أرشيف المدونة الإلكترونية

الخميس، 6 نوفمبر 2025

الثمينة في شرح السفينة حسام لطفي الشافعي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الثمينة في شرح السفينة

حسام لطفي الشافعي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: هذا شرح وسيط على متن (سَفِينَةِ النَّجَاةِ فِيمَا يَجِبُ عَلَى الْعَبْدِ لِمَوْلَاهُ)، وهو لأحد علماء "اليمن" المتأخرين؛ وهو العلامة المعلم والقاضي والسياسي والخبير الفقيه الشيخ سالم بن عبد الله بن سعد بن عبد الله بن سمير الحضرمي الشافعي، رحمه الله تعالى ورضي عنه، ونفعنا بعلومه في الدارين.

والعلامة الشيخ سالم بن سمير الحضرمي الشافعي تربى وتعلم لدى أبيه الشيخ العلامة المعلم عبد الله بن سعد بن سمير، وقرأ القرآن وأتقن أوجه أدائه، ثم اشتغل بإقرائه فسُمِّي مُعلَّمًا، وسبب هذه التسمية كما يقول المترجم للشيخ رَحِمَهُ اللهُ : إِنَّ هذا المصطلح مصطلح حضرمي يُطلق على من اشتغل بإقراء القرآن الكريم. 

ويقول: أحسب أنهم أخذوه من الحديث الشريف المخرج في صحيح البخاري من رواية عثمان بن عفان رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قال : قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرآنَ وعَلَّمَه».

وقد درس العلوم الشرعية على والده جمع من العلماء الذين امتلأ بهم وادي "حضرموت" في القرن الثالث عشر الهجري، ومن هؤلاء: الشيخ عمر بن سقاف بن محمد بن عمر بن طه الصافي. والشيخ عمر بن زين بن سمايط. وغير هؤلاء.

وقد نشر العلوم ودرسها وأقبل الطلاب عليه ينهلون من معينه، وكان من أجلهم السيد الحبيب عبد الله بن طه الحداد وغيره.

ولصاحب متن "سفينة النجاة" رسالة أخرى باسم: «الفوائد الجلية في تعاطي الجيل الربوية». توفي رحمه الله في سنة ألف ومائتين وواحد وسبعين من الهجرة يعني: في القرن الثالث عشر الهجري.

ونحسب أن المصنف رَحِمَهُ اللهُ كان مخلصا في تصانيفه وإن كانت قليلة، فلذلك أبقى الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى له القبول في هذه المصنفات التي وضعها حتى إن الطلبة في مختلف أنحاء العالم يتفقهون في بداية طلبهم للعلم على رسالته التي وضعها فيما يجب على العبد لمولاه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

فمتن سفينة النجاة» متن مختصر جدا تكلم فيه مؤلفه عن العبادات فقط؛ لأنه وضعه للمبتدئين في تعلم شرائع الدين فيما يتعلق بالعبادات من فقه الإمام الشافعي رحمه الله ، وهذا المتن عليه شروحات كثيرة جدا، كما أنه قد جاء بعد ذلك من العلماء من أضاف عليه إضافات؛ ومن ذلك: ما فعله الشيخ محمد نووي الجاوي رحمه اللهُ في كتابه: «كاشِفَة السَّجا في شرح سفينة النجا»؛ فقد أضاف الشيخ الجاوي إلى هذا المتن عبادة الصيام. 

وهناك بعض المشايخ المعاصرين أضاف أيضًا بابًا آخر إلى هذا المتن؛ وهو الأستاذ محمد علي باعطية، فزاد عبادة الحج حتى تكتمل بذلك أبواب العبادات جميعًا؛ تتميما للفائدة، وحرصاً على أن ينتظم قسم العبادات في هذا المختصر اللطيف، لكن أصل ما وضعه المؤلّف رَحِمَهُ اللهُ في هذا المتن فقط: ما يتعلق بالطهارة باعتبارها مقدمة للصلاة وفقهها، وكذلك وضع شيئاً من أحكام الزكاة، وأما هذه الزيادات لغيره من العلماء فقد أرادوا بها أن تتم الفائدة، وأما أصل المتن فهو مختصر جدا، ومناسب للمبتدئين، ويصلح أن نتدارس هذا المتن في مجالس قليلة - بإذن الله -.

 مقدمات يسيرة وضعها الشارح، وهي مهمة:

قبل أن نشرع في الكلام عن مقدمة المؤلّف رَحِمَهُ اللهُ نريد أولا أن نذكر مقدمةً يسيرة في المذهب الشافعي ولن نطيل في المقدمة لأننا تكلمنا عن ذلك كثيرًا في مجالات سابقة وتكلّم عنها غيرنا من طلبة العلم والعلماء والمشايخ ممن له شروحات على مذهب الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ .

فلابد إذا أردنا أن نتكلم في المذهب الشافعي أن نبدأ أولا بمؤسس هذا المذهب وهو الإمام محمد بن إدريس الشافعي رحمه الله - رحمة واسعة .

وقد صنف في مناقب هذا الإمام طائفة من الأئمة ولما تطلع على أسماء هؤلاء الذين صنفوا في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله تعرف عظيم مقدار هذا الإمام، وهذا الذي وضع هذه المصنفات في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله ليس مجرد طالب علم ولا شخصا مشاركا في العلوم وإنّما الذي وضع الكتب في مناقب الإمام الشافعي رَحمَهُ اللهُ أئمة كبار من أئمة الإسلام وضعوا مصنفات في فضائل ومناقب هذا الإمام، هذا يدلك على عظيم شرف الإمام الشافعي رحمه الله - رحمة واسعة .

وممن صنّف في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله :

1. الحافظ ابن أبي حاتم وكذلك الإمام البيهقي.

2. كذلك الإمام فخر الدين الرازي.

3. وكذلك الحافظ ابن كثير، وهذه كلها كتب مطبوعة.

4. وكذلك من هذه الكتب كتاب الإمام الآجري.

5- والإمام عبد القاهر البغدادي والخطيب البغدادي.

6-. والحافظ ابن المقرئ، وغير هؤلاء كثير ترجموا للإمام الشافعي رحمه الله، وصنفوا مصنفات مستقلة في مناقب هذا الإمام.

الإمام الشافعي رحمه الله - كما أشرنا - هو: 

محمد بن إدريس الشافعي المطلبي يلتقي في نسبه مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جده عبد مناف لذلك تسمع بعض العلماء إذا ترجموا للإمام الشافعي رحمه الله يقول : ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، من أين جاء هذا؟ ، جاء في اشتراكه رحمه الله مع رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في جده عبد مناف، فلهذا يقولون هو المطلبي ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو قريشي.

واستدلوا على فضل الإمام الشافعي رحمه الله وعلى فضل وعلو الذي جاء به من العلم والفقه في الدين بأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال في الحديث: «الأئِمَّةَ مِن قُرَيش»، فشهد النبي صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهذا الحديث له بالإمامة - وإن كان قد جاء بعده فلا منافاة - لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنطقه الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بمثل هذا ويصلح أن يكون هذا منقبة له من القرشيين، وفضائل القرشين كثيرة جدا في السنّة وهذا مما هو معلوم عند العلماء كافة، فالإمام الشافعي رحمه الله يلتقي في نسبه مع النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جده عبد مناف.

وهنا ننبه على مسألة مهمة وهي: ليس معنى أننا نقول أن الإمام الشافعي رحمه الله ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وله من المناقب كذا وكذا أننا نقول بأفضلية الشافعية على غيره من الأئمة أو بأفضلية مذهب الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى عن غيره من الأئمة. فضلا على أن نقول أن التفقه على طريقة الشافعية واجبة، لا نقول بذلك، وغاية الأمر أن طريقته رحمه الله طريقة حسنة في التفقه فقط. هذا الذي نقول به، من أراد أن يتفقه في دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فعنده هذه الطريقة طريقة الإمام الشافعي رحمه الله في التفقه في دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

ولو أراد شخص آخر أن يتفقه في دين الله عَزَّوَجَلَّ على مذهب آخر من المذاهب فلا بأس بذلك والأمر في ذلك واسع، نحن نقول المذهبية وسيلة للتفقه لا غاية كما جرى على ذلك العلماء سلفا وخلفًا، طريقتهم هكذا في التفقه في دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

وهذا مسألة أخرى نقول: أن الإمام الشافعي رحمه الله هو ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وهذه من جملة مناقبه - ليس معنى ذلك أن نقول أنَّ الإمام الشافعي رحمه الله كان معصوما بل هو مجتهد من جملة المجتهدين يُصيب ويخطئ رَضَ اللَّهُ عَنْهُ وأرضاه، ما أصاب فيه فله أجران وما أخطأ فيه فله أجر واحد على اجتهاده كما قال النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحديث: «إِذَا حَكمَ الحَاكِمُ فَأَصابَ فله أَجْرَانِ وَإِذَا أَخْطَأَ فَلَه أَجْرٌ وَاحِدٌ»، وكون الشافعي رحمه الله ابن عم رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا لا يثبت له العصمة في شيء ولا نقول أن الشافعي رَحِمَهُ اللهُ بنسبه هذا قد سبق غيره قطعا ويقينا في كل ما قال به، ليس هذا هو المراد وأحببنا أن ننبه على هذه المسألة في أثناء كلامنا في ترجمة هذا الإمام.

الإمام الشافعي رحمه الله ولد بغزة سنة مائة وخمسين من الهجرة، وحمل إلى مكة، طلب العلم على شيخه الإمام خالد بن مسلم الزنجي مفتي مكة، والزنجي هذا لقبه لأنه كان رحمه الله شديد البياض، ماهي المفارقة الغريبة هنا؟ المفارقة هي: أن من عادة العرب أنهم أحيانًا يلقبون الشخص بعكس الصفة التي عليه فلو كان شديد البياض يلقبونه بالزنجي كما هو الحال في هذا الإمام الإمام خالد بن مسلم شيخ الإمام الشافعي رحمه الله كان شديد البياض ولقبوه بالزنجي، وكان مفتيا لمكة.

وكذلك طلب العلم على الفضيل بن عياض ، وسفيان بن عيينة وغيرهم كثير، رحل رحمه الله إلى المدينة بعد ذلك كما هي عادة العلماء قديما والحمد لله ما زال هناك بقية باقية إلى يوم الناس هذا يرحلون في طلب العلم ويأخذونه عن العلماء والمشايخ كذلك كان السلف يفعلون، وسيدنا جابر رضي اللَّهُ عَنْهُ رحل مسيرة شهر من أجل أن يطلب حديثا لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والإمام البخاري وغيره من أئمة الإسلام كانوا على هذا النحو.

رحل الإمام الشافعي رحمه الله إلى المدينة من أجل أن يلازم الإمام مالكا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، العجيب هنا أن الإمام الشافعي رحمه الله لما رحل إلى المدينة من أجل أن يأخذ العلم عن مالك رحمه الله - ورضي عنه - رحل إليه وهو يحفظ کتاب الإمام مالك الذي وضعه في الحديث والفقه وهو كتاب «الموطأ»، وهو من الكتب المعروفة المشهورة في الحديث، ضمن الإمام مالك رحمه الله كتابه هذا بعضاً من آرائه.

فالإمام الشافعي رحمه الله ذهب إلى الإمام مالك وقد هيأ نفسه لطلب العلم على يد هذا الإمام الكبير وهذه لفتة مهمة جدا أيضًا في هذا الموضوع لما تذهب إلى عالم ينبغي عليك أن تكون مؤهلا قبل أن تجلس بين يديه من أجل أن تستفيد منه أكبر استفادة ممكنة وهذا بخلاف ما لو ذهب إلى عالم مبتداً لا يعرف شيئًا، فغالبا لن يستفيد من العالم الاستفادة الكاملة، فالإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ وفق في هذا، فقبل أن يذهب إلى الإمام مالك رحمه الله كان عمره حوالي اثني عشر سنة تقريبا حفظ «الموطأ» قبل أن يقدم على الإمام مالك، وكان حفظه للموطأ» في تسعة أيام، من أجل أن يهيئ نفسه لملازمة هذا الإمام.

ثم أخذ عن الإمام مالك بعد أن جلس إليه حتى صار الإمام الشافعي رحمه الله أعلم طلابه وهو في هذه السن الصغيرة وأذن له الإمام مالك رحمه الله بعد سنوات يسيرة في التصدر والإفتاء رَحِمَهُ اللهُ رحمةً واسعة، وهكذا كان العلماء يعلمون الناس ويبثون الثقة في طلابهم من أجل أن ينشروا هذا الدين من بعدهم، دائما نقول لابد من وجود صف أوّل ومن وجود صف ثان وصف ثالث من أجل أن تستمر الدعوة إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويستمر تعليم العلم وبث العلم في النفس، فأخذ الإمام الشافعي رحمه الله عن الإمام مالك حتى صار أعلم طلابه وأخذ عن أهل المدينة ومكة وتأهل للفتوى وهو في الخامسة عشر من عمره مع كونه في هذا السن عارفًا بأشعار العرب وعلوم اللغة، ومن المفارقات الغريبة هنا أنَّ الإمام الأصمعي راوية أشعار العرب استفاد من الإمام الشافعي.

وأخذ عنه أشعار قبيلة بني هذيل، تخيّل الأصمعي إمام اللغة الكبير كان قد أخذ عن الإمام الشافعي رحمه الله أشعار قبيلة بني هذيل، لهذا لا تعجب حينما تجد بعض الأئمة الكبار يقولون عن الإمام رحمه الله كلامه حجة يعني يمكن أن نحتج بكلام الشافعي رحمه الله - رحمة واسعة - في بعض المسائل في اللغة، يقول مثلا هذه الكلمة تقال كذا وكذا لأنَّ الشافعي رحمه الله قال في بعض كلامه كذا وكذا فكلامه حجة، ليس مجرد أنه عالم في اللغة ومحيط بجوانبها، لا، هو كلامه حجة في اللغة كما أشار إلى ذلك طائفة من العلماء.

ثم رحل بعد ذلك إلى اليمن وأخذ عن مطرف بن مازن، وهشام بن يوسف القاضي، وعمرو بن أبي سلمة، ويحيى بن حسان، ثم رحل بعد ذلك إلى العراق وأخذ عن وكيع بن الجراح، ومحمد بن الحسن الشيباني فقيه العراق وصاحب أبي حنيفة، وحماد بن أسامة، وأيوب بن سويد الرملي، وعبد الوهاب بن عبد المجيد، وإسماعيل بن علية.

وألف رَحِمَهُ اللهُ في العراق كتابه «الحجة» وفي هذا الكتاب جمع فيه مذهبه القديم، وفي هذه الحقبة أيضًا لما كان الشافعي رحمه الله في العراق أخذ عنه كبار أئمة العراق في ذلك الوقت، ممن أخذ عن الإمام الشافعي رحمه الله وهو في العراق الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله وهو من أجل تلاميذ وأصحاب الإمام الشافعي والإمام أبو ثور وغيرهم كثير، كلهم أخذوا عن الشافعي رحمه الله إلى أن صاروا أئمة مجتهدين -رحمة الله عليهم جميعًا.

ثم توجه إلى مصر وتغير اجتهاده في كثير من المسائل ورجع عن أقواله القديمة وأسس مذهبه الجديد، وهنا تأتي مسألة مهمة متعلقة بالمذهب الجديد وهي: أن الفتوى هي على ما قاله الشافعي رحمه الله في مذهبه الجديد ولا يجوز الإفتاء بالمذهب القديم الذي كان عليه الشافعي رحمه الله قبل هجرته إلى مصر؛ فالإفتاء بالمذهب القديم لا يجوز إلا في مسائل يسيرة يعمل بها على المذهب القديم، وإن كان يخالفها رحمهُ اللهُ في مذهبه الجديد وهذا أمر عجيب، لماذا كانت الفتوى على المذهب القديم في هذه المسائل بالذات؟ ذلك لقوة الدليل الذي ظهر لمن جاء بعد الإمام الشافعي الشافعي رحمه الله من الأئمة الكبار الذين كانوا يهتدون بالكتاب والسنة وما عليه أئمة السلف.

فكان رحمه الله يبت في أصحابه مسائل الاتباع - اتباع الدليل - وعدم التقيد بأقوال الرجال، وكان يقول رحمه الله إذا صح الحديث فهو مذهبي، من أجل أن يعلم طلابه ويرسخ فيهم التمسك بما جاء في الأدلة من الكتاب والسنة دون أن يتقيدوا بكلام أحد إذا كان مخالفا لما جاء في الكتاب والسنة، لذلك جاء أصحابه بعد ذلك فعملوا ببعض المسائل على المذهب القديم للإمام الشافعي رحمه الله لأن الدليل فيها أقوى، وتركوا قوله الذي نص عليه في الجديد، لأن هذا هو الأصل الذي أصله له إذا صح الحديث فهو مذهبي»، وقال رَحِمَهُ اللهُ : «إذا رأيتم كلامي مخالفًا لكلام رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فخذوا بما قاله رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا تأخذوا بكلامي، وفي رواية أنه قال: «فاعلموا أن عقلي قد ذهب لو كنت أقول بكلام يخالف كلام النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، وهذا ليس مختصا بالإمام الشافعي، بل هذا الذي عليه أئمة الإسلام قاطبة كلهم يتبع الوحي ويسعى خلف الدليل ويقول به، لكن أحيانًا تختلف الأفهام، فالحديث يكون موجودًا أمامهم ويتفقهون في معرفة معانيه فتختلف من أجل ذلك، كما مثلاً في الحادثة التي نعرفها جميعًا النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال لأصحابه : (لا يصَلِّينَ أَحَدُكُمُ العَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيظَةَ)، هذا نص صحيح من رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سمعه منه أصحابه الكرام ومع ذلك اختلفت أفهامهم في العمل بهذا الحديث، منهم من فهم من ذلك أنَّ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد منهم الصلاة في بني قريظة حتى ولو خرج الوقت ومنهم من فهم من الحديث أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أراد منهم الإسراع لكن لو أدركتهم الصلاة في الوقت لابد أن يصلوها حتى ولو لم يكن في بني قُرَيظَةَ، اختلفت الأفهام وهكذا هو الحال في كثير من المسائل الأحاديث موجودة كلهم يعرفونها ويتفقهون عليها لكن الأفهام تختلف والاجتهادات تتنوّع وهذا من رحمة الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بهذه الأمة.

فالحاصل أن الإمام الشافعي رحمه الله له مذهبان:

مذهب قديم وهو : ما قاله في العراق قبل دخوله إلى مصر إفتاء أو تصنيفاً.

المذهب الجديد وهو : ما قاله في مصر إفتاء أو تصنيفا، وهذا الذي يعرف بالمذهب الجديد.

والفتوى على المذهب الجديد إلا في مسائل كما قلنا يسيرة الإفتاء فيها يكون على المذهب القديم وذلك لقوة الدليل الذي ظهر لمن جاء بعد الإمام الشافعي رحمه الله .

من هذه المسائل:

. مسائل عدم وجوب التباعد عن النجاسة في الماء الكثير بقدر قلتين، وهذا سيأتي معنا - إن شاء الله -.

عدم تنجس الماء الجاري إلا بالتغير.

. عدم النقض بلمس المحرم.

. تحريم أكل الجلد المذبوح.

. التثويب في أذان الصبح.

. امتداد وقت المغرب إلى مغيب الشفق واستحباب تعجيل العشاء.

. ومسائل أخرى كثيرة ستأتي معنا - إن شاء الله - في أثناء الشرح.

وسبب ترك الأصحاب لما قاله الشافعي هو: أن الدليل أقوى فيما قاله أولا، فأخذوا بما قاله أولا لقوة الدليل فيها. فالإمام الشافعي رحمه الله كما قلنا رجع عن أقواله القديمة وأسس مذهبه الجديد، وفي مذهبه الجديد أملى كتابه «الأم» وصنف كذلك «الرسالة» في أصول الفقه وكان بهذه الرسالة مؤسسا لعلم أصول الفقه وفاتح مغاليقه.

وهنا مسألة أيضًا مهمَّةً جدًّا لما نقول الشافعي رحمه الله هو من أسس وأول من صنف في علم أصول الفقه هل معنى ذلك أن أصول الفقه قبل الشافعي رحمه الله ما كانت موجودة ولا معروفة؟، ليس هذا المراد ومن فهم ذلك فقد أخطأ خطأ فاحشا، أصول الفقه أصول مستقرة وموجودة ومعروفة عند العلماء حتى قبل الإمام الشافعي، كانت معروفة حتى عند الصحابة رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لكنها ما كانت مدونة في مدون مستقل كفن من الفنون، إنّما حدث هذا بعد ذلك لما وضع الإمام الشافعي رحمه الله كتاب «الرسالة»، فهذه مسألة مهمة لأن بعض الحدثيين والليبراليين وغيرهم يأخذون مثل هذا الكلام ويحرفون معناه ويدعون أن الشافعي رحمه الله هو الذي وضع قواعد الاستنباط التي لم تكن معروفة قبل ذلك، فيأخذون هذا ذريعة في هدم التراث، فقبل الإمام الشافعي ما كان أحد يتقيد بهذه القواعد ولا يقول بها ولا يعرفها ويريدون بذلك هدم الإسلام الذي عليه المسلمون منذ العهد النبوي لما تناقل أصحاب النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا العلم عن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحملوه إلى من جاء بعدهم، وهكذا إلى أن وصل هذا العلم إلينا في أيامنا هذه. 

فالشافعي رحمه الله أوّل من دون علم أصول الفقه في كتاب مستقل وليس هذا معناه أن أصول الفقه لم يكن معروفًا حتى جاء الشافعي هذا كلام باطل ولابد أن نكون على حذر كبير جدا في هذه المسألة بالذات لأنه كما قلنا كان ذريعة للليبراليين والحدثيين وغيرهم في هدم التراث الإسلامي وإشاعة الفوضى في المسلمين بزعم أن كل واحد يمكن أن يفهم العلم أو يفهم الكتاب ويفهم السنة على وفق ما يُريد وليست هناك قواعد حاكمة لفهم الكتاب والسنة فهذه مسألة في غاية الخطورة، فعلم أصول الفقه كما يقولون هو علم أصول الفهم فمن خلال هذا العلم نفهم الكتاب والسنة فهما صحيحًا مستقيما كما فهمه السلف الأوائل، وإلا لضاع الدين لأن الهجمة الآن شرسة جدا ليست في تحريف ألفاظ القرآن والسنة، هذا لا يستطيعه أحد بحال، فلجؤوا إلى حيلة أخرى وهي تحريف معاني ودلالات الكتاب والسنة فوجدوا أن العلماء قد وضعوا قواعد تحمي من الانحراف في فهم الكتاب والسنّة وهو علم أصول الفقه، فاشتدت هجمة هؤلاء على هذا العلم بالذات من أجل أن يكون هذا المجال مفتوحًا أمامهم للتكلّم في دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بالهوى ونشر الفوضى بين المسلمين فطالما نحن على دراية وعلى وعي بأهمية هذا العلم وأهمية هذا التراث الذي وصل إلينا من أئمة الإسلام فستكون هذه الأمة في مأمن، فالعلماء هم أمنة هذه الأمة ووجود العلماء وطلبة العلم هو صمام الأمان لهذه الأمة وهو الحصن الحصين للمسلمين ولهذا نجد أنَّ أي أحد يريد أن يحرّف المفاهيم وينشر هذه المفاهيم المغلوطة بين الناس لا بُدَّ أن يحارب ويسعى في إسكاتهم وعدم تبليغ هؤلاء لدين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

الإمام الشافعي رحمه الله - كما قُلنا : صنَّف كتاب «الرسالة» في أصول الفقه وكان بهذه الرسالة مؤسسا لعلم أصول الفقه بمعنى : أنه أوّل مَن دَوَّن فيه في مدون مستقل، قبل ذلك كان العلم معروفًا لكنه كان منثورًا في كتب ومصنفات مختلفة، جمعها الإمام الشافعي رحمه الله في كتاب واحد وهو كتاب «الرسالة» وفتح بذلك مغاليق هذا العلم علم الفقه مصداقا لما قاله الإمام أحمد رحمه الله: كان الفقه قفلاً علينا حتى فتحه الله بالشافعي»..

يعتبر الإمام الشافعي رحمه الله: مجدّد المئة الثانية (القرن الثاني) لأنَّه جمع علوم أهل الحديث وأهل الرأي وأرسى قواعد علم أصول الفقه، إضافة إلى اطلاعه الواسع على الحديث ورواياته ورجاله، والقرآن وعلومه، والتاريخ والشعر والأدب واللغة مع ورعه وتقواه وزهده رحمه الله.

توفي الإمام الشافعي رحمه الله سنة: مئتين وأربعة من الهجرة.

أقوال العلماء في الإمام الشافعي رحمه الله:

قال الإمام أحمد رحمه الله عنه: «كان الشافعي كالشمس للدنيا وكالعافية للبدن، فهل ترى لهذين من خلف أو عنهما من عوض».

وقال الإمام أبو زرعة رحمه الله: «ما أعلم أحدًا أعظم منة على أهل الإسلام من الشافعي».

أما بالنسبة الموجز تاريخ مذهب الشافعي؛ فيتلخص تاريخ المذهب في خمس مراحل

المرحلة الأولى: وهي التي تُعرف بـ مرحلة التأسيس»، وهذه المرحلة انتهت بوفاة الإمام الشافعي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وكما هو معلوم فالإمام الشافعي رحمه الله قد ترك لنا في الفقه كتبًا كثيرة، من هذه الكتب ومن أشهرها : كتاب «الأم».

المرحلة الثانية: وهي ما يُعرف بـ مرحلة النقل»؛ بمعنى: أن تلاميذ الإمام الشافعي وطلاب الإمام الشافعي رحمه الله قاموا بنشر المذهب الذي أخذوه من الإمام ونقلوه إلى غيرهم، ومن أشهر كتبهم في هذه المرحلة: مختصر الإمام المزني رحمه الله .

المرحلة الثالثة: وهي ما عُرف بـ مرحلة التدوين»، أي: تدوين فروع المذهب والتوسع في مسائله، وفي هذه المرحلة ظهر عندنا طريقان:

الطريق الأول: ما يُعرف بطريق العراقيين.

والثاني: وهو طريق الخراسانيين.

طريق العراقيين كان على رأسها: الإمام الشيخ أبو حامد الإسفراييني رحمه الله، وتبعه على ذلك الماوردي وأبو الطيب الطبري وغير هؤلاء، كل هؤلاء من أئمة طريقة العراقيين.

وعندنا طريق آخر وهو ما يعرف بطريق الخراسانيين وعلى رأس هذه الطريقة القفال الشاشي، وتبعه على ذلك أبو محمد الجويني والد إمام الحرمين عبد الملك، وأبو محمد هذا كان من كبار الأئمة ومن كبار الصالحين حتَّى إنَّهم قالوا: لو كان أبو محمد في بني إسرائيل لكان نبيا !

وكذلك من أهل هذه الطريقة القاضي حسين وأبو علي السنجي وغير هؤلاء.

ما الذي يميز الطريقة الأولى عن الطريقة الثانية باختصار شديد؟

الذي يميز الطريقتين هو : أنَّ طريقة الخراسانيين أحسن ترتيبا، وطريقة العراقيين أحسن من ناحية الإتقان والتثبت، ولو أردنا أن نميز الأمرين فنقول:

طريقة الخراسانيين أشبه بصحيح الإمام مسلم أحسن ترتيباً من صحيح الإمام البخاري، والإمام مسلم كان خُرسانيا، كذلك طريقة الخراسانيين - عند الشافعية - أحسن من ناحية الترتيب.

وأما بالنسبة لطريق العراقيين فهي أتقن وأثبت من نقل الخراسانيين غالباً.

المرحلة الرابعة: وهي ما عُرفت بـ مرحلة التحرير»، وهذه المرحلة كانت على يدي شيخي المذهب الرافعي والنووي، ومن أشهر كتب هذين الإمامين: «المحرر». «الشرح الكبير».

«الشرح الصغير كلاهما على كتاب الوجيز» للإمام الغزالي رحمه الله وهذه الكتب كلها للإمام الرافعي رحمه الله .

وأيضًا من هذه الكتب:

كتاب «المنهاج».

كتاب «المجموع».

كتاب «روضة الطالبين، وهذه الكتب للإمام النووي رحمه الله كما لا يخفى.

وهذان الإمامان الإمام - الرافعي والإمام النووي - رَحِمَهُمَا اللَّهُ قاما بتحرير مسائل المذهب وأدلته والترجيح بين روايات المذهب وأقواله.

المرحلة الخامسة والأخيرة: وهي مرحلة الاستقرار»، وهذه المرحلة تتمثل في جهود الفقيهين العظيمين: ابن حجر الهيتمي في كتابه: «تحفة المحتاج بشرح المنهاج»، والشمس الرملي في كتابه: نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج»، حيث قاما بتحرير ما لم يتكلم فيه الشيخان من أقوال المذهب ورواياته، وقاما باستدراك ما بقي من فروع المذهب وتتبع المسائل في شتى الأبواب، فلما كان المذهب قد تم تحقيقه على يد الإمامين الرافعي والنووي، واستقرت بقية المباحث على يدي ابن حجر والرملي؛ وجدنا العلماء المتأخرين قد ارتضوا كتب ابن حجر والرملي في الفتوى، وقالوا: ما اتفق عليه الشيخان - النووي والرافعي - فهو المعتمد، وإن اختلفا قدم النووي.

مسألة: قد يسأل سائل ويقول: بحثنا فوجدنا أن الإمام النووي رحمهُ اللهُ له عدة مؤلفات وأحيانا نجد أنّ الإمام النووي رحمه الله يرجح في بعض كتبه ما لم يرجحه في البعض الآخر، فماذا نصنع في هذه الحالة؟ قالوا في هذه الحالة: لو تعارضت أقوال الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ في كُتبه نُقدم من كتبه «التحقيق»، لأنه آخر ما ألَّفَ الإمام رحمهُ اللهُ ، ثمّ «المجموع»، ثم «التنقيح»، ثم «الروضة»، ثم «المنهاج»، ثم فتاويه المنقولة عنه، ثم شرح مسلم»، فـ «تصحيح التنبيه» و «نكته». فهذه كتب الإمام النووي رحمه الله على هذا الترتيب فيما لو تعارضت بعض أقواله.

فإذن في حالة اختلاف الإمام الرافعي رحمه الله مع الإمام النووي رَحِمَهُ اللهُ فإننا نقدم النووي مع مراعاة هذا الترتيب في كتبه، وتجوز الفتوى بقول كل منهما، وما اتفق عليه ابن حجر والرملي رَحِمَهُمَا الله فهو المعتمد، وهو الذي عليه الفتوى.

مسألة: وجدنا أنّ ابن حجر والرملي كذلك يختلفان في بعض المسائل ماذا نصنع في هذه الحالة؟

هذا الذي جرى فيه الخلاف بين العلماء؛ فمنهم من يقدم ما قاله ابن حجر وهذه طريقة أهل الحجاز، وغيرهم أيضًا يُقدِّمون ما قاله ابن حجر باعتبار أنهم يرون أن ابن حجرٍ رَحمَهُ اللهُ قويُّ المَدرَكِ وعنده اتساع في علم الحديث كما يؤخذ ذلك من مؤلفاته؛ فقدموا ابن حجر رحمه الله على الرملي.

ومن العلماء من قدم الرملي على ابن حجر ، وهذه طريقة أهل الشام ومصر، أما بقية أصحاب التأليف التي يكثر النقل عنها فيجوز العمل بكل منها والإفتاء إلا ما اتفق على غلط أو سهو أو أنه ضعيف.

مسألة: كيف نصنع فيما لو وجدنا هذه الآراء ونحن لا نميز بين الضعيف أو بين كونه سهوا أو غلطا ؟

في هذه الحالة نرجع إلى شيوخ هذا الفن، وهم الذين يعرفون مثل هذه المسائل فما قالوا بأنه غلط أو بأنه سهو أو بأنه ضعيف؛ فلا يُؤخذ به في هذه الحالة.

هذا موجز يسير ومختصر جدا في تاريخ المذهب، وأبرز المراحل التي مر بها.

باختصار: المسألة الثانية: وهي مزايا المذهب الشافعي: 

مزايا المذهب الشافعي أن مؤسس المذهب وهو الإمام الشافعي رحمه الله قد اعتنى بالدليل كتاباً وسنة وآثارًا، وهذا لأن الإمام الشافعي رحمه الله تتلمذ على يد إمام دار الهجرة الإمام مالك رحمه الله، وتتلمذ على يد الإما م الشافعي رَحِمَهُ اللهُ الإمام أحمد إمام السنة في زمانه.

وكذلك فإن الإمام الشافعي رحمه الله كسائر الأئمة يبحثون عن الحق ويدورون مع الدليل حيث دار، فقد كان الإمام أحمد رحمه الله يحرص على تنبيه الإمام الشافعي - إن صح التعبير - فيما وقع عليه من أدلة المسائل حتى يفتي بها ويقول بها؛ لأنهم كانوا يدورون مع الأدلة حيث دارت - رحمة الله عليهم جميعًا، فلكونه تتلمذ على يد مالك وتتلمذ الإمام أحمد على الإمام الشافعي وحصل الاتصال بين جميع هؤلاء الأئمة ظهر أثر ذلك في فقه الإمام الشافعي رحمه الله، ولهذا نجد أنَّ أئمة المذهب ساروا على هذا المنوال.

فتجد أنَّ من أكثر العلماء اعتناء بالحديث وطرقه وعلله وأحكامه هم علماء الشافعية، لو نظرنا مثلاً إلى إمام كالإمام المزني والبويطي ويونس بن عبد الأعلى، وكذلك محمد بن خزيمة ومحمد بن نصر المروزي، وكذلك الإمام البيهقي، وهؤلاء الأئمة وكثير جدا ممن جاء بعدهم كلهم أئمة في الحديث وهم كذلك لهم اعتناء كبير جدا بالفقه؛ فهذا من أهم ما يميز هذا المذهب : اعتناء المؤسس الإمام الشافعي رَحِمَهُ اللهُ تعالى بالدليل كتابا وسنّةً وآثارًا.

الأمر الثاني الذي يميز مذهب الإمام الشافعي رحمه الله: اعتناء المؤسس بأصناف القياس وأسس الاستنباط التي مهر فيها الإمام أبو حنيفة وأصحابه، وقد كان أول من صنف في علم أصول الفقه هو الإمام الشافعي رحمهُ اللهُ ، ثم كان من أصحابه من وضع فيه المراجع الكبيرة الرئيسة - يعني: في علم أصول الفقه كالإمام الجويني والإمام الغزالي ونحن قد مررنا قبل ذلك على هذه المراحل التي مر بها علم أصول الفقه، وعرفنا أن مدار علم أصول الفقه صار على كتب أربعة كلها لأئمة الشافعية: كتاب المعتمد»، وكتاب «العمد»، وكتاب المستصفى»، وكتاب البرهان»؛ كلها لأئمة الشافعية وعليها مدار أصول الفقه عند المتكلمين أو عند الشافعية أو عند الجمهور على اختلاف المسميات أو على اختلاف الأسماء، فهذا يدل على مدى اعتناء الأئمة في مذهب الشافعية بطريقة الاستنباط مع اعتنائهم كذلك بالأدلة.

الأمر الثالث: من أهم ما يميز مذهب الشافعية أنه مذهب وسط بين أهل الرأي والحديث، وهذا راجع إلى تأثر الشافعي رحمه الله بمشايخه الذين تتلمذ عليهم؛ فقد تتلمذ على أئمة الرأي وأخذ عنهم كمحمد بن الحسن الشيباني صاحب الإمام أبي حنيفة، وكذلك مدرسة الأثر كسفيان بن عيينة والإمام مالك وغير هؤلاء.

الأمر الرابع من أهم مزايا هذا المذهب كثرة المجتهدين. وهنا فائدة ونكتة لطيفة جدا وهي : أننا لو تأملنا المجددين في كل قرن من القرون سنجد أن على رأس هؤلاء المجددين من هو منتسب إلى مذهب الشافعي.

فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر في الحديث عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنةٍ مَن يجدّد لها أمر دينها، وهذه من الأمور التي اختص الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى بها هذه الأمة، لأنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هو خاتم الرسل، فإذا مات رسولُ الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعث الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِن هذه الأمة من يُجدد لها أمر دينها، وهذا على خلاف الحال في الأمم السابقة؛ فقد كانت بنو إسرائيل تَسُوسُهُم الأنبياء كلما مات فيهم نبي تبعه آخر. كما قال عَلَيْهِ السَّلَامُ ، فعوض الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى هذه الأمة بالمجتهدين المجددين الذين يجددون لهذه الأمة أمر دينها، فلو تأملنا هؤلاء المجددين في كل عصر من العصور سنجد أن على رأس هؤلاء من هو منتسب لمذهب الشافعي رحمه الله ، فالإمام الشافعي كان مجددا للقرن الثاني، وابن سريج كان مجددا للقرن الثالث، وأبو الطيب سهل الصعلوكي للرابع، وأبو حامد الغزالي للخامس، والفخر الرازي ممن أسهم في ذلك في القرن السادس، والنووي في القرن السابع، والإسنوي في القرن الثامن، وابن حجر العسقلاني في التاسع، والإمام السيوطي في القرن العاشر... على اختلاف وتفصيل في مثل هذه المسائل، وفي كل الأحوال فإن التجديد لا يُشترط أن يكون مقتصرا على إمام واحد، فقد يقوم بأمر تجديد الدين أئمة كُثر في نفس العصر وفي نفس العهد، وفضل الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى واسع.

لكن الذي يعنينا الآن أن هذا المذهب مما أسهم في تجديد الفقه وتجديد الدين لأهل الإسلام، وهذه بلا شك من جملة المزايا العظيمة جدا التي يتميز بها هذا المذهب.

كذلك من هذه الأمور المهمة: كثرة الكتب التي ألفها العلماء في تحقيق المذهب والتدليل على مسائله وتيسير هذا المذهب على الطلاب في كل زمان.

فمن أكثر المذاهب من حيث التأليف في كافة الفنون: مذهب الشافعية؛ حيث تجد أئمة كثر في الفقه وأصول الفقه، والحديث، والتفسير، وأحكام القرآن ونحو ذلك من هذه الفروع المختلفة؛ تجد أن القائمين على هذه الفنون ممن ينتسب إلى مذهب الشافعي رحمه الله رحمة واسعة.

المسألة الثالثة: وهي مبادئ الفقه، وهذه المسألة في الحقيقة من الأهمية بمكان؛ لأن الواقف على أي علم أو فنّ ينبغي عليه أن يتعرف على شيء من المقدمات المهمة في تعلم هذا الفن.

وقد جرت عادة العلماء على ذكر بعض المبادئ التي يتصور بها طالب العلم هذا الفن الذي هو بصدد تعلُّمه؛ كالحد والموضوع والفائدة والثمرة والاسم والاستمداد.

وقد جمعها بعضهم فقال:

إِنَّ مَبادئ كل فن عشرة … الحد والموضوع ثم الثمرة

ونسبة، وفضله والواضع … مسائل والبعض بالبعض اكتفى

والاسم الاستمداد حكم الشارع … و من درى الجميع حاز الشرفا

الحد أو التعريف لهذه الكلمة ( كلمة الفقه).

كلنا يعرف أن الفقه في اللغة معناه: الفهم، الفهم مطلقا.

وأما الفقه في الشرع، فهذه مسألة في غاية الأهمية، نفصلها لكن أيضًا مع بعض الإيجاز.

الفقه في الشرع: اسم لكل من الشريعة والدين، الفقه اسم للشريعة فهذا يشمل جميع فروع الدين حتى ولو كانت معاملة أو أدبا أو اعتقادا؛ فهذا كله يسمى فقها. 

ولهذا يقول النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يفقهه في الدين»، والحافظ ابن حجرٍ رَحمهُ اللهُ في «الفتح» يقول: «مفهوم الحديث أن من لم يتفقه في الدين بأن لم يتعلم قواعد الإسلام وما يتصل بها من الفروع فقد حرم الخير الذي ينأى بنفسه عن تعلم العلم ويعرض عن مجالس العلم فهذا يعرض الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى عنه.

والنَّبيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذكر موقفًا لثلاثة أقبلوا على رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأرادوا الخير، لكن العزائم بينهم متفاوتة، فالأول: أوى إلى المجلس فآواه الله كما قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : «أَمَّا الأَوَّلُ فَأَوَى فَأَوَاهُ اللَّهُ، وَأَمَّا الثاني فاستحى؛ نظر فوجد أن الحلق التي هي موجودة في المسجد حول رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ممتلئة ولم يجد فُرجَةً من أجل أن يجلس فيها فاستحى أن ينصرف فجلس خلف هذه الفُرجة، قال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَأَمَّا الثَّانِي فَاسْتَحَى، فَاسْتَحَى اللَّهُ مِنْهُ ، وأما الثالث فما كانت عنده العزيمة من أجل أن يجلس في مجلس العلم، فلما وجد المجلس بهذا الشكل وبهذه الصورة مزدحما أعرض، وقال مثلا: آتي في وقت آخر، عندما تكون المسائل أسهل من ذلك، عندما يتكلم في علم آخر، وأسباب الانصراف عن طلب العلم كثيرة لا تنتهي، وكل إنسان على حسب ما يُضمره في قلبه من العزيمة؛ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «فَأَعْرَضَ فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ، وهذه مسألة خطيرة؛ مسألة الإعراض عن مجالس العلم، وعدم بذل المجهود من أجل التعلم، هذا إعراض، وينبني عليه إعراض من الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى في كون الإنسان يُحرم من الخير؛ فمفهوم الحديث في قول النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : «من يُرِدِ اللهُ بِهِ خيراً يفقهه في الدِّينِ أَنَّ مَن لم يتفقه في دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فقد حُرم الخير.

نرجع للمسألة فنقول إنّ الدين أو الفقه في الشرع هو اسم للشريعة واسم للدين، فكونك تتعلم أحكام الدين بأي فرع من فروعه المختلفة حتى ولو كانت أمور التزكية والسلوك؛ فهذا من الفقه في الدين، ولا بد أن تكون على دراية بهذه المسألة، ودعك من الذين يُزَهّدون في تعلم مسائل السلوك والتزكية، فهذه أساس وأم الباب كما يقولون، وربنا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لما امتن على المؤمنين ببعثة رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال : ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ ءَايَتِهِ، وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ ﴾ [سورة آل عمران: ١٦٤]. فذكر التزكية أولا ثم قال: ويعلمهم الكتاب والحكمة فالتزكية قبل التعليم، فكونك تجلس في مجالس التزكية وتسمع محاضرات التزكية وتهتم بمثل هذه الأمور؛ هذا فقه في الدين، وهذا من إرادة الخير بك من الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وإعراضك عن هذه المجالس وعن غيرها فيه إعراض من ربّ العالمين سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عنك.

الحاصل يعني هنا أن الفقه يعم جميع الشريعة.

أما الفقه في اصطلاح الفقهاء : نجد أنه سيأخذ مسمى أخص عند الفقهاء وعند الأصوليين.

عند الفقهاء يقولون: الفقه هو حفظ طائفة من مسائل الأحكام الشرعية الواردة في الكتاب والسنة، وما استنبط منهما سواءً كان هذا مع حفظ الأدلة أو كان مجردًا عن الأدلة. يعني بمجرد أن تحفظ مسائل الأحكام الشرعية سواء كان بدليل أو بغير دليل؛ فهذا هو الفقه عند الفقهاء، فحفظك لهذه المسائل،

ومعرفتك بهذه المسائل، بحيث إنك تستطيع أن تستحضر هذه المسائل متى احتجت إليها؛ فلو سألك سائل عن أحكام الطهارة استطعت أن تستحضر الأحكام الموجودة في هذه المسألة، كذلك بالنسبة للصلاة، للزكاة، للحج، للمعاملات... إلى آخر ذلك، استحضارك لهذه المسائل عند السؤال وعند الحاجة بمعنى أعم؛ هذا يُسمّى فقها ، ولهذا عند الفقهاء يقولون: «إنَّ العارف

بالأحكام الشرعية هذا هو الفقيه بغض النظر هل مع الاستنباط أو مع غير الاستنباط»، على خلاف ما قاله الأصوليون، وهذا نبهنا عليه كثيرًا؛ لأن الأصوليين يَعُدُّون هذا مقلّداً، فعندهم أن أخذك هذا العلم عن غيرك تقليد.

ولهذا يقول الأصوليون في تعريف الفقه: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المستنبطة من أدلتها التفصيلية.

هذا هو الفقيه عند الأصوليين؛ فلابد أن يكون مجتهدا ليكون فقيها، أما غير المجتهد بدرجاته المختلفة فهذا مقلد، في نهاية الحال.

نرجع للمسألة التي تكلمنا عنها ؛ وهي : حَدُّ الفقه؛ والأصل فيه أنَّه العلم بالشريعة أو الدين.

والأصل عندنا في ذلك هو حديث جبريل عَلَيْهِ السَّلَامُ لما جاء فعلم النبي أركان الإسلام إجمالا، وأركان الإيمان وبعض المسائل المتعلقة بمراتب الإحسان؛ فسأل النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ماذا ؟ ، قال يا محمد أخبرني عن الإسلام قَالَ : الإسلام أن تشهد أن لا إله الا الله وأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاةَ، وتصوم رمضان، وتحج البيت»، كل هذه أحكام متعلقة بالجوارح في الغالب، سأله عن الإيمان قال : « الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره، سأله عن الإحسان، قال: «أن تعبد الله كأنك تراه»، بعدما فرغ النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من هذا قال في نهاية الحديث: «أتدرون من السائل قالوا : الله ورسوله أعلم قال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : هذا جبريل جَاءَكُم يعلمُكُم أمر دينكم ، فالدين يشمل كل هذه المناحي.

فأنت إذا استمعت إلى محاضرة في أحكام الصلاة؛ فأنت بذلك تتفقه في دينك، إذا استمعت إلى محاضرة في مسائل السلوك والتزكية تعينك على الخير إلى الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ؛ أنت بذلك تتفقه في دينك، إذا استمعت إلى محاضرة في مسائل الاعتقاد؛ فأنت بذلك تتفقه في دينك.

ودعك ممن يصدك عن بعض هذه الفروع، فكل واحد منا يحتاج في كل فترة إلى واعظ يعظه بحيث يكون ممتثلاً لأمر الله مجتنبا لما حرم الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، والإنسان لو لم يسمع الموعظة في كل وقت وفي كل حين يقسو قلبه، وبالتالي تجد أبعد الناس عن الامتثال لأوامر الله سبحانه هو القلب القاسي الذي لا يسمع موعظة ولا ينتفع بشيء، يتعلم العلم فيستجلب به قسوة القلب عياذا بالله، مع أن مجالس العلم من أهم الأمور التي بها يستطيع الإنسان أن يُرقِّق قلبه ويتقرب إلى ربِّه سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

موضوع الفقه: يتكلّم عن أفعال المكلفين؛ فيبحث عما يعتري فعل المكلف من وجوب وحرمة وندب وكراهة وإباحة وضمان وصحة وفساد إلى آخره. لذلك في علم الفقه ندرس ما هو واجب وما هو حرام ومندوب ومكروه إلى آخر هذه الأمور؛ فموضوع علم الفقه: هو أفعال المكلفين.

الثمرة التي نرجوها من تعلم الفقه هي: الامتثال لأوامر الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى و اجتناب نواهيه ولذلك سنجد أنَّ الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿فَأَعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ ﴾ [سورة محمد : ۱۹]، وقال عَزَّوَجَلَّ : ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [ سورة يوسف : ١٠٨].

بالنسبة للمسائل : هي القضايا التي تُذكر في الفقه، من مسائل الطهارة والصلاة ونحو هذه الأمور.

بالنسبة لأسماء هذا العلم : اسمه علم الفقه أو علم الفروع، وقديما كان يُسمى بعلم الترجيح والنظر.

استمداده: من الكتاب والسنة والإجماع وغيرها؛ فيأخذ العلماء الأحكام الشرعية، ويتعرف العلماء على الأحكام الشرعية مما أوجبه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وما حرمه، وما أمر به على وجه الندب والاستحباب، وما نهى عنه على وجه الكراهة، ونستطيع أن نعرف المباح من خلال دراسة الفقه، حتى ولو كان الناس يرونه غير ذلك، فالحكم الشرعي يُعرف من الكتاب والسنة والإجماع والقياس، ولا اعتبار بآراء جهلة من الناس، بل ما أوجبه الله هو الواجب، وما حرمه الله هو المحرم، وما أباحه الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هو المباح.

حكم الشارع في تعلم علم الفقه: هو الوجوب العيني على كل مكلف، لكن هذا فيما تتوقف عليه صحة العبادة والمعاملة والمناكحة؛ يعني : العبادة التي أنا مأمور بفعلها من نحو الصلاة والصوم والزكاة لو كنت من أهل الأموال... إلى آخره، هذا واجب عينا عليك أن تتعلم أحكامها؛ لأنَّ بعض الناس تجد عمره ثلاثين وأربعين وخمسين سنة وأكثر من ذلك، وما زال يسأل في أحكام متعلقة بصيام رمضان، أحكام ظاهرة، ليست أحكاما خفية؛ فتجده لـم يتعلم شيئًا من هذه الأحكام التي هي من الواجبات العينية عليه أن يتعلمها؛ فهذا بلا شك تقصير وتفريط، لذلك حتى ولو كان جاهلا بالأحكام الشرعية في هذه المسألة وفعلها جهلا فإنه يؤاخذ عليها عند الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، لكونه مقصرا في التعلم بخلاف المسائل الخفية التي تحتاج إلى علماء وطلبة، لكن المسائل الظاهرة من الوجوب العيني أن تتعلمها ؛ فكل ما تتوقف عليه صحة العبادة،

وكذلك المعاملة؛ فإذا كنتُ الآن سأبيع وأشتري أو نحو هذه المسائل فلا بد أن أتعرف على الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا المعاملة أولاً، حتى ولو وقع الإنسان في المخالفة عن جهل فهو مؤاخذ بذلك حتى لا يقول قائل : الجهل أفضل من العلم لأني لو كنتُ على علم فلا يجوز لي أن أفعل هذا الشيء، أما إن كنت جاهلا فالله تَبَارَكَ وَتَعَالَى يعذرني بجهلي ، فنقول: لا، ليس كل جهل يعذر به الإنسان، وإنما الجهل الذي يعذر به الإنسان هو الناشئ عن غير تقصير، ولهذا نجد العلماء دائما ما يضربون صورًا للجهل الذي يُعذر به صاحبه؛ كأن كان حديث عهد بإسلام أو نشأ ببادية بعيدة عن العلماء، وعامة الناس الذين لا يتعلمون دينهم اليوم هنا وفي غيرها من بلاد الله ليسوا كذلك، إذن هذا الجهل لا يُعذرون به، وهذا الكلام ليس خاصًا بالرجال، بل هذا أيضا يشمل النساء؛ فالفقه في الدين لا بد أن يكون أولوية في حياتنا جميعًا، وهذا البلاء الذي نعيش فيه ناشئ عن الجهل بدين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، الجهل بدين الله عَزَّوَجَلَّ هو الذي أوقعنا في هذه الصور الكثيرة من البلايا والمحن التي يعيش فيها أهل الإسلام من نحو تسلط أعداء الله تَبَارَكَ وَتَعَالَى على المسلمين والتبعية والذلة ونحو هذه المسائل التي لا تخفى علينا.

فالحاصل أن تعلم علم الفقه حكمه الوجوب العيني فيما تتوقف عليه صحة العبادة والمعاملة، وكذلك المناكحة؛ فيجب على كل مسلم أن يتعرف على أحكام النكاح والعشرة وما يحتاج إليه في نكاحه، وإن من العجيب أن بعض الناس ذكر أنه جامع أهله في نهار رمضان، ويظن أن هذا ليس من جملة المحرمات، ويقول: ما كنتُ أعرف، فهذا الشخص لا يُعذر بجهله أصلا بحال من الأحوال، فلا شك أننا إن قلنا إنَّ هذا الشخص معذور بجهله، فإذن نحن ندعو الناس جميعًا ألا يتعلموا دين الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ويفعل كل واحد ما يشاء، بل لا شك أن هذا مؤاخَذٌ ولهذا يضمن كل ما فعل، فيجب عليه قضاء ما فات، وعليه كفارات الجماع ونحو ذلك من الأمور المترتبة على الجماع في نهار رمضان - عياذا بالله - وهو طبعًا كبيرة من الكبائر كما نص على ذلك العلماء، ولهذا جاء الرجل إلى النَّبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: يا رسول الله هلكت! فقال عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : ما أهلكك ؟ قال : وقعت على امرأتي وأنا صائم، فظن أن في هذا هلاكا له؛ لأنه اقترف هذه المعصية الكبيرة، فالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أرسله إلى الكفارة بمراتبها وصورها المعروفة.

أما بالنسبة لفضل هذا العلم : فشرفُه وعُلُوه على سائر العلوم غير التفسير ثم الحديث، فهو أشرف وأعلى من غيرها من العلوم إلا التفسير ثم الحديث؛ لأنه يتعلق بالحلال والحرام، فعلم الفقه هو علم الحلال والحرام الذي به تعرف ما أحل الله فتفعله، وتعرف ما حرم الله فتجتنبه؛ فتعيش في رضا الله سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .

وأما بالنسبة لواضعه فهم الأئمة المجتهدون كأبي حنيفة وصاحبيه أبو يوسف ومحمد بن الحسن والإمام مالك والإمام الشافعي والإمام أحمد رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُم جميعًا، وهذا العلم أخذوه عن غيرهم من الأئمة الذين أخذوه بطبيعة الحال عمن فوقهم إلى رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فعلم الفقه علم أثري، قائم على الأثر، قائم على الكتاب والسنة، والتفريط فيه تفريط في الدين، وتفريط في الوحي الذي نزل من عند الله حتى تحصل الصلة بين الأرض والسماء.



الخميس، 9 أكتوبر 2025

أسرار حرب لبنان: من انقلاب بشير الجميّل إلى مجازر المخيمات الفلسطينية ألان مينارغ بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

أسرار حرب لبنان: من انقلاب بشير الجميّل إلى مجازر المخيمات الفلسطينية

ألان مينارغ

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: الحرب الأهلية اللبنانية (1975–1990) كانت من أعقد الصراعات في المشرق العربي، إذ تداخلت فيها العوامل الطائفية والسياسية والإقليمية والدولية. وكانت جرحًا مفتوحًا، نزف طيلة خمسة عشر عامًا، ولم تندمل آثاره حتى اليوم.

في شوارع بيروت التي كانت تُسمّى “باريس الشرق”، انقلب الحياة إلى أنين، والعمران إلى رماد، والجار إلى خصمٍ يترصّد جاره من خلف المتاريس. لم تكن حربًا بين جيشين، بل حربًا عبثية تاه فيها المعنى، وتشابكت فيها الهويات حتى ضاعت البوصلة، وامتزج دم الأبرياء بصيحات الانتصار الزائف.

وفي قلب هذا الجحيم، كان الفلسطيني ـ اللاجئ والمقاتل والإنسان ـ أكثر من دفع الثمن، إذ وجد نفسه في بلدٍ لجأ إليه هربًا من نكبة، فإذا به يعيش نكبةً أخرى. هُدمت مخيماته، وحوصر أطفاله، وتنازعت عليه البنادق من كل صوب، حتى غدا الوجود الفلسطيني في لبنان مرآةً مكبّرة لمأساة الأمة بأسرها: أمةٍ تمزّقها الأهواء، وتغتالها الحروب بأيدي أبنائها.

ويمكن تلخيص المرحلة التي تشير إليها ــ من انقلاب بشير الجميّل إلى حرب المخيمات والمجازر الإسرائيلية ــ على النحو الآتي:


انقلاب بشير الجميّل وصعود الكتائب (1980–1982)

بعد سنوات من الصراع الداخلي بين القوى اللبنانية والفصائل الفلسطينية، برز بشير الجميّل زعيم "القوات اللبنانية" (الجناح العسكري لحزب الكتائب الماروني) كلاعب رئيسي يسعى لفرض هيمنة الموارنة على الدولة اللبنانية بدعمٍ إسرائيلي.

 نجح الجميّل في توحيد الميليشيات المسيحية بالقوة عام 1980، وبدعم إسرائيلي واسع شارك في العمليات ضد الفلسطينيين وضد الوجود السوري في لبنان.

 وفي العام 1982، شنّت إسرائيل غزوها الواسع للبنان بذريعة القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية، فاجتاحت الجنوب ووصلت إلى بيروت، وحاصرت المقاومة الفلسطينية والسورية فيها.


 انتخاب بشير الجميّل واغتياله (1982)

بعد حصار بيروت وخروج قوات منظمة التحرير منها، انتُخب بشير الجميّل رئيسًا للجمهورية بدعمٍ إسرائيلي وأمريكي في أغسطس 1982.

غير أنه قُتل في 14 أيلول/سبتمبر 1982 بتفجيرٍ استهدف مقرّ حزب الكتائب في الأشرفية، قبل تسلّمه السلطة فعليًا.


مجازر صبرا وشاتيلا (أيلول 1982)

عقب اغتيال بشير لجميّل، دخل الجيش الإسرائيلي بيروت الغربية، وسمح لقوات "الكتائب اللبنانية" بقيادة إيلي حبيقة بدخول مخيمي صبرا وشاتيلا، حيث ارتُكبت مجزرة مروعة بحق الفلسطينيين واللبنانيين، قُتل فيها ما بين 2000 إلى 3500 مدني، تحت أنظار الجيش الإسرائيلي.

 كانت هذه المجزرة ذروة التواطؤ بين إسرائيل والميليشيات اللبنانية المسيحية ضد الوجود الفلسطيني.


حرب المخيمات (1985–1987)

بعد انسحاب منظمة التحرير إلى الخارج، اندلع صراع داخلي جديد في بيروت بين حركة "أمل" الشيعية والفصائل الفلسطينية المتبقية في المخيمات (وخاصة صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة).

وعرف هذا الصراع باسم حرب المخيمات، واستمرّ قرابة عامين، حيث حوصرت المخيمات الفلسطينية وتعرّضت لتجويعٍ وقصفٍ قاسٍ.

 كانت خلفيات الحرب متشابكة، بين رغبة حركة أمل المدعومة سوريًا في السيطرة على بيروت الغربية ومنع عودة الفصائل الفلسطينية، وبين رفض الفلسطينيين الخضوع لسيطرة أي طرف لبناني.


🔹 الخلاصة

الحرب الأهلية اللبنانية كانت سلسلة من التحوّلات:

  • من صراع داخلي طائفي إلى غزوٍ إسرائيلي مباشر.

  • ومن انقسام لبناني–فلسطيني إلى حروب تصفية داخلية.
    انتهت فعليًا باتفاق الطائف عام 1989 الذي أرسى نظامًا جديدًا لتقاسم السلطة، لكنه لم يُنهِ تمامًا آثار تلك المرحلة الدامية.


ولم تكن الحرب الأهلية اللبنانية مجرد محطة زمنية، بل هي بداية مرحلة جديدة من التحكم الخارجي والتوازن الهش الذي لا يزال يطبع لبنان حتى اليوم.

 نهاية الحرب الأهلية اللبنانية

اتفاق الطائف (1989)

بعد خمسة عشر عامًا من الدمار والاقتتال (1975–1990)، جاء اتفاق الطائف الذي رعته المملكة العربية السعودية، ووافق عليه معظم النواب اللبنانيين المجتمعين في مدينة الطائف.

 كان الاتفاق بمثابة صفقة إنهاء الحرب، لا حلاً جذريًا لأسبابها. وقد نصّ على:

  • تعديل النظام السياسي بتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية (الماروني) لصالح الحكومة والبرلمان.

  • المناصفة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان والإدارة العامة.

  • حلّ الميليشيات وتسليم أسلحتها خلال ستة أشهر (باستثناء حزب الله الذي استُثني بحجة مقاومة الاحتلال الإسرائيلي في الجنوب).

  • الاعتراف بالدور السوري كقوة “حافظة للأمن” عبر اتفاق ثنائي لبسط النفوذ السوري على لبنان.

تنفيذ الاتفاق

تمّ تنفيذ الاتفاق تدريجيًا تحت رعاية سوريا التي بسطت هيمنتها على لبنان سياسيًا وأمنيًا حتى عام 2005.

 وانتهت الحرب رسميًا في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1990، عندما قضت القوات السورية على تمرد قائد الجيش آنذاك ميشال عون في قصر بعبدا.

 وهكذا انتهت الحرب الأهلية عسكريًا، لكن جراحها ظلت مفتوحة سياسيًا وطائفيًا.


أبرز التحديات بعد الحرب وحتى اليوم:

1. الطائفية السياسية

اتفاق الطائف أوقف الحرب لكنه كرّس النظام الطائفي بدل أن يلغيه.

 فالسلطة ما زالت تُوزّع على أساس مذهبي: رئيس ماروني، رئيس وزراء سني، ورئيس مجلس شيعي.
هذا جعل الدولة عاجزة عن بناء مؤسسات وطنية جامعة، وأبقى الانقسام قائمًا في بنية الدولة والمجتمع.


2. السلاح خارج الدولة:

أحد أهم إفرازات الحرب هو استمرار حزب الله كقوة مسلحة موازية للجيش، بحجة “المقاومة ضد إسرائيل”.
لكن مع مرور الوقت، أصبح السلاح أداة نفوذ داخلي وإقليمي، مرتبطًا بمحور إيران وسوريا، ما جعل الدولة رهينة ازدواجية القرار العسكري والسيادي.


3. النفوذ الإقليمي والدولي:

لبنان لم يتحرر من صراعات الوكالة: كان في زمن الحرب ساحة صراع سوري–إسرائيلي–فلسطيني.واليوم أصبح ساحة صراع إيراني–إسرائيلي–أمريكي–سعودي.  فكل أزمة إقليمية تُترجم مباشرة على أرض لبنان، من خلال الانقسامات السياسية والطائفية.


4. الاقتصاد المنهار والفساد

بعد الحرب، بُني لبنان على اقتصاد ريعي يعتمد على المصارف والدَّين العام، دون قاعدة إنتاجية.  تراكم الفساد حتى انهار النظام المالي في 2019، وتفجرت أزمة مالية غير مسبوقة جعلت أكثر من 80٪ من اللبنانيين تحت خط الفقر، وتحوّلت الدولة إلى شبه مفلسة.


5. اللاجئون الفلسطينيون والسوريون

رغم مرور عقود، لم تُحلّ قضية اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، وظلت المخيمات تعاني التهميش والبطالة وانعدام الحقوق المدنية.  ثم جاءت أزمة اللجوء السوري لتضيف عبئًا جديدًا على بلدٍ يعاني أصلًا من الانقسام والضائقة الاقتصادية.


6. التحديات الأمنية الراهنة

في ضوء تصاعد المواجهة بين إسرائيل وحزب الله على الحدود الجنوبية عامي 2024–2025، يعود شبح الحرب مجددًا.  فلبنان اليوم يقف على حافة انفجار جديد، بين مطرقة العدوان الإسرائيلي وسندان الانهيار الداخلي، وسط عجزٍ رسميٍّ كامل عن فرض قرار موحد أو حماية المدنيين.


🔹 الخلاصة:

انتهت الحرب الأهلية اللبنانية بوقف إطلاق النار لا بوقف الانقسام.  فما زالت روح الحرب تسكن السياسة، وما زال السلاح يُحكم القرار، وما زال لبنان يدفع ثمن أن يكون ساحةً لتصفية حسابات الآخرين.
وإذا لم يتكوّن مشروع وطني جامع يتجاوز الطائفية والارتهان للخارج، فإن لبنان سيبقى في هدنةٍ مؤقتة، لا في سلامٍ حقيقي.



الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

الأحزاب والأوراد الصوفية في المغرب: دراسة في مضامينها وأهدافها د. علي المحرزي العلوي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

الأحزاب والأوراد الصوفية في المغرب: دراسة في مضامينها وأهدافها

د. علي المحرزي العلوي
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

تمهيد:

شكلت الأحزاب والأوراد الصوفية قفزة نوعية في المشهد الأدبي العربي، إذ أحدثت تحولًا في اللغة والأسلوب، وأدخلت بعدًا جديدًا للبلاغة والمعنى، بحيث يمكن اعتبارها نمطًا أدبيًا قائمًا بذاته. فهي ليست مجرد كلمات مرتبة في أطر تقليدية، بل هي نصوص صوفية تنبض بالحياة، وتحمل في كل لفظٍ منها دلالات روحية ومعرفية، تتجاوز الفهم السطحي للنصوص الأدبية التقليدية، مثل شعر المتنبي والبحتري والمعري، لتصل بالمتلقي إلى مستويات عليا من التأمل والوجد.

وقد أتاح هذا النمط من النصوص الفرصة لدراسة الوظيفة التأثيرية للورد الصوفي، وكيف يمكن للكلمة المنظمة في سياق روحاني أن تحرك النفس، وتؤثر في وجد المريد، وتفتح له أبواب معرفة لا تتاح إلا بالتجربة الذاتية والانصهار الروحي في المعاني.

الخصائص الأدبية للأوراد الصوفية

  1. الرمزية والدلالة المزدوجة:
    الأوراد الصوفية تعتمد على مجاز المجاز، حيث تتجاوز الكلمات دلالتها الظاهرية لتصل إلى إشارات أعمق مرتبطة بالروحانية والحالة الداخلية للذاكر. فاللفظ الواحد قد يحمل أكثر من معنى، مرتبطًا بمقام التذكر أو الذكر، ويتيح للمتلقي غوصًا معرفيًا في مستويات متعددة.

  2. التراكيب الأسلوبية:
    اختيار الأسلوب في الأوراد ليس اعتباطيًا، بل له وظيفة تربوية وروحية. فالتكرار، والإيقاع، والوزن اللغوي، والتوزيع المكاني للكلمات، كلها أدوات تجعل النص موصولاً بالذاكر، ومتجاوبًا مع حالاته النفسية والروحية.

  3. الوظيفة التربوية:
    لا يقتصر الورد على كونه تجربة روحانية فحسب، بل يتضمن معاني تربوية وأخلاقية، ويعمل على بناء شخصية المريد من حيث إدراكه، وضبطه النفسي، وتوجيه طاقاته الفكرية نحو المعاني العليا، بما يحقق التوازن بين الروح والعقل.

  4. التجدد والتطوير:
    مع أن الألفاظ قد تكون محدودة نسبيًا، إلا أن معاني الورد تظل متجددة ومتطورة بحسب إدراك المريد ونضجه الروحي. هذا يجعل النص الصوفي حيًا دائمًا، يتفاعل مع كل مرحلة من مراحل التجربة الروحية للإنسان.

  5. جمال النص الصوفي:
    جمال الورد يتوقف على عدة عناصر، منها: اختيار اللفظ، إدماجه في السياق، الطبيعة التركيبية للأسلوب، والغرض المقصود من الورد. ويكمن التحدي في القدرة على جمع البساطة والوضوح مع العمق الروحي في نفس الوقت، دون أن يفقد النص قوته التأثيرية.

الأبعاد النفسية والفكرية

  1. تجاوز العقل السطحي:
    الأوراد الصوفية تتجاوز الفهم العقلي البسيط، ليس لإلغاء العقل، بل لتعميق التجربة، وإشراك كل حواس المتلقي وعاطفته في فهم النص، مما يؤدي إلى استنفاد الطاقة الروحية والعقلية في مستويات عليا من الوعي.

  2. الذوق الروحي:
    الذوق في الأوراد الصوفية يعني انتقال الذاكر من ذاتية اللفظ إلى ذات الذاكر، ثم إلى ذات المذكور، أي الله تعالى. هذا الانتقال يحقق تجربة ذوقية معرفية، حيث يتحقق الاندماج الكامل بين النص والمتلقي والمعنى الأعلى.

أهداف الأوراد الصوفية

  • تربية الروح: الانتقال بالمريد من حالة السطحية إلى حالات روحية عميقة.

  • تعليم القيم الدينية: تعزيز الصفات الفاضلة مثل الصبر، والزهد، والتواضع، والورع.

  • تنمية القدرات العقلية والفكرية: من خلال الربط بين الألفاظ ومعانيها الرمزية.

  • تحقيق التواصل الروحي: بين المريد وشيخه وبين المريد وربه، بواسطة لغة خاصة وحساسية معنوية دقيقة.

خاتمة:

الأوراد والأحزاب الصوفية في المغرب تمثل نمطًا أدبيًا وفلسفيًا وروحيًا متفردًا، يجمع بين البلاغة اللغوية والدلالات الصوفية العميقة، ويهدف إلى بناء الإنسان في بعده الروحي والأخلاقي والمعرفي. إنها تجربة لغوية وروحية متكاملة، تجعل النص أكثر من مجرد كلمات، ليصبح جسرًا يصل بين الذات والروح العليا، وبين المتلقي ومصدر الإلهام والمعرفة.


الخصائص الأدبية والفكرية للأوراد الصوفية:

1. الرمزية والدلالة المزدوجة

الأوراد تعتمد على مجاز المجاز، بحيث تتجاوز الكلمات دلالتها الظاهرية لتفتح المجال لمعانٍ أعمق، تعكس حالات المريد الداخلية. على سبيل المثال:

  • لفظ "الله" في وردٍ معين قد يشير إلى الذات الإلهية، وإلى العلاقة الروحية الشخصية، وإلى حالة السكينة التي يعيشها الذاكر.

  • التكرار والإيقاع في الأوراد ليس عشوائيًا، بل له وظيفة تربوية وتنشيطية، تعمّق حضور المريد في معنى الذكر.

2. الأسلوب والتركيب

الورد الصوفي يستخدم تراكيب لغوية مرنة وجمالية، تشمل:

  • الجناس اللفظي والتكرار الرنان.

  • توظيف الفعل والاسم في مستويات مختلفة لإبراز الحركة الروحية.

  • إدماج الكلمات في إيقاع متناغم يرسخ المعنى في النفس والوجدان.

3. الوظيفة التربوية

الأوراد لا تهدف فقط إلى الارتقاء الروحي، بل تبني شخصية المريد معرفيًا وأخلاقيًا، فهي تعلم:

  • ضبط النفس، والصبر، والزهد.

  • احترام الذات والآخرين.

  • الانصراف عن التفاهات والتركيز على المعاني العليا.

4. التجدد والتطور

رغم محدودية الألفاظ، فإن المعاني تبقى متجددة حسب إدراك المريد، وتجربته الروحية، مما يجعل النص الصوفي حيًا ودائم التأثير.

5. الذوق الروحي

الورد يحقق انتقال الذكر من لفظه إلى ذات المريد إلى ذات المذكور، أي الله تعالى، وهو ما يسمى بالذوق الروحي، حيث يصبح الذكر تجربة ذهنية وروحية متكاملة.


أمثلة عملية من أوراد المغرب:

  1. ورد الصلاة على النبي ﷺ: 

    • لفظ: "اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم"

    • تحليل: الإيقاع والتنغيم في هذا الورد ليس للزينة، بل لخلق حالة وجدانية تقود المريد للتفكر في مقام النبوة وعمق ارتباطه بالرسالة.

  2. ورد التسبيح:

    • لفظ: "سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم"

    • تحليل: التكرار والإيقاع يرسخ معنى تنزيه الذات الإلهية، ويجعل الذكر جسراً بين العقل والقلب.

  3. ورد الدعاء الفردي:

    • مثال: "يا حي يا قيوم، برحمتك أستغيث"

    • تحليل: الجمع بين لفظ الجلالة والصفة مع الفعل يعمّق معنى اللجوء والتذلل، ويحوّل الكلمات إلى تجربة وجدانية.


أهداف الأوراد الصوفية

  1. الانتقال الروحي: رفع المريد من حالة العادة إلى حالة اليقظة الروحية.

  2. التربية الأخلاقية: تعزيز القيم الإيمانية والفضائل الأخلاقية.

  3. تنمية القدرات الفكرية: استثمار اللغة الرمزية في التفكير العميق والتأمل.

  4. إحياء الذوق الروحي: تمكين المريد من تجربة معرفية وحسية متكاملة.

  5. ربط الذاكر بالشيخ: من خلال اتباع نمط الورد، ينتقل التأثير الروحي من الشيخ إلى المريد، بما يعزز الاتصال الروحي والمجتمعي.


الخاتمة

الأحزاب والأوراد الصوفية في المغرب تمثل نمطًا أدبيًا وفلسفيًا وروحيًا متفردًا، يجمع بين البلاغة اللغوية والدلالات الروحية العميقة. فهي أدب، ووعي، وتجربة تربوية، تتجاوز الكلمات إلى حالة وجودية وروحية، تجعل الذكر والورد جسراً يصل بين المريد ومصدر الإلهام والمعرفة، وبين اللغة والروح، وبين الفكر والتأمل.