ربه، فقد قطع همه بربه عنه جميع الهموم، وع، وعطلت إرادته جميع الإرادات، ونسخت محبته لـه مـن قلبه كل محبة لسواه.
سجود القلب
وبقي خشوع الباطن، فلابد من مطابقة قلبك الخشوع جسدك، وكما سجد الجسد فليسجد القلب في أثره، فكن متذللاً لعظمة ربك، خاضعاً لعزته، منيبا إليه، مستكينا ذلاً وخضوعا وانكسارا.
ولما كان سجود القلب هو خضوعه التام لربه أمكنك استدامة هذا السجود إلى يوم القيامة، كما قيل لبعض السلف: هل يسجد القلب ؟!
قال: أي والله !! سجدة لا يرفع رأسه منها حتى يلقى الله.
ولما كانت أحب العبادات إلى الله الذل والافتقار، وهي أوضح ما تكون أثناء السجود، كانت مناسبًا أن تكون الوظيفة الثانية من وظائف السجود هي: القرب القرب
واستشعر في سجدة أخرى لذة القرب من الرب الجليل، ولن تقترب منه في وقت من الأوقات كوقت السجود، لذا قال الله لنبيه: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} [العلق: ١٩].
وكلما طال سجودك كلما طال موعد لقائك وفرصة قربك ولذة وصلك مع رب كريم، ومن منا لا يخفق قلبه لقرب الحبيب ؟!
لعل هذا هو السر في الراحة القلبية العظيمة والسكينة الروحية العالية التي يجدها الساجد في سجوده، ويحس بها إذا أطال فيه، وبسبب هذا القرب يستجيب الله على الفور دعاء من يدعوه على هذه الحال، وهذه هي الوظيفة الثالثة:
دعوة الملهوف
وفي سجدة ثالثة بث إليه شكواك وارفع إليه حاجتك وتوسل إليه أن يؤيدك ويقف بجانبك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وأَما السُّجُودُ فَاجْتَهِدُوا فِي الدُّعاء، فَقَمِنٌ أَن يستجاب لكم) .
قمن حقيق وجدير، فادع الله بحاجتك، وقدم ما تريد من دنيا أو آخرة ربك، ولك الوعد بالإجابة على لسان نبيك في الحديث الذي مر بك.
وفي الحديث أيضاً: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء).
ومن منا يعيش بلا منغصات من ذنب يؤرقه، أو زوجة تضايقه، أو ولد يعقه، أو رزق يعسر عليه، أو رئيس عمل يشاكسه، أو جار يؤذيه، أو مرض يضنيه مما يدفع العبد إلى الدعاء دفعاً.
ولا تكن أنانيا في دعائك بل ادع لإخوانك وأشركهم في رجائك، وقلد أبا الدرداء الله الذي قال: إني لأدعو لثلاثين من إخواني وأنا ساجد، أسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم.
وإياك أن تعوق الإجابة بيأسك من الإجابة، وافرح ببشرى الإمام الحافظ سفيان بن عيينة: «لا يمنعن أحدكم من الدعاء ما يعلم من نفسه، فإن الله عز وجل أجاب دعاء شر الخلق إبليس لعنه الله؛ إذ قال: رب أنظرني إلى يوم يبعثون، قال: إنك من المنظرين.
لأول مرة
لأول مرة: أطيل قرع باب الله في طلب حاجاتي وحل مشاكلي وبث همومي، وكلما أطلت وجدت من الراحة ما يشرح الصدر ويسر القلب...
ولأول مرة كذلك أذكر غيري في صلاتي، فأدعو للمسلمين المستضعفين في فلسطين ولبنان وغيرهما من البلدان، وأخصص لهم صلوات كاملة أخصهم فيها بوافر الدعاء.
الحط من الأوزار:
وأحس في سجدة رابعة أن ذنوبك موضوعة فوق رأسك وأنت ساجد، وكلما خشعت في سجودك وكلما بكيت في خشوعك، وكلما صدقت في بكائك؛ كلما تساقطت عنك الذنوب ذنبًا ذنبًا؛ حتى ترفع رأسك من سجدتك بغير الوجه الذي سجدت به.
قال رسول الله ﷺ: إن العبد إذا قام يصلي أتي بذنوبه كلها، فوضعت على رأسه وعاتقيه، فكلما ركع أو سجد تساقطت عنه.
وغني عن القول أنه كلما زادت ذنوبك وجب أن يطول سجودك، والدموع الغزيرة تمحو ما اسود من القلب بسبب الذنوب الكثيرة.
العزة والفخار:
واستشعر في سجود خامس روح العزة وأنت لا تحني هامتك لأحد إلا الله، ولا تذل إلا لله، ولا تستعين ولا تتوكل إلا عليه، وتعلم من الإمام أحمد وهو يدعو بقوله: «اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة من غيرك.
لأول مرة:
لأول مرة: أراجع نفسي حين أطلب شيئًا من غيري، وأصون وجهي عن الإلحاح في سؤال الخلق عن ما قسمه الله لي، وأكتسي ثوب العزة، موجها رسائل الطلب إلى الخالق بدلاً من الخلق.
وفي سجدة سادسة امتلئ بنشوة الانتصار ولذة الظفر وأنت تقهر عدوك، واسمع وأنت ساجد صوت شيطانك وهو يبكي منتحباً في ناحية مصلاك قائلاً: (يا ويله، أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأُمرت بالسجود فعصيت فلي النار).
وليس أحب إلى الله من عبودية المراغمة، وهي إرغام أنف عدوه في التراب، وليس أعدى له من عدوه إبليس، لذا عظم قدر السجود عنده وقرب من يفعله.
وكرر هذه الوظائف الستة في الصلاة الواحدة أو اجعل لكل صلاة وظيفة من هذه الوظائف، وبذلك تهتدي راشدًا كلما هويت ساجدا، وتشفى سريعاً كلما دعوت طويلاً.
والمعرفته بفضائل السجود العظيمة ووظائفه الجليلة قال مسروق السعيد بن جبير: «ما بقي شيء يرغب فيه إلا أن نعفر وجوهنا في هذا التراب له.
وتعلم سعيد الدرس فكان كثيرًا ما يقول: ما آسى على شيء من الدنيا إلا على السجود.
أذكار السجود
إن إطالة السجود كان سمت النبي ﷺ حيث كان سجوده مقدار قراءة خمسين آية، وكان يقول: (إذا صلى أحدكم فليتم ركوعه، ولا ينقر في سجوده، فإنما مثل ذلك كمثل الجائع يأكل التمرة والتمرتين، فماذا يغنيان عنه ؟).
وكما لا تغني الجائع اللقمة واللقمتان فلا يشبع، فكذلك المستعجل الذي لا يملك وقتا لصلاته لن يشعر بطعم الصلاة، ولن يحس لها بحلاوة، وسيفقد الإحساس بلذتها، بل وربما انقلب إحساسه إلى ضيق بالصلاة وكسل عنها.
ولذا نهى النبي ﷺ في السجود عن نقرة الغراب، ونقرة الغراب أي ما يعادل زمن وضع الغراب منقاره ليأكل، والمقصود المبالغة في تخفيف السجود، وأنه لا يمكث فيه إلا قدر وضع الغراب منقاره فيما يريد أكله.
وقد أشار النبي ﷺ إلى سرعة الركوع والسجود ذاما محذرا قائلاً: (لا تُجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه في الركوع والسجود).
وحين لمح رجلاً لا يُقر صلبه في الركوع والسجود، قال جازماً منذرا: (إنه لا صلاة لمن لم يُقِم صلبه).
والآن .. حان الوقت لنعيش مع سجدات النبوة ونستنشق عبيرها ونعرف: ماذا كان النبي يقول في سجوده ؟!
سبحان ربي الأعلى:
ووصفك الرب بالعلو في هذه الحال في غاية المناسبة لحالك، لأنك قد هويت إلى أسفل على وجهك، فذكرت علو ربك في حال سقوطك، كما سبق وأن ذكرت حال ربك حال خضوعك في ركوعك، وناسب عندها أن تنزه ربك عما لا يليق به مما يضاد عظمته وعلوه.
«اللهم اغفر لي ذنبي كله، دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره».
«اللهم اغفر لي خطني وجهلي، وإسرافي في أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطني وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، أنت إلهي لا إله إلا أنت».
فردد هذين الدعاءين في سجدة ندم، تؤكد فيها توبتك التي سبق أن أعلنتها في دعاء الاستفتاح وتجددها، وتتذكر فيها إسرافك على نفسك لتذرف الدموع الغزار، وذكر ماضي العصيان للتأسف عليه ندم، والندم توبة، ومن دخل عليه تائبا خرج من بيته نقيا طاهرا.
وتذكر سرائرك التي خنت فيها عهدك مع الله، وتذكر مزاحك الذي استزلك فيه الشيطان فكذبت فيه، وتذكر ما وقع ذلك منك على سبيل الخطأ أو العمد، وتأمل أن النبي ﷺ ردد هذين الدعاءين في سجوده مع أ أنه مغفور له، وذلك من باب العبودية والإذعان والافتقار إلى الله تعالى فتمثل كل هذه المعاني في سجودك، واعلم أن مفتاح الإجابة: الصدق في الإنابة.
ومما يجعل قلبك أكثر حضورًا وروحك أكثر حياة الحياء الذي يوصلك إليه دعاء:
«اللهم لك سجدت، وبك آمنت، ولك أسلمت، سجد وجهي للذي خلقه وصوره فأحسن صوره، وشق سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين».
فردد هذا الدعاء في نوبة حياء تعتريك من توالي نعم الله عليك مع توالي عصيانك له، وتتابع إحسانه مع تتابع إساءاتك، لتتحول هذه السجدة إلى سجدة حب بين يدي مولاك، وهذا الذكر يدفعك إلى التلذذ بالسجود والإطالة فيه حين تذكر نعمة الله عليك وقد شق لك سمعك وبصرك وصورك في أحسن صورة، وتأمل حالك إن عشت في عالم من الظلام الدامس ساعة من النهار كما يعيش العميان، أو توهم العيش في عالم الصمت الرهيب برهة من الزمن كالصم لتدرك قيمة نعمة الله عليك.
(اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك) .
والرضا والسخط ضدان متقابلان، وكذلك المعافاة والعقوبة، حتى إذا وصلت إلى ذكر مالا ضد له وهو الله سبحانه وتعالى استعدت به منه لا غير، ومعنى هذا الدعاء الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حق عبادة الله والثناء عليه.
ومدحك له بقولك: لا أحصي ثناء عليك أي لا أطيقه ولا أحيط به. وقولك: أنت كما أثنيت على نفسك ما هو غير اعتراف منك بالعجز عن الثناء على ربك، وأنك لا تقدر على بلوغ حقيقته مهما حاولت، وكلما كان ظهور العجز أبين كلما كان العطاء أوسع والكرم أوفر، هذا مع الخلق فكيف مع الخالق ؟! ولأنه لا نهاية لصفاته؛ فكذلك لا نهاية للثناء عليه؛ وكل ثناء أثني به عليه وإن كثر وطال وبولغ فيه فقدر الله أعظم منه.
..إشراقة..
قال أبو الدرداء الله: أدلجت ذات ليلة إلى المسجد، سجودية، فلما دخلت مررت على رجل ساجد وهو يقول: «اللهم إني خائف مستجير فأجرني من عذابك، وسائل فقير فارزقني من فضلك، لا مذنب فأعتذر، ولا ذو قوة فأنتصر، ولكن مذنب مستغفر»، فأصبح أبو الدرداء يُعلمهن أصحابه إعجابا بهن.
كان عبد الأعلى التيمي يقول في سجوده: رب زدني لك خشوعا كما زاد أعداؤك لك نفورًا، ولا تكبن وجوهنا في النار من بعد السجود لك».
وكان معضد العجلي يقول في سجوده اللهم اشفني من النوم باليسير»، ثم يمضى في صلاته.
وكان مسلم بن يسار يقول في سجوده: (متى ألقاك وأنت عني راض)، ويذهب في الدعاء، ثم يقول: (متى ألقاك وأنت عني راض).
وكان عتبة الغلام يدعو بالشهادة في سجوده ويقول: «اللهم احشر عتبة بين حواصل الطير وبطون السباع.
ودخل الإمام موسى الكاظم مسجد رسول الله ﷺ فسجد سجدة في أول الليل، فسمع وهو يقول: عظم الذنب عندي فليحسن العفو من عندك يا أهل التقوى ويا أهل المغفرة، فجعل يرددها حتى أصبح.
وذكر الشيخ أبو شامة أن إمام مسجد أبي الدرداء بالقلعة المنصورة رأى في تلك الليلة التي أجلي فيها الفرنج عن دمياط رسول الله ﷺ وهو يقول: سلم على نور الدين، وبشره بأن الفرنج قد رحلوا عن دمياط، فقلت: يا رسول الله !! بأي علامة ؟! فقال: بعلامة ما سجد يوم تل حارم، وقال في سجوده اللهم انصر دينك، ولا تنصر محمودا، ومن هو محمود الكلب حتى ينصر ؟! فلما صلى نور الدين عنده الصبح بشره بذلك، وأخبره بالعلامة، فلما جاء إلى ذكر من هو محمود الكلب انقبض من قول ذلك، فقال له نور الدين: قل ما أمرك به رسول الله، فلما قال العلامة كاملة قال: صدقت، وبكى نور الدين تصديقا وفرحا بذلك، ثم أصبحوا فجاءت الرسل، فإذا الأمر كما أخبر الرجل في المنام.
حالك بين السجدتين
ثم ارفع رأسك من سجودك، واعتدل جالسًا، وتأمل الحكمة من كون هذا الجلوس محفوفا بسجودين؛ سجود قبله، وسجود بعده، مما يدل على عظيم شأنه، وقد كان رسول الله ﷺ يطيل الجلوس بين السجدتين لما له من طعم خاص ومذاق مختلف للقلب غير طعم ومذاق الركوع والسجود؛ حتى روى الشيخان من حديث البراء رضي الله عنه: (كان ركوع النبي ﷺ وسجوده، وبين السجدتين، وإذا رفع رأسه من الركوع، ما خلا القيام والقعود، قريباً من السواء).
وكان الرسول ﷺ يقول في هذه الجلسة: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني واهدني وارزقني .
وهذه الكلمات الخمسة قد جمعت جماع خير الدنيا والآخرة، فإن العبد محتاج بل مضطر إلى تحصيل مصالحه في الدنيا والآخرة، ودفع المضار عنه في الدنيا والآخرة، وقد تضمن هذا الدعاء ذلك كله.
فإن الرزق يجلب له مصالح دنياه.. والعافية تدفع مضارها.
والهداية تجلب له مصالح أخراه… والمغفرة تدفع مضارها.
والرحمة تجمع ذلك كله.
ومن باب التنويع، فإليك روحا أخرى يمكن أن تردد بها هذا الدعاء، وهي روح المذنب المقصر في حق مولاه والمتمادي في جرائمه معه، فتفصح عن رغبتك الأكيدة في أن يغفر لك، ثم تدعوه أن يعافيك مما ابتلاك به من ذنب، وأن يهديك إلى طريق الهداية الدائم الذي لا رجعة فيه ولا نكوص، وأن يرزقك على الدوام من حلاوة الطاعة الدائمة ما تستغني به عن لذة المعصية الزائلة، وييسر لك الحلال الذي ترمي به الحرام وراء ظهرك، فالرزق هنا هو الرزق الروحي والثروة الإيمانية، وليس راتب شهر أو شهرين أو مئونة سنة أو سنتين.
ولو لم تخرج من صلاتك كلها بغير إجابة هذا الدعاء لكفاك وفضل عليك، وإن كنت لا تستطيع اليوم حفظ كثير الدعاء وتشكو سرعة النسيان، ولا تحسن دندنة معاذ فالزم هذا الدعاء الأخاذ. روى أبو مالك سعد بن طارق عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ وقد أتاه رجل، فقال: يا رسول الله !! كيف أقول حين أسأل ربي ؟! قال: قل: اللهم اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني»، وجمع أصابعه الأربعة إلا الإبهام، فإن هؤلاء يجمعن لك دينك ودنياك.
الاستغفار بين السجدتين
وقد كان النبي ﷺ يكرر الاستغفار في هذه الجلسة فيقول بين السجدتين: (رب اغفر لي رب اغفر لي، رب اغفر لي)، ويلح على الله في ذلك.
ومثل نفسك أنك وقفت للحساب، وسيقام عليك الحد الآن إن لم يغفر الله لك، بل أن من يقام عليه الحد في الدنيا أفضل ممن لم يغفر الله له، لأن من يقام عليه الحد في الدنيا ينجو من عذاب الله يوم القيامة، أما من لم يغفر له فالويل كل الويل ينتظره يوم القيامة.
وتخيل نفسك أيها المصلي أنك تجلس جائيًا على ركبتيك تنتظر أن تضرب عنقك عقابا لك على جرائمك في حق مولاك، ثم لاحت لك فرصة عفو، فاغتنمتها وألقيت بنفسك بين يديه معتذرا له مما جنيت، تطلب منه المهلة الأخيرة وتدعوه دعاء الغريق: رب اغفر لي .. رب اغفر لي.. رب اغفر لي.
ول لأول مرة: أراجع شريط ذكرياتي، وأتذكر سوابق ذنوبي من نظرة محرمة، أو لقمة حرام أو شبهة حرام، أو سهو عن صلاة، أو وقوع في عرض مسلم، أو ظلم لزوج، أو رفع صوت على أم، ثم أكرر الدعاء بالمغفرة ثلاثًا تأكيدا لربي على طلب العفو، وتذكيرًا لنفسي بضرورة الصدق في الطلب، وتصميما مني على بلوغ المغفرة ثم مع كل هذا .. تفاؤلاً بالإجابة.
السجدة الثانية
ثم ارجع ساجدا كما كنت، فإنك لا تكتفي من الله بسجدة واحدة في الركعة كما اكتفيت منه بركوع واحد؛ بل لا بد من مضاعفة الجرعة، وذلك لفضل السجود وشرفه وقرب العبد فيه من ربه، وهو أكثر تعبيرا عن العبودية وأعرق فيها من غيره من أركان الصلاة؛ ولهذا جعل خاتمة الركعة، وما قبله كالمقدمة بين يديه، فمحله من الصلاة محل الطواف.
وكما أنه أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، فكذلك أقرب ما يكون منه في المناسك وهو طائف كما قال عبد الله بن عمر الله لمن خطب ابنته وهو في الطواف فلم يرد عليه فلما فرغ من الطواف قال: "أتذكر أمرًا من أمور الدنيا ونحن نتراءى الله سبحانه وتعالى في طوافنا ؟!".
ولهذا - والله أعلم - جعل الركوع قبل السجود تدريجا وانتقالاً من الشيء إلى ما هو أعلى منه.
التكرار
ثم كرر ما مررت به من الأفعال والأقوال من القراءة والركوع والاعتدال من الركوع والسجود؛ إذ هي غذاء القلب والروح التي لا قوام لهما إلا بها، لذا فتكريرها بمنزلة تكرير الأكل لقمة بعد لقمة حتى تشبع، والشرب نفسًا بعد نفس حتى تروى، فلو تناولت لقمة واحدة، ثم دفع الطعام من بين يديك فماذا كانت تغني عنك تلك اللقمة ؟ بل ربما فتحت عليك باب الجوع أكثر مما بك.
وفي إعادة كل قول أو فعل مزيد من العبودية والقرب، وحصول مزيد خير وإيمان ومعرفة وإقبال، وقوة قلب وانشراح صدر، وزوال درن ووسخ عن القلب، وهو بمنزلة غسل الثوب مرة بعد مرة.
وفيه كذلك تنزيل الركعة الثانية منزلة الشكر على الركعة الأولى.
وفيه كذلك تدارك ما فاتك في الركعة الأولى عن طريق الركعة الثانية، وبالركعة الثالثة والرابعة ما فاتك من أول الصلاة، واخش أن تكون ممن عناهم نبيك بقوله:
إن الرجل ليصلي ستين سنة وما تقبل له صلاة، ولعله يتم الركوع ولا يتم السجود، ويتم السجود ولا يتم الركوع.
فهذه حكمة الله التي بهرت العقول حكمته في خلقه وأمره، ودلت على كمال رحمته ولطفه، وما لم تحط به علما من الصلاة أعلى وأعظم وأكبر، وإنما هذا يسير من كثير منها !!
الجلوس للتشهد ومعنى التحيات
عن عبد الله بن مسعود الله قال: قال رسول الله ﷺ: «أعطيت فواتح الكلم وخواتمه». قلنا: يا رسول الله .. علمنا مما علمك الله عز وجل، فعلمنا التشهد.
وقال ابن مسعود الله كذلك: كان يُعَلِّمنا التشهد كما يُعَلِّمنا السورة من القرآن.
فاستشعر مكانة التشهد وشرفه، واعلم الحكمة منه، ذلك أنه من عادة الملوك أن يحييهم الناس بأنواع التحيات من الأفعال والأقوال المتضمنة للخضوع لهم والذل.
فمنهم من يحيا بالسجود.. ومنهم من يحيا بالثناء عليه.. ومنهم من يحيا بطلب البقاء والدوام له.
ومنهم من يجمع له ذلك كله فيسجد له، ثم يثنى عليه، ويُدعى له بالبقاء والدوام.
والتحيات جمع تحية، وأصلها من الحياة، والمطلوب لمن تحيا بها دوام الحياة، كما كانوا يقولون لملوكهم لك الحياة الباقية، ولك الحياة الدائمة، واشتق منها: أدام الله أيامك، وأطال الله بقاءك، ونحو ذلك مما يُراد به دوام الحياة والملك.
والله وحده هو الذي كل شيء هالك إلا وجهه، فهو أولى بالتحيات من كل هؤلاء، وهي له بالحقيقة وهو أهلها، فكل تحية تحيا بها ملك من سجود أو ثناء أو بقاء أو دوام فهي الله على الحقيقة؛ ولهذا أتي بها معرفة بالألف واللام إرادة للعموم، ومع هذا يخشع الناس عند تحية ملوك البشر أكثر مما يخشعون لتحية ملك الملوك ورب البشر !!
والتحيات الله كذلك أي السلام له من جميع الآفات التي تلحق العباد من العناء وسائر أسباب الفناء، ومن سلم من الآفات فهو باقي لا يموت أبدا، وذلك جميعه لا ينبغي إلا لله الحي القيوم الذي لا يموت الذي كل ملك سواه يموت وكل ملك سوى ملكه يزول.
الصلوات والطيبات
ثم اعطف عليها الصلوات فالتحيات له ملكا، والصلوات له عبودية، والتحيات لا تكون إلا لله، والصلوات لا تنبغي إلا الله، ثم اعطف على الصلوات الطيبات، وهي تتناول الوصف والكلام والفعل.
فأما الوصف: فإنه سبحانه طيب لا يقبل إلا طيبا، وأفعاله كلها طيبة، وصفاته أطيب شيء، وهو إله الطيبين وربهم، وجيرانه في دار كرامته هم الطيبون، ولا يُقرب منه إلا كل طيب، بل ما طاب شيء قط إلا بطيبته سبحانه، فطيب كل ما سواه من آثار طيبته سبحانه، وكل مضاف إليه كبيته، وعبده، وروحه، وناقته، وجنته هو طيب.
وكلامه طيب، وكلامه يتضمن تسبيحه، وتحميده، وتكبيره، وتمجيده والثناء عليه بآلائه وأوصافه؛ ومن أمثلة هذه الكلمات الطيبات التي يثنى عليه بها؛ والتي لا تجوز معانيها إلا له وحده لا شريك له: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك.
وسبحان الله والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.. وسبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم.
وفعله كله طيب، ولا يصدر منه إلا كل طيب، ولا يُضاف إليه إلا الطيب، ولا يصعد إليه إلا الطيب.
وقد يُقصد بالطيبات كذلك التنبيه على الإخلاص في العبادة وكونها كاملة خالصة عن الشوائب، أي أن ذلك لا يفعل ويكون إلا الله.
أو يقصد كذلك أن التحيات العبادات القولية، والصلوات العبادات الفعلية، والطيبات الصدقات المالية.
ثم سلم على سائر عباد الله الصالحين، وهم عباده الذين اصطفى، لتمتثل أمر الله لنبيه: ﴿ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامُ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى} [النمل: ٥٩]، واستشعر عندها أن عليك في الصلاة حقا للعباد مع حق الله، ذلك أن السلام دعاء، والله يطلب من المسلم أن يدعو في صلاته لصفوة خلقه، ويريد منه تحية المخلوق كما قدم تحية الخالق، فقدم هذه التحية وابدأ بأولى الخلق بها وهو النبي ﷺ الشرفه وعظيم حقه عليك، واستشعر قربه منك ولو بعدت بينك وبينه المسافات، واستحضره أمامك ليمتلئ قلبك مهابة له، وليصدق أملك في أنه يبلغه سلامك ويرده عليك بما هو أو فى منه.
والسلام اسم من أسماء الله الحسنى، وتأويله: لا خلوت من الخيرات والبركات، وسلمك الله من المكاره وكل ما يوجب الذم، فإذا قلت: (السلام عليك أيها النبي) فاقصد به اللهم اكتب لمحمد في دعوته وأمته السلامة من كل نقص، فتزداد دعوته على الأيام علوا، وأمته كرامة وعزا، وذكره ارتفاعا، وأما الرحمة فهي إيصال كل خير له، وإثابته على كل ما بذل في حقنا وقدم.
واستشعر شرف المقام الذي وضعك الله فيه، وكيف لا وأنت تسمع تشريف النبي لكل من دخل في قوله: (ما من أحد يُسلم علي، إلا رد الله على روحي حتى أرد عليه السلام).
فترد إليه روحه لكي يرد عليك تحيتك ويجيب سلامك !! فأي أجر وأي فضل وأي فخر أعظم.
فأحضر في قلبك النبي ﷺ وشخصه الكريم، وليصدق أملك في أن سلامك يبلغه، ويرد عليك التحية بأحسن منها.
ثم سلم على نفسك، ثم على سائر عباد الله الصالحين، مستصحبا أهمية الصحبة الصالحة، ومعليا قيمتها، مع استشعارك أن هذا السلام يعم كل عبد صالح في السماء والأرض، مما يجعل تارك الصلاة والمفرط فيه مقصرا في حق كافة المسلمين، لأنه أضاع حقهم عليه في الدعاء من مضى منهم ومن سيولد إلى يوم القيامة، ولذلك عظمت معصية تارك الصلاة. قال:
(التحيات الله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فإنكم إذا قلتم ذلك أصاب كل عبد في السماء والأرض).
معنى الشهادتين في التحيات
ثم اشهد شهادة الحق التي بنيت عليها الصلاة، والصلاة حق من حقوقها، ولا تنفعك إلا بقرينتها وهي الشهادة للرسول ﷺ بالرسالة، وختمت بها الصلاة كما قال عبد الله بن مسعود له: (فإذا قلت ذلك فقد قضيت صلاتك فإن شئت فقم، وإن شئت فاجلس).
وهذا إما أن يحمل على انقضائها إذا فرغ منه حقيقة كما يقوله الكوفيون، أو على مقاربة انقضائها ومشارفته كما يقول أهل الحجاز وغيرهم، وعلى التقديرين فجعلت شهادة الحق خاتمة الصلاة؛ كما شرع أن تكون هي خاتمة الحياة لأن من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة، وكذلك شرع للمتوضئ أن يختتم وضوءه بالشهادتين، ثم لما قضى صلاته أذن له أن يسأل حاجته.
وارفع السبابة وأنت تتشهد واستشعر بذلك أنك تختم صلاتك بخنق شيطانك وعصر أضلاعه وقهره بسبابة التوحيد، فقد كان عبد الله بن عمر الله إذا جلس في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه وأتبعها بصره، ثم قال: قال رسول الله ﷺ: الهي أشد على الشيطان من الحديد)، يعني السبابة.
الصلاة على النبي وآله
ثم استمر في هجومك على شيطانك وإلحاق الأذى به عن طريق ذكر اسم أكثر الخلق إغاظة له وانتصارا عليه، وهو رسول الله، فتوسل إلى الله بالصلاة على النبي، فإنها من أعظم الوسائل بين يدي الدعاء، وخير تمهيد لإجابته، وقد جعل الدعاء آخر الصلاة كخير ختام.
وصل على آل محمد لكي تقر عين نبيك بإكرام أهله والصلاة عليهم، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، والأنبياء كلهم بعد إبراهيم هم من آل إبراهيم، لذلك كان المطلوب لرسول الله صلاة مثل الصلاة على إبراهيم وعلى جميع الأنبياء بعد إبراهيم وعلى آلهم وأتباعهم المؤمنين، ولهذا كانت هذه الصيغة من الصلاة أكمل وأفضل ما يُصلى به على النبي صلى الله عليه وسلم.
وجاءت التحيات على ذلك، أولها حمد الله، والثناء عليه، ثم الصلاة على رسوله، ثم الدعاء آخر الصلاة بقوله:
(وبارك على محمد) أي أدم وثبت ما أعطيته له من التشريف والكرامة، وأصله من برك البعير إذا ناخ في موضعه ولزمه، وتطلق البركة على الزيادة، ومعناها في الأصح أي بارك في رسالته التي جاء بها، فهو وإن فارقنا بروحه إلا أن تعاليمه خالدة، وبركتها: عمومها وانتشارها.
وآل محمد: هم كل من اقتفى الأثر ونهل من النبع، ومعنى البركة هنا نأخذه من شيخ الإسلام سفيان بن عيينة في تفسيره لقول الله تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مباركاً}. قال رحمه الله:
معلما للخير، وهذا يدل على أن تعليم الرجل الخير هو البركة التي جعلها الله فيه، فإن البركة حصول الخير ونماؤه ودوامه، وهذا في الحقيقة ليس إلا في العلم الموروث عن الأنبياء وتعليمه.
وهو نفس تفسير وهيب بن الورد الذي قال: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا} أي كان يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر.
فهل نلت من هذا العلم وتعليمه شيئًا ؟! وهل دعوت غيرك إلى الخير ؟! وهل دللت على الحق أم سكت وتواريت ؟! هل نالك من بركة هذا الدعاء شيء أم لم يسمعه الله منك من الأساس؟! راجع نفسك وفكر جيدا قبل أن تسلم لتنطلق بعد التسليم هاديًا وإلى الله داعيا أمرا ناهيا.
لأول مرة: أحس أن لي دورًا لم أقم به، وفريضة قصرت فيها، لأول ورسالة نسيتها، ودعاء دعوت الله به منذ زمن دون أن أعرف معناه أو أصل إلى مبتغاه، وهو أن أدعو إلى الله وأحث الناس على الخير وأخرج من استطعت من الظلمات إلى النور، ومن بعد هذه الصلاة سأفكر فورياً وجدياً في دوري مع أهل بيتي أولاً، ثم دوري مع جار المسكن والعمل؛ لتنالني البركة التي دعوت بها.
إنَّك حمید
«حميد»: أي محمود مستحق لجميع المحامد على ذاته وصفاته وفعاله، بل لا يستحق الحمد إلا هو، وهو كذلك محمود على كل الأحوال، في السراء والضراء والشدة والرخاء؛ لأنه حكيم لا يجري في أفعاله غلط، ولا يعتريه الخطأ.
وحميد أيضا بمعنى حامد لذاته وأوليائه، أو بمعنى أنه الذي أجرى الحمد على لسان خلقه، ومن فضله العظيم وكرمه العميم أن نسب الحمد إليهم وإن كان الحمد من أعظم نعمه عليهم.
«مجيد»: وهو المتصف بالمجد، والمجد هو كمال الشرف والكرم والرفعة والصفات، وإذا قارن شرف الذات حُسْنَ الفعال سمي مجدا، والمجيد هو من تمجد بفعاله، ومجده خلقه لعظمته.
التعوذ
ثم استعذ بالله من مجامع الشر كله امتثالاً لوصية حبيبك الذي كان يعلم أصحابه هذا الدعاء بعد الفراغ من التشهد:
(إذا تشهد أحدكم فليتعوذ من أربع من عذاب جهنم، وعذاب القبر، وفتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال، ثم يدعو لنفسه بما بدا له).
والشر كل الشر في عذاب الآخرة وهو نوعان: عذاب القبر وعذاب النار أما أسبابه المؤدية إليه فهي الفتنة، وهي كذلك نوعان كبرى وصغرى فالكبرى هي فتنة الدجال وفتنة الممات، لأن المفتون بهما لا سبيل له ليتدارك نفسه إذا سقط فيهما.
وأما الفتنة الصغرى فهي فتنة الحياة وهي تشمل فتنة الأهل والمال والدنيا، وهي أهون من فتنة الممات والدجال؛ لأن المفتون بها يمكن أن يتدارك نفسه بتوبة.
فإن قلت: ما فائدة تعوذه من هذه الأمور التي عصم الله نبيه منها؟ قلت: إنما ذلك لنلتزم خوف الله تعالى على الدوام ولتقتدي به أمته.
فإن قلت: فما فائدة تعوذه والصحابة من فتنة المسيح الدجال مع علمه بأنه سيتأخر عن زمانه وزمان الصحابة بكثير ؟! قلت: فائدته أن ينتشر خبره بين الأمة من جيل إلى جيل وجماعة إلى جماعة حتى لا يلتبس على المؤمنين أمره عند خروجه، ويتحققوا أمره، ويعرفوا أن جميع دعاويه باطلة كما أخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وهذا الدعاء من العام بعد الخاص لأن عذاب القبر داخل تحت فتنة الممات، وفتنة الدجال داخلة تحت فتنة المحيا.
وهذا من أوكد أدعية الصلاة حتى أوجب بعض السلف والخلف الإعادة على من لم يدع به في التشهد الأخير.
والدعاء الآخر الذي شرع لك أن تدعو به بين التشهد والتسليم هو الاستغفار لتختم صلاتك بطلب المغفرة كما بدأتها بطلب المغفرة:
(اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت).
وأذن للمصلي في ختام صلاته أن يتخير من المسألة ما يشاء، وكأنه قيل له: تخير من الدعاء ما تشاء، فقد أديت الحق الذي عليك، وبقي الحق الذي لك.
والدعاء في هذا المحل قبل السلام أفضل من الدعاء بعد السلام، وأنفع للداعي، لأن المصلي قبل سلامه في محل المناجاة والقربة بين يدي ربه، فسؤاله في هذه الحال أقرب إلى الإجابة من سؤاله بعد انصرافه من بين يديه.
..لأول مرة..
لأول مرة: أعرف قيمة كنز الدعاء بعد التشهد، فأدعو الله بحاجتي عندها، وأتضرع إليه بما أرجوه بعد أن عرفت فضل الدعاء في هذا المقام، لذا ادخرت أهم الدعوات وأغلى الأمنيات لهذا الوقت المبارك.
التسليم
وانو بالتسليم التحلل من الصلاة كما تتحلل بالحلق من الإحرام، واقصد به إذا كنت إماما الدعاء لمن وراءك بالسلامة التي هي أصل الخير وأساسه، فشرع لمن وراءك أن يتحلل بمثل ما تحللت به، وفي ذلك دعاء لك وللمصلين معك بالسلام، ثم شرع ذلك لكل مصل وإن كان منفردًا، فليس أحسن من هذا التحلل المتضمن الإحسان إلى إخوانك المؤمنين.
واقصد عند التسليم السلام على الملائكة والحاضرين، وانو به ختم الصلاة واستشعر شكر الله سبحانه على توفيقه لإتمام هذه الطاعة، وتوهم أنك مودع الصلاتك هذه، وأنك ربما لا تعيش لمثلها، ثم أذق قلبك الوجل والحياء من التقصير في الصلاة، وخف أن تُردَّ عليك، واخش من عدم القبول رغم أخذك بكل أسباب القبول، فربما كنت ممقوتا بذنب ظاهر أو باطن وأنت لا تعلم، فترد صلاتك في وجهك، ويذهب تعبك أدراج الرياح.
واستشعر بقلبك الحزن لانصرافك من بين يدي الله إلى أشغال الدنيا والعلائق والشواغل التي استرحت منها ساعة وقوفك لربك؛ وقد ذاق قلبك ويلاتها قبل دخولك إلى الصلاة، حتى عاين لذة القرب ونعيم الإقبال على الله، واذكر معافاتك منها مدة الصلاة، ثم استشعر أنك راجع إليها بتسليمك، لذا احمل هم انقضاء الصلاة واحزن لفراقها، فإنك تنصرف من مناجاة من كل سعادتك في مناجاته، إلى مناجاة من كل الأذى والهم والغم والنكد في مناجاته.
ولن يشعر بذلك إلا من كان قلبه حيا معمورًا بالإيمان، عالما بما في مناجاة الخلق ومخالطتهم من الأذى والنكد، وضيق الصدر وظلمة القلب، وفوات الحسنات، واكتساب السيئات، وتشتيت الذهن عن مناجاة الله تعالى عز وجل، وأما الأموات فهيهات هيهات أن يفهموا هذه الكلمات أو يعرفوا طعم العذب الفرات.
وأخيرا .. ثمرة الصلاة
كما أن ثمرة الصوم تطهير النفس، وثمرة الزكاة تطهير المال وثمرة الحج وجوب المغفرة، وثمرة الجهاد تسليم النفس إلى الله، وقد اشتراها سبحانه من العباد، وجعل الجنة ثمنها؛ فالصلاة كذلك ثمرتها الإقبال على الله، وإقبال الله سبحانه على العبد، فالإقبال على الله هو مفتاح الانتفاع بالصلاة كما أنه ثمرة من ثمرات الصلاة.
ولهذا لم يقل النبي ﷺ: جعلت قرة عيني في الصوم ولا في الحج والعمرة ولا في شيء من هذه الأعمال، وإنما قال: (وجعلت قرة عيني في الصلاة).
وتأمل قوله: وجعلت قرة عيني في الصلاة ولم يقل: (بالصلاة)، إعلاما منه بأن عينه لا تقر إلا بدخوله في الصلاة كما تقر عين المحب بملامسته المحبوبه وتقر عين الخائف بدخوله في محل أنسه وأمنه، فقرة العين بالدخول في الشيء أتم وأكمل من قرة العين به قبل أن الدخول فيه.
ولما أراد النبي الخلود إلى راحة قلبه من حزنه وألمه وراحة جسده من تعبه ونصبه قال: «يا بلال! أقم الصلاة .. أرحنا بها.
وأما من لغا في الكلام وارتكب الآثام وشبع حتى صار بطنه كبطن الدب من الحرام، فمن أين يأتيه الخشوع والراحة ؟! وهذا حال أكثر الناس اليوم: يتعاطى أحدهم أسباب قسوة القلب واحدا تلو الآخر، ثم يقوم للصلاة يطلب المعجزات وينتظر الفتوحات، وجوارحه .. آه من جوارحه .. كل جارحة في بلد أو حارة، أما قلبه فقد مات.
موجز الأسرار
هام وعاجل: وهو بمثابة ورد محاسبة نوعي تقيس به مقدار خشوعك في صلاتك، فتستدرك إن كنت قد قصرت، وتشكر إن كنت قد وفقت فخشعت وتستطيع به أن ترى صلاتك بوضوح في مرآة الحق، وتزن تقوى قلبك بدقة باستخدام ميزان الخير.
وهذا الموجز هو خلاصة الكتاب وعصارة الصفحات، فإن استطعت أن تنقش معانيه على كفك لتحفظها، أو تعلقه في غرفة نومك لتذكر به نفسك قبل كل منام فافعل، ثم استرجع معانيه قبل أي صلاة، وحاسب نفسك كل ليلة على تحقيق هذه المعاني، وهي كما يلي:
في الوضوء
. لا تنس دعاء الفراغ من الوضوء.
. صل بعد الوضوء ركعتين إن استطعت.
. استحضر بقلبك نية الطهارات الثلاثة من الشرك والذنب والدنس.
في المشي إلى المسجد
. انو بمشيك إلى المسجد أنك عائد إلى الله لتصالحه في بيته.
في التكبير
. جدد صدقك وفرغ قلبك مما سوى الله.
. اطرد الكبر أو شبهة الكبر من قلبك.
. اقصد إجلال الله وتعظيمه بالقلب واللسان.
في دعاء الاستفتاح:
. استفتاح التعظيم املأ منه صدرك بعظمة الرب سبحانه.
. استفتاح المغفرة انو به تجديد توبتك وأثبت الله صدق توبتك عمليا بعد الفراغ من الصلاة.
في الاستعاذة:
. اقصد الاستعانة بركن الله الشديد وسلطانه العظيم على أعدى أعدائك، والاحتماء بالله واللجوء إليه.
في الفاتحة:
. قف عند رأس كل آية وانتظر جواب الله عليك.
. حقق الحمد بلسانك وجوارحك.
. تأمل في مظاهر رحمة الله لتصل إلى حبه.
. توهم حالك يوم الدين.
. اقصد الهدايات السبع عند قولك: اهْدِنَا ..
. اعزم على السير على الصراط المستقيم بمراتبه الستة.
. راجع نفسك أن تكون ممن عرف الحق ثم حاد عنه فتكون من المغضوب عليهم، أو ممن ضل طريقه إليه فتكون من الضالين.
في التأمين:
. تفاءل بالإجابة وأيقن بها .
. انو أن يوافق تأمينك تأمين الملائكة ليغفر لك.
. ارفع به صوتك لأنه شعار الإسلام ويغيظ يهود.
الله أكبر سبحان ربي العظيم.
في الركوع
. اقصد تعظيم الله وحده.
. أخرج من قلبك أي تعظيم لأحد سواه.
. راجع نفسك في خضوع كل جوارحك الله بلا استثناء، وكل أحوالك بلا استثناء، وكل أوقاتك بلا استثناء.
. احذر الخضوع الموسمي المؤقت، وراجع نفسك لعلك ساقط في براثنه وأنت لا تشعر.
في القيام من الركوع
. جدد إرسال رسائل الحمد اللامتناهي إلى الله.
. أيقن بتفرد الله بالمنع والعطاء.
. انو غفران الذنب إذا وافق حمدك حمد الملائكة.
في السجود
. تحقق بالفقر والذل.
. البس ثوب العزة والغنى بالله.
. تلذذ بالقرب من ربك.
. أسقط ذنوبك وأوزارك من على عاتقك.
. اقتنص فرصة الدعاء في السجود.
. لا تنس عبودية المراغمة.
في الجلوس بين السجدتين:
. اقصد طلب المغفرة في استغاثة وتضرع، يساعدك على هذا: هيئة الحشو على الركب.
. استحضر شدة حاجتك إلى الدعاء الجامع المأثور بأن يغفر الله لك ويرحمك ويعافيك ويهديك ويرزقك.
في التشهد
. اقصد بها وداع الصلاة.
. سلم على النبي ﷺ واستحضره أمامك يرد عليك.
. استشعر أهمية الأخوة العامة الصحبة الصالحة. مع جموع المؤمنين، والأخوة الخاصة مع
. جدد توحيدك بالشهادتين.
. راجع نفسك في قيامك بواجبك في الدعوة إلى الله.
في التسليم:
. استشعر لوعة الفراق وألم العذاب بالرجوع إلى هموم الدنيا وأكدارها.
. انو بالتسليم السلام على الملائكة والحاضرين.
. وأخيرا .. ومع كل ما سبق .. إياك أن تنس المفاتيح ...
هكذا صلوا .. فهل صلينا ؟!
دلائل الحب لا تخفى على أحد .. كحامل المسك لا يخفى إذا عبقا
ومن سير المحبين اخترت لك:
. عن ابن المنكدر قال: لو رأيت ابن الزبير يصلي كأنه غصن شجرة تصفقها الريح والمنجنيق يقع هاهنا وهاهنا، وعن مجاهد قال: كان ابن الزبير إذا قام في الصلاة كأنه عود من الخشوع، وعن يحيى بن وثاب أن ابن الزبير كان يسجد حتى تنزل العصافير على ظهره ولا تحسبه إلا جذع حائط.
. كان مسلمة بن يسار في المسجد فانهدمت طائفة من المسجد، فقام الناس ولم يشعر أن اسطوانة المسجد قد انهدمت !!
. وهذا يعقوب الحضرمي لم ير في زمانه مثله، بلغ من زهده أنه شرق رداؤه عن كتفه وهو في الصلاة، ورد إليه ولم يشعر.
. وقع حريق في بيت على بن الحسين وهو ساجد، فجعلوا يقولون: يا ابن رسول الله النار.. النار، فما رفع رأسه حتى أطفئت، فقيل له في ذلك فقال: ألهتني عنها النار الأخرى.
. وكان مسلم بن يسار يقول لأهله إذا دخل في صلاته: «تحدثوا فلست أسمع حديثكم.
. وهذا محمد بن إسماعيل البخاري خرج مع قوم إلى حائط مزرعة، فقام يصلي بالناس الظهر، فلما فرغ قام يتطوع، فلما فرغ من تطوعه رفع ثوبه وقال لبعض من معه: انظروا هل ترون تحت قميصي شيئا؟ فإذا زنبور قد أبره في ستة عشر، أو سبعة عشر موضعا، وتورم ذلك من جسده، فقال بعض القوم: كيف لم تخرج من الصلاة في أول ذلك؟ قال: كنت في سورة فأحببت أن أتمها !!
. وهذا محمد بن يعقوب الأخرم يقول: ما رأينا أحسن صلاة من صلاة محمد بن نصر المروزي، كان الذباب يقع على بدنه - يعني الزنبور - ولا يذبه عن نفسه، ولقد كنا نتعجب من حسن صلاته وخشوعه وهيبته للصلاة، كان يضع ذقنه على صدره، فينتصب كأنه خشبة مسنودة.
. وكان الربيع بن خثيم يقول: ما دخلت في صلاة قط فأهمني فيها إلا ما أقول وما يقال لي.
. وقيل يوما لعامر بن عبد الله: هل تُحدثك نفسك في الصلاة بشيء؟ قال: نعم، بوقوفي بين يدي الله، ومنصر في إلى إحدى الدارين؛ الجنة أو النار. قيل: فهل تجد شيئاً مما نجد من أمور الدنيا ؟! فقال: لأن تختلف الأسنة في أحب إلي من ذلك.
. وعن الحسن بن عمرو الفزاري قال: حدثني مولى لعمرو بن عتبة قال: كنا نخرج الى العدو فلا نتحارس لكثرة صلاته، ورأيته ليلة يصلي فسمعنا زئير الأسد فهربنا وهو قائم يصلي لم ينصرف، فقلنا له: أما خفت الأسد ؟! فقال: إني لأستحي من الله أن أخاف شيئا سواه.
ليرين الله ما أصنع !!
ليكن هذا شعارك وأنت تودع آخر صفحة من صفحات الكتاب وقل لنفسك وخاطبها بلسانك وقلبك سأخرج من هذا الكتاب والصلاة عندي: قلب يتأثر.. وروح تترقى.. ونفس تتقوى.. وعزم يتبدى، وسأبدأ من اللحظة.
واعلم أن كل يوم يمضي عليك دون أن تضع الكتاب موضع التنفيذ يجعل فرصة العمل به أصعب، والتلذذ بمعانيه أقرب إلى المستحيل، فبادر بادر وإياك ورأس مال الكسالى والعاجزين من التسويف والتمني، وأدرك عمرك أن يضيع، فكل يوم يمر من أيامك هو من رأس مالك ويقربك من مالك.
والناس في قراءة أي كتاب أنواع، فمنهم البصير، ومنهم الأعور، ومنهم الأعمى، ومنهم الأعمش، وهي أوصاف البصائر لا الأبصار، والضمائر لا المظاهر.
والمحروم كل الحرمان منهم من خرج من القراءة وقد عرف الطريق لكن لم يمش فيه، إما لأنه أغلق في وجهه الباب فما نالته رحمة الوهاب، وإما لأنه قرأ الكتاب في عجالة دون تدبر فخرجت المعاني من حيث دخلت دون أن يبقى في القلب منها شيء، فهل أنت منهم ؟!
أخي .. ألا تخشع حتى يخشع الكافر ؟!! لكنه للأسف .. الخشوع الذي لا قيمة له والذلة التي لا تنفع صاحبها، وذلك يوم القيامة حين يقف الكفار أمام الجبار {خَاشِعَةً أَبْصَرُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ﴾ [القلم: ٤٣].
لكن الأمل باق ما بقيت فيك الحياة، والأمر كما وصفه علي بن أبي طالب الله حين قال متفائلا مستبشرا: بقية عمر المرء ما لها ثمن؛ يُدرك فيها ما فات، ويحيي ما أمات.
وتجربتي مع هذا الكتاب أنه كلما قرئ استقرت معانيه في القلب، وأصيبت أهدافه ودنا جناه، فاقرأه مرة بعد مرة ليتم لك مرادك ويتضاعف حصادك ويتحقق مرادك كلما قرأت وأعدت.
وهذه الإعادة ستجعل المعاني أكثر استقرارا في القلب وأسهل استجلابا في الصلاة، وستهدم السد الذي أقامه الشيطان بين عقلك وقلبك ليخشع القلب بعد أن وعى العقل.
واحتفظ بنسخة دائمة منه في مكتبتك لا تفرط بها مهما حدث، لترجع إليها كلما دب إلى صلاتك الفتور وزار قلبك الوهن.
والآن .. ضعوا يديكم في يدي، ولنجدد العهد مع الله من جديد على أن نصلي له كما يريد، وأن نلبي دعوة هذا الكتاب لإنقاذ صلاتكم، ولنحول حروف هذا الكتاب إلى شهود لنا يوم الحساب، ولتخرج كلماته من شرنقة الصفحات لتحلق في أجواء السماوات، ولتتحول العبارات من كتل هامدة بين السطور إلى قوة دافعة وطاقة وثابة؛ تهوي بقلوبنا إلى محراب الصلاة لنرتوي ونرتقي، ومع الأحبة في بيوت الله نلتقي، وعندها فحسب ندرك ونصيب هدف الصلاة بحق ونحقق مقصودها.
كتبه حامدا تائبا الفقير إلى عفو ربه وصفحه
د. خالد ابو شادی
بيض الله وجهه ووقاه أسكن الله من قال آمين
حشرة الفوت يوم أن يلقاه جنة الفردوس واستجاب دعاه