المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل
محمد حسنين هيكل
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: إن الاهتمام بالسياسة فكراً وعملاً يقتضى قراءة التاريخ أولاً وأخيراً - لأن الذين لا يعرفون ما حدث قبل أن يولدوا، محكوم عليهم أن يظلوا أطفالاً طوال عمرهم! لأن الخارطة السياسية تبحث عن أرضها! وإذا تهيأت الظروف فسوف يحدث ذلك بالفعل. وليس هذا اليوم فقط، بل هو بالأمس واليوم والغد، وإنما ذلك لمن يمتلك العُدة والجاهزية؛ وهذا لا ينافي يقيننا بأن الغلبة للمؤمنين، والعاقبة للمتقين، لأن من صميم التقوى والإيمان الإعداد بكل صوره، وبالحد الأقصى، وعلى جميع المستويات.
ومن الضرورى للأمم أن تعرف الموضع الذي وصلت إليه، والأسباب التي وضعتها في هذه الظروف، وكيفية الخلاص منها، وذلك كي تواصل سيرها على الطريق الذي تترسمه، والغاية التي تنشدها، ولذا فإن إن استنطاق التاريخ يعلمنا أن "المقدسات والمحرمات" التي تحكم وعي الأمم لا تنشأ من فراغ، بل هي تراكمات لقرن كامل من الصراعات الكبرى والتكالب الاستعماري على إرث "الرجل المريض" (الخلافة العثمانية).
والناظر في التاريخ، يجد أنه وعلى امتداد القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، كانت الزاوية الاستراتيجية الكبرى في شرق البحر الأبيض المتوسط - المتمثلة في مصر وسوريا وفلسطين - محط أنظار الإمبراطوريات.
ويعرض هذا الكتاب محاولات "نابليون بونابرت" إلى وضع حجر الأساس للدولة اليهودية المبكرة، من خلال وورقته المعروفة، ثم سياسات "بالمرستون" و"دزرائيلى" في بريطانيا، وصولاً إلى تحالف المصالح بين الذهب والسياسة (كما تجلى في شراء أسهم قناة السويس وصفقات "روتشيلد")، وكل هذه الخطط كانت تُحاك لفصل مصر عن سوريا، وزرع جسم عازل يفصل بين جناحي الأمة.
وحين أطل "ثيودور هيرتزل" على المسرح السياسي، انتقل المشروع الصهيونى من أروقة التبشير الديني إلى عالم الحقائق والمصالح الاستعمارية الصرفة، مستغلاً الجاليات الأجنبية واليهودية في مصر والمنطقة لتعبئة الدعم وتهيئة الأجواء. وعند هذا المنعطف الخطير من التاريخ العربى الحديث، لم يكن العرب يتفاوضون أو يتحاورون مع العالم باعتبارهم قوة لها رأى ولها دور في مستقبل المنطقة التي يعيشون فيها.
وحين اشتعلت الحرب العالمية الأولى، تفتحت شهية الحلفاء لتقسيم التركة عبر اتفاقيات سرية كبرى مثل "سايكس - بيكو"، ومراسلات "ماكماهون - الحسين"، وصياغة الوعود المتناقضة التي ضربت طموحات العرب في الاستقلال ووحدة الكيان في عرض الحائط.
لقد وجدت الأمة نفسها أمام وعود كاذبة، وفيلق يهودي يُؤسس بقرار رسمي، وتوجيهات بريطانية متلاحقة توجت بـ "وعد بلفور" المشؤوم في نوفمبر 1917 ليكون الأساس القانوني والعملي لقيام الوطن القومي اليهودي. وفي خضم ذلك، تباينت مواقف الزعماء والملوك والأمراء - بين هاشميين وسعوديين ومصريين - وتصارعت الرؤى بين طموحات التحرر ومخاوف الوقوع في فخاخ الاستعمار الجديد، بينما كانت الحركة الصهيونية العالمية توسع قواعد نفوذها وتؤمن ظهيرها الدولي، لا سيما مع صعود النفوذ الأمريكي وتغلغل جماعات الضغط الصهيونية في مراكز صنع القرار بالغرب.
وعند هذا المنعطف الخطير من التاريخ العربى الحديث، لم يكن العرب يتفاوضون أو يتحاورون مع العالم باعتبارهم قوة لها رأى ولها دور في مستقبل المنطقة التي يعيشون فيها، بل كان يُخطط لهم ومن وراء ظهورهم، لتنتهي الآمال الكبرى إلى حقائق مُرة على الأرض، تمثلت في ضياع فلسطين، وتجزئة الأقطار العربية، وتهجير الملايين من الفلسطينيين، وفرض أمر واقع بقوة السلاح والدعم الإمبراطوري.
إن العودة إلى هذه المحطات، وقراءة تفاصيل المفاوضات السرية والخفية التي رافقت الصراع، ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة حتمية تفرضها معرفة من أين أتينا وإلى أين نحن قادمون، لعل الأمة تستعيد وعيها، وتدرك أن المعرفة هي التجسيد الحقيقي للإرادة، وأن بناء المستقبل يبدأ بلا منازع من فهم قاسي وقوي لجذور الحاضر.
______________________________________________
مقدمة المؤلف
هذه الطبعة من هذا الكتاب عن "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل" واجهت ظروفاً - غير مألوفة، أو على الأقل غير عادية، وكان من نتيجة هذه الظروف أن الطبعة الإنجليزية الأصلية من هذا الكتاب صدرت فى لندن يوم ٨ يناير ١٩٩٦، بينما تأخرت الطبعة العربية، وكان المقرر لها أن تسبق، وذلك تقليد حرصت عليه منذ أن سمح لكتبى أن تطبع وتصدر من القاهرة بعد قرابة عشر سنوات من المنع والحظر كنت فيها أمارس عملى من وطنى دون وسيلة لنشره فى هذا الوطن.
وطوال تلك السنوات من المنع والحظر كأنت كتبى تطبع وتصدر من لندن ونيويورك، ومن باريس وطوكيو، ومن مدريد وروما، وغيرها عبر القارات - وفى نفس الوقت كانت هناك طبعة عربية لهذه الكتب تخرج إلى طلابها من خارج القاهرة، كذلك فإن ترجمة هذه الطبعة وتقديمها إلى القارئ العربى كان يقوم بهما غيرى، وكنت أقول لنفسى وللسائلين "إنه يصعب على أن أكتب الكتاب مرتين"، مرة باللغة الإنجليزية للنشر الدولى ومرة باللغة العربية، خصوصاً وقد وجدت أننى عندما أتعرض لترجمة أعمالى إلى العربية لا أكتفى بالترجمة، وإنما تدفعنى اهتمامات القارئ العربى إلى الأبعد بالزيادة، وإلى الأوسع بالتفصيل، وذلك يجعل الكتاب الواحد بالفعل كتابين.
ولقد شجعنى على ترك مهمة الترجمة إلى العربية لغيرى، أن مترجمين مقتدرين تفضلوا وأعطوا لأعمالى من جهدهم ما يكفيها وأكثر، وعلى سبيل المثال فقد قام الأستاذ محمد حقى، زميلى فى "الأهرام" وقتها، على ترجمة كتاب "وثائق القاهرة"، كما قام الصحفى اللبنانى الكفء الأستاذ سمير عطا الله على ترجمة كتاب "الطريق إلى رمضان"، ثم قام الصديق العالم الدكتور عبد الوهاب المسيرى على ترجمة كتاب "مدافع آية الله" ... وهكذا.
وكانت تلك أفضالا ومكرمات سعدت بها وعرفت لها قدرها. وظل الأمر على هذا التحو حتى جاء كتاب "خريف الغضب"، ونظراً لحساسية موضوعه فقد آثرت ترجمته لنفسى وينفسى إلى اللغة العربية، ولم يخطر ببالى أننى بذلك أرسيت سابقة لم أعد أستطيع التخلى عنها أمام القارئ العربى. وأغرانى على ذلك أكثر أن كتبى رفع عنها المنع والحظر فى مصر وأصبحت مطبوعة منشورة فيها بداية من سنة ١٩٨٥.
ومنذ ذلك الوقت صدرت لى كتب عديدة كان كل واحد منها فى واقع الأمر كتابين: طبعة إتجليزية هى الأصل لكل الترجمات، وطبعة عربية أقوم عليها بنفسى، ويتسع مجالها وتزيد تفاصيلها، وتلتحق بها وثائقها، حتى يكاد الكتاب العربى أن يصبح بالفعل شيئاً مختلفا عن الأصل الإنجليزى، وإن بقى الجوهر والسياق والاتجاه واحدا فى الحالتين.
وفى هذا الكتاب عن "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل" تصرفت كما جرت عليه العادة منذ سنة ١٩٨٥ وحتى الآن.
تقدم "الأهرام" مبادراً بطلب الحقوق العربية كلها، سواء للنشر الصحفى أو على شكل کتاب. وتحمست حتی من قبل أن تجىء موافقة دار "هارير كوليتز" التى تملك التصرف فى أى تعاقد. وكنت واثقاً على أى حال أنهم يعرفون من تجارب سلفت أنه حين يكون الأمر متعلقا بـ "الأهرام" فإن الموافقة تسبق التفاصيل بصرف النظر عما تقول به أصول صياغة العقود.
واستعدت الطبعة الإنجليزية من الكتاب للصدور من دار "هارير كولينز"، ومعها الطبعة اليابانية فى نفس الوقت، لكن الطبعة العربية التى ترجمت نصوصها بنفسى وتوسعت فيها وزدت عليها وألخقت بها وثائقها - واجهت ما أشرت إليه من ظروف غير مألوفة.، أو على الأقل غير عادية، وحاولت تقدير الدواعى وأنني فعلت مستجيبا لمشاعر وولاءات تعلو فوق الحقوق والعقود ، وحافظا لصلات وصداقات تسبق فى حسابى أى حساب.
وقد أضيف إلى ذلك أننى لم أطلب تفسيراً ولا تفصيلاً، وبدا لى أن الطلب قد يحمل شبهة إلحاح لا أحتاجه أو شبهة ضغط لا أبتغيه. ولعدة أیيام كان أمامی عرض لإصدار هذه الطبعة العربية من بیروت، وعاودتنی ذکریات أزمنة المنع والحظر، وأظن أن ذلك جعلنى أتردد.
إن بيروت كانت وما زالت كريمة مع ما أكتب، حفية به وحائية عليه، وهى تظل فى كل الأوقات مركز إشعاع عربى يساير مركز القاهرة ويضاهيه. لكن الأمر هذه المرة تخالطه اعتبارات نفسية من نوع آخر.
لم تكن اعتباراتى النفسية تتعلق ببيروت، من حيث هى بيروت، وإنما كانت تتعلق بإحساس يخشى مظنة قبول طوعى بما يمكن أن يتبدى ولو بالرمز أو بالشكل درجة من درجات المنع والحظر على عمل يكتب فى القاهرة ثم يصدر وينشر خارجها كما حدث من قبل.
ولعل من هذه النقطة بالذات، أننى رحبت وسعدت بعرض من "دار الشروق" لطبع الكتاب ونشره فى مصر، ومنها إلى بقية الوطن العربى، الذى لا أفرق فيه بين بلد وآخر عن إيمان عميق بأمة واحدة لها كل خصائص الأمة الواحدة ، بما فيها ذلك التنوع الخلاق الذى يميز الأمم العظيمة.
ويتداعى إلى فكرى - دون ضرورة لرسم مسار التداعى هنا - سؤال كثيراً ما يواجهنى به أصدقاء فى الفكرة والكلمة، يسألوننى: "لماذا لا أكتب بانتظام فى الشئون الجارية؟" وفى العادة فإن ردى يقتصر على عبارة عامة مرسلة لأن واقع المشكلة التى تواجهنى فى الكتابةبانتظام عن الشئون الجارية فى مصر معقد بأكثر مما يظهر على السطح. ذلك أن الصحف التى تصدر فى مصر الآن نوعان: نوع يسمى بالصحف القوبية، ونوع يعرف كصحف حزبية.
وأشعر على نحو ما أن كتابتى بانتظام - أو بغير انتظام - فى الصحف القومية قد تكون مسئولية ومخاطرة بالنسبة للقائمين على أمورها، وذلك ليس من مطالبى. ثم إن الكتابة بانتظام فى الصحف الحزيية تبدو لى استعارة لهوية ليست لي، وذلك ليس من حقوقي.
وفوق ذلك - وربما قبله - فإنه يخطر لى أننى كتبت كثيرا وما زلت أكتب أحيانا - وتكلمت طويلا وما زلت أتكلم مرات - وقد يكون مناسبا أن أترك المجال لآخرين وأن أقرأ مع القارثين وأن أصغى مع السامعين. ولعله يرضينى أن يسأل أحد: "لماذا لا يكتب هذا الرجل بانتظام؟" خير من أن يُسأل أحد: "لماذا يكتب هذا الرجل بانتظام؟"!
أكرر ذلك برضی کامل، ومودة خالصة مع الزمن وناسه، فلقد قلتُ كلمتي فى كل العصور والظروف، وفى كل الأحوال فإن العالم مفتوح أمامى وسماواته فسيحة ورحبة.
وأنتقل من هذه المقدمة التوضيحية إلى هذا الكتاب نفسه: "المفاوضات السرية بين العرب واسرائيل"، فأقول إن موضوعه كما هو باد من أول نظرة ومن مجرد العنوان صعب وعسیر،.لكن قصته يجب أن تروی وأن تقع روايتها الآن وعند هذا المتعطف من التاريخ العربی،
وخشيتى أن عواصف الحرب والسلام أخذت الأمة من خناقها وسحيتها إلى بعيد بحيث اختلطت الحقائق بالأوهام والوقائع بالخیال، وضاع المعنی أو لعله انتحر کما ذکرت مرة، وعلى نحو ما فقد قدرت أنه ربما كان مفيداً، وقبل أن تتحرك القوافل على الدروب، أن تطل الأمة على مشهد كامل للمواقع التى تقف قرب تخومه اليوم وتتبين كيف وصلت بها الحوادث إلى هذه التخوم.
ذلك أنه من الضرورى للأمم أن تعرف عند كل موضع من مواضع تاريخها كيف وصلت إليه، ولا يأس بعدها من أن تواصل سيرها على الدروب طالما أنها تعرف من أين هى قادمة والى أين هى قاصدة ؟
ولعل هذا الكتاب فى تركيبته العامة أن يكون نوعا مما يسميه العسكربون بـ : "تختة الرمل"، وهى نموذج مجسم (ماكيت) بالكتل والفراغات لميادين الصراع التى يخوضونها بحيث تظهر أمامهم - وإن بحجم مصغر - تضاريس أرض الواقع الذى تجرى حركتهم عليه، ومن ثم يتعرفون بوسائل النظر والقياسة واللمس على كل المجالات المتاحة على الساحة، ومن أين المداخل والمخارج، ومن أين التقدم والالتفاف، أو التراجع والانسحاب إذا طرأ ما يدعو اليهما.
إن الفصول الأولى من الكتاب هى بالفعل أشبه ما تكون بـ "تختة الرمل" -نموذج مجسم (ماكيت) للميادين التى جرت عليها "قصة المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل".
ثم إن نفس هذه الفصول الأولى تتعرض أيضا لنقطة هامة، إذ تجيب على سؤال كامن فى عنوان الكتاب ذاته ، وهو : "لماذا كان مطلوبا أن تجرى أية اتصالات أو مفاوضات بين العرب واسرائيل من وراء حجب وأستار؟"
ومن الإجابة على هذا السؤال عن حتمية السرية وضروراتها، يصبح ممكنا أن تبدأ وتتصل وتتداعى فصول القصة من أولها، إلى العقد المستحكمة فيها، إلى النهايات المقدرة لها، فى سياق متصل يحاول أن يصل إلى الحقيقة أو يقاربها - مدركا أن هذه الحقيقة ملك الناس لأنها وسيلتهم إلى المعرفة، على أساس أن المعرفة هى أهم عناصر الإرادة التاريخية لدى الشعوب والأمم.
ثم انتقل إلى نقطة تالية لأقول إن "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل" قصة واحدة، لکنها قصة طویلة، والأبطال ۔ إذا صدق وصف البطولة! -كُثُر.!!
والواقع أن الظروف والأجواء التى أحاطت بالقصة، امتدت عبر سنوات طويلة تعاقبت عليها قوى ودول، وأحياناً قبائل وأسر حاكمة أو مطالبة بعروش. فى وقت من الأوقات كانت المقاوضات السرية بين بريطائيا وبين الحركة الصهيونیة. وفى وقت آخر كان التقاوض بين الإمبراطورية العثمانية وبين الحركة الصهيونية. وفى وقت تالٍ كانت المفاوضات بين الهاشميين وبين الحركة الصهيونية. ثم اتسعت الدائرة فدخلت فيها مصر مع المرحلة الأخيرة من العصر الملكى.
ثم جاء وقت وقعت فيه المسئولية - أو معظمها - على مصر، وكان ذلك بالدرجة الأولى فى أعقاب ثورة ١٩٥٢. وكانت هذه المرحلة المصرية حقبتين، حقبة قادها "جمال عبدالناصر"، وأثناءها جرت محاولات، لكن الاتصالات والمفاوضات السرية استحالت؛ لأن مصر فى ذلك الوقت كان لها دورها فى قيادة حركة قومية عامة شملت قضية فلسطين، وغيرها من قضايا العمل القومى العام.
وفى هذه الحقبة لم يكن فى استطاعة مصر أن تتصل أو تتفاوض لأسباب كثيرة، أولها: موقف مبدئي يرى التناقض التاريخى بين المطالب المتصارعة، ويحاول جاهداً أن يلائم حركة موازين القوة لصالحه، رغم المحاذير والمخاطر. وثانيها: أن الحركة القومية العامة فرضت أحلامها وطموحاتها، وهى أحلام وطموحات كان من الصعب على مصر حيالها أن تُقدِمَ على شىءٍ من وراء ظهر جماهير عريضة تعبّر مصر عنها وتقودها من حيث هى تعبّر عنها. وثالثها أن هذه الحركة القومية العامة دخلت فى نزاع مع القوى الإمبراطورية، وكان هذا الصراع شاملاً وعنيفاً، وكانت إسرائيل موجودة فى خطوط الجانب الإمبراطورى من النزاع وطرفاً فى عملياته، وبالتالى فإن الخطوط كانت قاطعة.
إضافةً لهذا الالتزام، كان هناك التزام مبدئي، وكان تأييد الجماهير الواسعة من المحيط إلى الخليج ضامناً، ولقد تلت ذلك حقبة مصرية قادها الرئيس "أنور السادات"، وقد تصرف، ومعه آخرون، يظن أو وهم أنه "سلام"، ويظن أو وهم أنه "صالح القضية المركزية لكل العرب"، ويظن أو وهم أن "زعامة مصر للعالم العربى" تعطيه الحق فى أن يتصرف.
واعتقادى - وقد يكون لغيرى رأى مخالف - أن هذه الظنون والأوهام كانت هواه، لكنها فى نفس الوقت كانت تحريضاً وغواية من رفاق له، خطر ببالهم أن الصراع العربى الإسرائيلنی سبب سهرهم وأرقهم، وقد آن لهم ان یناموا مستریحین وأن یستیقظوا هانئین!
وفيما يظهر من فصول القصة؛ فليس مؤكداً أن ما جاء فى النهاية "سلام". كذلك ليس مؤكداً أن القضية المركزية لكل العرب استفادت كثيراً من كل ما جرى، بل إن ما تنازلت إليه القضية المركزية لكل العرب يمد تأثيره الآن إلى صميم الروابط التى يمكن أن تشكل جامعاً لإرادة الأمة ازاء قضایاها، بل إزاء مصاثرها!
وكذلك، فليس مؤكداً أن مصر فيما تصرفت فيه أدت دورها العربى بما يحفز مقوماته.والحاصل - فى هذا الشأن - أنه عندما تكون سياسة مصر أن تقود العالم العربى إلى صلح كيفما كان وكيفما اتفق مع إسرائيل - فإن سطوة الولايات المتحدة تستطيع أن تسوق الدول العربية إلى هذه السياسة بطريقة أسرع وأكفأ لا تحتاج إلى مصر دوراً أو زعامة!
وعندما مشت مصر على طريق الاتصالات والمفاوضات السرية مع إسرائيل، وتوصلت إلى ما توصلت إليه، فإن العالم العربى الذى انفك جامعه، لم يترك للفلسطينيين خياراً غير أن يجربوا بأنفسهم وفى أسوأ الظروف. وجرّبوا فعلاً ووصلوا إلى أوسلو وتوابعها فى القاهرة وواشنطن، مروراً بهزات وقعت لهم على مساحات شاسعة فى المنطقة ما بين بيروت وتونس، وطهران والجزائر، واستكهولم وجنيف، وغيرها !
وفى قصة طويلة ومتواصلة من هذا النوع، ومعقدة بالخفايا والخبايا على هذا النحو، وتدقيقها وتوثيقها مطلوبان وضروريان إلى هذه الدرجة - فإن قصة "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل" اتسعت بحيث يمكن أن تصبح حملاً ثقيلاً على اهتمام قارثها وعلى أعصابه أيضاً. وكان الحل الوحيد لهذا الحمل الثقيل تقسيم الكتاب إلى أجزاء تصدر متوالية. ومن حسن الحظ أن سياق القصة نفسه كان يوحى بثلاثة أجزاء منفصلة متصلة من القصة:
١ - جزء يبدأ من دواعى السرية، ويتابع تداخل الأساطير مع الإمبراطورية، واختلاط الديانات مع السياسات، وصراع المحرمات مع المقدسات، وصدام الحقوق مع الأسلحة، بحيث تظهر مقدمات وأرضيات وخلفيات الساحة العامة التى جرت وتجرى عليها المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل.
٢ - جزء يركز على الحقبة المصرية: عصر "جمال عبد الناصر" والمحاولات التى جرت فيه لاختبار درجة حرارة المياه وقياس سرعة تياراتها - وعصر "أنور السادات" حيث جرت تجرية القفز والسباحة مع التيار أو ضد التيار.
٣- جزء يصل بالقصة إلى مرحلتها الفلسطينية التى توهجت فجأة مثل شهاب ظهر بسرعة وسط ضباب الشعال فى "أوسلو"، ثم انفجر وراحت شظاياه، وما زالت حتى الآن تتدحرج على ساحة عربية وإقليمية ودولية جياشة بالعنف والفوضى.
وتقسيم كتاب واحد إلى أجزاء متعددة ليس جديداً على المكتبة العربية، خصوصاً حينما تدعو إليه وتفرضه حقائق عملية. فالطبعة الإنجليزية من "المفاوضات السرية بين العرب وإسرائيل صدرت فى ٥٧٢ صفحة، ولكن الطبعة العربية تصل بالكتاب فى مجمله إلى أكثر من ١٢٠٠ صفحة، تضاف إليها مجموعة الوثائق التى أريد أن أضعها تحت نظر القارئ العربى، بينما الطبعة الإنجليزية - وغيرها من الطبعات الأجنبية - لا تحتاجها.
هكذا قرَّ قرارنا على ثلاثة أجزاء متتالية، يصدر أولها هذا الربيع من سنة ١٩٩٦، ويصدر آخرها قبل الخریف من نفس السنة. وكل رجائى أن يتسع صدر القارثين وصبرهم لهذا الترتيب الذى لم يكن منه بد.
بقى أن أتقدم بالشكر والعرفان لكثيرين لهم عندى ما أشكرهم عليه، وأعترف بفضلهم فيه، وبينهم كثيرون من الساسة وصناع القرار فى أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية، لم يبخلوا بوقت طلبته منهم، وأخص بالذكر واحداً منهم كان بودى أن أهديه النسخة الأولى من الطبعة الفرنسية للكتاب حين تظهر، لكنه لسوء الحظ أراد أن يغادر دنيانا مسرعاً فى مشهد مأساوى يجمع بين نقيضين: إرادة الحياة وإرادة الموت - قبل صدورها ، وأعنى به الرئيس الفرنسى الراحل "فرانسوا ميتران".
وكان "ميتران" قبل رحيله قد أهدائى آخر جزء أتمه من مذكراته، كاتباً بخط يده على الصفحة الأولى بعد الغلاف كلمات رقيقة ودافئة. وكان مُناي أن أبادله كتاباً بكتاب - كما حدث مرات من قبل - لكن المقادير حكمت فوق كل الأمانى وسبقت.
كان هناك أيضاً كثيرون من الرؤساء والساسة العرب والمصريين، وصل كرمهم معي إلى منتهاه، ذلك أن بعضهم لم يكتف بأن يفسح لى من وقته، وإنما أضاف إلى ذلك أن أتاح لي أوراقه الرسمية والخاصة دون قيد غير ما أرتضيه باقتناعى مراعاة للظروف.
هناك أيضاً تقدير ضرورى أريد إضافته، وهو موجّه إلى قسم المعلومات بمؤسسة الأهرام: رئيسه الأستاذ أبو السعود إبراهيم وكل مساعديه بغير استثناء. فعندما كنت أريد مراجعة مناسبة أو تاريخ أو اسم كانت استجابة الجميع رجع صدى لا يتلكأ ولا يتأخر.
هناك كذلك شكر من نوع خاص أوجهه إلى أصدقاء وزملاء فى واشنطن أتاحوا لى مرة أخرى فرصة استخدام قانون حرية المعلومات فى الولايات المتحدة. وفى هذه المرة فقد أمكن الحصول على وثائق كثيرة عربية وإسرائيلية، فضلاً عن الوثائق الأمريكية، وكان بعضها من وثائق وكالة المخابرات المركزية. والذين يعرفون درجة السرية التى تتعامل بها الوكالة مع وثائقها يدركون أى حجم من الجهد كان لازماً للوصول إلى المخابئ والمكامن.
يبقى أن أُعبّر أخيراً عن امتنائى وإعجابى بكل هؤلاء الذين أعطوا جهدهم بإخلاص لنشر الكتاب بسرعة وكفاءة، صادرا عن القاهرة، وذلك بالنسبة لى مطلب غال وعزيز مع ثقتي وإيمانى واعتزازي بكل مركز من مراكز الفكر والتنوير على الساحة الواسعة لهذه الأمة الواحدة.
محمد حسنين هيكل
__________________________________________________
مدخل
هذا الكتاب محاولة واسعة للرد على سؤال من بين الأسئلةالتى أحاطت بالصراع العربى - الإسرائيلى من بداياته، ورافقته فى مختلف مراحل تطوره، وتداعت منه، ولا تزال.
والسؤال الذى يتعرض هذا الكتاب لمحاولة الرد عليه، هو:
لماذا كانت الحرب قريبة؟ وظل السلام بعيداً طوال قرن من الزمان؟ ..
ولماذا جاء السلام - إذا كان ما جاء سلاماً - فى هذه الظروف؟ وبهذا الشكل؟ وبهذه الوسائل ؟ ..
ولماذا كان يجب أن تكون المحاولات من أجل السلام فى الخفاء ، وتحت ساتر الظلام، فى حين أن السلام بالطبيعة أمل يتمناه الناس، والأمل بالطبيعة نور وضياء .
هذا هو السؤال. وأما الإجابة عليه فهى محاولة مقدمة باحترام وحب واعتزاز، إلى أجيال جديدة من شباب هذه الأمة العربية، وبالذات فى مصر. و
هى مرفقة فى النهاية بكلمة اعتذار إليهم جميعا، ذلك أن الكثير مما تحويه هذه الصفحات، يصعب تقديمه إليهم باستعارة عبارة "ونستون تشرشل" المأثورة: "لقد كانت تلك أروع لحظات عمرنا"!
لكن الأمل غالب على اليأس، وهذه منة الخالق على خلقه حينما أعطاهم نعمة الحياة بما فيها الإرادة، ونعمة العقل بما فيه الذاکرة!
محمد حسنين هيكل
__________________________________________________
"التاريخ يسافر إلى المستقبل"
"يا أخت أندلس عليك سلام … هوت الخلافة عنك والإسلام"
(أحمد شوقى)
هذه محاولة لقراءة التاريخ وليس لكتابته. وهى رحلة سريعة مع روايات ووقائع وأحداث ورجال فترة تزيد على قرن من الزمان، ثم هى نظرة بعرض الأفق تعلمت واستفادت من مصادر ومراجع وسجلات لها فضل السبق. ومن الحق التنبيه إلى أن رحلة التاريخ، مثل أى رحلة غيرها، تبدأ من موقف معين وتمشى منه نحو تصور مفترض يصح أو يختلف. وتلك هى طبيعة أى مغامرة فى طلب المعرفة.
(وربما نلاحظ أن هذه المحاولة لقراءة التاريخ متصلة بصميم موضوع هذا الكتاب ، وهو الاتصالات بين العرب واليهود، من قبل إنشاء الدولة، وأثناء الإعداد لإنشائها، وبعده بقليل. ففى هذه الأوقات أصبحت الاتصالات جزءاً من نسيج التاريخ وتلك طبائع الأمور).
________________________________________________
"مقدسات: محرمات"
* سؤال:
"هل كان قرناً عربياً كاملاً من الجنون أو الوهم أو أحلام المغامرين؟"
فى حياة كل جماعة بشرية، وعند أساس كل حضارة إنسائية، تنشأ وتترسخ -بالطبيعة والمعايشة ومطالب الأمان النفسى والمادى - محرمات يمتنع الناس عن مقاربتها وينأون عن محظوراتها، ويعتبرون العبث أو الإخلال بها مجلبة للعنة تحيق بالمجترئين وتلحق بهم شؤماً وعاراً يصعب عليهم الخلاص منهما أو التكفير عنهما.
وهذه المحرمات المحظورات فى حياة الجماعات أو الحضارات ليست أشباحاً مخلوقة من الوهم والخرافة، وإنما هى فى الأصل تعبيرات عن ضرورات وحدود وأصول، وقيم تنزع القطرة السليمة إلى تأسيسها وتحصينها فى أعماق كل نفس ، وتوفر لها نوعا من الحماية الذاتية، تلامس حدود "القداسة" التى تفرض أحكامها بالروادع الداخلية، حتى تلحق بها أسباب القوة أو أسباب القانون.
وحتى من قبل أن تتنزل رسالات السماء، فإن المجتمعات والحضارات صادفت وتعاملت مع "مقدسات: محرمات" ظهرت أصلاً فى إطار العائلة، وهى ما زالت فى حضن الكهف وظلمته، ثم سرت فى ضمائر مجتمعات وحضارات، نمت وازدهرت بالعمران، وكانت عصمة له، ومن ذلك مثلاً:
تحريم الأم على ابنها، والبنت على أبيها، والأخ على أخته.
ومن ذلك: أيضاً حرمة الدم، وحرمة الحق، وحرمة العهد، وحرمة المكان، وحرمة القريب والجار، وحتى حرمة الوثن !
وفى واقع الأمر، فإن هذه "المقدسات: المحرمات" كانت أول تقنين إنساني سبق بالإحساس والضمير، والاعتقاد ما أكدته فيما بعد شرائع السماء وولاية الدول وكتابة القوانين.
ولعل ذلك هو الذى أكسب هذه "المقدسات: المحرمات"، سلطائها الغلاب حتى فيما ترجئ الشرائع أمره إلى يوم الحساب، وحتى فيما لا تراه عيون الدول ولا تطوله مجالس القضاء !
إن اللغة العربية - لسوء الحظ - لم تنخت كلمة لوصف هذه "المقدسات: المحرمات"، تتسع للدلالات التى تحملها كلمة "تابو" "Taboo"، وربما أن لغات غير العربية لم تنجح هى الأخرى فى النحت، ولهذا فإن الكلمة الإنجليزية - "تابو"-"Taboo" ذاعت وشاع استعمالها حتى أصبحت وصفاً عالمياً، دالاً ومقبولاً فى عديد من لغات الأرض لوصف حالة إنسائية مركبة غائرة فى أعماق تجربة المجتمعات والحضارات، وفاعلة مؤثرة فى وجدان البشر وضمائرهم، مستقرة فى لا وعيهم، حاكمة في ذات الوقت على فعلهم الواعى وعلى توجهاتهم.
وبالطبع فإن حركة التقدم واتساع المعرفة تملكان أن تبیحا يوماً ما كان من قبل محرماً، كما أنهما تستطيعان نزع القداسة عما كان مسيطراً بغير مساءلة فى زمن من الأزمان. وقد حدث بالفعل أن العقل أبطل الخرافة، والحكمة أزاحت الكهانة، كما أن رسالة التوحيد نزعت ألوهية الصنم، لكن ذلك احتاج إلى فكر متوهج وإلى تنزيل علوي.
وأكثر من ذلك احتاج إلى صراع حافل وهائل حتى ظهر الحق واتبع الناس طريقه على بيئة ونور. ولقرابة قرن من الزمان، من الثلث الأول للقرن التاسع عشر وحتى الثلث الأخير من القرن العشرين، كانت الأمة العربية تواجه الصهيونية - وحلم دولتها فى فلسطين - على ساحة شائكة محفوفة فى كثير من جوانبها بنوع من ذلك الادراك الذى تختلط فيه "المقدسات: المحرمات" صانعة الممنوع أو المحظور الذى يسمونه: "Taboo".
وقد وصلت المواجهة إلى موقف رفض "للآخر" تجاوز حدود المعقول فى بعض الأحيان. ولم يكن ذلك الرفض ناشئاً عن عرض جنون، أو وسواس وهم ، أو جنوح فئات أو أفراد خطر باحلامهم أن یینوا لأنفسهم مجداً باستغلال فرائز أو مخاوف جماهير طغى عليها الإحباط، فاندفعت تبحث عن عدو تحاربه وتنفث فى وجهه لهب المحبوس والمكبوت فى صدرها !
فالأمة العربية - على تعدد شعوبها - كانت سواء فيما اتخذت من مواقف، ومن الصعب تصور أمة بأسرها يطيح بها الجنون.
كذلك يصعب تصور أمة بأسرها تستسلم لوسواس الوهم مائة عام. ثم إن موقف الرفض لم يكن وحي أو هوى جماعة أو فرد فى عمر من الزمن معين، أو رقعة من المكان محصورة. فالأسر المالكة الثلاث فى العالم العربى: أسرة محمد على باشا فى مصر، والهاشميين خصوصاً فى بغداد، والسعوديين فى الرياض، وجدوا أنفسهم - على الرغم منهم أحياناً - فى موقف الرفض، وكذلك فعلت كل القوى والأحزاب التى تولتالحكم - أو تولت المعارضة - فى مرحلة طلب الاستقلال وبعده، فى سوريا ومصر والعراق ولينان والسودان والمغرب والجزائر وتونس، إلى جائب سلطنات وإمارات ومشيخات فى شبه الجزيرة العربية، والخليج.
وفى هذا "الموقف"، كانت الشعوب أسبق من ملوكها وسلاطينها ومشايخها وقادتها السياسيين. ثم إن الأقليات العرقية والدينية والطائفية فى العالم العربى كانت تزاحم الأغلبية وتسابقها إلى نفس "الموقف".
وفى رفقة هذا الحشد الضخم: فى قصور الملوك والسلاطين والشيوخ، وفى ساحات السياسة والسلطة والحكم، وفى المدن والأرياف والصحارى، كانت ملكات الأمة الفكرية والأدبية والفنية حرفاً وقصيداً، مشهداً ونغماً، لوناً وظلاً - كلها وبغير استثناء - معبرة بحرية وإبداع عن هذا "الموقف".
وعندما تغيرت الظروف وتبدلت الأحوال فى الخمسينات، وبرزت طلائع الثورة القومية فى مصر، واكتسحت موجاتها منطقة ما بين المحيط إلى الخليج، فإن أشياء كثيرة انجرفت أو اترتجت إلا ذلك "الموقف" من الصهيونية واسرائيل، بل لعل "الموقف" زاد صلابة وقوة إلى درجة أنه امتزج عضوياً بآمال التحرر والوحدة والتنمية الشاملة.
ولم يكن ذلك فى عهود التقليد - أو عهود التجديد - جنوحاً إلى الحرب، وإنما كان بالدرجة الأولى طلباً للسلام. وكانت هناك أغلبية فى العالم - شعوبه ودوله - فى آسيا وأفريقيا وأمريكا الجنوبية، وحتى فى أوروبا وأمريكا الشمالية، تتفهم وتؤيد "موقف" العرب فى رفض أمر واقع يراد فرضه عليهم، وتتفهم وتؤيد أيضا مطلبهم فى سلام عادل، وانعكس ذلك بوضوح على قرارات للمجتمع الدولى، ممثلاً فى الأمم المتحدة، وممثلًا فى حركة عدم الانحياز، وممثلاً فى منظمة الوحدة الأفريقية.
وقد صدرت هذه القرارات - واحداً بعد الآخر - بانتظام تستحيل نسبته إلى المجاملات، وأكثر من ذلك فإن قوى كبيرة وقتها لم تتفهم وتؤيد فقط، وإنما أتبعت القول بالفعل فانحازت عمليا إلى "الموقف"، وقاطعت "الآخر" ولم تتعامل معه، وأدات تصرفاته كثيراً، وناوشته بالسلاح أحيانا مدداً "للموقف" ودعماً.
ولم یکن ذلك بدوره عرض جنون أو وسواس وهم أو جنوح مغامرة، وإنما كان استجابة "لمقدسات: محرمات" لها أسباب ودواع حقيقية: تاريخية وإنسانية، كامنة وظاهرة محسوسة وملموسة، مؤثرة على عصرها وعالمها كما هى مؤثرة على أهلها وأصحابها.
إن مراجعةً سربعة وجزئية لحجم وقيمة التكاليف التى اقتضتها "المقدسات: المحرمات"، تقطع بأن الأمة كانت مقدرة لما تفعله عارفة بمسئولياته، وإلا فلم يكن هناك ميرر لهذه التضحيات المتواصلة على امتداد أزمنة حرجة وخطرة شهدت قيام حريين عالميتين: الأولى والثانية. وشهدت ارتفاع وهبوط ثلاث إمبراطوريات: البريطانية والفرنسية والسوفيتية. وشهدت ظهور وتراجع أربع ظواهر مرهقة، هى: الاستعمار، والتمييز العنصرى، والفاشية، والشيوعية.
وکانت أزمنة الحرج والخطر - فی نقس الوقت - أزمنة فتوح ووعود كبرى، تلاحقت فيها خمسة عصور هى: عصر الكهرباء ، وعصر الطاقة النووية، وعصر الإليكترونيات، وعصر الفضاء، وعصر ثورة المعلومات.
ولم تكن الأزمنة الحرجة والخطرة غائبة عن بال الأمة، وهى تتخذ لنفسها "موقفها"، ولا كانت غائبة عنها فتوح ووعود العصور الراكفة إلى قلب المستقبل. والذى حدث هو أن الأمة حملت الخطر والوعد كليهما، وحاولت بكل جهدها أن تتوقى، وفى نفس الوقت تتحرك، وإنما فى إطار الحرص على "المقدسات: المحرمات"، آملة فى الحالتين أن يجىء الخطر وأن تجىء الفتوح والوعود بمعادلات مختلفة.
وکان تقدیر الأمة فی مجمله متوازناً قدر ما سمحت به الظروف. فهى لم تبدأ بقتال، وإنما آثرت أن يكون التزامها فاهما ومفهوما إزاء "المقدسات: المحرمات". تمتنع عن الأولى وتتمسك بالثانية.
ولم تبدأ الأمة بالقتال سنة ١٩٤٨، وإنما تقدمت جيوشها بما لا يتعدى خطوط التقسيم الذى طلبته الأمم المتحدة لفلسطين سنة ١٩٤٧.
ولم تبدأ بالقنال سنة ١٩٥٦. ولم تبدأ بالقتال سنة ١٩٦٧. وإنما كانت حربها دفاعية فى المرتين، ونجحت مرة، ولم تنجح مرة أخرى .
ولأنها لم تنجح سنة ١٩٦٧، فقد أصبح فرضاً عليها أن تأخذ المبادأة وتقدم على القتال بمشروعية حق الدفاع عن النفس، وقد فعلت ذلك فى حرب الاستنزاف على الجبهة المصرية من ١٩٦٧ إلى ١٩٧٠، ثم تصاعدت بممارسة حق الدفاع عن النفس حتى بلغت به ذروته فى حرب أكتوبر ١٩٧٣.
وخلال تلك المواجهات التى تعسكت فيها الأمة "بالمقدسات: المحرمات"، والتزمت فيها حدود الدفاع عن النفس كان حجم التكاليف وحساباتها قاطعا فى نفيه للجنون والوهم والمغامرة، ويمكن الاكتفاء هنا بثلاث جبهات تتوافر الحقائق الكافية عن حجم تضحياتها:
• ما بين بداية المقاومة على أرض فلسطين ذاتها، وهى البؤرة الساخنة للمواجهة، وحتى سنة ١٩٩٣، قدّم الشعب الفلسطينى:
٢٦١,٠٠٠ شهيد
١٨٦,٠٠٠ جريح
٠٠٠ر١٦١ معوق
كما أن قرابة مليونين من الفلسطينيين اضطروا إلى الخروج من وطنهم، وتحولوا بعائلاتهم إلى لاجثين. وهؤلاء الذين خرجوا - وهم مليونان - أصبحوا الآن أكثر من خمسة ملايين، وبالضبط خمسة ملايين وأربعمائة ألف نسمة.
• وما بين سنة ١٩٤٨ وحتى سنة ١٩٩٣ كانت التكاليف فادحة على أصغر بلد عربي وهو لبنان، فقد وصلت به مضاعفات الصراع العربى الإسرائيلى إلى حد الحرب الأهلية، وخرج منها وقد قدم:
٠٠٠ر٩٠ شهيد
٠٠٠رە١١ جرىح
٦٢٧ر٩ معوق
واضطر ٠٠٠ر٨٧٥ من مواطنيه إلى الهجرة خارج بلدهم.
• وما بين سنة ١٩٤٨ وحتى سنة ١٩٧٣ فإن أكبر البلاد العربية مصر وهو الذى تحمل عبء قيادة الجهد العربى الشامل، قدم :
٠٠٠ر٣٩ شهيد
٠٠٠ر٧٣ جريح
٠٠٠ر٦١ معوق
ثم إن أكثر من مليونى مواطن مصرى من منطقة قناة السويس اضطروا إلى الهجرة من بيوتهم - وإن بقيت هجرتهم داخل وطنهم - مرتين: سنة ١٩٥٦ وسنة ١٩٦٧.
وهناك بالتأكيد تكاليف كبيرة وقعت على بلاد عربية أخرى مثل سوريا والعراق، لكن الأرقام الدقيقة ليست متوفرة. وربما أن التكاليف المعروفة بالنسبة لفلسطين (بؤرة الصراع)، وللبنان (أصغر بلد بين أطرافه)، ولمصر (أكبر هذه الأطراف) تعطى على نحوما، فكرة يقاس عليها حيث لا تتوافر المعلومات.
وكانت هناك تكاليف أخرى للموقف من "المقدسات: المحرمات"، ومع ذلك فإن تكاليف الدم تبقى أغلى فى كل الأحوال من أى تكاليف يكون حسابها بالوقت أو بالأعصاب أو بالأموال !
إن المعايير اختلفت ابتداء من سنة ١٩٧٤.
وعندما جاءت سنة ١٩٩٤ كانت العجلة قد دارت دورة كاملة.
سقطت موانع التحريم، كما زالت دواعى القداسة. لكن وجه الغرابة أن مجموعات الحقائق والقيم لم تكن تغيرت، ولا كان سبب الانقلاب نور عقل سطع فجأة، أو حكمة تجلت، أو تنزيلاَ عُلويّاً جاء إلى الناس بشرع جديد.
وكانت ذرائع الانقلاب - (إضافة إلى اتهام "الموقف" الأصلى بالجنون، والوهم، والمغامرة) هى الدفع بتغير الظروف. وكانت الظروف بالفعل تتغير، وهى باستمرار - على اتساع الدنيا وتواصل العصور - فى حالة تغيير لا يتوقف، وإنما كله فى إطار التاريخ الإنسانى وحركته من عتمة الكهف إلى سطح القمر.
ومن المفارقات أن "الآخر" كان أكثر وعياً وعلماً، فقد ظل فى مكانه على أرض التاريخ الإنساني - بل والأسطورى غالبا - وبقى ثابتا على "مقدساته" وعلى "محرماته".
فهى - يعد ادعاء بغياب ألفى سنة - ما زالت: "أرض إسرائيل"، و"شعب الله المختار"، و"مملكة داود"، و"التلمود"، و"أورشليم"، و"يهودا"، و"السامرة"، و"هيكل سليمان"، و"حائط المبكى"، و"التيه"، والـ "هولوكوست"، وهاجس الأمن الذى لا سبيل إلى طمأنته، والشىء الوحيد الذى جد يمتغيرات الزمن والظروف هو مائتا قنيلة نووپة!
________________________________________________
نابليون
"أيها الإسرائيليون: انهضوا فهذه هى اللحظة المناسپة "
( نايليون بونابرت فى نداء موجه ليهود العالم)
تنشأ "المقدسات: المحرمات" فى حياة الأمم والدول - كما فى حالة المجتمعات والأفراد- لأسباب قوية، لها دواع حقيقية ترسخ فى العقول والقلوب، وربما تغيب الأسباب عدَّاً وحصراً فی ضباب الزمن مع کر السنین . لکن الأثر الذی تترکه هذه الأسباب يغوص ویسکن فى أعماق ما يمكن تسميته بالوجدان، سواء على المستوى الفردى للناس أو على المستوىالجماعى للأوطان. وهم يطيعون نداءه الخفى والمستتر واثقين بشكل ما أنهم على حق ، موقنين بطريقة أو بأخرى أنه سلامتهم وسلامهم.
إن بذور "المقدسات: المحرمات" العربية تجاه الصهیونية واسرائيل تعود فی بداياتها وأصولها إلى القرن التاسع عشر. وهو - من أوله إلى منتهاه - واحد من أهم قرون التاريخ سطوة ونفوذا على العصور الحديثة اللاحقة له ...
وطوال القرن التاسع عشر - هذا القرن الأكبر والأخطر من كل ما سبقه فى التاريخ - كان العالم مشغولاً - (إلى جانب الاختراقات الكبرى فى العلوم الطبيعية والإنسانية) - بأربع قضايا محددة استحوذت على اهتمامه وتنازعته فيما بينها :
١ - ظاهرة الوطنية، وقد برزت نتيجة للثورة الفرنسية، ودفعت شعوب الأرض جميعها إلى البحث عن هويتها، وحقها فى تقرير مصيرها، وطلب الحرية والنهوض الاجتماعى.
٢ - ظاهرة التسابق إلى المستعمرات والتنافس عليها بين القوى الأوروبية، وقد علت منها فى ذلك الوقت ثلاث هي: الإمبراطورية البريطانية، والإمبراطورية الفرنسية، والإمبراطورية الروسية التى راحت توجه جيوشها وأساطيلها، وشركاتها المالية أو بعثاتها التيشيرية، إلى قارات الأرض، ترفع أعلامها على مصالح أرادتها لنفسها أو شاءت حرمان الآخرين منها.
٣- المسألة الشرقية، وقد تمثلت بالدرجة الأولى فى عملية التريص بإرث الخلافة العثمانية، التى كانت إمبراطورية شاسعة، تمركزت فى قلب العالم من شواطئ بحر قزوين إلى شواطئ المحيط الأطلسى، وضمّت أقطاراً كثيرة من جنوب أوروبا والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. لكن الوهن أصابها ومرضت وعجزت، وتهيأت كل ممتلكاتها الأوروبية والآسيوية والأفريقية لتكون ميراثا للغالبين الأصحاء القادرين.
لكن هؤلاء لم يكونوا توصلوا بعد إلى اتفاق على تقسيم الإرث رغم نفاذهم إلى الأقاليم والقبائل والعشائر والطوائف فى أملاك الخلافة ومن وراء ظهرها. وبالتالى فقد كان قرار الغالبين المستتر هو تأجيل إعلان وفاة رجل أوروبا المريض - حسب التعبير الشائع فى وصف دولة العثمانيين وقتها - حتى يرتب كل واحد منهم نفسه للغنيمة يرثها بأكملها، أو يحصل لنفسه على حصة الأسد فيها.
وبهذا الشكل بقيت الخلافة كياناً لا يسمح له بالموت، ولا يسمح له بالحياة، إلى حين تستقر حركة موازين القوة فى أوروبا، وبالتالى يطلب كل طرف بين الغالبين نصيبه فى القسمة والإرث.
٤ - المسألة اليهودية، وهى قضية ديانة توزع أتباعها فى أنحاء الأرض. ثم إنهم كانوا هدف عداء استفحل، خصوصاً حول مواضع كثافة التواجد اليهودى فى شرق أوروبا وروسيا، ووقتها كان ٩٠٪ من يهود العالم (وعددهم الإجمالى ١٢ مليونا) يعيشون على تخوم ما بين روسيا وبولندا، ويتعرضون بين الحين والآخر لغارات دموية تولدها احتكاكات دينية واجتماعية وفكرية اشتهرت باسم الـ Pogrom، وهى كلمة روسية الأصل تعنى "التدمير المنظم لطبقة أو اجماعة".
وقد التصق استعمالها بتاريخ اليهود فى شرق أوروبا، وأصبحت من أشهر الكلمات تردداً فى الصحف العالمية طوال القرن التاسع عشر عندما تكررت مذابح اليهود فى روسيا وبولندا.
_________________________________________________
بريطانيا
" تحدثت إليه عن آلام اليهود فلم يسمعنی، وحدثته عن مصالح بريطانيا، فترك كأس اليراندى الذى كان فى يده، ولمعت عيناه وبدأ يسمعنى "
(اللورد "شافتسبرى" فى وصف حديث له مع "بالمرستون" رئیس وزراء پريطانیا )
كان "نابليون بونابرت" يعتقد - بدراسة الجغرافيا والتاريخ - أن مصر هى أهم بلد فى العالم، وقد أصبح مؤمناً، بعد دراسته للاستراتيجيات الإمبراطورية بأن الاعتقاد الذى توصل إليه بشأن أهمية مصر حقيقة لا تقبل الشك، وقد كرر التعبير عن هذا الاعتقاد والإيمان كثيرا فى تقاريره ومذكراته وأحاديثه، حتى تلك التى أجراها فى المنقى وهو بعيد فى جزيرة "سانت هيلانة" معزول بمحيطات وبحار عن السياسة وعن الحرب وعن الدنيا بأسرها.
كان الموقع المصرى فى تقديره فريداً:
• معبر مطل على البحر الأبيض النافذ من جبل طارق إلى الأطلنطى، متناهياً إلى العالم الجديد فى أمريكا، ثم هو مطل على البحر الأحمر الذى يمكن وصله بالبحر الأبيض فى أحلامه والذى يتدفق بياهه جنوباً حتى يدخل إلى بحر العرب عند عدن، ويمتد إلى المحيط الهندى ثم إلى المحيط الهادى.
• ثم هو بلد مستقر قرب رأس أفريقيا، مستند فى الوقت نفسه على كتف آسيا.
• ثم هو أرض تصلح بطبيعتها السهلة ومواردها الزراعية لأن تكون قاعدة مأمونة لجيش كبير یأكل ويسكن ويستعد فى أمان.
• وأخيراً، فإنه موقع حاكم على طرق التوسع الإمبراطوري، خصوصاً إلى الهند وما حولها وما وراءها، وبالتالى فالحصول عليه مقدمة ضرورية لأي قوة تريد أن تتصدى لبريطانيا، وتريد أن تتحدى سيطرتها على التجارة وعلى البحار.
لكن "نابليون" لم يكن ينظر إلى مصر وحدها، وإنما كان يراها فى اتصال غير قابل للانفصال مع السهل السورى الذى يشكل معها زاوية قائمة تحيط بالشاطئ الشرقى -الجنوبى للبحر الأبيض، وهذه الزاوية القائمة بضلعها الجنوبى فى مصر تمد تأثيرها بالعرض إلى كل الساحل الشمالى لأفريقيا، وبالطول إلى الجنوب حتى منابع النيل، ثم إنها بضلعها الشمالى فى سوريا تلامس حدود بلاد ما بين النهرين (العراق) وشبه الجزيرة العربية والخليج ، وحتى طرق الاقتراب البرى والبحرى إلى فارس والهند.
وهكذا فإن "نايليون" - شأنه شأن من سبقوه من الفاتحين - لم يكد يستقر فى مصر حتى راح يمد بصره إلى سوريا، وحتى تكون الزاوية الجنوبية لشرق البحر الأبيض تحت سيطرته بالكامل. وكان ذلك بالضبط ما فعله فراعنة مصر وأباطرة الإغريق وقياصرة الرومان وأكاسرة الفرس.
وهو نفسه ما قام به الخلفاء المسلمون فى أعقاب عصر النبوة، ثم تواصل بعدهم بأمراء المؤمنين من الأمويين والعياسيين، ثم حفظ دروسه فيما بعد كل حاكم تولى أمر مصر ابتداء من "أحمد بن طولون" و"صلاح الدين" وحتى مماليك مصر العظام من أمثال "الظاهر بيبرس" و"قلاوون".
أى: أنه وعلى طول العصور كان لا بد أن تكتمل الزاوية الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض لتدخل فى إطار سياسى واحد، يجعل كل ضلع منها تأمينا للضلع الثانى .. ضرورة جغرافيا وعبرة تاريخ!!
لكن المعضلة فى ظن "نابليون" أن سوريا قريبة بأكثر مما ينبغى من مقر الخلافة فى تركيا، وقد يكون معكنا فى يوم من الأيام - طبقا لتقديراته - أن تتصدى دولة الخلافة لمشروعه وتقاتله فى ولايتها السورية، وتجد فى ذلك عونا من إمبراطوريات أخرى منافسة له، كالإمبراطورية البريطانية.
إضافة إلى ذلك فإن "نابليون" - مع اعتقاده ويقينه بأهمية الزاوية التى لا بديل عنها، كان يخشى إلى جانب الخطر الخارجى من أن الإسلام والعروبة فى كل من مصر وسوريا -ضلعي الزاوية يقدران فى يوم من الأيام - كما حدث من قبل خلال الحروب الصليبية - على صنع قوة ذاتية تتشجع علی الانفلات من قبضته، وقد تواجهه بما لا يتحسب له أو يريده !
وكان ملفتاً أنه على امتداد التاريخ، كان كل من ضلعى الزاوية الاستراتيجية الحيوية فى حالة بحث مستمر عن الآخر بصرف النظر عن متغيرات الظروف، وأوصاف العصور وصراعاتها فرعونية أو رومانية، بيزنطية أو إسلامية ، صليبية أو استعمارية !
___________________________________________________
محمد على باشا
"للبمامة عشها وللثعلب كهنه"
( الشاعر البريطانى اللورد "بايرون" فى إحدى أفنياته العبرية)
مع بداية القرن التاسع عشر كانت الأجواء فى بريطانيا معبأة لمعركة تصفية الخلافة العثمانية. فقد بدا أن هذه تركة حان موعد إرثها . ومضت السياسة تبلور خططها، والقيادات العسكرية ترسم خرائطها، وحتى الأدب والشعر دخلا ساحة المعركة دون أن يعنى ذلك أن أوامر صدرت للأدباء والشعراء بأن يدخلوا، وإنما الذى يحدث عادة أن المتاخ العام السائد فى أى بلد من البلدان فى لحظة معينة من حياته يمد تأثيره على كل شىء من المدفع إلى المسرح ومن القنبلة إلى القصيدة !
إن معركة الهجوم على دولة الخلافة بدأت - وكان ذلك منطقيا - بهجمات متواصلة على الممتلكات الأوروبية للدولة العلية بمطلب تحرير المسيحيين من أسر الخليفة العثمائى المسلم.
وفجأة دخلت الورقة اليهودية، بريطانية هذه المرة بعد أن كانت فرنسية. وبما أن اليهود کانوا یعیشون فی سلام باستمرار تحت حكم السلطان العثمانى متفرقين فى ممتلكاته، وقد آوت كثيرين منهم بعد الخروج من الأندلس سوياً مع المسلمين، فإن تحرير بلد يهودى لم يكن وارداً.
لكنه فى مناخ بدايات القرن التاسع عشر راحت فكرة إنشاء وطن قومى لليهود تأخذ حيزا يزيد كل يوم. وبالنسبة لشاعر مثل "بايرون" فإن قصائده عن اليونان ما ليثت أن أفسحت طريقا فى إلهامه لمجموعة القصائد التى سماها "الأغانى العبرية"، وأولها قصيدته المعروفة:
" لليمامة عشها، وللثعلب كهفه..
ولکل شعب أرضه إلا الپهودی..
فليس عنده غير قبره "
لم يكن الشعر حتى عند "بايرون" بعيدا عن السياسة. فالسياسة (توسعية عسكرية، أو اقتصادية أو مالية، أو استيطائية عنصرية فى هذا العصر) كانت ملء الأجواء. ومن الطبيعى أن الشواغل العامة لا يمكن أن تكون بعيدة عن إلهام الشعر، حتى وإن كان اقتراب هذا الإلهام من السياسة غير مباشر، وبالشعور دون التفكير المقصود والمنظم.
إن الزعيم الصهيونى "ناحوم سوكولوف" رفيق "هيرتزل" فى فكرة تأسيس الدولة كتب فى مذكراته يقول: إنه فكّر طويلاً وتأمل فى الأسباب التى دعت إنجلترا إلى التحمس للمشروع الصهيونى فى فلسطين ومساندته. وقال فى مقدمة هذه المذكرات:
أرتيها كما يلى :
"إننى سألت نفسى كثيرا عن أسباب تأييد إنجلترا لحركتنا، وتوصلت إلى أربعة أسباب:
١ - الطابع الإنجيلي للشعب الإنجليزي.
٢ - تأثير الإنجيل فى الأدب الإنجليزي.
٣- محبة فلسطين عند الإنجليز.
٤ - السياسة الإنجليزية فى الشرق الأدنى طوال القون التاسع عشر.
ومن البديهى أن الأسباب الثلاثة الأولى تنتمى إلى عالم التأليف والإنشاء، وأما السبب الرابع فهو وحده السبب الذى ينتمى إلى عالم الحقائق والمصالح.
وكانت أهم مصالح إنجلترا فى ذلك الوقت هى ضرب "محمد على" باخراجه من سوريا - واحتوائه فی مصر - وخلق عازل حاجز بين مصر وسوريا.
_________________________________________________
بالمرستون
* بريطانيا تريد جمهورية يهودية، وفرنسا يجب أن تصر على مملكة مسيحية عاصمتها القدس "
(الشاعر الفرنسى "ألفونس دى لامارتين" فى خطاب أمام مجلس النواب الفرنسى)
فرضت القوى الأوروبية على "محمد على" (باشا) بعد هزيمة سنة ١٨٤٠ معاهدتين، أولاهما: خاصة بحقه فى ولاية مصر ووراثتها فى خلفائه من بعده، وکانت أهم بنودها ثلاثة بالترتيب التالى:
١- وقف عملية التصنيع الكبيرة التى كان مندفعا إليها.
٢ - تقليص حجم الجيش المصرى إلى الحد الكافى لحفظ الأمن داخل مصر.
٣- فتح مصر للتجارة الدولية بدون عوائق أو قيود.
وأما المعاهدة الثانية التى فرضت عليه، فقد كان غريبا أن يكون عنوانها "معاهدة لندن لتهدئة الأحوال (Pacification) فى سوريا". وكان ظاهر نصوصها تحقيق خروج "محمد على" من سوريا. وفى حقيقة الأمر فقد كانت هذه هى المعاهدة التى تمهد المسرح لهجرة يهودية واسعة إلى فلسطين، ولتحقيق المطلب الأساسى فى إرث ممتلكات الخلافة العثمانية فى الشرق، وبالتحديد فى تلك الزاوية الاستراتيجية الهامة المحيطة بشرق البحر الأبيض والتى تمثلها مصر وسوريا.
__________________________________________________
روتشيلد
"أنتم طردتم محمد على من الشام ولكنكم تركتم وراءه فراغا لم يملأه أحد"
( البارون "روتدیلد لرئيس وزراء بريطانها)
من الصعب نسبة استراتيجية كاملة لإمبراطورية بأسرها إلى عنصر واحد أو إلى مطلب بعينه. فمن الطبيعى أن العناصر تتعدد وتتقابل وتتقاطع، بحيث يخرج منها تصور إستراتيجي واسع تتواصل عملية ترتيبه على مراحل تتفاعل مع متغيرات الظروف. وبالتالى فإنه من التعسف افتراض أن الهدف الوحيد للسياسة البريطانية فى المشرق كان تحقيق الفصل بين مصر وسوريا، وزرع وطن قومى لليهود فاصلاً بينهما عند نقطة الاتصال بين ضلعى الزاوية الاستراتيجية الكبرى فى جنوب شرق البحر الأبيض.
كانت هناك عناصر أخرى بالتأكيد، منها مطالب تأمين خطوط المواصلات الإمبراطورية مع الهند، ومنها مطالب السيطرة على طرق التجارة البحرية، ومنها مطالب الصراع على البحر الأبيض والبحر. الأحمر، ومنها مطالب لندن فى تأكيد مركزها المالى والتجارى الحاكم. ومع ذلك فإن هذه المطالب كلها، وهى حقائق واقعة، لا تنفي أنه فى تلك الفترة من منتصف القرن التاسع عشر كان فصل مصر عن سوريا - وإنشاء عازل بينهما - مطلباً من أهم وأعز مطالب السياسة البريطائية. وهذه عملية تواصلت خطاها، ظاهرة ووائقة على خط ممتد من معاهدة لندن سنة ١٨٤٠ وحتى صدور "وعد بلفور" سنة ١٩١٧.
وفى أعقاب توقيع معاهدة سنة ١٨٤٠ مباشرة كانت الخطوة البريطانية الأولى هى تمهيد الأرض فى سوريا، أخذاً فى الاعتبار أن فلسطين فى ذلك الوقت كانت بأكملها ولاية من ولايات الشام.
__________________________________________________
دزرائيلى
"الذهب جاهز لإتمام الصفقة بأسرع ما يمكن"
(البارون "روتشيلد" لـ "دزرائيلى")
إذا كان من الخطأ تصوير التاريخ على أنه مؤامرة، فالأشد تورطاً فى الخطأ تصويره على أنه مصادفة. والواقع أن التاريخ أفكار وخطط وارادات أمم وشعوب وأفراد، وصراعات مصالح وقوى تطلب التفوق والغلبة، وتسعى للمعرفة سعيها للفائدة.
إن سلسلة الحوادث الكبرى التى وقعت فى الربع الأخير من القرن التاسع عشر فی مصر وحولها، وبالذات فى فلسطين، تصعب نسبتها إلى عبث المصادفات.
● سنة ١٨٧٥ قام "دزرائيلى" بمساعدة "روتشيلد" بشراء الحصة المصرية فى شركة قناة السويس. وبدأت القصة حينما عرف "هنرى أوبتهايم" - وهو مالي يهودی من دائني الخديو "إسماعيل" - أن والي مصر يريد أن يبيع أسهمه فى شركة قناة السويس، وأنه يبحث عن مشترٍ يأخذها سرّاً، ويدفع ثمنها نقداً، فهو يخشى أنه إذا عرف دائنوه برغبته مبكراً، وإذا تم تحقيق هذه الرغبة بوسائل بنكية ، فإن هؤلاء الدائنين - وهم كثر - سوف يسبقونه بالحجز على ما قد يتحصل عليه من الصفقة.
وسمع مالي يهودى آخر (وصاحب جريدة فى نفس الوقت) هو "جرينوود" بالقصة من "أوبنهايم"، وكان أن توجه على الفور إلى وزير خارجية إنجلترا - اللورد "ديربى" وقتها - وأبلغه بما سمع، وأخذه وزير الخارجية معه فوراً إلى مكتب رئيس الوزراء "دزرائيلى" معتبراً أن هذه فرصة لإنجلترا تضع فيها موطئ قدم فى مصر.
________________________________________________
هيرتزل
"سليل الفراعنة الذين اضطهدونا يطلبون مساعدتى أنا اليهودي"
( "هيرتزل" بعد لقائه بـ "مصطفى كامل" باشا)
كانت ميزة "هيرتزل" على كل الآخرين فى زمانه أنه استطاع استيعاب مجمل الظروف الاستراتيجية، ورأى أن اللحظة مناسبة لكى يتخلى العمل اليهودى عن سواتره، بما فى ذلك التبشير والهجرة الخيرية، وأن يدخل مباشرة - وبقوة - إلى عالم الحقائق السياسية.
__________________________________________________
ماكماهون
" علماء الآثار تحولوا كلهم إلى ضباط مخابرات"
(واحدة من حقائق الدبلوماسية الخفية لبريطانيا فى الحرب العالمية الأولى)
فى السنوات الأولى من القرن العشرين كانت موازين القوى الدولية، وخطوط التحالفات الدولية تتحرك وتظهر معالمها وتوجهاتها مشيرة إلى احتمالات صدام كبير قادم. ففى سنة ١٩٠٤ توصلت بريطانيا وفرنسا إلى الاتفاق الودى بينهما، وفى نفس الوقت فإن ألمانيا التى خرجت تطالب بمستحقاتها فى توزيع المستعمرات، انهمكت أيضا فى بناء قوة عسكرية ضخمة، ثم إنها راحت تفكر فى تحالفات سياسية وعسكرية جديدة جعلتها تسعى نحو تركيا التى كان حكامها ينظرون بشك إلى الخطط البريطانية فى الشرق.
فإنجلترا، رغم وعود متكررة بالجلاء عن مصر، تثبت أقدامها فى وادى النيل، وتحكم قبضتها على السودان. وهى كذلك تساعد بشدة على زرع عشرات المستوطنات اليهودية فى فلسطين. وفى نفس الوقت فإن فرنسا - خصوصاً بعد الوفاق الودى مع إنجلترا - تقوم بتحركات تثير الريب فى بيروت ودمشق.
وفى الواقع، فإن خطوط الحرب العالمية الأولى وتحالفاتها راحت مبكراً تحفر مجاريها. وإزاء هذه الظواهر كانت استانبول تقترب يوما بعد يوم من برلين، وكل الإشارات تدل على أن منطقة الشرق الأدنى تقترب من ساعة الحقيقة التى تتقرر فيها المصائر. ولم يكن لدى أحد من المراقبين شك في أن هذه المنطقة سوف تشهد بعضاً من أهم معارك القتال من أجل رسم خريطة جديدة لمواقع القوة والنفوذ.
_________________________________________________
عزيز المصرى
"قابلت نوري السعيد. بدا لى ضابطاً حالماً، له ميول اشتراكية"
(السير "بيرسى كوكس" بعد أن عثر على "نوري السعيد")
فى الوقت الذى كان فيه "المكتب العربى" يحاول استكشاف الفكر والنوايا العربية والتيارات الفاعلة فى العالم العربى، كان بعض العرب المطالبين بالحرية والاستقلال يحاولون استكشاف النوايا البريطانية فى الشرق الأوسط، وقبل أن تقوم الحرب أيضاً.
وتكشف الوثائق البريطانية التى فرضت عليها السرية - بعضها لمدة خمسة وسبعين عاماً وبعضها لمدة مائة عام - وبينها الوثيقة ٢١/٤٦٢٦١ - ٧٣١ - المعنونة "حديث بين الكولونيل عزيز المصرى والمسترر. أ. م.راسل" بمكتب المستشار الشرقى لدار المعتمد البريطائى في مصر - وبتاريخ ١٦ أغسطس ١٩١٤ -عن تفاصيل بالغة الأهمية بخصوص القيادات العربية التى كانت تبحث عن الحرية والاستقلال بعيداً عن تركيا، وتتصور أنها تستطيع أن تتعاون مع بريطائيا لتحقيق هذا الهدف .
"عزيز المصرى" باشا شخصية بصرية فريدة، فقد كان ضابطاً فى الجيش التركي، ووصل إلى مراكز قيادية، وشارك فى الثورة العربية، وعمل فيما بعد مشرفاً على تربية الملك "فاروق" ودار صراع بينه وبين المشرف الآخر على نفس المهمة وهو "أحمد محمد حسنين" باشا (وهو رئيس الديوان الملكى فيما بعد).
وقد أصبح "عزيز المصرى" باشا مفتشاً عاماً للجيش المصرى بعد معامدة سنة ١٩٣٦، واختلف مع الإنجليز واعتقل مدة الحرب العالمية الثانية بتهمة التعاون مع الألمان. وقد اعتبر أبا روحيا لحركة الضياط الأحرار التى قادت ثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢ فى مصر.
________________________________________________
مارك سايكس
"من الذى قال لنائب الملك فى الهند إننا نريد حكومة عربية موحدة ومستقلة؟"
(تأهيرة لوزير خارجية بريطانيا السير "إدوارد جراى" على مذكرة من الحاكم العام البريطانى للهند)
مع دخول تركيا الحرب عاد المركز الإمبراطورى فى القاهرة يستعيد ثقله ووزنه في صنع السياسة البريطانية. وبالفعل فإن القاهرة فى بداية سنة ١٩١٥ تحولت إلى قيادة متقدمة للجهدين العسكري والسياسي للحلفاء. ولاح على الفور أن ما توقعته الاستراتيجية البريطانية من هجوم تركى في اتجاه قناة السويس على وشك أن يتحقق. وبالتالي فإن قائد القوات البريطانية فى مصر - الجنرال "ماكسويل" - صدرت إليه الأوامر بأن يستعد لصد هجوم تركى محتمل، وأن يكون جاهزاٍ بعده لأخذ زمام المبادرة والتقدم عبر سيناء إلى فلسطين.
وهكذا أصبح مستقبل الممتلكات التركية فى المشرق مطروحاً للمناقشة وللقرار. ومع تدفق قوات عسكرية من كل أرجاء الإمبراطورية على مصر استعداداً لملاقاة الهجوم التركي المحتمل والرد عليه، فإن النشاط السياسى فى القاهرة بلغ ذروة عالية:
١ - كان مكتب القاهرة طرفا فى التنسيق الضرورى الذى قامت به لندن مع باريس، فالظروف فرضت بنفسها قيام مسرح رئيسى للعمليات خارج أوروبا. ثم إنها طرحت طرحاً وقع ضرورة الاتفاق على خطوط عامة لقسمة التركة العثمانية. وكانت لندن وباريس قد اتفتتا على خطوط رئيسية :
• إنه لا بد من فصل بين "الساحل" و"الداخل" فى خريطة جديدة للعالم العربى. فالقوى الأوروبية يمكن أن تتقاسم النفوذ فى "الساحل" المطل على البحر الأبيض والمحيط به.
وأما "الداخل" بكل ما فيه من الصحارى والقبائل فأمره معقد ويمكن تركه للعرب إذا ما ساعدوا على هزيمة تركيا.
• وهكذا أضيف إلى تقسيم العالم العربى خط رأسى مواز للخط الأفقى.
- الخط الرأسى يعزل "الساحل" عن "الداخل".
- والخط الأفقى يعزل مصر عن سوريا (بوطن قومى لليهود فى فلسطين طبقاً للسياسة البريطانية من "بالمرستون" إلى "دزرائيلى" إلى "لويد جورج").
وكانت فرنسا تريد سوريا الشمالية وتعتقد أن لها حقوقا تاريخية فى بيروت وجبل لبنان وما حولهما إلى وديان الشام، بما فى ذلك دمشق وحمص وحلب وحماة والموصل (شمال العراق) .
__________________________________________________
الشريف حسين
"المفاوضة على الحدود والتخوم سابقاً لأوانها وهى مضيعة للوقت الآن"
(المعتمد البريطائى فى مصر "ماكماهون" فى خطاب إلى شريف مكة )
يستطيع أى قارئ لمجموعات الوثائق البريطانية لرئاسة مجلس الوزراء ولوزارة الخارجية ولوزارة المستعمرات ولوزارة الحربية ولوزارة شئون الهند، أن يكتشف بدون عناء أن السياسة البريطانية، لم يكن فى نواياها ولا فى خططها ما يشير إلى أنها تريد أن تفى بكل التعهدات التى قطعتها على نفسها أثناء الحرب. يستوى فى ذلك تلك العهود التى اتفقت عليها مع فرنسا بمقتضى اتفاقية "سايكس - بيكو"، أو تلك التى أعطتها لقيادات الثورة العربية فى ذلك الوقت: الشريف "حسين" وأبناؤه، أو "عزيز المصرى" ورشيد رضا"، وغيرهم.
والشاهد أن أكثر ما يكشف الرغبات الحقيقية للحكومة البريطانية، هو مجموعة محاضر لوزارة الحرب التى ناقشت الاستراتيجية العليا لبريطانيا فى منطقة الشرق الأوسط. وقـد اعتمدت هذه المناقشة بالدرجة الأولى على تقرير قدمه اللورد "كيتشئر" وزير الحربية، وهـو فى نفس الوقت خبير بقضايا المشرق من تأثير خدمته الطويلة فى مصر.
وفى مجموعة الوثائق السرية لمجلس الحرب البريطانى، (مجموعة الوثائق التى تبدأ. بمحضر اجتماع لمجلس الوزراء رقم ١/٢٧ (مجلس الوزراء) إلى برقية وزارة الخارجية رقم س ٦٣٥٤٩) - وهى مجموعة يضمها دولاب كامل فى محفوظات سنوات الحرب وتصل إلى قرابة ثلاثة آلاف صفحة -وكشفت عن النوايا الحقيقية لوزارة الحرب البريطانية.
________________________________________________
لورانس
"بسيفك لا بسيف الإنجليز"
(قصيدة لشاعر الملك "عبد العزيز فى وصف دخول الأمير فيصل إلى دمشق )
عند هذا المنعطف الخطير من التاريخ العربى الحديث، لم يكن العرب يتفاوضون أو يتحاورون مع العالم باعتبارهم قوة لها رأى ولها دور فى مستقبل المنطقة التى يعيشون فيها.
ولقد كان مؤسفا فى تلك اللحظة أن العناصر القومية التى كان يمكن أن تتوافر لديها المعرفة وبعد النظر الكافيان للمشاركة فى صنع المستقبل بعدت وغابت.
ومن ناحية أخرى، فإن الشريف "حسين" راح يحاول أن يدير أموره مع الحكومة البريطانية بطريقة مستقلة، لكنه لم يكن يملك المعرفة بشئون العالم أو الثقافة السياسية الكافية للتعامل مع خطط إمبراطورية واسعة ومعقدة. وقد بدأ يحس على نحو ما أنه حتى أولاده يتصرفون بمعزل عنه.
ولم يكن الشريف "حسين" راضيا فى أعماقه عن تقدم "فيصل" مع "لورانس" إلى الشام دون تشاور كاف معه ودون أمر صريح منه . وبدأت المخاوف تراوده من أن "فيصل" يريد سوريا لنفسه. وفى ذات الوقت فإن "فيصل" كان يشكو لـ "لورانس" ولغيره من الضباط الإنجليز "إن الوالد لا يعرف ما فيه الكفاية عن العصر الحديث، وهو غير قادر على التعامل مع عالم جديد سوف يظهر بعد الحرب".
وكان الأمير "عبد الله" لا يخفى ضيقه هو الآخر بـ "سياسات الوالد"، ولا يكف عن إظهار قلقه من انفراد شقيقه الأصغر: "فيصل" برضا الإنجليز دونه، وقد أقلقه أن "لورانس" انفرد بـ "فيصل" وأخذه مع جيشه فى اتجاه العقبة، ويعدها إلى دمشق.
وبدوره فإن الأمير "عبد الله" سحب جيشه وراءه وتوجه هو الآخر شمالاً، حتى وصل إلى منطقة عمان فى شرق الأردن، وتوقف هناك بمعسكره ينتظر ما سوف يحدث، سواء فى جدة أو فى دمشق.
ولم تكن حكومة الهند راضية بالمرة عن سياسات مركز القاهرة، معتبرة أن هذا المركز الذى أنشأته وقوته ظروف الحرب يرسم خططاً قد تؤثر على الأوضاع فى الهند. وفى ذلك الوقت فإن السير "بيرسى كوكس" (رئيس مكتب دلهى) راح يناوئ خطط التعاون البريطانى - الهاشمى، ويعطى كل تشجيعه وتأييده لأمير نجد "عبد العزيز آل سعود"، ويشير له من طرف خفى بخلافة المسلمين، فهو العربى الأصيل الخارج من قلب الصحراء، والذى لم يتأثر بالثقافة وطرق الحياة التركية -كما حدث للهاشميين الذين عاش معظمهم سنوات شبابه فى إستانبول.
ويوم وصل "فيصل" بجيشه إلى مشارف دمشق بعد أن انضمت إليه أعداد من بقایا القوميين والوطنيين فى سوريا الذين كانوا يعللون أنفسهم بأي أمل يستبقى فى أيديهم ولو جزءاً من حلمهم، فإن سلطان نجد كان على استعداد لأن يسخر علناً من خصومه الهاشميين. ووقف شاعر بلاطه، وهو وقتها "فؤاد حمزة" (أصبح فيما بعد سفيره فى تركيا)، يلقى قصيدة يسخر فيها علناً من دخول "فيصل" إلى دمشق.
وكانت بداية القصيدة بيتاً، يقول فيه:
"بسيفك لا بسيف الإنجليز … دخلت الشام "ايزي" ثم "ايزي"
مستعملا كلمة (easy) الإنجليزية، ومعناها "سهل"، لتكملة الشطرة الثانية من بيت الشعر وتركيب قافيتها على نفس الروي.
__________________________________________________
بلفور
"سوف تحدث فى المستقبل محاولة مصرية لاعتراض حقنا فى قناة السويس"
(مذكرة مرفوعة لرئيس وزراء بريطانيا سنة ١٩٢١ )
كانت تلك هى الظروف التى صدر فيها "وعد بلفور" الشهير موجهاً من وزير الخارجية البريطانى اللورد "آرثر بلفور" إلى زعيم اليهود الإنجليز وراعى المنظمة الصهيونية اللورد "جيمس روتشيلد". كان نص الوعد بسيطا واضحا وقاطعا، وكان على النحو التالى:
"وزارة الخارجية -٢ نوفمبر ١٩١٧
عزيزى اللورد روتشيلد:
إنه من دواعى سرورى الكبير أن أنقل اليكم باسم حكومة صاحب الجلالة الإعلان التالى عن التعاطف مع الأمانى اليهودية والصهيونية الذى تم عرضه وإقراره بواسطة مجلس الوزراء ونصه كما يلى:
إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بالعطف إلى إنشاء وطن قومى للشعب اليهودی فى فلسطين. وسوف تبذل قصاری جهدها لتسهيل تحقيق هذا الهدف.
ومن المفهوم أن هذا الإعلان لا يمثل تحيزاً ضد الحقوق المدنية والدينية لطوائف غير يهودية موجودة في فلسطين. كما أنه لا يؤثر على الأوضاع القانونية أو السياسية التی یتمتع بها الیهود فی الیلاد الآخری.
وسأکون شاکرا لکم إذا تفضلتم وأبلغتم هذا الإعلان لعلم الاتحاد الصهيونى.
"المخلص - آرثر بلفور"
وربما أن أهم ما يمكن ملاحظته فى الظروف المتصلة بصدور "وعد بلفور"، هو ما تقول به وثيقة بريطانية تحوى محضرا لجلسة مجلس الوزراء بتاريخ ٣ سبتمبر ١٩١٧ (أثناء مناقشات صدور "وعد بلفور" وفي التمهيد لإعلائه)، وقد ورد فى محضر الجلسة أن وزير الحربية "ايرل ديربى" أبلغ المجلس أن"وفداً يهودياً على مستوى عال يمثل المؤتمر الصهيونى توجه لمقابلته، وعرض عليه رغبة يهود العالم فى مشاركة الحلفاء في تضحية الدم، وذلك بتشكيل قوة من اليهود يطلق عليها اسم "الفيلق اليهودي" حتى تحارب في صغوف الحلفاء، ومن ثم يكون لهم دور فى تحقيق النصر".
ومن المقارقات أن الصوت الوحيد الذى ارتفع فى مجلس الوزراء لمعارضة الاقتراح كان صوت اللورد "مونتاجو" وزير شئون الهند (وهو يهودي أيضاً)، وقد بنى معارضته على أساس أن هناك أربعين ألف يهودى يحاربون فى صفوف الجيش البريطاني، وإنه ليس من العدل نحوهم ونحو سمعتهم تمييز لواء واحد وتسميته باسم "الفيلق اليهودي".
وضاع صوت اللورد "مونتاجو" هباء. وأقر المجلس مشروع تكوين فيلق يهودي يشارك فى الحرب العالمية الأولى وتكون منه قوة عسكرية يهودية مستعدة للمستقبل جاهزة له.
__________________________________________________
فيصل
"يجب أن تتخذ الإجراءات الكفيلة بتشجيع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والحث عليها"
( اتفاق "فيصل وايزمان")
كانت الأمة العربية لا تزال تعتقد أنها شاركت فى ثورة عربية كبرى ، وأنها اختارت بمشيئتها الحرة شريف مكة وأبناءه لكى يتولوا قيادتها. وهكذا فإن إعلان "وعد بلفور" بعد اتقاقية "سايكس- بيكو"، جاء ضرية صاعقة لهؤلاء الذين ظنوا أن الحرب العالمية الأولى وسقوط الدولة العثمانية سوف يستتبعهما بالضرورة قيام دولة عربية جديدة تشمل الشام كله والعراق والحجاز.
وكان أول رد فعل للأمة هو أنها راحت تتلفت بمشاعر يختلط فيها القلق والأمل صوب الأمراء الهاشميين، تنتظر ردهم على الصدمة وتتوقع منهم حلولاً لمفاجآت الأمور وعواقبها.
ومن الحق أن ذلك كان فيه تحميل للأمور بأكثر مما تحتمل، ذلك أن المخططات الدولية كانت أقوى من علم ومن طاقة الأمراء، ثم إن هؤلاء الأمراء كانوا بشراً يعتريهم ما يعترى البشر من أسباب للضعف والقصور.
وقد وجدت الحكومة البريطانية على أي حال أنه من المفروض عليها أن تتصل بالأمراء لکی تشرح لهم أسبابها فیما یتعلق باتفاقية "سایكس -بيكو" (وقد أذيعت نصوصها سنة ١٩١٧) - وتوافق ذلك بالضبط مع صدور "وعد بلفور". فقد ذهب الكوماندر "هوجارت" (ممثلا لمكتب القاهرة) لمقابلة الشريف "حسين" فى جدة يبلغه رسالة تختص بمشروع "سايكس - بيكو" وبـ "وعد بلفور"، وكتب الكوماندر "هوجارت" تقريراً عن المقابلة، قال فيه:
- "فيما يتعلق بـ "سايكس -بيكو"، قال الشريف "حسين" إنه إذا كان هناك تعديل ثانوي فى الخطط الأصلية تفرضه ضرورات الحرب، فهو مستعد لأن يعترف بمثل هذه الضرورة بصراحة. ولكنه طلب أن نبلغه بمثل هذه الصراحة تفاصيل التعديلات المطلوبة والضرورات التى تقتضيها.
ثم أثار الشريف "حسين" مطالب فرنسا فى سوريا، ورد عليه الكوماندر "هوجارت" قائلاً:
"إن فرنسا صارت ترى الأمور بعيوننا (يقصد عيون الإنجليز) فيما يتعلق بسوريا، وكل ما تريده فرنسا هو أن تحمى وتساعد على استقلال سوريا".
وبدا أن الشريف "حسين" كان مقتنعاً.
- وفيما يتعلق بـ "وعد بلفور" فإن الكوماندر "هوجارت" راح يشرح للشريف "حسين" تفاصيل طويلة عن نمو الحركة الصهيونية خلال الحرب، وعظم قيمة المصالح اليهودية والنفوذ اليهودي، وإنه من المفيد التعاون معهم (يقصد اليهود ومصالحهم ونفوذهم).
- كان رد الشريف "حسين" يفيد باستعداده لقبول صيغة "وعد بلفور".
وروى الكوماندر "هوجارت" فى تقريره لوزارة الحرب فى لندن "إن الشريف وافق بحماسة، قائلاً إنه يرحب باليهود فى كل البلاد العربية".
___________________________________________________
لويد جورج
" لك أن تأخذ القدس أيضاً ... هل هذا یرضیك ؟! "
( رئيس وزراء فرنسا لرئيس وزراء بريطانيا )
كانت شعوب المشرق العربى فى حالةٍ يُرثى لها:
• فالشعب السورى الذى كان حاضنة الثورة العربية الكبرى وجد آماله تخيب، ثم عاوده شيء من الأمل عندما نودى بالأمير "فيصل" ملكاً على دمشق لأشهر معدودات، ثم جرى خلعه وإخراجه من سوريا لكى يدخلها الجيش الفرنسى تنفيذاً لاتفاقية "سايكس- بيكو".
ثم إن أربعة ألوية من الأرض السورية سلخت عنها وأعطيت لتكملة دولة لبنانية تقوم تحت الانتداب الفرنسى هى الأخرى.
وقد تم خلع "فيصل" من عرش سوريا بعد مشهد مزعج آخر بدا وكأنه نوع من استجواب متهم فى مخفر بوليس. والحقيقة أن المشهد جرى فى وزارة الخارجية الفرنسية - الـ "كى دورسيه" - وقد ذهب إليه الأمير "فيصل" ليشكو من أنه منع من المثول أمام مؤتمر الصلح فى "فرساى" لإبداء وجهة نظره.
وكان الذى التقاه فى وزارة الخارجية هو المسيو "جان جوت" مساعد مدير شئون آسيا فى الوزارة.
وجرى الحديث بينهما - طبقا لمذكرة بخط "لورانس" قدمت إلى وزير الخارجية البريطانى وأودعت سجلات الوزارة تحت رقم ٦٠٨/٩٧ ملف ٧ - ٤٤٥ - على النحو التالى:
فيصل: إننى لا أستطيع أن أفهم لماذا جرى استبعادى من قائمة الممثلين الذين يحق لهم الكلام أمام مؤتمر الصلح؟
جوت: هذه مسألة من السهل عليك أن تفهمها. لقد ضحكوا عليك. إن الإنجليز تخلوا عنك، ولو أنك وقفت معنا لكان فى وسعنا ترتيب أمورك.
إننا نعترف بوجودك هنا کضیف کریم، ولکن ضیف لا علاقة له بمؤتمر السلام، والخطأ يقع عليك لأنك جئت إلى هنا دون أن تحصل على إذن "بيكو" ودون إخطاره.
كنت واقعا تحت نصيحة خاطئة. والنصائح التى أعطيت لك لا تنفعك .
فيصل: الجنرال اللنيى فى دمشق أبلغنى أن الحكومة البريطانية والحكومة الفرنسیة كلیهما، تعترفان بقواتي کطرف محارب.
جوت: هذه أكذوبة. نحن لا نعرف شيئاً عن جيش عربي فى سوريا.
فیصل: الجنرال اللنبي کان قائد جیوش الحلفاء، وکانت قواتي تحت قیادته، کان هو قائدنا الأعلی، وقد قال لي فی دمشق: إنه پعتبرنا طرفا محارباً وقد صدقته.
جوت: هذه مشكلتك. وعليك أن تفهم أنك إذا أردت صداقة فرنسا فيجب أن تطيع ما نقول به نحن.
• والشعب العراقى وجد نفسه يستبدل السيطرة التركية بانتداب بريطائى يسلخه عن فكرة الدولة العربية الكبرى، ولا يعطيه استقلالاً كان يطمح إليه بديلاً عن الحلم الكبير. ثم استيقظ ذات يوم فإذا الاستعدادات تجرى لإنشاء عرش فى بغداد هدفه بالدرجة الأولى تعويض الملك "فيصل" عن كل ما قام به وعن كل ما انتهى إليه أمره بعد ضياع عرش سوربا.
_______________________________________________
الملك فؤاد
" صفر + صفر يساوى كام يا عزام؟"
("سعد زغلول" باشا لـ عبد الرحمن عزام" باشا)
كان ظهور مصر واشتراكها فى مؤتمر فلسطين - الذى عقد فى لندن سنة ١٩٣٨ -نقطة تحول بارزة فى سياسة مصر وفى سياسات الشرق الأوسط كلها.
كان المؤتمر قد انعقد على خلفية وقائع ثورة ١٩٣٦ التى هزت فلسطين وما جاورها من الأقاليم العربية. كذلك كان انعقاد المؤتمر عشية الحرب العالمية الثانية وتحسباً لاحتمالات نشوبها، مع شبه يقين بأن الشرق الأوسط كما حدث فى الحرب العالمية السابقة سوف يكون من أهم ميادينها.
وكان اللافت للنظر أن وفد مصر فى هذا المؤتمر - فى لندن سنة ١٩٣٨ - جاء على أعلى مستوى يمكن تصوره فى ذلك الوقت. فرئيسه هو نفسه رئيس الوزراء "على ماهر" باشا، وهو واحد من الساسة المرموقين فى مصر قبل الثورة. وكان "على ماهر"- بصرف النظر عن رئاسته للوزارة - معروفاً بكونه رجل الملك القوي، وكان "فاروق" فى ذلك الوقت صبياً، تولى العرش بعد أبيه - (الملك "فؤاد") - قبل عام واحد تقريبا ، وكان عهده ما زال بعد فى بواكيره الأولى، وكان الصبى يحاول أن يسمع وأن يفهم وأن يعي.
ومن الإنصاف القول إنه كان فى تلك الفترة مفتوحاً لآمال وطموحات كبری كان من أهمها ذلك الاتجاه الواضح القوى نحو الشرق .. المشرق العربي وما وراءه أيضاً.
كانت مصر قبل اشتراكها فى مؤتمر فلسطين ١٩٣٨ قريبة من المشرق العربي على المستوى الإنساني والثقافي والفني، ولعلها اقتربت قليلاً من المستوى الاقتصادي مع قيام "طلعت حرب" بتأسيس بنك مصر - الذى مد نشاطه بسرعة إلى سوريا ولينان - لكنها رغم ذلك كانت بعيدة عن المستوى السياسى إلا من ناحية التأثير الذى كانت تحدثه الحركة الوطنية المصرية من أصداء شعبية فى المنطقة، وما كانت تثيره من تعاطف تغذيه قوة الاتصال التاريخى فى حد ذاته، حتى وإن لم يتحقق وهى كاف بقوة هذا الاتصال التاريخي وأسبابه ودواعيه.
ومن الإنصاف القول بأن العالم العربى فى مشرقه ومغربه كان يعرف عن مصر وشئونها بأكثر مما تعرفه مصر عما حولها وشئونه. فمنذ عصر "محمد على" ومنجزاته الضخمة، وإلى عصر "إسماعيل" وأضوائه اللامعة، وإلى ثورتي "عرابى" و"سعد زغلول"، كانت الأمة العربية فى المشرق تعتبر القاهرة عاصمتها الحضارية، لكن الحركة على طريق العلاقات كانت - غالباً - من جانب واحد، فالعرب هم الذين يأتون إلى مصر دائما، بينما مصر تذهب إليهم نادراً.
ولعل السبب أن مصر كانت مشغولة بشىء آخر أو أشياء أخرى حجبت عنها ما كان يجرى فى بقية العالم العربي. وربما ظهرت فى بعض اللحظات بوادر تنبه مصري إلى المحيط العربى حولها، ولكن تلك كانت نوبات اهتمام إنسانى يظهر بسرعة ثم يخفت أثره بنفس السرعة التى ظهر بها، كما حدث فى مناسبات معينة، كانت آخرها موجة حماسة لفلسطين فى الأيام الساخنة من ثورة سنة ١٩٣٦. لكن الحماسة بصفة عامة ظلت مقصورة فى أثرها على عدد من الشخصيات وعلى عدد من التجمعات، وإن رافقتها فى بعض المرات مشاعر شعبية أوسع نسبياً.
ولم تكن هذه الحالة العامة طبيعية بحقائق الجغرافيا والتاريخ التى جعلت مصر بجوهر هذه الحقائق جزءا من الأمة العربية، لكن هذه الحالة - وفى ذلك الوقت - جاءت نتيجة منطقية لمجموعة من العوامل راحت تحدث تأثيراتها، وتراكمت هذه التأثيرات فوق بعضها حقبة بعد حقبة.
_________________________________________________
الملك فاروق
" لا أستطيع أن أرسم لوحة إلا إذا احسست بموضوعها"
( الضابط البريطاني "سیمون لوپس" فى تبرير علاقته بالملكة "فريدة")
فى منتصف الثلاثينات كانت هناك تغييرات هامة تقع فى مصر. ومع أن كل تغيير منها جرى على غير ما صلة ظاهرة بالآخر، فإن صلات من نوع ما كانت تريط هذه التغييرات كلاً منها بالآخر:
• كانت هناك مرحلة من الكفاح الوطنى على وشك أن تصل إلى نهايتها، وكانت
معاهدة سنة ١٩٣٦ (بين مصر وبريطانيا) هى علامة هذه النهاية. والحاصل أن الرعيل الأول من جيل المطالبين بالاستقلال كان قد تعرض كثيراً لعوامل النحر والتعرية وأصبح مكشوفاً لقبول أى حل مع بريطانيا يرد فيه ذكر "الاستقلال" وذكر "الجلاء"، حتى وإن كان ذكر الاثنين يجيء مبهماً.
• وكان هناك جيل من الشباب الطامح الذى نشأ بعد مناخ ثورة ١٩١٩، وكان هذا الجيل هو الذى مهّد لحركة طلبة الجامعة - سنة ١٩٣٥ - التى فرضت على الزعماء التقليديين للأحزاب أن يجتمعوا معاً فى جبهة وطنية لمناوضة الإنجليز. وفى حقيقة الأمر فقد كان هناك ما يمكن تسميته "نصف ثورة" أشاعت فى مصر جواً فواراً. لكن هذا الجو الفوار ما لبث أن خمد بتوقيع معاهدة سنة ١٩٣٦.
● وكانت مغامرة "طلعت حرب" العظيمة قد بنت هياكل بنك مصر وشركاته، وشاع بشكل ما إحساس بأن هناك كثيراً يمكن عمله فى مجال النمو الاقتصادى. وفى أقل القليل فإن مصرياً بارزاً أثبت عملياً أن النمو ممكن، وأن المصريين قادرون عليه.
● وفى سنة ١٩٣٦ مات الملك "فؤاد". وكان حكم هذا الملك المتأثر بالثقافة الإيطالية والقريب من فكر أسرة "آل سافوى" المالكة فى إيطاليا يومها، قد تراجع مع السنين - وأمام ضغوط الحركة الشعبية - إلى نوع من حكم "آل بورجيا" الذى تغلب فيه دسائس القصور على طموحات الملوك .
● ثم إن ولاية العرش انتقلت بعد الملك "فؤاد" إلى ولى عهده "فاروق" الذى بدا فى ذلك الوقت صبياً جميلاً ذكياً ناقص التعليم والثقافة معاً، لكنه بصباه قادر على التعويض. وفى كل الأحوال فإن صباه أعطى مصر إحساساً بأنها قرب وعد جديد.
• مضافا إلى ذلك أن الموقف الدولى كان يتحرك بسرعة - مع ظهور الفاشية فى إيطاليا، والنازية فى ألمانيا، والبلشقية فى روسيا - إلى حافة حرب عالمية يمكن أن تندلع فى أوروبا، ويمكن أن يصبح الشرق الأوسط واحداً من ميادينها. وذلك المناخ أعطى مصر شعوراً بالخطر إلى جانب الشعور بالأمل ولقاء الشعورين معا يمكن أن تنتج عنه شحنة كهربية لها ظواهر مدوية مثل البرق والرعد.
__________________________________________________
الحاخام حاييم ناحوم
"المسيحيون تركوا القدس إلى روما، والمسلمون ترکوها إلی مکة، والیهود وحدهم بکوا عليها "
(الحاخام الأكبر "حاييم ناحوم أفتدى" للملك "فاروق)
كان وجود جالية يهودية قوية من بين العوامل الإضافية التى ساعدت على تحويل نظر مصر عن هويتها العربية. ومما يستحق الاهتمام أن تزايد دور الجالية اليهودية ترافق مع ظهور المشروع الصهيونى فى فلسطين، وتوافق بشكل أو بآخر مع الاحتلال البريطاني لمصر.
كانت فى مصر جالية يهودية منذ عصور قديمة، لكنه حتى عصر الخديوي "إسماعيل" وقبل الاحتلال البريطاني مباشرة لم يزد عدد اليهود فى مصر عن سبعة آلاف نسمة، وكان تركيزهم فى القاهرة والإسكندرية. فقى القاهرة كانت هناك حارة اليهود التقليدية، وكانت حيّاً نشيطاً من أحياء القاهرة على صلة مباشرة بالقلب التجاري للمدينة.
وفى الإسكندرية كانت هناك جماعات من اليهود يمكن اعتبارهم جزءاً من مجتمع البحر الأبيض المتوسط، وأغلبهم عائلات تراجعت ضمن الخروج المسالم اليهودى من الأندلس بعد العودة الكاثوليكية إليه، وتوزعت على شواطئ البحر الأبيض من المغرب حتى إستانبول في شيه دائرة كاملة. واستقر بعضهم فى الإسكندرية كوسطاء ووكلاء للتجارة مع المدن الإيطالية، مثل "جنوا" و"فينيسيا" (البندقية) و"فلورنسا"، فى العصر الذهبى لازدهار التجارة الأوروبية مع الشرق عبر مصر.
لكنه مع بداية الاحتلال البريطائى لمصر راحت أعداد من اليهود تصل إليها. وهكذا فإن إحصاء سنة ١٩٠٧ يكشف أن عدد اليهود فى مصر ارتفع فجأة من سبعة آلاف قبل الاحتلال البريطانى إلى ٦٣٥ر٣٨ سنة ١٩٠٧. ثم تواصلت الزيادة، فإذا عدد اليهود في مصر طبقا لإحصاء سنة ١٩٢٧ يتضاعف تقريبا ويصل إلى ٥٥٠ر٦٣ نسمة.
ولما كان معظم المهاجرين اليهود إلى مصر جاءوا إليها من بلدان عربية (مثل المغرب)، وإسلامية (مثل تركيا)، فإن اندماج هؤلاء اليهود بالحياة المصرية، خصوصاً مع الطبقة المتوسطة، كان مسألة سهلة، وزاد من سهولتها أن قمة الطبقة المتوسطة فى مصر كانت غالباً من أصول أجنبية. وهكذا أصبح اليهود فى مصر وبسرعة جزءاً من نسيج الحياة العامة، خصوصاً فى مجال النشاط الاقتصادى وفى مجال النفوذ الاجتماعى.
وكانت هذه هى الفترة التى ظهرت وبرزت فيها عائلات يهودية مثل "قطاوى"، و"موصيرى"، و"عنشة" و"شيكوريل"، و"سوارس"، و"رولو"، و"ساسون"، وغيرها.
وعندما جاء "ثيودور هيرتزل" إلى مصر سنة ١٩٠٢ حاملاً مشاريعه: دولة يهودية في فلسطين، أو محطة تجمع مؤقت فى سيناء، فإنه اعتمد فى اتصالاته بالدرجة الأولى على عدد من العائلات اليهودية وبالذات فى الإسكندرية حيث قام "هيرتزل" نفسه بتأسيس جمعية صهيونية تتولى الدعوة إلى مشاريعه بعد سفره، ثم تتولى الترويج للفكرة الصهيونية فى مصر. وظلت هذه الجمعية وفروعها نشيطة حتى قيام الحرب العالمية الأولى.
___________________________________________________
فرانكلين روزفلت
" أمريكا هى إسرائيل الموعودة وليست فلسطين"
( الصيحة بين موجات الهجرة اليهودية الأولى إلى العالم الجديد)
من المصادفات التاريخية اللافتة للنظر أنه فى الوقت الذى ظهر فيه دور مصر في العالم العربى - وبدأت هى نفسها تدرك هويتها ودورها معه - كانت الولايات المتحدة الأمريكية تدخل إلى تجربة مماثلة. فمن خلال تجربة الحرب العالمية الثانية أدركت الولايات المتحدة وقبلت أن تقوم بدور فى العالم ترددت طويلاً فى قبول مسئولياته متوهمة أن مستقبلها مكفول وراء عازل المحيط الأطلنطي من الشرق والمحيط الهادي من الغرب.
وفى حين أن يهود مصر كانوا يحاولون تعويق وصول مصر لإدراك هويتها ودورها، فإن يهود الولايات المتحدة كان لهم دور مماثل فى تأثيره، وإن اختلف اتجاه حركته. كانت الحركة الصهيونية منذ البداية تركز بشدة على أوروبا لأسباب متعددة، منها: أن أوروبا كانت فى ذلك العصر مركز القرار الدولى.
ثم إن أفكارها المتمثلة أساسا فى الثورة الفرنسية بكل ما قالته عن المساواة بصرف النظر عن الدين والعرق واللون، كانت من الأفكار المؤثرة بشكل ما فى الفكر الصهيونى.
ثم أضيف إلى ذلك دور "نابليون" وورقته اليهودية، ولحق بذلك دور بريطانيا فى الشرق الأوسط الذى تبنى ورقة "نابليون" اليهودية، ثم إن بريطائيا أصبحت الدولة الحامية لليهود، وهى الراعية لمشروع دولتهم فى فلسطين، الأمر الذى عبر عنه "وعد بلفور" الذى أصبح أساسا عمليا لفكرة إقامة دولة يهودية في فلسطین.
ومن الواضح أن يهود أمريكا أصبحوا على استعداد للقيام بذلك؛ لأسباب كثيرة:
• بينها بداية معرفة تبلورت لديهم بما حدث لليهود فى ألمانيا ثم فى أوروبا التي خضع معظمها للاحتلال النازى سنوات الحرب. وكانت المعلومات فى هذا الشأن متوفرة من قبل الحرب عن طريق موجة الهجرة فى الثلاثينات، وقد حملت إلى الشواطئ الأمريكية يهوداً من طراز "ألبرت آينشتين" وحتى طراز "هنري كيسنجر". ثم لحق بذلك ما تسرب من معلومات عما كان يجرى وراء دخان الحرب.
• ومن نتيجة ذلك أنه تولد لدى يهود الولايات المتحدة إحساس بنوع ما من عقدة الذنب، وظنوا أن فى استطاعتهم التعويض عنه بدمج شبه كامل بين الحركة الصهيونية فى أوروبا وبين نظيرتها الأمريكية التي كانت قوتها تتنامی.
• ولم تكن الحركة الصهيونية فى أوروبا تريد من يهود أمريكا مجرد حفلات تجمع فيها التبرعات، وإنما كانت تريد منهم أن يحملوا قوة الولايات المتحدة أو الجزء الأكبر منها وراء المشروع الإسرائيلى، وذلك بالتأييد السياسى والدعم العملى اقتصادياً كان أو عسکریاً.
• وكانت أهم مقولات الحركة الصهيونية الأوروبية لنظيرتها الأمريكية فى تحديد الواجبات المستقبلية هى القول بأن "يهود أوروبا استطاعوا الحصول على الوعد بالدولة - وعد بلفور - وقد أوشكوا على تحقيق قيام الدولة بمقتضاه، وعلى يهود أمريكا أن يستكملوا الطريق بتحقيق هدفين تحددا بوضوح، وهما:
١- تأكيد وتثبيت قيام الدولة.
٢- تحقيق اعتراف العرب بقيامها، باعتبار أن ذلك هو الضمان الشرعى الوحيد لبقائها.
فمن الممكن للطرف الأقوى أن يفرض على طرف أضعف منه أمراً وقعاً يريده، لكن ذلك لا يحقق لهذا المراد شرعيته، وإنما تستقر الشرعية حين يقدم الضعيف اعترافه بالأمر الواقع، حتى وإن كان مفروضاً عليه.
_________________________________________________
مصطفى النحاس
"قل للنحاس باشا: إننى لم أتحدث مطلقا عن دولة يهودية فى فلسطين"
( تعليمات من وزير الخارجية الأمريكى إلى وزيره المفوض فى القاهرة)
كانت المعركة الأولى التى خاضتها الجماعات اليهودية الصهيونية فى الولايات المتحدة هى معركة فتح أبواب فلسطين أمام الهجرة اليهودية، وإلغاء الحدود التى وضعتها السياسة البريطانية فى ظروف خطر الحرب العالمية، ثم وقوع هذا الخطر فعلاً.
وكانت السياسة الرسمية الأمريكية تتفهم الدواعى البريطانية إلى وضع هذه الحدود، لكن الجماعات اليهودیة الصهيونية لم تكن على استعداد لتفويت الفرصة السائحة بصرف النظر عما تراه السياسة الأمريكية من اعتبارات. وفى واقع الأمر فإنه لم يكن هناك خلاف كبير على الهدف، ولكن الخلاف كان على الأسلوب بما فى ذلك ملاءمة التوقيت.
وهكذا بدت خطى السياسة الأمريكية مرتبكة، ويظهر ذلك أكثر ما يظهر من دراسة لبعض وثائق البيت الأبيض ووزارة الخارجية الأمريكية سنة ١٩٤٤: وثیقة رقم ٠١/٢٣٧٣ ن ٨٦٧
مذكرة من أدولف بيول (مساعد وزير الخارجية الأمريكى) - التاريخ : ٢٨ يناير ١٩٤٤ انظرها.
____________________________________________
إليانور روزفلت
"أى مساعدة للصهاينة خيانة لرسول اللە وللمؤمنین"
(الملك "عبد العزيز آل سعود" فى حديث مع "ونستون تشرشل")
مع سكوت المدافع، وارتخال الديابات من الشرق الأوسط إلى ميادين أوروبا والشرق الأقصى، راحت التطورات والتفاعلات التى جمدتها ضرورات الحرب تتحرك فى حرية أكثر.
كما أن الأضواء التى كانت معتمة باللون الأزرق بغرض الستر والإخفاء وجهت أشعتها إلى المسرح السياسى فى المنطقة، وكانت كل القوى تتحرك، كل منها تريد أن تسبق وأن تقترب من أكثر المواقع ملاءمة لوثوبها نحو تحقيق ما تريد.
وكان بعض المشاهد بالقصد، كما أن بعضها الآخر كان بالقدر. وبدا فيها ما هو بالقطع تفاصيل من خطط مرسومة، ومن ناحية أخرى بدا فيها ما هو على الأغلب عشوائى رمت به المصادفات.
وكان ظاهرا من أول نظرة أن هناك ثلاث قوى تدخل إلى الساحة جاهزة لأدوار دعيت إليها أو تصورتها لنفسها:
● كانت القوة الأولى هى قوة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد أعطتها مواردها الاقتصادية وطاقاتها العسكرية حق قيادة عالم ما بعد الحرب. والغالب أن الولايات المتحدة لم تكن مستعدة للمسئولية لكن القوة لها خاصية أنها تدعو أصحابها إلى مواقعهم مرات بدون إرادتهم ومرات بدون كامل استعدادهم.
وعلى أى حال فقد كانت منطقة الشرق الأوسط أول ما جذب انتباه الولايات المتحدة عبر البحار، وكان عنصر الجذب الرئيسي، هو: موارد البترول. ولم تكن القوة لأمريكية بعد قد تزودت بثقافة كاملة فى ممارسة القوة، وهكذا فإن دخولها إلى ساحة الشرق الأوسط وإلى موارد البترول فيه بدت عملية انقضاض مباشر للشركات، كأنها يش يستولى على غنائم حرب !
وكان لا بد لذلك أن يؤدی إلى احتكاكات مع القوة المالکة لهذه الموارد وهي بريطانیا لتى تعتبر نفسها شريكاً رئيسياً فى الحرب سبق أمريكا إليها، وليس عدوا تستباح غنائمه!
وكان لا بد لانتياه الولايات المتحدة أن يتوجه فى نفس الوقت إلى السكان الأصليين وموطن هذه الموارد وهم العرب بنوع من حسن النية وبالاسترضاء، وبتغطية نقص الفهم والمعرفة بزيادة المجاملات، وبتوهم أساليب فى المعاملات من نوع ما يتخيله السياح فى بـلاد غريبة يسمعون عن أساطيرها، مما يدفعهم إلى تصرفات تبدو أقرب إلى "الفولكلور" منها إلى "السياسة".
وفى الجانب الموضوعى من العلاقة مع العرب فقد كانت التصورات السياسية الأمريكية أولى لا تزال تدرس، وكانت التجارب الإمبراطورية السابقة غير بعيدة عن التفكير لأمريكى، فالفكر الإستراتيجى لا يخترع، لأنه محكوم بالجغرافيا والتاريخ وغيرهما من ثوابت، وإنما هو يعيد الصياغة مع تغير العصور.
• وكانت القوة الثانية - الداخلة إلى الساحة - هى الحركة الصهيونية العالمية، وقد ملكها الشعور بأن تحقيق الحلم قريب، وإنه إذا فاتت الفرصة الآن فقد لا تعود فى زمن قريب ومرئي.
وكانت الحركة الصهيونية قد شدت كل إمكانياتها على الآخر، سواء فى مكامن تأثير السياسى فى أوروبا وأمريكا، أو على أرض فلسطين ذاتها بما أمكن تحقيقه من واقع على الأرض سواء بحركة الهجرة أو الاستيطان أوبناء القوة المسلحة.
كان تعداد اليهود فى فلسطين يقترب من نصف المليون، وأدرك قادة الداخل فى الوكالة اليهودية، وعلى رأسهم "دافيد بن جوربون" ، أن موجات الهجرة الكبيرة التى انتظروها من أوروبا لن تتحقق إلا إذا كان الوطن القومى اليهودي فى فلسطين حقيقة تقـدر على منافسة إغراءات الهجرة إلى العوالم الجديدة: أمريكا الشمالية وكندا وأستراليا.
وعندما نوقش "بن جوريون" فى مخططاته المتسرعة فى فلسطين، وقيل له من رجال على مستوى "ناحوم جولدمان": إنه "يدفع الأمور إلى الحافة، بينما هجرة اليهود إلى فلسطين لم تصل بعد إلى الحجم اللاثق لإنشاء دولة"، كان رده: "إن الهجرة لن تصل إلى المستوى اللائق إلا إذا كانت هناك دولة بالفعل".
• وكانت القوة الثالثة - الداخلة إلى الساحة - هى قوة مصر ودورها المشرقي الذي لمحه الأدب والفن والفكر قبل أن تراه السياسة، واكتشفته مدرسة الشرق بين السياسيين المصريين المستقلين قبل أن تكتشفه أحزاب الأغلبية والأقلية، وتحرك الملك "فاروق" مقترباً منه تحت تأثير بعض ساسة مدرسة الشرق مثل "عزيز المصرى" و"على ماهر" و"عبد الرحمن عزام" وغيرهم، وأخيراً مارسه حزب الأغلبية ممثلاً فى "مصطفى النحاس" الذى قاد معركة التضامن مع سوريا ولبنان، ووضع إمضاءه فى النهاية على ميثاق جامعة الدول العربية .
كانت المشكلة الحقيقية: أن مصر خرجت من غليان الحرب كأنها سفينة تمزق شراعها وتعثرت دفتها وتعطل محركها أثناء عاصفة.
* كان الشراع هو حزب الوفد، وقد تمزق الشراع بالحق أو بالباطل على مسار بدأ من قبوله الوزارة بعد إنذار ٤ فبراير ١٩٤٢، وحتى ظهور الكتاب الأسود الذى كتبه السكرتير العام للوفد الذى انشق عليه، وهو "مكرم عبيد" باشا.
* وكانت الدفة هى القصر الملكى، وقد تعثرت قدرته عندما تآكلت هيبته بسبب ما حدث من تغييرات خلال فترة الحرب على شخصية الملك "فاروق"، وما أدى به فى النهاية إلى حالة كاملة من الترهل السياسى والأخلاقى والبدنى أيضاً.
* وكان المحرك القابع فى بطن السفينة هو سلطة الاحتلال البريطاني، وهذه أصابها العطب عندما غمرتها موجات الوطنية المطالبة بالاستقلال وجلاء الجيوش البريطانية عن كل بقعة من أرض مصر.
________________________________________________
ترومان
"انتظر إلى ما بعد موسم الحج ... "
(نصيحة من وزير الخارجية البريطانى إلى وزير الخارجية الأمريكى )
وأصبح نائب الرئيس "مارى ترومان"، رئيساً للولايات المتحدة، وكانت تلك صفحة جديدة تفتح، لكن الصفحة الجديدة كانت مهيأة لبقع من الحبر، وليس لمجرد حروف وكلمات. وتتحدث الوثائق عن "هارى ترومان":
• وثيقة رقم ١٣٤٥ - ٤ /٠١ ن ٨٦٧
مذكرة من وزير الخارجية (ستيتنيوس) إلى الرئيس ترومان.
التاريخ : ١٨ أبريل ١٩٤٥
عزيزى الرئيس ، إن هناك احتمالا قويا بأن بعض القادة الصهيونيین سوف يحاولون الحصول منك على التزام مؤيد لبرنامج الحركة فى فلسطين. وبالطبع فأنت تدرك أن حكومة الولايات المتحدة وشعبها لديهما تعاطف شديد إزاء المحنة التى تعرض لها اليهود فى أوروبا، كما أن كليهما لديه الرغبة فى عمل أي شيء للتخفيف من آثار هذه المحنة. لكن مشكلة فلسطين فى واقع الأمر شديدة التعقيد، وهي تمتد إلى مسائل تتخطي ما وقع لليهود فى أوروبا.
وإذا ما جرت محاولة من هذا النوع معك، فإنى آمل أن يكون ردك هو أنك سوف تبحث وتدرس وتطلب أوراقاً من المختصين مما يعطيك وقتا لتقدير موقفك.
المخلص - إدوارد ستيتنيوس.
وفى شهر أغسطس ١٩٤٥ كانت الحركة الصهيونية فى أمريكا قد وصلت مباشرة إلـى الرئيس "ترومان" بواسطة "إيلى جاكوبسن"، صديقه الحميم وشريكه السابق فى محل خردوات فى "مينسوتا" قبل أن ينتخب "ترومان" عضوا فى الكونجرس ويختاره "روزفلت" نائباً له.
وتحت هذا التأثير أصدر "ترومان" أمراً من فوق رأس كل الوزارات والإدارات فى حكومة الولايات المتحدة يعلن فيه أنه "قرر السماح لمائة ألف يهودى بالهجرة إلى فلسطين".
وبعث إليه الملك "عبد العزيز آل سعود" رسالة يستغرب فيها هذا القرار المناقض لتعهد حصل عليه من سلفه "روزفلت" مقتضاه أن شيئاً ما لن يتقرر فى فلسطين قبل الاتصال بالعرب كطرف معنى مباشرة بالأزمة.
ورد الرئيس "ترومان" رسمياً بأنه لا يعرف شيئاً عن وجود مثل هذا التعهد.
_______________________________________________
بيفن
"قرأت التوراة جيداً، ولم أجد فيها ما يشير إلى ضرورة أن يمتلك اليهود فلسطین"
( "ارنست بيفن" لـ "ناحوم جولدمان")
توحي القراءة الأولى للوثائق البريطانية سنة ١٩٤٦، بأن الحكومة البريطانية بزعامة "کلیمنت آتلی" رئيس الوزراء العمالى، كانت تری فى شأن فلسطين رأياً يختلف نوعا ما عما ذهبت إليه حكومة المحافظين بزعامة "ونستون تشرشل" رئيس الوزراء السابق والذى اشتهرت عنه صهيونيته الجامحة.
لكن القراءة الثانية المتأنية لهذه الوثائق تظهر أن الحقيقة كانت أكثر تعقيداً من ذلك، لأن التأثير الصهيونى كان نافذاً إلى قاعدة حزب العمال بأكثر من نفاذه فى قمة حزب المحافظين (فيما عدا "ونستون تشرشل" شخصياً).
وربما بدا أن سياسة "إرنست بيفن" وزير الخارجية العمالي القوي تأخذ منحى مغايراً، لكنه فى الحقيقة كان طريقاً آخر إلى نفس الهدف.
والحاصل أنه كانت أمام "بيفن" عدة اعتبارات. تظهر واضحة فى تصرفاته:
وزير الخارجية البريطانى الجديد يريد قبل الحسم فى فلسطين أن يصل إلى تسوية لأوضاع البلدان العربية المحيطة بها، وهي بالتحديد الأردن، والعراق، ومصر، وكلها بدرجة أو بأخرى تحت النفوذ البريطاني وفق ترتيبات أبرمت قبل الحرب.
• شرق الأردن منذ تنصيب "عبد الله" أميراً عليه سنة ١٩٢٢، تحت الحماية.
• والعراق مرتبط بمعاهدة سنة ١٩٣٠ .. وهى علاقة أكثر تقدما بمسافة قصيرة من الحماية.
• ومصر ضيقة الصدر بمعاهدة سنة ١٩٣٦ التى أصبحت "غير ذات موضوع"، على حد تعبير أحد وزراء خارجيتها فى ذلك الوقت وهو "أحمد لطفى السيد" باشا.
وكان تقدير "بيغن" أن يبدأ بالأسهل وينتهى بالأصعب فى شأن هذه البلدان الثلاثة قبل البت النهائى فى موضوع الدولة اليهودية فى فلسطين. وفى ظنه أن الدولة اليهودية إذا نشأت قبل تسوية العلاقات مع شرق الأردن، ومع العراق، ومع مصر، فإن المشكلة الفلسطينية سوف تتداخل بما هو أوسع منها، ومن ثم تجعل المفاوضات المنتظرة مع هذه البلدان الثلاثة مشكلة عويصة بالاتصال والتشابك.
_______________________________________________
بن جوريون (أ)
"إننى شديد الأسف لأنكم رفضتم إعطاء مهلة عدة ساعات لرئیس وزراء پريطانیا "
("كليمنت آتلى" رئيس وزراء بريطانيا فى برقية سرية لـ هارئ ترومان" رئيس الولايات المتحدة الأمريكية)
بالنسبة لـ "بن جوربون" كان قيام الدولة اليهودية فى فلسطين أمراً مفروغاً منه، والمشكلة الوحيدة أمامه هى: متى الإعلان عن قيامها ؟
وكذلك لم تكن المشكلة بالنسبة له هى أمن الدولة بعد إعلان قيامها، فقد تولى هو مبكراً بناء القوة القادرة على ضمان هذا الأمن وفرضه. والمشكلة الوحيدة هى: من أين يبدأ؟
وكان منطق "بن جوريون" منذ تلك الأيام أن المطلوب ليس فرض الحرب دفاعاً عن الدولة، وإنما فرض السلام ضماناً لبقائها وقوتها، وكانت المشكلة الوحيدة هى: كيف يتحقق قبول العالم العربي؟
وكان "بن جوريون" يدرك أن الإجابة على "ستى؟" مرهونة بموقف الولايات المتحدة.
وأن الإجابة - على "من أين يبدأ؟" - مرهونة بمعركة تركز بالدرجة الأولى على مصر وعلى الأردن.
وأن الإجابة على "كيف؟" مرهونة بتسليم العرب بأن المطلوب منهم ليس الاعتراف بأمر واقع، وإنما بالتعامل معه طبق قوله "اقتصادياً وسياسياً وثقافياً، وبدون حدود أو حواجز، وبغير شروط من أي نوع".
وفى السنوات الحاسمة ١٩٤٦ و١٩٤٧ و١٩٤٨، راحت خطوط المواجهة تتحدد، وكل طرف فيها يحدد أولوياته ويحاول رسم خرائطه.
١ - وكانت بريطانيا تخوض معركة شبه يائسة، فقد بدأت تتحقق يوماً بعد يوم، على حد تعبير السير "هارولد بيلى" مدير مكتب "إرنست بيفن" وزير الخارجية وقتها (وقد أصبح سفيراً لبريطانيا فى مصر مرتين بعدها):
"إننا نستطيع أن نفتح البوابات أمام طوفان، لكنه تجيء لحظة ندرك فيها أن فتح البوابات شيء والتحكم فى تدفق المياه شىء آخر. إن بريطانيا التى "بدأت مشروع دولة يهودية فى فلسطين" ما لبثت بعد ذلك أن فقدت إمكانية السيطرة على المشروع".
والواقع أن العنصر الذى أخذ من بريطانيا فرصة السيطرة على المشروع، وحوّل الدخول اليهودى إلى فلسطين من هجرة إلى طوفان، هو انتقال قيادة الغرب نهائيا إلى الولايات المتحدة الأمريكية.
٢ - ولقد أقبلت الولايات المتحدة إلى تسلم مقاليد الشرق الأوسط- ونظرتها إلى إقليم بأكمله وليس إلى بلدان متفرقة فيه، وقد دخلت المنطقة وهى منهمكة فى مواجهة عالمية مع الاتحاد السوفيتى لا بد أن يخضع الكل لضروراتها مهما كانت رغباتهم.
ثم إنها أقبلت وتأثير الحركة الصهيونية فى الولايات المتحدة نافذ إلى أعصاب القرار السياسى فيها، رغم أن مصالحها على أراض عربية وفى وسط شعوب عربية. وكان ذلك عاملاً فاعلاً، وصل فيه القرار الأمريكى إلى حد التصادم مع ظاهر المصلحة الأمريكية.
وفى هذا السياق يجيء ذلك الحوار الشهير بين الرئيس الأمريكى "هارى ترومان" وبين الوزير المفوض فى جدة الكولونيل "إيدى".
كان "إيدى" يحاول أن يلفت نظر رئيس الولايات المتحدة إلى خطورة سياسته على المصالح الأمريكية، ورد "ترومان" بصراحة قائلا: "هل لدى العرب أصوات فى مينوسوتا یعطونها لی فی انتخابات الرئاسة أو يحچبونها عنی ؟ ...".
بن جوريون (٢)
"الجامعة ليست جامعة وقراراتها ليست قرارات"
(الملك "عبد الله" لـ" إلياهو ساسون" عن اجتماعات الجامعة العربية)
كان موقف الحركة الصهيونية تجاه مصر شحنة تناقضات مكهربة، وذلك لدواع قديمة وجديدة:
• بالدين وبالتاريخ وبالأساطير فإن مصر هى العدو الذى أخرج اليهود من وادي النيل إلى تيه الصحراء، ومع أن هناك كلاماً كثيراً يمكن أن يقال فى هذا الشأن، فإن العبرة ليست بتحقيق الوقائع أو تدقيقها، وإنما مخاطر الأمر فى النهاية هى موقف أصحاب الشأن أنفسهم ومن منظورهم.
فإذا كانت مصر هي العدو فى كل ما ترسب من التراث اليهودي، فمعنى ذلك أنها العدو بالفعل، لأنه ليس فى مقدور الحاضر مهما فعل أن يمحو الموروث أو يحوّله إلى سحابات دخان. ولو أن ذلك حدث بمعجزة خارج الخيال ، فإن الدعاوى الصهيونية كلها يمكن أن تتحوّل إلى وهم لا علاقة له بالحاضر أو بالمستقبل.
• يضاف إلى ذلك أن المشروع الصهيونى المتكئ أساساً على استراتيجية عزل مصر عن الشام، يواجه فى المحصلة الأخيرة طاقة مصر التاريخية بثوابتها، وإمكانيات مصر المعاصرة بكل ما يعتربها من عوامل النهوض أو عقبات التعثر أو عوارض الانكماش والتراجع.
وإذا صح - وهو صحيح - أن فلسطين هى الجسر الذى يربط مصر وسوريا .. وإذا كان لازما وقد رآه "نابليون" و"بالمرستون" ومن بعدهما لازما - أن يتحول الجسر إلى حاجز - إذن فإن مكمن الخطر الوحيد على هذا الحاجز هو فى مصر، فهي فى الشرق كتلة إنسانية متماسكة وراسخة وقادرة بالكم الموجود، وبالكيف المحتمل، على عرقلة المشروع اليهودى فى فلسطين بمقاومته، أو التصدي له ومحاربته.
وعلى العكس من الكتلة الإنسانية المصرية فى الجنوب، فإن الشمال والشرق من حول فلسطين كانا أقل تماسكا من ناحية الكم ومن ناحية التباين الطائفى والمذهبى -وأحيانا العرقي - بما يسمح بوجود حالة من الخلخلة يسهل على المشروع الصهيوني استغلالها والتقاذ من ثغرأتها المفتوحة.
هكذا فإن حسابات المشروع الصهيوني فى فلسطين كانت تولى اهتمامها الأول لسياسات القوى العظمى الحاكمة فى المنطقة، ثم يلى ذلك مباشرة على أرض الصراع نفسها الاهتمام بمصر.
ولم تكن المؤسسات الصهيونية التى برزت لمسئوليات المشروع الصهيونى فى فلسطين على استعداد للتطوع مبكراً بجرّ مصر إلى الصراع العربى - الإسرائيلى. ولا كانت راغبة فى استفزازها بغير داع. وكانت هناك اعتبارات تساعد على هذا الموقف الحذر تجاه مصر.
_______________________________________________
موشي شرتوك
"لا داعى للخوف من العرب فهم ضعفاء بطريقة بائسة"
("حاييم وايزمان" للسغير الأمريكى الدائم في الأمم المتحدة)
إن الوثائق البريطانية والأمريكية والإسرائيلية- وكلها الآن متاحة تكفی لمعرفة ما كان يجري فى الخفاء طوال سنة ١٩٤٧. لكن هناك ثلاث حقائق يمكن رصدها من خلال قراءة دقيقة لهذه الوثائق:
١- الحقيقة الأولى أن الولايات المتحدة الأمريكية، رئيسها وحكومتها أيضًا، أصبحت بالكامل من أنصار قيام دولة يهودية فى فلسطين، مع إدراكها لكل المصاعب التي تنتظرها على الطريق.
إن الرئيس الأمريكى "هارى ترومان" مضى فى طريقه نحو فتح أبواب هجرة اليهود وإقامة دولة يهودية فى فلسطين لا يلوى على شىء. ويمكن أن يقال إن مصالحه الانتخابية وارتباطاته الشخصية والسياسية كانت محركه، ولكن الذى لا يقبل الشك فى نفس الوقت أن بقية أجهزة الدولة الأمريكية اقتفت خطى الرئيس. ولم يكن ذلك بمجرد ضغط منه، وإنما إلى جانب ذلك كان نتيجة تقديراتها لأوضاع متغيرة أفرزت رؤى استراتيجية مختلفة. وكانت الحرب الباردة ومطالبها هى أظهر الاعتبارات التى أفسحت المجال لهذه الرؤى.
وربما أن السياسة الأمريكية - وقد آل إليها إرث الشرق الأوسط بكامله عن بريطانيا - لم تلبث أن اكتشفت أهمية منطق "نابليون" وبعده "بالمرستون" فى أفضلية عزل مصر عن سوريا، وبعده عزل عرب أفريقيا عن عرب المشرق إذا أمكن.
٢ - والحقيقة الثانية أن تقسيم فلسطين أصبح قراراً نافذاً من الجمعية العامة للأمم المتحدة صدر يوم ٢٩ نوفمبر ١٩٤٧ برقم ١٨١. وفى أجواء أشبه ما تكون بعاصفة اجتاحت "ليك ساكسس" حيث المقر المؤقت للأمم المتحدة فى نيويورك.
لقد تعرض مندوبو الدول فى الجمعية العامة إلى صنوف من الضغط بدت لا تقاوم، واستهدفت توفير أغلبية كافية للموافقة على قرار التقسيم. (وهناك تفاصيل كثيرة معروفة وشائعة عن تهديدات وجهت لرؤساء دول، وعن رشاوى دفعت لمندوبين، وعن شركات أمريكية كبرى تدخلت لإرغام أصوات على تغيير اتجاهها ، وأشهر مثال لذلك ما حدث من شركة "فايرستون" للمطاط مع رئيس جمهورية ليبيريا حتى يفرض تغيير صوت بلاده من "لا" إلى "نعم" للتقسيم.
والنتيجة أن قرار التقسيم بدأ عملية فرض بالقوة أكثر منه عملية اختيار لحل مناسب.
٣ - والحقيقة الثالثة أن العرب فى هذه الفترة كانوا بالفعل شبه عراة من كل الوسائل اللازمة لتغطية مواقفهم فى مواجهة من هذا النوع. وبعد أسابيع قليلة من صدور قرار التقسيم بدا العالم العربى أشبه ما يكون بجسد كبير عاجز عن الحركة، وإذا تحرك فقد كان أول إيحاء تعطيه حركته أنها صادرة عن مركز عصبي فقد تماسكه.
وبدأت سنة ١٩٤٨، وهى السنة التى قامت فيها الدولة اليهودية فى فلسطين، والأجواء مختلطة، والضباب يغطى الساحة، والخطى متعثرة.
__________________________________________________
النقراشى باشا
"كيف نستطيع إعلان الاعتراف بدولة لم يعلن قيامها بعد"
(مساعد وزير الخارجية الأمريكى فى حوار مع مستشار الرئيس الأمريكى)
كان ضغط الشعوب العربية على حكوماتها هائلاً. وقد بدا ما توقعه الأمين العام لجامعة الدول العربية "عبد الرحمن عزام" باشا على وشك أن يتحقق، ومؤداه أن "اليهود" سوف يضعون العرب والعالم أمام أمر واقع؛ فيقيمون دولتهم فى الأراضي المخصصة لهم بقرار التقسيم، ثم لا يتوقفون هناك.
كانت الوكالة اليهودية قد تحولت بالفعل إلى حكومة. وكان لهذه الوكالة جيش متمثل فى قوات "الهاجاناه" (قوات الدفاع)، وكان جيشها أكبر من كل توقعات العرب وحتى خيالاتهم. ثم إن هذا الجيش قادر على الإمساك فورا بالمناطق المخصصة للدولة اليهودية، وهو بعدها جاهز للوثوب على أرض الدولة العربية فى فلسطين.
وفى مقابل ذلك؛ فإن شعب فلسطين مكشوف ينتظر المدد العربى. وقد وصلت إلى أرضه بالفعل مجموعات من قوات المتطوعين العرب: من سوريا والعراق فى الشمال، ومن مصر فى الجنوب على الخط ما بين العوجة إلى بثر سبع وإلى بيت لحم. لكن قوات المتطوعين على بسالتها - وخصوصاً القوات المصرية بقيادة الأمير الاى "أحمد عبد العزيز" -لم تکن فی وضع يسمح لها بالوقوف أمام قوات الهاجاناه التى كانت على وشك أن تتحول إلى "جيش الدفاع الإسرائيلى".
ولم يكن أمام الدول العربية خيار سوى أن تتقدم نحو ساحات فلسطين بخطی متثاقلة. وكان الواضح أن الدول العربية كلها تقصر عملياتها على الأجزاء العربية من فلسطين، ولكي تؤمنها وتحميها من إغارة القوات اليهودية عليها. وكان معنى ذلك واقعياً - وإن لم يكن قانونياً - أن الدول العربية اعترفت بقرار التقسيم وقررت العمل فى حدوده.
كانت الدول العربية قد أنشأت قيادة عليا لجيوشها تنسق استراتيجية عملها في فلسطين. وقد رئي أن يتولى الملك "عبد الله" ملك الأردن هذه القيادة العليا بنفسه. وكانت لذلك أسباب عملية أهمها ما يلى:
١ - إن الأردن هو أقرب البلدان العربية إلى قلب فلسطين. وبالتالى فإن قواته قادرة على الوصول بسهولة إلى المناطق الحيوية فى العمق الفلسطيني.
٢ - إن الملك "عبد الله" كان لديه واحد من أقوى الجيوش العربية المجهزة لنوع ما من القتال. فالفيلق العربى الذى أنشأه الإنجليز وتولوا كل المراكز الحساسة في قياداته، ووضعوا على رأسه قائده الشهير "جلوب" باشا كان على مستوى عسكرى يفضل حال بقية الجيوش العربية.
٣ - وساعد على هذا الوضع حقيقة أن مصر لم تكن حتى وقت متأخر قد حسمت رأيها على دخول الحرب. وبالتالى فإن جيشها كانت بينه وبين ميادين القتال مسافات واسعة، هذا على فرض أنه كان مستعداً.
٤ - وربما أضيف إلى كل هذه الأسباب أن معظم الدول العربية كانت تشك فی نوایا الملك "عبد الله" وتتصور أن هدفه هو ضم فلسطين العربية إلى مملكته. وكان الظن أن تولى الملك لقيادة الجيوش العربية سوف يكبح جماح طموحه الشخصي بثقة عربية ظاهرة وصلت إلى حد اختياره قائداً أعلى لكل الجيوش العربية .
__________________________________________________
برنادوت
"الدولة اليهودية تريد أن تأخذ موقع مصر فى الشرق الأوسط"
( دراسة لوزارة الخارجية المصرية سنة ١٩٤٨)
لقد سال حبر كثير على الورق عن حرب فلسطين، بأكثر مما سال دم فى معاركها على مختلف الميادين. وهناك مراجع كثيرة عن هذه الحرب أبرزها "مذكرات اللواء عبد الله التل" قائد قوات الفيلق الأردني فى القدس. ثم دراسة اللواء "حسن البدري" عن الجولة العربية الإسرائيلية الأولى من الصراع المسلح، وتلك وغيرها مراجع معتمدة لمن يريد العودة إليها، لكن بعض لمحات الصورة العامة فى ميادين القتال وما وراءها، هى الأقدر على إضاءة هذه اللحظة من سياق الحوادث:
• إن مصر بالتحديد، وهى أهم طرف عربي فى الحرب، خاضت غمارها واقعة تحت ظن أنها تدافع عن الشعب الفلسطينى فقط وتقف معه فيما تعرض له.
وكانت دوافعها هى روابط الأخوة والجوار. لكنه لم يخطر بيال كثيرين أن يعودوا إلى التاريخ البعيد والقريب ويكتشفوا الحقيقة الاستراتيجية الكبرى، وهى أن الحرب كانت فى الواقع من أجل مصر ولكي لا يتحقق عزلها عن محيطها طبقا لمخططات ترمي إلى حجز دورها وفعلها وحياتها وراء الصحراء فى سيناء.
وغاب عن معظم صناع القرار وقتها أن تضحيات الناس من أجل أوطان الجيران لها حدود، ولكن تضحياتهم من أجل أوطانهم ذاتها ليست لها حدود.
• ويمكن القول ابتداء - وباطمئنان - أن الدول العربية التى وجدت نفسها فجأة تحمل مسئولية قرار سياسي إستراتيجي لا تعرف كيف تتصرف إزاءه ، وتطلب فيه - كما اتضح من بعض ما سبق - نصيحة ومشورة بريطانيا والولايات المتحدة عادت إلى الأطراف نفسها - بريطانيا والولايات المتحدة - تسألهما المشورة بالنسبة لقرار الحرب.
والشاهد أنه لم تكن لدى العرب قيادة سياسية أو عسكرية تعرف ما فيه الكفاية عن فكرة الحرب وعناصرها ومطالبها، وتحديد أهدافها، وإدارة مجهودها. بل إن معظم القيادات لم يكن لديها الأساس العلمي أو الفني أو الظني الذى يمكن أن تمارس منه التجربة بما تحتمله من فرص الصواب والخطأ، وبما تعطيه من خبرات مكتسبة نتيجة للممارسة بحيث تكون دروس هذه الممارسة تعويضاً مقبولاً عن تكاليفها.
• يتصل بذلك أن العرب اعتراهم وهم العدد فتصوروا أنهم أقوى من اليهود في فلسطين، فهم وقتها أكثر من أربعين مليون عربى فى مواجهة أقل من نصف مليون يهودى. وبالتالى سرى اتكال على أن حشد الناس إذا كانت فيه الزيادة تحققت له الغلبة.
ولم يكن ذلك صحيحاً، بل إنه لم يكن صحيحا يحساب الأعداد، إذا كان لا بد أن تستقيم قواعد الحساب. ففى حين وضع العرب على كل جبهاتهم ما يصل إلى ٣٧ ألف جندى، فإن الوكالة اليهودية فى فلسطين تمكنت من حشد ٨١ ألف مقاتل.
وكان معظم ضباط الجيش الإسرائيلى ممن سبقت لهم الخدمة فى جيوش الحلفاء أثناء الحرب، وكذلك كان حال كثيرين من جنودهم.
وكان الحال نفس الشىء فيما يتعلق بالسلاح والعتاد. وفى الطيران مثلاً كان لدى العرب مجتمعين ما لا يزيد عن ٣٠ طائرة، فى حين تمكنت الوكالة اليهودية فى بداية شهر يونيو ١٩٤٨ من أن تصل بعدد ما لديها من الطائرات إلى ٧٨ طائرة.
• إن الجيوش العربية كلها لم تتلق توجيهاً سياسياً محدداً بشأن الأهداف التي كان عليها أن تحققها فى فلسطين - على فرض أنه كان فى كفاءة وسلطة أى قيادة سياسية وقتها أن تحدد لجيوشها هدفا - ولقد كان ما لدى هذه الجيوش أوامر بـ"التحرك إلى أماكن داخل فلسطين" تقع كلها فى إطار خطوط التقسيم داخل ما كان يفترض أن يكون "دولة فلسطينية عربية".
وقد تحركت هذه الجيوش إلى حيث كان مطلوباً منها أن تتحرك، واشتبكت فى طريقها بمصادر نيران أطلقت عليها. ومن ذلك مثلاً أن الجيش المصري فى طريقه إلى غزة اشتبك مع مستعمرة "كفار داروم" ومع مستعمرة "دير سنيد" لكنه وصل إلى الأطراف الشمالية لغزة وتوقفَ هناك، ولم يكن فى أوامره ما يدفعه إلى أبعد !
• إن إمداد الجيوش العربية - والجيش المصرى بالذات - بما يلزمه من أسلحة وذخائر، بعد أن تحولت قضيته من مجرد انتقال إلى أماكن فى فلسطين إلى احتمال قتال فى هذه الأماكن، كان يجري بطريقة لا تدعو إلى الاطمئنان.
فالملك "فاروق" - عن طريق صلات غامضة بالإنجليز - كان يبدو واثقاً من قدرته على تحصيل بعض الأسلحة والذخائر من القواعد البريطانية فى القناة بوسائل من نوع ما. ولعل بعض أصدقائه من العسكريين الإنجليز أقنعوه أنه فى استطاعتهم أن يغمضوا عيونهم وأن يتركوا كميات من الأساحة والذخائر تخرج من القواعد فى منطقة قناة السويس سراً، بينما الأمر فى حقيقته قرار يعطيه بعض ما يحتاجه للجيش، حتى يقدر على عرقلة توسع الدولة اليهودية خارج حدود التقسيم!!
_____________________________________________
آللون
"اعطونا النقب ولا تجعلوا إسرائيل دولة صغيرة محشورة"
(هيئة الوزارة الإسرائيلية فى رسالة إلى الرئيس الأمریکی)
كانت الأطراف الدولية المهتمة بالشرق الأوسط وما فيه من موارد استراتيجية واقتصادية، تتابع ما يجرى على أرض فلسطين عارفة أنها أمام لحظة فاصلة فى تاريخ المنطقة، وأن ما يجرى على الأرض فى ميادين القتال سوف يصنع شكل المستقبل فى المنطقة وبرسم لها خريطة جديدة لا تقل أهمية عن خريطة "سايكس بيكو". فخريطة "سايكس بيكو" كانت ترسم علامات حدود، وأما الخريطة التى ستظهر بعد الحرب فسوف ترسم مواقع قوة وتأثير.
وكان الفارق بين الأداء العسكرى للعرب ولليهود موضوع متابعة دقيقة فى عواصم مختلفة، وكانت واشنطن أولها. وكانت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية التى أنشأها "ترومان" حديثاً هى أنشط الأجهزة الأمريكية التى ركزت على الشرق الأوسط، خصوصاً وأن التأمين المبكر لموارد البترول العربي وضع تحت اختصاصها المباشر.
ويوم ٢٧ يوليو كتبت وكالة المخابرات المركزية الأمريكية تقریراً عن مسار الحرب (وثيقة رقم ٤٨ - ٣٨ ORE - سرى) وجهته إلى مكتب الرئيس "ترومان" وإلى وزير الدفاع، جاء فيه:
"إن المعارك التى تجرى الآن أصبحت فى جزء كبير منها معارك شكلية، تتمثل فى اشتباكات عشوائية وإن كانت متلاحقة. وبالتأكيد فإن إسرائيل نجحت فى هذه المعارك، كما أنها استفادت بشدة من فترات الهدنة. وطبقاً لكل المصادر المتاحة لنا فإن اليهود أثبتوا قوتهم، مما يسمح لهم الآن بتوجيه ضربة واسعة النطاق لإخراج القوات العربية من فلسطين. إن القوة اليهودية فاقت كل التوقعات السابقة. ومن الملاحظ أن هذا البلد الناشئ الصغير استطاع من الناحية التنظيمية أن يتفوق على دول أكبر منه وذات أوضاع مؤسسية أقدم. ويكفى لبيان ذلك دراسة التقديرات التالية لحجم القوات التى استطاعت الدول العربية حشدها من جانب، واستطاعت دولة إسرائيل حشدها من جانب آخر:
قوات: لها فى فلسطين لها بالقرب من فلسطين المجموع
الأردن ٦٠٠٠ ٤٠٠٠ ٠٠٠ر١٠
العراق ٩٠٠٠ ١٠٠٠ ١٠,٠٠٠
مصر ٥٠٠٠ ٨٠٠٠ ٠٠٠ر١٣
سوریا ١٠٠٠ ١٥٠٠ ٥٠٠ر٢
لبنان ___ ١٨٠٠ ٨٠٠ر١
(يدخل فى الحساب قوات الداخل اللبنانى)
السعودية ٣٠٠٠ ____ ٣,٠٠٠
متطوعون عرب ٣٠٠٠ ٣٥٠٠ ٥٠٠ر٦
وبهذا يكون مجموع القوات العربية فى فلسطين ٠٠٠ر٢٧، وبالقرب منها ٨٠٠ر١٩، والمجموع كله ٨٠٠ر٤٦.
وأما فيما يتعلق بحجم القوات الإسرائيلية، وكلها داخل فلسطين، فهي على النحو التالي:
قوات ضاربة متحركة ٠٠٠ر١٧
قوات نصف متحركة (للعمليات المحلية) ٠٠٠ر١٨
قوات جيش الدفاع ٥٠,٠٠٠
قوة الأرجون ١٢,٠٠٠
قوة جماعات شتیون من ٤٠٠ إلى ٨٠٠
وأما إسرائيل فقد استطاعت أن تصل حجم قواتها إلى ٨٠٠ر٩٧ مقاتل.
وهکذا فإن الولایات المتحدة، الی جانب أی ارتباط عاطفی أو سیاسی اكتشفت باختبار علمي أن القوة الحقيقية يمكن أن يكون لها حساب يختلف عن حسابات الأعداد والأحجام ! فى منطقة مزدحمة بالمصالح الأمريكية.
_______________________________________________
ساسون
" يسرنا أن تكون مذاكرة معكم"
(الملك "عبد الله" فى رسالة إلى "دافيد بن جوريون")
كان تداعى الخطى فى فكر "بن جوريون" مترابطاً:
• يريد أن يوجه ضربة قاصمة للمصريين ويطردهم من النقب ومن فلسطين كلية.
• ويريد فى سبيل تحقيق ذلك أن يتثبت من موقف الملك "عبد الله" قبل الإقدام على خطوته الكبرى التى توقع أن تنهي الحرب، ليس فقط بقيام الدولة فى الجزء المخصص لها وفق قرار التقسيم، وإنما فيما هو أوسع من ذلك بكثير مما وصل إلیه الجیش الإسرائیلی أو يمكن أن يصل إليه.
وبالنسبة لدواعيه إلى توجيه ضربة قاصمة للمصريين، فقد بدا ذلك من وجهة نظره مطلوباً بالحاح لعدة أسباب:
١ - مصر كما كانت باستمرار بالنسبة له منذ بداية الحرب، هى القوة الرئيسية في الميدان. وصحيح أن جيشها فى فلسطين لم يكن بالحجم المتفق مع قوتها، لكن استمرار مصر فى ميدان القتال سوف يفرض عليها بالضرورة استعداداً أوسع، تملك - ولو من الناحية النظرية - أسبابه.
٢ - إن جهود وفده فى باريس، وعلى رأسه "ساسون"، فى الاتصال بالملك "فاروق" وبالحكومة المصرية، لم تصل إلى النتيجة التى كان يرضاها. فقوات الجيش المصري من "المجدل" وحتى "بيت جبرين" لا تزال واقفة فى مواقعها، والمعارك ضدها فى محور "عراق المنشية" و"عراق سويدان" و"الفالوجا" فشلت كلها، وبالتالي فإن النقب وهو واحدة من أهم جوائز الحرب فى رأيه ما تزال باقية فى يد مصر. وحينما حاولوا بالدبلوماسية فى باريس أن يعوضوا شجاعة الرجال فى "عراق المنشية" و"عراق سويدان" و"الفالوجا" فإن الموقف المصرى ظل ينظر بارتياب إلى قيام الدولة، ويشعر بالمرارة من تردي الأوضاع فى فلسطين، ويتصور - إن خطأ أو صواباً - أن تصحيح ذلك على الجبهة المصرية ممكن. خصوصا وأن النقب لا يزال تحت السيطرة المصرية.
٣ - وكان تقدير "بن جوريون" أنه إذا نجحت ضربته القاصمة فى هزيمة مصر. فإن مصر أن يكون أمامها إلا أن تعقد معاهدة صلح مع إسرائيل. وإذا حدث ذلك فإن بقية الدول العربية سوف تلحق بها، بل إن بعضها قد يسبق إذا ما ظهرت إشارة مبكرة .
٤ - وكان الضوء الأحمر الذى أثار قلق "بن جوريون" فى تلك الظروف هو أن مصر أعلنت - عقب اجتماع لمجلس الجامعة العربية + عن إقامة حكومة عربية "لكل عموم فلسطين". واختارت لها رئيساً هو "أحمد حلمى" باشا. وقام هذا الرئيس بتشكيل وزارة فلسطينية اتخذت من غزة مقرا مؤقتا لها. ومع أن "بن جوريون" كان يدرك هشاشة وضع هذه الحكومة، إلا أن استمرارها فى غزة مع بقاء الجيش المصري فى النقب قد يؤديان إلى تحويل الخطوط المتهاوية إلى خطوط متماسكة، وربما صلبة فى يوم من الأيام.
٥ ـ وكان "بن جوريون" يدرك أن الوضعين السياسي والعسكري للدولة اليهودية هما الآن فى ذروتهما بسبب التأييد الأمريكى. وقد جرب بنفسه مدى تأييد الرئيس "ترومان" فى الكثير من الأمور وفي صغيرها.