خيانة المثقفين
إدوارد سعيد
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: يُصرُّ إدوارد سعيد في (نصوصه الأخيرة) على فضح كل أصوات التخاذل ومواقف الصمت، التي لاذت بها النخب الثقافية في مجتمعاتنا العربية، والتي طالما خضت لهيمنة القوة وسلطة التخوين والتشكيك، ووضع نفسه في مجابهة ضد كل أشكال العنف الفكري والتخوين المجتمعي، مع ثلة الطبقة الحاكمة والحزب الواحد والتي استذلت الشعوب في ظل ظروف وأحداث قاسية ومريرة.
وهذا الكتاب يعرض التراث الفكري والقيمي الذي تبناه إدوارد سعيد خلال حياته الثقافية ككاتب سياسي ومفكر عربي من خلال لوحاته الثقافية المنثورة في المجلات الأدبية والجرائد والكتب التي ضمنها فكره التحرري المتمرد على الهيمنة الإمبريالية، مدافعاً عن الهوية والعدالة، وفاضحاً زيف الروايات التي تسلب المقهورين أرضهم وتاريخهم.
ولا شكَّ أن التراث الفكري والقيمي الذي خطّه سعيد لم يكن ترفاً أكاديمياً، بل كان جبهة مواجهة حقيقية ضد ما أسماه بـ "خيانة المثقفين". فقد رأينا في واقعنا المعاصر كيف سقطت الأقنعة عن وجوهٍ ملأت الدنيا صخباً بالحديث عن الحرية والعدالة، فلمّا حزّت المحزّ ووضعت الأمة في أتون المحرقة، تحول أولئك النخبة من حماة للحقيقة إلى مسوّغين للمأساة، ومبررين للهزيمة، يبيعون الحبر والمصطلح لمن يدفع أكثر، ويركبون موجة الوجاهة على حساب جراح المشردين والمنكوبين في الساحات والمخيمات.
لقد تخلّى هؤلاء عن صفتهم الأهم كـ "هواة" يتحركون بوازع الضمير النقي والانحياز الأخلاقي للضعفاء والمنبوذين، وتحولوا إلى "محترفين" وخبراء استراتيجيين يروّضون الحقيقة لتناسب مقاسات الأنظمة ومصالح الأحزاب. وبدلاً من أن يصدعوا بـ "قول الحقيقة في وجه القوة"، تفرغوا لصياغة الأعذار لتلك القوى الطاغية، فصاروا بوقاً يشرعن الاستبداد من جهة، ويسوّق للمغامرات غير المحسوبة التي يدفع ثمنها البسطاء من دمائهم ومستقبلهم من جهة أخرى، متحصنين خلف جدران واهية من الموضوعية الباردة والتحليلات العقيمة.
وفي هذا السياق، تبرز مأساة المثقف الغربي "الإنساني" الذي أقام حضارته الفكرية على شعارات حقوق الإنسان والكرامة البشرية، لكنه أصيب بعمى أخلاقي فاضح أمام دماء غزة وأطفالها. لقد رأينا كيف تعبث غريزة الانحياز الإمبراطوري بضمائر هؤلاء، وكيف هان عليهم الالتزام بمبادئهم ليتبنوا رواية الجلاد، ويبرروا الإبادة تحت عباءة "الدفاع عن النفس"، مستخدمين أرقى نظريات الفلسفة لتلميع أقبح صور الفصل العنصري والتوحش، مؤكدين أن إنسانيتهم المزعومة تقف عاجزة وصامتة عند حدود جغرافيتنا المكلومة.
أما على الجانب الآخر، فقد كشفت المحنة عن طائفة من المثقفين العرب الذين آثروا التنعم بظلال عواصم اللجوء الفاخر، وفنادق الدوحة وإسطنبول، ومحافل لندن، ليمارسوا من هناك "الجهاد النظري" والتنظير للموت والخراب. هؤلاء الذين حولوا تضحيات غزة وآلامها إلى مادة دسمة لندواتهم الفكرية وجوائزهم الأكاديمية، وهم أبعد ما يكونون عن قيظ الخيام وحصار الجوع؛ فباتت أقلامهم شريكة في ذبح القضية، لأنها تُباع في أسواق التمويل الخارجي وتخدم برامج الهيمنة الإقليمية بعيداً عن الوجع الحقيقي لأصحاب الأرض.
إن المثقف الذي نحتاجه اليوم هو ذلك الذي يرتضي لنفسه "المنفى المجازي" ليبقى حراً من قيد المؤسسة، وبعيداً عن إغراءات السلطان والمال؛ مثقفٌ يرفض الاصطفاف الأعمى والتبعية الفصائلية، ويعيش هموم شعبه نبضاً ودموعاً، يرى في معاناة جيله دافعاً للبناء الحقيقي والتخطيط المستنير، لا وقوداً لحروب عبثية تخدم أجندات عابرة للحدود. إنه ذلك الصوت الصادق الذي يفضح التزييف أياً كان مصدره، ويعيد صياغة الرواية الوطنية العادلة بوضوح وجرأة، بعيداً عن أوهام البطولات المزعومة والخطابات الجدارية المكتوبة.
وهنا تتقاطع مأساة "خيانة المثقفين" مع الفراغ الفكري والسياسي القاتل الذي نعيشه، حيث ضاع المنهج الرشيد وحلّ محله الارتجال والارتزاق بالدم. ومن هذه الأرضية الفكرية المضطربة، نجد أنفسنا في أشد الحاجة للعودة إلى القراءة الواعية والمراجعة الجادة للذات وبناء الرؤى المتكاملة؛ وهو ما يقودنا مباشرة إلى إعادة قراءة وتحليل هذه النصوص الأخيرة التي تركها لنا إدوارد سعيد كشاهدٍ على العصر وأزماته الممتدة...
_____________________________________________
الإسلام
تصدى إدوارد سعيد لكل الهجمات التي استهدفت الإسلام والعرب إذ لا يمكن الفصل بين الحضارة الإسلامية والعربية لهذا فإن كل محاولات التشكيك والتشويه التي تعرض لها الإسلام تطال العرب بطبيعة العلاقة المتبادلة بينهما ويعود تاريخ العداء منذ نشأة الإسلام وصدامه مع الإمبراطورية البيزنطية إلى الأندلس ثم الحروب الصليبية وما تعرض له العرب والمسلمون من الاستعمار الغربي في العصور الحديثة ولا تزال الحملات مستمرة بشكلها المباشر كما في العراق، أو غير المباشر في معظم البلدان الإسلامية. لقد احتاج الاستعمار إلى إيديولوجية تبريرية فأطلق عقيرة زمرته المأجورة من المفكرين لصبغ الإسلام بالتعصب والدونية والجهل والظلام وحاجته الماسة لمن يقوده إلى التقدم والنور والديمقراطية.
تسترت الحملات الاستعمارية بذرائع متنوعة جلها دينية منذ الحملات الصليبية إلى التكليف الإلهي للرئيس الورع بوش باحتلال العراق وقتل الملايين من الشعب العراقي جراء الحصار الظالم أولاً والقصف الهمجي لاحقاً. انبرت مؤيدة لهذا الصراع الطويل والدائم فيالق من المفكرين الذين افتقروا إلى أدنى درجات الضمير والمسؤولية؛ فصاغوا النظريات والأفكار التي تناسب الغزو والاحتلال ويجمع بين هذه النظريات التركيز على دونية الآخر غير الغربي وتخلفه والأخذ بيد المتخلف إلى التقدم أو الديمقراطية أو الحضارة.
لقد قسم ديربليو التاريخ إلى مقدس يمثله المسيحيون واليهود ومدنس يمثله المسلمون وبهذا ينتمي المسيحيون واليهود إلى جغرافية متقدمة والمسلمون إلى جغرافية متخلفة. أما غرونبام فقد أنكر في أعماله الكثيرة عن الإسلام انتماء الإسلام إلى أي ثقافة فهو برأيه عاجز ومغلق وغير قابل للتطور وتوصل ماكس فيبر في كتابه (الإسلام والرأسمالية): إلى أن الإسلام لا يحتوي على أي أخلاق تتفق أو تتلاءم مع الروح الرأسمالية، أما المجتمع المسلم فهو مستبد ولا عقلاني.
ورأى برنارد لويس في كتابه عودة الإسلام، أن الإسلام لا يتطور حاله كحال المسلمين، فهم خائفون ويجب أن يوضعوا دائماً تحت الرقابة.
يفسر إدوارد سعيد هذه الظاهرة العدوانية المستفحلة والدائمة فيقول: (تطور الشعور بالإسلام كتهديد للآخر - بتصوير المسلمين متعصبين وعنيفين وشبقين وغير عقلانيين - في أثناء الفترة الاستعمارية فيما سميته بالاستشراق. إنه دراسة الآخر ويتعلق كثيراً بالتحكم والسيطرة الأوروبية والغربية عموماً في العالم الإسلامي واستمر ذلك الشعور لأنه مؤسس على جذور دينية راسخة بعمق، إذ ينظر إلى الإسلام كمنافس للمسيحية. لو نظرنا إلى مناهج أغلب الجامعات والمدارس في هذه البلدان، فيما يتعلق بصدامنا الطويل مع العالم الإسلامي، ستجد هناك القليل جداً مما يمكن اعتباره تثقيفياً وتنويرياً حقاً عن الإسلام.
لو نظرت إلى وسائل الإعلام المنشورة، سترى أن النموذج النمطي الذي بدأ مع رودولف فالنتينو في الشيخ قد ظل حقاً وتطور إلى وغد عابر للقوميات في التلفزيون والسينما والثقافة عموماً. من السهل إطلاق التعمیمات عن الإسلام. کل ما علیك فعله أن تقرأ أي عدد من ذا نيوريببلك لترى أن الشر المتطرف هو ذلك المترافق مع الإسلام والعرب لأن ثقافتهم فاسدة وهلم جرا. هناك تعميمات بغيضة تطلق في الولايات المتحدة ضد أي جماعة دينية أو أثنية.)
تزايدت تلك الهجمات والحملات بعد انتهاء الحرب الباردة والخلاص من (الخطر الأحمر) بسقوط منظومة الدول الاشتراكية في أوروبا الشرقية وتفكك الاتحاد السوفييتي السابق وأصبحت الامبريالية الأمريكية - الأوروبية بحاجة إلى عدو جديد كغطاء لحروبها ونهبها لثروات الشعوب فاستحضر مفكروها الممسوسون (الخطر الأخضر) و(الاسلامفوبيا) و(الإرهاب).
وكان المميز في هذا المجال المأفون صمويل هتنغتون بكتابه سيء الذكر (صدام الحضارات) الذي رأى فيه بأن الصراعات السابقة حدثت داخل الحضارة الأوروبية نفسها، لكن صراعات القرن القادم (الواحد العشرين) ستكون بين الحضارات، وقسم العالم إلى حضارات رئيسة ثمانية ورشح الحضارة الإسلامية للصدام مع الحضارة الغربية وحدثت حوادث 11 أيلول الهوليودية لتسوغ الاحتلال الأمريكي لأفغانستان والعراق ولرسم خارطة للشرق الأوسط الجديد التي لم تکتمل بسبب ما واجهه الاحتلال من مقاومة.
يقول هتنغتون في كتابه المذكور: (ترى فرضيتي أن المصدر الأساسي للصراع في العالم الجديد لن يكون إيديولوجياً أو اقتصادياً في المقام الأول، وسيكون مصدر الانقسامات الكبيرة بين الجنس البشري والصراع المهيمن ثقافيا. ستبقى الدول - الأمم العوامل الأقوى في الشؤون الدولية، لكن الصراع الرئيسي للسياسة الدولية سينشب بين أمم وجماعات من حضارات مختلفة؛ كما سيطغى صدام الحضارات على السياسة الكونية. ستكون خطوط التصدع بين الحضارات خطوط المعركة في المستقبل).
دُعّمت هذه النظريات بعلم الاستشراق والاجتماع والانثربولوجيا والعلوم السياسية والثقافية والحضارية ورأت أن السبيل الوحيد إلى التطور يمر من خلال المنهجية الغربية وماديتها، وأعادت التأكيد على سلبية الشرق وعدم قدرته على الإبداع والتغيير، والإسلام في رأيها دین أصولي والمسلمين مجموعة من الغوغاء والرعاع والمتخلفين الرجعيين الذين يعشقون الحروب ويميلون إلى الدموية وإلغاء الآخر.
فضح سعيد في كتابه تغطية الإسلام النظرة الغربية للإسلام والتنميط الغربي السردي للمسلمين باعتماد النصوص الجاهزة التي تجذرت في عقول العديد من المفكرين والمستشرقين ورجال وسائل الإعلام الغربية ليفضح القراءة الغربية، ويسلط الضوء على قضايا في غاية الأهمية تواجه مستقبل العرب والمسلمين في هذا الزمن. هذه الظاهرة أطلق عليها سعيد اسم النمطية السردية الهادفة إلى هزيمة الآخر معنوياً ونفسياً واغتيال شخصيته الأخلاقية.
لقد ارتبط الإسلام بمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا التي ترفض تقبل الديمقراطية والليبرالية والانفتاح ولهذا هي غير مرشحة لأن تكون مركزاً للإنجازات الثقافية والحضارية العظيمة. إن الإسلام في العقلية الغربية غير قابل للتطور أو التغيير، لأن روح الإسلام لا يمكن أن تلتقي مع روح وأخلاقيات النظام الرأسمالي القائم على المنافسة والتعددية والعقلانية، أما المجتمع الإسلامي فهو مجتمع مغلق مستبد غير عقلاني، تذوب فيه النوازع الفردية ويكون الصوت النهائي المسموع فيه للقيم المجتمعية المتخلفة التي تعلي من شأن الطاعة والقبيلة والعشيرة.
حتى أن برنارد لويس، المستشرق المعروف ذهب إلى حد القول إن الإسلام لا يتطور وإن المسلمين خائفون من أي عملية تغيير أو تطور لأن المسلمين مثلهم مثل الشعوب الشرقية الأخرى التي وقعت تحت سيطرة الاستعمار، عاجزون عن قول الحقيقة ومواجهة الواقع، فهم مدمنون على الخرافات والأساطير والتاريخ الكاذب.
لم تتغیر الصور التي ترسمها وسائط الإعلام للعربي منذ قرون، بل إنها تكرر مقولاتها، فمثلاً تجد ديفيد برايس الذي لا يعرف اللغة العربية ولا الحضارة العربية ولديه الوقاحة لاتهام الحضارة العربية بالعيب والعنف في كتابه الدائرة المغلقة أما برنارد لويس الذي تظاهر بالحيادية وبعده عن التسييس بينما هو في الحقيقة أداة مسخرة لصالح الحملات الصليبية الجديدة المناهضة للإسلام والعرب فقد رأى بأن العالم الإسلامي لم يهتم بحيازة المعرفة.
ثم هناك جيل من المستشرقين المؤدلجين مثل دانييل بايبس في كتابه (على درب الله): الإسلام والسلطة السياسية، كتاب بعيد عن المعرفة ومکرس لخدمة مصالح الولایات المتحدة، فالإسلام عند بابیس (حكاية متقلبة و حركة سياسية تتدخل في شؤون الغرب وتقلقه وتحرّض على العصيان والتعصب في كل أنحاء العالم).
ويتجلى في تلك الكتب أهم موضوعات الاستشراق فالمسلمون (عاجزون عن تمثيل أنفسهم؛ لذا يتوجب تمثيلهم من قبل آخرين، يعرفون عن الإسلام أكثر مما يعرف الإسلام عن نفسه).
ظهرت في أواخر القرن العشرين مصطلحات جديدة مثل (الإرهاب)، و(الخطر الأخضر) و(الإسلاموفبيا) ورُوِّجت في التيار الفكري السائد حتى أصبح الإسلام العدو الرئيسي للولايات المتحدة والغرب.
وفي ظل غياب الأصوات التي تطالب بطرد المسلمين من الغرب والتحذير بأنهم يشكلون قنابل ديموغرافية هدفها تحويل المجتمعات الغربية إلى مجتمعات إسلامية.
تارة يمنعون المآذن وأخرى يمنعون النقاب أو الحجاب ناهيك عن الغيتوات التي حشروا المسلمين فيها، والتمييز الذي يعانونه في كل المجالات. لقد نسي الغرب بأنه سرق ونهب خيرات بلدان هذه الجماعات المهاجرة ويجب عليه تعويض القليل منها باحترام هذه الجماعات ومعاملتها في صورة إنسانية لائقة.
ویری إدوارد سعید بأن الولایات المتحدة هي البلاد الأکثر تدیناً في العالم وتخترق إشارات الرب ورموزه الحياة الوطنية من العملة إلى الأبنية: بالرب نثق، بلاد الرب، بارك الله أميركا. كما أن قاعدة سلطة الرئيس بوش التي يصل تعدادها إلى ستين مليون هي من المتشددين المسيحيين الذين يعتقدون مثله بأنهم رأوا المسيح وأنهم يقومون بعمل الرب في أرض الرب.
لقد استفحلت في الغرب الفكرة الخاطئة لنظرية فوكوياما عن نهاية التاريخ أو نظرية صامويل هنتينغتون عن صدام الحضارات، كلاهما زعماً خاطئاً بأن التاريخ الثقافي له حدود واضحة أو بدايات وأواسط ونهايات، في حين يمثل المجال الثقافي - السياسي مكان صراع حول الهوية وتحديد الذات.
_______________________________________________
القضية الفلسطينية
شكلت القضية الفلسطينية محوراً مركزياً في حياة سعيد وأعماله. لقد غادر القدس منذ عام 1947 ثم حدثت نكبة الـ48 وأصبح لاجئا مع ملايين الفلسطينيين الآخرين الذين طردوا من بيوتهم وجردوا من أملا کهم وحین عاد إلی القدس في أوائل تسعینیات القرن العشرین وجد بيت عائلته في حي الطالبية في القدس تحتله زمرة من المستوطنين. منذ البداية رغم صغره بوجود مشكلة كبيرة تهدد حياة أسرته ووطنه دون أن يدرك ماهيتها جيداً.
كانت حرب الأيام الستة في الـ67 نقطة تحول بالنسبة لادوارد سعيد وكل المغتربين الفلسطينيين، فقد أدت إلى بحث مضن عن الهوية وحدد انتماءه القومي وأدرك ضرورة النضال في سبيل قضية شعبه العادلة، ضد عدو عنصري محتل لم يعرف التاريخ مثله شبيها في الإجرام والوحشية.
برز ادوارد سعيد في تلك الحقبة كناشط مميز بين زملائه من المثقفين، فأنشأ معهم رابطة لخريجي الجامعات الأميركية المنحدرين من أصل عربي لنشر الوعي الأميركي العام وتعميقه حول القضايا العربية عامة والقضية الفلسطينية خاصة. تمكنت الرابطة من تحقيق انجازات ملموسة في مختلف الأوساط الأميركية وبين أبناء الجالية العربية على امتداد عقدين، ما بين أواخر الستينات وأواسط الثمانينات، وكان إدوارد من ألمع الذين ترأسوا الرابطة وأبرع الناطقين بلسانها وذلك لما تمتع به من كاريزما وشفافية وقدرة على طرح قضاياه بأسلوب المتفهم للعقل الغربي وتركيبة المجتمع الأميركي.
آمن إدوارد سعيد بالدولة الديمقراطية الفلسطينية الواحدة التي يعيش فيها المسلم والمسيحي واليهودي على قدم المساواة كحل لقضية فلسطين ووضع حداً للصراع العربي - الإسرائيلي واقتنع بأن الحل لا يأتي إلا من خلال النضال السلمي وطاولة المفاوضات وتعبئة الرأي العام العالمي لمناصرة الحق العربي والتعاون مع ناشطي السلام الإسرائیلیین، ونبذ العمليات التفجيرية الانتحارية لأنها تستغل في تشويه طبيعة النضال الفلسطیني العادل وتصبغه بصبغة إرهابية.
وقال عنه محمد حسنین هيكل في رثائه في صحيفة الأهرام ويكلي (کمحاضر کان مدافعاً فعالاً عن حقوق أمته وشعبه، ونجح من خلال ما لقد شعر کتبه في اختراق ضمیر کل من خاطبهم. كان يملك قوة تعبیریة هائلة، وقادراً على استحضار فكرته بعبارات ساحرة واضحة ويصدر صوته شعاعا منيرا له قوة التنبيه. لقد تعرض ادوارد سعيد لحملة آئمة ارتكبتها الجماعات المؤيدة لإسرائيل التي أقلقها تأثيره، وسببت ردود أفعال متنوعة برهنت مدی فضله. لكن هذه الحملات لم توقفه لأنه كان يسعى وراء السلام في صمیم قلبه. لقد سعی إلی سلام عادل دائم.)
حاول حل القضية الفلسطينية سلمياً، وجلب معه خطة حل عرضها على ياسر عرفات في بيروت عام 1978، ثم عاد مرة أخرى عام 1979، لكن الأخير لم يكترث بها. عارض إدوارد سعيد عرفات الذي فرط بحقوق الفلسطينيين في أوسلو وقال عن الاتفاقية بأنها (استسلام وليست سلام وستحول غزة إلى اكبر سجن في العالم أما الضفة فهي باتوستانات محاصرة تعتمد في بقاءها على إسرائيل التي تسيطر على هوائها ومائها وحدودها.)
ويقول إدوارد سعيد (الرؤية هنا ليست دولة مؤقتة مصطنعة على %40 من الأرض، مع التخلي عن اللاجئين واحتفاظ إسرائيل بالقدس، وإنما أرض ذات سيادة يحررها من الاحتلال العسكري تحرك جماهيري يشمل العرب واليهود حيثما أمكن ذلك.)
شكل مع بعض الشخصيات الوطنية المبادرة الوطنية والمجلس الوطني الفلسطيني بهدف قيادة الكفاح الفلسطيني، والتمسك بالثوابت الوطنية المتمثلة في استعادة الأراضي الفلسطينية وحقوق عودة اللاجئين الفلسطينيين، ودعا المجلس إلى انتخابات حقيقية في كوادر منظمة التحرير الفلسطينية التي سيطر عليها عرفات وزمرته. كما كان سعيد يطمح إلى أنسنة النضال الفلسطيني لكسب التعاطف والتأييد العالميين ورأى في تجربة حزب المجلس الوطني في جنوب أفريقيا العنصرية نموذجا. حيث استطاع الأفارقة السود بالتعاون مع البيض إسقاط نظام الابارتايد واستبداله بنظام ديمقراطي.
لکن من وراء ذلك ینبثق تیار قومي دنوي (علماني) جدید ببطء. من المبكر أن نسميه حزبا أو كتلة، لكنه الآن مجموعة واضحة لها وضع مستقل وشعبي حقیقي. من بینهم الدکتور حیدر عبد الشافي والدکتور مصطفى البرغوثي (دون الخلط مع قريبه البعيد الناشط في حركة فتح مروان البرغوثي) مع إبراهيم دقاق والبروفيسور زياد أبو عامر ومحمود العكر وأحمد حرب وعلي الجرباوي وفؤاد مغربي وعضو المجلس التشريعي راوية الشوا وكمال شيرافي والكتّاب حسن خضر ومحمود درویش ورجا شحاذه وريما ترازي و غسان الخطيب وناصر عروري وإيليا زريق وأنا.
في أواسط كانون الأول، أصدرنا بياناً جماعياً غطته بشكل جید وسائل الإعلام العربیة والأوروبیة (لکنه مر دون ذکر في الولایات المتحدة وإسرائيل) داعياً إلى الوحدة الفلسطينية والمقاومة وإنهاء غير مشروط للاحتلال الإسرائيلي. نعتقد أن التفاوض تحسين للاحتلال وإطالة لبقائه. لا يأتي السلام إلا بعد انتهاء الاحتلال.
إن أكثر أقسام البيان جرأة تركز على الحاجة إلى تحسين الوضع الفلسطيني الداخلي، وأوله تعزيز الديمقراطية وتصحيح عملية صناعة القرار (التي يسيطر عليها عرفات وجماعته)، وتأكيد الحاجة إلى استرداد سيادة القانون، واستقلال القضاء، ومنع أي استغلال آخر للأموال العامة، وتقوية أدوار المؤسسات العامة لكي تعطي كل مواطن الثقة في تلك المؤسسات التي خصصت بوضوح للخدمة العامة. وآخر هذه المطالب وأهمها هو الدعوة إلى انتخابات برلمانیة جدیدة.
تعرض سعيد لكافة أشكال التخويف التي تنوعت من التهديد اللفظي إلى محاولات الاغتيال الفعلية، لكنه لم يكترث وظل صوتاً شجاعاً يهدر بالحق في كل المحافل الدولية. كما طالبت المنظمات الصهيونية في الولايات المتحدة وعلى رأسها الايباك بفصله من الجامعة ولقب ب(بروفیسور الإرهاب) لکنه لم ینثن أو تلن له عزيمة.
تميز نضاله باعترافه بحق الآخر في الوجود، الآخر الذي كان ضحية للنازیة، لکنه رفض أن یکون ذلك مبرراً لاضطهاد شعبه. فمن حق يهود فلسطين أن يعيشوا مع العرب الفلسطينيين، ولكن ليس من العدل أن يأتي يهود المجر أو إثيوبيا ويطردوا أهالي القدس وحيفا وعكا من بيوتهم أو يبيدوهم في مجازر جماعية ليعيشوا محلهم.
فضح سعيد كل الأساطير الصهيونية التي حاولت طمس التاريخ الحقيقي وادعت بأن فلسطين أرض بلا شعب واليهود شعب بلا أرض. وعرى التحالف الإسرائيلي - الصهيوني من جهة، والأمريكي -الأوروبي من جهة ثانية الهادف إلى إبقاء الاحتلال، وتمكین إسرائيل كقاعدة متقدمة للأطماع الغربية. لقد عول سعيد كثيرا على أهمية الرأي العام الغربي عامة، والأمريكي خاصة لكون أمريكا القوة العظمى الوحيدة في العالم وما تمثله من تأثير على القضية الفلسطينية والعربية، وطالب بفتح كليات للدراسات الأمريكية في الجامعات العربية ليعرف العرب تعقيدات المجتمع والحكم في أمريكا، ومخاطبتها بلغة تفهمها، وإزالة الوهم الذي رسخته الدعاية الصهيونية في الوعي الأمريكي.
خاطب إدوارد الإنسان في إنسانيته وليس في هويته، ورأی بأن حقوق الإنسان واحدة للبيض وللسود، وأهمها الحق في العيش، وفي حرية التعبير، وحق تقرير المصير، وناوأ العنصرية والتمييز والاستبداد، ودعا إلى المساواة والديمقراطية والإنسانية. وتساءل عن سبب عدم استحواذ النضال الفلسطيني على اهتمام العالم وأفكاره ولماذا لا يظهر كصراع أخلاقي عظيم كما قال مانديلا عن تجربة جنوب إفريقيا، وينال الدعم العالمي، وأکد بأن مجرد الکلام عن السلام عموماً لا یکفي یجب (أن نقدم أسسا مادية له، ناتجة عن رؤية أخلاقية، بعيدة عن [البراغماتية] أو [الذرائعيةً). إن أردنا أن نعيش - هذا هو واجبنا الأساسي - يجب أن لا نستحوذ على خيال شعبنا فحسب بل خيال مضطهدينا أيضاً، ويجب أن نتمسك بالقيم الإنسانية الديمقراطية.)
_________________________________________________
- حول مفهوم المثقف:
اختلفت الآراء والتصورات النظرية حول مفهوم المثقف، ولعل ذلك يرجع إلى الاختلاف في تعريفات المثقف من لغة إلى أخرى، ولتداخل هذا المفهوم مع مفاهيم أخرى. في اللغات الأوروبية المعاصرة، ولاسيما الإنجليزية، استخدمت كلمات مرادفة للمثقف كالمتعلم، فماكس فيبر يعتقد أن المثقف يحمل صفات ثقافية وعقلانية مميزة، تؤهله للنفاذ إلى المجتمع، والتأثير فيه بفضل المنجزات القيمية الكبرى.
أما إدوارد شيلز، فيعرف المثقف على أنه الشخص المتعلم الذي يمتلك طموحاً سياسياً للوصول إلى مراكز صنع القرار السياسي، أو من خلال دوره المحوري الحاسم في توجيه المجتمع عن طريق التأثير على القرارات السياسية الهامة التي تؤثر في المجتمع ككل.
ميزة هذا المثقف قدرته العالية على استخدام رموز ودلالات ومفاهيم لغوية عالية متصلة مباشرة بالإنسان والكون والفرد والمجتمع. (إبراهيم: 1984) ويذهب هشام شرابي إلى الاعتقاد أن المثقف هو الشخص الملتزم والواعي اجتماعياً بحيث يكون بمقدوره رؤية المجتمع والوقوف على مشاكله وخصائصه وملامحه، وما يتبع ذلك من دور اجتماعي فاعل من المفروض أن يقوم به لتصحيح مسارات مجتمعية خاطئة .
(أما برهان غليون فيقول إن المثقف هو من ينتمي إلى طبقة اجتماعية فاعلة في المجتمع بحيث تتميز عن غيرها بتفكيرها العالي والناقد، وتدخل في عملية الصراع الاجتماعي والسياسي، وفي النهاية يكون تأثيرها واضحاً، إما من خلال مشاركات قوية لصنع السياسة والقرار السياسي، أو من خلال أعمال فكرية كبيرة تؤثر في الناس والمجتمع فكرياً وثقافياً ومعنوياً).
يرسم فيصل الدراج في رثاء لصديقه هادي العلوي، صورة وردية للمثقف الذي لا يساوم ولا يقبل أنصاف الحلول عندما تتعلق القضية المتداولة والمطروحة للبحث أو النقاش بالحرية والكرامة الوطنية. فالمثقف بناء على هذا التصور (شامخ شموخ الجبال، لما يحمله بين جوانحه من أفكار كبرى وقيم عظيمة لا تتغير مع تغير المواسم ولا تتأثر بالاجتهادات الموسمية. يندفع المثقف، المسلح بعلمه وشفافيته وعقلانيته، للدفاع عن الأمة والوطن خاصةً في أوقات المحن والضياع والانكسار المعنوي والحضاري، ويجعل من الاستقلال الوطني والمحافظة على أصالة الثقافة الوطنية قضيته الأولى في ظل زمن تسوده العولمة).
أما هادي العلوي فیری بأن ( دور المثقف العربي مهم وضروري في ظل سيطرة السلطة التسلطية / السلطوية على الفضاء السياسي والاجتماعي والثقافي في البلدان العربية، فالدولة العربية ذات الطابع الوطني والشعبوي تقوم على منطلقات تعزيز الفساد السياسي والإداري والمالي، وتحاول دائماً إغراء المثقف للانضمام إلى أجهزتها وأحزابها وقنوات سيطرتها السرية. هذا الابتزاز المنظم للمثقفين والأنتلجنسيا يجب أن يقابل بتمرد وعدم خضوع المثقف لمثل هذه الابتزازات أو الإغراءات لأن "المستفيد ليس الدولة ولا الجماهير بل رؤوس الدولة وأزلامها الذين يمنون على الشعب أنهم حرّروه وأطعموه وأوصلوه إلى مصاف الدول الوطنية المستقلة).
________________________________________________
خيارات واعدة في فلسطين - 15كانون الثاني 2002
بعد خمسة عشر شهر، ليس للانتفاضة الفلسطينية ما تفاخر لنفسها به سياسياً سوى القليل، رغم الثبات اللافت للنظر، للشعب المحتل والمطرود من أرضه وتسليحه الضعيف وقيادته الهزيلة التي تحدت تدمیر آلة الحرب الإسرائيلية العديمة الرحمة.
في الولايات المتحدة، رددت الحكومة، مع حفنة قليلة من الاستثناءات، ووسائل الإعلام أصداء بعضها البعض بتناغم العنف الفلسطيني والإرهاب، دون أدنى إنتباه إطلاقاً إلى الاحتلال العسكري القائم منذ خمس وثلاثين عام، الأطول في التاريخ الحديث. نتيجة للإدانات الأمريكية الرسمية لسلطة ياسر عرفات منذ 11 أيلول كملاذ وحتى رعاية للإرهاب زادت دعمها لطلب حكومة شارون المنافي للعقل بأن إسرائيل ضحية الاعتداءات الفلسطينية في العقود الأربعة من الحرب التي شنتها إسرائيل ضد المدنيين والملكيات والمؤسسات دون رحمة أو تمييز.
النتيجة اليوم أن الفلسطينيين محبوسين في 220 جيتو يسيطر عليها الجيش الإسرائيلي ودبابات الميركافا ومروحيات الأباتشي التي تزودهم بها الولايات المتحدة وطائرات الأف سيكستين التي تحصد الناس الآن والبيوت وكروم الزيتون والحقول بشكل يومي؛ وتعطلت الحياة تماماً في الجامعات والمدارس والشركات والمؤسسات المدنية؛ تم قتل المئات من المدنيين الأبرياء وأصيب أكثر من 20,000 شخص؛ واستمر اغتيال القادة الفلسطينيين، ووصلت البطالة والفقر إلى خمسین بالمائة ۔ کل هذا بینما اجنرال انثوني زیني أضجرنا بحدیثه الرتیب عن العنف الفلسطيني مع البائس عرفات الذي لا يستطيع مغادرة رام الله لأن الدبابات الإسرائيلية تسجنه هناك وبينما قوات أمنه المشتتة تفر محاولة النجاة من الدمار الذي حل بمكاتبهم وثكناتهم.
وزاد الطين بلة، الفلسطينيون الإسلاميون الذين يعبثون في طواحين الدعاية الإسرائيلية وقواتها الجاهزة دوماً بواسطة اندفاعات عرضية لهجمات انتحارية بربرية مستهترة أجبرت عرفات في أواسط کانون الأول بأن يحول قواته الأمنية المعقدة ضد حماس والجهاد الإسلامي، واعتقال الميليشيات وإغلاق المكاتب وإطلاق النار أحياناً على المتظاهرين وقتلهم.
كلما طلب شارون أمراً أسرع عرفات بتنفیذه، حتى حين يكون شارون يعد طلباً آخراً، كتحريضه لحدث أو قوله ببساطة - بدعم من الولايات المتحدة - أنه غير راض، وأن عرفات يظل إرهابي دخيل (الذي حرمه بشكل سادي من حضور عيد الميلاد في بيت لحم) غرضه الوحيد في الحياة هو قتل اليهود.
لهذا العدد غير المنطقي من الهجمات ضد الفلسطينيین، على الرجل الذي هو قائدهم شاءوا أم أبوا وعلى كيانه الوطني الذليل، ورد عرفات المحير إقتصر على المطالبة الدائمة بالعودة إلى المفاوضات، کما لو أن حملة شارون الواضحة ضد احتمال أي مفاوضات لم تحدث، وكما لو أن كل فكرة مفاوضات أوسلو لم تتبخر سلفاً. ما يدهشني هو عدم وجود أحد، باستثناء عدد صغير من الإسرائیلیین (آخرهم ديفید غروسمان)، يخرج ليقول علنا فقط بأن إسرائيل تقمع الفلسطينيين وتضطهدهم.
نظرة أقرب إلى الواقع الفلسطيني تروي قصة أكثر تشجيعاً. أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة، أن عرفات وخصومه الإسلاميين (الذين يدّعون أنفسهم بالمقومة) نالوا بين 40 و 45 بالمائة على التوالي من القبول الشعبي. هذا يعني أن الأكثرية الصامتة من الفلسطينيين ليست مع السلطة التي خانت الثقة في أوسلو (أو مع نظامها الفاسد والقمعي المخالف للقانون) ولا مع العنف الإسلامي.
حتى الداهية التكتيکي عرفات، كان یرد دائماً بتفویض النائب الدكتور ساري نسيبه - المقدسي البارز ورئيس جامعة القدس والفتحاوي القوي - بإلقاء خطابات كبالونات اختبار توحي أنه لو كانت إسرائيل أكثر عدلاً فربما تخلى الفلسطينيون عن حق العودة. بالإضافة إلى أن عدد وافر من الشخصيات الفلسطينية القريبة من السلطة (أو بدقة أكبر، التي نشاطاتها لم تكن مستقلة عن السلطة أبداً) وقع بیانات وذهب في رحلة مع ناشطي سلام إسرائيليين كانوا من خارج السلطة أو غير مؤثرين ومشكوك بهم.
يفترض بهذه الممارسات المثبطة للهمة أن تظهر للعالم بأن الفلسطینیین راغبین لصنع سلام بأي ثمن، حتی بالتكييف مع الاحتلال العسكري. لكن عرفات يظل غير مهزوم طالما نهمه الذي لا يشبع في البقاء في السلطة موجوداً.
لکن من وراء ذلك ینبثق تیار قومي دینوي (علماني) جدید ببطء. من المبكر أن نسميه حزباً أو كتلة، لكنه الآن مجموعة واضحة لها وضع مستقل وشعبي حقیقي. من بینهم الدکتور حیدر عبد الشافي والدکتور مصطفى البرغوثي (دون الإرباك مع قريبه البعيد الناشط في حركة فتح مروان البرغوثي) مع إبراهيم دقاق والبروفيسور زياد أبو عامر ومحمود العكر وأحمد حرب وعلي الجرباوي وفؤاد مغربي وعضو المجلس التشريعي راوية الشوا وكمال شيرافي والكاتب حسن خضر ومحمود درویش ورجا شحاذه وريما ترازي و غسان الخطيب وناصر عروري وإيليا زريق وأنا.
في أواسط كانون الأول، أصدرنا بياناً جماعياً غطته بشكل جيد وسائل الإعلام العربية والأوروبية (مر دون ذكر في الولايات المتحدة وإسرائيل) داعياً إلى الوحدة الفلسطينية والمقاومة وإنهاء غير مشروط للإحتلال الإسرائيلي، لكن بالتزام الصمت المتعمد حول العودة إلى مفاوضات أوسلو. نعتقد أن التفاوض تحسين للاحتلال ومساو لتطويله.
لا يأتي السلام إلا بعد انتهاء الاحتلال. أكثر أقسام البيان جرأة تركز على الحاجة إلى تحسين الوضع الفلسطيني الداخلي، وأوله تعزيز الديمقراطية وتصحيح عملية صناعة القرار (التي يسيطر عليها عرفات وجماعته)، وتأكيد الحاجة إلى استرداد سيادة القانون واستقلال القضاء ومنع أي استغلال آخر للأموال العامة وتقوية أدوار المؤسسات العامة لكي تعطي كل مواطن الثقة في تلك المؤسسات التي خصصت بوضوح للخدمة العامة. أخر وأهم مطلب هو الدعوة إلی انتخابات برلمانیة جدیدة.
كيفما قرأ هذا البيان، الحقيقة بالنسبة للكثير جداً من الفلسطينيين البارزين المستقلين - مع أغلب، موظفي الصحة والتعليم ومنظمات الحرفيين والعمال كقاعدة لهم - قالوا هذه الأشياء أهملت من جانب فلسطينيين آخرين (الذين رأوها بأنها أهم نقد لاذع لنظام عرفات أيضاً) أو من جانب القوات العسكرية الإسرائيلية. كما قفزت السلطة لتطيع شارون وبوش بالقبض على الإسلاميين العاديين المشبوهين، أطلق الدكتور البرغوثي حركة التضامن العالمية غير العنيفة، التي تتألف من 550 مراقب أوروبي (عدد منهم برلمانيون أوروبيين) جاؤوا على نفقتهم.
معهم زمرة من الشباب الفلسطينيين المنضبطين جيداً الذين منعوا رمي الحجارة أو إطلاق النار من الجانب الفلسطيني بينما كان الأوروبيون يزعجون الجنود الإسرائيليين وتحرك المستوطنين. هذا رغم وجود الجنود الإسرائيليين. هذا جمد السلطة والإسلاميين بشكل فعال ووضع الأجندة لجعل الاحتلال الإسرائيلي بؤرة الاهتمام.
حدث كل هذا بينما كانت الولايات المتحدة تستخدم الفيتو ضد قرار لمجلس الأمن يفوض مجموعة دولية من المراقبين غير المسلحين في إدخال أنفسهم بين الجيش الإسرائيلي والمدنيين الفلسطينيين العزل.
كانت النتيجة الأولى لهذا في 2 شباط بعد أن عقد البرغوثي مؤتمراً صحفياً مع حوالي عشرين أوروبي في القدس الشرقية، إعتقله الإسرائيليون مرتين وحبسوه واستجوبوه، وكسروا ركبته بعقوب البنادق وآذوا رأسه، بذريعة أنه كان يزعج السلام ودخوله إلى القدس بشكل غير شرعي (رغم أنه ولد هناك ولديه ترخيص طبي لدخولها). لم تعقه وزملاؤه كل هذه العقبات من الاستمرار في الصراع غير العنيف، الذي أعتقد، أنه من المؤكد لو وضع يده على تلك الانتفاضة المسلحة ویرکزها على إنهاء الاحتلال والمستوطنات وتقود الفلسطينيين نحو الدولاتية والسلام. إسرائيل تخشى من شخص مثل البرغوثي الرابط الجأش والعقلاني والفلسطيني المحترم أكثر مما تخشى من المتطرفين الإسلاميين الملتحين الذين يحب شارون أن يشوههم بتصويرهم تهدیداً إرهابياً جوهریا لإسرائيل. كل ما يمكنهم فعله هو إعتقاله وهذا نموذجي في سياسة شارون المفلسة.
لکن أین اللیبرالیون الأمریکیون والإسرائیلیون، الذین یسرعون في شجب العنف بينما لم يقولوا سوى القليل عن الاحتلال المخزي والإجرامي نفسه شيئاً؟ أنا أقترح جدياً بأن ينضموا إلى جيف هالبر من اللجنة الإسرائيلية ضد التدمير ولويزا مورغانتيني عضو البرلمان الايطالي، عند الحواجز العسكرية ويقفون جنباً إلى جنب مع هذه المبادرة الفلسطينية الدنیویة (العلمانیة) الرئیسیة الجدیدة ویبدؤون الاحتجاج ضد الأساليب العسكرية المدعومة مباشرة من دافعي الضرائب وصمتهم الغالي المشتری.
لسنة وهم یعصرون أیدیهم ويتذمرون من غياب حركة سلام فلسطينية (منذ متى يجب أن يتحمل الشعب المحتل مسؤولية حركة سلام؟)، شياطين السلام المزعومين الذين يستطيعون التأثير على العسكرة الإسرائيلية عليهم واجب سياسي واضح بأن ينظموا أنفسهم ضد الاحتلال الآن، بلا شرط وبدون أي مطالب غير لائقة من الفلسطينيين المثقلين مسبقاً.
بعضهم فعل ذلك. فقد رفض عدة مئات من الجنود الإحتياط الإسرائيليين الخدمة العسكرية في الأراضي المحتلة كما شن طيف واسع من صحفیین وناشطین وأكاديمیین و کتاب (أميرة حاس وجدعون ليفي ودیفید غروسمان واسحاق لاور وايلان بابي) هجوماً ثابتاً على حملة شارون العسكرية العقيمة ضد الشعب الفلسطيني لهذا يجب أن توجد مجموعة مماثلة في الولايات المتحدة، التي يسود فيها تواطؤ كبير وحماس قوي مناصر لإسرائيل بإستثناء عدد قليل جداً من الأصوات اليهودية التي تثير سخطاً شعبياً ضد الاحتلال الإسرائيلي.
لقد حقق اللوبي الإسرائيلي نجاحاً مؤقتاً في تصنيف تحديد الحرب ضد بن لادن مع هجوم شارون الجماعي الهادف على عرفات وشعبه. لسوء الحظ إن التجمع العربي الأمريكي صغير جداً ومحاصر ويحاول أن يتقي هجمات شبكة اشكروفت المتوسعة باستمرار والصورة العنصرية وتقليص الحريات المدنية هناك.
لذلك إنه من الواجب الملح جداً الآن هو التنسيق بين المجموعات العلمانية التي تؤيد الفلسطينيين، رغم إن العقبة الرئيسية (الأهم من النهب الإسرائيلي) هو التشتت الجغرافي ضد وجود الشعب الفلسطيني.
وإنهاء الاحتلال و کل ما یتعلق به أصبحت حاجة واضحة جداً. دعونا الآن نشرع في ذلك. ويجب لا يخجل المثقفون العرب من الإنضمام الفعلي والمشاركة معنا.
________________________________________________
خيانة المثقفين
الأهرام ويكلي 24 حزيران 1999
ليس هناك من يشك بأن ما حصل في كوسوفو نتيجة وحشية سلوبودان میلوسیفتش ورد الناتو قد فاقم الأمور أکثر مما کانت علیه قبل القصف. أصبحت المعاناة الإنسانية في الجانبين مخيفة إن كانت في مأساة اللاجئين أو في تدمير يوغسلافيا، فلن يتوفر علاج أو حساب لجيل على الأقل وربما أطول. كما يظهر أن أي شخص اقتلع من مكانه وطرد، لا توجد هناك عودة حقيقية بسيطة إلى الوطن ؛ ولا تعويض (غير الانتقام الصريح، الذي يقدم أحياناً نوعاً وهمياً من الرضا) يساوي خسارة المرء لوطنه ومجتمعه أو بيئته. من خلال تركيب لن نعرف نسبه الدقيق أبداً، رغم دعاية الناتو والصرب، تم تطهير كوسوفو إلى الأبد من أي أمل في التعايش بين الجماعات المختلفة وسيصبح ذلك ممكناً قريباً.
لقد إعترف عدد من المراسلين هنا وهناك أن ما حدث بالضبط قد لا يتعلق فقط بالتطهير العرقي للألبان من قبل الصرب إذ لا تزال كل الأهداف غير معروفة بعد، بما أن قصف الناتو لكوسوفو وأعمال جيش تحرير كوسوفو والوحشية الحقيقية لأعمال الصرب الجماعية والفردية حدثت كلها في وقت واحد: إن محاولة تحديد اللوم والمسؤولية في مثل هذه الفوضى صعب جداً إن لم يكن مستحيلاً إلا لتسجيل نقاط حوارية.
لكن مما لا شك فيه أن القصف غير الشرعي زاد وعجل بفرار الناس إلى خارج كوسوفو. كيف استطاعت قيادة الناتو العليا مع الزمرة التي يقودها بيل كلينتون وتوني بلير أن يزعموا بأن عدد اللاجئين سينقص نتیجة للقصف یفتقر للخیال. کلا القائدان لم یجربا رعب الحرب أو قاتلا أو لهما أي معرفة لما يعنيه البحث اليائس عن البقاء، لحماية العائلة وإطعامها. لهذه الأسباب فقط، يستحق القائدان أشد أنواع الإدانة الأخلاقية ويسبب سجل كلينتون المرعب في السودان وأفغانستان والعراق وأروقة البيت الأبيض، يجب أن يقاضى كمجرم حرب مثله مثل ميلسوفيتش.
بأي مقياس، وحتى وفقاً لقانون الولايات المتحدة، لقد انتهك كلينتون الدستور بخوضه حرب دون تخويل من الكونغرس. ويضاف إلى جريمته انتهاكه لوثيقة الأمم المتحدة أيضاً. الأخلاق تعلم، إن أراد أحد التدخل ليقلل معاناة أو ظلم (هذه الفكرة الشهيرة للتدخل الإنساني التي أشهرها كثير من الليبراليين الغربيين مبرراً للقصف)، عليه أن يتأكد أولاً بأن ذلك لن يزيد سوء الوضع.
يبدو بأن ذلك الدرس قد فات قادة النيتو، الذين اندفعوا بطريقة متهورة وطائشة ينقصها التحضير وبذلك قرروا مصير مئات الآلاف من أهالي كوسوفو بدم بارد، إما أن يتحملوا نيران الانتقام الصربي أو القصف الهائل بحجمه وشدته (رغم الادعاءات المضحكة عن دقة التقديرات الموجهة) الذي أجبرهم على الفرار من الإقليم، أصبحوا ضحايا مرتين.
وهناك الآن مهمة جبارة لاستعادة ملیون شخص إلی بوتهم دون أن تكون هناك فكرة واضحة لشكل مستقبلهم بعد العودة. هل هو حرية تقرير المصير؟ الحكم الذاتي تحت سلطة صربيا؟ تحت احتلال الناتو العسكري؟ التقسيم؟ السيادة؟ حسب أي نوع من الجداول؟ من سيدفع؟
هذا عدد قليل من الأسئلة التي ظلت بلا إجابة، إن نجح الاتفاق الذي توسطت به روسيا ونُفِذ. ما الذي يعنيه السماح برجوع بعض رجال الأمن الصربيين أو الهيئات العسكرية ؟ من الذي يحميهم من العنف الألباني؟
أضف إلى ذلك الكلفة الفادحة في إعادة بناء کوسوفو وصربيا، ولديك شبكة من المشاكل التي تتحدى قوى الفهم المحدود والغش السياسي الذي متلکه كل قادة الناتو الحالیین.
ما يقلقني أكثر، كأمريكي ومواطن، ما تنذر به كوسوفو لمستقبل النظام العالمي. حروب (آمنة) و(نظيفة) تكون فيها الهيئات العسكرية الأمريكية ومعداتها منيعة عن انتقام معادي أو هجوم، يوضح أمر التفكير فيه كثير من المشاكل. بالتالي، كما ناقش رجل القانون العالمي البارز ريتشارد فوك أن هذه الحروب لها نفس بينة التعذيب، حين يكون للمحقق - المعذب كل السلطة في اختيار الطريقة التي يشاء؛ والضحية ليس لديه أي شيء، وبالتالي يترك لنزوات جلاده. إن مكانة أمريكا في العالم اليوم في أدنى مستوياتها بسبب التنمر الغبي في إلحاق مزيد من الضرر أکثر من أية قوة أخری في التاریخ.
إن ميزانية الولايات المتحدة العسكرية أكثر بـ 30٪ من الميزانية الإجمالية لدول حلف الناتو مجتمعة. تشعر أكثر من نصف دول العالم اليوم أما بتهديد أو تطبيق العقوبات الاقتصادية والتجارية التي تفرضها الولايات المتحدة. تتحمل الدول المنبوذة كالعراق وكوريا الشمالية والسودان وكوبا وليبيا (منبوذة لأن الولايات المتحدة صنفتها هكذا) غضب الولايات المتحدة الأحادي الطرف، وتعاني إحداها من فناء الإبادة الجماعية والفضل في ذلك يعود إلى عقوبات الولايات المتحدة التي تستمر في تجاوز أي غرض منطقي إلا إرضاء مشاعر الولايات المتحدة بالغضب المبرر.
ماذا يفترض بهذا أن يبلغ، وما الذي يقوله للعالم عن قوة الولايات المتحدة؟ هذه رسالة مخيفة ليس لها أي علاقة بالأمن والمصلحة القومية أو الأهداف الإستراتيجية المحددة بوضوح. انه مجرد استعراض قوة.
وحين يسحر كلينتون موجات الأثير ليعلم الصرب أو العراقيين بأنهم لن حکامهم، العجرفة هنا لا تعرف حدوداً. المحکمة الدولية التي صنفت يحصلوا على مساعدة من البلاد التي دمرت بلادهم إلا إذا غيروا ميليسوفيتش مجرم حرب ليس لها أي قابلية للتطبيق أو مصداقية في الظروف الحالية إلا إذا طبقت نفس المعايير على كلينتون وبلير والبرايت وساندي بيرغر وجنرال كلارك وكل الآخرين الذين تجاوز غرضهم الإجرامي كل أشكال الحشمة وقوانين الحرب. في المقارنة بين ما فعله كلينتون في العراق وبين ميلسوفيتش بكل وحشيته، يظل الأخير في مرتبة هاوٍ غُرْ في شره. ما يجعل جرائم كلينتون أسوأ والأهم من ذلك هو تنكره وراء التظاهر بالتقوى والقلق المزيف الخداع، الذي يخدع الليبراليين الجدد الذين يديرون حرب الناتو العالمية. من الأفضل الآن أن تكون محافظاً صادقاً بدلاً من أن تكون ليبرالي محتال.
تضيف وسائل الإعلام إلى هذا الوضع غير السليم مزيداً من السوء في الواقع فقد لعبت دوراً لا يتفق مع المراسل غير المنحاز وإنما بدور النصير والشاهد الجزئي لحماقة ووحشية الحرب، خلال الأيام التسع والسبعين من القصف شاهدت ثلاثين يوم من مؤتمرات الناتو الصحفية الموجزة على الأقل، ولا أستطيع تذكر أكثر من خمس أو ست أسئلة للمراسلين تحدت من بعيد الهراء الذي يذيعه جامي شيا وجورج روپرتسون والأسوا منهما خافير سولانو، الذي باع روحه (الإشتراكیة) للهيمنة الکو کبية الأمریکیة. لم یکن هناك أي تشکیك من قبل وسائل الإعلام، لم تفعل أي شيء أكثر من (توضیح) مواقف الناتو، مستخدمة عسكريين متقاعدين (ليس بينهم أي امرأة) لتفسير ضرورات القصف الإرهابي.
وبالمثل كتبة العواميد والمثقفين الذين كانت تلك حربهم بمعنى ما، وتغاضوا عن تدمير البنية التحتية في صربيا (التي قدرت بـ 136 بليون دولار أمريكي) في تعصبهم للفكرة التي ترى (أننا) كنا نقوم بشيء لوقف التطهير العرقي. والأسوأ من ذلك هو التغطية الإعلامية الفاترة لعدم شعبية الحرب في الولایات المتحدة وایطالیا والیونان وألمانیة. لم یرد ذکر لما حدث في رواندا قبل أربع سنين أو في بوسنيا أو إزاحة 350,000 صربي على أيدي تودجمان أو الأعمال الوحشية التركية المتواصلة ضد الأكراد، أو قتل أكثر من 650,000 مدني عراقي أو التطهير العرقي الإسرائيلي في فلسطين عام 1948 الذي يستمر بدعم سخي حتى اليوم. بأي أشكال جوهرية يختلف كل من شارون وباراك ونتنياهو وايتان في آرائهم وممارساتهم تجاه الأعراق المختلفة و(الأدنى) عن ميلسوفيتش و تودجمان؟
في فترة ما بعد الحرب الباردة، يبقى السؤال: هل ستحكم الولايات المتحدة العالم بسياستها العسكرية - الاقتصادية القذرة، التي لا تعرف سوى الربح والانتهازية؟ والسؤال هل من الممكن تطوير مقاومة فكرية قوية وأخلاقية لسياساتها؟ بالنسبة لنا نحن الذين يعيشون في فضاءها أو مواطنيها، الواجب الأول هو أن نتخلص من إرباك اللغة المنحطة والرموز المستخدمة لتبرير الممارسات الأمريكية والنفاق لربط سياسات الولايات المتحدة في أماكن مثل بورما واندونيسيا وإيران وإسرائيل بما يجري فعله الآن في أوروبا - جعلها آمنة لاستثمارات الولايات المتحدة وتجارتها -
ولإظهار أن هذه السياسات متشابهة أساساً، رغم أنها محاولتها لتبدو مختلفة، لا يمكن أن تكون هناك مقاومة بدون ذاكرة وعقيدة خلاصية. إن كان التطهير العرقي شراً في يوغسلافيا - كما هو كذلك طبعاً - فهو شر في تركيا وفلسطين وأفريقيا وأي مكان آخر أيضاً. إن الأزمات لا تنتهي بمجرد أن تتوقف محطة (C.N.N) عن تغطيتها، لا يمكن أن تظل ازدواجية المعايير. إن كانت الحرب وحشية ومتلفة جداً فهي كذلك، وإذا كان الطيارون الأمريكيون يقصفون من علو 30,000 قدم ويبقون سالمين أم لا. وإن كانت الدبلوماسية هي الوسيلة المفضلة دائماً فيجب أن تستخدم مهما كلف الأمر.
أخیراً، إن كانت الحياة الإنسانية مقدسة، يجب أن لا یضحی بها باحتقار وإن لم يكن الضحايا من البيض والأوروبيين. يجب دائماً على المرء أن يبدأ مقاومته من وطنه ضد السلطة کمواطن يمکنه التأثیر؛ لکن یا للأسف، فقد سيطرت القومية المتدفقة المتقنعة بالوطنية والمصلحة القومية على الشعور النقدي، الذي يضع الولاء لل (أمة) فوق كل اعتبار. في تلك النقطة ليس هناك سوى خيانة المثقفين والإفلاس الأخلاقي الكامل.
__________________________________________________
السياسة الثقافية
الأهرام ويكلي 10 أيار 2000
إن مملكة الجمال مستقلة ذاتياً ويجب أن لا تشوش أو تقلل إلى السياسة والاقتصاد أو التاريخ رغم أن كل عمل فني متصل بزمنه ومكانه في المجتمع. جوهر النقد طبعاً أن يحدد طبيعة تلك العلاقة المختلفة تماماً في كل عمل لأن النتاج الفني فردي بكل ما تعنيه الكلمة ولا يقبل الاختزال.
على أي حال ذلك شيء للاعتبار في مكان آخر، بما أنني أريد أن أناقش هنا موضوعاً أقل تعقيداً بكثير لكنه مشوق ومتعلق بالعمل الجمالي في العالم المعاصر. أردت ببساطة أن أبين نسخة تخطيطية لفلسفتي الجمالية الخاصة منذ البداية لكي أوضح أن ما سأقوله فيما يلي ليس مقصوداً ولا يمكن أن يكون نقاشاً موسعاً عن علم الجمال وإنما عن السياسة والثقافة.
سوف ابدأ بملاحظتين. الأولى شهد نصف القرن الأخير حراك فني مهم في العالم العربي. فلم يكن هناك روائي عظيم غير واحد (نجيب محفوظ) وإنما سلسلة كاملة في التأليف والدراما والرقص والسينما والنحت والرسم والموسيقى والإنتاج الفني الهائل. يشمل ذلك الأعمال الكلاسيكية والفن الشعبي. إن ذكر بعض الأسماء بطريقة عشوائية مثل طه حسين وأم كلثوم وأدونيس ويوسف شاهين وطيب صالح ونزار قباني وعبد الرحمن منیف ومحمود درویش ومحمد عبد الوهاب وتحیة کاریوکا وتوفیق الحکیم وسعدي یوسف والیاس خوري هو مجرد غیض من فیض.
الملاحظة الثانية لا تقل أهمية عن الأولى كما أعتقد. رغم ذلك يشعر المثقفون العرب بعدم وجود اعتراف كامل في هذا الواقع الثقافي العظيم في بقية العالم عموماً وعالم شمال الأطلنطي وأكثر تحديدا العالم الانغلوساكسوني بشكل خاص. إن المشهور نجيب محفوظ نفسه يعتبر دائماً كقضية منعزلة رغم تميزه، بعد أن خمدت شعلة الحماس الأولى اثر نيله جائزة نوبل في عام 1988. أقصد بذلك أنه یُقرأ ویکتب عنه بإهمال أکثر وأقل معرفة واهتمام من معاصریه البارزین کغارسیا مارکیز ونابکوف أو شينوا اشيبي. أتذكر مقالة طويلة وقيمة وأصيلة في نيويورك (ريفيو اف بو کس) (22 أيلول 1994) للروائي الجنوب أفريقي الرائع جي ام کویتزي عن كتاب محفوظ الحرافيش، كويتزي ككاتب موهبة بارزة ومصقولة، لكنه كان خاماً بشكل مذهل ومؤطر في عموميات عن تخلف الإسلام وكل أنواع الأغلاط الأولية في أسلوب محفوظ في روايته المثيرة للجدل أولاد حارتنا وهذا لا یستطیع المرء أن یتجرأ علی کتابته حول الروایات في اسبانيا أو روسيا أو حتى اليابان.
طبعا كوتيزي يستخدم ترجمات انكليزية، أغلبها رديئة وليس كلها، ومن الواضح أنه لا يعرف الكثير عن البيئة والتقاليد التي عمل فيها محفوظ، لكن النقطة هي أنه استطاع أن يكتب دون تلك المعرفة وظل ما كتبه مرجعاً كافياً مؤهلاً لأن الثقافة العربية يفترض بها أن تكون بتلك الطريقة، تستحق ذلك النوع من الاهتمام الناقص والمخلخل. توجد أسباب كثيرة لذلك. بعض منها العداء الثقافي والديني الموجود بين الغرب والعرب وتاريخ الاستشراق ومشكلة إسرائيل وغياب أي سياسة ثقافية جادة للدول العربية والحالة البائسة للديمقراطية في العالم العربي والجهل المتبادل الصاعق بين الثقافات الذي يؤدي بكل منها إلى العيش لوحدها.
كانت النتائج بالنسبة للعرب أن فهمت ثقافتهم بشکل رديء وبخست قدرها وهذا غیر مقبول أبداً آخذین بالإعتبار تلك الأعمال الممتعة الأصيلة والهادفة التي أبدعها شعبنا في العصر الحديث. هناك ترجمات ممتازة لمحمود درویش وادونيس بالفرنسية بالإضافة إلى عدد محترم من الروايات المترجمة لتلك اللغة واللغة الاسبانية والألمانية لكن ليس هناك أي ترجمة انكليزية شاملة ومصقولة لادونيس أو محمود درويش كما أن نزار قباني وآخرين غيره من نفس المقام غير معروفين وليس هناك أي احتمال عاجل لترجمات قادمة بمعيار لائق يقوم بها مترجمون ممتازون ودور نشر محترمة. ما هو موجود متقطع ومتفاوت وغير منتظم وفي حالة محفوظ، يوفر طلباً مؤقتاً لكنه غير ثابت أو جدير.
يوسف شاهين مثلاً، نال منزلة أستاذ لكن أفلامه لا تعرض في مسارح لندن أو نيویورك بشكل متكرر. إننا نحتاج إلى دمج فوري متاح للإنتاج الثقافي العربي المعاصر في العالم الناطق بالانكليزية (مركز الحوار الثقافي العالمي الآن). فكرة المكتبة المتممة في اللغة الانكليزية للأعمال العربية لم يجر التفكير بها في المناخ السياسي والثقافي الحالي، حيث ينظر للعرب إما كمشكلة أو كمرشحين محتملين لعملية سلام مشكوك بأمرها.
لا أريد أن استفيض بهذه النقطة لأنني افعل ذلك منذ زمن طويل قبل الآن. ما أريد قوله هنا شيء أكثر ايجابية. للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية هناك أسماء عربية وانجازات على الميدان العالمي بفضل جيل جديد من الفنانين الموهوبين بصورة استثنائية في الأربعينات من أعمارهم لم يكونوا بحاجة إلى عذر أو تعليل. لقد فعلو ما فعلوه كفنانين مؤلفين ورسامين وسينمائيين مثل نظرائهم وأندادهم في الغرب وأي مكان في العالم (بما فیه الهند وأمریكا اللاتینیة وجنوب إفریقیا والیابان الخ) بنفس تأكيد الوعي الذاتي وبنفس الإحساس بالانجاز، طالما ينظر إلى عملهم كعمل فني وليس كمنتج غريب لمجتمع شرقي أو شيء يحتاج إلى شرح و تبریر.
شخصیات کهذه مثل ضحی حديد ومنى حاطوم واهداف سويف ۔ کلھن نساء ۔ معروفات کمهندسات معماریات وفنانات و کاتبات دون أي مؤهل إلا أنهن عربيات، وهو أقل أهمية من عملهن الذي يحتل المرتبة الأولى بكل المقاييس العالمية. وأود القول بأن الكتاب الذين ترجمت أعمالهم مثل الطيب الصالح والیاس خوري وغسان كنفاني وحنان الشيخ ونوال السعداوي، لأسباب مختلفة جداً، لهم منزلة مساوية لكن مع قليل من الاختلاف كفنانين من وفي العالم العربي.
ربما كان السبب أن النساء الفنانات الثلاث اللواتي ذکرتهن یعشن في الغرب واستخدمن لغته ولهجته أو لأنهن أمهر وأبرع في المستوى الجديد، من الصعب تحديد ذلك. لكن الحقيقة أنهن عضوات بارزات في المجتمع الثقافي الذي لم يخترقه الجيل العربي السابق سابقاً.
تعليقاتي هنا سببها اسم جديد، هو المخرج المصري يسري نصر الله، وهو من نفس الجيل الذي ذكرته سابقاً أيضاً لكن ليس مثله في إقامته الأساسية التي لا تزال في العالم العربي. رغم ذلك، أنجز مؤخرا مكانة بارزة كمخرج سينمائي في الغرب الانغلوساكسوني بفيلمه المدينة، الذي عرضه مؤخراً متحف الفنون الحديثة في نيويورك وقبلت بتوزيعه مجموعات توزيع كبيرة. هذه المؤشرات الناجحة أقل أهمية طبعاً من إنجاز الفعل الحقيقي، الذي اشتهر بطريقة غير مسبوقة في وسائل إعلام نيويورك الحاقدة. لأن المدينة أولاً، لم يقم بأي تنازلات لما يعتبر غرابة (دخيل).
هذا ليس فقط فيلم يقدم لوناً محلياً أو عن فئة مصرية/عربية خاصة أو قابل لتفسيره في سياقات اجتماعية /اقتصادية واثنية تأخذ في حسبانها أشياء مثل العولمة والعالم الثالث. كل هذه العناصر موجودة هناك طبعاً - وإنما هو قصة شاب مصري من الطبقة الوسطى يريد أن يصبح ممثلاً - ولغته وصوره وأسلوبه كلها مصرية بشكل واضح.
لكن جاذبيته ومستوى كينونته الجمالية يفترض مشاهدين أكثر كونية بالإضافة إلى طموح أعظم ووصول. الأهم، أن جاذبية الفيلم هي سينمائية، أي لا تعتمد على تفسيرات ثقافية لازمة للفهم أو لشيفرة خاصة لتعليله وتبريره.
لعب الشاب الوسيم (باسم سمره) دور علي بطل نصر الله ببراعة (في الحقيقة بطريقة وأسلوب مصريين مميزين). الشاب علي من سكان روض الفرج ويعمل في محل حكومي لبيع اللحوم يطمح في الذهاب من القاهرة إلی باریس حیث یحلم بامتهان التمثیل هناك. یتشابه الفیلم في کثیر من مظاهره مع مسلسل شاهين الإسكندرية طبعاً، لكن قصة نصر الله قاسية بشكل وحشي ولا تركز فقط على قصيدة كفافي الرائعة (فيلسوف إغريقي مصري - المترجم) بأنه ليس هناك من يستطيع مغادرة المدينة وإنما على التداعيات بين الشباب الذين يسجنون ويغتنون بنفس الوقت.
يظهر القسم الأوسط من الفيلم علي وهو في باريس ليس كممثل وإنما كملاکم يقاتل في نزالات معدة ومرتبة يحصل مقابلها على المال الذي يذهب جله لمديره الإقليمي الجزائري - المغربي. ثم يصبح واحداً من مجموعة كبيرة من المهاجرين العرب غير الشرعيين (أكثرهم من الفلسطينيين)، المذعنين لمخاطر حياتهم ووجودهم القلق الذي يعيشونه بحثاً عن عمل ووثائق إقامة قانونية، تجربة لم يصورها أي فيلم في مثل هذه القوة التي لا تلين.
في النهاية ينتهي علي إلى شخص من الشارع مصاب بسبب حادث نعتقد أنه فقد ذاكرته فيه، رغم أن الفيلم كان غامضاً بذكاء هنا، بعد أن يتنازل في الحقيقة عن جواز سفره لمديره الذي يسرق تذكرته ويعود إلى مصر بينما تنشأ علاقة محددة بين علي وممرضة فرنسية لطيفة تقوم بدورها بشكل مبهر انيس دي ميديروس لكنها تنتهي فجأة. قسم من قوة الفيلم هو أفكاره عن الهوية - التمثيل والأصالة والعرق والجنس - معقدة لكنها غير مضللة أو خادعة ولا محتشمة بشكل مفرط أو مراوغة أبداً.
كما يشير إلی علاقات ذکوریة مثلية جزئیاً، وأخری لیست کذلك جزئیا وتحد هذا البعد بمهارة عظيمة في سؤال أوسع عن المكان في عالم متقلب معولم، أين يمكن أن يكون فيه المرء وكيف. يحمل مجاز التمثيل كل هذا بصورة ممتازة، إلى المشهد الأخیر حین يطلق نصر الله المشهد الذي ینذر بکارثة، في القاهرة التي عاد علي إليها، ليثبت نصر الله أن نهاية الفيلم مثل نهاية تريفو (مخرج فرنسي - المترجم) في للنهار والليل، مشهد تحول إلى فيلم.
هذا لا يعني أن فيلم المدينة يتملص من المسائل السياسية أو القضايا الصعبة والمعقدة: على العكس، لا يفعل ذلك وإنما هي مندمجة في الفيلم كجزء من بنيته الجمالية الاجتماعية الثقافية وليست كعنصر إيديولوجيا.
المؤثر بشكل مميز كما وجدت، هو العناية بالمظاهر الثانوية الإضافية لقصة علي: علاقة الحب مع ابنة جاره التي تنقطع تارة وتعود أخرى التي قامت بدورها بسمه بشكل يثير الفضول، إضافة إلى علاقته الغنية مع شيلا مع كل التلميحات لمظاهر الحياة العربية المعاصرة، من العمل في الخليج إلى بؤس الوجود تحت سلطة عرفات، والطريقة السهلة التي تم التعامل فيها مع باريس والقاهرة بالاحترام والاهتمام اللتان تستحقانه كمسخین عن إسكندرية كفافي. لكنن وقبل كل شيء لا يشعر المرء بالملل وضياع الوقت رغم طول الفيلم: فهو محكم ونحیل ومختصر بشدة، دون عاطفة جياشة وتوان ولم تحشر فيه أي مشاهد محلية لإرضاء المشاهدين.
عند الانتهاء من العرض في متحف الفنون الحديثة أعلن نصر الله (يجب أن أقول شيئاً لمشاهديه القلقين) أن فيلمه لم يعرض إلا في مهرجان الإسكندرية السينمائي وليس هناك أي خطط لعرضه تجاریاً في دور السينما المصرية.
هذه الحالة المرعبة للأشياء، بسبب الغياب الكامل لسياسة الحكومة في حماية الأفلام المصرية من ضراوة الموزعين الأمريكيين وجشع أصحاب مسارح المدن الذين يريدون أن يعرضوا الأفلام المستوردة الضاربة في السوق فقط. يعيدنا هذا مرة أخرى إلى كل قضية الثقافة كسياسة، التوزيع والانتشار واثبات الثقافة كطريقة لتحقيق مكاسب سياسية وأن الفن يتقنه خصومنا في الحركة الصهيونية والغرب.
نحن لم نفهم أبداً (ولو فعلنا فسنتحول عن الدروس) قيمتنا كشعب وثقافة، وأننا وضعنا ثقتنا (تراث من الكولونيالية) في السيد الأبيض أو في الوسطاء. لهذا السبب يجد فيلم نصر الله مشاهدين له خارج العالم العربي، وينال سمعة هناك، أكثر من الوطن حيث أصبحت الكلبية والاعتقاد بالاستقامة الذاتية قانون الوقت الحاضر. لقد أحرزت أعمال حاطوم وحديد وسويف ومثيلاتها مقامات رفيعة لأن فيها وصية تبين كيف نجت أخيراً من العقبات المهينة التي وضعت في دروبها في الوطن. وبسخرية واسعة، يرينا هذا العمل الذي هو لفنانين عرب وبتجارب عربية وعنها الذي انتهى بإعطائنا المتعة غير المستحقة، مدى نجاحنا حين تتوفر لنا الفرصة .
_________________________________________________
الدور العام للكتاب والمثقفين
محاضرة في ملبورن 19 ایار 2001.
عقدت (مجلة ذا نیشن) مؤتمراً في نيويورك حول (من هو الكاتب ولماذا هو مقيد بالعناية والاهتمام) منذ عشرين سنة تقريباً وتكتمت عن الملاحظات التي صدرت عن الحدث لترك المسألة مفتوحة، كما فهمت حضرت مئات الشخصيات الأدبية تلبية للدعوة وغصت الصالة الرئيسية في فندق منهاتن بحضور هائل. لقد كان المراد من المناسبة أن تكون رد المجتمعات المثقفة والفنية على استهلال فترة ريغان.
(كما أذكر الإجراءات) أثير نقاش طويل في البداية حول تعريف الكاتب بأمل أن يتم التخلص من بعض الأشخاص أو إجبارهم على المغادرة وذلك لسببين: الأول لتحديد من له حق التصويت، ثانياً لتشكيل اتحاد للكتاب. لم يحدث الكثير بسبب تقليل الأعداد: فقد ظل جمهور الناس المتحمس هائلاً لأن كل من جاء ككاتب كان معارضاً للریغانية كما هو واضح وبقي ككاتب معرضاً للريغاينة.
أتذكر بوضوح الاقتراح الحكيم لواحد من الحضور بوجوب تبني ما عرف بالموقف السوفيتي لتعريف الكاتب (أي) الكاتب: هو الشخص الذي يقول أنه كاتب. واعتقد أن هذا هو ما استقرت عليه الأمور، فرغم تشكيل اتحاد للكتّاب لكن وظائفه اقتصرت على مسائل فنية مهنية مثل العقود الموحدة والعادلة بين الناشرين والكتاب. وتشكل مؤتمر للتعامل مع القضايا السياسية أيضاً، لكن الأشخاص المؤثرين أخرجوه عن مساره لتنفيذ أجندة سياسية محددة أخرى لم تنل الإجماع.
لقد حدثت أشياء كثيرة في عالم الكتّاب والمثقفين منذ ذلك الأوان وأصبح تحديد أي تعريف للكاتب والمثقف أكثر تشويشاً وأصعب من قبل. لقد حاولت أن أدلو بدلوي في (عام 1993) في محاضراتي في ریث، لكن حصلت تغييرات رئيسية سياسية واقتصادية كثيرة منذ ذلك الوقت وعند التخطیط لهذا الحدیث وجدت نفسي اعدل الکثیر وأضیف إلی بعض آرائي السابقة.
كانت التغييرات مركزية في التوتر العميق غير المستقر حول إمكانية وصف الكتاب والمثقفین بالسياسيين أم بغير السياسيين وفي حال الإيجاب كيف سيتم ذلك وبأي مقياس. تكمن صعوبة التوتر للكاتب والمثقف الفرد في توسع مملكة السياسي والشعبي كثيراً لدرجة أصبحت بلا حدود عملياً. حتى بتنا نشك إن كانت فكرة المثقف اللاسياسي والكاتب فيها كثير من المعنى.
تصور أن عالم الحرب الباردة ثنائي القطب قد أعيد ترتيبه وتفكيكه بطرق مختلفة تشترط عدد لا متناه من الأشكال المختلفة عن موقع وموقف الكاتب مادياً ومجازياً، بالإضافة إلى توفير الإمكانية لأدوار متشعبة يمثلها حينها لهذا يمكن القول إن فكرة الكاتب أو المثقف نفسها لم يظل لها أي معنی محدد ومتماسك أو حتی وجود.
رغم سيل الكتب والمقالات التي زعمت بأنه لم يعد هناك وجود للكتآب والمثقفين وأن نهاية الحرب الباردة وافتتاح الجامعات الأمريكية لفيالق من الكتّاب والمثقفين وعصر الخصخصة الذي طال كل شيء والمتاجرة به وتحويله إلى سلعة في الاقتصاد الجديد المعولم أنهى الفكرة الرومانسية البطولية للكاتب - المثقف المنعزل (سوف أربط بين المصطلحين مؤقتاً للسهولة هنا، ثم أتابع تعليل أسبابي لذلك الفعل بعد لحظة) لكن لا يزال هناك كثير من الحياة كما يبدو في الأفكار والتطبيقات التي تناولها الكاتب - المثقف وتشكل جزء من الميدان الشعبي. ولو لم تكن الحالة كذلك لما كانت هناك نقاشات كهذا النقاش الحالي.
في حضارات اللغات الثلاثة أو الأربعة المعاصرة التي أعرف شيئاً عنها یعتبر ذلك صحیح بشکل بارز وغامر لأن هناك عدد کبیر من الناس لا يزالون يشعرون بحاجة للنظر إلى الكاتب - المثقف كشخص ينبغي أن يصغى إليه كمرشد للحاضر المربك، وكقائد زمرة أو جماعة تنافس من أجل قوة ونفوذ أكبر. ويتضح الأصل الغرامشي لكلتا الفكرتين عن دور المثقف.
في العالم الإسلامي تستخدم الكلمتان الآن - مثقف أو مفكر - بنفس المعنى، الأولى مشتقة من ثقافة (رجل الثقافة) والأخرى من الفكر
(رجل الفكر). في كلا المثالین يتعزز مقام هذین المعنیین ویتضخم بمقارنة ضمنية مع الحكومة التي ينظر إليها عموماً الآن بأنها تفتقر إلى المصداقية والشعبية أو الثقافة والفكر. لهذا في الخواء الأخلاقي الناشئ الذي أحدثته الحكومات الجمهورية العائلية مثل مصر والعراق وليبيا، تحول كثير من الناس إلى مثقفين دينيين أو علمانيين تابعين لقيادة لم تعد مزودة بحق سياسي، ومع ذلك استطاعت الحكومات أن تختار مثقفين ناطقين باسمها.
لكن البحث عن المثقفين الحقيقيين مستمر باستمرار الصراع. في المناطق التي تتكلم بالفرنسية تحمل كلمة مثقف معها بشكل ثابت بعض بقية الميدان الشعبي الذي جادلت فيه شخصيات ماتت مؤخراً مثل (سارتر وفوكو وارون) وعرضوا آراءهم على عدد كبير من الحضور. في أوائل ثمانينات القرن العشرين حين اختفى أكثر كبار المفكرين، رافق غيابهم ارتياح خبيث، وأعطى الكثير من الأشخاص الصغار فرصة للتعبير عن آراءهم لأول مرة منذ عهد زولا.
في الوقت الحالي، فيما يبدو بأنه إحياء (لسارتر وبيير بورديو) أو أفكاره في إصدارات ليموند ليبراسيون أيقظ تذوق المثقف الشعبي إلى حد كبير قد أثر على عدد كبير من الناس كما أعتقد. يبدو النقاش حول السياسة الاقتصادية والاجتماعية نشيطاً وليس آحادي الجانب كما هو الحال في الولايات المتحدة.
عرض ريموند ويليامز الوجيز والبارع في (الكلمات الرئيسة لحقل القوة) لأكثر دلالات كلمة (مثقف) سلبية هي نقطة بداية جيدة لفهم علم الدلالات اللفظية التاريخي للكلمة كما فعلنا في بريطانيا. وعمقت الأعمال التالية (لستيفان كوليني وجون كيري) وغيرهما ونقت حقل الممارسة الذي وضع فيه المثقفون والکتاب. تابع ویلیامز لیشیر انه بعد منتصف القرن العشرين شملت الكلمة مجموعة أوسع من المرافقات التي يتعلق أكثرها بالايدولوجيا والإنتاج الثقافي والقابلية للفكر المنظم والتعلم.
هذا يوحي بأن الإستخدام الإنكليزي توسع ليقبل ببعض المعاني والاستعمالات التي أصبحت شائعة تماماً في الفرنسية والنصوص الأوروبية عامة. لكن كما في المثال الفرنسي، رحل جیل (ويلامز) من المشهد (باستثناء الرائع والبليغ ایریك هوبسباوم) وللحکم من خلال بعض خلفائه في نيو لفت ريفيو، نرى بأنهم دخلوا حقبة جديدة من صوفية اليسار، خصوصاً منذ أن تبرأ نيو ليبور من ماضيه تماماً.
إن المثقفين الليبراليين الجدد والتاتشريين في أوج سطوتهم تقريباً ولهم الأفضلية في الكثير من الوعاظ والمبشرين في الصحافة التي يتكلمون منها. في المحيط الأمريكي، استخدمت كلمة مثقف في أقل من ثلاثة میادین أخرى من النقاش والخطاب التي ذكرتها. ولا يسع المرء سوى أن يتساءل عن السبب. أحد الأسباب هو أن الاحترافية والتخصص يقدمان المعيار للعمل الثقافي أكثر مما يجري ذلك في العربية والفرنسية أو الانكليزية البريطانية.
لم تحكم طائفة الخبراء عالم الخطاب أبداً کما تحکم الآن في الولايات المتحدة. السبب الآخر حتى لو كانت الولايات المتحدة مملوءة فعلياً بالمثقفين المنشغلين بملء موجات الهواء والطباعة والفضاء الالكتروني بأحاديثهم، فإن الميدان الشعبي متعود على قضايا السياسة والحكومة، بالإضافة إلى مراعاة القوة والسلطة لذلك من الصعب أن تصمد فكرة المثقف الذي لا تدفعه رغبة في وظيفة أو طموح بأن يستمع إليه شخص في السلطة لأكثر من ثانية أو ثانيتين.
الكسب والشهرة أقوى المحفزات. في السنوات الكثيرة من الظهور على التلفزيون أو المقابلات الصحفية لم يوجه لي أبداً السؤال التالي (ما الذي يجب على الولايات المتحدة أن تفعله بشأن هذه القضية أو تلك برأيك؟) اعتبر هذا مؤشراً عن كيف استوطنت فكرة الحكم في صميم قلب الممارسة الثقافية خارج الجامعة.
ويمكن أن أضيف أن عدم الإجابة على هذا السؤال مسألة مبدأ بالنسبة لي. رغم ذلك لا يوجد في أميركا عجز في الميدان الشعبي لسياسة الموالاة، فالمثقفون مرتبطون عضوياً بحزب سياسي أو آخر ويمثلون مصلحة خاصة أو قوة أجنبية. وهناك أيضاً عالم خزانات الفكر الأمريكي وبرامج النقاش التلفزيونية المتنوعة، والبرامج الإذاعية التي لا تعد، عدا عن آلاف الصحف والدوريات والمجلات.
كل ذلك يثبت كثافة إشباع النقاش بالمصالح والسلطات والقوى التي لا يمكن تخيل حجمها في المدی والتنوع لكن تشترك كلها بكونها تمثل قبولاً بدولة بعد الرفاهية الليبرالية التي لا تستجيب لمواطنيها ولا للبيئة الطبيعة وإنما لتركيبة واسعة من الشركات الكوكبية غير المقيدة بالعوائق التقليدية أو السيادات. (قدمت نيويورك تايمز5 أيلول 2000 تقريراً مفصلاً بالتغيير الناتج) وقالت إن الخدمة الأجنبية للولايات المتحدة تفقد المستخدمين باستمرار لصالح الشركات العالمية).
ورغم أن الكشف في ظل الأنظمة المتخصصة وممارسات الوضع الاقتصادي الجديد يكون متدرجاً وجزئياً فقد بدأنا نرى منظراً شاملاً هائل الحجم كيف أن تجمع تلك الأنظمة والممارسات (كثير منها جديدة وكثير منها من النظام الامبريالي التقليدي التي أعيد تعديلها) يوفر جغرافية غرضها إقصاء وتجاوز التوكيل الإنساني. (راجع يفيس ديزيلي وبيرانت جي غارث، المتاجرة بالفضيلة: التحكيم التجاري الدولي وتشييد نظام قانوني عابر للقارات، (شيكاغو 1996).
يجب أن لا تضللنا عبارات توماس فريدمان الجوفاء ودانييل يرغين وجوزيف ستانسيلاس، والفيالق التي هللت للإعتقاد بأن العولمة كنظام، هي أفضل حصيلة للتاريخ الإنساني، ويجب أن لا يفوتنا نتيجة لرد الفعل
ملاحظة ما تستطيع تقديمه العولمة بواسطة الجهد والإبداع الإنساني، کما سماها ريتشارد فوك نظام عالم بعد - ويستفاليا. توجد شبكة مكثفة من المنظمات غير الحكومية أُنْشِئَتْ للاهتمام بالأقليات وحقوق الإنسان وقضايا النساء والبيئة وحركات التغيير الديمقراطي والثقافي لكن لا يستطيع أي منها أن يكون بديلاً عن الفعل السياسي أو تعبئتها الكثير لتجسيد مقاومة بوجه تقدم النظام الكوني القائم.
لکن، کما أثبت دیزیلي وغراث مؤخراً (لاموند ديبلوماتيك أيار 2000)، نظراً للتمويل الكبير من هذه المنظمات غير الحكومية الدولیة، المرشحة للاختيار كأهداف لما سماه باحثان (أمبريالية الفضيلة) للقيام بدور ذيول للمؤسسات المتعددة القومية والمؤسسات الكبيرة مثل فورد، مراكز للفضيلة المدنية لإحباط أي تغيير عميق أو نقد للادعاءات العتيقة.
من الرعب في الوقت الحالي أن ندرك إنَّ تناقض الخطاب الثقافي للعالم الأكاديمي (في الإنسانيات أساساً وليس في العلوم الطبيعية أو الاجتماعية حتى) بنزعته القتالية المصابة بالرطانة لا يتأثر بكل ما يفعله المجال الشعبي من حوله. لقد قدم (ماساو ميوشي) دراسة رائدة عن هذا التباين، خصوصاً في تهميشه للإنسانيات والفصل بين المجالين الأكاديمي والشعبي، الذي هو في الولايات المتحدة أكبر من أي مكان آخر، رغم نغمة (بیري اندرسون) الجنائزية عند استلامه رئاسة تحرير نيو ليفت ريفيو، ورأى أن هيكل البطل البريطاني والأمريكي والقاري المتبقي بالتحديد وعلى وجه الحصر سواء كان (أكاديمي وذكوري وأوروبي) باستثناء وحيد.
استغربت بأنه لم يهتم بغير الأكاديميين مثل جون بيلغر واسكندر كوكبيرن أو شخصيات سياسية وأكاديمية مثل تشومسكي وهاورد زین والراحل إقبال أحمد وجيرماني جیرير أو شخصيات متنوعة. مثل محمد سعيد أحمد وأنجيلا ديفيس وكورنيل ويست وهنري لويس غيتس وميوشي وراناجيت غوها وبارثا شاطرجي، دون ذكر المثقفين الإيرلنديين ومنهم سيموس دين ولوك جيبونز وديلان كيبرد وغيرهم، كلهم بالتأكيد لن يقبلوا برنة النواح الجليل لما سماه ب(فوز الليبراليين الجدد الكبير).
الحدث غير المألوف الوحيد لترشح رالف نادر في الحملة الرئاسية الأمریکیة کمثقف أصیل مناوئ یسعی إلی أقوی منصب منتخب في العالم هو استخدام خطاب وأسلوب سهل وواضح وبعيد عن الغموض ومتحرر من الوهم بتزويد جمهور الناخبين غير الساخطين بمعلومات بديلة مدّعمة بالحقائق والأرقام. ويتناقض هذا تماماً مع أشكال الغموض المسيطرة والشعارات المبتذلة والإرباك والحماسة الدينية التي يرعاها مرشحو الحزبين الرئيسيين وبمصادقة وسائل الإعلام والأكاديمية الإنسانية بسبب عجزها. موقف (نادر) التنافسي هو علامة أكيدة على عدم انهزام الميول المعارضة في المجتمع الكوكبي : كما شاهد أيضاً اندفاع موجة الإصلاح في إيران واندماج الحركات الديمقراطية المعادية للعنصرية في أجزاء مختلفة من أفريقيا وغيرها، عدا عن الاعتداء على منظمة التجارة في تشرين الثاني 1999 في سياتل وتحرير الجنوب اللبناني الخ. ستكون القائمة طويلة، ومختلفة جداً عن النغمة العزائية التوافقية التي ينصح بها اندرسون. حملة نادر الانتخابية تختلف في مغزاها عن حملات خصومه، بأنه هدف فيها إلى إيقاظ وعي المواطنين الديمقراطي بأن إمكانية مشاركتهم في ثروات البلاد ليست جشعاً أو إجماعاً ساذجاً لما تقره السياسة.
بعد أن خصت التماثل بین کلمتي (مثقف و کاتب) وعلاقتهما ببعض، من الأفضل لي الآن أن أبيين لماذا وكيف تنتميان لبعضهما
البعض رغم انفصال تاريخ وأصل الكاتب. في اللغة اليومية - الكاتب في اللغات والثقافات المطلع عليها هو شخص ينتج الأدب مثل (الروائي أو الشاعر أو الكاتب المسرحي، كما أعتقد أن للكاتب مكانة مبجلة ومنفصلة أكبر مما للمثقف في كل الثقافات؛ إن هالة الإبداع والمقدرة الطاهرة للأصالة (النبوئية في مداها ونوعيتها) تعطيهم الحق دونا عن كل المثقفين، الذين، فيما يتعلق بالأدب، ينتمون إلى طبقة طفيلية وأدنى قليلاً من النقاد.
(هناك تاريخ طويل من الهجوم على النقاد كوحوش كريهة تافهة عاجزة عن كل شيء عدا النقد والمتاجرة بالكلمات المتحذلقة) لكنه في العشرين سنة الأخيرة من القرن العشرين اضطلع بكثير من صفات المثقفين المناوئة وذلك في الانخراط في نشاطات مثل التكلم بالحقيقة في وجه السلطة، كونه شاهداً على المعاناة والعذاب، ووفر الرأي المعارض في الصراعات مع السلطة. علامات اختلاط الأول بالآخر کان يجب أن تشمل حالة سلمان رشدي بکل تشعبها، وتشكیل مجالس من الكتاب ومؤتمرات مكرسة لقضية عدم التحمل وأمثالها، وحوار الحضارات، والنضال المدني (كما في البوسنه والجزائر)، وحرية الكلام والرقابة، والدور الرمزي الخاص للكاتب كمثقف يظهر ويثبت تجربة البلاد بإعطائها هوية شعبية محفورة للأبد في أجندة العالم المتنقلة.
أسهل طريقة لإظهار ذلك هو إدراج أسماء بعض الحائزين على جائزة نوبل الحديثين (وليس كلهم بأي حال)، ثم السماح لكل اسم بتحفيز حقل رمزي في الدماغ، يمكن إعتباره نوع من المنصة أو نقطة انطلاق لنشاط الکاتب اللاحق کتدخل في نقاشات تحدث بعیدة عن عالم الأدب مثلما فعلت (نادین غوردیمر) و کنزابورو اوي ودیریك ولکوت وولي سوینکا و غابراییل غارسیا مارکیز واکتافیو باز وایلي ویزیل وبرتراند روسل وغنتر غراس وریغوبیرتا مینشیو من بین آخرین کثیرین.
من الصحیح أیضاً، کما بینت باسکال کازانوفا بشکل رائع في كتابها الشامل (جمهورية الأدب العالمية) التي تشكلت في المائة وخمسين سنة الأخیرة وتبدو الآن کنظام کوكبي جاهز للأدب، تکمل مع نظامها الخاص، للأدب إيقاع ومعيار العالمية وقيم السوق. إن فعالية النظام هي تولید نماذج من الکتاب ونسبهم إلی أصناف مختلفة کمتفهمین ومنشقین ومتنقلين، متميزين في نظام سوق كوكبي عالي الكفاءة. معنى حجتها في الواقع هو التأكيد بأن هذا النظام القوي الشامل يستطيع أن يتمادى إلى إثارة نوع من الاستقلال عنه، في حالات مثل (جويس وبيكيت) اللذان لم يخضعا لغتهما وإملاءهما لقوانين الدولة أو النظام.
رغم إعجابي الكبير بكتاب كازانوفا إلا أن إنجازه الكلي متناقض. يبدو أنها تقول أن الأدب كنظام معولم له نوع من الاستقلال الذاتي المتكامل الذي يضعه في مقياس كبير وأبعد من الحقائق الفظة للمؤسسات والسياسية والخطاب، فكرة لها نظرية معقولية ظاهرة حين تصيغها في شكل (أدب عالمي فسيح) بقوانينه التفسيرية الخاصة به، وعلاقته الجدلية الخاصة بين العمل الفردي والعمل الجماعي وإشكاليته المستعصية في القومیة واللغات الوطنیة. لکنها لم تتمادی في القول کما فعل ادورنو الذي أخطط للعودة إليه بشكل مختصر في نهایة حدیثي، إن إحدى علامات الحداثة الرئيسية، هي كيف يجب على الجمالي والاجتماعي أن يظلا في حالة من التوتر الذي لا يقبل التسوية في مستوی عمیق جداً. كما أنها لم تخصص الوقت الكافي لمناقشة الطرق التي لا يزال بها الأديب أو الكاتب متورطاً ومعبئاً في الحقيقة لإستخدامه في النزاعات الكبرى لفترة ما بعد الحرب الباردة في أغلب الأحيان التي تأججها الهيئات السياسية المتبدلة التي تكلمت عنها سابقاً.
وبحسب ذلك المنظور، فإن النقاش الدائر حول سلمان رشدي مثلاً، لم يكن أبداً حول السمات الأدبية للآيات الشيطانية بقدر ما كان حول إمكانية المعالجة الأدبية لموضع ديني دون إثارة نوبات انفعال دينية بطريقة شعبية خطرة جداً. (راجع التحليل الرائع لمحمد حسنين هيكل) على أطراف الأدب والدين والسياسة، وجهات نظر تموز 2000). لا أعتقد بوجود مثل هذه الإمكانية، فمنذ اللحظة الأولى التي صدرت فيها الفتوى للعالم أودعت الرواية ومؤلفها وقراءها مباشرة داخل بيئة لا تسمح لأي شيء سوى الجدال الثقافي المسيس حول هذه القضايا الاجتماعية - الدينية كالتجديف، والمنشق العلماني وتهديدات بالاغتيال عابرة للمحلية. كي نؤكد أن حرية سلمان رشدي في التعبير كروائي لا يمكن اختزالها - كما أكد كثير منا من العالم الإسلامي - وفي الحقيقة كان ذلك ضمن مناقشة لقضية الحرية الأدبية في الكتابة ضمن خطاب ابتلع سلفاً واحتل تماماً عزلة الأدب بشكل كلي (في المعنى الجغرافي).
في ذلك المحيط الأوسع ليس هناك ضرورة لوضع فرق أساسي بين الكاتب والمثقف طالما كلاهما يعملان في المجال الشعبي الجديد الذي تهيمن عليه العولمة (وافترض وجوده نصراء فتوى الخميني) ويمكن مناقشة دورهم العام ككتاب ومثقفين وتحليله معاً. وسأعبّر عنها بطريقة أخرى، سوف أركز على ما يشترك به الكاتب والمثقف بما أنهما يتدخلان في المجال العام. لا أريد أن أتخلى عن إمكانية بقاء منطقة لم تتأثر بالعولمة وخارجها سأناقشها هنا لكن كما قلت لا أريد أن أناقشها حتى النهاية بما أن اهتمامي الرئيسي هو دور الكاتب ضمن النظام القائم فعلياً.
دعني أقول شيئاً عن الخصائص الفنية لتدخل المثقف في العصر الحالي. لكي نأخذ فكرة نشطة مثيرة عن السرعة التي تزايدت بها الاتصالات خلال العقد الماضي، اود أن أقارن بین إدراك (جوناثان سويفت) للتدخل الشعبي الفعال في بدایات القرن الثامن عشر وإدراکنا.
کان (سویفت) المؤلف الأکثر هیمنة في عصره، وأثناء حملته ضد دوق مارلبورو في عامي 1713 - 14 كان قادراً على أن يطرح 15,000 نسخة من كتيبه (سلوك الحلفاء) في الشوارع خلال بضعة أيام. وتمكن من إزاحة هذا الدوق من منصبه العالي لكن ذلك لم يبدل انطباع سويفت المتشائم (العائد إلى حكاية حوض الاستحمام - 1694) بأن كتابته مؤقتة أساساً، ومناسبة للوقت القصير الذي يتم تداولها فيه. كان في باله طبعاً السباق بين القدماء والحدیثین الذي کانت فیه لکتاب مبجلین مثل هومر وهوراس أفضلية على الشخصيات الحديثة مثل درايدن بفضل عمرهم وأصالة آراءهم في التعمير الطويل وحتى البقاء الدائم.
في عصر وسائل الإعلام الالكترونية مثل هذه الاعتبارات غير واردة، بما أن أي شخص معه حاسوب ومأخذ انترنت لائق، قادر على الوصول إلى عدد من الناس أكبر بأضعاف مضاعفة ويستطيع التطلع إلى الحفاظ على ما هو مكتوب أيضاً فوق أي مقياس يمكن تخيله. يجب أن نعدل فکرتنا الیوم عن الأرشیف والخطاب بشکل جذري ولم یعد بالإمكان تعریفهما كما حاول فوكو جاهداً لوصفهما منذ عقدین. حتى لو كتب شخص إلى صحيفة أو دورية تظل هناك فرص لتضاعف الإنتاج ونظريا على الأقل الحفظ لوقت غير محدد قلل تخريب ودمار فكرة الواقعية بدلاً من الحضور الإفتراضي.
رغم أن هذه الأشياء قيدت السلطات التي تراقب أو تمنع الكتابة التي تعتبرها خطيرة، فسوف أظهر في الحال، وجود وسائط فجة لإيقاف أو حجب وظيفة الطباعة على الانترنت. حتى الوقت الحالي تستطيع بعض الدول منع الانترنت وحتى محطات التلفزيون الفضائية ثم سمحت فيما بعد بوصول محدود للانترنت رغم أن هذه الدول نصبت منافذ متطورة للانترنت، كلن لديها أجهزة منع تهدف للمحافظة على سيطرتها.
كما تشهد الأشياء، يمكن أن أكتب مقالة في نيويورك تايمز الصحيفة البريطانية وتتوفر لها فرصة الظهور على مواقع الكترونية منفردة أو عبر البريد الالكتروني في الولايات المتحدة واليابان وباكستان والشرق الأوسط وجنوب أفريقيا واسترالية أيضاً. إن سيطرة المؤلفين والناشرين على إعادة طبع المادة ونشرها أصبحت قليلة جداً. أنا أندهش بشكل دائم حين يعم ما أكتبه أو أقوله نصف العالم دون تأخير. لمن يكتب المرء إذا كان من الصعب تحديد الحضور بأي نوع من الدقة؟
هل يركز أكثر الناس على المخرج الفعلي الذي ابتدع القطعة الأدبية أم على القراء المفترضين الذين نود أن تخاطبهم. اكتسبت فكرة المجتمع المتخيل أخيراً بعداً حقيقياً إن لم تكن فعلياً. بالتأكيد، كما جربت أن أكتب منذ عشر سنوات في المنشورات العربية لجمهور القراء العرب، يحاول المرء أن يخلق ويشكل ويرجع إلى جمهور الأنصار، الآن أكثر من أيام سويفت الذي استطاع أن يفترض بأن الشخصية التي اسماها رجل كنيسة انكلترا كانت في الواقع جمهوره الصغير الفعلي.
لذلك يجب علينا أن نعمل بفكرة الوصول المحتمل إلى عدد أكبر من الحضور الذي يفوق ما كنا نتخيله قبل عقد من الزمن لكن فرص الاحتفاظ بهذا الحضور تعتمد على الحظ. هذا ليس مجرد مسألة تفاؤل إرادة: إنه في طبيعة الكتابة نفسها. ما يصعب الأمور على الكتّاب هو الإفتراضات الشائعة بينهم وبين قرائهم والتسليم بها أو التظاهر بأن الإشارات والتلميحات مفهومة مباشرة. حين يمكن التسليم بالافتراضات تكون خاطئة عادة لأنها تنزع لأن تكون تلك الأفكار السائدة والمقبولة التي يسعى المثقف إلى طردها وتفكيكها وتغيرها تماماً.
لكن الكتابة في هذا الفضاء المتوسع الجديد يكمن خطر آخر غير عادي وهو أن تتشجع لقول أشیاء تکون إما مبهمة وعویصة تماماً أو شفافة وواضحة، وإن کان في المرء أي إحساس بدوره الثقافي والسياسي يجب أن تكون كتابته من الصنف الآخر ولیس الأول. نثر شفاف وبسيط وواضح يمثل تحدیاته، بما أن الخطر الحاضر دائما هو إمكانية السقوط في الحيادية الساذجة المضللة للغة عالم الصحافة الإنكليزية الذي لا يختلف عن كتابة (السي إن إن أو يو إس إي) تودي. الورطة حقيقية، إن كان الغرض تنفير القراء (والأخطر تطفل المحررين) أو محاولة كسبهم بأسلوب يشبه العقلية التي يحاول المرء فضحها وطردها. الشيء الذي أتذكره وأكرره لنفسي، هو لا توجد أية لغة متوفرة أخری، إن اللغة التي استعملها يجب أن تکون نفس اللغة المستعملة بواسطة وزارة الخارجية أو الرئيس حين يتشدقان بدفاعهما عن حقوق الانسان، ويجب علي أن استخدم نفس اللغة لاسترد الموضوع وأعيده إلى الصواب وأعيد ربطه بالحقائق المعقدة، الحقائق التي بسطها خصومي ذوي الامتيازات وخانوها وقللوها أو بددوها تماماً. يجب أن يكون واضحاً من الآن للمثقف الذي لا يهدف إلى تقدیم مصلحة أحد ما بأنه سیکون له خصوم یعتبرون أنفسهم مسؤولون عن الوضع الحالي للأمور، خصوم يجب عليه أن يتعاطى معهم مباشرة.
بينما من الحقيقي وغير المشجع أيضاً أن كل المخارج الرئيسية تسيطر عليها المصالح الأكثر قوة وبالتالي الخصوم الذين يقاومهم المرء أو يهاجمهم، صحيح أيضاً أن المثقف المعبئ نسبياً يمكن أن ينتهز الفرصة ويزيد أنواع المنابر المتوفرة للاستخدام. لذلك من الجانب الأول، تتحكم بعالم أنباء وصور العالم ست شركات متعددة القومية يرأسها ستة رجال.
من الجانب الآخر، هناك مثقفون مستقلون يشكلون تجمعاً أولياً حقيقياً، مفصولون عن بعضهم البعض لكنهم متصلون بطرق مختلفة مع عدد كبير جداً من التجمعات الناشطة التي تنأى بنفسها عن وسائل الإعلام السائدة ولديهم تحت تصرفهم أيضاً أنواع أخرى مما سماه سويفت آلات الخطابة.
فكر بكثرة الفرص المتوفرة للمحاضرة والكراس والإذاعة والصحف البديلة والمقابلات واللقاءات العامة ومنابر الكنائس والانترنت ولم أذكر سوى القليل. صحيح أن هناك خسارة مهمة حين يدرك المرء أن احتمال دعوة البي بي إس أو نايتلاين له بعيدة الاحتمال وإن وجهت له دعوة ستكون لحظة شاردة ومعزولة. لكن هناك مناسبات أخرى تقدم نفسها ليست بنفس الحجم والتأثير لكنها في زمن أطول وأكبر. لهذا فالسرعة سلاح ذو حدين. هناك سرعة في الأسلوب المختصر الشعاراتي وهو الميزة الرئيسية لخطاب الخبراء - وبصورة أدق - سريع - مصاغ وبراغماتي في مظهره - وهناك سرعة الرد وحجمه الذي يستطيع استغلالها أغلب المواطنين والمثقفين لكي يقدموا تعبيرات أشمل وأكمل لرأيهم البديل.
أنا أقترح ذلك بالاستفادة مما هو متوفر في شكل منابر هائلة (أو منصات متنقلة - مصطلح آخر لسويفت) ورغبة متيقظة ومبدعة لاستغلالها من قبل المثقفين (أي، المنابر سواء هي غير متوفرة أو التي تجنبتها الشخصيات التلفزيونية والخبراء والمرشحون السياسيون) من الممكن البدء في نقاش أوسع.
يجب ألا يتم الاستخفاف بإمكانية هذا الوضع الجديد في التحرير والخطر عليه. دعوني أضرب مثالاً حديثاً وقيماً جداً لما أقصده. هناك حوالي أربعة ملايين لاجئ فلسطيني مبعثرين في كل أنحاء العالم، يعيش عدد مھم منھم في مخیمات اللاجئین في لبنان (حیث حدثت مذابح صبرا وشاتيلا عام 1982) والأردن وسوريا وفي غزة والضفة الغربية.
وفي عام 1999 قامت مجموعة مقدامة من الشباب واللاجئين المثقفين الذین يعيشون في مخيم دهيشه قرب بيت لحم في الضفة الغربية بتأسيس مركز الإبداع الذي كان أهم ميزة فيه مشروعه العابر للحدود؛ كانت طريقة ثورية بواسطة محطات الحاسوب لربط اللاجئين في أغلب المخيمات الرئيسية، المفصولة جغرافياً وسياسياً بعوائق صعبة جداً عن بعضها البعض. لأول مرة منذ أن تفرق وتشتت آباءهم في عام 1948، استطاع الجيل الثاني من اللاجئين الفلسطينيين في بيروت أو عمان التواصل مع نظراءهم في داخل فلسطين. ما فعله بعض المشاركين في المشروع كان مميزاً.
لهذا استمر ساكنو دهيشه بزيارة قراهم السابقة في فلسطين، ثم وصفوا عواطفهم وما رأوه لفائدة اللاجئين الآخرين الذين سمعوا لكنهم لم یتمکنوا من النفوذ إلی تلك الأماکن.
في ظرف أسابيع انبثق تضامن رائع مع الوقت في وقت ما سمي بمفاوضات الوضع النهائي بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل تبنى قضية اللاجئين والعودة وقضية القدس التي شكلت الجزء المعقد في عملية السلام الباهتة. لقد تحقق لبعض اللاجئين الفلسطینیین حضورهم السياسي لأول مرة وأعطاهم وضعاً جديداً يختلف نوعياً عن المعارضة السلبية التي ظلت قدرهم لنصف قرن.
في 26 آب 2000، دُمِرَتْ أجهزة الحواسيب في دهيشه في عمل سياسي تخريبي لم يترك أي مجال للشك بأن القصد هو أن يبقى اللاجئون لاجئين، مما يعني ليس مطلوباً منهم إقلاق وتشويش الوضع القائم الذي افترض صمتهم منذ زمن بعيد. ليس من الصعب إدراج المشبوهين، لكن من الصعب وبنفس الدرجة أيضاً تخيل تسمية أي شخص. على كل حال، بدأ سكان مخيم دهيشة مباشرة في استرجاع مرکزهم (إبداع) ونجحوا بذلك إلی حد ما.
في هذا السياق إن الإجابة على السؤال (لماذا) يفضل بعض الأفراد والجماعات الكتابة والكلام على السكوت هي مرادف لتحديد ما يواجهه الكاتب والمثقف في المجال الشعبي. أقصد وجود أفراد ومجموعات تبحث عن عدالة اجتماعية ومساواة اقتصادية وتدرك (كما صاغت امارتيا شون) أن الحرية يجب أن تشمل الحق في عدد كامل من الخيارات التي توفر التطور الثقافي والسياسي والفكري والاقتصادي، وهذا نفسه سيقود المرء إلى الرغبة في النطق كرفض للصمت. هذا هو الخطاب الوظيفي لمهنة المثقف وبسبب ذلك يقف المثقف في موقع يمكن فيه ويصوغ هذه الآمال والرغبات.
الآن كل تدخل استطرادي مخصص طبعاً لمناسبة معينة ويزعم بوجود الإجماع، هو نموذج معرفي ومثال عملي (يمكننا انتقاء مفهومنا المفضل الذي یظهر المعیار السائد المقبول) لذلك فإنه خلال حرب الناتو ضد كوسوفو، أو الانتخابات القومية في مصر والولايات المتحدة أو ممارسات الهجرة في بلد أو آخر، أو البيئة والأحياء في غرب أفريقیا.
في کل هذه الأوضاع والكثير غيرها، فإن السمة المميزة للفترة التي نعيش فيها هو ميلها إلى أرثوذوكسية إعلام (سائد حكومي) من الصعب جداً الاستمرار ضدها حتى لو زعم المثقف بوجود بدائل واضحة. لهذا سوف أبدا بتكرير الواضح، إن كل وضع يجب أن يفسر وفقاً لحقائقه لكن (سأحاول أن أثبت أن هذه هي الحالة الدائمة تقريباً) كل وضع يحتوي أيضاً صراعاً بين نظام المصالح الجبار من جهة وبين المصالح الأقل قوة المهددة بالفشل والإسكات والدمج أو الإنقراض من جهة أخرى. ومن البديهي أن تكون مسؤولية المثقفين الأمريكيين أكبر فالثغرات هائلة والتحديات صعبة.
الولايات المتحدة هي القوة العظمى الوحيدة أولاً وأخيراً ؛ وتتدخل في کل مكان تقريباً ومواردها للسيطرة هائلة جداً لكنها ليست مطلقة. إن دور المتثقفین عموماً جدلي ومتناقض وهو ان یکشفوا ویوضحوا الصراع الذي أشرت إليه سابقاً وأن يقهروا الصمت المفروض بالقوة والهدوء المطيع للسلطة الخفية أينما وكلما كان ذلك ممكناً.
هناك تكافؤ اجتماعي وثقافي بين هذه الكتلة من المصالح الجماعية المتسيدة وبين الخطاب المستخدم لتبرير وتمويه وتشويش أعمالها في الوقت الذي تمنع فيه المعارضات أو التحديات لها في الجانب الآخر،. في عصرنا وبكل العالم تقريباً، أصبحت عبارات مثل (سوق حرة) و(خصخصة) و(تحكم أقل) وغيرها، العقيدة التقليدية للعولمة وشموليتها الزائفة ومسامير الخطاب المهيمن المكرس لتصنيع القبول والوفاق ضمني أيضاً. من تلك الروابط تنبعث مستحضرات إيديولوجية مثل (الغرب) و(صراع الحضارات) و(القيم التقليدية والهوية) - ربما تكون أكثر العبارات المستخدمة في قاموس اليوم التي لا تنشر لتحريض الحوار كما تبدو به وإنما على العكس تماماً، لإستغلال العداء العميق ونزعة التعصب وإخماد واحتلال وسحق المنشق كلما واجه الکونیون أي مقاومة أو ارتیاب.
الهدف الرئيس لهذا الخطاب المهيمن تعديل منطق اتحاد صانعي الأرباح والسلطة السياسية المتوحش وتحويله إلى مسألة العادية (هذه هي الطريقة التي تكون فيها الأشياء) وترجمة المقاومة المنطقية لهذه الأفكار إلى شيء غير واقعي وغير منطقي وطوباوي الخ. يكمن وراء العروض الملغومة للحوار الفعال المتعلق بالغرب والإسلام مثلاً، كل أنواع معاداة الديمقراطية والتظاهر بالتقوى والوسائل المنفرة (نظرية الشيطان الأكبر والدول المارقة والإرهاب) المعدة كالهاء عن التجريد الاجتماعي والاقتصادي الذي يحدث في الحقيقة. من جانب يحض رافسنجاني البرلمان من أجل درجات أكبر من الأسلمة كدفاع ضد أميركا ومن جانب آخر، يحضر كليتنون وبلير وشركاءهما الواهنون مواطنيهم لحرب لا نهاية لها ضد الإرهاب الإسلامي والدول المارقة والبقية.
لقد نقلت الواقعية ورفيقتها المقربة البراغماتية من سياقهما الفلسفي الموجود في أعمال بيرس وديوي وجيمس في لجوء إلى الجهد القسري في غرف اجتماعات الشركات حيث، كما عبر غور فيدال، تتخذ القرارات الحقيقية بشأن الحكومة ومرشحي الرئاسة. والحقيقة المرة الأخرى أن الإنتخابات لا تنتج ديمقراطية أو نتائج ديمقراطية بشكل آلي. كاستعداد ضد انتهاك آلية الدفاع عن الهوية التي استفحلت جداً في الفكر القومي ابتداء من تجذرها في التعليم إلى التعبير عنها في الخطاب الشعبي، يجب على المثقف أن يوفر بدل ذلك تعليل نزيه يبين كيف أن الهوية والتقاليد والأمة أشياء متراكبة معا في شكل خطير من المتناقضات الثنائية التي يعبر عنها بشكل محتم في مواقف العداء تجاه الآخر.
كل مجال عام اليوم مصاب بعدوى هذا النوع من التفكير. ومن المؤكد أن المرء لا يستطيع أن ينكر أن بعض الهويات مهددة فعليا بالدمار والهجوم، لكن حتى تلك الأخطار الفعلية على الهوية وحق تقرير المصير تستغل بشكل كلبي لتبرير القمع السياسي غير المبرر. وهذا صحيح في فلسطين بشكل خاص، التي تشجع إسرائيل وحكومة الولايات المتحدة السلطة فيها للحفاظ على محكمة أمن الدولة سيئة الصيت التي سمحت، من بين الانتهاكات الكثيرة، بسجن وتعذيب أي نوع من المنشقين، والرقابة الشاملة على الكتب والجرائد والمجلات، وأغلقت بشكل متكرر القنوات
التلفزيونية والإذاعية من نشر ولو نفحة بسيطة من النقد لعملية السلام أو للسلطة نفسها. كل هذا جرب باسم الشعب الذي جرد وطرد من أرضه وعانى طويلا وحرم من حقه في الإقتراع.
النزعة المشؤومة هي قول، ما يقوله المدافعون عن الحكومة دائماً وفي كل مكان أثناء أوقات الحرب أو في الظروف القومية الطارئة، بأننا يجب أن نندمج معاً ونبدي الوحدة في وجه الأخطار التي تهدد الدولة وهكذا. بينما أعتقد أن الأهمية مضاعفة في مثل هذه الظروف الصعبة، لنا وللغرب عموماً والولايات المتحدة خصوصاً، بأن نتخلص من وطنيتنا وولاءنا اللذان يستخدمان عادة كغطاء لانتهاكاتنا لحقوق الإنسان.
اقترح بیير بیردیو وزملاءه بشكل مشوق أن نيوليبرالية كلينتون -بلير، التي تأسست على تفكيك محافظ للمنجزات الاجتماعية العظيمة لدولة الرفاه (في الصحة والتعليم والعمل والضمان الاجتماعي) خلال فترة تاتشر - ريغان وأنشأت عقيدة أرثوذوكسية متناقضة، ثورة مضادة رمزية اشتملت بوضوح على نوع من تمجيد الذات القومية التي ذكرتها.
ويقول (هذه نزعة محافظة لكنها تقدم نفسها كتقدمية؛ تسعى لإستعادة النظام السابق في بعض أقدم مظاهره (خصوصا فیما یتعلق بالعلاقات الاقتصادية)، حتى أنها تجاوزت كل تراجع، انعكاس، انكفاء واستسلام كإصلاحات حديثة أو ثورات تقود إلى عصر جديد كامل من الوفرة والحرية (كما يسمى باللغة بـ(الاقتصاد الجديد) والخطاب المنتصر في كل (شركات شبكات البث التلفزيوني والإذاعي) و(الانترنت).
کما ذکر بضرر هذا الانعکاس الذي حصل، اصدر بوردیو وزملاءه عملاً جماعياً في 1993، بعنوان (بؤس العالم) الذي ترجم إلى الإنكليزية بـ(وطأة العالم: العذاب الاجتماعي في المجتمع المعاصر) وكان هدفه أن يفرض انتباه السياسيين لما خبأته التفاؤلية المضللة للخطاب الشعبي في المجتمع الفرنسي. كتاب كهذا يلعب دور ثقافي سلبي، هدفه كما يقول بورديو (أن ينتج وينشر أدوات دفاع ضد الهيمنة الرمزية التي تعتمد باستمرار على سلطة العلم) أو الخبرة أو ترضي الوحدة الوطنية والفخر والتاريخ والتقاليد لإكراه الناس على الخضوع والطاعة.
من الواضح أن الهند والبرازيل تختلفان عن بريطانية والولايات المتحدة، لكن تلك التباينات اللافتة في الثقافات والاقتصاد لا يجب أن تحجب إطلاقا أشكال التماثل التي يمكن رؤيتها في بعض التقنيات بهدف الحرمان والقمع دائماً الذي يجبر الناس بأن ينقادوا صاغرين. أحب أن أضيف أنه ليس على المرء أن يقدم نظرية عميقة ومفصلة للعدالة دائما ليذهب إلى حرب مضادة العدالة فكرياً وذلك لوجود عدد هائل من الاتفاقيات والبروتكولات والقرارات والمواثيق الدولية التي بإمكان السلطات القومية الالتزام بها إن رغبت بذلك.
وبنفس السياق أعتبر أخذ موقف بعد حداثي متطرف هو غباء تقريباً (مثل ريتشارد رورتي وهو يتوهم بأنه يلاكم شيء غامض يشير إليه باحتقار ب(اليسار الأكاديمي) ويقول حين يواجه التطهير العرقي أو الإبادة الجماعية كما يحدث اليوم في العراق، أو أي شر من التعذيب والرقابة والمجاعة والجهل (أكثرها دبرها البشر وليس الآلهة).
إن حقوق الإنسان هي أشياء ثقافية، وحين تنتهك ليس لديها المنزلة التي يمنحها لها المتعصبين الخام مثلي بأنها حقيقية كأي شيء نستطيع مصادفته. يصح القول كما أعتقد بأن إفراغ الخضوع من التسيس وإضفاء عناصر جملية عليه، مع أشكال مختلفة أخرى مثل نزعة الإنتصار ورهاب الأجانب أحياناً واللامبالاة والانهزام أحياناً أخرى، أصبح مطلوباً بشكل رئيسي منذ ستينات القرن العشرين لتهدئة المشاعر المتبقية في الرغبة في المشاركة الديمقراطية (التي تعرف أيضاً بالخطر على الاستقرار) الذي لا يزال موجوداً. يمكن للمرء أن يقرأ الكثير في كتاب (أزمة الديمقراطية) الذي شاركت بتأليفه قبل انتهاء الحرب الباردة بعقد من الزمن بناء على توصية اللجنة الثلاثية.
خلاصة الكتاب ترى أن الكثير من الديمقراطية يضر بممارسة السلطة، التي ذخيرتها من السلبية تسهل على الأقليات من التقنيين وخبراء السياسة في إجبار الناس على الطاعة. لهذا لو ظل خبراء مؤهلون يحاضرون بشخص بلا نهاية ويشرحون له أن الحرية التي نريدها كلنا تتطلب الخصخصة وإلغاء التنظيم وأن العالم الجدید نهاية التاریخ، عندها ستنخفض النزعة لمواجهة هذا النظام كثيراً وكذلك المطالب الفردية أو حتى الجماعية. ظل تشومسكي يتعامل بلا هوادة مع هذه المتلازمة الصاعقة سنوات كثيرة.
دعني أعطي مثالاً عن شدة تلك التحديات المرعبة للفرد ومدى سهولة السقوط في الكسل، من تجربة شخصية لي في الولايات المتحدة اليوم. لو أصابك مرض خطير وأقحمت فجأة في عالم المنتجات الدوائية الغالية بشكل باهظ، التي لا يزال اغلبها تجريبية وبحاجة إلى موافقة الآف دي إي وحتى تلك الأدوية غير التجريبية وغير الجديدة (مثل الستيروإيدات والمضادات الحيوية) منقذة للحياة لكن نفقتها الباهظة تعتبر ثمناً صغيراً مقابل فعاليتها. كلما أمعن المرء أكثر في المسألة صادف تبرير مشترك، فقد تكون كلفة تصنيع الدواء قليلة (عادة صغيرة جداً)، لكن كلفة البحث ضخمة جداً ويجب أن تسترد في المبيعات اللاحقة. ثم تکتشف أن جل کلفة البحث جاءت للشرکة بشکل منحات حکومیة، التي أتت بدورها من الضرائب التي يدفعها المواطن.
حين تتحدث عن إنتهاك الأموال العامة بطريقة مثل الأسئلة التي وجهت إلى مرشح واعد بعقلية تقدمية (مثل بيل برادلي) تفهم بسرعة لماذا لا يثير مثل هؤلاء المرشحين المسألة. فهم يتلقون تبرعات هائلة لحملاتهم الانتخابية من ميريك وبريستول مايرز ومن غير المحتمل أن يتحدوا داعميهم. لهذا تستمر في الدفع والعيش، لنفترض أنك محظوظ ولديك عقد تأمين وتدفع شركة التأمين النفقات. لكنك تكتشف أن محاسبي شركة التأمين هم من يقرروا من يحصل على علاج مكلف أو فحص وما هو مسموح أو غير مسموح وطول مدة العلاج وفي أي ظروف، ولا تفهم إلا حينذاك أن مثل هذه الحمايات الأساسية التي مثل وثيقة حقوق حقيقية للمريض لا يمكن أن يوافق عليها الكونغرس، بسبب التأثير القوي للوبي شركات التأمين التي تحقق أرباحاً هائلة.
باختصار، وجدت نفسي أقول حتى المحاولات البطولية (مثل محاولات فريدريك جيمسون) لفهم النظام على المستوى النظري أو لصياغة ما سماه سمير أمين بتفكيك البدائل، تقوض بشكل مهلك بإهمالها النسبي للتدخل السياسي الفعلي في الأوضاع الوجودية الحقيقية التي يجد المواطنون أنفسهم فيها، إنه ليس تدخلاً شخصياً فقط وإنما جزء مهم من الحركة المناوئة والمعارضة الواسعة.
من الواضح أننا كمثقفين نسوق تصوراً فعالاً أو مخططاً للنظام الكوكبي (يعود الفضل الكبير للمؤرخین العالمیین و الإقلیمیین مثل ایمانویل ولرشتاین وأنور عبد الملك وجي ام بلوت وجانيت أبو لغد وبيتر غران وعلي مزروري وويليام مكنيل) لكنه نموذج مشكوك فيه أثناء المواجهات المباشرة معه في جغرافية ما أو أخرى محددة لذلك تتأجج الصراعات التي ربما تكون مربحة.
هناك تاريخ رائع لهذا النوع الذي قصدته في المقالات المنوعة التي كتبها بروس روبینز، الشعور بالكوکبية: العامية في محنة 1999، وتیموثي برینان في بيت العالم: العالمية الآن 1997 ونيل لازاروس القومية والممارسة الثقافية في العالم بعد الكولنيالي 1999، كتب ترمز بنيتها المحبوكة والدفاعية اليقظة إلى الشعور النقدي والفكري بالعالم الذي نعيش فيه اليوم التي تؤخذ كفصول متسلسلة أو حتى كأجزاء من صورة أوسع تشكلها أعمالهم وأعمال الآخرين مثلهم. إنهم يقترحون خريطة تجارب لم تكن مدركة أو مرئية قبل العقدين الماضين لكن لم يعد إقصائها ممكناً من الدراسة الثقافية أو قواعد الأنسنة في مرحلة ما بعد الإمبراطوريات التقليدية ونهاية الحرب الباردة وانهيار الكتل الاشتراكية ودول عدم الانحياز وانبثاق الجدال بين الشمال والجنوب في فترة العولمة.
لقد ذكرت عدداً قليلاً من الأسماء ليس للإشارة إلى أهمية مساهماتهم فقط وإنما لأستخدمها للقفز مباشرة إلى مناطق مادية واقعية ذات اهتمام جمعي حيث، لنتذكر ما قاله بورديو للمرة الأخيرة: هناك احتمال (الإبداع الجمعي). ويستمر قائلاً (يحتاج الصرح الكامل للفكر النقدي إلى إعادة بناء حاسمة لكن لا يكمن القيام بإعادة البناء كما في الماضي، لا من قبل مثقف عظيم لوحده أو مفكر كبير بموارده الفكرية المنفردة ولا بواسطة الناطق المخول باسم مجموعة أو مؤسسة دون صوت أو نقابة أو حزب وغيره. هذا هو المكان الذي يستطيع الفكر الجمعي أن یلعب فيه دوره والذي لا يستبدل، وذلك لمساعدته على خلق الظروف الاجتماعية من أجل إنتاج جمعي للطوباويات الواقعية (تسمية بورديو للأفراد الذين تؤلف مجمل بحوثهم ومشاركاتهم حول مواضيع مشتركة نوعاً من المنظمات التعاونية التي تشكل عند الحاجة ودون تخطيط مسبق).
قرأت هذا لأؤكد غياب الخطة الرئيسية أو برنامج العمل أو النظرية الشاملة لما يستطيع المثقفون فعله، وغياب أي غائية طوباوية يتحرك نحوها التاريخ الإنساني. لذلك يبتدع المرء في المعنى اللاتيني الحرفي لكلمة يبدع التي استخدمها فصحاء البلاغة لتأكيد اللقية مرة أخرى، أو إعادة تجميع الانجازات الماضية، بدلاً من الاستخدام الرومانسي لکلمة اختراع، كشيء تخلقه بدون أي تحضير مسبق ومعرفة - أهداف مختطفة، أي بافتراض وضع أفضل من الوقائع التاريخية والاجتماعية تمكن أداء المثقفين على أصعدة كثيرة وفي أماكن كثيرة وبأساليب كثيرة وتحافظ على الشعور بالمعارضة وبالمشاركة التي ذكرتها قبل قليل. لذلك تستطيع السينما والتصوير والموسيقى أيضا أن تكون أوجها لهذا النشاط إضافة إلى كل فنون الکتابة.
لا يجوز أن يقتصر عملنا كمثقفين على تحديد الوضع فقط وإنما على إدراك إمكانيات التدخل الفعال أيضاً، سواء بإنجاز ذلك بأنفسنا أو بقبولنا به عند الآخرين الذين سبقونا وعملوا عليها مسبقاً، المثقف كرقيب وحارس. إن المحلية من النوع القديم - مثلاً، أنا أديب متخصص في مجال انكلترا في بداية القرن السابع عشر - تقصي نفسها وتبدو مملة وحيادية بصراحة. يجب أن يكون الافتراض حتى لو لم يستطع المرء أن يفعل أو يعرف كل شيء، يجب عليه دائماً أن لا يكتفي بإدراك عناصر الصراع أو التوتر أو المشكلة التي في متناول اليد التي يمكن توضيحها وشرحها جدلياً فقط وإنما أن يحس بأن الأشخاص الآخرين لديهم نفس الهدف ويعملون في مشروع مشترك. وجدت مثالاً ملهماً ورائعاً لما أقصده في كتاب آدم فیلیب الجدید (دیدان داروين) الذي يدور حول اهتمام داروين الحياتي بدودة الأرض الوضيعة، يكشف فيه قدرته على التعبير وعلى تصميم وقدرة الطبيعة على التغيير دون الحاجة إلى رؤية كل الأول أو الآخر، وبذلك استبدل عمله على دودة الأرض (أسطورة الإبداع بأسطورة الاستمرار الدنيوية).
هل هناك طريقة غير مبتذلة لتعميم أين وبأي شكل تحدث مثل هذه الصراعات الآن؟ سأقتصر في قولي هذا على ثلاثة فقط، وكلها مفتوحة للتدخل الثقافي والتطوير. الأول: مقاومة وإحباط واختفاء الماضي، الذي في سرعة تغيره، إعادة صياغة التقاليد وبناء التاريخ أو تهذيبه باقتطاع أجزاء منه هما لب الصراع الذي وصفه (بينجامين باربر) بطريقة مبالغة كجهاد مقابل العالم الغربي. دور المثقف أولاً: أن يقدم سروداً مختلفة ومناظير أخرى للتاريخ غير تلك التي يوفرها المولعون بالقتال لصالح الذاكرة الرسمية والهوية القومية، الذين يرغبون بالعمل في شروط وحدات مزيفة، التلاعب بشيطنة أو تشويه صور السكان غير المرغوبين أو المطرودين، وتفريخ الأناشيد البطولية لكي تكتسح كل ما هو أمامها.
على الأقل منذ (نيتشه) اعتبرت كتابة التاريخ وتراكمات الذاكرة بطرق كثيرة من أساسيات السلطة التي توجه استراتيجياتها وترسم مخططات تقدمها. انظر مثلا إلى الاستغلال المخيف لعذاب الماضي الذي وصفه (توم سیغیف) (وبیتر نوفیك) و(نورمان فرانکلشتاین) في سجلاتهم عن استخدامات المحرقة أو للبقاء ضمن مجال الترميم والتعويض التاريخي والتشويه البغيض والتمزيق وتناسي التجارب التاريخية الهامة التي لا تملك جماعات ضغط مؤثرة وجبارة في الوقت الحاضر لذلك تستحق الطرد أو الاستخفاف. الحاجة كبيرة الآن لتواريخ غير مخدرة ورزينة توضح التنوع والتعقيد التاريخي دون السماح للمرء بالاستنتاج بأن التاريخ يتقدم بشكل موضوعي وفق قوانين محددة بواسطة السماء أو أصحاب النفوذ.
ثانياً: تشييد ميادين من التعايش بدلاً من ميادين العراك كحصيلة للجهد الفكري. هناك درس عظيم يجب أن نتعلمه من القضاء على الاستعمار (التحرر) الذي لم تكفي أهدافه التحررية لمنع ظهور وكلاء قوميين قمعيين للأنظمة الكولونيالية، ولهذا فإن العملية نفسها استولت عليها وأَسَرَتْها الحرب الباردة مباشرة تقريباً، رغم جهود حركة عدم الانحياز الرمزية وثالثاً: لقد قزمت وتفهت من قبل صناعة أكاديمية صغيرة التي حولتها ببساطة إلى نزاع غامض بين خصوم متكافئين.
لقد عالج (بينيتا باري) هذه المسألة في دارسة حديثة. في النزاعات المتنوعة حول العدالة وحقوق الإنسان التي يشعر الكثير منا بأننا ارتبطنا بها، هناك حاجة لمكون أساسي لارتباطنا يؤكد الحاجة إلى إعادة توزيع الثروات ويدافع عن الحاجة النظرية الماسة ضد التراكم الهائل للسلطة ورأس المال الذي يشوه الحياة الإنسانية.
لا يوجد سلام دون مساواة: هذه قيمة فكرية بأمس الحاجة إلى الترديد والتوضيح والتعزيز. إغراء كلمة السلام نفسها أنها مطوقة ومشبعة بمداهنة القبول والاستحسان، والمديح غير الخلافي والمصادقة الوجدانية.
تبالغ وسائل الإعلام العالمية (كما هي الحالة الیوم في حروب العقوبات في العراق و کوسوفو) وتضخم دون تمییز وتزین وتبث بلا تردد کل هذا إلى عدد هائل من المشاهدين والمستمعين الذين بالنسبة لهم السلام والحرب مشاهد للمتعة والاستهلاك المباشر. يلزم مزيد من الشجاعة والجهد والمعرفة لتفكيك كلمات مثل (حرب) و(سلام) إلى عناصرها، واسترداد ما بقي من عملية السلام التي فرضها القوي ثم استرجاع الحقيقة الضائعة ووضعها في مركز الأشياء، بدلاً من كتابة المقالات الإرشادية من قبل (ليبراليين) مثل ايغناتيف الذي حرض على مزيد من التدمير وقتل المدنيين العزل.
قد يكون المثقف الذاكرة المضادة بمنهجه الخاص به، المضاد الذي لا یسمح للضمیر بأن یتغاضی أو یغفل. أفضل تعدیل هو، کما قال الدکتور جونسون، تخیل الشخص الذي تناقشه - في هذه الحالة یکون الشخص الذي تتساقط القنابل علی رأسه - يقرأك في حضورك.
لكن بما أن التاريخ لا ينتهي أو يكمل فإن بعض المتناقضات الجدلية لا تقبل التسوية أبداً، لا يمكن تجاوزها، وغير مؤهلة لطويها إلى نوع أرفع وأنبل من التركيب. أقرب مثال لي هو الصراع حول بلدي فلسطين الذي اعتقدت دائما بأنه لا يحل بإعادة ترتيب تقنية وتوكيلية للجغرافيا تسمح للفلسطينيين المطرودين بالحق بأن يعيشوا في 20٪ من أرضهم التي ستكون مطوقة بإسرائيل ومعتمدة عليها تماماً. ومن الجانب الآخر ليس من المقبول أخلاقياً المطالبة بأن ينسحب الإسرائيليون من كل الأراضي الفلسطينية السابقة، لأن الإسرائيليين آنذاك يصبحون لاجئون مرة أخرى حالهم حال الفلسطينيين. لا يهم كيف بحثت عن حل لهذا المأزق المسدود، لم أستطع أن أجد حلاً أسهل من الحق مقابل الحق.
لا يمكن أن أكون على صواب أبداً حين أحرم شعباً كاملاً من أرضه وتراثه. لقد أسميت اليهود بمجتمع العذاب ويحملون معهم تراثاً من مأساة كبيرة لكني أختلف عن (زييف ستيرنهيل) ولا أقر بأن غزو فلسطين کان ضروریاً. هذه الفكرة تنتهك الألم الحقيقي للفلسطينيين المأساوي بدوره أيضاً. إن تخطي التجارب المستعصية يتطلب من المثقف الشجاعة بأن يقول أن ذلك ما هو موجود أمامنا، بنفس الطريقة تقريباً التي تخللت كل أعمال (ادورنو) في الموسيقى التي أصر فيها أن الموسيقى الحديثة لا يمكن أن تتصالح مع المجتمع الذي أنتجها لكن الموسيقى من خلال شكلها البارع ومضمونها تستطيع أن تكون شاهداً صامتاً على اللإنسانية المحيطة بنا. أي تمثل لعمل موسيقي منفرد لبيئته الاجتماعية هو زيف كما يقول (ادورنو) استنتج من الفكرة أن وطن المثقف المؤقت هو المجال لفن ملح ومقاوم وصلب لا يستطيع المرء فيه بالتراجع أو البحث عن حلول. فقط في تلك المملكة المنفية المحفوفة بالمخاطر يستطيع المرء أن يفهم بصدق أولاً صعوبة ما تعذر فهمه ثم یتجرأ علی اخروج للمحاولة مهما حدث.
_______________________________________________
الكل مسؤول عن تحرير فلسطين
اهرام ویكلي 26 نیسان 2001.
نحن الآن في الشهر السابع للانتفاضة التي وصلت إلى المرحلة الأكثر قسوة واختناقاً بالنسبة للفلسطينيين. القادة الإسرائيليون مصممون على فعل ما كانوا يفعلونه دائماً، وذلك بجعل الحياة مستحيلة بالنسبة للشعب الفلسطيني الذي يعاني من ظلم جائر وليس هناك حدود لرغبات شارون وأفعاله التي يدرجها تحت اسم (المبدأ) الذي تقبله الولايات المتحدة وترفض القيام بأي شيء بينما يستمر العنف. لذلك هذا يبدو تخويلاً لشارون في فرض حصار على شعب كامل يبلغ تعداده ثلاثة ملايين نسمة، وشيمون بيريز، الأشد كذباً ونفاقاً من كل القادة الإسرائيليين الذي جاب العالم وهو يتشكى من الإرهاب الفلسطيني. لهذا يجب أن لا نضيع الوقت في التعجب من نجاتهم بمثل هذا التكتيك الخسيس وفي والواقع هم يعملون وسيواصلون ذلك في المستقبل المنظور.
لا یعني قول ذلك والاعتراف به القبول بنتائجه بشکل سلبي. دعنا نمحص الوضع بهدوء من وجهة النظر التكتيكية والإستراتيجية. وسنجد هذا:
إن القيادة الفلسطينية التي انضمت إلى أوسلو ومبدأ وصاية الولايات المتحدة المدمر، بالإضافة إلى كل أنواع التنازلات البائسة (بما فيها حملة المستوطنات المستمرة)، عاجزة الآن عن فعل أي شيء أکثر مما تفعله الآن وهو مهاجمة إسرائيل كلامياً والتأشيرلها من تحت الطاولة برغبتها في العودة إلى المفاوضات القديمة والعقيمة وبنفس الطريقة تقريباً.
إضافة إلى أن سلطتها ومصداقيتها أصبحت أقل. عبقرية عرفات في النجاة حملته إلى أبعد ما يستطيع وليس لديه النية للتوقف حتى ولو كان خط النهاية واضحاً له. فهو يصر وبعناد على الوهم بأنه فلسطين وفلسطين هو؛ وسيظل متسمرا في هذا الاعتقاد طالما هو حي يرزق بغض النظر عما يحدث. الصعوبة الأكبر أن كل خلفاءه السياسيين أقل رجولة منه وقد یزیدوا الحال سوءا عما هو علیه.
إن السياسة الأمريكية لا تتأثر بمصيبة الفلسطينيين مهما كانت درجة سوءها (فبوش) مؤيد لإسرائيل مثل (كلينتون) واللوبي الإسرائيلي عدیم الرحمة في كذبه ومعلوماته المضللة كعادته دائماً، رغم الجهد الذي بذله العرب للإقتراب من السياسة الأمريكية واللوبي الإسرائيلي أيضاً. لكن مع ذلك يظل هناك مقدار كبير من التعاطف غير المستثمر مع القضية الفلسطينية في الولايات المتحدة وأوروبا لكن لم تكن هناك أي حملة فلسطينية موجهة للأمريكيين اللاتينيين والأمريكيين الأفارقة، والكنائس التي ليست جزءاً من الكنائس الأصولية في الجنوب والمجتمع الأكاديمي، والمئات من رجال الدين المؤيدين للحقوق الفلسطينية، وسط الأمريكيين اليهود (فقد ثبت بالبيانات الرائعة التي أدلوا بها في إعلانات مأجورة في نيويورك تايمز، بأن الكثير منهم مذعور من شارون وباراك مثلنا نحن) لکسب هذا الجمهور بطريقة منظمة.
من غير المحتمل أن تكون المساعدة التكتيكية الهامشية التي تقدمها الدول العربية للفلسطينيين أكثر من سابقاتها. فكل الدول العربية لها مصالح مباشرة تربطها بسياسة الولايات المتحدة؛ لأي دولة منها القدرة لكي تكون حليفاً استراتيجياً للفلسطينيين كما اثبت مؤتمر قمة عمان بشكل نهائي مؤخراً. من جانب آخر، هناك فجوة واسعة تفصل بين الحاكمين والمحكومين في العالم العربي، وهذا تشجيع كافي للقضية الفلسطينية، إن وجّه نحو التحریر وإنهاء الاحتلال.
لن يتوقف الإسرائيليون عن بناء المستوطنات ولن يوقفوا حصارهم للحياة الفلسطينية عموماً. إن شارون لیس رجلاً ذكياً وقادراً رغم تهديداته. لقد إعتمد على القوة والخداع خلال سيرته وهو يتغزل بجرائمه وإرهابه في غالب الأوقات، ويستخدم ذلك كلما اعتقد أن بإمكانه الإفلات. نحن لم نخاطب الرأي العام الإسرائيلي أبداً - خصوصاً هؤلاء المواطنين الذين أزعجتهم التطورات الراهنة، التي أدت إلى شجب إسرائيل بسبب صراعها اللانهائي ...
ولسوء الحظ ليس لدينا أيضاً ما نقوله مثلاً، إلى مئات المجندين الاحتياطيين الذين رفضوا الخدمة العسكرية أثناء الانتفاضة. هناك جمهور ناخب داخل إسرائيل يجب أن نجد طريقة في إشراكه في صراعنا، كما فعلها المؤتمر الوطني الإفريقي قبلنا وجعل جذب البيض إلى الصراع ضد الأبارتاید هدفاً سیاسیاً له.
إن الوضع الفلسطيني نفسه قابل للشفاء، بما أن كاثناته البشرية هي التي صنعت التاريخ وليس العكس. هناك الكثيرون الفلسطينيین الشباب في كل بقاع العالم والكثيرين من الكبار أيضاً الذين سخطوا تماماً وفزعوا وتوجعوا من قیادة تخرجهم من مصيبة لتدخلهم في أخری دون أي شعور بالمسؤولية ودون إفصاح بالحقيقة وحتى دون أن تعبر بوضوح عن أهدافها وأغراضها (باستثناء بقاءها طبعاً). مثلما أخبرني إقبال أحمد مرة حين قال: إن منظمة التحرير مرنة جداً استراتيجياً وصلبة جداً تكتيكياً.
بالنتيجة، يعكس هذا القول بدقة سياسة وأداء القيادة منذ عام 1993. فقد بدأ (عرفات) بقبول القرار(242 و338) كأساس للمفاوضات (استراتيجي)، بعد ذلك تبدل بليونة إلى القبول بتعديلات إستراتيجية الواحد تلو الآخر خلال السنوات التالية؛ فقد كان المفروض أن تتوقف المستوطنات لكنها ازدادت وقبل بذلك أيضاً. ونفس الشيء مع القدس، والعودة إلى كل الأراضي. لكن عرفات لم يغير تكتيكه أبداً، وهو البقاء في عملية السلام والإتكال على الأمریکان مهما حدث. مرن ولين إستراتيجياً وصلب جامد تكتيكياً.
لذلك نحن نحتاج إلى شيء يتطلبه الوضع الآن، ويقاومه كل الفاعلين (بعبارة أخرى) نحن نحتاج إلى بيان حقيقي بالأهداف والغايات التي يجب أن تتضمن أولاً وقبل كل شيء إنهاء الاحتلال الإسرائيلي وإنهاء المستوطنات فليس هناك طريق يؤدي إلى السلام ويحقق العدالة للفلسطينيين والإسرائيليين غير ذلك. لا يوجد شيء إسمه سلام "مؤقت" (فهو ضرر شديد كالذي جلبته أوسلو معها منذ البداية على الشعب الفلسطيني) كما أنه ليس هناك بعض حقوق للشعب الفلسطيني دون غيرها فهذه تفاهة غير مقبولة. مجموعة واحدة من القوانين والحقوق، ومجموعة من الأهداف والغايات. على ذلك الأساس يمكن تنظيم حركة سلام فلسطينية جديدة يجب أن تشمل يهود إسرائیليين وغير إسرائیليين، خصوصاً الأفراد الأبطال والمجموعات مثل حاخامات حقوق الإنسان والحركة التي يقودها جيف هالبر لإنهاء هدم البيوت.
ما هي أهداف تلك الحركة؟ أولاً وقبل كل شيء، حركة منظمة ترکز على تحرير الشعب الفلسطيني وحقه في الوجود الذي يشكل كل واحد من أفراده جزءاً من الكل، بدلاً من أن یظل متفرجاً کسلاً ينتظر صلاح دين آخر أو مُنَفِذاً لأوامر فوقية. يجب أن يكون هناك تركيز على المجتمعين الآخرين اللذين لهما تأثير مركزي على فلسطين. أولاً الولايات المتحدة، التي تقدم لإسرائیل ذلك الدعم الذي بدونه لا یمکن أن یقع ما يحدث اليوم في فلسطين.
وفي كل الأحوال، دافع الضرائب الأمريكي الذي يمد إسرائيل مباشرة بثلاثة بلايين دولار كمساعدة زائد الإمداد المستمر بالأسلحة (مثل المروحيات التي تقصف المدن والقرى الفلسطينية العزلاء الآن والتي تصل قيمتها إلى مبلغ إجمالي قدره خمسة بلايين دولار. يجب أن تتوقف هذه المساعدة أو تتعدل جذرياً.
وثانياً: المجتمع الإسرائيلي، الذي واصل بشكل غير فاعل إما على المصادقة على سياسات عنصرية ضد الفلسطينيين "الدونيين" أو أيدَّ بشكل فاعل بالعمل في الجيش والموساد والشين بيت لتنفيذ هذه السياسة غير الأخلاقية وغير المقبولة إن كل وثائق حقوق الإنسان في العالم اليوم (بما فيها وثيقة الأمم المتحدة) تعطي الشعوب حق المقاومة بأي وسیلة حین تکون تحت نیر الاحتلال العسكري وحق للاجئين بالعودة إلى بيوتهم، كما أن التفجيرات الانتحارية في تل أبيب لا تخدم أي هدف سياسي أو أخلاقي وهي غير مقبولة أيضاً. هناك فرق كبير بين العصيان المنظم أو الاحتجاج الجماهيري من جانب وتفجير الشخص نفسه مع عدد من الأبرياء من جانب آخر. ويجب أن يبين هذا الفرق بشكل واضح ومؤكد، وينقش إلى الأبد في أي برنامج فلسطيني.
إن المبادئ الأخرى مباشرة ومستقيمة بشكل واضح. حق تقرير المصير للشعبين. حقوق متساوية لكليهما. لا إحتلال ولا مستوطنات. حل يشمل جميع الأطراف. أياً كانت المفاوضات التي أقحمنا فيها يجب أن تكون على ذلك الأساس، الذي يجب أن يكون واضحاً منذ البداية ولا يترك ذلك دون ذكر أو تضمين كما حدث في عملية أوسلو التي ترعاها الولايات المتحدة. يجب أن تكون الأمم المتحدة هي الإطار الحاضن للمفاوضات.
في الوقت الحالي، علينا كفلسطينيين وعرب يهود وأميركيين وأوروبيين أن نحمي غير المحميين، وأن ننهي جرائم الحرب كالعقاب الجماعي، والقصف والاضطهاد التي يعاني منها الفلسطينيون كل يوم. هذه هي الحقائق اليوم، وجوهرها عدم التناسق الهائل والتباين الكبير في القوة بين إسرائيل والفلسطينيين. لهذا يجب علينا أن ننتزع الأرضية الأخلاقية مباشرة، بالوسائل السياسية التي لا تزال بمتناولنا ....
قوة التفكير والتخطيط والكتابة والتنظيم. هذا صحيح بالنسبة للفلسطينيين في فلسطين وفي إسرائيل وفي المنفى. ليس هناك أحد معفي من بعض الالتزام بتحررنا. من المحزن أن القيادة الحالية تبدو عاجزة تماماً عن فهم ذلك، لهذا يجب أن تتنحی جانباً وسوف تتنحی بالتأکید عند نقطة ما.
______________________________________________
(إدوارد سعيد) الفلسطيني الكوني
بقلم: محمد سيد أحمد - الأهرام ويکلي 2 تشرین أول 2003
كان قانون الجنسية مركز النقاش الواسع هذا الأسبوع: حق الجنسية المصرية للمواليد الذين أمهاتهم مصريات وآباءهم أجانب. لقد لوحظ سابقاً وبسبب تعارضه مع قرار للجامعة العربية، رأى بأن الحق يجب أن لا يطبق على الفلسطينيين. لتجنب تقويض حقهم في العودة أو إخماد حماسهم في الصراع القومي، يجب أن لا يحمل الفلسطيني أي جنسية عربية أخری.
لكن حياة إدوارد سعيد الذي توفي في الثامنة والستين من عمره الأسبوع الماضي، تثبت خطأ هذه احجج. إدوارد سعید الذي ولد في فلسطین رغم أنه لم يحظی بفرصة العیش فیها لدیه منظور کوني. لکنه أخضع هويته الكونية لهويته الفلسطينية مكرساً حياته دفاعاً عن القضية الفلسطينية.
عاش في القاهرة ودرس في مدرسة الجزيرة الإعدادیة ثم في فيکتوریا كوليج. بعد ذلك قرر والده أن يرسله إلى مدرسة داخلية في ماساشوسيتس في الولايات المتحدة. تخرج من برينستون ونال درجة الدكتوراه من هارفارد وأصبح أستاذاً للأدب المقارن في كولومبيا. شغل نفسه بالأدب والفلسفة والموسيقى. أصبح المثقف الكوني المقروء على نطاق واسع، الذي يتحلی باهتمامات ومواهب کثيرة. شكلت حرب عام 1967 تحولاً رئيسياً في توجه حياته الفكرية. بدأ يتمعن في هويته الثقافية كفلسطيني، وبنفس الوقت منع هذا من التأثير على شعوره بالإنتماء إلى الإنسانية جمعاء.
مسيحي لم يتوقف لحظة في الدفاع عن الإسلام، وفلسطيني له علاقات قویة مع شخصیات يهودية مهيبة (مثل نعوم تشومسکي ودانيیل بارينبيوم) عربي تنقل من فلسطين إلى مصر إلى لبنان وبالعكس رغم أنه استوطن في الولايات المتحدة، وإلى مستوى ما اعتبر نفسه مواطناً أمريكياً.
الحرب التي خاضها سعيد من اجل القضية الفلسطينية ليست أقل شجاعة من الحرب التي خاضها ضد المرض الموهن الذي ظل يلاحقه سنوات كثيرة - ودائماً كنا كلما نلتقي نتساءل إن كان ذلك اللقاء هو الأخیر. أسرتني قدرته الاستثنائية في تکثیف عمله في وجه أصعب سباق مع الموت.
في عام 1993 أَسَرَ إدوارد سعيد لأصدقائه بأنه يتمنى لو أن هناك عشر سنوات أخری أمامه، یصوغ فیها ما یدور في ذهنه. وقد لبيت رغبته. ومن خلال عملية تحقيق أهدافه أثبت انتصار الحياة. كما أوصى إبنته في آخر ساعاته بضرورة متابعتها للكتابة والصراع. لقد كان مما لا شك فيه يخاطب جيلاً كاملاً من الفلسطينيين والشباب العرب ذكوراً وإناثاً.
________________________________________________
من هو ادوارد سعيد؟
- أستاذ اللغة الانكليزية والأدب المقارن في جامعة كولومبيا في نيويورك والمشهور عالمياً ببحثه الإبداعي في الأدب المقارن وتعليقاته السياسية الحادة.
- مؤلف لعشرين كتاب ترجمت إلى ثلاثين لغة. يكتب سعيد بشكل منتظم لجرائد في كل العالم منها الغارديان في لندن ولا موند ديبلوماتيك والأهرام والحياة. وهو الناقد الموسيقي أيضاً لمجلة ذا نيشن.
- معلم بارز ومفكر وكاتب أثار الإعجاب لأنه كان صوتاً ثقافياً متحمساً لمن لا صوت لهم. تعالج كتاباته وتعاليمه هيمنة الغرب الثقافية على الشرق والجنوب من خلال التجريد والطرد الثقافي.
- عضو في المجلس الوطني الفلسطيني ومؤيد لحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم، لم يسمح لسعيد بزيارة فلسطين إلا منذ سنوات.
_________________________________________________
فهرست الموضوعات
ادوارد سعيد: السيرة والأعمال .. 9
مقدمة .. 11
1- الاستشراق .. 11
2 - الإسلام .. 18.
3 - القضية الفلسطينية .. 23.
4 - قراءة في خارج المكان .. 28.
5- حول مفهوم المثقف .. 36
المقالات والمقابلات .. 39
البديل الوحيد .. 39
أعيدوا لنا ديمقراطيتنا .. 44
مناظير امبريالية .. 48
نقطة متدنية من العجز .. 53
تشويه السمعة أسلوب صهيوني.. 57
أزمة الیهود الأمیرکیین .. 61
تاريخ جديد، أفكار قديمة .. 66
خيارات واعدة في فلسطين .. 71
ما الذي فعلته إسرائيل؟ .. 77
خيانة المثقفين .. 84.
مشهد شعبي تاريخ شعبي - ادوارد سعيد .. 89.
الصهيونية الأمريكية - المشكلة الحقيقية (1) .. 95
المزيد عن الصهيونية الأمريكية (2) .. 101
الصهيونية الأمريكية (3) .. 107
فرويد والصهيونية وفيينا .. 114
نصب تذكاري للنفاق.. 121
الأدب والحرفية .. 128
السياسة الثقافية .. 135
إسرائيل إلى أين؟ .. 141
أوهام وأحلام. .. 147
صدام الجهل .. 156.
أعداء الدولة .. 163
أفكار حول أمريكا.. 171
تأملات في الألفية - البطولة والإنسانية .. 180.
زدنت 6 كانون الثاني 2000… 180
سارتر والعرب: ملاحظة هامشية.. 188
الأهرام ویکلي 18 ایار 2000.. 188
جسر فوق الهاوية .. 200
مغزى راشيل كوري - الكرامة والتضامن.. 209
مقدمة للاستشراق .. 222
أزمة كوكبية .. 234
أحدث خطة للسلام.. 249
إسرائيل والعراق والولايات المتحدة .. 261
الدور العام للكتاب والمثقفين .. 280.
محاولات متكررة … 308
التفكير بالمستقبل: ماذا سيحدث بعد البقاء. .. 313.
الكل مسؤول عن تحرير فلسطين -..318
ماذا تعني القاهرة لي - مع منى أنيس عام 1994… 324
مع دافيد بارساميان تشرين الثاني 2001… 325
في رثاء ادوارد سعيد … 333
تحية واعتذار - محمد حسنين هيكل .. 333
رسولنا للضمير الإنساني - محمود درويش .. 336
لضحكته رنة - حنان عشرواي .. 338
الفلسطيني الكوني - محمد سيد أحمد .. 341
الجانب الآخر من النهر - أنور عبد الملك .. 343
تحية واحترام - سمير أمين الاهرام ويكلي .. 344
سعيد المعلم - فريال غزول الاهرام ويكلي .. 345
شجاعة القول ـ دانييل بارينبويم.. 347
بأسى وغضب - مريد البرغوثي .. 349
ادوارد سعيد منارة تھدینا - ایلان بابي .. 354
صوت من لا صوت لهم - نعوم تشومسكي .. 356
الإيقونة ادوارد سعيد - روبرت فيسك .. 357
تفاؤل الإرادة - منی أنيس .. 361
نظرية ادوارد سعيد.... 367