السنن الإلهية في الأمم والجماعات والأفراد
في الشريعة الإسلامية
د. عبد الكريم زيدان
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: لا يمكن لهذا الوجود الممتد في آفاقه، المتنوع في مظاهره، بما يعتريه من حركة وسكون، وزيادة وانحسار، وتحوّل في أحوال الأمم والشعوب، أن يكون وليد الصُّدفة، أو يخضع لفوضى العبث، بل له نظام دقيق يسير عليه، وقوانين محكمة لا تتخلف ولا تضطرب، يشهد لذلك انتظام هذا الكون، وبديع صنعه، ودقة تفاصيله، وارتباط وجوده بالشرائع والإيمان، ثم ثباته اطراد السنن، حتى باتت كل تلك الظواهر والأطوار والسنن، دلائل ناطقة على حكمة الخالق وقدرته، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ﴾.
وإذا كان هذا القانون له حكمه الصارم على عالم المادة، فإن لهذا الفنون سلطانه الأعلى على الإيمان والعقائدة، بما بيّنه سبحانه على ألسنة رسله من الشرائع التي تفيض بالحكمة، وتُسند تلك القوانين إلى واضعها المبدع -سبحانه وتعالى -، ووظيفة هذا الإنسان بما أودعه الله فيه من أدوات المعرفة، من سمع وبصر وفؤاد، وبما دعاه إليه من نظر وتأمل واستقراء، أن يتوصل إلى معرفة تلك القوانين، والاستجابة لمقدماتها، تحصيلاً لغاياتها ونتائجها، كما قال سبحانه: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾.
وهذا الكتاب في حقيقته وقفات عظيمة على نظام هذا الكون، من خلال نصوص الوحين -الكتاب والسنة -ابتغاء الوصول والاهتداء إلى الخالق أولاً، ثم لقوانين الله في الكون، الأمر الذي تظهر أهميته في ضبط حياة البشر وأحوالهم، ومعرفة سنن الاجتماع الإنساني، سيما الارتفاع والسقوط، وظيفة الإنسان بإزاء ذلك، وفق ميزان إلهي دقيق لا يحابي أحدًا ولا يتجاوزه أحد.
ومثال ذلك نجد أن قانون السببية هو من أعظم سنن الله تعالى، والذي يشمل الكون كله مادياً ومعنوياً، والذي يعني ارتباط النتائج بأسبابها، ولا شك أن فهم هذا القانون ضروري لفهم الواقع والعمل على تغييره وفق هدي الله سبحانه وتعالى.
كما أن فهم هذه السنن يُساهم ضرورةً في إعداد الأمة للجهاد، لأن فيها بيان عوامل النصر وموانعه، وكل ذلك في إطار قرآني تربوي يربط بين الإيمان والعمل، وبين القوة المادية والروحية. كذلك فهم سنة المكر بالكافرين والمنافقين؛ فالمكر السيء مردود على أصحابه مهما طال، والله أسرع وأقوى تدبيراً. وسنة الله فيمن طلب الدنيا أو الآخرة: فمن طلب الدنيا نال جزءاً محدوداً منها، ومن طلب الآخرة فاز بالنعيم الدائم.
وإليك مختصر عن الكتاب، وتلخيص له:
1 ـ المقدمة
الكون بكل مكوناته من إنسان وحيوان وجماد وأحداث كونية وأحوال بشرية، لا يجري صدفة، بل يخضع لقانون عام دقيق ثابت يحكم وجوده وحدوثه، فلا يقع شيء إلا وفق نظام محكم.
2 ـ الوجه الأول للقانون العام
هو القانون الذي يحكم الموجودات المادية كلها، من كائنات حية وظواهر كونية، وكذلك جسم الإنسان من نمو ومرض وهرم، وهو أمر متفق عليه بين أهل العلم.
3 ـ دلالة وجود هذا القانون
وجود هذا القانون دليل على وجود الله؛ لأن المادة الجامدة لا يمكن أن تضع نظامًا دقيقًا كهذا، فلابد من خالق حكيم، وهو الله تعالى.
4 ـ دلالة القرآن على هذا القانون
دلّ القرآن على هذا النظام الكوني، ومن ذلك: قال تعالى:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ {38} وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ {39} لَا الشَّمْسُ يَنبَغِي لَهَا أَن تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ {12} ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ {13} ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾
5 ـ ثبات القانون واستمراره
هذا القانون يتميز بالثبات والاطراد، ويتجلى في الظواهر الكونية الكثيرة، مثل:
إنبات الزرع بنزول المطر، قال تعالى:
﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾
تصريف السحاب بهبوب الريح - وقال تعالى:
﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
تسخير الفلك للاستفادة من البحر -قال تعالى:
﴿اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾
وقال تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِّنْهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لَّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾
6 ـ معنى علم الإنسان
علم الإنسان بالموجودات هو في حقيقته معرفة هذا القانون العام، ولا يستطيع تغييره، وإنما يزيد علمه بقدر إدراكه لتفاصيله.
7 ـ آلات المعرفة
وسائل معرفة هذا القانون هي: البصر، والسّمع، والقلب ﴿الذي هو محل الإدراك والفهم والتحليل.
قال تعالى: ﴿وَاللّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ وهي أدوات لتحصيل العلم وإزالة الجهل.
8 ـ سبيل المعرفة بالقانون
يكون ذلك عبر: المشاهدة والنظر والتأمل أو التجربة والاستقراء. قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُواْ مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾
كما أشار القرآن لبعض الحقائق الكونية مثل: كون الرياح تُلقّح الأشجار: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾، نقص الأوكسجين في طبقات الجو العليا ﴿ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنَّما يصَّعَّد في السماء﴾، وهذا العلم متاح للجميع، مسلمهم وكافرهم، لكن يختلفون في القصد والانتفاع وفق الشريعة.
9 ـ الوجه الثاني للقانون العام
هو القانون الذي يحكم سلوك البشر وأحوالهم الاجتماعية، وما يترتب عليها من: سعادة أو شقاء، عز أو ذل، قوة أو ضعف .. في الدنيا والآخرة، وهو محور البحث في الكتاب.
10 ـ وجود القانون في الشريعة
تؤكد الشريعة الإسلامية وجود قانون عام يحكم سلوك البشر ونتائج أعمالهم، وهو ما عبّر عنه القرآن والسنة بـ ﴿سُنَّةُ اللَّه﴾، التي تضبط أفعال الناس وما يترتب عليها في الدنيا والآخرة.
11 ـ تعريف سنة الله
السنة في اللغة والاصطلاح تدور حول معنى: الطريقة والسيرة المتبعة، سواء كانت حسنة أو سيئة، وهي العادة الجارية التي يُقاس اللاحق فيها على السابق.
12 ـ التعريف المختار
سنة الله هي: الطريقة التي يعامل الله بها البشر وفق أفعالهم ومواقفهم من شرعه، وما يترتب على ذلك من نتائج في الدنيا والآخرة.
13 ـ سنة الله هي القانون العام
سنة الله في سلوك البشر تماثل مفهوم القانون العام؛ إذ تخضع لها أفعالهم ونتائجها، فهي قانون إلهي يحكم الحياة الإنسانية.
14 ـ خصائص سنة الله
تتصف سنة الله بـصفات، أهمها:
الثبات: فلا تتغير ولا تتبدل.
قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلاً﴾، وقال سبحانه: ﴿فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً﴾
الاطراد: وذلك بتكررها وظهورها في قصص الأمم:
قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ﴾، وقال سبحانه: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾
العموم: لأنها تشمل الجميع بلا استثناء:
قال تعالى: ﴿لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ﴾
15 ـ سبيل معرفة سنة الله
تُعرف سنة الله من خلال أمور، أهمها: القرآن الكريم، والسنة النبوية الصحيحة.
قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً﴾، وقال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ حَدِيثاً﴾.
16 ـ طرق التعبير عن سنة الله
قد تُذكر سنة الله بغير لفظ "السنة"، مثل بيان النتائج المترتبة على الأفعال: قال سبحانه: ﴿تِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾، وقال جل شأنه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾
17 ـ أهمية دراسة سنن الله
معرفة سنن الله في الأمم والمجتمعات، هو جزء من الدين، الأمر الذي يجب فهمه ومعرفته.كما أنها تبصّر الإنسان بمنهج الحياة الصحيح لتجنب الخطأ ونيل الفلاح. قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾
18 ـ الغرض من الكتاب
والغاية المقصودة من هذا الكتاب ما يلي:
توعية المسلمين بسنن الله تعالى.
بيان أن ما يصيبهم ليس صدفة بل نتيجة أعمالهم.
الدعوة لتغيير الواقع وفق هذه السنن
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
وقال جل شأنه: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾
19 ـ منهج الكتاب وفصوله
موضوع الكتاب: سنة الله في سلوك البشر ﴿القانون العام بوجهه الثاني﴾، وقُسّم المؤلف كتابه إلى عشرة فصولن كل فصلٍ منها يُمثل قانوناً وسُنّةً من سنن الله تعالى في الكون، وهي:
الفصل الأول: سنّة الله في الأسباب والمسببات [ قانون السببية ]
20 ـ تعريف السبب
السبب هو: كل ما يُتوصّل به إلى غيره، سواء كان مادياً كالأدوات، أو معنوياً كالعلم والقدرة.
قال تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾
21 ـ عموم قانون السببية
كل ما يحدث في الكون إنما يقع بسبب، فالمسببات مرتبطة بأسبابها في جميع المجالات، سواءً كانت مادية أو معنوية:
فالمادية -كالنبات: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ﴾؛ فجعل النبات مرتباً على نزول المطر.
معنوية -كالنصر: ﴿إَن تَتَّقُواْ اللّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾؛ فجعل التقوى سبباً في حصول النصر.
والقرآن يربط النتائج بالأسباب بصيغ متعددة، مثل:
قوله تعالى ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ﴾؛ فجعل الثواب مترتباص على العمل الصالح فيما سلف.
وَقال سبحانه: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾؛ فجعل اتباع هداية القرآن سبباً في النجاة في الآخرة.
وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا﴾؛ فجعل تقوى الله سبباً في الخلاص من الكروب والشدائد.
22 ـ نفي الصدفة وبيان شمول القانون
لا وجود للصدفة في الكون، وإنما الجهل بالأسباب هو الذي يوهم بذلك. فالكون كله يسير وفق قانون دقيق شامل لا يخرج عنه شيء، قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، وهذا الإحسان والدقة ينفيان كون هذه المخلوقات عبثاً.
وقال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَّهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾؛ فكل شيء في هذا الكون خاضع لنظام في تسييره، وتقدير سيره.
وقال سبحانه: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾؛ فدلت الآية على خضوع هذه المكونات لنواميس المكوّن الذي خلقها.
وهذا القانون ﴿ارتباط الأسباب بمسبباتها﴾ يشمل: الظواهر الكونية -على تنوعها-، وسلوك الأفراد، حياة الأمم ﴿قيامها وسقوطها﴾، قال تعالى: ﴿سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾
كما أن فهم هذه السنة، وغيرها من سنن الله الكونية- يظهر واضحاً في قصص القرآن؛ حينما يقول الباري: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِّأُوْلِي الأَلْبَابِ﴾، وفي قوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَانْظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذَّبِينَ﴾.
23 ـ الله خالق الأسباب والمسببات
الأسباب والمسببات كلها من خلق الله، وهو الذي جعل للأشياء خاصية التأثير، فارتباط النتائج بأسبابها إنما هو بتقدير الله وسنّته.
24 ـ المسببات تكون بالأسباب لا عندها
المسببات تحدث بأسبابها لا بمجرد اقترانها بها: فالإحراق يكون بالنار، والشبع بالأكل، والنبات بالبذر، والولد بسبب التناسل. وكذلك في المعاني: الإيمان والعمل الصالح سبب للسعادة، والاستغفار سبب للمغفرة، والظلم سبب للهلاك؛ فالله أودع في الأسباب قوى تُنتج مسبباتها وفق سننه الثابتة.
25 ـ الرد على من لا يعتبر الأسباب:
إنكار الأسباب أو إلغاء أثرها يُعبّر عن شيء واحد، وهو: نقص في العقل وطعن في الشرع؛ لأن القرآن أثبت ارتباط النتائج بأسبابها، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فجعل سبحانه المطر سبباً لإحياء الأرض وخروج النبات -وهذا مثال على الأسباب المادية-، وكما قال تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾؛ فجعل سبحانه طرق سبل الهداية سبباً لحصولها للعبد -وهذا مثال آخر على الأسبابا لمعنوية-. وعلى كُلٍّ فالأسباب حقيقية مؤثرة بإذن الله، ويشهد لذلك الحس والعقل، وكذلك الشرع في المُقدّمة.
في الحديث: ﴿لن يدخل أحدكم الجنة بعمله﴾، وهذا الحديث لا ينفي السببية، بل ينفي أن يكون العمل ثمناً مستقلاً لدخول الجنة. أما قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾؛ فـ﴿الباء﴾ للسببية، أي بسبب أعمالكم، مع اعتقاد أن الركيزة الأساسية في نيل ذلك هو رحمة الله وفضله.
26 ـ شروط الأسباب وانتفاء الموانع
لا ينتج السبب أثره ونتيجته إلا بـتوافر أمرين، هما: تحقق الشروط، وانتفاء الموانع.
ومثال ذلك: الأكل، فهو سبب للشبع بشرط سلامة الجسد، والزرع سبب للإنبات بشرط صلاح الأرض والبذر وانتفاء الآفات. ولذلك يقول العلماء: لا بد من اجتماع الأسباب والشروط وزوال الموانع حتى تتحقق النتائج.
27 ـ الأسباب والقضاء والقدر:
في الشرع: لا يجوز ترك الأسباب بحجة القدر؛ بل يجب العمل مع الإتقان. قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿اعملوا فكل ميسّر لما خلق له﴾، ثم قرأ:
﴿فَأَمَّا مَن أَعْطَى وَاتَّقَى {5} وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى {6} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى {7} وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى {8} وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى {9} فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾؛ فالقدر يجري من خلال الأسباب لا بإلغائها.
28 ـ الأسباب والتوكل:
ومن يدعو إلى ترط الأسباب بدعوى التوكل والاعتماد على الله؛ فهذا الشخص مخطئ وجاهل بسنة الله؛ فالله -سبحانه -جعل لكل شيء سبباً، فمن ترك الأسباب خالف الشرع، وأبطل الحكمة.
29 ـ تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل:
نعم؛ إن الأخذ بالأسباب جزء عظيم من التوكل، فهو لا ينافيه ولا يضاده، بل يتممه ويكمّله.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ﴿لو أنكم كنتم توكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح بطاناً﴾.
وقال في حديث آخر -لمن سأله أيعقل نقاته ام يتركها تسرح، في أيهما التوكل: ﴿اعقلها وتوكل﴾
وقال عليه الصلاة والسلام: ﴿احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز﴾
فالتوكل: عمل قلبي عظيم، وعبادة معنوية كريمة، لكن لا بُد معها من مباشرة الأسباب، وإلا كان تواكلاً مذموماً.
30 ـ الجمع بين الاعتماد والأسباب:
وإذا أردنا أن نعرف حقيقة التوكل؛ فهو يتمثل في ركنين وركيزتين أساسيتين، هما:
اعتماد القلب على الله
مع عمل الجوارح بالأسباب
كالفلاح يزرع ويعتمد على الله في الإنبات ونضج الثمار، وكالمجاهد يأخذ بالأسباب مع توكله على الله في تحقيق النكاية والظفر، فلا يُترك السبب فيتكاسل، ولا يُعتمد عليه استقلالًا فيهلك.
31 ـ علاقة سنّة الأسباب ببقية السنن:
سنّة الأسباب هي الأصل الذي تقوم عليه بقية سنن الله؛ فجميع السنن الأخرى ترجع إليها بشكل مباشرة أو بشكل غير مباشر، وإنما فُصّلت تلك السنن، وانبثقت عنه؛ لبيان معانيها الخاصة، ولمزيد العناية بها. ذلك أن الأسباب سنة إلهية ثابتة: لا يجوز إنكارها، ول يجوزا تركها بحجة القدر أو التوكل، بل يجب فيها الجمع بين الأخذ بالأسباب والاعتماد على الله تعالى في تحقيق المراد.
وبذلك يتحقق الفهم الصحيح لسنن الله في الكون والحياة.
الفصل الثاني: سنّة الله في اتباع هداه والإعراض عنه [ قانون الهدى والضلال ]
32 ـ هدى الله هو الهدى:
لا شك أن هدى الله -سبحانه -هو الهدى الكامل، وهو الهدى الحق الذي لا هدى سواه، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾؛ أي: الطريق الأقوم لمن يريد النجاة والفلاح والفوز؛ لأنه الدين المستقيم الشامل.
33 ـ هدى الله هو الإسلام:
فالهدى الذي أُرسل به النبي صلى الله عليه وسلم هو الإسلام، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ﴾، أي: الصواب الذي لا يصح غيره، وما عداه أهواء تُضلُّ ولا تهدي.
34 ـ من يترك الهدى يُترك:
أما من أعرض عن الإسلام بعد معرفته بصحته وصدقه، فإن الله تعالى يتركه لما اختار من ضلال، ليلقى جزاءه في النار مذموماً مخذولاً، قال تعالى: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ... نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ﴾
وقال تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾
35 ـ التهديد باتباع غير الهدى:
وإذ لم يتبع الغنسان هدى الله ودينه وشرعه، كان متبعاً لهواه، فإن سار تبعاً لهواه بعد علمه بالحق وتبيُّنه من صدقه؛ أوجب ذلك له الحرمان من ولاية الله ونصره، قال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم ... مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾..
وقال جل شأنه: ﴿إِنَّكَ إِذًا مِّنَ الظَّالِمِينَ﴾، وفي هذا تحذير شديد من مجاراة الباطل.
36 ـ لا خوف ولا حزن على المهتدين:
وإن من اتبع هدى الله تعالى؛ نجا في الدنيا والآخرة، ولم يخف ما هو مُقبل عليه فيما يأتي من أمر دنياه وآخرته، ولا يحزن على ما فاته من دنياه، قال تعالى: ﴿فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾؛ لما يُعاينون من رحمة الله وفضله في الآخرة.
37 ـ طيب العيش للمهتدي:
وهذ بالفعل ما يحدث لمن اختار دين الله وشرعه، واتبع هدى الله في كتابه، ذلك أن اختيار الهداية سبب للسعادة والطمأنينة، ويشمل هذا كتاب الله تعالى، وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
38 ـ سنّة الله في متبع الهدى:
وإذا نظرنا ما يناله المهتدي من ثواب وخير، رأينا من ذلك عجباً؛ فمن ذلك أنه:
لا يضل في الدنيا. ولا يشقى في الآخرة، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى﴾
وقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا ... فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾؛ فحياته طيبة مطمئنة، ولو ضاقت عليه الدنيا ظاهراً.
39 ـ سنّة الله في المعرض عن الهدى:
أما سنة الله تعالى فيمن يُعرض عن الهدى؛ فهو أن: يضيق عيشه في الدنيا، ويعذب في الآخرة، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا ... وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾، وذلك جزاء إعراضه عن الحق.
40 ـ تسليط الشيطان على المعرض:
ومن عاجل العقوبات التي تنزل بالمعرض عن الهداية: أن يُسلَّط الله عليه شيطاناً يضله، كما قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾؛ فيظن نفسه مهتدياً وهو ضال، كما قال تعالى: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ﴾
وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ...﴾
الفصل الثالث: سنّة الله في التدافع بين الحق والباطل [ قانون التدافع ]
41- الحق:
يمكن تعرف الحق بأنه ما ثبت وصحّ ووجب شرعاً من اعتقاد أو قول أو عمل.
42- الباطل:
كما يمكن تعريف الباطل بأنه ما لا ثبات له ولا اعتبار، ويجب تركه وإزالته.
43- التدافع:
أما التدفع؛ فهو إزالة أحد الطرفين للآخر بالقوة؛ وهو في الحقيقة صراع بين أصحاب الحق ﴿المؤمنين﴾ وأصحاب الباطل ﴿المشركين﴾.
44- طبيعة التدافع وحتميته
إن التدافع بين الحق والباطل سنة إلهية حتمية؛ لأنهما ضدان، والضدان لا يجتمعان. كما أن كل فريق يسعى للغلبة وإقصاء الآخر، ولا يستقر حال ولا منزل إلا بترجيح أحدهما على الآخر. وقد يضعف التدافع إذا ضعف وعي الناس أو تلاشت معاني الحق والباطل في نفوسهم، لذلك لا بُد من إحياء هذا الأمر في نفوس الناس، وإبقاء جذوته مشتعلة.
45- قوة الباطل وضرورة قوة الحق
الباطل بطبيعته مُعتدٍ، ذلك أنه يسعى لطمس الحق باستخدام المال والقوة والقتال. ولذلك لا بد للحق من قوة تحميه وتمكّن أهله من دفع الباطل، وقد أمر الله بإعداد القوة والجهاد لتحقيق ذلك.
46- سنّة الله في الغلبة:
القاعدة العامة في الغلبة أن: العاقبة للحق وأهله، وأما الباطل؛ فهو إلى زوال مهما قويت شكيمته، واشتدت شوكته.
47-يمحو الله الباطل ويُحق الحق:
فالله سبحانه يمحو الباطل بآياته وشرعه ويثبت الحق بحججه وجنده، ولا يصلح عمل المفسدين ولا يديمه.
48- نصر المؤمنين
إن نصر الله للمؤمنين سنة ثابتة لا تتخلف، دلّت عليها نصوص كثيرة من الكتاب والسنة. وقد يتأخر النصر لحِكم، منها: إعداد الأمة، وتحقيق نصر أعظم وأدوم. كما قد يسبق النصر ابتلاء وأذى ومداولة بين الفريقين، لكن العاقبة بالتأكيد للمؤمنين.
49- مداولة الأيام بين الناس:
الأيام دول، والحرب سجال، والغلبة قد تتناوب بين الحق والباطل مؤقتاً، لكن هذا مرتبط بالأسباب ﴿كالقوة والثبات﴾. لكن المداولة لا تنقض القاعدة: بان الغلبة للمؤمنين، لأن النتيجة النهائية محسومة للحق بوعد الله تبارك وتعالى.
50- عوامل النصر ومعوقاته
ولعل أعظم عامل للنصر: الإيمان وما يتبعه من صفات وعمل.
51- مناسبة معية الله لقوة الإيمان وصدقه:
فمعيته سبحانه ونصره لأوليائه المؤمنين تتناسب مع قوة إيمانهم، وصدقهم في نصرتهم للدين ودفاعهم عنه.
52-ضعف المسلمين لا يعني تخلي الله عنهم:
فضعف المسلمين اليوم لا ينقض سنة الله في نصرة عبده الموحدين، بل يدل على نقص في تحقيق الإيمان وشروطه، لذلك كلما أغرق المسلمون في ذوبهم، كان لنصر بعيداً عنهم.
53 ـ الإيمان وعوامل النصر المادية
الإيمان لا يغني عن الأخذ بالأسباب المادية، ولذلك أمر الله بإعداد القوة: ﴿وَأَعِدّوا لَهُم مّا استطعتم من قوة﴾.
54-اعتبار القوة المادية في المعارك:
وبيّن أن لقوة الإيمان حدًا، فجعل النسبة أولًا أن يثبت الواحد أمام العشرة، ثم خففها إلى أن يثبت الواحد أمام اثنين. قال تعالى: ﴿إِن يَكُن مّنكُم عِشرون صابرون يغلبوا مائتين… الآن خفف الله عنكم…﴾. فدلّ ذلك على اعتبار القوة المادية وعدم إغفالها.
55ـ للقوة المادية تأثيرها في النفوس
للقوة أثر نفسي بليغ في الأقدام والإحجام، وقد ظهر ذلك في بدر، قال تعالى: ﴿إِذ يُريكهم الله في منامك قليلاً… ولو أراكهم كثيرًا لفشلتم﴾، وقال جل شأنه: ﴿وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً…﴾. فإدراك القوة أو ضعفها يؤثر في الثبات كما له تأثيره في النتائج.
56ـ ثانياً: من عوامل النصر تقوى الله:
فالتقوى سبب للمدد الإلهي، والعون الرباني، قال تعالى: ﴿بلى إن تصبروا وتتقوا… يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة﴾. فالنصر مرتبط بالصبر والتقوى.
57ـ وصية عمر بن الخطاب لجنده بتقوى الله:
وكان عمر رضي الله عنه إذا جهّز جيشاً سار معه واوصى من فيه بتقوى الله عز وجل، وكان يُبيّن لهم أن ذنوب المسلمين أخطر عليهم من عدوهم، وأن النصر يكون بطاعة الله لا بمجرد القوة.
58ـ ثالثاً: من عوامل النصر نصرة الدين:
قال تعالى: ﴿إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم﴾، وقال سبحانه: ﴿ولينصرن الله من ينصره﴾.
ونصرة الدين إنما تكون بالالتزام بالإسلام وشعائره ومبادئه والعمل على نشره وبثّه بين الناس.
59- التنظيم الجماعي لنصرة الدين:
وأكمل ما تكون نصرة الدين بالجماعة، وذلك عدّها العلماء ضرورة لإقامة الشريعة وحفظ الدين، قال تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير…﴾، وقال سبحانه: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾.
فالعمل الجماعي المنظم أقوى أثرًا من العمل الفردي، وقد يبلغ حد الوجوب عند شدة الباطل.
60ـ رابعاً: من عوامل النصر الجهاد وإعداد القوة:
ولا شك أن الجهاد هو طريق النصر إذا أحسن المسلمون الإعداد له، قال تعالى: ﴿كُتب عليكم القتال وهو كره لكم…﴾. بينما تركه يؤدي إلى الذل وغلبة الأعداء، كما ورد في كثيرٍ من الأحاديث
61- ترك الجهاد مدعاة إلى العذاب:
قال تعالى: ﴿إلا تنفروا يعذبكم عذابًا أليمًا ويستبدل قومًا غيركم﴾. فترك الجهاد يجلب عذاب الدنيا ﴿الذل والغلبة﴾ وعذاب الآخرة.
62- النصر منظومة متكاملة:
فلا بُد من اجتماع كل مقومات النصر وأسبابه، من الإيمان والتقوى، ونصرة الدين، والعمل الجماعي، بالإضافة إلى الإعداد المادي والجهاد الفعلي. مع التأكيد أن إهمال الأسباب المادية أو الشرعية معًا يخلّ بتحقيق النصر.
63ـ ما يقال للقاعد أو للمتكاسل عن الجهاد:
يُذكَّر المتثاقل عن الجهاد بآيات القرآن التي توبّخه على إيثار الدنيا على الآخرة، ومنها قوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُم بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الآخِرَةِ﴾، لبيان أن متاع الدنيا قليل زائل، في مقابل نعيم الآخرة الباقي الذي يُنال بالجهاد. ويُستحضر في ذلك تشبيه النبي ﷺ للدنيا بالنسبة للآخرة كقطرة من ماء البحر.
كما يُذكَّر بفضل الجهاد والمجاهدين، وأن الشهيد يتمنى الرجوع للدنيا ليُقتل مراراً لما يرى من الكرامة، وأن أعظم الأعمال بعد الفرائض هو الجهاد كما قرره العلماء، وأن الرباط في سبيل الله من أعظم القربات لأنه حماية لدين الإسلام وثغوره.
64ـ إعداد القوة للجهاد:
لا يكفي مجرد نية الجهاد، بل لا بد من إعداد القوة كما أمر الله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ﴾، وهي تشمل كل وسائل الإعداد في الحرب، وليس السلاح وحده، بل كل ما يحقق التفوق على العدو ويرهبه.
65-تنوّع وسائل القوة في الإعداد:
وتشمل القوة التي يُطلب إعدادها: العُدة العسكرية، التدريب، التربية الإيمانية، القيادة، الاقتصاد، العلم، والصناعة. ويُعد هذا الإعداد واجباً شرعياً؛ لأن الأمر يفيد الوجوب، والأمة مطالبة به عبر وليّ أمرها، فإن قصّر وجب على الأمة مطالبته به.
66 ـ معنى القوة وما تتحقق به:
القوة في القرآن ليست محصورة في السلاح، بل هي القدرة على تنفيذ الإرادة. فهي تشمل كل ما يحقق التفوق والسيطرة والدفاع، من إعداد الجند، وتدريبهم، وبناء الروح الإيمانية، وتوفير القيادة والاقتصاد والعلم.
67- إعداد النفس ركيزةٌ أساسية:
والثابت في الإعداد هو الإيمان، لأنه الأساس الذي تتغير الوسائل من حوله بتغير الزمان والمكان، بينما يبقى إعداد النفس الإيمانية ركيزة دائمة لا تتبدل.
68 ـ إعداد القوة من فروض الإسلام:
إعداد القوة واجب شرعي للأمة، لأنه أمر قرآني صريح، والأصل في الأمر الوجوب. وتمثيل الأمة في ذلك يقع على وليّ الأمر، بوصفه نائباً عنها في تنفيذ الأحكام العامة. ويترتب على ذلك: وجوب المحاسبة عند التقصير، واعتبار بعض العلوم والصناعات من فروض الكفايات؛ لأنها من وسائل تحقيق هذا الواجب.
69- إعداد الجند المدرب:
من أهم صور القوة إعداد الجنود إعداداً إيمانياً ومادياً؛ إيمانياً على العقيدة والجهاد، ومادياً على السلاح وفنون القتال والتدريب المستمر. كما تشمل التمارين العسكرية الدورية، حتى لا تضعف الجاهزية. ويستأنس لذلك بحديث النبي ﷺ في ذم من يترك الرمي بعد تعلمه، مما يدل على أهمية الاستمرار في التدريب العسكري.
70ـ يجب أن تكون قوة المسلمين مرهبة للعدو:
الهدف من القوة أن تكون مرهبة للعدو بحيث تمنعه من الاعتداء. فلا يكفي الاعتقاد بالحق دون قوة تحميه. والمطلوب أن تكون قوة المسلمين متفوقة بحيث تُسقط في نفس العدو فكرة الهجوم، وتحقق الردع الكامل، لأن غياب الردع يفتح باب الاعتداء.
71ـ من عوامل النصر: الصبر والمصابرة والمرابطة:
وقد أمر الله -سبحانه -بالصبر على القتال، ومصابرة العدو، والمرابطة في الثغور، أي الاستعداد الدائم لحماية البلاد. ويدخل في ذلك: امتلاك كل الوسائل العسكرية الحديثة. كما أن تقوى الله شرط ملازم لهذه الأعمال، فهي أسباب للنصر في الدنيا والفلاح في الآخرة.
72 ـ ما يعين على الصبر ومصابرة الأعداء:
من وسائل تقوية الصبر تذكّر أن الألم مشترك بين الطرفين، وأن المؤمنين أولى بالصبر لما عندهم من رجاء الثواب من الله تعالى. كما يستحضر المسلم أن العدو يتحمل الألم دون إيمان، بينما المؤمن يرجو ثواب الله، مما يجعله أحق بالثبات وعدم الضعف.
73 ـ من عوامل النصر: ذكر الله:
لا شك أن ذكر الله كثيراً عند مواجهة العدو من أعظم أسباب النصر، لأنه يثبت القلب ويقوي الثقة بالله عز وجل. ويشمل الذكر استحضار القدرة الإلهية، ووعد النصر، ومعية الله للمؤمنين، مما يمنع الرهبة من العدو ويغرس الطمأنينة ويُعين على الثبات.
74 ـ من عوامل النصر: الأخذ بالحذر:
الحذر من العدو واجب شرعي، وقد بين الله تعالى ضرورة اتخاذه حتى في الصلاة حال القتال، مما يدل على أهمة هذا الأمر البالغة. ويشمل ذلك: التيقظ الدائم لتحركات العدو، وحماية النفس من مواطن الغدر والغيلة، وحماية السلاح أن يصل إلى يد العدو، لأن الغفلة سبب لهجوم العدو وانكسار المسلمين.
75 ـ القادة المسلمون يأمرون بالحذر:
وقد طبّق القادة المسلمون هذا المعنى عملياً، فأمروا جنودهم بالصبر والذكر والأخذ بالأسباب، التي منها أخذ الحيطة والحذر. وجاء ذلك في وصايا القادة في المعارك التي جمعت بين التوجيه الروحي والانضباط العسكري، مما يعكس فهمهم العميق لسنن النصر والصبر والثبات.
76 ـ عوائق النصر:
لا شك أن هناك موانع تحول دون تحقق النصر، على الرغم من توفر أسبابه، ولعل من أبرز هذه الموانع: التنازع، والاختلاف، والغرور، والرياء، والمعاصي عموماً.
77 ـ التنازع والاختلاف:
التنازع يؤدي إلى الفشل وذهاب القوة والدولة، لأنه يضعف الصف ويهدم وحدة القرار، بينما الوحدة والتآلف سبب أساس في الثبات والنصر بإذنه تعالى.
78 ـ الغرور والرياء:
ومن أخطر موانع النصر: الخروج للقتال بدافع الفخر أو الرياء، لأن الله لا ينصر إلا من أخلص له القصد وابتغى وجهه سبحانه. فالعمل إذا شابه الرياء والبطر فقد روحه وتأثيره، وصار سبباً في الحرمان من النصر بدل أن يكون طريقاً إليه.
79ـ وما النصر إلا من عند الله :
سنة الله في نصر المؤمنين ماضية، لكنها تتحقق بأسبابها مع انتفاء موانعها، ومع ذلك يجب أن يبقى قلب المؤمن معتمداً على الله لا على الأسباب. فالمسلم مأمور بالأخذ بالأسباب مع التوكل الكامل على الله جل شأنه. وقد بيّن الله ذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾، وقوله جل شأنه: ﴿وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ إِلاَّ بُشْرَى لكم وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي: أن الإمداد بالملائكة إنما كان بشارة وطمأنينة لكم، أما النصر الحقيقي؛ فهو من عند الله وحده، فهو الفاعل والمقدّر للأسباب كلها.
80 ـ نصر الجماعة المسلمة :
الجماعة المسلمة -وهي تقوم بالدعوة وامتثال شرع الله -تخضع لسنة التدافع بين الحق والباطل، وتواجه التكذيب والأذى كما واجهت الرسل ذلك أثناء دعوتها. قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِّن قَبْلِكَ فَصَبَرُواْ عَلَى مَا كُذِّبُواْ وَأُوذُواْ حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلاَ مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ﴾، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأَشْهَادُ﴾، فالنصر وعد إلهي ثابت، لكنه مشروط بتحقيق الإيمان وأسباب النصر والصبر على الابتلاء.
81 ـ ما يلزم الجماعة المسلمة من القوة :
على الجماعة المسلمة أن تسعى إلى تقوية صفها حتى تفوق قوة خصومها، ويكون ذلك بنشر الوعي الإسلامي، وتعميق الإيمان، وجذب الصادقين إلى صفها. فكلما اتسع الوعي الإيماني وكثر الأنصار الصادقين، ازدادت القوة واقترب النصر.
82 ـ على الجماعة المسلمة تجنب النزاع والاختلاف:
من أهم أسباب الفشل التنازع والاختلاف داخل الجماعة، ويُمكن معالجة ذلك: بإخلاص النية، ومراقبة الله، ووضع نظام واضح للعلاقة بين القيادة والأفراد. فإن كانت الطاعة للأمير في حدود الشرع: وجب السمع والطاعة، وإن كان القرار للشورى التزم به الجميع. وبذلك تتحقق الوحدة والانضباط. حتى لو وقع خطأ في العمل المنظم، فهو أقل ضرراً من الصواب مع التفرق، لأن الشريعة تقرر: دفع أعظم المفسدتين بارتكاب أخفهما.
83 ـ على الجماعة المسلمة تجنب الرياء والشبهات :
ويجب على الجماعة أن تخلص عملها لله، فلا تطلب ثناء الناس، ولا تعمل لأجل رضاهم، لأن الرياء يذهب ببركة العمل. لكن في الوقت نفسه لا تهمل كسب ثقة الناس، لأن ذلك مطلوب، مع الحذر من الوقوع في ما يُسقط الثقة أو يثير الشبهات. وقد دلّ القرآن على هذا الأصل في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾. أي: أن الله أبعد عن نبيه أسباب الشبهة حتى لا يجد المبطلون مدخلاً للطعن.
الفصل الرابع: سنّة الله في الفتنة والابتلاء [قانون الابتلاء ]
84 ـ معنى الفتنة:
الفتنة في اللغة تدور حول الاختبار والامتحان، وأصلها صهر الذهب بالنار لتمييز الجيد من الرديء. وتأتي بمعانٍ متعددة: الكفر، الإحراق، الإثم، القتل، الاختبار، الصرف عن الشيء، كما في قوله تعالى:
﴿وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، أي: يصرفونك، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾، أي: الشرك. ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يؤذوكم. وتطلق أيضاً على اضطراب الناس وشهوات الدنيا التي تصرف عن الآخرة.
85 ـ معنى الابتلاء :
الابتلاء هو الاختبار والامتحان، ويكون في الخير والشر معاً. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، أي: نختبركم بالمصائب كما نختبركم بالنعم، ليظهر الشاكر من الصابر.
86 ـ الخلاصة في معنى الفتنة والابتلاء :
المعنى الجامع لهما هو الاختبار في الشدة والرخاء، مع كون الابتلاء بالشدائد أظهر وأشد، لأنه يتطلب الصبر، بينما النعم تتطلب الشكر.
87 ـ من سنة الله الابتلاء بالشر والخير :
من سنن الله اختبار عباده بالمصائب والنعم، ليُميز الصابرين عن الشاكرين. قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾؛ فالشر: كالفقر والخوف والمرض، والخير كالغنى والصحة، وكلها امتحان. والصابرون يقولون: ﴿إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ﴾، ويجزون بالرحمة والهداية كما في خاتمة الآية.
88 ـ من أنواع الابتلاء بالشر:
من صور الابتلاء بالشر: الخوف، الجوع، نقص الأموال والأنفس والثمرات. قال تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾، فمن صبر واسترجع نال رحمة الله وهدايته.
89ـ امتحان الناس بزينة الدنيا:
قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾؛ فالزينة امتحان، ليظهر من يزهد فيها ويستعملها في طاعة الله. وأحسن العمل هو الزهد وعدم الاغترار بالدنيا.
90 ـ ابتلاء الناس بالتفاوت فيما بينهم :
من الابتلاء تفاوت الناس في الرزق والجاه والجمال والنسب والقوة.
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾؛ فالغني يُمتحن بشكره، والفقير بصبره، وصاحب السلطة بكيفية استعمالها.
91 ـ من سنّة الله في الابتلاء امتحان المؤمنين بالشدائد:
من سننه تعالى أن يمتحن المؤمنين بالشدائد قبل النصر.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُوا﴾، حتى بلغ بهم الأمر أن قال الرسول والذين آمنوا معه: ﴿مَتَى نَصْرُ اللّهِ﴾؛ فجاء الجواب: ﴿أَلا إِنَّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ﴾، فطريق الجنة محفوف بالابتلاءات والشدائد.
92 ـ امتحان المؤمنين بالجهاد:
ومن الابتلاء أيضاً امتحان المؤمنين بالجهاد، ليظهر الصادق من غيره.
قال تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللّهُ الَّذِينَ جَاهَدُواْ مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾، فلا دخول للجنة إلا بعد الامتحان بالجهاد والصبر والثبات.
93 ـ امتحان المؤمنين بأنواع الأذى:
سنة الله في المؤمنين أن يُبتلَوا في أموالهم وأنفسهم وبالأذى القولي من أعداء الدين، والصبر والتقوى من عزائم الأمور التي يُقابل بها هذا الابتلاء.
94 ـ أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل:
الأنبياء أشد الناس بلاءً، ثم الصالحون، فالأفضل فالأفضل، وكلما قوي الإيمان اشتد البلاء، حتى يُكفَّر الذنب وتُرفع الدرجات.
95 ـ شرح الحديثين:
الأمثل فالأمثل هم الأقرب للفضل، وكثرة البلاء سببها قوة الدين ورفعة المنزلة، وهو طريق لتطهير العبد من الذنوب ورفع درجته.
96 ـ سنة عامة في البلاء:
البلاء سنة عامة في المؤمنين، يشتد على الأنبياء ثم على من يليهم في الصلاح، بلا استثناء أو تخلف.
98 ـ تعليل هذه السنة:
الأنبياء يُبتلون لتتضاعف أجورهم، والصالحون لأنهم قائمون بالحق والجهاد، والبلاء يكفّر الذنوب ويرفع الدرجات ويظهر الصبر.
99 ـ ابتلاء الأمم الكافرة:
الله يبتلي الأمم الكافرة بالبأساء والضراء ثم بالرخاء لعلهم يرجعون، فإن لم يفعلوا أُخذوا فجأة بالعقوبة.
100 ـ من سنن الابتلاء للكفار:
الرسل يُكذَّبون فتُرسل الشدائد، ثم النعم اختبارًا، لكنهم لا يتضرعون فيستحقون العذاب.
101 ـ فتنة مدعي الإيمان:
لا يُترك المؤمنون دون اختبار، بل يُمتحنون لتمييز الصادق من الكاذب، كما امتحنت الأمم السابقة.
102 ـ فتنة النعمة:
النعمة نفسها امتحان؛ فقد يغتر الإنسان بها ويظن أنها بجهده، وهي اختبار للشكر أو الكفر.
103 ـ فتنة الأموال والأولاد:
المال والولد اختبار من الله، قد يشغلان عن الطاعة، والأجر عند الله أعظم منهما.
104 ـ الله وحده يمتحن عباده:
الله وحده يحدد نوع الابتلاء وزمانه ومكانه، ولا يجوز الاعتراض عليه أو طلب نوع معين منه.
105 ـ الاستعاذة من الفتن:
يجوز للمؤمن أن يسأل الله العافية ويتعوذ من الفتن، كما ورد في الأدعية النبوية من الفتن العامة والخاصة؛ لأنه لا يدري ما يعرض له.
106 ـ ابتلاء الجماعة المسلمة:
الجماعة المسلمة تُبتلى في دعوتها وأموالها وأفرادها، وعليها الصبر والتقوى في مواجهة الأذى، ومراعاة الضوابط الشرعية في ذلك.
107 ـ الابتلاء تمحيص وتمييز:
الابتلاء يميز الصادق من المنافق داخل الجماعة، ويظهر الخبيث من الطيب ولا يُعرف الغيب إلا بالامتحان، ويكون هذا الابتلاء في إطار الأمة الواحدة.
108 ـ حكمة ابتلاء الجماعة:
يُظهر الابتلاء حقيقة القوة ويكشف الضعف والنفاق، ويعرّف الأفراد أنفسهم بمدى صدقهم وثباتهم.
109 ـ ابتلاء الجماعة بفقد القادة:
موت القادة لا يعني توقف العمل، بل يستمر الجهاد والعمل؛ لأن المبادئ لا تموت، كما استمر الدين بعد وفاة النبي ﷺ، لكن على الجماعة أن تُطور وسائلها وآليات عملها حسب الوقت.
110 ـ الحذر من طلب المحن:
لا يجوز للجماعة أن تستعجل البلاء أو تطلبه، فذلك خلاف الحكمة الشرعية وقد يؤدي إلى الضرر العظيم، والبلاء الذي لا يُحتمل.
111 ـ جهل سنة الابتلاء:
الابتلاء لا يعني جلبه أو السعي إليه، بل يعني الصبر عند وقوعه مع اتخاذ أسباب الوقاية المشروعة، وهذا هو الهدي النبوي الكريم في ذلك.
112 ـ لا تمنوا لقاء العدو:
نهى النبي ﷺ عن تمني لقاء العدو، وطلب العافية أولى، لأن الإنسان لا يدري ما يترتب على المواجهة من المضار والهلكة وفتنة الناس.
113 ـ الحرب خدعة:
في مواجهة الأعداء يجب الحذر والتخطيط وعدم التهور، لأن الحرب تقوم على التدبير لا المواجهة العمياء، الذي تنشب بلا مقدمات ولا إعداد جيد على جميع الأصعدة.
114 ـ خلاصة التعامل مع العدو:
لا استعجال للمحن والحروب والفتن، ويجب استخدام الحكمة والوسائل المشروعة في الدعوة والعمل والجهاد دون تعريض النفس للهلاك بالمجان.
115 ـ خطر الرياء في العمل:
الرياء من أخطر الآفات التي تعرض للمرء، وقد يؤدي لصاحب العمل إلى الهلاك رغم ظاهره الجهادي أو الديني.
116 ـ افتضاح المرائي:
من يعمل ليراه الناس يفضحه الله يوم القيامة، ويصبح عمله سببًا في العقوبة بدلاً من كونه سبباً في الثواب.
117 ـ خطر الرياء على الجماعة:
قد يؤدي الرياء إلى تعريض الجماعة للهلاك والضعف وفقدان الثقة بها وتشتت أعضائها، سيما إن صاحبه الفخر والخيلاء المذموم.
118 ـ العمل المقبول هو الخالص لله:
العمل المقبول هو ما كان خالصًا لله تعالى، لإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته، لا لطلب السمعة، وهو معيار الجهاد الحقيقي في سبيل الله.
119 ـ لا ينبغي للمسلم أن يذل نفسه:
جاءت الشريعة لتُقرر أن تعريض الجماعة نفسها للمحن طلباً للسمعة أو الرياء مذموم شرعاً؛ لأنه إذلال لها بيد أعدائها. وفي الحديث: (لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه. قالوا: كيف يذل نفسه؟ قال: يتعرض من البلاء لما لا يطيق)، فإذا نُهي عمن يظن قدرته على البلاء، فكيف بمن يتعمده للرياء وهو يعلم عجزه، بل وتقصيره؟!
120 ـ التصور الخاطئ للجماعة وجلب المحن:
قد تظن الجماعة أن نيل ثقة الناس لا يكون إلا بالتعرض للأذى، فتسعى لتقديم أعضائها للمحن ظناً أن ذلك “شهادة حسن سلوك”. وهذا خطأ؛ لأن رضا الناس لا يكون إلا برضا الله، ويكون ذلك بإخلاص العمل وموافقته للشرع، لا بالتعرض للبلاء.
121 ـ اعتراض ودفعه:
ليس المقصود من ترك التعرض للبلاء والمحن ترك العمل أو الجهاد، بل المقصود أمران: الأول: تعمد استجلاب المحن وطلبها. والثاني: بناء العمل على تصورات خاطئة تجلب تلك المحن.
والضابط: أن الجماعة تزن أعمالها بالشرع: فإن أذن الشرع تقدمت؛ وإن منع امتنعت.
ومن قواعد الشريعة الغرّاء: “فاتقوا الله ما استطعتم”، ودرء المفاسد أولى من جلب المصالح، وترك قتال العدو قبل الاستعداد يعني الإلقاء بالأنفس إلى التهلكة.
122 ـ تذكير أخير للجماعة المسلمة:
ليس المطلوب تعريض النفس للهلاك، بل العمل وفق الشرع دون تسليم النفس للعدو اختياراً. فالمطلوب: العمل لا التهلكة. وعدم اختيار أسلوب يوقع الضرر مع وجود البديل الشرعي.
الفصل الخامس: سنّة الله في الظلم والظالمين
122 ـ تعريف الظلم لغويًا:
هو وضع الشيء في غير موضعه، ومجاوزة الحد. ويطلق على الجور ونقص الحق أو زيادته.
123 ـ المعنى الشرعي للظلم:
هو وضع الشيء في غير موضعه الشرعي، أي مخالفة حكم الله تعالى.
124 ـ الظلم ضد العدل:
العدل هو الاستقامة والحكم بالحق، وضده الجور والهوى.
125 ـ التعريف المختار للعدل:
هو: وضع الشيء في موضعه الشرعي، وإعطاء كل ذي حق حقه.
126 ـ تحريم الظلم مطلقاً:
الظلم محرم على كل أحد وفي كل شيء، حتى مع الكافر. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾
وقال ابن تيمية: “العدل واجب في كل شيء والظلم محرم على كل أحد”.
127 ـ توبة الظالم وحقوق العباد:
توبة الظلم تسقط حق الله تعالى، لكن حقوق الناس لا تسقط إلا بردّها أو التعويض عنها، وإلا بقي الحق يوم القيامة.
128 ـ عقوبة الظالم في الدنيا:
قد يعجل الله العقوبة للظالم في الدنيا، وفي ذلك جاء قوله صلى الله عليه وسلم: (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مثل البغي وقطيعة الرحم)، ودعوة المظلوم مستجابة: (ليس بينها وبين الله حجاب).
129 ـ استدراك:
ليس كل ظالم يعجل له العقاب؛ فقد يُمهل لحِكمة: كالتوبة، أو الاستدراج، أو كون الظلم مقابل ظلم سابق، لكن يبقى الأصل أن الظلم سبب للعقوبة.
130 ـ تسليط ظالم على الظالمين:
من سنن الله تعالى في خلقه: أن يُسلط ظالماً على آخر، كما قال تعالى: ﴿وكذلك نولي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون﴾، أي: يُسلط الظالم على الظالم عقوبة لهم.
131 ـ لا يفلح الظالمون:
سنة الله أن الظالمين لا يفلحون في الدنيا ولا الآخرة، قال تعالى: ﴿إنه لا يفلح الظالمون﴾، وأما الفلاح فهو لأهل الإيمان والعدل.
132 ـ هلاك الأمم بالظلم:
الأمم تهلك بسبب ظلم الأفراد أو الحكام، قال تعالى: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة﴾؛ فالظلم سبب مباشر للانهيار الحضاري.
133 ـ أجل الأمم الظالمة:
لكل أمة أجل محدد، وهلاكها يقع عند حلول هذا الأجل دون تقدم أو تأخر كما أخبر عن ذلك ربنا في كتابه الكريم.
134 ـ سنة مطردة في الهلاك:
كل أمة ظالمة تهلك، قال تعالى: ﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد﴾.
135 ـ تبقى الدولة مع الكفر ولا مع الظلم:
قد تبقى الدولة الكافرة إذا كان فيها عدل، لكنها لا تبقى مع الظلم، لأن الظلم سبب الهلاك كما تقدم.
136 ـ قول ابن تيمية:
يقول ابن تيمية -رحمه الله: “إن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة”، فالعدل سبب بقاء الدول.
137 ـ من الظلم المهلك المحاباة في القانون:
تطبيق القانون بالمحاباة من أعظم أسباب الهلاك؛ لأن ترك العدل يؤدي إلى فساد الدولة، وانتشار الظلم والفسق، ودليل ذلك حديث المرأة المخزومية: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)، وفي الحديث: وجوب المساواة في تطبيق الشرع دون محاباة.
138ـ الخلاف بين الجماعات المسلمة والوقاية منه:
وقد يقع الخلاف بين الجماعات الإسلامية العاملة في ميدان الدعوة والإصلاح، وهو من أخطر أنواع الخلاف؛ لأنه لا يقتصر أثره على الأفراد، بل يمتد إلى صورة الإسلام في المجتمع، وإلى ثقة الناس بالدعوة نفسها، وإلى قوة العمل الإسلامي ووحدته.
ومصدر هذا الخلاف في الغالب أحد أمرين: إما اختلاف في الاجتهاد في الوسائل والأساليب، أو دخول حظوظ النفس من التعصب والانتصار للذات أو للجماعة. والأول سائغ إذا ضُبط بضوابط الشرع، أما الثاني فهو المذموم الذي يُفضي إلى التنازع والتدابر.
الفصل السادس: سنّة الله في الاختلاف والمختلفين [قانون الاختلاف]
139ـ طبيعة الخلاف السائغ بين الجماعات :
ينبغي أن يُعلم أن تعدد الاجتهادات في الوسائل الدعوية، أو في تقدير المصالح والمفاسد، لا يوجب التبديع ولا التفسيق ولا إسقاط الآخر، ما دام الجميع متفقين على الأصول والثوابت الشرعية. فإن هذا من باب التنوع المشروع لا التضاد المذموم. وقد تقرر عند أهل العلم أن اختلاف التنوع رحمة وسعة، بخلاف اختلاف التضاد فإنه فتنة وبلاء إذا أفضى إلى التنازع والتقاطع.
140ـ سبل الوقاية من الخلاف بين الجماعات :
وتتحقق الوقاية من هذا الخلاف بجملة من الأصول، أهمها:
أولاً: ردّ المسائل المختلف فيها إلى الكتاب والسنة عند التنازع، مع تجريد القصد لله تعالى.
ثانياً: ترك التعصب للأسماء والكيانات، وتقديم الحق على الانتماء.
ثالثاً: اعتماد أدب الحوار الشرعي القائم على الإنصاف، لا على المغالبة والخصومة.
رابعاً: معرفة أن وحدة الصف من مقاصد الشريعة الكبرى، وأن تفريقه من أعظم أبواب الفساد.
141ـ خطورة التحزب المذموم:
ومتى تحول العمل الدعوي إلى تحزب جامد يجعل كل جماعة ترى نفسها هي الحق المطلق، وغيرها هو الباطل المطلق، وقع الفساد في التصور والمنهج والعمل. لأن الحق لا يُحتكر في الأشخاص ولا في التنظيمات، وإنما يُعرف بالدليل والبرهان. ولهذا كان السلف رحمهم الله يحذرون من العصبية للأشخاص والآراء، ويجعلون معيار القبول هو موافقة الدليل الشرعي، لا مجرد الانتساب.
142ـ الخلاف داخل الجماعة الواحدة :
وقد يقع الخلاف داخل الجماعة الواحدة، وهو أشد وقعاً إذا لم يُضبط بضوابط الشرع والتنظيم، لأنه يهدد بنيانها من الداخل، ويضعف قدرتها على أداء رسالتها. والأصل في هذا أن الخلاف في الفروع التنظيمية أو الاجتهادية ينبغي أن يُدار بروح الشورى والرحمة، لا بروح الإقصاء والاتهام، وأن تُحفظ وحدة الجماعة ولو مع وجود تباين في وجهات النظر.
143ـ آداب معالجة الخلاف الداخلي:
ومن أهم الآداب في معالجة الخلاف الداخلي:
أن يُقصد به وجه الله لا الانتصار للنفس، وأن يُرد إلى أهل العلم والرأي داخل الجماعة؟!! وأن يُمنع من التحول إلى نزاع شخصي أو خصومة مزمنة. كما يجب أن يُفرّق بين الخطأ الاجتهادي الذي يُعذر فيه المخطئ، وبين الانحراف المقصود الذي يُتعامل معه بضوابطه الشرعية.
144ـ خاتمة قانون الاختلاف :
وخلاصة هذا القانون أن الاختلاف سنة كونية لا ينفك عنها الناس، لكنه إذا انضبط بالوحي كان رحمة وسعة، وإذا خرج عن هدي الشرع صار فرقة وفتنة وهلاكاً. فالسعيد من وُفّق لجعل اختلافه في الفروع رحمة، واجتماعه على الأصول قوة، ونيته في ذلك طلب الحق لا الانتصار للنفس، وابتغاء مرضاة الله قبل كل شيء.
145- الخلاف بين المقلدين ومنكري التقليد:
يتسع الخلاف أحياناً بين المقلدين للمذاهب ومنكري التقليد، حتى يبلغ حدّ التبديع والتفسيق والتنازع بالألقاب، وهو خلافٌ ناشئ عن سوء الفهم لطبيعة الاجتهاد والتقليد، ومحلّ كلٍّ منهما في الشريعة.
146ـ الوقاية من هذا الخلاف:
الوقاية تكون بردّ الجميع إلى أصلٍ جامع، وهو أن المطلوب معرفة حكم الشرع من القرآن والسنة، أو ما دلّت عليه أصول الاستنباط. فمن قدر على الاجتهاد وجب عليه، ومن عجز وجب عليه السؤال، لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾؛ فالمقلد ليس متبعاً لهوى، بل آخذٌ بقول من يراه أقرب للصواب، كمن يتخذ دليلاً في السفر يوصلُه إلى مقصوده، فلا يذم على ذلك.
147ـ ادعاء الجاهل الاجتهاد :
لا يجوز للجاهل أن يتصدر للاجتهاد أو يفسر النصوص بلا أدوات العلم، لأن ذلك يؤدي إلى القول على الله بغير علم، وقد نهى الله عن ذلك. ومن أخطر صور ذلك: تفسير القرآن أو السنة بالهوى دون الرجوع لأهل العلم، أو بناء الأحكام على مجرد الفهم السطحي أو القياس غير المنضبط.
148ـ لا يجوز الطعن بأئمة المذاهب:
الطعن في أئمة الفقه كأبي حنيفة والشافعي وغيرهما جهلٌ وبغي، ومخالفة لرفع الله لأهل العلم، لقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقد ورد في الحديث: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين» رواه البخاري، فأهل المذاهب من أهل هذا الخير، والطعن فيهم طعن في العلم نفسه. والاحتجاج بأقوالهم كأقوال أئمة اللغة في العربية، يُقبل ويُرد بالدليل لا بالهوى.
149ـ نحترم أهل العلم ولا نعتقد فيهم العصمة:
أهل العلم يُجلّون ويُستفاد من علمهم، لكن لا عصمة لأحدٍ بعد رسول الله ﷺ. فإذا ظهر الدليل على خطأ قولهم، وجب تركه إلى الراجح، لأن الحق أحق أن يُتبع.
150ـ لا يترك الواجب لأجل المندوب:
الخلاف في المسائل الفرعية كرفع اليدين أو وضع اليدين في الصلاة لا يجوز أن يتحول إلى خصومة، لأنها من السنن لا من الأركان. والشرع يوجب الائتلاف، ويحرم التباغض لأجل المستحبات، إذ لا يجوز ترك الواجب "الوحدة" بسبب خلاف في مندوب. ويُحمل اختلاف الأئمة على عدم بلوغ السنة أو اجتهادهم في الترجيح.
151- الخلاف بين المتفقهة والمتصوفة:
ينشأ خلاف بين أهل الفقه وأهل التصوف؛ لأسباب منها: الفقهاء يركزون على الظاهر. بينما المتصوفة يركزون على الباطن. فيؤدي ذلك إلى الجفاء والتنازع المذموم.
152ـ الوقاية من هذا الخلاف:
يعالج هذا الخلاف بفهم التكامل، وأن كل فريق مكمل للآخر، وأن الميزان هو الشرع. قال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ قَوْلُ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فلا عصمة لطرف، وكلٌّ يُعرض على الشرع. والفقه مطلوب في الظاهر والباطن معاً، وكذلك التصوف الصحيح منضبط بالشرع، فلا تعارض بينهما إذا استقاما.
153ـ الخلاف بين الجماعات الإسلامية:
توجد جماعات تعمل للإسلام، وقد يقع بينها خلاف في الوسائل أو التنظيم أو الاجتهادات، مما قد يضعف أثر الدعوة في الناس، وتجعل نظرتهم مختلفة لتلك الجماعات.
154ـ توحيد هذه الجماعات :
الأصل أن تتوحد الجماعات الإسلامية على هدف واحد، لكن هذا غير متحقق غالباً، فتبقى الحاجة إلى تنظيم الاختلاف لا إلغائه.
155ـ ساحة العمل واسعة لمن يريده بإخلاص:
ساحة العمل للدين واسعة، ولا تضيق بتعدد العاملين. ومن علامات الإخلاص: الفرح بعمل الآخرين للدين، لا الحسد أو الضيق. ويكون التعدد كتعدد الصفوف في الصلاة، لا سبباً للعداوة.
156ـ الخلاف داخل الجماعة المسلمة:
العمل الجماعي أدق من الفردي، لأنه يحتاج إلى تنظيم وفقه وضبط، وحركته تشبه حركة الجيش في المعارك.
157ـ ضرر الخلاف في الجماعة:
الخلاف داخل الجماعة يؤدي إلى تعطيل العمل وتشتيت الجهود، وربما الانقسام وتكوين جماعات متنازعة، مما يفتح باب استغلال الأعداء.
158ـ وسائل الوقاية من الخلاف:
من أهم الوسائل: وجود قيادة واضحة، وشورى منظمة، وطاعة منضبطة، مما يقلل النزاع وأثره أو يمنعه ويتلافاه.
159ـ الأمير ضروري للجماعة:
وجود أمير للجماعة أصل شرعي، لقوله ﷺ: «إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم» رواه أبو داود، وهو ضروري منعاً للاختلاف.
160ـ الجماعة تختار أميرها:
اختيار الأمير يكون بالشورى، وهو نائب عن الجماعة، وطاعته واجبة -بعد اختياره -بطريقة صحيحة.
161ـ من تختاره الجماعة تجب طاعته:
طاعة الأمير واجبة في المعروف، لقوله ﷺ: «من أطاع الأمير فقد أطاعني» رواه البخاري، ولا يجوز الخروج عليه ما دام ملتزماً بالشرع.
162ـ نصب الأمير لمنع الخلاف:
من مقاصد الإمارة توحيد القرار ومنع التنازع، كما قرره العلماء في شرح الحديث، ولذلك كان نصب الأمير واجباً.
163ـ طاعة الأمير من طاعة الله تعالى:
طاعة الأمير الشرعي هي طاعة لله ورسوله ﷺ، لأنها امتداد لأمر الشرع الذي أمر بالجماعة والألفة.
164ـ لا يطاع الأمير في معصية الله:
لقوله ﷺ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق»، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
165ـ مفهوم المعصية:
المعصية هي ما دل الدليل على تحريمه بوضوح، أما المسائل الاجتهادية فلا تُعد معصية في الخلاف فيها.
166ـ الشورى تمنع الخلاف:
الشورى أصل قرآني عظيم، دل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَىٰ بَيْنَهُمْ﴾، وقد أمر الله نبيّه بمشاورة أصحابه: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، بينما تركها سبب للاضطراب.
167ـ هل الشورى ملزمة أم معلمة؟
المسألة اجتهادية، يحددها نظام الجماعة، بحسب المصلحة والظروف، ولا حكم مطلق فيها.
168ـ نتيجة الوقاية من الخلاف:
إذا التزمت الجماعة بالشورى والطاعة والتنظيم، قلّ الخلاف أو زال، واستقامت الدعوة، وسدّت أبواب الفتن والمحن، وكان أمر الجماعة واسعاً.
الفصل السابع: سنة الله في المتساوين والمختلفين
169ـ المقصود بالمتساوين والمختلفين:
المتساوون هم المتشابهون في الصفات المؤثرة في الحكم، والمختلفون هم المتباينون فيها، ويشمل ذلك الأفراد والأمم ووالجماعات، والأعمال.
170ـ التساوي والاختلاف في النتائج:
سنة الله أن المتماثلين في الأسباب تتشابه نتائجهم، والمختلفين تختلف نتائجهم، لأن الجزاء من جنس العمل.
171ـ قول ابن تيمية :
يبين ابن تيمية أن سنة الله تقوم على العدل المطّرد؛ فالله سبحانه لا يسوي بين المختلفين. ولا يفرق بين المتماثلين. قال تعالى: ﴿فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا﴾، وقال جل شأنه: ﴿كَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ﴾
فالعبرة بالمماثلة في الأعمال وما يترتب عليها من الجزاء، وهذه سنة لا تتبدل ولا تتحول.
172ـ الدليل الأول: التأمل في أحوال المكذبين
دلّ قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ آل عمران: 137 على قانون التماثل في الجزاء؛ إذ يقرر أن سنن الله جارية في الأمم: فمن سلك سبيل المؤمنين كانت عاقبته كعاقبتهم، ومن سلك سبيل المكذبين لحقه ما لحقهم من الهلاك.
وفي الآية إرشاد عام للتأمل في مصائر الأمم السابقة، وأن الاعتبار بها سبيل الهداية، ﴿هَٰذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِّلْمُتَّقِينَ﴾، وإنما ينتفع بهذا البيان أهل التقوى الذين يعتبرون بالسنن الإلهية في التاريخ.
173ـ الدليل الثاني: الاعتبار بإهلاك الأقوى
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ مَّكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ... فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾، وفيه بيان أن القوة والتمكين لا يمنعان من العقوبة إذا تساوت الأسباب "الذنوب"، فالأمم التي كانت أشد قوة وسلطاناً أهلكها الله بسنته حين وقعت في التكذيب والمعصية، ثم أورث غيرها مكانها. وفي ذلك تقرير واضح لمبدأ التماثل: أن من شاركهم في السبب شاركهم في المصير.
174ـ الدليل الثالث: نفي المساواة بين الخبيث والطيب
قال تعالى: ﴿قُل لَّا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾
وفيها أصل عام في نفي التساوي بين المختلفين في الوصف المؤثر: فالخبيث والطيب لا يستويان في ذاتيهما ولا في أحكامهما، سواء في الأعمال أو الأموال أو الأشخاص. والعبرة بالوصف لا بالكثرة؛ فالكثرة لا تغير حقيقة الفساد، كما أن قلة الطيب لا تنقص من قيمته عند الله.
175ـ المتساوون في موجبات العقاب يعاقبون
من تساووا في أسباب العقاب من كفر أو ظلم أو معصية نزل بهم الجزاء نفسه، لأن سنّة الله لا تحابي أحداً. قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ هود: 102. فالعبرة بتساوي الوصف لا باختلاف الزمان أو المكان، إذ كل من تحقق فيه الظلم استحق الأخذ الإلهي.
176ـ أولاً: تبديل نعمة الله موجب للعقاب
قال تعالى: ﴿وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ... فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ الأنفال: 53.
فكل من غيّر نعمة الله بالكفر بها أو ترك شكرها استحق العقوبة، وهي سنة عامة لا تختص بأمة دون أخرى.
177ـ المقصود بتبديل النعمة
المراد أعظم النعم: نعمة الإيمان والإسلام، وتبديلها يكون بالجحود أو ترك العمل بالشرع. وكل أمة بدّلت هذه النعمة أصابها من الشقاء والعقوبة بقدر بعدها عنها، في الدنيا قبل الآخرة.
178 ـ ثانياً: مخالفة بعض الشرع توجب العقاب
قال تعالى في بني إسرائيل: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ البقرة: 85.
فمن أخذ بعض الشرع وترك بعضه استحق الذم والعقوبة؛ إذ الجزاء متعلق بمخالفة الميثاق الإلهي كلياً أو جزئياً، وسنة الله جارية في كل من فعل ذلك.
179ـ ثالثاً: عقوبة الاحتيال على الشرع
قال تعالى: ﴿كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ الأعراف: 166.
وفيه أن التحايل على أحكام الله لا يرفع الحكم، بل يوجب العقوبة، وأن سنّة الله في معاقبة من يحتال على الشرع ثابتة في كل زمان، فهي موعظة عامة لكل متقٍ.
180ـ رابعاً: معاداة المؤمنين سبب للهلاك
قال تعالى: ﴿فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ الأنفال: 38.
أي: أن من عادى المؤمنين وسار في طريق التكذيب نزل به ما نزل بالأمم السابقة من الخذلان والهزيمة، وهي سنة ماضية لا تتخلف.
181ـ خامساً: عاقبة الظلم عامة
قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ هود: 102.
فالعقوبة تشمل كل ظالم في كل زمان، لأن مناط الحكم هو الظلم، فمن وجد فيه الحكم لحقه الأثر.
182ـ سادساً: من إسخاط الله ينزل به الانتقام
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ الزخرف: 55.
أي: أن من استوجب سخط الله نزل به الانتقام الإلهي، وجُعل عبرة لغيره، تحقيقاً لسنّة التماثل في الجزاء.
183ـ سابعاً: العقاب ينزل ولو مع قوة المجرم
دلّ القرآن على أن القوة لا تمنع العقوبة، كما في قوله تعالى عن قوم تُبّع: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ﴾ الدخان: 37. فالمعيار هو الجرم لا القوة، وكل من تساوى في الجرم تساوى في المصير، ولو اختلفت درجات القوة والسلطان.
184ـ عاقبة الكفار واحدة
قال تعالى: ﴿دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾ محمد: 10.
أي: أن الكافرين في كل زمان لهم عاقبة واحدة إذا تساوت أسباب الكفر، وهي سنة ماضية لا تتبدل.
185ـ جزاء المجرمين كالسابقين
قال تعالى: ﴿كَذَٰلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ﴾ المرسلات: 18.
فكل مجرم يشبه من قبله في الجرم يلحقه مثل مصيرهم، لأن الحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.
186ـ لا مساواة بين المؤمن والكافر
قال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ﴾ القلم: 35.
فنفى الله المساواة بين الفريقين مطلقاً في الدنيا والآخرة، لاختلاف الأصل والغاية والعمل.
187ـ لا مساواة -ولو مع العمل الصالح -للكافر
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ﴾ التوبة: 19.
فالكفر مانع من المساواة ولو كثرت أعمال البر، لأن الإيمان أصل الأعمال وقبولها.
188ـ التفاضل بين أعمال البر
الأعمال الصالحة تتفاضل بحسب أثرها وفضلها، كما في الحديث: «الإيمان بضع وسبعون شعبة…» رواه البخاري. فدلّ ذلك على أن السنن ليست على درجة واحدة، بل يتقدم الأهم والأعظم أجراً عند التزاحم.
189ـ من أدلة التفاضل
وفي الصحيح: أن أفضل الأعمال الإيمان ثم الجهاد ثم الحج، مما يدل على تفاوت مراتب الأعمال في الشرع.
190ـ التفاضل بين المؤمنين
قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ الحديد: 10.
فالمؤمنون يتفاوتون بحسب سبقهم وفضل أعمالهم، فالأسبق أعظم درجة.
191ـ أصناف المؤمنين
ينقسمون إلى أصحاب اليمين والمقربين، والمقربون أعلى درجة، وهم صفوة المؤمنين من الأنبياء والصديقين والشهداء.
192ـ الاستخلاف في الأرض لأهل الإيمان
قال تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا... لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ النور: 55.
فالاستخلاف والتمكين مرتبطان بالإيمان والعمل الصالح، وهو من سنن التماثل: فمن حقق السبب نال النتيجة، ومن فقده فقدها.
193ـ طبيعة استخلاف المؤمنين في الأرض:
يبين سبحانه أن الاستخلاف الموعود به للمؤمنين ليس مجرد سلطة سياسية، بل هو وظيفة إصلاح وهداية وحفظ للحقوق، وتمكين للدين في القلوب وفي نظام الحياة، وفق شريعة الإسلام التي تدعو إلى العدل وعمارة الأرض. وهو وسيلة لتحقيق مقاصد الدين لا غاية في ذاته، لقوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾.
194ـ شروط الاستخلاف :
الاستخلاف مشروط بالإيمان والعمل الصالح، كما قرره أهل التفسير، وأن الوعد الإلهي لا يتحقق إلا باجتماع الشرطين.
195ـ الاستخلاف لكل من تحقق فيهم شرطه:
الاستخلاف سنة عامة غير مقصورة على زمن معين، بل تتحقق في كل أمة إذا تحقق فيها الإيمان والعمل الصالح، وهو مقتضى عموم النصوص وعدم تخصيصها بزمان دون زمان.
196ـ ينقص من الاستخلاف بقدر ما ينقص من شرطه:
الاستخلاف يتفاوت بقدر تحقق الإيمان والعمل الصالح، فإذا نقصت هذه المعاني نقصت آثار الاستخلاف من قوة وتمكين وأمن، كما أشار ابن كثير إلى أن ظهور الأمة يكون بحسب استقامتها.
197ـ التساوي في استحقاق النصر للتساوي في موجباته:
النصر مرتبط بتحقق أسبابه من الإيمان والطاعة، وهو وعد إلهي عام، قال تعالى: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾. غير أن تحقق النصر مشروط باستقامة “جند الله” على مقتضى الإيمان والتوكل.
198ـ المشاركة في الثواب للمشاركة في موجباته:
الثواب مرتبط بموجباته من الإيمان والعمل، ولذلك قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ...﴾، فالمتبعون لهم بإحسان يشاركونهم في الرضوان والجنة لمشاركتهم في العمل والإيمان.
وفي الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الإيمان بضع وسبعون شعبة: أفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق».
الفصل الثامن: سنة الله في الترف والمترفين [قانون الترف]
199ـ معنى الترف والمُتْرف:
الترف: هو التنعم وسعة العيش، والمترف هو المتوسع في النعمة حتى تبطره وتطغيه.
200ـ ثلاث صفات للترف والمترف:
1 ـ بطر النعمة وسوء استعمالها.
2 ـ الطغيان بسبب السعة.
3 ـ الانغماس في الشهوات والملذات.
201 ـ من عادة المترفين مسارعتهم في تكذيب الحق ورده:
المترفون غالباً هم أول من يكذب الرسل، اعتماداً على أموالهم وقوتهم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُم بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾.
202 ـ حجتهم في التكذيب:
حجتهم الاعتماد على كثرة المال والولد واعتقادهم أنه دليل رضا الله، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾.
203ـ منهج المترفين في الحياة :
المترفون ينشغلون بالملذات ويعرضون عن الإصلاح والأمر بالمعروف، قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ﴾.
204ـ موقف المترفين من الجماعة المسلمة وموقفها منهم:
يكون موقفهم التكذيب والصدّ، لأن الدعوة تكشف فساد منهجهم، وقد بيّن القرآن أن هذا من سنن الابتلاء للدعاة.
205ـ جزاء المترفين:
سنة الله فيهم الهلاك والعذاب، قال تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِن قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً...﴾.
206ـ هلاك الأمة بفسق مترفيها:
هلاك القرى يبدأ بفسق مترفيها؛ لأنهم قادتها، قال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾.
الفصل التاسع: سنة الله في الطغيان والطغاة [قانون الطغيان]
207ـ معنى الطغيان في اللغة:
هو مجاوزة الحد والارتفاع في العصيان والظلم.
208ـ معنى الطغيان في الشرع:
هو تجاوز الإنسان حد العبودية لله تعالى، والخروج عن أوامره.
209 ـ أمثلة على معنى الطغيان في الشرع:
أ ـ قال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ وَلاَ تَطْغَوْاْ إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
ب ـ وقال تعالى: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾.
210ـ ما يحمل الإنسان على الطغيان:
أعظم أسباب الطغيان عند الإنسان المال والسلطة؛ فطغيان المال هو البطر والترف، وطغيان السلطة هو تجاوز الحد بسبب النفوذ. وكلاهما مهلكان بسنة الله تعالى.
211ـ النوع الأول : طغيان المال:
المال هو ما تميل إليه النفس من متاع ورفاه. ومن نتائجه بطر النعمة والترف، وسيأتي تفصيل بطر النعمة لاحقاً، وهو من أخطر آثار المال.
212ـ النوع الثاني: طغيان السلطة:
هو تجاوز الإنسان حده بسبب النفوذ والأمر والنهي، ويظهر غالباً عند الحكام وولاة الأمور لتعلق سلطانهم بالناس.
213ـ النموذج لطغيان السلطة:
فرعون أبرز مثال للطغيان؛ جمع بين الكفر بالخالق واستعباد الخلق. قال تعالى : ﴿إِنَّهُ طَغَى﴾ أي تجاوز الحد في التكبر والعتو. قال الرازي: طغى على الله بالكفر وعلى الخلق بالاستعباد.
214ـ طغيان السلطة ودعوى الربوبية:
قد يبلغ الطغيان حد ادعاء الربوبية كما قال فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾.
215ـ ما تعنيه دعوى الربوبية:
أي إلزام الناس بطاعته واعتبار أمره هو الأعلى، ونفي وجود إله يأمر وينهى سواه، كما بيّن المفسرون.
216ـ من طغيان السلطة ظلم الناس:
قال تعالى : ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ ...﴾. والطغيان هنا تمرد وإفساد وظلم للعباد، وقد كان فرعون رمزاً لذلك.
217ـ جزاء طغيان السلطة:
جزاء الطغاة: الهلاك والعذاب في الدنيا قبل الآخرة، قال تعالى : ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، أي يرصد أعمالهم ويجازيهم عليها.
218ـ سنة الله في الطغاة:
سنة الله ثابتة في الطغاة: الهلاك والعقوبة في الدنيا والآخرة، بلا محاباة أو استثناء.
219ـ من يعتبر بسنة الله في الطغاة؟
العبرة بهذه السنة لمن يخشى الله، قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَى﴾، أي: لمن يتعظ ويخاف العاقبة.
220ـ الجماعة المسلمة وطغيان السلطة:
قد تعيش الجماعة المسلمة تحت حاكم طاغية يلبّس الباطل بلباس الحق، وتواجه تضليلاً من الحاكم وحاشيته.
221ـ واجب الجماعة المسلمة عند طغيان السلطة:
يقوم على محورين: نصح الحاكم هذا أولاً، وتبصير الأمة بخطر الطغيان وتحريم إعانته، وهذا ثانياً.
222ـ أولاً : نصح الحاكم:
يكون بالوعظ اللين، وتذكيره بعبوديته لله وبمصيره، امتثالاً لقوله تعالى : ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾، وبكل وسيلة مشروعة.
223ـ ثانياً: تبصير الأمة بواجبها:
تحذير الأمة من الركون للظالم، لقوله تعالى: ﴿وَلاَ تَرْكَنُواْ إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ﴾.
224 ـ من تبصير الجماعة للأمة:
بيان أن أعوان الطغاة شركاء في الظلم، كما قال تعالى : ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ﴾.
225ـ معاملة أعوان الظالم:
يعاملون معاملة الظالم في التحذير والنصح وترك الإعانة، لأنهم أدواته في الطغيان.
226ـ للمسلم شخصيته الإسلامية:
المسلم له شخصية واحدة خاضعة لله وحده، فلا يجوز أن يكون مع الظالم في معصيته، لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي ... لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
الفصل العاشر: سنّة الله في بطر النعمة وتغيرها [قانون بطر النعم وتغيرها]
227ـ معنى النعمة:
هي الخفض والدعة والمال، وكل ما يطيب به العيش ويصلح به الحال، وتشمل المادي والمعنوي.
228ـ الخلاصة في معنى النعمة:
كل ما به سعادة الإنسان وراحته من مال أو هداية أو عيش أو غيره.
229ـ بطر النعمة أو كفرانها:
هو الطغيان عند النعمة وترك شكرها، وهو ستر النعمة وعدم الاعتراف بها.
230 ـ سنة الله في بطر النعمة:
أولاً: عقوبة البطرين بالجوع والخوف، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً ... فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ ...﴾
ثانياً: إهلاك البطرين وتخريب ديارهم: قال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا ...﴾
ثالثاً: إهلاك الزروع والثمار: ومن ذلك قصة سبأ، حيث أُهلكت جناتهم: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ ...﴾
231ـ سنة الله في تغيير النعم آية من آياته:
قال تعالى : ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، أي: لا تُسلب النعم إلا بتغير حال القوم. وقال تعالى : ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِّعْمَةً ...﴾، أي زوال النعم مرتبط بتغير الأخلاق والأعمال.
232ـ الجماعة المسلمة وسنة تغيير النعم:
ثبات النعم مرتبط بالاستقامة على الشرع، فإذا تغيرت الأحوال سُلبت النعم بقدر ذلك، وفق سنة الله العامة.
الفصل الحادي عشر: سنّة الله في الذنوب والسيئات [قانون الذنوب والسيئات]
233ـ تعريف الذنب والسيئة:
الذنب كل فعل تُستَقبَح عاقبته، وجمعه ذنوب، قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾.
والسيئة الفعلة القبيحة ضد الحسنة، قال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
والسوء كل ما يغمّ الإنسان دنيوياً أو أخروياً، قال تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾.
والحسنة والسيئة تُفهمان شرعاً وعقلاً أو طبعاً بحسب السياق.
234ـ المعصية وعلاقتها بالذنب والسيئة :
المعصية هي الخروج عن طاعة الله، فهي تجمع معنى الذنب والسيئة، إذ كلها تدور حول مخالفة أمر الله تعالى وسوء العاقبة.
235ـ من يعمل سوءاً يُجزَ به:
سنة الله عامة لا تتخلف: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾. قال القرطبي: «الآية عامة في الكافر والمؤمن».
236ـ وجزاء سيئة سيئة مثلها:
قال تعالى: ﴿فَلَا يُجْزَىٰ إِلَّا مِثْلَهَا﴾، أي لا يُزاد في العقوبة على قدر الذنب، لأن الزيادة ظلم، والظلم ممتنع شرعاً.
237ـ إقرار المنكر ذنب عام:
قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً﴾.
والمقصود بالفتنة: إقرار المنكر وترك تغييره، فيعمّ العقاب الجميع.
238ـ تعليل العقاب العام:
كما أن الفاعل آثم، فالسّاكت الراضي آثم أيضاً، فاستحق الجميع العقوبة، لأن الرضا بالمنكر مشاركة فيه.
239ـ اعتراض ودفعه:
إن عجز البعض عن التغيير، فالواجب الهجرة عند القدرة، لقوله في الأثر: «تُهجر الأرض التي يُعمل فيها المنكر».
240ـ سؤال وجوابه:
من عجز عن التغيير والهجرة، يُصيبه العذاب العام، لكنه يُبعث على نيته، كما في الحديث: «إذا كثر الخبث»، وفي رواية: «ثم بُعثوا على أعمالهم».
241ـ الكفرة لكفرهم يخافون المؤمنين:
قال تعالى: ﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾.
وهذه سنة مرتبطة بتحقق الإيمان الحقيقي في المؤمنين.
242ـ الذنوب تهلك أصحابها:
قال تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُم بِذُنُوبِهِمْ﴾. فالذنوب سبب الهلاك للأمم إما بعقوبة مباشرة أو بانهيار تدريجي.
243ـ الأمة تهلك بذنوبها وإن كانت قوية:
قال تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾. فالقوة لا تمنع الهلاك إذا فشت الذنوب.
244ـ الذنوب تضعف مقاومة المؤمن:
قال تعالى: ﴿إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا﴾.
فالذنوب تُضعف القلب وتفتح باب التسلط الشيطاني.
245ـ الذنوب سبب المصائب:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾. وهي سنة عامة في الجملة.
246ـ مصائب لا تكون بسبب المعاصي:
قد يُبتلى الصالحون والأنبياء لرفع الدرجات أو للعوض، وليس للعقوبة.
247ـ الموقف من المصائب:
وهذا الموقف يقوم على: معرفة السبب، لوم النفس، التحصين، والصبر.
248-أولاً : العلم بأسباب المصائب:
الإيمان بأن المصائب بسبب الذنوب يمنع الاعتراض على القدر ويثبت الإيمان.
249ـ ثانياً : لوم النفس لا الغير:
اللوم يكون للنفس لا للآخرين، لقوله تعالى: ﴿هُوَ مِنْ عِندِ أَنفُسِكُمْ﴾.
250ـ فائدة لوم النفس:
يدفع إلى الإصلاح الحقيقي ومعالجة أسباب الضعف بدل الاتهام الخارجي.
251ـ ثالثاً: تحصين النفس:
بترك الذنوب والالتزام بالشرع تُدفع المصائب، لأن الذنب يفتح باب الشيطان.
252ـ رابعاً: الصبر والمدافعة:
قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. والصبر لا ينافي الأخذ بالأسباب لدفع المصائب.
الفصل الثاني عشر: سنّة الله في الإيمان والتقوى والعمل الصالح
253ـ تعريف التقوى :
هي فعل أوامر الله وترك نواهيه، وهي حفظ النفس من الإثم.
289 ـ تعريف الإيمان :
تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالجوارح.
290 ـ تعريف العمل الصالح :
كل عمل مقصود يوافق الشرع، ويقابل العمل السيئ.
291 ـ ثمرة التقوى ﴿الفرقان﴾ :
قال تعالى: ﴿يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾.
أي نور يميز به المؤمن بين الحق والباطل، ويُهديه إلى الصواب، ويُنجّيه من الفتن ويمنحه البصيرة والنصر.
292 ـ ومن يتق الله يجعل له مخرجاً:
قال تعالى: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾. والمعنى: من يتق الله بفعل أوامره وترك نواهيه يجعل له مخرجاً من الشدائد، ويرزقه من حيث لا يتوقع، ومن يتوكل عليه يكفه الله أمره.
293 ـ معية الله للمتقين:
قال تعالى: ﴿إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾.
هي معية خاصة بالنصر والتأييد والهداية، كقوله للنبي ﷺ في الغار: «إِنَّ اللّهَ مَعَنَا»، وتشمل من ترك المحرمات وفعل الواجبات.
294 ـ عون الله للمتقين في الحرب:
قال تعالى: ﴿بَلَى إِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ... يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُم بِخَمْسَةِ آلافٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ﴾.
أي: أن النصر الإلهي مرتبط بالصبر والتقوى في مواجهة العدو.
295 ـ بالإيمان والتقوى يحصل الرخاء:
قال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ...﴾.
الإيمان والتقوى سبب لفتح بركات السماء والأرض، بينما الكفر والمعصية سبب للقحط والعقوبة.
296 ـ أجر المتقين في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ﴾.
أي: أن المؤمن يُثاب في الدنيا والآخرة، وأجر الآخرة أعظم لدوامه.
297 ـ نصر الله للمؤمنين:
قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾.
فالنصر ثابت للمؤمنين في الدنيا والآخرة، ولو وقع ابتلاء مؤقت فالعاقبة لهم.
298 ـ إنجاء الله المؤمنين:
قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا...﴾. فسنة الله: هلاك المكذبين ونجاة المؤمنين مع الرسل.
299 ـ المؤمنون هم الأعلون:
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾.
الإيمان سبب العلو المعنوي والعاقبة الغالبة للمؤمنين.
300 ـ لا سبيل للكافرين على المؤمنين:
قال تعالى: ﴿وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً﴾.
أي لا غلبة دائمة للكفار على المؤمنين المتمسكين بإيمانهم، وإن حصلت هزائم فهي لخلل في الإيمان أو الإعداد.
301 ـ المتاع الحسن للمؤمنين:
قال تعالى: ﴿يُمَتِّعْكُم مَّتَاعاً حَسَناً...﴾.
الإيمان والاستغفار سبب لحياة طيبة ورزق واسع وبركة في الدنيا، مع أجر الآخرة.
302 ـ الخصب وزيادة القوة بالإيمان:
قال تعالى عن هود لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ... يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً﴾.
الإيمان والاستغفار سبب للرخاء وزيادة القوة.
303 ـ المؤمنون يرثون الأرض:
قال تعالى: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾. العاقبة في الأرض للصالحين من المؤمنين.
304 ـ ثواب العمل الصالح:
قال تعالى: ﴿فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ﴾. لا يضيع أجر المؤمن، والعمل الصالح شرطه الإيمان.
305 ـ الحياة الطيبة بالإيمان والعمل الصالح:
قال تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾.
الحياة الطيبة تكون في الدنيا، وتشمل الرضا والطمأنينة والرزق الحلال.
306 ـ المقصود بالعمل الصالح:
هو العمل الموافق للشرع، ولا يُقبل إلا بالإيمان، ويشمل الذكر والأنثى.
307 ـ شرط الإيمان مع العمل:
قال تعالى: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ شرط لقبول العمل الصالح وثوابه.
308 ـ الحياة الطيبة في الدنيا:
أقوال المفسرين: أنها في الدنيا، وتظهر في الرضا والقناعة وراحة النفس.
309 ـ معنى الحياة الطيبة:
تشمل: الرزق الحلال، القناعة، العبادة، وراحة القلب.
310 ـ حقيقة الحياة الطيبة:
ليست مرتبطة بالمال فقط، بل بالطمأنينة والرضا والاتصال بالله.
311 ـ الحياة الطيبة لا تنقص أجر الآخرة:
بل يجمع المؤمن بين خير الدنيا وأفضل ثواب الآخرة.
الفصل الثالث عشر: سنّة الله في الاستدراج [قانون الاستدراج]
312 ـ معنى الاستدراج:
هو الإمهال خطوة بعد خطوة حتى يقع العبد في الهلاك دون شعور.
314 ـ استدراج الكفرة والعصاة:
قال تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ﴾.
أي يُعطَون النعم فتكون سبباً لزيادة معاصيهم حتى يهلكوا وهم غافلون.
315 ـ استدراج المكذبين:
النعم المتتالية مع الغفلة تُعد استدراجاً يؤدي إلى الهلاك بغتة.
316 ـ استدراج الأمم:
قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾
ثم يؤخذون فجأة بعد الغفلة والفرح بالنعم.
317 ـ سنة الله في المستدرجين:
الإمهال مع زيادة النعم لمن لم يتعظ، حتى يزدادوا إثماً ثم يؤخذوا.
318 ـ الاتعاظ من الاستدراج:
النعمة تحتاج شكرًا، وإلا تحولت إلى استدراج. قال عمر: «اللهم إني أعوذ بك أن أكون مستدرجاً».
319 ـ الخوف من الاستدراج:
ينبغي عدم الاغترار بالنعم، بل شكرها بالطاعة، وإلا كانت علامة استدراج وهلاك.
الفصل الرابع عشر: سنة الله في المكر والماكرين
320 ـ تعريف المكر:
المكر هو تدبير خفي قائم على الحيلة لإيقاع الضرر بالغير دون علمه.
321 ـ التعريف المختار:
هو: تدبير خفي محكم لإيقاع ما يريده الماكر بالممكور به من حيث لا يحتسب.
322 ـ أنواع المكر:
ينقسم المكر إلى: محمود: وهو في الخير، قال تعالى: ﴿والله خير الماكرين﴾ [آل عمران: 54]، ومذموم: وهو في الشر، قال تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ [فاطر: 43].
323 ـ إضافة المكر إلى الله:
تُفهم على ثلاثة أوجه: جزاء الماكرين بمثل مكرهم. أو من باب المشاكلة. أو تدبير إلهي خفي يجري وفق الحكمة، كقوله تعالى: ﴿ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين﴾ [الأنفال: 30].
324 ـ الغالب في المكر:
الغالب استعماله في الشر، لأنه يقوم على الإخفاء والخديعة.
325 ـ الكبراء وأهل المكر:
قال تعالى: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾ [الأنعام: 123].
وهؤلاء هم الرؤساء الذين يملكون القدرة على الإفساد والتضليل.
326 ـ سبب سيطرة المجرمين:
بسبب ضعف أهل الحق وتفرقهم، مما يسمح لأهل الباطل بالتمكن والقيادة.
327 ـ سبب مكر المجرمين:
خوفهم من ظهور الحق، قال تعالى: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ [الأنفال: 30].
328 ـ أنواع المكر السيء:
المكر يشمل: القتل والحبس والإخراج. والتحريض على الرسل. زالصد عن سبيل الله.
329 ـ القتل والإيذاء:
من أمثلته:
مكر بني إسرائيل بعيسى عليه السلام: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين﴾ [آل عمران: 54].
مكر ثمود بصالح عليه السلام: ﴿ومكروا مكراً ومكرنا مكراً وهم لا يشعرون﴾ [النمل: 50].
مكر قريش بالنبي ﷺ: ﴿وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك﴾ [الأنفال: 30].
330 ـ التحريض على أتباع الحق:
قال تعالى عن قوم نوح: ﴿ومكروا مكراً كباراً﴾ [نوح: 22]، ومن مكرهم تحريض الناس على الكفر.
331 ـ صد الناس عن الدعوة:
قال تعالى: ﴿بل زين للذين كفروا مكرهم وصدوا عن السبيل﴾ [فاطر: 8].
332 ـ من يُوجَّه إليهم المكر
الرسل وأتباعهم. كذلك الضعفاء الذين يُستغلون من قبل الكبراء.
333 ـ مكر الكبراء بالضعفاء:
قال تعالى: ﴿وقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعًا فهل أنتم مغنون عنا...﴾ [إبراهيم: 21].
334 ـ عقاب المكر السيء:
قال تعالى: ﴿أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: 99].
335 ـ لا يحيق المكر إلا بأهله:
قال تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾ [فاطر: 43].
336 ـ جواب الإشكال:
حتى إن بدا نجاح الماكرين فهو مؤقت، والعاقبة عليهم.
337 ـ سنة عامة:
سنة الله لا تتبدل: ﴿فلن تجد لسنة الله تبديلاً ولن تجد لسنة الله تحويلاً﴾ [فاطر: 43].
338 ـ العقاب في الدنيا والآخرة:
قال تعالى: ﴿لهم عذاب في الحياة الدنيا ولعذاب الآخرة أشق﴾ [الرعد: 34].
339 ـ العذاب من حيث لا يحتسبون:
قال تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾ [النحل: 26].
340 ـ انكشاف أمر الماكرين:
قال تعالى: ﴿ومكر أولئك هو يبور﴾ [فاطر: 10].
341 ـ الله أسرع مكراً:
قال تعالى: ﴿قل الله أسرع مكراً﴾ [يونس: 21].
342 ـ لله المكر جميعاً:
قال تعالى: ﴿فلله المكر جميعاً﴾ [الرعد: 42].
342 لا يأمن مكر الله
قال تعالى: ﴿فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون﴾ [الأعراف: 99].
343 ـ العبرة العامة:
المكر والبغي والنكث تعود عاقبتها على أصحابها، قال تعالى: ﴿ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله﴾
344 ـ العبرة للجماعة المسلمة:
المؤمنون في مواجهة دائمة مع المكر، ويثبتون بالحق والتوكل، قال تعالى: ﴿إن كيد الشيطان كان ضعيفاً﴾ [النساء: 76].
الفصل الخامس عشر: سنة الله في طلب الدنيا والآخرة [قانون طلب الدنيا والآخرة]
345 ـ معنى الطلب في الدنيا: إرادتها وتقديمها. وفي الآخرة: إرادتها وتقديمها.
346 ـ سنة الله في طلاب الدنيا
قال تعالى: ﴿من كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب﴾ [الشورى: 20]
وقال أيضاً: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: 18]
347 ـ توفية الأعمال في الدنيا:
قال تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون﴾ [هود: 15].
348 ـ اختلاف التفسير:
الآية تشمل من عمل للدنيا أو راءى بعمله، فيُجزى في الدنيا ولا نصيب له في الآخرة.
349 ـ ما يناله طالب الدنيا:
لا ينال طالب الدنيا إلا ما شاء الله ن ينال منها، قال تعالى: ﴿من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد﴾ [الإسراء: 18].
350 ـ سنّة الله في طلاب الآخرة:
دلّ القرآن على أن طريق الآخرة له شروطه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَـٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا﴾. ومعناه أن من قصد الآخرة بصدق، وعمل لها الأعمال الصالحة وهو مؤمن، فإن عمله يكون مقبولًا ومشكورًا عند الله، لأن قبول الأعمال مشروط بالإيمان وإخلاص القصد للآخرة.
351 ـ زيادة أجر العامل للآخرة:
قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ﴾. أي: أن من عمل للآخرة زاده الله توفيقًا وبركةً ومضاعفةً للحسنات، فالحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف كثيرة.
352 ـ الجمع بين إرادة الدنيا والآخرة:
يجوز الجمع بين إرادة الدنيا طلب الرزق والمعاش الحلال، وطلب الآخرة بالعمل الصالح، لقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالقرآن ذم من اقتصر على الدنيا، ومدح من جمع بين خيري الدنيا والآخرة، وهذا يدل على مشروعية الجمع بينهما.
353 ـ تفسير دعاء الجمع بين الدنيا والآخرة:
وجاءت في كتاب الله تعالى آية جامعة لخيري الدنيا والآخرة، وهي: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً...﴾. وقد فسّر العلماء الحسنة في الدنيا بالصحة والرزق والعلم، وفي الآخرة بالجنة، وهي من جوامع الدعاء، وكان النبي ﷺ يكثر منها.
354 ـ شرط الجمع بين الدنيا والآخرة:
يشترط لمن أراد الجمع بين الأمرين النية الصالحة، أي أن يجعل الدنيا وسيلة للآخرة، لقوله ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات». فالمباح يصبح عبادة إذا اقترن بنية صالحة، كطلب المال للإنفاق في الخير.
355 ـ التطبيق العملي للجمع بينهما:
يتجلى في قوله تعالى عن قارون: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾.
أي: بعدم ترك الحلال من الدنيا. والإحسان للناس. واجتناب الفساد.
الفصل السادس عشر: سنّة الله في الرزق [قانون الرزق]
359 ـ معنى الرزق:
الرزق في اللغة: كل ما يُنتفع به، ماديًا أو معنويًا، دنيويًا أو أخرويًا.
ومن أسماء الله: الرزّاق، وهو الذي يخلق الأرزاق ويوصلها لعباده.
361 ـ الله هو الرزاق:
قال تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾.
وقال أيضًا: ﴿وَكَأَيِّن مِّن دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ﴾.
فالرازق الحقيقي هو الله وحده، وهو المتكفّل بأرزاق جميع الخلق.
365 ـ السعي في طلب الرزق:
من سنّة الله أن يُطلب الرزق بالأسباب، قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ﴾.
وفي الحديث: «إن الله يحب العبد المؤمن المحترف». أي: أن العمل والسعي لا ينافيان التوكل.
367 ـ التوكل مع العمل:
قال ﷺ: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير».
فالطير تتوكل لكنها تغدو وتبحث عن رزقها، فالتوكل الحقيقي لا يلغي الأخذ بالأسباب.
370 ـ الله يرزق المؤمن والكافر:
قال تعالى: ﴿كُلًّا نُّمِدُّ هَـٰؤُلَاءِ وَهَـٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ﴾. أي: أن الله يرزق المؤمن والكافر في الدنيا، لكن التفاضل في الآخرة بالعمل والإيمان.
373 ـ الأموال لا تقرب بذاتها إلى الله:
قال تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى﴾؛ فالقرب من الله يكون بالإيمان والعمل الصالح، لا بمجرد المال.
375 ـ حكمة التفاوت في الرزق:
وقد أشار سبحانه إلى الحكمة ممن هذا التفاوت في الرزق، فقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ﴾. ومن حكمته في ذلك: تسخير الناس بعضهم لبعض. وتحقيق التعاون. ومنع البغي والفساد.
الفصل السابع عشر: سنّة الله في الفظاظة والغلظة والرفق [قانون الفظاظة والرفق]
385 ـ سنّة الله في الرفق:
قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾. وقال ﷺ: «إن الله رفيق يحب الرفق»، و«من يحرم الرفق يحرم الخير». فالرفق سبب للقبول والخير، والغلظة سبب للنفور والحرمان.
386 ـ الله يحب الرفق:
قال ﷺ: «إن الله يحب الرفق في الأمر كله». يدل الحديث على أن الرفق خلق محبوب لله تعالى في جميع شؤون المسلم، فينبغي أن يكون سلوكًا عامًا ملازمًا له.
387 ـ نطاق الرفق المحبوب:
الرفق المطلوب هو ما لا يؤدي إلى تضييع حدود الله أو تعطيل أوامره، فإذا ترتب عليه إهمال حق شرعي فإنه لا يكون مطلوبًا، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾. فالتوازن واجب بين الرحمة وإقامة الشرع.
388 ـ من أخلاق النبي ﷺ في الرفق:
كان النبي ﷺ مثالًا في اللين والتواضع، قال تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾
وقال أيضًا: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ ... بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾. فالسنة العملية للنبي ﷺ هي أساس الاقتداء في الرفق واللين.
389 ـ الجماعة المسلمة وسنّة الرفق:
الجماعة المسلمة لا تؤثر دعوتها في القلوب إلا بالرحمة واللين، لأن الفظاظة تنفّر الناس حتى من الحق. فالناس تميل إلى الداعية قبل الدعوة، ولا تميل إلا لمن اتصف: بالرحمة، والتواضع، وحسن الخلق. كما أن القلوب تحتاج إلى الرفق لا إلى القسوة، وإلى العطف لا إلى الجفاء.
390 ـ حاجة القيادة إلى الرفق:
يلزم قائد الجماعة أن يكون رفيقًا بأتباعه، بعيدًا عن الغلظة، متصفًا بـ: الرحمة، العفو، حسن التوجيه، تغليب الستر على الفضيحة، وأن يعاملهم كإخوة وأبناء، ويقودهم بالحكمة لا بالشدة، لأن ذلك أدعى لوحدة الجماعة واستقرارها.
391 ـ الخاتمة
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.