أرشيف المدونة الإلكترونية

الجمعة، 4 سبتمبر 2026

عقيدة المسلم دار الإفتاء الأردنية بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

عقيدة المسلم

دار الإفتاء الأردنية

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 


تمهيد: العقيدة في أسمى معانيها، هي مبادئ حضارية راقية وعريقة، وأسلوب في الحياة ممتد ومتميز، وهي السور الذي يعتلي فيه بناء الفقه والفكر والأخلاق، والأساس الذي تقوم عليه وحدة المسلمين، والركن الذي يربط الأمة بمعاقد نصرها وتمكينها. وبالتالي فإن الحديث عن العقيدة، هو حديث عن الأصول التي تتشكل بها هوية الأمة، وتُبنى عليها تصوراتها ومناهجها ومواقفها. 

وهذا الكتاب هو إحدى إصدارت دار الإفتاء الأردنية، فيما يتعلق بعقيدة المسلم، وفق منهج الأشاعرة، المنسوبون إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، والتي تم عرضها بطريقة عصرية، سهلة، مُوجزة، ومشفوعةً في الغالب بالأدلة (وفيها الكثير من الإشكالات التي ترد عليهم)، وقد تم ترتيبها على أبواب "الجوهرة" للإمام اللقاني رحمه االله. غير أن سهولة العرض واختصار العبارة لا يعنيان بالضرورة سلامة جميع المقدمات أو صحة جميع النتائج؛ إذ إن وراء كثير من المسائل المطروحة أصولًا كلامية عميقة، وخلافات منهجية قد لا تظهر للقارئ غير المتخصص، فضلًا عن أن بعض الأدلة التي يسوقها الكتاب لا تسلم من المناقشة، بل قد تكون هي نفسها موضع إشكال ونقد من جهة الدلالة أو طريقة الاستدلال.

وقد اعتمد أبو الحسن الأشعري في مرحلته المتأخرة على الكتاب والسنة، واستند إلى ما نُقل عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث، كما يظهر في بعض مصنفاته ونقول أصحابه، غير أن المدرسة الأشعرية بعده اتجهت، ولا سيما عند متأخريها، إلى توسيع سلطان علم الكلام والقواعد العقلية في تقرير مسائل الاعتقاد، حتى جعلت جملة من المقدمات الكلامية التي قررها المتكلمون وعدّوها من القطعيات ميزانًا يُحاكم إليه النص الشرعي؛ فما وافق تلك المقدمات أُبقي على ظاهره، وما بدا مخالفًا لها صُرف عن ظاهره بالتأويل أو فُوِّض معناه. 

ولم تكن هذه المقدمات العقلية بمنأى عن النظر والنقد المنطقي والعقدي، ومع ذلك أُعطيت منزلة القطع، ثم جُعلت حاكمة على دلالات النصوص، فأصبح النص في عدد من مسائل الصفات تابعًا للقاعدة الكلامية بدل أن تكون القاعدة العقلية الصحيحة خادمةً للنص ومؤيدةً له؛ ومن هنا نشأ أحد أبرز وجوه الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث، إذ رأى أهل الحديث أن الواجب إثبات ما أثبته الله لنفسه وأثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل، وأن العقل الصريح لا يمكن أن يكون خصمًا للنقل الصحيح، وإنما الخلل في المقدمات التي يُدَّعى قطعيتها ثم يُجعل النص أسيرًا لها.

ومع تطور المدرسة الأشعرية وانتقالها إلى مراحلها المتأخرة، دخلت عليها مؤثرات كلامية وفلسفية أوسع، وظهرت في تقريراتها فروق كبيرة عما كان عليه أبو الحسن الأشعري وأصحابه الأوائل. وكان من أبرز آثار هذا التطور التوسع في التأويل في عدد من مسائل الصفات وغيرها، اعتمادًا على قواعد كلامية رأى أصحابها أنها تقتضي تنزيه الله تعالى عن مشابهة المخلوقين. ومن هنا نشأ خلافهم مع أهل الحديث في طريقة التعامل مع نصوص الصفات، بين من يثبتها على الوجه اللائق بالله تعالى، ومن يؤول بعضها أو يفوض معناها.

وقد بيّن مؤلفو الكتاب في مقدماته: أهمية هذا العلم، ودور الصحابة في نقله وتعليمه للناس، وتدوين هذا العلم، وأبرز رجالاته الذين وضعوا قواعده، ثم انتساب عامة أهل السنة إليهم، ونقلوا موافقة عموم أهل السنة على ما أُجمل فيها، وكلك مفهوم الإيمان عند أهل السنة والجماعة.

ثم جاءوا بعد ذلك بثلاثة أبواب عامة، وهي: الإلهيات، والنبوات، والسمعيات على ترتيبها. وفي خاتمة الكتاب ذكروا بعض المسائل الفقهية الهامة، والتي يكثر السؤال عنها، منها: ما يتعلق بتكفير المسلمين بالشبهات، ومنها: الكلام على البدعة ومفهومها، وخاتمة بذكر تراجم علماء وأعلام أهل السنة من الأشاعرة، ثم منهج دراسة العقدية.

وذكرت في هذا المقال أهم المسائل التي ناقشها الكتاب على شكل نقاط (مع ذكر تنبيهات لئلا يغتر القارئ بما يوردونه عليه من مسائل)، وذيلت ذلك بذكر المسائل الفقهية التي اعتقد كثير منها أنها عقدية بالدرجة الأولى، ثم المنهج المعتمد في دراسة العقيدة عندهم، وختمت بدور الأشاعرة السياسي في تسخير الولاة لنشر عقيدتهم (عبد الغني المقدسي نموذجاً).

____________________________________________

من هو أبو الحسن الأشعري؟

هو أبو الحسن علّي بن إسماعيل بن أبي بشر الأشعري، الذي يُنْسَب إليه ((الأشعرية)) وكان صاحب كلام، ذكيّاً فَطِناً، لكن ضرَّ بِهِ تربّيه في أحضان المعتزلة، فلم ينتفع بذكائه وفطنته، ثم لمّا تاب ورجع عن طريقتهم واعتقادهم لم يتوجّه لتلقّي السنن والآثار، وإنّما تلقّى طريقة ابن كلاّب ـ وكان صاحب بدعة خلطها ببعض السنة - وأخذَ يناظر المعتزلة ويردّ عليهم بالطرق الكلامية، وربما التزمَ الكثير من أصولهم.

وقد تصدى المصنفون القدامى لكتابات الأشعري منهم الإمام ابن قدامة رحمه الله؛ فقد كانَ غليظاً جدّاً على الأشعرية - وقد شدّد القولَ في الأشعري - وفيه تحاملٌ شديد، والأشعري بَعد توبته أرادَ نصرة دين الإسلام لكنه لم يوفق للطريق الصحيح في ذلك، وحسب أن علمه بالكلام یغنیه، لكنه من حيث الجملة وافق أهل السنة في أكثر مسائل الأصول، وطريقته أسلم من طريقة مَن جاء بعده من أتباعه، إلا أنه لا يوافق على جميع ما كتبه في هذا الباب.

__________________________________________________

 مسائل هذا الكتاب:

1-  وجوب معرفة الله بالأدلة اليقينية الإجمالية، لا بالظنية ولا المحتملة.

2-  يجب على المسلمين النظر الإجمالي في أدلة وجود الله، أما التفصيلي فبحسبه.

3-  أول واجب على المكلف: الإيمان بالله تعالى: بوجوده، وبوحدانيته، وكماله.

4-  التقليد المحض، بترك النظر بالمطلق في الأدلة على وجود الله ووحدانيته وكماله يُعدُّ معصيةً؛ لأنه تقصير في تكليف شرعي.

5-  النظر يكون من خلال المكونات والآثار الدالة على وجود الله ووحدانيته وكماله،

6-  أن أصل الإيمان: التصديق القلبي، والقول والعمل مكملان متممان له، وأن الأعمال الصالحة والطاعات خارجة عن أصل الإيمان، وأنَّها ليست جزءًا منه، ولا ركنًا فيه، فمن ُوجِدَ منه أصل التصديق ولم توجد منه الأعمال، لم يكفر.

* تنبيه: في قوله تعالى: {وما كان الله ليضيع صلاتكم}، قال الجويني (في الإرشاد): تصديقكم، وهذا باطل، لأن الصحابة رضي الله عنهم لم يخافوا ضياع تصديقهم فهو ثابت في الحالين، وإنما خافوا ضياع صلاتهم إلى القبلة الأولى. وقد نبه العلماء إلى معنى الإذعان والانقياد في الإيمان، فإن بعض الناس قد يفهم أنهم يريدون به العمل والامتثال، ولكن كلامهم واضح في عدم قصد ذلك وأنهم إنما يريدون به الإيمان بوجوب الفرائض لا فعلها. فالإذعان عندهم هو جزء من الفعل النفسي أو الكيف النفسي أو متعلق من متعلقاتها لا غير، فهو ضد التكذيب، أو ضد جحد الوجوب على أحسن الأحوال، ومن الواضح أن إذعانا كهذا الذي وصفوه ليس هو الإذعان المطلوب شرعا، وإن كان لا بد منه في الإذعان الشرعي الذي هو الامتثال بفعل المأمور وترك المحظور على ما جاء في النصوص الكثيرة.

7-  وأن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي، باعتبار أن الأعمال من مكملات الإيمان، والمراد بالطاعة: فعل ُ المأمور به، واجتناب ِّ المنهي عنه، وأمّا المعصية فهي مخالفةُ ما أمر الله تعالى به.

8-  أن الصفات الواجبة لله تعالى، إما نفسية تتعلق بنفس الذات، وهي: الوجود. وإما سلبية؛ لأنها تسلب عن الله تعالى كل نقص، وهي: القد، والبقاء، والقيام بالنفس، ومخالفة الحوادث، والوحدانية، وإما صفات معاني لا تتغير بتغير الزمان، وهي سبع: الحياة، والعلم، والقدرة، والإرادة، والسمع، والبصر، والكلام.

* تنبيه: الأشاعرة قالوا بالكلام النفسي، وهم أنفسهم لم يقدروا على تصوره تصوّراً صحيحاً، ولم يقدروا على تعريفه تعريفاً منضبطاً، وهذا يؤكّد خطأهم في هذا الباب.

* تنبيه آخر: أنكر الأشاعرة أن يكون هذا القرآن العربي هو القرآن الذي هو كلام الله حقيقة، فقالوا: إنما هذا القرآن العربي هو دلالة على ذاك الكلام وعبارة عنه، وليس هو كلام الله على الحقيقة.

* تنبيه ثالث: ومن أبرز المسائل التي وقع فيها الخلاف مسألة كلام الله تعالى؛ فقد قرر الأشاعرة أن كلام الله تعالى صفة أزلية قائمة بذاته، وعبّروا عنه بالكلام النفسي، وميّزوا بينه وبين الألفاظ والأصوات العربية التي يُعبَّر بها عنه ويُتلى بها القرآن. ويرى منتقدو هذا التقرير أن هذا التفريق يوقع في إشكال عند تحديد حقيقة القرآن الذي أنزله الله تعالى بلسان عربي، ويؤدي إلى الفصل بين الكلام الإلهي وبين القرآن المتلو والمسموع والمكتوب. والأقرب في هذا الباب ـ عند أهل الحديث ـ إثبات أن القرآن كلام الله تعالى حقيقة، وأنه منزل غير مخلوق، مع التفريق بين كلام الله وبين أصوات القراء وأفعالهم التي هي من أفعال العباد.

تنبيه: ومن أهم أبواب الخلاف بين الأشاعرة وأهل الحديث باب أسماء الله تعالى وصفاته؛ فقد أثبت الأشاعرة عددًا من الصفات التي دل عليها الدليل، وأوّلوا أو فوّضوا طائفة من الصفات الخبرية التي رأوا أن ظاهرها يوهم التشبيه أو التجسيم. أما أهل الحديث فيرون أن الطريق الأسلم هو إثبات ما أثبته الله لنفسه وما أثبته له رسوله صلى الله عليه وسلم، من غير تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، مع اعتقاد أن صفات الخالق لا تشبه صفات المخلوقين.

تنبيه: يلزم من نفي الصفات الخبرية طرد باب النفي، لأن نفي البعض وإثبات البعض تحكُّم في الباب، أو تناقض: يقول ابن تيمية (ت: ٧٢٨ هـ) : (وهذا لازم لجميع العقلاء؛ فإن من نفى بعض ما وصف الله به نفسه، كالرضا والغضب والمحبة والبغض ونحو ذلك، وزعم أن ذلك يستلزم التشبيه والتجسيم، قيل له: فأنت تثبت له الإرادة والكلام والسمع والبصر، مع أن ما تثبته ليس مثل صفات المخلوقين، فقل فيما أثبتَّه، مثل قولك فيما نفيته وأثبته الله ورسوله؛ إذ لافرق بينهما !!

فإن قال: أنا لا أثبت شيئًا من الصفات؛ قيل له: فأنت تثبت له الأسماء الحسنى، مثل حي وعليم وقدير، والعبد يسمى بهذه الأسماء، وليس ما تثبت للرب من هذه الأسماء، مماثلا لما تثبت للعبد؛ فقل في صفاته نظير قولك ذلك في مسمى أسمائه !!

فإن قال: وأنا لا أثبت له الأسماء الحسنى، بل أقول هي مجاز، أو هي أسماء لبعض مبتدعاته، كقول غلاة الباطنية والمتفلسفة؛ قيل له: فلا بد أن تعتقد أنه حق قائم بنفسه، والجسم موجود قائم بنفسه، وليس هو مماثلًا له !! فإن قال: أنا لا أثبت شيئًا، بل أنكر وجود الواجب؛ قيل له: معلوم بصريح العقل أن الموجود إما واجب بنفسه، وإما غير واجب بنفسه ... ) اهـ.

وهكذا لا ينتهي طرد النفي، وحسم الباب، على حد تعبير الجويني السابق، إلا بنفي الوجود الواجب القديم؛ وهذا: ((مع الكفر، الذي هو أصل كل كفر: قد كابر القضايا الضرورية)) !! وهكذا ينتقل بحث الإثبات، إلى أصل إثبات الخالق، بما هو مشاهد من وجود المخلوق، وأن الخالق الغني، القديم الواجب، يستحيل -عقلًا وشرّعا- أن يكون مماثلًا للمخلوق المحدث الممكن في حقيقته، مع أن كلا منهما موجود ثابت، له حقيقة وذات هي نفسه.

ومن الحق أن نقول هنا: إن المذهب الأشعري لم يكن وحده في ميدان التأثير والتأثر؛ أو بعبارةٍ أدق: لم يكن وحده هو الذي تغيرت بعض قواعده، عما كان عليه الحال في أصل المذهب، ولم يكن هو -وحده- المتلقي عن المؤثرات الخارجة عنه. 

فالمعتزلة الذين تقلدوا نفي الصفات -في الوسط الكلامي- وعرفوا به، لم يكونوا في أول أمرهم على مقالة النفي والتجهم، كما يؤرخ لهم ابن تيمية، أو -بعبارة أخرى -: لم تكن الأصول الفلسفية لمقالتهم، قد استقامت ونضجت في مذهبهم، كما يؤرخ لهم الشهرستاني، وهذا ما يؤرخه لنا نص معتزلي لمهم: ((اعلم أن شيوخ المتكلمين رحمهم الله، إلى زمن الشيخ أبي هاشم، لم ينصوا على إثبات الصفات والأحوال، ولا على نفيها؛ إلى أن صرح بإثباتها أبو هاشم، وصرح بنفيها أبو القاسم البلخي، وأبو علي الجبائي، وأبو بكر بن الإخشاد، والشيخ أبو الحسين، رحمهم الله)).

* تنبيه: على من ينفي الصفات الخبرية أن يكون منطقياً مع نفسه: مطردا في أصله، غير متحكم فيه، ولا متناقض في الباب؛ فلن يقتصر على نفي ما جاءت به السنة، حتى ينفي ما جاء به الكتاب أيضًا !!

يقول سلام بن أبي مطيع (ت: ١٦٤ هـ): ((متى ينكرون من هذه الأحاديث شيئًا؛ فإنهم لا ينكرون شيئًا، إلا في القرآن أبين منه؛ إنه سميع بصير، وإنه سميع عليم، ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾، ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، وقال: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِبَدَيَّ﴾؛ فما زال يقول، حتى غربت الشمس)) وهو الأمر الذي يقرره، بحق، ومن داخل الوسط الأشعري: أبو بكر ابن فورك (ت: ٤٠٦ هـ)، في شأن المعترضين على ((أهل النقل والرواية ...  من أصحاب الأهواء الفاسدة، العادلة من مناهج الكتاب والسنة، نحو الجهمية والمعتزلة .. ))، فيقول ابن فورك فيهم: (وإنما حمل هؤلاء المبتدعة، على هذا التهجين، والإنكار على هذه الطائفة، بنقل ما نُقل من ذلك: ما حمل الملحدة والمعطلة، على إنكار كتاب الله تعالى، اعتراضًا منهم عليه، بذكر بعض ما ذهبت عن معرفة معانيها، وحقائقها، من آياته المتشابهة)).

بل إن طرد الباب في نفي الصفات، لن ينتهي دون عقبة التعطيل المحض، وإبطال السنن؛ بل إبطال ما أتى به الكتاب نفسه، كما أشار ابن فورك، ثم عاد وصرح به: ((فتوَضَّح لك: أن قَوْد هذه المقالة يجر القائل به، والقائل له، إلى إبطال الكتاب، بمثل ما أبطل به السنة)).

وفي ذلك يقول محمد بن إسحاق بن خزيمة (ت: ٣١١ ه): (فتفهموا يا ذوي الحجا ما بينت في هذا الفصل، تعلموا وتستيقنوا أن لخالقنا أسامي، قد تقع تلك الأسامي على بعض خلقه، في اللفظ لا على المعنى، على ما قد بينت في هذا الفصل من الكتاب والسنة ولغة العرب. فإن كان علماء الآثار الذين يصفون الله بما وصف به نفسه، وبما جاء على لسان نبيه: مشبهة، على ما يزعم الجهمية المعطلة؛ فكل أهل القبلة، إذا قرءوا كتاب الله، فآمنوا به بإقرار باللسان، وتصديق بالقلب، وسمَّوا اللهَ بهذه الأسامي، التي خبر الله بها أنها له أسامي، وسموا هؤلاء المخلوقين بهذه الأسامي، التي سماهم الله بها = هم مشبهة !! فعود مقالتهم هذه توجب أن على أهل التوحيد الكفر بالقرآن، وترك الإيمان به، وتكذيب القرآن بالقلوب، والإنكار بالألسن)).

وقد تحقق ذلك الموقف فعليًّا، على يد الفلاسفة والباطنية، الذين نفوا جملة صفات الإثبات، حسما للباب، ولذلك يؤرخ أبو المعالي الجويني (ت: ٤٧٨ هـ)، في نص مهم، للإغراق في كلا الجانبين، الإثبات حتى التشبيه، والتنزيه حتى التعطيل، باعتبارهما انحرافين، متقابلين: ((اعلموا -أرشدكم الله- أن من أعظم أركان الدين: نفي التشبيه، وقد افتتن فيه فئتان، وابتلي عليه طائفتان: فغلت طائفة، ونفت جملة صفات الإثبات؛ ظنا منهم أن المصير إلى إثباتها مفض إلى التشبيه، وإلى ذلك صار من أثبت الصانع من الفلاسفة، وإليه مال بعض الباطنية؛ فزعموا أن القديم لا يوصف بالوجود، ولكن يقال: إنه ليس بمعدوم، وكذلك لا يوصف بكونه حيا، عالما، قادرا؛ بل يقال: ليس بميت ولا عاجز ولا جاهل، وطردوا ذلك في جملة صفات الإثبات التي تثبت للمحدثات أسماؤها، وقالوا: لو وصفنا الرب بشيءٍ منها، مع اتصاف الحوادث بها: اقتضى ذلك تشبيها. واختلف هؤلاء في وصف الرب بالقدم، والإلهية، وسائر الصفات التي يختص بها، ولا يشاركه في أسمائه المحدثون؛ فذهب بعضهم إلى التمنع من إثباتها حسما للباب !! )).

10- وإثبات رؤية الله تعالى للمؤمنين في الآخرة، وتأويل الفوقية، والاستواء الورادان في القرآن الكريم، والسؤال عن الله بـ أين؟ في حديث النبيّ صلى الله عليه وسلم، وتنزيه الله تعالى عن أن يحويه مكان، أو يُحيط به زمان.

* تنبيه: مذهب الأشاعرة في الرؤية: ما ذكره الكتاب مبني على مذهب متأخري الأشاعرة الذين جمعوا بين نفي العلو وإثبات الرؤية، فوافقوا أهل السنة في إثبات الرؤية، ووافقوا الجهمية في نفي العلو، فتناقضوا في إثبات الرؤية بناءً على ذلك من غير مقابلة ولا مواجهة ولا اتصال أشعة !! كما يقولون (انظر في مذهبهم هذا (الإرشاد) للجويني ص١٦٤، (نهاية الأقدام) للشهرستاني ص٣٥٦، (المحصل) للرازي ص١٨٩)، وهو أمر انفردوا به بين المسلمين سنيهم وبدعيهم كما اعترف بذلك الرازي (في المحصل ١٨٩). ولقولهم هذا ألزمهم المعتزلة بأن ينفوا الرؤية لنفيهم العلو والمواجهة والمقابلة (انظر: شرح الأصول الخمسة، لعبد الجبار المعتزلي ص٢٤٨)، وهذا الإلزام لا محيد عنه، فإن العقل لا يتصور رؤية كهذه التي يثبتها الأشاعرة، فحقيقة قولهم نفي الرؤية، ولهذا فسرها الشهرستاني بالعلم (نهاية الأقدام، ص٣٥٦)، وفسرها الرازي بالكشف التام (المحصل، ص١٨٩)، واعترف حذاقهم بأنه لاخلاف بينهم وبين المعتزلة في هذا، وإنما الخلاف لفظي. کما قال أبو نصر السجزي رحمه الله تعالی (في الرد على من أنكر الحرف والصوت، ص ١١٩) : (فهو إذا قال إنه یری بالأبصار لم يجز في العقل أن تكون الرؤية عن غير مقابلة، وإن قال إن الرؤية لا تخص البصر عاد إلى قول المعتزلة، وصارت الرؤية في معنى العلم الضروري، وقد حكي عن بعض متأخريهم أنه قال: لولا الحياء من مخالفة شيوخنا لقلت إن الرؤية هي العلم لا غير)اهـ.

وقال شیخ الإسلام رحمه الله تعالی (في درء التعارض، ٢٥٠/١) : (ولهذا صار الحذاق من متأخري الأشاعرة على نفي الرؤية وموافقة المعتزلة، فإذا أطلقوها موافقة لأهل السنة، فسروها بما تفسرها به المعتزلة، وقالوا: النزاع بيننا وبين المعتزلة لفظي). وقال: (والأشاعرة فسروا الرؤية بمزيد علم، لا ينازعهم فيه المعتزلة، وقالوا: ليس بيننا وبين المعتزلة خلاف في المعنى، وإنما خلافهم مع المجسمة)اهـ.

ويكفي في إبطال هذا المذهب مخالفته للمعقول - الذي يدعون اتباعه- ومخالفته للمنقول، أما مخالفته للمعقول فقد اعترف حذاق الأشاعرة كما سبق أن الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظي وأنهم متفقون على إنكار الرؤية - لأن إثبات الرؤية على قولهم مستحيل-، وأما المنقول فما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم من أحاديث الرؤية الجامعة بين إثباتها وإثبات العلو، فمنها الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه (أن ناسًا قالوا: يا رسول الله هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال: هل تضارون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا يا رسول الله، قال: فإنکم ترونه كذلك).

13-وأنه سبحانه الخالق لأفعال النّاس وحركاتهم وتصرُّفاتهم من خيرِ أو شَر، وكل عبد مُحاسبٌ على اختياره أفعاله، فكلّ فعل يفعله باختياره وقصده يدخُل في الحساب والمسؤوليّة، لأنّ التّكليف يكون على الأفعالِ التي اختارها المُكلَّف، والاختيار هو السببُ في الثواب والعقاب.

* تنبيه: اعتقاد الأشاعرة في الأسباب: ومن المسائل التي يظهر فيها أثر المنهج الكلامي مسألة الأسباب؛ فقد ذهب كثير من الأشاعرة إلى أن الأسباب لا تؤثر في مسبباتها بذاتها، وإنما يخلق الله تعالى المسببات عند وجود الأسباب، فالنار ـ عندهم ـ لا تخلق الإحراق بذاتها، والسكين لا تخلق القطع بذاتها، وإنما يجري الله تعالى عادته بوقوع هذه الآثار عند وجود أسبابها. والمقصود من هذا التقرير عندهم المحافظة على توحيد الله تعالى وإثبات أنه الفاعل الحقيقي لكل شيء.

ويرى أهل السنة أن إثبات كون الله تعالى هو خالق الأسباب والمسببات لا يستلزم نفي تأثير الأسباب الذي أودعه الله فيها، وأن النصوص الشرعية والعقل والحس تشهد بوجود علاقة حقيقية بين الأسباب ومسبباتها؛ فالله تعالى أنزل المطر بالماء، وأنبت به الأرض، وجعل القتل واقعًا بأيدي العباد. ومن ثم فإثبات الأسباب وتأثيرها لا ينافي التوحيد، ما دام العبد يعتقد أن الله هو خالق السبب والمسبب، وأن تأثير السبب لا يستقل عن مشيئة الله وقدرته.

14-القضاء هو ما أراده الله منَ الأمور في الأزل، وثبَتَ عنده سبحانه وتعالى في علمه الأزلي، والقضاء أمرٌ محتوم، قال سبحانه: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: ٢١]. وأمّا القدر فهو إيجاد الله تعالى الأشياءَ في الواقع على وَفق إرادته وعلمه. والسعيد هو من سعد بإيمانه، والشقي من شقي بكفره.

15- وإثبات الفرق بين النبيّ والرسول، والنبي: إنسان ذكر حرِ سليم عن كل منفر طبعاً، أوحي إليه بشرع يعمل به، وهو مأمور بأن يبلِّغ الشريعة للنّاس، ويزيد عليه الرسول: بأنه أوحي إليه بشرع جديد، وبينمهما عموم وخصوص وجهي.

16- وأن الحكمة من بعثة الأنبياء والرسل هي أن يعرف الناس ربهم ويوحدوه، وليبلغوا أوامره ونواهيه للناس، أوامر، لينتظم امرهم، وتستقيم شؤونهم في الحياة.

17-ووجوب إثبات الصفات الكريمة للأنبياء والرُّسل، وأهمها: الصِّدق والأمانة والتَّبليغ والفطانة، ونفي ما يستحيلُ عليهم من الكذبِ والمعصية وكتمان الدَّعوة، وتجويز ما يجوز عليهم من الأعراض البشريّة والأمراض.

18-وجوب نتإثبات السمعيان، وهي التي نعرِفُها من جهةِ السَّمع؛ أي ما نتلقّاه من الخبرِ الصّادق، فهي إمّا مذكورةٌ في القرآن الكريم وإمّا مرويّةٌ في السّنة النبويّة المطهَّرة، وذلك كإثبات ما يكونُ من الأحداثِ بعد الموت، إمّا في البرزخ من نعيم القبر أو عذابه، وإمّا ما يكونُ يوم القيامة من حشرٍ ونشرٍ ومیزانٍ وصراط، وغير ذلك من الأمور التي نتلقّاها بالسَّمع من الأدلّة الشرعيّة الصحيحة.

19- وتناول في باب السمعيات عدة قضايا أبرزها عدالة الصحابةن والكرامات، والأولياء، وبراءة السيدة عائشة، والروح، والملائكة، والكتب الإلهية، وعذاب القبر ونعيمه، والبعث والحشر، والحساب والميزان، وبعلامات الساعة، وبحوض نبينا، وحكم مرتكب الكبيرة.

________________________________________________

وخلاصة الكتاب

تقرير عقيدة الإيمان بالله تعالى مع الإذعان والتَّسليم له سبحانَه، وأن نُثبت له كل صفات الكمال والجلال ما علمنا منها وما لم نَعلم، ونُنزّهَه عن صفات النّقص ومشابهةَ الخلق في أي شيء، ونثبتَ أنّه خالقُ أفعال النّاس وأنه يُحاسبهم على ما كان منهم، ويثيب المؤمنين برحمته وفضله، ويعذُب الكافرين بعدلِه، وهي متضمنة في جملة: "لا إله إلا الله".

_________________________________________________

أبرز المسائل التي جاءت في الكتاب

أولا: حكم تكفير المسلمين:

ينبغي العلم بأنّ تكفير المسلم من أكبر الكبائر، فلا يجوز أن يُكفّر مسلمٌ يؤمن بالله والرَّسول واليوم الآخر، وقد حذرَنا النبي لا في خطبة الوداع من خطورة التكفير وما يجلبُه من الفرقة وسفك الدماء، حيث قال: ((فإنّ الله تبارك وتعالی قد حرَّمَ عليكُم دماءَكُم وأموالَكُم وأعراضَكُم إلّا بحقٌها، كحُرمةِ یومِكُم هذا، في بلدِكُم هذا، في شهرِكُم هذا، ألا هل بَلَّغتُ)) ثَلاثَا، كُلُّ ذَلِكَ يُجِيبُونَه: ألا، نَعَم.  قال: ((ويحَكُم، أو ويلَكُم، لا تَرجِعُنّ بَعدي كُفارًا، يضرِبُ بعضُكُم رقابَ بَعض)).

هذا وقد حكم الإسلام بعصمة دم المسلم ومالِه وعِرضه، وجعل من نطَقَ بالشهادتَين والتزم أحكامَ الإسلام مُسلِمًا، قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم: ((مَن صلَّى صلاتَنا واستقبلَ قِبلتَنا، وأكلَ ذَبيحتَنا، فذلكَ المُسلِمُ الذِي لهُ ذِمّة الله وذِمّة رَسولِه، فَلا تُخفِرُوا الله فِي ذِمَّتِهِ)).

ثانیًا: حكم عدم تكفير الكافر:

الإيمانُ هو التّصديق بشهادة التّوحيد ((لا إلَه إلّا اللهُ محمَّدٌ رسولُ الله))، ويقتضي ذلك إنكار كلِّ ما يُخالف شهادةَ التوحيد، والكفرُ هو التكذيب والجحود أو الرِّضا بالكفر أو الجهل التامّ بشهادة التّوحيد: (لا إلَهَ إلّا اللهُ محمَّدٌ رسولُ الله))، فالمؤمن الذي یقژُّ في حیاته بشهادة التّوحید ویعتقدها صادقًا من قلبه، هو مؤمن ناج عند الله تعالی.

والمؤمن الذي يشهد أن لا إلَهَ إلّا الله، وأنّ محمَّدًا رسولُ الله، مصدّقًا بما علم من الدِّين بالضرورة، بحيث لو علم أنّ شيئًا ما من الدِّين بادر بالتّصديقِ به والإذعان له، ولا يجبُ على المؤمن حتى يكون مؤمنًا أكثرُ من ذلك، كأن يبحثَ في مسائل التكفير، أو ينطِقَ به في حقّ أشخاص معيَّنين أو طوائفَ معيَّنة، فلو فرضنا إنسانًا عاش مصدّقًا بالشهادتين ومات على ذلك من غير أن يُكفِّر أحدًا لعدم شعوره بذلك أصلًا، أو لعدم مجيء ذلك في ذهنه، أو لم ينطق بتكفیر أحدٍ يومًا، فهو مؤمن ناجٍ عند الله تعالى.

وأمّا مَن يرضى بكفر الكافرين الذين حكَمَ الله تعالى بكفرِهم، ولا یحكمُ بكفرِهم أو يتردَّدُ في ذلك معَ علمه بأنّ الله كَفّرهم، فلا يُعقَل أن يكون مؤمنًا أصلًا، لآنّہ بذلك یکون مکذّبًا لله تعالی ورسوله ێلاے، ویکون قد رضي بالکفر، ولا تصحّ منه دعوی الإیمان ابتداء.

وإنما أوردنا هذه المسألةَ في هذا الكتاب، لأنّ بعض الناس من أهل الغُلُوّ قد يرى تكفيرَ أحدٍ من الناس، سواء كان كافرًا بالفعل أو لا، ثم يزعم أنّ منِ امتنع عن تكفير هذا الشخصِ بعينه فهو كافرٌ بذلك، بزعمه أنّ مَن لم يُكفِّر الکافرَ کافر، فذكَرنا هذه المسألةً ليَعلَم المُكلَّف من المسلمين أنَّه لا يجب عليه شرعًا أن يُدخِل نفسَه في تكفير أحدٍ بعينه، وأنّ ذلك موكولٌ إلى أهله ممّن يعلمون حقائقَ الأمور وحدودَ المسائل الشرعيّة.

ثالثًا: حكم الذبح لغير الله تعالى:

قد يقوم بعض الناس بالذبح لغير الله تعالى تكريمًا لشخصٍ ما، أو تعظیمًا له أو احترامًا، فما حكم ذلك عند أهل الفقه؟

الحقُّ أنّه لا تكفير بذلك إلا إذا اقترن الذبح لغير الله تعالى بمكفّر كعبادة غير الله أو التعظيم للمذبوح له على وجه التّأليه واعتقاد صفات الألوهيّة فيه، وهذا ما ذهب إليه الأئمةُ الفقهاء.

قال الإمام الرافعيُّ الشافعي: ((وأنّ المُسلِمَ لو ذبح للكعبةِ أو للرَّسول صلى الله عليه وسلم؛ فیقوی أن یُقال یحرم، لأنّه ذبح لغیر الله تعالی))، ومثله للإمام للنووي رحمه الله تعالى.

وقال الإمام النوويُّ رحمه الله تعالى: ((واعلَم أنّ الذبح للمعبود وباسمه نازلٌ منزلة السجود له، وكل واحد منهما نوعٌ من أنواع التعظيم والعبادة المخصوصةِ بالله تعالى المستحقٌّ للعبادة، فمن ذبح لغیره من حیوانٍ أو جمادٍ كالصَّنم على وجه التعظيم والعبادة، لم تحلَّ ذبيحتُه، وكان فعله كفرًا، كمن سجد لغيره سجدةَ عبادة، وكذا لو ذبح له ولغيره على هذا الوجه، فأمّا إذا ذبح لغيره لا على هذا الوجه، بأن ضحى أو ذبح للكعبة تعظيمًا لها لأنّها بيت الله تعالى، أو للرَّسول لأنّه رسول الله، فهذا لا يجوز أن يمنع حلَّ  الذبيحة، وإلى هذا المعنى يرجعُ قول القائل: أهديت للحرم، أو للكعبة، ومن هذا القبيل، الذبح عند استقبال السلطان، فإنّه استبشارٌ بقدومه، نازلٌ منزلة ذبح العقيقة لولادة المولود، ومثل هذا لا يُوجِب الكفر))، ومثله للرافعي أيضًا.

وعند تأمّل هذه النصوص وغيرها ممّا ذكره علماء الفقه، نخلص إلى أنَّ الذبح لغير الله تعالى يكون علی مراتب:

المرتبة الأولى: أن يكون الذبح لغير الله تعالى عبادة لذلك الغير، فهذا حرام وكفر، ويحرم أكل الذبيحة التي ذبحت بهذه النية.

المرتبة الثانية: أن يكون الذبح لغير الله تعالى احترامًا لذلك الغير من جهة أنَّه مضاف لله تعالى، كالذبح للكعبة من حيث إنَّها بيت الله، فهذا قد لا يحرم، ولا یمنع حل الذبیحة.

المرتبة الثالثة: الذبح لغير الله تعالى لأجل ذلك الغير من دون إضافته لله تعالى، كالذبح لشخص من باب الاحترام له من دون اعتقاد العبادة، فهذا ليس كفرًا، لكن قد يحرم ولا يحل الأكل من الذبيحة.

وفهم النّصوص الفقهيّة الواردة في كتب الفقه يكون بناءً على التفصيل بين هذه المراتب، والله تعالی أعلم.

فهؤلاء الأئمةُ الفقهاء يفرِّقون بين المعصيةِ والكفر، فالذبح لغير الله تعالی لا يكون كفرًا إلّا إذا كان على وجه العبادة للمذبوح له، وأمّا غير ذلك كتعظيمه واحترامه فلا یکون کفرًا.

وكلُّ هذه الأحكام مرجعُها أنّ الإيمان هو التّصديق والكفرَ هو التكذيب، وأنّه لا يخرج المسلم من الإسلام بذنبٍ أو معصية، بل لا يُخرِجه إلا الاعتقادُ القلبيُّ المنافي للإيمان بالله تعالى ورسوله.

وبهذه الطريقة المُثلى يكون المُكلَّف على بصيرةٍ من اعتقاده وعمله وعلاقته بالمسلمين وفهمه لأفعالهم وسلوكياتهم، ويكون على بيِّنةِ فلا يقتحم شُبهة التكفير بغير وجه حق.

رابعًا: حكم الطّواف بالقبور:

ينبغي العلم أولًا أنّ المسلمين موحّدون أصلًا، ولا يجوز ابتداءً أن نفترض أنّهم يعبدون غير الله تعالى، وإذا صدر مِن أحدٍ منهم مخالَفة أو معصیةٌ عن هوی أو شُبهة أو جهل، فعلينا أن نقومَ بواجب البيان، لا أن نسارعَ إلى تكفيرهم وتبديعهم. 

وقد شاهَدنا ما يكون أشبَهَ بالطّوافِ حول القبور في بعض الأمكنة، ويكون في الحقيقة ضربًا من التنظيم للزيارة، وقد يقع في أماكنَ معيَّنة أن يعتاد الناس فيما بينهم عادةً كالطّواف بالقبور، فلا بُدَّ من بيان حُكم ذلك عند الفقهاء. 

وعند تصفّح آراء فقهاء أهل السّنة والجماعة نجد أنّ الحکم یدور بین الحرمة والكراهة، فهو مكروةٌ عند الحنابلة في وجه، ومحرَّمٌ عند الجمهور، ولم يقُل أحدٌ منهم بالتكفير، لأنّ المسألة فقهيّةٌ وليست اعتقاديّةً كما هو معلوم، ولا يجوز القول بالتكفير إلا إذا اقترن ذلك بمُكفِّر اعتقادي، كأن يطوف بالقبر عابدًا لصاحبه، أو معتقدًا فيه الشركة مع الله تعالى، أو صفة من صفات الألوهيّة، وهو ما لا یخطر بیال مسلم أصلًا.

وهذه بعض النُّقول من المذاهب الفقهيّة حول حكمِ الطَّواف بالقبور:

قال ابن النقيب الشافعي: ((ولا يجوزُ الطَّوافُ بالقبر، ويُكرهُ إلصاقُ الظهرِ والبطنِ به، ولا يُقَبِّلُهُ ولا يستلمُهُ)).

قال الفقيه الحجاويُّ الحنبلي: ((ويُكرَه المبيتُ عنده وتجصيصه وتزويقه وتخليقه وتقبيله والطواف به وتبخيره وكتابة الرّقاع إليه ودسُّها في الأنقاب والاستشفاء بالتربة من الأسقام والكتابة عليه والجلوس والوطء عليه، قال بعضهم: إلا لحاجة، والاتِّكاء عليه، ويحرم التخلي عليها وبينها ... )).

قال الشيخ مرعي الحنبلي: ((ويكره تزويقه وتجصيصه وتبخيره وتقبيله والطواف به والاتّكاء إليه)).

فهذه النقول كلُّها لا تذكرُ في الموضوع حكمًا بتكفير، بل الحرمة أو الكراهة. 

خامسًا: حكم الحلف بغير الله تعالى:

لا يجوز تكفير مَن حلف بغير الله تعالى؛ فإنّ غاية الحكم أن يکون منهیًّا عنه شرعًا، وهذا ما بيَّنه الأئمة من الفقهاء، قال الإمام النووي: ((الحلف بالمخلوق مكروه، كالنبيِّ والكعبة وجبريل والصحابة والآل.

قال الشافعيُّ رحمه الله: أخشى أن يكون الحلف بغير الله تعالى معصية، قال الأصحاب: أي حرامًا وإثمًا، فأشار إلى تردُّد فيه، قال الإمام: والمذهب القطعُ بأنّه ليس بحرام، بل مكروه، ثمّ من حلف بمخلوقٍ لم تنعقد يمينه ولا كفارة في حنثه، قال الأصحاب: فلو اعتقد الحالف في المحلوف به من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى كفر)).

إذًا نلاحظ هنا أنّ الحلف بغير الله تعالى دائرٌ بين الحُرمة والكَراهة، إلا أنه لا يكون سببًا في التكفير إلا إذا اقترن بما هو كُفر، كأن يكون الحلف مقترنًا بتعظيم المحلوف به على وجه التأليه واعتقاد صفات الأُلوهيّة فيه، أو اعتقاده شريكًا معَ الله تعالی، وهذا ما لا يخطرُ ببال مسلمٍ أصلًا.

وقال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري: ((فإن اعتقد تعظيمه كما)) وفي نسخة بما (يعظم الله) بأن اعتقد فيه من التعظيم ما يعتقده في الله تعالى (كفر)، وعليه يحمل خبر الحاكم: ((من حلف بغير الله فقد کفر))، أما إذا سبق لسانه إلیه بلا قصد فلا كراهة، بل هو لَغوُ يمين، وعليه يُحمَل خبر الصحيحين ((في قصة الأعرابي الذي قال: لا أزيد على هذا ولا أنقص: أفلح - وأبيه - إن صدق)).

سادسًا: حكم التوسّل:

التوَسّل بالأنبياء والأولياء والصالحين والأعمال الصّالحة لا إشكالَ فيه شرعًا، إذ إنّه جائزٌ عند أهل العلم، ويدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ اتَقُواْ اللهَ وَابْتَغُواْ إِلَيْهِ اُلْوَسِيلَةَ وَجَِهِدُواْ فِى سَبِيلِهِ، لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [المائدة: ٣٥].

ومن نصوص المذاهب على جواز التوسّل ما جاء في حاشية ابن عابدين من السادة الحنفيّة: (وقد عُدَّ من آداب الدعاء التوسّل على ما في ((الحصن))، وجاء في رواية: ((اللهمَّ إني أسألك بحقِّ السائلين عليك، وبحقّ ممشاي إليك، فإني لم أخرج أشرًا ولا بطرًا» الحديث ... )).

وجاء في شرح الخرشي من السادة المالكية: ((وأمّا التوسّل ببعض مخلوقاته فجائز، وأمّا الإقسام على الله تعالى في الدعاء ببعض مخلوقاته، كقوله: بحق محمد اغفر لنا، فخاصٌّ به صلى الله عليه وسلم)).

وجاء في كتاب ((المجموع شرح المهذب)) (٢٧٤/٨) من كتب السادة الشافعیة: (ثمَّ یرجع إلی موقفه الأول قبالة وجه رسول الله ێلل، ویتوسل به في حق نفسه، ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى. ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا عن العتبي مستحسنين له، قال: ((كنت جالساً عند قبر رسول الله لر، فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَاءُ وكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللّهَ وَاُسْتَغْفَرَ لَهُمُ اُلرَّسُولُ لَوَجَدُوا اُللهَ تَوَابًا زَحِيمًا﴾، وقد جئتك مستغفراً من ذنبي، مستشفعاً بك إلى ربي، ثم أنشأ يقول (شعر):

يا خير من دفنت بالقاع أعظمه … فطاب من طيبهن القاع والأكم

نفسي الفداء لقبر أنت ساكنه … فيه العفاف وفيه الجود والكرم

ثم انصرف، فحملتني عيناي، فرأيت النبي رَّيلر في النوم، فقال: يا عتبي، الحق الأعرابي فبشره بأن الله تعالی قد غفر له)).

وجاء في شرح المنتهى للبهوتي من السادة الحنابلة: ((و) أبيح (التوسّل بالصالحين) رجاءَ الإجابة، واستسقى عمر بالعباس، ومعاوية بيزيد بن الأسود، واستسقى به الضحاك بن قيس مرة أخرى، ذكره الموفق)).

وبناءً على ما سبق، فأين مسألة التوسّل من التكفير، وهي شِبه متفقٍ على جوازها عند فقهاء أهل السّنة والجماعة على أقل تقدير، إن لم نقُل بالإجماع على الجواز؟

سابعًا: معنى البدعة وأقسامها:

البِدعة في اللُّغة هي الأمر المُستَحدث، يقال: أبدع، أي اخترع شيئًا لم يسبِق له مثیل.

وأمّا في الاصطلاح الشرعي فإنّ البدعة على قسمين:

- بدعةٌ مذمومة: وهي ما لم يكن له أصلٌ في الشّرع الحنيف، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((مَن أحدثَ في أمرِنا هذا ما ليسَ منهُ فهو رد))، أمّا ما كان له أصل في الشّرع فلا یقال إنّه بدعة بهذا المعنى.

- بدعةٌ حَسنة: وهي ما كان له أصلٌ في الشّرع الشريف، كما قال عمر رضي الله عنه في جمع الناس على صلاة التراويح: ((نعمت البِدعة هذه)).

وخلاصة القول في البدعة أنّها لا تكون ضلالةً إلا إذا كانت مخالِفةً للنصوص الشرعيّة من غير شاهدٍ يشهد لها من عمومات الشريعة الإسلاميّة، وأمّا إذا كانت مندرجة في عمومات الكتاب والسّنة فلا يُقال للفعل إنّه بدعة على سبيل الذم، فالذَّكرُ مثلًا مشروع، فلو كان قيامًا أو قعودًا، أو سِرًّا أو جهرًا، أو بلفظِ وارد في الكتاب والسّنة أو غير واردٍ فيهما بل بلفظٍ من الذاكر نفسه، أو فردیًّا أو جماعيًّا، لا يُقال إنّه بدعة، لأنّه مشروعٌ أصلا بالعموم لقول الله تعالى: ﴿فَاذُكُرُوني اَذكُزَكُمْ وَاشْكُرُ واْ لِى وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].

ومَن تَشدَّد في التضييق على الناس باسم البدعة فلیست له حجّة، بل هو يُوقِع الناس في الحرج الشّرعيِّ ويصفهم بالابتداع في الدين، ويُضيِّق عليهم سُبل معيشتهم ممّا هو داخلٌ في المباح شرعًا، والله تعالى بعث الأنبياء عليهم الصَّلاة والسَّلام ليرفعوا الحرج عن الناس لا ليُعَسِّروا عليهم، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللّهُ يِكُمُ اُلْيُسْرَ وَلَاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥].

___________________________________________________

عاشرًا: منهج التدريس وكتب العقيدة عند أهل السّنة والجماعة الأشاعرة:

نذكر هنا المنهج التدريسيَّ الأشعريَّ في كتب العقائد الإسلاميّة، ومنهجهم يقع في مستويات ثلاثة تقريبًا بحسَب مستوى الطالب في العلم؛ فهناك المستوى المُبتدِئ، والمستوى المُتوسّط، والمستوى المتقدِّم. 

ومن أشهر كتب المستوى المُبتدِئ في علم العقائد ما يأتي:

أ. جوهرة التوحيد، للإمام إبراهيم اللَّقَاني المالكي (ت١٠٤١ه)، المُلقّب بأبي الإمداد، وهي منظومةٌ شِعريّة في العقيدة، شرحها صاحبها نفسه بأكثرَ من شرح، کما شرحها عُلماء کثیرون، و کتبوا علیها تعلیقاتهم وحواشیهم، وحفظها الطلبة جيلًا بعد جيلٍ إلى يومنا هذا، واعتنى بشرحها سماحةُ الشيخ نوح القضاة رحمه الله تعالى المفتي الأسبق للأردن.

ب. أم البراهين، كتابٌ مختصر في العقائد للإمام السنوسيّ (ت٨٩٥هـ)، وهو من أعظم العُلَماء الذين نقّحوا كتب العقيدة الإسلاميّة، وله فيها كتب كثيرة، منها منهج متكامل يترقى بالطالب من المستوى المبتدئ إلى المُتقدِّم، وهو: كتاب المُقدِّمات، ثم صغرى الصغرى، ثم أمُّ البراهين، ثم الوسطى، ثم الكبرى، وللإمام السنوسي على كلِّ كتاب منها شرحٌ خاص، وقد اعتنى العُلَماء بهذه الكتب أتمّ عناية وكتبوا عليها شروحًا وحواشي.

ج. الخريدة البَهِيّة، للإمام الدردير العَدوي المالكي الخَلوتِي، الشهیر بأحمد الدردير (ت١٢٠١ه)، شرحها الإمام الدردير نفسه، وشرحها عُلَماء كثيرون غيره. 

د.قواعد العقائد، للإمام حجّة الإسلام أبي حامد الغزالي (ت ٥٠٥ ه)، وهو كتاب جعله المؤلّف مشتملا على أهمِّ الأمور التي يجب أن يعرِفَها المسلم في دينه، ولأهميّة المحتوى العلميِّ لهذا الكتاب جعله الإمام الغزالي في الجزء الأول من كتابه العظيم ((إحياء علوم الدين))، وقد تناول علماؤنا هذا الكتاب بالشّرح، فشرحه عشرات العُلَماء، منهم: العلامة المحدّث الزبيدي، ومنهم الشيخ الفقيه زروق الفاسي.

هـ. إضاءة الدجنة في عقائد أهل السّنة: هي منظومةٌ في العقيدة الأشعريّة للإمام شهاب الدين المقري التلمساني (ت١٠٤١ه)، عليها شروحٌ كثيرة، منها شرح للشيخ المالكيّ محمد عليش (ت١٢٩٩ ه). 

و. العقيدة الصلاحيّة، سُمِّيت بذلك نسبةً إلى السلطان صلاح الدين الأيوبيِّ الشافعيّ الأشعري، فاتح القدس الشريف ومحرّره من الصليبيين، واسمها الأصلي حدائق الفصول وجواهر الأصول، أمر السلطان صلاح الدين بتدريسها للأطفال الصغار، ولطلاب العلم الکىار، وجعلها تدرس فى مدارس المسلمين وكتاتب العلم، فكانوا يحفظونها ويرددونها على الدوام، وذلك لما تحتوي عليه من العلم بالله تعالى وبصفاته العليا، وتعظيم دين الإسلام وشرائعه وعُلَمائه، وأبواب العقيدة الإسلاميّة الصحيحة على طريقة أهل السّنة والجماعة.

وبعد هذه الكتب في المستوى المبتدئ، تأتي الكتب الدراسيّة في المستوى المتوسط، ككتاب:

ح- الاقتصاد في الاعتقاد للإمام الغزالي.

ط- وكتاب معالم أصول الدين للإمام الرازي.

ي- وكتاب العقيدة الوسطى للإمام السنوسي.

ولكل من هذه الكتب شروح مُهِمّة.

وأمّا المستوى المتقدِّم فكتبُه كثيرة، مختصرة ومطوَّلة، ومن أشهرها کتاب:

ك- شرح العقائد النسَفية للإمام المحقَّق العلامة سعد الدين التفتازانيّ مع شروحه وحواشيه.

ل- وكتاب تهذيب الكلام للتفتازاني.

م- وكتاب المواقف لعضد الدين الإيجي مع شرحه للسيد الشريف الجُرجاني.

ن- وكتاب أبكار الأفكار للإمام الآمدي.

وغيرها من الكتب التي يصعُب قراءتها إلا للمتخصِّصين المتمكَّنين من علوم الشريعة الإسلاميّة المتنوّعة.

______________________________________________

اضطهاد الأشعرية واستقواؤهم بالسلطان -عبد العني المقدسي نموذجاً

أما سياسة الاستقواء بالسلاطين والظهير السياسي؛ فتاريخ الأشعرية مُلطخ بكثيرٍ من ذلك، بل لم ينتشر مذهبهم إلا بقوة السلطان.

وهاهو الإمام الزاهد العابد (عبد الغني المقدسي) صاحب المصنفات التي انتفع بها الموافق والمخالف، قد ظُلم واضطهد طيلة حياته؛ فطرده الأشعرية من أصبهان والموصل ودمشق ومصر، وننقل جزءًا يسيرًا من هذه المعاناة المؤلمة التي ينقلها لنا الحافظ ابن کثیر.

يقول ابن كثير في (البداية والنهاية): (وكان رقيق القلب سريع الدمعة، فحصل له قبول من الناس جدًّا؛ فحسده بنو الزكي والدولعي ... فذکر یومًا عقیدته علی الكرسي، فثار عليه القاضي ابن الزكي، وضياء الدين الدولعي، وعقدوا له مجلسًا في القلعة يوم الاثنين الرابع والعشرين من ذي القعدة سنة خمس وتسعين. 

وتكلموا معه في مسألة العلو ومسألة النزول، ومسألة الحرف والصوت، وطال الكلام، وظهر عليهم بالحجة، فقال له برغش نائب القلعة: كل هؤلاء على الضلالة وأنت على الحق؟ قال: نعم. فغضب برغش من ذلك، وأمره ىالخرو ح من الىلد.

فارتحل بعد ثلاثٍ إلى بعلبك، ثم إلى القاهرة؛ فآواه الطحانيون، فكان يقرأ الحديث بها، فثار عليه الفقهاء بمصر أيضًا، وكتبوا إلى الوزير صفي الدين بن شكر، فأقر بنفيه إلى المغرب، فمات قبل وصول الكتاب).



الأربعاء، 2 سبتمبر 2026

ابن خلدون (أبو علم الاجتماع) سليمان فياض بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

ابن خلدون (أبو علم الاجتماع)

سليمان فياض

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة




تمهيد: عبد الرحمن بن خلدون، أبو علم الاجتماع، وأحد أعلام الفكر العربي والإسلامي، الذين تجاوز أثرهم حدود عصرهم وبيئتهم، حتى غدا اسمه مرتبطًا بتأسيس علم الاجتماع وفلسفة التاريخ ودراسة العمران البشري، والحضارة الإسلامية. وقد عاش ابن خلدون في القرن الثامن الهجري في مرحلة مضطربة كثرت فيها الحروب وتقلبت فيها الدول وتغيرت الأحوال السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فكان شاهدًا على أحداث عصره ومشاركًا في كثير منها، الأمر الذي أكسبه خبرة واسعة بالإنسان والدولة والمجتمع.

وعند النظر في سيرته ومسار حياته؛ نجد أنها امتازت بتنوع جوانبها؛ فقد نشأ في أسرة عريقة اشتهرت بالعلم والسياسة، وتلقى علوم عصره على أيدي كبار العلماء، ثم تنقل بين تونس والمغرب والأندلس ومصر، واتصل بالسلاطين والولاة، وتولى عددًا من الوظائف السياسية والقضائية، وعاش في الوقت نفسه تجارب المحن والسجن والعزلة والفقد. ولم تكن هذه الرحلات والتقلبات مجرد أحداث في سيرته، بل كانت مدرسة عملية أسهمت في تكوين نظرته العميقة إلى أحوال البشر، وأمدته بمادة واسعة صاغ منها رؤيته للعمران والدولة والتاريخ.

وفي هذا الكتيّب الرائع عن ابن خلدون، أبدى المؤلف سليمان فياض صورة موجزة عن هذه الشخصية الفذة، فتتبع نسبه ونشأته وأسرته ورحلاته وشيوخه ومحنه ووظائفه وعلاقاته السياسية، ثم تقف عند آثاره العلمية وأقرانه والدراسات التي تناولت فكره، وما خلّفه من عبارات وأفكار بقيت حاضرة في الذاكرة الفكرية.

ويقع هذا الكتاب ضمن سلسلة «علماء العرب» العدد 18، والتي استطاعت أن تقدم ابن خلدون كعالم ومُفكّر حاول أن يفهم سنن الاجتماع البشري، ويكشف القوانين التي تحكم صعود الأمم والدول وانحدارها، ولذلك ظل تراثه حيًّا تتجدد حوله الدراسات والبحوث في كل عصر.

⬤  اسمه ونسبه ومولده ونشأته:
هو ولي الدين أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن محمد بن الحسن بن جابر بن محمد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن خالد، المشهور بابن خلدون، وينتهي نسب أسرته إلى وائل بن حجر الحضرمي. 

وُلد في تونس سنة 732هـ/1332م، ونشأ في بيت علم وفضل، فحفظ القرآن الكريم، وتلقى علوم العربية والحديث والفقه وأصول الدين، ثم اتسعت معارفه إلى المنطق والفلسفة والرياضيات، على أيدي كبار علماء عصره.

⬤ أسرة آل خلدون:
كانت أسرة ابن خلدون من الأسر العربية ذات المكانة العلمية والسياسية، وكان لها حضور في الأندلس والمغرب، وتولى رجالها مناصب الكتابة والقضاء والوزارة والسياسة. 

وقد اشتهرت الأسرة بالعلم والأدب والخدمة في دواوين الدولة، أما اسم «ابن خلدون» فيرجع إلى جدهم الأعلى خالد، الذي عُرف عقبُه ببني خلدون، كما جرت عادة الأسر العربية في الانتساب إلى أحد أجدادها. وقد أسهم هذا المحيط الأسري في تكوين شخصية ابن خلدون العلمية والسياسية منذ صغره.

⬤ رحلته من المغرب إلى الأندلس وصلته بالمشرق:
تنقل ابن خلدون في أقطار المغرب والأندلس، فانتقل بين تونس وفاس وبجاية وتلمسان وغرناطة، ثم انتهت رحلته إلى مصر. ولم تكن هذه الرحلات مجرد انتقال جغرافي، بل كانت مراحل متتابعة في تكوين شخصيته؛ فقد التقى خلالها بالسلاطين والوزراء والعلماء والأدباء، وشهد تقلب الدول وسقوطها وقيام غيرها، وهو ما أمده بخبرة سياسية واجتماعية عميقة انعكست في كتاباته التاريخية والفكرية.

⬤ طلبه للعلم وشيوخه:
نشأ ابن خلدون طالب علم جادًا، فجمع بين العلوم الشرعية واللغوية والعقلية، وكان من أبرز شيوخه محمد بن عبد المهيمن الحضرمي، إمام المحدثين والنحاة في المغرب، وقد أخذ عنه الحديث والسيرة والإجازات العلمية، كما أخذ عن محمد بن إبراهيم الآبلي علوم المنطق والفلسفة والطبيعة والرياضيات، وكان للآبلي أثر بالغ في تكوين عقله النقدي ونزعته إلى النظر في القوانين التي تحكم الظواهر والأحداث.

⬤ سبب اهتمامه بالتاريخ:
لم ينظر ابن خلدون إلى التاريخ بوصفه مجرد أخبار وحوادث تُروى، وإنما أراد أن يكشف القوانين والأسباب التي تقف وراء قيام الدول وسقوطها، ونشوء العمران وتطوره، واختلاف أحوال الناس. ومن هنا تجاوز طريقة المؤرخين الذين يكتفون بنقل الروايات، ودعا إلى نقد الأخبار وتمييز الصحيح من الزائف بالنظر في طبيعة العمران وإمكان وقوع الحادثة.

⬤ المحن وتقلبات الحياة السياسية:
عاش ابن خلدون في عصر كثرت فيه الصراعات السياسية وتبدلت فيه الدول والولاة والسلاطين، فكان قريبًا من مراكز الحكم، وبين انقلاب نظام وقيام آخر يتعرض لألوان الإقصاء أو السجن، ثم يعود إلى المكانة والنفوذ. وقد أتاحت له هذه التجارب أن يرى السياسة من داخلها، وأن يختبر أثر العصبية والمصالح والتحالفات في قيام السلطة واستقرارها، ثم في ضعفها وانهيارها.

⬤ طاعون سنة 749هـ وأثره في حياته:
كان طاعون سنة 749هـ/1348م من أعظم الأحداث التي تركت أثرًا في نفس ابن خلدون؛ إذ فقد بسبب الوباء والديه وعددًا كبيرًا من شيوخه وأساتذته، ومن أبرز من فقدهم الشيخ عبد المهيمن. كما أدى الوباء إلى اضطراب الحياة العلمية والاجتماعية، وهجرة كثير من العلماء أرض تونس، فكان لهذا الحدث أثر عميق في مسيرته العلمية والنفسية، ودفعه إلى مرحلة جديدة من حياته.

⬤ الوظائف التي شغلها وعلاقته بالسلطان:
اتجه ابن خلدون بعد ذلك إلى العمل السياسي، وسلك سبيل أسرته في الكتابة وخدمة الدولة، فعمل في وظائف كتابية، ومن ذلك اتصاله بـ ابن تافركين في تونس. ثم انتقل إلى المغرب، واتصل بالسلطان أبي عنان، وأصبح عضوًا في مجلسه العلمي، ثم تولى الكتابة والترسيل عند أبي سالم، وتدرج في عدد من المناصب، فجمع بذلك بين العلم والعمل السياسي، وبين النظر النظري والخبرة العملية.

⬤ علاقاته بالملوك والولاة ومحنته معهم:
كانت علاقته بأصحاب السلطة متقلبة؛ فمرة يحظى بالتكريم والقرب، ومرة يقع في السجن أو العزل بسبب المنافسات السياسية والوشايات. وقد سُجن في عهد أبي عنان نحو عامين بعد اتهامه بالاتصال بأبي عبد الله محمد الحفصي أمير بجاية المخلوع، ثم أُفرج عنه بعد وفاة السلطان، وعاد إلى المكانة في عهد أبي سالم. وتكشف هذه التجربة عن مدى ارتباط حياة العلماء في ذلك العصر بتقلبات السياسة.

⬤ الحياة في الأندلس وغرناطة:
بلغ ابن خلدون غرناطة نحو سنة 764هـ، واتصل بسلطانها محمد بن يوسف بن الأحمر، كما توثقت صلته بلسان الدين ابن الخطيب. وأرسله السلطان في سفارة إلى ملك قشتالة، فنجح في مهمته وأظهر براعة في السياسة والدبلوماسية. غير أن المنافسات السياسية حالت دون استقراره، فعاد إلى المغرب، واستمرت رحلته بين العمل السياسي والتأمل العلمي حتى اتجه إلى العزلة والتأليف.

⬤ الأوضاع السياسية والاقتصادية في عصره:
عاش ابن خلدون في مرحلة اتسمت بتفكك سياسي واضطراب اقتصادي واجتماعي، وتنازع القوى بين المرينيين والحفصيين وغيرهم من دول المغرب والأندلس. وشاهد آثار الحروب والأوبئة وتراجع بعض المدن واضطراب طرق التجارة وتغير أحوال الناس. وقد أفادته هذه التجربة في بناء رؤيته للعمران، إذ ربط بين الاقتصاد والسياسة والسكان والسلطة، ورأى أن تغير أحد هذه العناصر يؤثر في سائر عناصر المجتمع.

⬤ انتقاله إلى الإسكندرية ومصر:
وصل ابن خلدون إلى الإسكندرية سنة 784هـ، ثم انتقل إلى القاهرة، فأعجب بعمرانها واتساعها وكثرة علمائها ومدارسها. وهناك وجد بيئة علمية رحبة، فاتجه إلى التدريس والتأليف، وتولى منصب قاضي القضاة المالكية، كما درّس في عدد من المؤسسات العلمية. وكانت إقامته في مصر مرحلة مهمة استقر فيها إنتاجه العلمي، ونضجت فيها تجربته الفكرية والقضائية.

⬤ زواجه وأبناؤه:
تزوج ابن خلدون، ورُزق بأبناء، وقد أصيب بفاجعة مؤلمة حين غرق بعض أفراد أسرته في حادثة السفينة أثناء انتقالهم من تونس إلى مصر، وكان لهذه المصيبة أثر بالغ في نفسه. ومع ذلك واصل حياته العلمية والقضائية، وظل منشغلًا بالتأليف والتعليم حتى آخر حياته، فغلب الجانب العلمي على سنواته الأخيرة.

⬤ آثاره العلمية:
أشهر آثاره كتابه العظيم «كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر»، وتأتي المقدمة في صدره، وهي أشهر أجزاء الكتاب وأوسعها تأثيرًا. وقد بحث فيها في العمران البشري، والعصبية، ونشأة الدول وأطوارها، والاقتصاد، والتعليم، والصناعة، والعلوم، والعادات، فجاءت عملًا تأسيسيًا في التفكير الاجتماعي وفلسفة التاريخ.

⬤ أقرانه ومعاصروه:
عاصر ابن خلدون عددًا من العلماء والأدباء والقضاة الذين كان لهم حضور في الحياة العلمية والسياسية بالمغرب والأندلس ومصر. ومن الأسماء التي ترتبط بعصره أبو عبد الله محمد المقري، وأبو القاسم محمد بن يحيى البرجي، وهما من أعلام عصره، وقد حفظت كتب التراجم أخبار مجالسهم وصلاتهم العلمية والسياسية، بالإضافة إلى العلوي المتفلسف، وابن الصفّار. بالإضافة إلى العديد من الشخصيات الأدبية والتاريخية.

⬤ أبرز الدراسات التي تناولت ابن خلدون:
حظي ابن خلدون بدراسات عربية وأجنبية واسعة، ومن أبرز الدراسات العربية القديمة نسبيًا: «فلسفة ابن خلدون الاجتماعية» لطه حسين، و «ابن خلدون: حياته وتراثه الفكري» لمحمد عبد الله عنان، و «فلسفة ابن خلدون» لعمر فروخ، و «رائد الاقتصاد ابن خلدون» لمحمد علي نشأت. كما تناولته دراسات أجنبية كثيرة في التاريخ والاجتماع والاقتصاد وفلسفة التاريخ، مما يؤكد اتساع أثره في الفكر الإنساني.

⬤ الدراسات الحديثة حول فكره:
استمرت الدراسات حول ابن خلدون إلى عصرنا، فتناولت أفكاره في الاجتماع والاقتصاد والسياسة وفلسفة التاريخ ومناهج البحث العلمي. ومن الدراسات الحديثة دراسة بحثت (درجة استخدام أفكار ابن خلدون في مناهج البحث العلمي لدى طلبة الدراسات العليا)، وهو اتجاه يكشف استمرار حضور أفكاره في البحث الأكاديمي المعاصر. كما توجد اليوم دوريات ومراكز علمية متخصصة تنشر دراسات محكمة في فكره وفي العلوم الإنسانية والاجتماعية المرتبطة به.

⬤ أشهر العبارات التي تُنسب إلى عبد الرحمن بن خلدون

  • «التاريخ في ظاهره لا يزيد على أخبار عن الأيام والدول.. وفي باطنه نظرٌ وتحقيق، وتعليلٌ للكائنات ومبادئها دقيق.. وعلمٌ بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق».

  • «الظلم مؤذن بخراب العمران».

  • «العرب إذا تغلبوا على أوطان أسرع إليها الخراب».

  • «إنَّ العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران وتعظم الحضارة».

  • «الإنسان ابن عوائده ومألوفه، لا ابن طبيعته ومزاجه».

  • «المغلوب مولع أبدًا بالاقتداء بالغالب في شعاره وزيّه ونحلته وسائر أحواله وعوائده».

  • «الناس على دين ملوكهم».

  • «الملك بالجند، والجند بالمال، والمال بالخراج، والخراج بالعمارة، والعمارة بالعدل».

  • «من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين سطا به القهر، وضيق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل وحمل على الكذب والخبث».

  • «من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين... صار عالة على غيره.»

  • «العلم بالتعلم».

  • «العادة طبيعة ثانية».

  • «إذا تبدلت الأحوال جملةً فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد، ونشأة مستأنفة، وعالم محدث».