أرشيف المدونة الإلكترونية

الأربعاء، 7 أكتوبر 2026

الوصايا للإمام الرفاعي جمعها د. محمد زينهم محمد العزب بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الوصايا للإمام الرفاعي

جمعها د. محمد زينهم محمد العزب

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة




تمهيد: الرفاعى: هو أبو العباس أحمد على بن أحمد بن يحيى بن حازم بن على بن رفاعة الشيخ الكبير الرفاعى البطائحى - والبطائح عدة قرى مجتمعة فى وسط الماء بين مدينتى واسط والبصرة - كان شافعى المذهب، فقيهاً. قال ابن قاضى شهبه فى طبقاته: وهو مغربى الأصل ولد فى المحرم سنة خمسمائة وتخرج بخاله الشيخ الزاهد منصور.

قال ابن خلكان: كان رجلاً صالحاً شافعياً فقيهاً انضم إليه خلق من الفقراء وأحسنوا فيه الأعتقاد، وهم الطائفة الرفاعية يقال لهم الأحمدية والبطائحية ولهم أحوال عجيبة من أكل الحيات حية والنزول إلى التنانير وهى تضرم ناراً والدخول إلى الأفرنة، وينام الواحد منهم فى جانب الفرن والخباز يخبز فى الجانب الآخر وتوقد لهم النار العظيمة ويقام السماع، فيرقصون عليها إلى أن تنطفئ النار ويقال أنهم فى بلادهم يركبون الأسود ونخو ذلك وأشباهه إنتهى .

وعن الشيخ أحمد أنه قال سلكت كل الطرق الموصلة فما رأيت أقرب ولا أسهل ولا أصلح من الأفتقار والذل والإنكسار. فقيل له يا سيدى فكيف يكون قال : تعظم أمر الله وتشفق على خلق الله وتقتدى بسنة سيدك رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وقد صنفت الناس فى مناقب الشيخ أحمد رحمه الله تعالى وأفردوا ترجمته وذكروا من كراماته ومقاماته أشياء حسنة. وكان فقيهاً شافعياً قرأ التنبيه، وله شعر حسن توفى فى جمادى الأولى سنة ٥٧٨ هــ، قال ابن كثير: ولم يعقب وأنما المشيخة فى ابنى أخيه. إنتهى كلام ابن قاضى شهبه. 

وقال فى "العبر": وقد كثر الزغل وأصحابه وتجددت لهم أحوال شيطانية منذ أخذت التتار العراق من دخول النيران وركوب السباع واللعب بالحيات وهذا لا يعرفه الشيخ ولا صلحاء أصحابه فتعوذ بالله من الشيطان الرجيم، إنتهى. مات سنة ٥٧٨ هـ. وترك لنا جماعة لازال أثارها موجود فى وقتنا هذا.

وهذا الكتاب يضم جُملاً من المواعظ والنصائح والوصايا التي قدمها الشيخ الرفاعي لتلاميذه ومريديه ولأهل التصوف على وجه الخصوص، وبعض أمراء زمانه، والتي انتقاها جامعها من الكتب المنثورة التي اتعنت بجمع تراث الشيخ الصوفي، سواءً في أوراده أو طريقته أو سيرته أو كرامته، غير أن بها أخطاء ظاهرة وعبارات غير واضحة، لمزيد احتياجها إلى تحقيق وعناية.

وفي الجملة؛ فقد عبّرت هذه الوصايا عن ثلاثة أمور جيدة، الأول: الانكسار لله تعالى، والتواضع لعباد الله، الثاني: الإخلاص في العبودية والصدق في الطلب، والثالث: ملازمة الكتاب والسنة، ومع ذلك، فإن قراءة هذه الوصايا لا تخلو من ملاحظات تحتاج إلى التنبيه، ولا سيما أن بعضها يشتمل على عبارات صوفية ذات حمولة عقدية وفلسفية تحتاج إلى ضبط بميزان الكتاب والسنة؛ فمع التأكيد المتكرر على لزوم الشريعة واتباع النبي صلى الله عليه وسلم، تظهر في بعض المواضع تعبيرات عن الإرادة الأزلية، والقدر، والأغيار، والواردات، والمقامات، وأهل الله ورجال الله، وهي ألفاظ قد تحتمل معاني صحيحة، لكنها قد تُحمل كذلك على معانٍ صوفية مجملة لا يقرها الدليل إذا أُطلقت دون بيان. ومن ثم فالأولى التفريق بين المعاني الإيمانية التي يمكن حملها على التوكل والتسليم والرضا بقضاء الله، وبين الاصطلاحات الصوفية التي تحتاج إلى تفسير حتى لا تتحول الألفاظ المجملة إلى تصورات عقدية غير منضبطة.

ويلاحظ كذلك أن الكتاب يجمع بين المواعظ الشرعية والتجارب الروحية والعبارات الاصطلاحية، فلا يصح أن تُجعل جميعها في مرتبة واحدة من الاحتجاج؛ فالوصية التي تحض على التقوى والصدق والتواضع والإخلاص واتباع السنة مؤيدة بأصول الشريعة، أما ما يتصل بمقامات العارفين وأحوالهم، أو يجعل لبعض الأولياء خصائص أو مراتب غيبية، فيحتاج إلى دليل مستقل، ولا يكفي فيه مجرد اشتهار العبارة في كتب التصوف. وهذه قاعدة مهمة في قراءة كتب المناقب والوصايا الصوفية؛ إذ ينبغي التمييز بين التربية والسلوك من جهة، وبين الاعتقاد وإثبات الأمور الغيبية من جهة أخرى.

كما أن بعض العبارات الواردة في الوصايا تحمل نزعة قوية إلى التقليل من شأن الأسباب والالتفات عن الأغيار، وهو معنى يمكن أن يراد به تحرير القلب من التعلق بغير الله، وهو معنى صحيح في أصله، إلا أن إطلاقه قد يفضي إلى فهم غير سليم إذا فُهم منه ترك الأسباب أو إلغاء مسؤولية الإنسان في العمل والسعي. والإسلام لا يجعل التوكل نقيضًا للأخذ بالأسباب، ولا يجعل الرضا بالقدر ذريعة إلى ترك التكليف، بل يجمع بين عبودية القلب لله وبين العمل بما شرعه من الأسباب.

ومن جهة أخرى، فإن ما نُسب إلى الرفاعي من وصايا وعبارات يحتاج إلى عناية حديثية وتاريخية في التوثيق؛ فالكتاب الذي بين أيدينا جمعٌ وانتقاء من مصادر متفرقة، كما أن بعض عباراته مضطربة أو غامضة، ولذلك لا ينبغي نسبة كل ما فيه إلى الإمام الرفاعي نسبة جازمة إلا بعد الرجوع إلى أصول تلك النصوص ومقابلة الروايات والمصادر. وهذه الملاحظة لا تنتقص من قيمة المواعظ النافعة التي اشتمل عليها الكتاب، وإنما تؤكد ضرورة التفريق بين صحة المعنى، وصحة النسبة، وصحة الاستدلال؛ فكم من عبارة حسنة المعنى لا تثبت عن قائلها، وكم من معنى صحيح أُدخل في اصطلاحات تحتاج إلى تحرير وبيان.

الوصية الأولى

أما الوصية الأولى؛ فكتبها إلى الخليفة المستنجد بالله يوسف بن المقتفي العباسي، المولود سنة ٥١٨ هـ.، كان موصوفاً بالعدل والرفق والفهم الثاقب والرأى الصائب والذكاء الغالب والفضل الباهر، مات سنة ٦٦٤ ه.

يقول الرفاعي في رسالته إليه:

[أما أنت يا أمير المؤمنين؛ فحافظ ثغور، وحارس دماء وأموال، اهتزت بكل مفازاتها سيوف الإسلام لا علماً بقدومك بعد حين ولا تمهيداً لك لتفعل برأيك، إنما كان ذاك لله ولرسوله.. فافزع فى كل أمورك إلى الله.. وعظّم فى كل شؤونك أمر رسول الله، وأنت حينئذ فى أمان الله وظل نبيه، ثم أن يا أمير المؤمنين كل ما يصل إلى خويصة نفسك فى هذه الدار من طعام تأكله وشراب تشربه، ورداء ترتديه، وظل تستظله وأجعل الشره على الدنيا بقدر ذلك.. وإياك وظلم العباد، وإذا استوزرك الشيطان ورام نزغك إلى الظلم فسل نفسك أن لو كنت مسجوناً أو مظلوماً أو مقهوراً أو مكذوباً عليك ما الذى تريده لنفسك من سلطانك، وعامل الناس بما تريده لنفسك؛ فإنك إن فعلت ذلك وفيت العدل والآدمية حقهما، واعلم إن ما أنت فيه من الملك والدولة شئ يسير من ملك الله تعالى، وأنت جزء صغير منه؛ فإن رأيت لك شيئاً ونسيته، وقمت تفعل فعل من يزعم مشاركته فى ملكه فأهملت حقه وغدرت خلفه يصرف عنك عونه! ..

يا أمير المؤمنين . ظلُّك ما أظلَّك، ورداؤك ما سترك، وطعامك ما أشبعك، وما لك مالك منه شئ، ﴿وليس لك من الأمر شئ﴾ إن ربى على ما يشاء قدير، ولتعلم أنك خاتم من خواتم القدر يطبع على أرواح الصور فيدفع الله به، ويضع ويصل به ويقطع، فإن أنت لزمت الأدب مع الفعال المطلق برعاية حق شرعه الذى شرع لعباده أثابك، وأدار محور الوهب بك، وإن أهملت أمره وهتكت ساتر خلقه دخلت فى عداد الظالمين ﴿وما للظالمين من أنصار﴾].

الوصية الثانية

أما الثانية؛ فوصيته لسبطه السيد إبراهيم الأعزب، يقول الرفاعي:

[أى إبراهيم لا تعمل بالهوى، وعليك بمتابعة النبى صلى الله تعالى عليه وسلم فى الأقوال والأفعال، فإن كل طريقة خالفت الشريعة زندقة.. أى إبراهيم الفت وجهة قلبك عن غير ربك، فإن الأغيار لا يضرون ولا ينفعون، وقال: ﴿إن ولى الله الذى نزل الكتاب وهو يتولى الصالحين﴾، وحسبك من النعم الإيمان، ومن العطايا العافية، ومن التحف العقل، ومن الإلهام التقوى، وفى الكل ليس لك من الأمر شئ، إن ربى على ما يشاء قدير، لا تسقط بالتسليم حملة التكليف، ولا تنزع بالتكليف ثوب التسليم، ولا تركن إلى الذين ظلموا ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾، ولا تهرع فى مهمات أمورك إلا إلى الله تعالى، واتبع الوسيلة إليه بعد التقوى، وأشرف الوسائل- حبيبه عليه أفضل الصلاة والسلام، وخذ الدعاء درعاً، والاعتماد على الله حصناً، واتبع ولا تبتدع، وروح قلبك بالحسن من المباحات القولية والفعلية، وألزم الأدب مع الله وخالق الناس بخلق حسن، ولا تقطع حبلك برؤية نفسك؛ فإن من رأى نفسه شيئا ليس على شئ، ولا تنحرف عن مقام العبودية، فإنه يعلو ولا يُعلى عليه.. وأعلم أى إبراهيم، أن من النعم إبتلاء، ومن النقمة ابتلاء، وكلاهما ينزل بالأحباب والأعداء، وهما من الله تعالى، فإن أنعم على عبده وأهمل قدر النعمة بالغفلة عنه والألتفات إلى الأسباب وصرف النعمة لغير ما شرطت له، فذلك إبتلاء لتضر فيه الإرادة الأزلية، على وجه الحكمة الغامضة كما يريد لا كما يريد العبد، وإن وجه نقمة على هذه فخشع لها وخضع وصبر واضطر وذل واعتذر وتنبه وتاب وآب، فيلك النقمة ابتلاء لتنصرف به إلا رادة على الحكمة كما يرضى تعالى، لا كما يرضى العبد بطبعه إلى الرجوع إلى ربه غاضبا طرفه عن الأغيار استحقاراً لها وعلما بعجزها، ومقهوريتها تحت أحكام القضاء والقدر فى كل حال، فإذا انكشف له هذا الحجاب وتحقق ما تضمنه الكتاب، أفاض عليه بره وإحسانه وجوده وامتنانه وكفاه وصمة الإحتياج].

الوصية الثالثة

وصيته لابن اخته عبد الرحمن، يقول الرفاعي:

[عليك بالإخلاص فإنه نهج مسلك العارفين، وعليك بقلة العجلة وقلة الكلام ولينه، وإجابة دعوة الإخوان إلى مالهم فيه مسرة، وصلاح حال، وأحذر التعبيس والضجر، وعليك بالعقل لذى هو دليلى التقى والإصلاح وعليك بالإحتمال لقومك.. وعليك بالورع فهو سيد الأعمال، وبالصدق فى كل حال، وبقلة الدعوى، وكثرة التواضع، وكثرة العبادة، وكثرة الحزن والبكاء، ورقة القلب والصيام لله، بأداء حقوق القاصدين والواردين، والعفة عما حرم الله عز وجل، وإياك والنظر لغير الله تعالى، فإنه سهم من سهام إبليس، وأقمع النفس بكثرة الصوم وقلة النوم، والجهاد بخدمة الفقراء، وحفظ العهود والوفاء بها ويذل المجهود، والإلتجاء إلى الملك المعبود، وإياك أن تبيت وعندك لأحد من الخلق ضغينه أو حفظ أو غيظ، ولا تغضب إلا لله، وإذا حردت فأكظم غيظك، ولُم نفسك فإن الكريم إذا حرد لم يحقد ولم يعرف الحلم إلا عند الحرد والغيظ والضجر، وإياك والمداهنة، وإياك أن تدخر شيئاً وتتشاغل عما يعينك، ولا تقل أنا ولا عندى ولا تكثر من الدنيا ولا تدخر منها ولا تفتخر ولا تتباهى، ولا تجمع من الدنيا فوق الحاجة، وأزهد تأتيك صاغره، وآوِ الغريب، وأغث المحتاج والولهان، وتمسك بطريق العارفين وأحسن للفقراء وتواضع لهم وتذلل بين أيديهم، ولا تمل إلى أهل الدنيا ودنياهم فإن الدنيا وأهلها لا قيمة لها، ووسّع صدرك للخلق فإنك مكلف بذلك، وإذا تكلمت بكلمة فاعتبرها قبل أن تتكلم بها فإنك مالكها مالم نخرجها، فإذا أخرجتها ملكتك فتصير أسيراً لها. وزن نفسك بميزان العقل والاعتبار، وصفّها من كدر الغدر والخيانة ..].

الوصية الرابعة

وهي وصيةٌ كتبها إلى بعض إخوانه، يقول الرفاعي فيها:

[أي معشر الإخوان.. اعلموا.. أن العقل أنفس الذخائر وأحسن البضائع وأقرب الوسائل إلى الله وأوضح السبل إلى رسوله،.. لقيامه بالحجج المؤيدة بالدلالات القاطعة العقلية، .. قال تعالى فى شأن أوليائه: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾.. لا خوف عليهم لبقائهم مع إختيار الله تعالى لهم، وهو سبحانه لا يختار كرماً منه ولطفاً لمن أسقط اختياره عنده إلا الأمن والوقاية وهو يتولى الصالحين فتقلب الواردات وترادف الحادثات ولا ينوطهم حزن الحجاب عنه سبحانه وتعالى إذا قدموا عليه ﴿أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده﴾.. وهم القوم القائمون به المطموسون عن غيره، العقلاء الخلص، يعرفون كل حكم وحكمة ولا يشتغلون لزهدهم فيها، ويعلمون سر كل درجة أخروية ولا ينفكون طرباً بها عنها. وفى الحالين عملهم لله وقصدهم الله، ولذلك قبيل لهم أهل الله، رجال الله، فاستمسكوا بمناجهم واتبعوا بركة آثارهم وكونوا من حزبهم وأنصارهم ﴿أولئك حزب الله ألا أن حزب الله، هم المفلحون﴾].

الوصية الخامسة

ويُقال إنها آخر وصاياه، حيث كتبها سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، في أخريات مجالسه، يقول الرفاعي فيها:

[يسكب الله فى بعض الأزمنة قدرة المناسبات البشرية من هيكل الحسن المعنوى فى الخلق، فيشكو المظلوم ظالمة الفرد للجنس فتشهده الأعين، والقلوب مفقودة، الحضور بشأنه، فلا تتعطف له وكأنها جمادة صماء، وكذلك الجائع والمصاب والغريب فى مثل هذه الأزمنة، تقضى القدرة ببروز أسرار غيبية، لله فيها حكم يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وفى بعض الأزمنة يهب الله قدرة المناسبات البشرية فتنعطف قلوب النوع للنوع بالرأفة والتناصر والتوادد، ونتيجة هذا الوهب صلاح حال الزمان وأهله: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة أنك أنت الوهاب﴾، بعنا الروح وقبل الأمر وأحل القدر، وسنعبر بعد يسير على الله. تقول همتى لنفسى فى مشهد روحى:

فان عبرت وأنت سليم قلب … من الدنيا فتهنيك السلامة]




تحفة الحواشي في مناقب سيدي علي لمعاشي سعيد بن عمر المعاشي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تحفة الحواشي في مناقب سيدي علي لمعاشي

سعيد بن عمر المعاشي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: هذا كتاب في مناقب وسيرة الشيخ الصوفي سيدي علي المعاشي وأبنائه، وما نُسب إليهم من الولاية والشأن والكرامات، مع ذكر البلاد التي سكنوها وعمّروها، وأولادهم، وأتباعهم، وما اشتهر عنهم من الأحوال والمقامات. ولا يقف الكتاب عند ترجمة الشيخ وسرد أخباره، بل يتسع للحديث عن التصوف ومقامات الأولياء، وعن القطب والغوث والأئمة والأوتاد، وما يتصل بذلك من تصورات صوفية حول مراتب أهل الولاية وأدوارهم في حفظ العالم وإمداده.

ويولي المؤلف عناية ظاهرة لمسألة النسب الشريف، فيجعل حفظ الأنساب وضبطها من الأمور المتعينة، ويحذر من الدعاوى الباطلة في الانتساب إلى أهل البيت، ويربط صحة النسب بما يترتب عليه من أحكام وحقوق وواجبات. ويذكر في نهايات الكتاب، وقبل الخاتمة، أن نسب المعاشي السباعي الحسني ثابت، وينسب ذكره إلى البكري وابن خلدون، ثم يختم كلامه ببيان فضل النسب الشريف وضرورة صيانته وحفظه، وتعظيم أهله ومودتهم.

كما يتحدث الكتاب عن مقام القطب والغوث، ويعرض للمراتب الصوفية المتصلة به من الأقطاب والأئمة والأوتاد، ويرى أن هذه المقامات من المنازل العلية لأهل الولاية، وأن سيدي علي المعاشي قد بلغ منها منزلة رفيعة، حتى وصفه المؤلف بأوصاف القطب والغوث وسراج المغرب، وأفاض في ذكر منزلته بين أهل السلوك والتصوف. ثم يسوق جملة من كراماته وأخباره، وما شاع عنه في حياته وبعد وفاته، ومن ذلك ما يذكره المؤلف من ظهور الماء عند ضريحه عند قراءة القرآن، وشرب الناس منه، وما ارتبط بقبره من حكايات الكرامة والزيارة والصدقة.

ويكشف الكتاب، في مجموعه، عن صورة من صور التدين الصوفي في بلاد المغرب، حيث تتداخل السيرة الشخصية بالكرامة، والنسب الشريف بالولاية، والشيخ بالمريدين، والمقام بالزيارة، وتنتقل مكانة الشيخ من حياته إلى ذريته وأتباعه. ومن هنا تأتي أهمية الكتاب؛ فهو لا يقدم ترجمة لشخصية صوفية فحسب، وإنما يضيء جانبًا من ثقافة المناقب والأنساب والولاية، ويصور المكانة التي احتلها النسب الشريف والشيخ الصوفي وذريته في الوعي الديني والاجتماعي للمؤلف والبيئة التي كتب فيها.

ومع ما يحمله الكتاب من مادة تاريخية واجتماعية تكشف عن مكانة الشيخ وذريته في الوعي الثقافي للمؤلف، فإن الفكر الصوفي فيه يحتاج إلى قراءة نقدية متأنية؛ إذ يقوم جانب من تصوره للولاية على مفاهيم القطب والغوث والأوتاد والأئمة، وعلى إسناد أدوار غيبية إلى بعض الأولياء في حفظ العالم وتدبير شؤونه، كما يربط بين بلوغ مراتب الولاية وبين النسب الشريف، ويورد من الكرامات ما يتجاوز حدود الخبر التاريخي المجرّد. 

وهذه التصورات لا ينبغي أن تُسلَّم لمجرد ورودها في كتب المناقب، بل تُعرض على أصول الاعتقاد وموازين الشريعة، مع التفريق بين الكرامة التي يثبتها أهل السنة للأولياء من حيث الأصل، وبين الغلو في مقاماتهم أو نسبة خصائص من علم الغيب والتصرف الكوني إليهم. ومن هنا تبرز أهمية قراءة الكتاب بوصفه وثيقة تعبّر عن تصور مؤلفه للولاية والصلاح والنسب، لا بوصف كل ما أورده من مقامات وكرامات وأدوار غيبية حقائق تاريخية أو عقدية مسلَّمة.

______________________________________________

المقدمة

الحمد لله الذي رفع قدر أهل البيت وطهرهم تطهيرا، وننشر اعلام شهرتهم فى الآفاق سراجا وهاجا وقمرا منيرا، خلقهم من طين بمزاج الوحي الهطالة، وغرست فيه شجرة النبوة، وسقي بماء الرسالة، فأزهر من المعالي بكل مرتقى؛ وفاح منه مسك الهدى والتقى، وحمى حماهم المنيع وفلك مجدهم الرفيع أن يرتقى، الحمد لله الذي شرف ذرية عين الرحمة، بما يتلى في بيوتهم من آيات الله والحكمة، ورفع ذكرهم العطر الزاهى، واكرمهم بالنسب الطيب الطاهر وفضلهم على سائر المخلوقات عجماً وعربا، وحث على حبهم وودهم بقوله (قل لا أسألكم عليه اجرا الا المودة فى القربى)، ونور بهم الاكوان تنويراً، وانزل فى شأنهم (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا)، وأوضح لعظيم مجدهم بياناً اذ زين بهم الارض كما زين السماء الدنيا بزينة الكواكب، وجعلهم اماناً، وعقد لهم بسابق العناية فى الأزل عهداً، أن يشفعهم بفضله فيمن اتخذ عندهم وداً، نحمده تعالى ونشكره أن أهلهم للاستقامة والطاعة، وخلق فيهم لقبول وارادة المواهب اللدنية الاستطاعة.

ونشهد أن لا اله الا الله العلي الاعلى، شهادة تكون بها للدخول في حرمتهم أهلها، وأن سيدنا محمدًا عبده ورسوله، وصفيه وخليله، قطب دائرة الوجود، وبحر الكرم والجود، صلى الله عليه وسلم وعلى آله الغر المطهرين من الرجس، السالكين لجميع الفضائل سُبُلَها، وكان المصطفى المختار هو والدهم وجدهم، ودار نسبهم على قطب تلك الجادة الكبرى، وريحانتا الرسول الحسن والحسين، اللذين تفتقت أكمامهما من الروضة الزهراء، أفضل آلٍ في الأوائل والأواخر، وأصحابه من المهاجرين والأنصار، أنوار الأعصار وأقمار الأمصار، وأزواجه الباهرات، النجوم الزاهرات، الحور الطاهرات، صلاةً وسلامًا نرقى بهما مراقي سامية، ونحل بسببهما في جنة عالية، قطوفها دانية، ما استنشقت الأرواح نسيمًا، وأفاض المولى على خلقه نعيمًا.

وبعد: فلا يخفى على أولي الألباب تأكد المحافظة على الأنساب، خصوصًا النسب الذي توصل به الأرحام، فإنه من متعين الأحكام. وقد كان من أجل علوم العرب، ولهم فيه غاية الاطلاع، وقد استحال اليوم إلى التلاشي والضياع، ونشأ عن ذلك من المفاسد الشرعية وخرق الضوابط المرعية، مما تكل عنه الأسماع وتمجه الطباع، خصوصًا النسبة الطيبة الطاهرة، ذات المحاسن والمزايا الظاهرة، والأسرار الباهرة، والأزهار العاطرة.

فلقد كثر فيها الأدعياء، وتولاها يدُ كثير من العوام الأغبياء، ممن لم يراقب الله في قول ولا عمل، وتفاحش الأمر في هذه الأعصار، وعم سائر البوادي والأمصار.

وكان الواجب لهذه النسبة الغراء أن تصان، ويبالغ في نكال منتهك حرمتها ويهان، ومن لم يقدر على تغيير هذا المنكر باليد فحسبه اللسان. وكان هذا الأمر مما يتعين على علماء الزمان، قولًا باللسان أو كتابةً بالبنان.

وبعد، فيقول أفقر الورى إلى رحمة مولاه، سعيد بن عمر لمعاشي الحسني، أحسن الله عاقبته وعامله بألطافه، وجعل السعي فيما يقرب إلى رضا الله خاتمة مطافه.

إنني تشرفت بالاطلاع على ظبائر ملوكية، وتقاييد لبحر العوارف والمعارف، وعنصر المجد التالد والطارف، ومنبع العلم النافع، ومطلع أنوار الهداية الساطع، ومجمع الخصال الإنسانية، ومهب المواهب الإحسانية، زمامُ الله تعالى على الجيل، وقدوة أهل العلم والتحصيل، نجم الهداية والإرشاد، وكعبة القاصدين والرواد، وهو نجل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخديمه ومحبه، المقتدى به في أقواله وأفعاله، وسليل أئمة الدين والهدى، وقدوة أهل السلوك والاقتداء، ومن إذا عُدَّ الأخيار وجب به الابتداء.

سيدنا وسندنا وقدوتنا وعمدتنا، الذي فاق أسرته ورهطه أبا المحامد والمكارم، سيدنا ومولانا علي المكنى بـ[المعاشي]، لا زال قاصده بكل خير يتحف ويعطي، ولا أخذنا الله تعالى إن ضيعنا من حقه واجبًا أو شرطًا.

فذا هممنا، بحمد الله، على ما يحصل للأريب غاية الأرب، ويكمل للمتعشق في هذا النسب الكريم نهاية الطرب، ويروي المتعطش من زلال هذا النسب الشريف، ويقضي مطالعه العجب من أسلوبهم الظريف، يسحر الأذهان بيانًا، ويستوقف النواظر استحسانًا، ليستنشق منهم رائحة المسك والعنبر، ويقف الناظر فيهم من مناقب أهل هذا النسب الكريم على كل آية هي أكبر.

وما أقدمني على هذا الفن، ولا أنا من رجاله، إلا أني وقفت على كلام الشيخ القصار: «ينبغي أن يكون لأهل البيت النبوي، بل وجميع الأمة، غيرة على هذا النسب الشريف وضبطه، حتى لا ينتسب إليه أحد إلا بحق، كما جرى عليه السلف القديم، ليتعين توقيرهم بالإجلال والإعظام، ومن انتسب لغير آبائه فهو ملعون».

ففي البخاري: «من انتسب إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه، فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين».

ورُوي عن الإمام مالك أنه قال: «من انتسب إلى نسب النبي صلى الله عليه وسلم يُضرب ضربًا وجيعًا، ويُشهَّر ويُحبس طويلًا حتى تظهر توبته؛ لأنه استخفاف بحق رسول الله صلى الله عليه وسلم». والأحاديث في ذلك كثيرة.

ومن المعلوم المقرر، والمرقوم المحرر، أن صحة النسب إلى دُرَّة الأكوان، التي لم توجد لها ضِرَّة ولا توجد على ممر الزمان، عِلْمِ لُبِّ الوجود، وقطب دائرة كل مكوَّن موجود، سيدنا ونبينا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم وشَرَّف وكرَّم، ومجَّد وعظَّم، هي من أعظم الذخائر وأفضلها، وأفخم المظاهر وأكملها، بحيث لا يصف فضلها واصف ببيان، ولا تطيق حصر مزيتها فصاحة إنسان.

كيف لا، والفرع ما للأصل من المزية والحرمة؟ رُوي في الحديث أن الله يرفع للمؤمن ذريته في درجته في الجنة، وإن كانوا دونه في العمل، لتقر بهم عينه، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، أي: ما نقصنا الآباء ما أعطينا البنين. ومثل الذرية الزوجة والوالدان، وهذا عام في الإسلام.

وأما عِترة ولد عدنان، دوحة الشرف الزكي الأفنان، من رُفعت به الأنساب، وشُرِّفت به الأصهار والأحساب، وساد به أهل البدو والحضر، لا خصوص مضر، فقد أنزل الله تبارك وتعالى في حقهم: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾.

وأخرج الحاكم وصححه أنه عليه الصلاة والسلام قال: «وعدني ربي في أهل بيتي، من أقر منهم بالتوحيد ولي بالبلاغ، أن لا يعذبهم».

وقال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾: «رضى محمد أن لا يدخل أحد من أهل بيته النار».

وفضائل هذا النسب لا تُحد ولا تُستقصى، ولو تتبعنا الأحاديث الواردة في فضائلهم لملأنا منها حواشي الدواوين، وزيَّنا بصدورهم صدور الأواوين. بيد أني، وإن أطنبت في الثناء عليهم، ما أديت حق فرد من أفرادهم؛ فرأيت الاقتصار على ركوب مطية الاختصار أولى بأولي الأبصار.

ثم إن صاحب الترجمة رضي الله عنه، هو عمدة القاصي والداني، قد علا في السماء لبنُ قدره، وسرى في المشرقين والمغربين ذكره، وتواترت كراماته، واشتهرت في البسيطة أعلامه وعلاماته، بدت أسراره للعيان، بشهادة الأئمة الأعيان، وسعدت بطلعة محياه خلق كثير، وانتفع به الجم الغفير، واشتهر ذكره في الغبراء غاية الاشتهار، وجرى هذا السر في الوجود جريان الأنهار، وقصده وفود الزوار من سائر الجهات والأقطار.

كان رضي الله عنه سالكًا سبيل المهتدين، عاملًا بسنة جده سيد المرسلين، عارفًا بأسرار جلال ربه، عاملًا بما يدنيه من حضرته وقربه، فبرز رفعه، وعظم نفعه، وظهر شره، وشاع ذكره، فهو القطب الأكبر، والطود الأشهر، والبدر الواضح البرهان، الغني عن التعريف والبيان، المشتهر في الدنيا قدره، الطالع في ذلك الزمان بدرًا، لا يختلف في قطبانيته اثنان، على تعاقب الأعصار والأحيان.

ضريحه ترياق شافٍ لأدواء العباد، وذكره رحمة نافعة نازلة في كل نادٍ، سرى سره في الآفاق، وطارت بمناقبه الركاب والرفاق. قطع عمره في العبادة، وقصده للانتفاع به أهل السعادة.

كان رضي الله عنه من العلم في النهاية، ومن الزهد في الغاية، جمع الله له بين الشرفين: الطين والدين، وكان من أهل المقامات والعرفان، المشار إليهم في هذا الشأن، ومن شجعان هذا الميدان، فهو أعجوبة دهره، وياقوتة عصره، عارف كبير، ذو مقام خطير، وفتوحات ربانية، وفيوضات عرفانية.

وكان مدرسًا بمسجده الذي بناه ببلاد الرحيم بسوس، بقبيلة الشياظمة. ولقد اجتمع عليه هناك خلق كثير من المريدين، كلهم نال منه خيرًا جزيلًا على قدر مراتبهم وقربهم منه، وله أتباع في سائر الجهات والبقاع، وانتفع به خلق كثير، وجمع كثير، وله أنظام في الحقيقة، ومذاكرات في الطريقة، شهيرة شهرة شمس الظهيرة، الجامع بين الشريعة والحقيقة، صاحب الخوارق العظام، والكرامات الجسام، سيدنا ومولانا علي الكانوني رضي الله عنه، وغير ذلك من الفحول، حتى قال بعضهم: إن الغالب في هذا السر الساري في هذه الأقطار إنما هو من ذلك البحر الزخار.

وقد جمع الناس في مناقبه وعدِّ محاسنه المجلدات، وطارت الأنباء عليه بالثناء من سائر الجهات، ويشهد لهذا ما أظهره الله في بنيه من الأسرار والبركات، فكانوا عقودًا فاخرة في هذه الأوطان، لم يزالوا محافظين على نسبتهم، دابين عن بيضة شعبتهم، لم يطمع في رَونق بابها طامع، ولم يطرق اللعن فيها سمع سامع، وكم فيهم من صلحاء كرام، وعلماء عظام، وسادات نِحام، قد سلكوا سبيل السنة والفرض، ذرية بعضها من بعض، جَمَعَتْ عادت عليهم بركة أسلافهم الكرام، فهم فيما بين الأنام في اعتزاز وإعظام، وإكرام واحترام.

ثم اعلم: أن صاحب الترجمة رضي الله عنه انتقل من مسجده الذي بناه بالحيدر، واستقر بوادي الرحمة، بمقام القطب الرباني، سيدنا ومولانا محمد بن سليمان الجزولي، صاحب دلائل الخيرات، رضي الله عنه ونفعنا به، آمين. أقامه الله تعالى في ذلك المقام رحمة للعباد، وبركة ونورًا في البلاد، حتى صار قطبًا جامعًا، وغوثًا نافعًا مانعًا، ووارثًا رحمانيًا، وإمامًا ربانيًا.

وكان رضي الله عنه يُسمى بسراج المغرب، وهو رضي الله عنه ملجأ كل غريب، يفزع إليه أهل الأمراض، ويُقضى بأمر الله كل الأغراض، وله رضي الله عنه تصاريف عديدة، وخوارق جسيمة، بهر إليها الناس، ويستغيثون به في الأزمات، وحاله من أعظم الآيات الخارقة لحجاب العادات، له في ذلك أخبار ذائعة وأمثال شاردة للقلوب، باهرة. تُوفِّي هذا الولي الصالح، ودُفن بمقام القطب الرباني، سيدي محمد بن سليمان الجزولي، فظهرت كرامته على تُربته، وتشَبَّثت هذه الكلمة بلحده، وانسجبت على مكانه عادة حياته، ووقع الإجماع على تسليم هذه الدعوى، وتخطَّى الناس مباشرة قبره بالصدقة، التي يبعثها له من أماكنهم على بُعد المدى وانقطاع المكان الأقصى، يحملونها أجنحة نيتهم، فتهوي إليه بمقاصدهم من كل فج عميق، فيبصرون الكرامة المشهورة.

ورحم الله من قال:

هذا الذي كان يُكثر الصلاة على … نَبِيُّنا المصطفى، ففاز بالفخر،
هذا الحبيب الذي من أمَّ جانبه… لا يُرى في الدهر نكبة من البشر،
يا زائرًا لعلي المعاش وكان موقنًا … بنيل ما تهوى، والأمن من الكدر.

ثم اعلم، يا أخي، أن كرامة الأولياء لا تنقطع بالموت، ولقد قال العارف الأكبر، سيدي الحاج أحمد بن عاشر الجوري السلوى: إن كرامة الأولياء لا تنقطع بالموت، وكان يحيل على ما هو مُعايَن في ضريح ولي الله أبي العباس السبتي رضي الله عنه، وكذلك ما هو مُعايَن في ذرية صاحب الترجمة رضي الله عنه.

_________________________________________

فضل النسب الشريف وضرورة حفظه وصيانته

- ختم الله لنا بالحسنى وزيادة- ثم نختم هذا النسب النبوي بالأحاديث الواردة في فضله وحفظه وصيانته، والذبِّ عليه، وردِّ كلام المبطلين المارقين؛ حمدًا لمن أكرم آل البيت الشريف، الطيب الطاهر المنيف، وجعل أصلهم في ذروة الكمال ثابتًا، وفرعهم من دوحة النبوءة نابتًا، ففلك العباءة ضرب عليهم سرادقًا، وتعريف آل البيت لم يزل عليهم سابقًا؛ وصلاةً وسلامًا على عنصر الشرف، ومنبع كل مجد وخلق كريم، وعلى آله وأصحابه الحائزين قصب السبق في الدنيا وفي دار النعيم.

أما بعد: فإن حفظ الأنساب من الأمر المتعين، لا سيما النسبة الطاهرة الزاكية، إذ حفظها من الكليات التي أجمع أهل الملل عليها، وخصوصًا نسب آله عليه السلام، ونسب ذرية ابنته البتول، رضوان الله عليها، إذ ينبني على ذلك كثير من الأحكام، كما بيَّنته الشريعة المطهرة والأئمة الأعلام، مما لهم أو عليهم، خصوصًا من بين الأنام.

فمنها: وجوب تعظيمهم واحترامهم وتوقيرهم ومراعاتهم، ومودتهم وإكرامهم، ومحاشاتهم عما لا يليق بقدرهم، رعايةً لنسبتهم الطاهرة؛ لأن محبتهم هي روح الإيمان، وبمعرفتهم وضبطهم يحصل الأمان، وودُّهم فرضٌ، فرضه الله في أزله. أحبوا الله بما يغدوكم به من نعمه، وإيذاؤهم توجب اللعنة من الله؛ قال الله تعالى في كتابه العزيز: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ﴾.

وحِمى حريمهم يجب حفظه عن الأغيار؛ إذ الكذب في النسبة من الكذب على الرسول، الشامل لحديث: «من كذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار»، وحديث: «من انتسب لغير أبيه فعليه لعنة الله».

فيا سعادة من رزقه الله محبتهم، وعرف قدرهم، وأدَّى حقهم، ويا شقاوة من نقصهم أو سبَّهم، أو حسدهم على ما آتاهم الله من فضله، فرام لحوقهم وحاول منازلهم، كلا: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ الآية.

قال القاضي عياض: «سب آل محمد وتنقيصهم حرام، ملعون فاعله»؛ والمشهور في مذهب مالك في هذا الاجتهاد والأدب الموجع. وقال الزرقاني: «وشدِّد عليه في شيء قبيح من قول أو فعل لأحد ذريته عليه السلام مع العلم به»، ونحوه للشبرخيتي.




يومٌ شهر سنة أحمد العمري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

يومٌ شهر سنة

أحمد العمري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الصدق، لا مهرب منه، على الرغم من أنه مؤلم وحاد.. وعندما يكون الله بين أعيننا، وفي أعيننا، فلا مفر من من الصدق، بأن أن تكسر الحاجز بينك وبين نفسك، وبأن تقتحم العقبة في أعماقك، وأن تفك رقبتك من أنانيتها، وأن تحطم السور الذي بداخلك، والسرّ الذي لا زلت تتكتّم عليه، خشية أن يطّلع عليه أحد، أو يكتشفه الآخرون، لكنك تُعاوده، وتجرؤ على فعله!

الصدق يُخبرك عن ذلك الشيء المشين، الذي بدأت به تلك الرحلة الكئيبة التعيسة .. ربما لا تذكر اليوم ولا الشهر ولا حتى السنة، ولكن هناك، في مكان ما سجل فيه كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.. حتى التفاصيل الدقيقة، الدقيقة، اللحظة الفلانية، والدقيقة الفلانية من الساعة الفلانية في اليوم الفلاني، حصل ذلك الشيء معك!

في حياة كل عاص منّا.. معصية أولى هي الباب الذي فتح أمامه كل المعاصي التالية.. المعصية الأولى هي المعركة الأهم وربما الأكثر حسماً في حياة كل منا.. وهذا لا يعني ذلك قطعاً أن نتيجتها نهائية وقاطعة، لكن يعني أن الأمر يكون أصعب دوماً بعد أن يحصل السقوط الأول، وسيتطلب الأمر من أجل إغلاق الباب جهداً أكبر ومجاهدة أعظم .. 

إنها المعصية الأولى هي ذلك المنعطف الذي يحصل في حیاتك، والخطيئة الأولى هي ذلك المطب (الفخ)، الباب المفتوح على هاوية عمیقة، وحده الله في علیائه یعلم قرارها.، إنها المعصية الأولى، والخطيئة الأصلية.. التي تسيطر علينا وتحرك مسار حياتنا، لكنها لا تكون كذلك إلا بعد أن نقترفها، إنها لا تكون أصلية، إلا بعد أن تكون أولى، تقترفها أولاً ثم تصیر جزءاً منك وتسير معك في حیاتك، أحياناً تسيِّر حياتك ..ستظل تدمغنا وتصمنا بطريقة أو بأخرى ...

لو أننا راقبنا معاصينا التي استمررنا عليها (وما من أحد منا يخلو من المعاصي) لوجدنا أن طابع المعصية الأولى وتفاصيلها ونكهتها ظلت تطبع كل معاصينا التالية؛ لأن المعصية الأولى هي تلك التجربة التي سنظل ننكرها طيلة حياتنا، ربما سنحاول التنويع في معاصينا لكن التجربة الأولى هي العقبة الكؤود!

وهذا الكتاب هو محاولة للخروج بالنفس من حالة (الأمارة بالسوء) أو (استمراء المعصية واعتيادها) إلى حالة (النفس اللوامة)، التي تدرك بطريقة ما خطأ ما هي عليه، وأن عليها أن تتراجع لترقى إلى المطمئنة، حيث أن الحد بين الخطأ والصواب قد يكون رفيعاً لكنه خط فاصل، كما كل شيء يكون حاجزاً وفاصلاً.. 

فبين الحلال والحرام حد خطير، كما بين البكارة وانتفائها غشاء، يوجد محض غشاء دموي لكن معانيه مهمة وآثار زواله قد تكون مدمرة .. وكما بين الخطيئة والامتناع عنها حاجز، عقبة؛ هي في جوهرها ذلك الفرق بين الإنسان والبهيمة .. وبين أن تكون إنساناً وتظل إنساناً، وبين أن تكون بهيمة كالأنعام، بل أضل سبيلاً، اختيار بسيط (واضح): هل تستسلم لغريزتك كما الأنعام والبهائم والقطط والكلاب، أم إنك تقف كالسد الصامد أمامها لتروضها وتطوعها وتصير أمةً لك بدل أن تكون عبداً لها؟.

هذه الخيوط الرفيعة، والحدود، والفواصل، والخطوط الواضحة، والحواجز، والعقبات، والاختيارات المصيرية عند مفترق الطرق كلها للأسف -أحيانا- لا تكون كافية لبعض الناس لذين يتجاوزون الخيط الفاصل والحد القاتل والغشاء الزائل يلجون من ذلك الباب الذي يفتح لهم هوة السقوط .. وفي کل یوم، من کل شهر، کل سنة، یحدث ذلك وللالوف، بـل الملايين للمرة الاولى ..

وفي قمة الرقي الأدبي يحاول الكاتب (أن يتقمَّص قارئه)، ويحاوره كما يحاور نفسه، باذلاً في ذلك أسمى مشاعر الصدق والأخلاص، ليبدو وكأنه لا يُخفي شيئاً من النصيحة عن ذلك القارئ، هكذا يبدو جو الرواية من أولها، فالأمر لا يتعلق إذن بذات التقمُّص، أو ثقةٍ لم يضعها في القارئ، لأنه في هذه المرحلة اختار أن يكون صديقاً له، بدلاً من معلّمٍ يُلقي المعلومات ويُملي النصوص.

ويناقش المؤلف قضية (الخطيئة الأولى)، من خلال بُعدين: الأول "البشري" المتمثل في الذاكرة التاريخية والبعدي الديني المتمثل بخطيئة أبينا آدم عليه السلام، وكأن كل واحدٍ منّا مرتهن بخطيئة تكون موضع هبوطه وسقوطه، التعبير الذي أكثر من استخدامه في صفحات كتابه:

[سقوطك يذكرني بأن جهنم ستضم في النهاية جداً الصالح والطالح، ما دام الصالح لم یعرف کیف یحافظ علی صلاحه، وهو أمر يخيفني شخصياً .. سقوطك يذكرني بالسقوط الأول المخيف الذي أنزلنا من الجنة إلى الأرض، عندما سقط أبونا آدم وكان ما كان .. وکان آدم إنساناً حقاً؛ معدنه أصیل وفطرته نقیة وسریرته صافية، لكنه سقط، وتلك كانت الخطوط الأولى لسيناريو السقوط الذي سيتكرر فيما بعد لملايين المرات عبر آلاف السنين .. سقوطك يذكر بأن الناس الطيبين قد يضلون طريقهم في هذه الحياة حتى تجدهم فجأة في جهنم التي ستظل تقول هل من مزيد؟ ..]

وكما قيل: 

لقد غرّ إبليسُ اللعين آدماً … وأخرجه بالمكر من جنة الخُلدِ

ثم يتطرق إلى (مشهد السقوط)، وهو مشهد مفجع، ومؤلم في اللحظة ذاتها.. والذي يعني التدرج في خطوات المعصية والانحلال، حتى تصير جهنم منزلاً يحرره منه إلا رحمة الله ومغفرته ولطفه: 

[.. والمؤلم ليس أن البشر يسقطون، بل أنه حتى الجيدون منهم، أولئك الأنقياء والصادقين يسقطون .. بالسقوط ولا يقومون من سقطتهم، وينتهي بهم المطاف إلى قعر جهنم .. والأكثر إيلاماً أنهم قد يسقطون، ويسقطون، ويستمرون].

ثم يتطرق إلى (مصيبة التسويف) المرتبطة قطعاً بطول الأمل، ثم (مصائد السوء) أي: رفقاء المعصية والخطيئة،كما تحدث عن معاصي، مثل (ترك الصلاةن والزنا، ومشاهدة الحرام، والعادة السرية، واستماع الأغاني، والسهر في الحانات.. الخ).. يقول العمري:

[الموتى حقاً ليسوا أولئك الذين نشيعهم ونسير في جنازاتهم ونصلي عليهم ثم نهيل عليهم التراب، لكن الموتى هم أولئك الذين لا يصلون ويدفنون أنفسهم تحت التفاصيل الصغيرة واللهو والعبث والمعاصي والأعذار والحجج، الموتى هم أولئك الذين يسمعون الآذان خمس مرات في اليوم ولكنهم يا للأسف يسدون ويصدون ويتمنعون]..

ويحاول المؤلف أن يُحدث في القارئ هزَّةً عنيفة، من خلال آيات الزجر والعذاب والوعظ والتخويف، الأمر الذي سيُحرّك ولا بُد شيئاً في ضمير القارئ، ويجعله يقتنع بأن التوبة عما هو فيه أمرٌ حتمي لا بد منه، وشجعه على ترك كل ما هو فيه، وفي خاتمة مؤثرة يضع المؤلف النهاية الحتمية لكل هذا العبث والاضمحلال، ببيان المصير الأخير للبشرية جمعاء، وهو الفناء والموت:

[كل أولئك الذين سقطوا قبلك وقبلها وبعدك وبعدها، هل تسمع لهم من صوت؟ هل صرخوا وهم يسقطون؟ هل سمعنا لهم صوت استغاثة وهم يسقطون عبر هاوية ستستغرق ربما أعمارهم كلها؟.. أحاول أن أنصت، أن أصغي، أتذكر الأزيز الذي أزك أزاً واستفزك وحفزك وأوصلك إلى هنا .. هل تحس منهم أحداً؟. أو تسمع لهم ركزاً؟. لا، لا شيء، لا أحس أحداً ولا أسمع ركزاً، لا أزيز، لا فحيح، ولا أحد على الإطلاق.. ولأن الهلاك قد ابتلع أبطال المشهد فلقد فشل المشهد للمرة الثالثة]..

ولعل الحسرة التي أطلقها العمري تتجاوز الآذان إلى القلوب، إنها تأكل كل تلك المبررات، وتلقفها كما تلقف المعجزة كل الأكاذيب وتقضي عليها، يقول:

[يا حسرة على العباد، يا حسرة على كل أولئك الناس الطيبين الذين ينقض عليهم الأقران ويجرونهم إلى هنا حیث الدرك الأسفل، حيث أسفل سافلين .. يا حسرة عليك أنت يا من عرفت نقاء معدنك وصفاء سريرتك وصدقك.. أنت يا من كنت تصلي دون أن يعلمك أحد .. ثم انقطعت وأخذوك وغلوك والى هنا جروك .. الآن أفهم هذه الآية حقاً، أجد هذا المشهد حزيناً جداً كما لم أجده من قبل .. بل إنه يکاد يكون سبباً لنزول الآية. يخيل إلي أني لو ذهبت الآن إلى كتب التفسير وبحثت عن مناسبة نزول هذه الآية لوجدت اسمك مكتوباً هناك وهذا المشهد الحزين المفجع الذي أنا حبيس بداخله .. يا حسرة على العباد].

ولعل أبرز ما يمكن الحديث عنه هنا هو التوبة، وهي التي ألمح وأشار وصرح بها المؤلف في كتابه في مواضع متعددة؛ لأنها أول ما يبدأ به السالك إلى الله، الذي يريد إسلام وجهه إليه.

يقول العمري:

[كلنا مذنبون فيما يتعلق بذلك، كلما وقعت واقعة سقوط فالمذنبون الأساسيون ليسوا الفاعل و (المفعول بها) فقط، بل أولنك الذين لم يتدخلوا ولم يمنعوهما، ولم يمدوا يدأ منذ أن بدأت أولى مقدمات السقوط ..

لا نجاة إلا بأن تمد يديك، وأمد يدي ... يمدوا أيديهم .. ولو كان ذلك قد حدث من البداية، لما سقطت أنت، ولما سقط هو، ربما لما سقط إلا الساقطون ..

وذات يوم، ذات شهر، ذات سنة، ستطير كلماتي من أوراقها، ستخرج من الصفحات البيض كالمارد من القمقم وتتطاير في الهواء، تارة تصير بلبلاً يصدح، وأخرى تصير كنارياً يغرد، أو نورساً يحلق، أو هدهداً يغار، أو صقراً يحارب .. 

وعندما تأتي الشیاطین لتۇزهم أزاً، ستأتي كلماتي لتحارب، وفوق كل رأس سيكون هناك تلك المعركة .. وتلك الحرب .. وهي معركة من المؤسف أني لن أكون هناك لأترقب نتائجها .. وفي تلك المعركة الغامضة الفاصلة سأحتاج إلى دعائك … فمد يدك وادع لي ... يا صديق].

ولعل القيمة الأعمق في الكتاب لا تكمن في استحضار مشهد السقوط بقدر ما تكمن في محاولة فهم ما الذي يحدث للإنسان بعد السقوط؛ فالمعصية لا تنتهي دائمًا بانتهاء لحظتها، بل قد تترك في النفس أثرًا يتسع مع التكرار، حتى تتحول من فعلٍ نمارسه إلى حالةٍ تسكننا، ومن خطأٍ نندم عليه إلى عادةٍ نبررها، ثم إلى جزءٍ من شخصيتنا ومسار حياتنا. ومن هنا تصبح المعركة الحقيقية ليست مع الماضي وحده، وإنما مع ذلك الأثر الذي تركه الماضي في الحاضر.

وهنا تتضح أهمية التوبة في مشروع العمري؛ فهي ليست مجرد لحظة بكاء أو استغفار باللسان، وإنما محاولة لاسترداد الإنسان من الطريق الذي أخذه بعيدًا عن فطرته. فالتوبة تعني أن يتوقف المرء أمام نفسه، وأن يعترف بما فعل، وأن يكسر دائرة التبرير والتسويف، ثم يبدأ رحلةً جديدة يعيد فيها ترتيب علاقته بالله وبنفسه وبالآخرين. ولهذا فإن استحضار الخطيئة في الكتاب لا يبدو مقصودًا لزرع اليأس، وإنما لإيقاظ الضمير قبل أن يصبح السقوط اعتيادًا، وقبل أن يفقد الإنسان إحساسه بخطورة ما يفعل.

ومن أجمل ما يلفت النظر أن العمري لا يجعل الإنسان الذي سقط إنسانًا منتهيًا؛ فمع قسوة الحديث عن المعصية والموت والعاقبة، يبقى باب الرجوع مفتوحًا. وهذه هي المسافة الفاصلة بين الوعظ الذي يوقظ الإنسان والوعظ الذي يدفعه إلى اليأس: أن تريه خطورة الطريق، ولكن تريه في الوقت نفسه أن العودة ممكنة، وأن رحمة الله أوسع من ذنبه، وأن الإنسان لا يُختزل في أسوأ لحظة عاشها، ما دام قادرًا على أن يراجع نفسه ويغيّر طريقه.

ومن هنا يمكن فهم عنوان الكتاب: «يوم، شهر، سنة»؛ فالزمن في تجربة المعصية ليس مجرد وحداتٍ متتابعة، وإنما هو شاهدٌ على الإنسان: متى بدأ، وكيف استمر، ومتى كان يستطيع أن يتوقف، وكم من العمر مضى وهو يؤجل العودة. وقد يكون أخطر ما في المعصية ألا يشعر الإنسان بمرور الوقت، حتى يستيقظ يومًا فيجد أن ما كان يظنه تجربةً عابرة قد أصبح سنواتٍ من عمره. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس فقط: متى كانت الخطيئة الأولى؟ بل: كم من الوقت مضى بعدها، ومتى سنقرر أن تكون الخطيئة هي الأخيرة؟

وفي النهاية، يترك الكتاب قارئه أمام مواجهة لا يستطيع الهروب منها: مواجهة نفسه. فلا قيمة لمعرفة تاريخ السقوط إذا لم تقُد المعرفة إلى قرار بالقيام، ولا قيمة لاستحضار تفاصيل الماضي إذا بقي المستقبل أسيرًا لها. ولعل الرسالة الأعمق التي يمكن أن تخرج بها هذه الرحلة أن الإنسان قد يسقط في يوم، أو شهر، أو سنة، لكنه لا ينبغي أن يجعل من سقوطه قدرًا أبديًا؛ فبين السقوط والقيامة الداخلية لحظة صدق، وبين الذنب والتوبة قرار، وبين العبد وربه باب لا يُغلق ما دام في العمر بقية.







هذه روايتنا .. طوفان الأقصى بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

هذه روايتنا .. طوفان الأقصى

المكتب الإعلامي - خماااش-

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: الرواية ذاكرة الشعوب، وأصدق الروايات وأبقاها تلك التي تروي الوقائع والأحداث كما جرت، بعيون أصحابها، ولسان أهلها، وبالطريقة التي يصدقها أبناء الوطن، ويجدون فيها تعبيرًا عن تجربتهم وحياتهم. إنها الرواية التي تعلي قيمة الإنسان، وتمجّد كرامته، وتحفظ حقه في أن يكون حاضرًا في ذاكرة وطنه وتاريخه.

وهي، قبل كل شيء، الرواية التي تنقذ الذات من النسيان، وتنقذ المستقبل من تكرار الأخطاء؛ رواية تُكتب لأجل أبنائنا، ولأجل وطننا، ولأجل أمتنا، حتى تبقى التجربة درسًا، والذاكرة مسؤولية، والمستقبل أكثر إنصافًا للإنسان.

وفي 24/12/2025م، أي بعد 809 أيام من حرب السابع من أكتوبر، أعلنت حركة حماس روايتها الرسمية حول «الطوفان»، بعد أن جاء على الأخضر واليابس، فحصد مئات آلاف الأرواح، وبدّد كل الآمال والطموحات والأحلام، وترك وراءه أجيالًا كاملة تحمل في ذاكرتها ندوبًا عميقة، وجراحات لا تُنسى.

في وثيقة جاءت في 36 صفحة، كتبت حماس روايتها؛ لإبراز ما اعتبرته الحركة انتصارات سياسية وبلاغية وبيانية، وتعداد الشعارات والإنجازات، في مقابل غياب واضح لتحمّل المسؤولية عن النتائج الكارثية التي أصابت غزة وأهلها، وما خلّفته الحرب من آثار بالغة على قضيتنا الوطنية.

جاءت هذه الرواية لتروي لنا ما عشناه بعباراتٍ لم نرَ فيها واقعنا، ولم نقرأ فيها تجربتنا، ولم نجد فيها ما يعبّر عن حياتنا كما عشناها. وربما لهذا لم يجد فيها كثير من أبناء الأرض ما يقنعهم أو يجسّد حقيقة ما مرّوا به؛ كيف؟! وهم الذين وجدوا أنفسهم في حرب لم يُتح لهم الاستعداد لها، ثم وجدوا أنفسهم مطالبين بتدبير سبل النجاة في خضمّها؟! فكان المدنيون في كثير من الأحيان هم من دفع الثمن الأثقل، وتحملوا تبعات القرارات السياسية والعسكرية، بينما بقيت حياتهم ومصائرهم رهينةً لمساراتٍ لم يكونوا أصحاب القرار فيها.

لم يكن «الطوفان» حدثًا عابرًا يمكن أن تطويه الأيام أو تمحوه الذاكرة؛ بل كان تجربةً مروّعةً تركت وراءها ألمًا عميقًا وخرابًا واسعًا، وما زالت آثارها حاضرةً في تفاصيل حياة الناس.

في الذكرى الثالثة، نستعيد مشاهد الصواريخ التي انهالت على الأحياء والمنازل، والأرواح التي أُزهقت تحت الأنقاض، وآلاف العائلات التي فقدت أبناءها ومساكنها ومصادر رزقها. 

نستذكر الطلبة والمعلمين وأساتذة الجامعات والصحفيين والأطباء وسائر الفئات التي دفعت ثمن الحرب، ونستذكر مئات الآلاف من الجرحى الذين ما زال كثير منهم ينتظر العلاج أو فرصةً للخروج من دائرة الألم.

ونستذكر كذلك الدمار الذي طال مساحات واسعة من القطاع، ومناطق كاملة تغيّرت معالمها، ومئات الآلاف الذين اقتُلعوا من بيوتهم، فوجد بعضهم نفسه نازحًا بين الخيام والمدارس ومراكز الإيواء، أو يكافح للبقاء وسط الركام وشحّ مقومات الحياة.

نستذكر المساجد التي دُمّرت، والمدارس التي تعطلت، والجامعات التي توقفت، والمزارع التي تضررت، والاقتصاد الذي تلقى ضربات قاسية، وحياة الناس التي انقلبت رأسًا على عقب. 

نستذكر الجوع والعطش والخوف والنزوح والفقر والمرض، ونستذكر آهاتٍ لم تعد محصورةً في البيوت والأحياء، بل تحولت إلى مأساةٍ إنسانية هزّت الضمير العام في فلسطين والعالم.

نستذكر المساجد والكنائس والمكتبات العامة والخاصة التي طالها الدمار، ونستذكر الغلاء الفاحش الذي أثقل كاهل الناس وأرهق حياتهم اليومية. 

نستذكر الربا التي اتسعت في ظل شحّ السيولة وتدهور الأوضاع الاقتصادية، وأسعار الكهرباء الباهظة، ومئات الآلاف من العمال الذين فقدوا أعمالهم ومصادر دخلهم، وأصبح كثير منهم يبحث عن قوت يومه بين مراكز المساعدات وعلى أبواب المؤسسات الدولية، وفي طوابير الخبز، والتكايا، وشاحنات المياه.

نستذكر اقتصادًا أنهكته الحرب، وحياةً يوميةً صار فيها الحصول على أبسط مقومات العيش معركةً أخرى، بعدما تحوّل الخبز والماء والكهرباء والعمل إلى همومٍ يومية تثقل كاهل الناس.

نستذكر كل ذلك ليس من أجل الألم وحده، ولا لتحويل المأساة إلى ذكرى سوداء فقط، وإنما لكي تبقى الذاكرة شاهدةً على ما حدث، ولكي يُسمع صوت الإنسان الذي عاش الحرب ودفع ثمنها، ولكي يكون ما جرى درسًا للأجيال القادمة لا مقدمةً لتكرار المأساة.

وللطوفان من اسمه نصيب؛ فقد ورد ذكره في القرآن الكريم في سياق الحديث عن قوم نوح وفرعون، وكلا القصتين ارتبطتا بالعذاب والهلاك. ومن هنا يبدو الاسم، بما يحمله من إيحاءات قرآنية، أثقل من أن يكون مجرد تسمية عابرة. 

وإذا كان الماء في أصله سببًا للحياة، فإن اندفاعه وطغيانه حين يتحول إلى طوفان يتحول إلى مادة مدمرة ومهلكة، فهو يجرف ويدفع ويرفع ويهدم ويغمر ويمحو معالم المكان. وهكذا كان الخراب الذي اجتاح حياتنا: لم يترك لنا في كثير من الأحيان بيتًا نعود إليه، ولا مأمنًا نلجأ إليه، ولا جبلًا نعتصم به؛ فقد وجد الجميع أنفسهم تحت وطأة الموت والخوف وشظايا الصواريخ.

كانت نكبةً طافت بنا من مكان إلى مكان، بينما غابت عن المشهد، في كثير من اللحظات، القدرة على الحماية والإرشاد والإصلاح. ولم تكن التصريحات والمواقف السياسية، في الداخل والخارج، قادرة على انتشال الناس من واقعهم؛ بل بدا لكثيرين أنها تزيد المشهد تعقيدًا، فيما كان المدنيون يغرقون أكثر فأكثر في دوامة الخوف والنزوح والفقد.

والآن نستعرض أهم ما جاء في الرواية كما هي، وسأتجنب التعليق على أي نقطة منها. 

تقول رواية حماس أن دوافع الهجوم:

1. جرائم الاحتلال منذ العام 48.

2. فشل مشروع السلطة الوطنية.

3. التطرف الإسرائيلي.

4. الغليان في غزة.

5. فشل المجتمع الدولي.

6. معاناة الأسرى.

7. ولاستمرار طريق الثورة الفلسطينية.

أما عن يوم السابع من أكتوبر وفق رواية الحركة:

فهو يوم الميلاد الحقيقي للشعب الفلسطيني!. ولذلك سموه بيوم العبور المجيد والكبير. وبيوم مفصلي وتاريخي في الحياة الفلسطينية. وقد شهد التفافا شعبيا مؤيدا للهجوم.

أما عن ابرز ما حققه طوفان الأقصى من أهداف ونتائج -بحسب مزاعم الحركة، فهي:

1. صمود الشعب الفلسطيني.

2. إعادة القضية إلى صدارة العالم.

3. عزلة إسرائيل السياسية والإقليمية.

4. سقوط أساطير الاحتلال.

5. سقوط نظرية الأمن الإسرائيلي.

6. سقوط صورة (إسرائيل الغربية).

7. إحياء الوعي الجمعي العالمي بالقضية الفلسطينية.

8. انهيار وهم الملاذ الآمن في كيان الاحتلال.

9. انجازات ميدانية وإنسانية كإطلاق سراح أسرى فلسطينيين.

10. إفشال مسار التطبيع.

11. إحياء وعي الأمة.

12. ترسيخ نموذج الإسلام الحضاري.

13. انهيار السردية الصهيونية.

14. صعود السردية الفلسطينية عالميا.

15. تصاعد حملات المقاطعة.

16. الملاحقات القانونية الدولية.

17. مذكرات اعتقال دولية ضد قادة الاحتلال.

18. تزايد الاعتراف الدولي بدولة فلسطين.

19. تفاعل غير مسبوق للشعوب العربية والإسلامية مع مجريات الحرب.

20. التحول في الرأي العام الدولي.

وفي الفصل السابع الذي جاء تحت عنوان (لا يمكن عزل حماس).

ورد فيه المحاور التالية:

1. حركة متجذرة في النسيج الوطني.

2. حركة تتمتع بشرعية انتخابية ودستورية.

3. تعبر عن الخيار الشعبي للمقاومة.

4. عزل حماس وهم سياسي.

وفي الفصل الثامن جاءت أولويات الحركة المستقبلية في قطاع غزة:

1. تحقيق انسحاب الاحتلال الكامل وإعادة الإعمار.

2. إدارة وطنية مستقلة لقطاع غزة.

3. حماية القدس والأقصى والضفة الغربية.

4. إعادة ترتيب البيت الداخلي.

5. عمق عربي وإسلامي وإنساني.

6. مواجهة التطبيع.

7. ترسيخ السردية الفلسطينية.

8.الاستمرار في المسار القانوني والعدالة الدولية لملاحقة جرائم الاحتلال.

9. العلاقات الدبلوماسية والدولية للحركة.

اليوم، وبعد ثلاث سنوات على حرب السابع من أكتوبر، لا أرى أن السؤال الذي ينبغي أن يستحوذ على النقاش هو: هل نصدّق حماس أم رواية خصومها؟ وإنما الأسئلة الأهم هي: ماذا حدث فعلًا؟ وما الذي تم إنجازه حقيقةً؟ وما الذي ترتب على هذه الكارثة الكبرى؟ ومن يتحمل مسؤولية هذا الفعل؟

أعتقد أن الرواية الأهم التي تستحق أن تُسمع هي رواية الناس الذين عاشوا الحرب بكل تفاصيلها؛ ماذا خسروا؟ وماذا ربحوا؟ وماذا كانوا يتوقعون؟ وكيف ينظرون اليوم إلى مستقبل غزة ومستقبل القضية الفلسطينية؟

هذه الأسئلة لن نجد إجاباتها فلا عند حماس ولا الجهاد ولا غيرها من الفصائل، ولا حتى عند السلطة الفلسطينية وإن كانت تمتلك الورقة الرابحة، لكن ضيعتها مغامرات داحس والغبراء، ولن تجدها في الرواية الإسرائيلية؛ وإنما يكمن الجواب عند الناس الذين عاشوا الحرب ودفعوا ثمنها، وهم الأقدر على رواية ما جرى، وما ورّثه الحرب من آلام وأوجاع، لا يستطيع أي فصيل سياسي أو عسكري محوها أو إزالتها.

7 أكتوبر من وجهة نظر مخالفة

مبدئياً.. في أول يوم من 7 أكتوبر، تعمد الاحتلال زيادة أعداد القتلى من خلال عدة طرق. لكن قبل أن نتحدث عن الطرق المستخدمة، تكشف الأيام تسريبات قليلة تفيد بأن عدة دول وأشخاص وأجهزة استخبارات، أن إسرائيل تلقت تحذيرات بشأن السابع من أكتوبر، ومنذ أيام بدأت المعلومات بشكل أكبر تنتشر حول الدول التي كانت تعرف بهذا الأمر، من هي وما هي المعلومات التفصيلية التي زودت بها إسرائيل.

ولكن حكومة نتنياهو تعمدت إخفاء الأمر وتسهيل الطريق أمام هذه العملية لعدة أمور، منها السيطرة على الاقتتال والخلافات الداخلية قبل 7 أكتوبر، وتمديد فترة حكومة نتنياهو، وعدة أمور أخرى. منها الإسراع من عملية التطبيع وإجبار السعودية على التطبيع دون الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود الـ67، وهذا ما وافقت عليه السعودية وطرحته إسرائيل مقابل الموافقة على وقف الحرب على غزة.

ورأينا تراشق تصريحات بين نتنياهو والوزراء حول معرفتهم بالسابع من أكتوبر، بل وسمحوا وضحوا بمواطنيهم لأجل مصالح لدى اليمين الصهيوني، وبدأوا بلوم نتنياهو على هذا الأمر تمهيدًا لإزالته من الساحة. ولكن: لماذا أرادت إسرائيل زيادة عدد القتلى يوم 7 أكتوبر؟

أولاً: حفل نوفا الذي أقامته إسرائيل في منطقة بئيري بالقرب من قطاع غزة، وهذا شيء نادر ولم يحصل إطلاقًا منذ بداية الاحتلال أن يخاطر بإنشاء حفل بالقرب من أخطر حدود إسرائيل، وهذا الحفل تحديدًا اهتموا بانطلاقه في هذا الموعد والتاريخ بالتحديد لأنه يجمع أشخاصًا من عدة جنسيات دولية.

ثانيًا، الطيران المروحي الإسرائيلي الذي خرج واستهدف الأجانب والمدنيين في الحفل لزيادة عدد الضحايا.

ثالثاً: التسريبات التي خرجت من ضباط في الجيش الإسرائيلي وتتحدث عن تلقيهم أوامر بتخفيف المراقبة حول قطاع غزة وإجراءات الحماية.

وشاهدنا هذا في فيديوهات اقتحام الحدود في السابع من أكتوبر، بأن المواقع العسكرية جميعها كانت فارغة، لا يوجد بها إلا العشرات من جنود الاحتلال، وإلا ما كان عدد الأسرى يتجاوز الـ250 أسيرًا إسرائيليًا. وفيديو الطيران المروحي وهو يراقب سيارات حماس تخترق الحدود ويطلب إذنًا بالاستهداف، والقيادة الإسرائيلية تجيب بالرفض: اسمحوا لهم بالدخول.

إسرائيل تعمدت زيادة عدد القتلى لتصور للعالم أنهم يتعرضون لمذبحة هولوكوست جديدة، وكانوا يعتمدون على الكذب حتى بعد قيامهم بقصف الأشخاص الذين في الحفل، الذين غالبيتهم غير إسرائيليين، بل أجانب جاؤوا للاحتفال.

وهذا ما جعلهم يصوتون على قانون الحرب قبل أن يطلقوا رصاصة واحدة تجاه قطاع غزة، وهذا إجراء وقائي لضمان عدم إسقاط حكومة نتنياهو.

ومن يتحكم بأمور الدولة هو مجلس الحرب الذي كان يتحكم به نتنياهو واليمين الصهيوني، وبدأوا بإبادة غزة واستخدام جميع أنواع الأسلحة ضد قطاع غزة الذي لا يمتلك سوى قوة عسكرية بدائية محلية الصنع محدودة القدرات.

ولكن إسرائيل لم تستغنِ عن قناة الجزيرة والمحللين أمثال فايز الدويري، أهم أدواتها لتضخيم قدرات قطاع غزة وتصويره كأنه قوة عسكرية ضخمة يمتلكون مضادات الطيران والدروع والتدريبات وصواريخ تفوق كفاءة التوماهوك، وقذائف الياسين المذهلة التي تخترق وتدمر معجزة الدبابات الإسرائيلية في العالم، الميركافا، ببعض المونتاج الذي يتوقف عند وميض الانفجار، وهو في حقيقة الأمر اصطدام بدرع الحماية الخاص بالميركافا، لا يكاد يسقط الدهان عن الدبابة في كثير من الأحيان، وإلا لنفد مخزون الدبابات في العالم وليس في إسرائيل فقط، لو كان الياسين 105 يدمر الدبابة فعلًا.

لقد وصلتهم معلومات وتسريبات خطة السابع من أكتوبر بالكامل، فانتظروا تنفيذها بعدما أعدوا أنفسهم جيدًا للرد، ورسموا السيناريو أخيرًا لإبادة قطاع غزة الذي لطالما كان شوكة في حلق الاحتلالات على مر التاريخ.

علموا، خططوا، سمحوا، فسهلوا الطريق، وصبوا البنزين فوق النار، وعززوا الموت والدمار، ثم عرضوا الأحداث على العالم وبدأوا بالإبادة والتطهير، فصفق العالم على المسرحية وبدأوا يهتفون لفلسطين ويدعمون إسرائيل بالسلاح والغذاء والمال ويدعون لنا بالصمود.. 7 أكتوبر كان قرارًا إسرائيليًا، وحكومة نتنياهو هي من اختارت توقيته، ولولاه لاشتعلت حرب أهلية في إسرائيل بين العلمانيين والمتدينين.

الناس في غزة

لم يكن الشعب الغزّي يومًا راغبًا في التسوّل، ولم يرضَ لنفسه أن يقف على موائد الطعام والشراب في مشاهد يختلط فيها القهر بالجوع، والجوع بالإذلال. غير أن الحرب دفعت الناس إلى واقعٍ قاسٍ، أصبحت فيه لقمة العيش وجرعة الماء ومكان نصب الخيمة.. حاجاتٍ تُنتزع بصعوبة، وسط منظومةٍ من المبادرات والجمعيات والمؤسسات التي أخذت تتقاسم مع الناس اللقمة والدرهم والمأوى، حتى غدا المحتاج أسيرًا للحاجة، والنازح رهينًا للمساعدة.

إن إيماننا بالحياة، وبحقنا في هذه الأرض، جزءٌ من إيماننا بالله تعالى. وشعبنا شعبٌ يحب الحياة، ويكره الظلم والفساد والحرب، كما يكره الجوع والإذلال والنزوح. غير أن هذه الحرب السوداء الظالمة اختطفت منا كل شيء: الذكريات، والأهل، والأصدقاء، وما تبقى من الأمل، وتركتنا عالقين في حدود الزمان والمكان، ورهائنَ لصراعاتٍ سياسية وحزبية لم نكن أصحاب القرار فيها.

وما نعيشه في هذا العالم الظالم يجسّد، بوضوح، بشاعة الموت حين تتحول حياة الإنسان إلى ورقةٍ في صراع المصالح، ويكشف تعطش بعض أرباب السياسة وأصحاب النفوذ إلى المال والسلطة، ولو سالت في سبيل ذلك الدماء. كما يكشف تنصّل أحزابٍ واتجاهاتٍ مختلفة من أبسط مبادئ الدين وقيم الشريعة وأخلاقها؛ فقد أخفقوا في صون إنسانيتنا وكرامتنا، قبل أن ينظروا إلينا بوصفنا موحدين أو مسلمين. وفي النهاية، وجدنا أنفسنا أمام واقعٍ شارك فيه كثيرون، بصورةٍ مباشرة أو غير مباشرة، في تعميق مأساتنا، حتى أصبح دم الإنسان أهون من حسابات السياسة ومصالحها.

رحم الله الشهداء، وشفى الجرحى، وردّ النازحين إلى ديارهم، وحفظ غزة وأهلها، وحسبنا الله ونعم الوكيل.