أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 7 أكتوبر 2025

شرح المقدمة الحضرمية المسمى "بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم" سعيد بن محمد باعشن الحضرمي بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

شرح المقدمة الحضرمية 

المسمى "بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم"

سعيد بن محمد باعشن الحضرمي

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


 العلم بحر لا ينضب، والفقه نهر جليل، ينير السبيل للطالب في الدين والدنيا، ويهدي القلوب إلى طريق الحق واليقين. ومن بين الكتب التي أضاءت سماء العلم في حضرموت، وخلّدت ذكر العلماء، كتاب «بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم» للشيخ الفقيه الموفق سعيد بن محمد باعشن الحضرمي، والذي جمع فيه خلاصة العلم، وشرح فيه مسائل التعليم وفق المذهب الشافعي بطريقة منهجية دقيقة، مستفيدًا من تراث العلماء السابقين، وموثقًا للأحاديث والأدلة، ومبينًا وجوب الاجتهاد مع مراعاة ثوابت الدين.

وقد جاء الكتاب امتدادًا لمؤلفاته الكبرى، ولا سيما المقدمة الحضرمية المشهورة، حيث وضع مؤلفه فيه خلاصة فقهية متقنة، مع مراعاة الجمع بين نقل العلم وتحقيقه، وتيسيره للطلاب والمشتغلين بالعلم الشرعي. وصدق الشاعر إذ يقول:

الفقه قال الله قال رسوله ... إن صحَّ والإجماعُ، فاجهد فيه

وحذار من نصب الخلاف جَهالةً ... بين النبيّ وبين رأي فقيه

 ويهدف الكتاب إلى تقديم شرح واضح لمختلف مسائل التعليم الفقهي وفق المذهب الشافعي، مستعينًا بآراء العلماء السابقين، مع مراعاة الخلافات المعروفة بين الفقهاء. وقد رمز الشارح للأقوال المختلفة بأسماء مختصرة، وبيانها كما يقول الشارح: ورمزت للأول بـ ( حج )، وللثاني بـ ( م ر )، ولا بن قاسم بـ ( سم )، والشبراملسي بـ ( ع ش )، والزيادي بـ ( زي )، والقليوبي بـ ( ق ل )، والحلبي بـ ( ح ل )، والبجيرمي بـ ( ب ج )، وغيرهم أصرح باسمه، وقد أذكر اسم بعضهم، وجميع أقوال هؤلاء متقاربة

ويمكن اختصار موضوعات المتن فيما يلي:

خطبة الكتاب
أحكام الطهارة: الماء المكروه والمستعمل والنجس، الوضوء، الغسل، التيمم
الصلاة: مواقيت الصلاة، سنن الصلاة، شروطها، الصلاة على الميت، صلاة الجماعة، صلاة الخوف، صلاة الكسوف
الزكاة: واجبات الزكاة في البقر والغنم والنبات والنقد، صدقات التطوع
الصيام: فرض الصوم، ما يبيح الفطر، سنن الصوم، الاعتكاف
الحج: أركان الحج، الإحرام، الطواف، السعي، الوقوف، محرمات الإحرام
العقيقة والأضحية.

ترجمة مؤلف (المقدمة الحضرمية)

 هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بافضل الحضرمي. قال في"النور السافر": ولد سنة خمسين وثمانمائة (850هـ) وارتحل لطلب العلم إلى عدن وغيرها، وأخذ عن الإمامين محمد بن أحمد بافضل، وعبد الله بن أحمد مخرمة، ولازم الثاني، وتخرج به، وانتفع به كثيرًا، وأخذ أيضًا عن البرهان بن ظهيرة، وتميز واشتهر ذكره، وبعد صيته، وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم، وكان حريًّا بذلك.

 وكان إمامًا، عالمًا، عاملًا، عابدًا، ناسكًا، ورعًا، زاهدًا، شريف النفس، كريمًا سخيًّا مفضالا، كثير الصدقة، حسن الطريقة، لين الجانب، صبورًا على تعليم العلم، متواضعًا، حسن الخلق، لطيف الطباع، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم، حافظًا أوقاته لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة وذكر.

 ولي التدريس بجامع الشحر وانتصب فيها للاشتغال والفتوى، وصار عمدة القطر، وانتهت إليه رئاسة الفقه في جميع تلك النواحي، ولم يزل على ذلك حتى توفي يوم الأحد خامس شهر رمضان سنة 918هـ2، ودفن في طرف بلد الشحر من جهة الشمال في موضع موات، وهو أول من دفن هناك، ودفن الناس إلى جانبه، حتى صارت مقبرة كبيرة انتهى.

 له مؤلفات كثيرة، نذكر منها:

 المقدمة الحضرمية؛ وهو الكتاب الذي بين أيدينا.

 - الحجج القواطع في الواصل والقاطع.

 - الفتاوى.

 - رسالة في علم الفلك.

- لوامع الأنوار في فضل القائم بالأسحار.


ترجمة الشيخ سعيد بن محمد باعشن(مؤلف بشرى الكريم)

بقلم / محمد أبو بكر باذيب

هو الشيخ العالم الفقيه المحقق المتقن سعيد بن محمد باعلي باعشن، الدَّوْعَنِيُّ الرباطي بلداً، الحضرمي موطناً، الشافعي مذهباً.

مولده:

ولد الشيخ سعيد ببلدة رباط باعشن، الشهيرة بوادي دوعن الأيمن، وهي تقع في سفح الجبل الجنوبي بين الواديين، ولم أقف على تحديد لسنة مولده، لكنه لا يبعد أن يكون في مطلع القرن الثالث عشر الهجري أو نهاية الذي قبله، وكانت وفاته ليلة الثلاثاء في وقت السحر ليلة غرة جمادى الآخرة سنة ( ١٢٧٠ هـ ).

أسرته وعشيرته:

بيت آل باعشن من البيوت العريقة في وادي دوعن الأيمن ويرجعون في النسب إلى سيدنا محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، رضي الله عنهم، من بني تيم بن مرة من قريش؛ فهم بكريون قرشيون، وقد سميت البلدة التي تسكنها هذه الأسرة باسمهم، لما كان لأصولها من المكانة العلمية والفضل بين الأهالي؛ فقد كانت بلدتهم موئلاً لطلاب العلم، لذا سميت برباط باعشن.

ولما كان أهل هذا البيت بهذه المثابة . . قال العلامة السيد عبد الرحمن السقاف: "وآل باعشن بيت علم، ومغرس فضل، ومنبت صلاح"، نذكر منهم على سبيل المثال:

 الشيخ محمد باعشن، من أعيان علماء دوعن أهل القرن العاشر .

الشيخ أحمد بن عبد القادر بن عمر باعشن: المتوفى سنة ( ١٠٥٢ هـ )، ترجم له المحبي ووصفه بأنه: كان من زبدة الزبدة من أهل التمكين، وإمام أهل العرفان في عصره، وله مصنفات؛ منها: ( البيان والمزيد المشتمل على معاني التنزيه في حقائق التوحيد )، و جلاء البصائر وصلاح السرائر » وغيرها .

- الشيخ سعيد بن عبد الله باعشن: من أشياخ السيد علي بن حسن العطاس، مؤسس بلدة المشهد بقرب الهجرين، المتوفى سنة ( ۱۱۷۲ هـ )، وقد أكثر من ذكره في ديوانه » ومؤلفاته

- الشيخ سعيد بن عمر باعشن: أخذ عن السيد عبد الله بن أحمد العطاس، المتوفى سنة ( ١٢٥٣ هـ )، كان رحمه الله محتسباً لله في إصلاح ذات البين، والتوفيق بين الخصوم.

 الشيخ أحمد بن سعيد باعشن: كان عالماً عارفاً متبتلاً زاهداً، أخذ عن الإمام الجليل أحمد بن عمر بن سميط العلوي، المتوفى سنة ( ١٢٥٧ هـ ) بمدينة شبام بحضرموت، وغيره، ثم رحل إلى مكة المكرمة لطلب العلم .

شيوخه:

ذكر العلامة المحقق علوي بن طاهر الحداد في ثبته المفيد « الخلاصة الشافية في الأسانيد العالية »: أن الشيخ سعيد باعشن قرأ على الشيخ عبد الله الشرقاوي، المتوفى سنة ( ١٢٢٧ هـ )، وغيره من علماء مصر، فعلى هذا .. يكون الشيخ سعيد قد رحل إلى مصر في حدود سنة ( ١٢٢٠هـ ) تقريباً .

 العلامة الفقيه البرهان: إبراهيم بن محمد الباجوري المصري الأزهري الشافعي ( ۱۱۹۸ - ۱۲۷۷ هـ )، أحد من تولى مشيخة الجامع الأزهر، صاحب التصانيف الكثيرة النافعة.

فقد صرح الشيخ سعيد باعشن في كتابه ( مواهب الديان » بأخذه عنه، بقوله ـ عند شرح الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم في مقدمة الكتاب: 

قال شيخنا الباجوري: ومن هذا التاريخ يمكن معرفة الشيوخ الذين يمكن أن يكون قد أخذ عنهم من أهل مصر وحضرموت، بتتبع كتب التراجم والوفيات.

تلاميذه:

أخذ عنه جملة من مشاهير الفقهاء وأكابر العلماء من أهل حضرموت، قاصيها ودانيها، فنذكر على سبيل المثال:

  1. العالم المرشد الحبيب صالح بن عبد الله بن أحمد العطاس، المتوفى ببلد عمد سنة ( ۱۲۷۹ هـ )، تبادل معه الأخذ  وكانت بينهما ألفة ومحبة .

  2. العالم الصالح الحبيب عبد الله - الهدار - بن طه بن عبد الله الحداد، المتوفى بحاوي الحوطة سنة ( ١٢٩٤ هـ ) .

  3. الحبيب الجليل أحمد بن محمد المحضار، المتوفى ببلدة القويرة بدوعن سنة ( ١٣٠٤ هـ ) .

  4. العالم المحقق الفقيه علي بن أحمد باصبرين الدوعني، المتوفى بجدة سنة ( ١٣٠٥ هـ ) . وهو من أجل تلامذة المصنف، وصاحب الحاشية النفيسة على « فتح المعين » للمليباري، المسماة: إعانة المستعين" وغيرها ..

  5. السيد العلامة الحبيب عمر بن حسن بن عبد الله الحداد، المتوفى بمدينة تريم سنة ( ١٣٠٧ هـ ) قرأ عليه في سنة ( ١٢٥٥ هـ ) وما بعدها

  6. مسند حضرموت، الإمام الشهير، العلامة الحبيب عيدروس بن عمر الحبشي العلوي، المتوفى ببلدة الغرفة سنة ( ١٣١٤ هـ )، قال في ثبته "عقد اليواقيت الجوهرية": أجازني الشيخ المحقق المتفنن المدقق: سعيد بن محمد باعشن في جميع مصنفاته ومروياته، إجازة عامة.

  7. الشريف العالم الصالح الحبيب طاهر بن عمر الحداد، المتوفى ببلد قيدون بدوعن سنة ( ١٣١٩ هـ ).

  8. الفقيه الشيخ عبد الله بن عمر باناجه الدوعني، مؤلف كتاب "فتاوى علماء العصر".

  9. والشيخ الفقيه سعيد بن عبد الله بادكوك الدوعني، جمع فتاوی شیخه باعشن مضمومة إلى فتاوى الشيخ عبد الله باسودان، وجعلها في كتاب: « فتح المنان بجمع فتاوى باعشن و باسودان.

  10. السيد الفاضل محمد بن حسن بن أحمد البار العلوي، من علماء دوعن، أخذ عن الشيخ سعيد، ووقف نسخة من شرحه "مواهب الديان" على مكتبة آبائه السادة آل البار بالقرين، وهو الذي أرخ لنا وفاة الشيخ سعيد باعشن كما قدمناه عَنْ خطه الذي على ظهر النسخة الخطية الدوعنية من "مواهب الديان".

مكانته العلمية:

كان الشيخ سعيد باعشن من أعيان علماء حضرموت، وكان مقصوداً للأخذ، مرحولاً إليه لطلب العلم؛ فقد كان يقرىء مؤلفاته لتلاميذه، ويقرر عباراتها لهم، ويعرضونها عليه . ويدل على ذلك: أنهم نقلوا عنه مصنفاته، وجمعوا فتاواه، وانتفعوا بها، وأشاعوها في تلك البقاع.

فالشيخ سعيد كان بحق عالماً محققاً، وفقيهاً متقناً، ومنقحاً لمصنفاته لكثرة ما تقرأ بين يديه لحل مشكلاتها وبيان معضلاتها، فنالت بحمد الله حظاً وافراً، ونصيباً غير قليل من التحقيق والتصحيح والترجيح، وهذا مما لا يخفى - وفي الإعادة إفادة ـ؛ لأن الإنسان محل النسيان.

قال الربيع المرادي: قرأتُ كتاب ( الرسالة ) على الشافعي نيفاً وثلاثين مرةً، فما من مَرَّةٍ إلا وكان يصححه، ثم قال الشافعي في آخره: أبى الله أن يكون كتاب صحيحاً غير كتابه، يدل على ذلك قوله تعالى: {وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا}، وهكذا نقص البشر .

وقد قرىء شرح "البهجة" على الشيخ زكريا الأنصاري نحواً من ثمانين مرةً، فلذا هو من أتقن مصنفاته، وقد أنتفع بمؤلفاته المتأخرون، ونقل منها كثيرون، وبخاصة من "بشرى الكريم"، نذكر منهم:

  1. السيد العلامة بكري شطا الدمياطي، المتوفى بمكة سنة ( ١٣١٠ هـ ) في حاشيته: إعانة الطالبين على فتح المعين » .

  2. الفقيه العلامة علوي بن أحمد السقاف العلوي، المتوفى بمكة سنة ( ١٣٢٩ هـ ) في كتابه: "ترشيح المستفيدين على فتح المعين"

  3. والشيخ العلامة صالح بن محمد بافضل المكي، المتوفى بها سنة ( ١٣٣٣ هـ ) في حاشيته "المسلك القويم"، على كتاب: « المنهج القويم شرح مسائل التعليم » .

  4. والشيخ العالم المقرئ المسند محمد محفوظ بن عبد الله الترمسي الجاوي المكي، المتوفى بها سنة ( ١٣٣٧ هـ ) في كتابه: « موهبة ذي الفضل ».

  5. والشيخ العالم الفقيه محمد بن عبد الله الجرداني، المتوفى حدود سنة ( ١٣٣١ هـ ) في كتابيه: ( فتح العلام » و « مفيد العوام، وكلاهما شرح لمؤلفه « مرشد الأنام » .

قال العلامة السيد علوي بن طاهر الحداد عن كتابه هذا "بشرى الكريم": (وهو شرح مفيد).

وقد أستخرج تلميذه البار الشيخ علي باصبرين مسائل الخلاف بين الشيخين ابن حجر الهيتمي والشمس الرملي، من هذا الكتاب وسماه (إثمد العينين في اختلاف الشيخين)، وذلك في حياة شيخه المصنف عام (١٢٦٠هـ ).

مصنفاته:

صنف الشيخ سعيد باعشن جملةً من الكتب القيمة، في علم الفقه، والتوحيد، والنحو . منها:

١ -المواهب السنية بشرح المقدمة الحضرمية »، وهو المعروف بـ « أصل بشرى الكريم »، يقع في مجلدين كبيرين، وفيه تحقيق موسع لكثير من المسائل التي أجملها في مختصره: «بشرى الكريم»، وأحال على الأصل فيها .

۲- بشرى الكريم بشرح مسائل التعليم، أختصره من "المواهب السنية" مشهور متداول، وهو كتابنا هذا.

٣- مواهب الدیان شرح فتح الرحمن.

٤ -سلم الطلاب شرح قلائد الإعراب، وهو شرح موسع على منظومة له في علم النحو.

٥  بهجة الطلاب شرح قلائد الإعراب، وهو شرح آخر أختصره من السابق

٦- « التحفة السنية شرح العمريطية، وهو شرح على منظومة الشيخ يحيى العمريطي المصري، التي نظم بها متن «الآجرومية» في النحو.

٧- مفتاح السعادة في التوحيد وأصول الدين . . ذكره الشيخ في مقدمة "بشرى الكريم" عند كلامه في العقائد.

هذا ما يسر الله الوقوف عليه من مصنفات الشيخ سعيد باعشن، وربما كانت له مصنفات أخرى؛ فقد ذكر السيد علوي بن طاهر الحداد أن له مصنفات في علم التوحيد، ولعلها مخبأة كغيرها من الكتب القيمة التي أهملها أصحابها، وهاجروا من بلادهم وتركوها، نسأل الله تعالى أن يهيئ لها من الأبناء الأفاضل من يتعهدها ويخرجها من غياهب الظلام إلى نور الانتفاع ينتفع بها؛ حتى يؤجر أصحابها ـ وهم إن شاء الله مأجورون؛ فإن هذه الكتب لم تؤلف لتبقى في خزانة الإهمال، وإنما ألفت لتنشر وتذاع وينتفع بها.

رحم الله المؤلف رحمة واسعة وأحسن مثوبته، وأعلى منزلته على ما قدمه من خدمات علمية جليلة لناشدي العلم والفضيلة، كما نسأله تعالى أن يوفقنا للانتفاع بتراث سلفنا الصالح، وأن يلهمنا رشدنا، ويحسن ختامنا . آمین یا رب العالمین

* * *

فهرس المحتويات:
7 خطبة الكتاب
11 باب أحكام الطهارة
13 فصل في الماء المكروه
13 فصل في الماء المستعمل
14 فصل في الماء النجس ونحوه
17 فصل في الاجتهاد
18 فصل في الأواني
20 فصل في خصال الفطرة
23 فصل في الوضوء
27 فصل في سنن الوضوء
33 فصل في مكروهات الوضوء
33 فصل في شروط الوضوء وبعضها شروط النية
34 فصل في المسح على الخفين
36 فصل في نواقض الوضوء
38 فصل فيما يحرم بالحدث
39 فصل فيما يندب له الوضوء
40 فصل في آداب قاضي الحاجة
45 فصل في الاستنجاء
47 فصل في موجب الغسل

49 فصل في صفات الغسل
51 فصل في مكروهاته
52 باب النجاسة وإزالتها
55 فصل في إزالة النجاسة
59 باب التيمم
61 فصل في شروط التيمم
63 فصل في أركان التيمم
64 فصل في الحيض والاستحاضة والنفاس
66 فصل في المستحاضة
68 باب الصلاة
70 فصل في مواقيت الصلاة
74 فصل في الاجتهاد في الوقت
75 فصل في الصلاة المحرمة من حيث الوقت
77 فصل في الأذان
85 باب صفة الصلاة
96 فصل في سنن الصلاة
101 فصل في سنن الركوع
101 فصل في سنن الاعتدال
103 فصل في سنن السجود
104 فصل في سنن الجلوس بين السجدتين
105 فصل في سنن التشهد
108 فصل في سنن السلام
109 فصل في سنن بعد الصلاة وفيها
111 فصل في شروط الصلاة
123 فصل في مكروهات الصلاة
127 فصل في سترة المصلي
128 فصل في سجود السهو

133 فصل في سجود التلاوة
135 فصل في سجود الشكر
136 فصل في صلاة النفل
144 فصل في صلاة الجماعة وأحكامها
148 فصل في أعذار الجمعة والجماعة
150 فصل في شروط القدوة
153 فصل فيما يعتبر بعد توفر الشروط السابقة
161 فصل في بيان إدراك المسبوق الركعة
162 فصل في صفات الأئمة المستحبة
167 فصل فيما يتحقق به السفر
169 فصل في بقية شروط القصر ونحوه
170 فصل في الجمع بالسفر والمطر
172 باب صلاة الجمعة
173 باب صلاة المسافر
178 فصل في بعض سنن الخطبة وصلاة الجمعة
180 فصل في سنن الجمعة
185 باب صلاة الخوف
187 فصل في اللباس
190 باب صلاة العيدين
194 فصل في توابع ما مر
195 باب صلاة الكسوف للشمس والقمر
199 فصل في توابع ما مر
201 فصل في تارك الصلاة
202 باب الجنائز
205 فصل في بيان غسل الميت وما يتعلق به
208 فصل في الكفن
212 فصل في أركان الصلاة على الميت وما يتعلق بها

215 فصل في الدفن
216 كتاب الزكاة
218 فصل في واجب البقر
219 فصل في زكاة الغنم
219 فصل في بعض ما يتعلق بما مر
220 فصل في شروط زكاة الماشية
222 باب زكاة النبات
224 فصل في واجب ما ذكر وما يتبعه
226 باب زكاة النقد
231 فصل في زكاة الفطر
234 فصل في النية في الزكاة وفي تعجيلها
240 فصل في صدقة التطوع
240 باب زكاة النقد
243 كتاب الصيام
249 فصل فيمن يجب عليه الصوم
250 فصل فيما يبيح الفطر
251 فصل في سنن الصوم
257 فصل في الجماع في رمضان وما يجب به
259 فصل في الفدية الواجبة بدلا عن الصوم وفيمن تجب عليه
266 باب الاعتكاف
268 فصل فيما يبطل الاعتكاف وفيما يقطع التتابع
270 كتاب الحج
274 فصل في المواقيت
276 فصل في بيان أركان الحج والعمرة
276 فصل في بيان الإحرام
279 فصل في سنن تتعلق بالنسك
281 فصل في واجبات الطواف وسننه

285 فصل في السعي
286 فصل في الوقوف
288 فصل في الحلق
288 فصل في واجبات الحج
289 فصل في بعض سنن المبيت والرمي وشروطه
293 فصل في أوجه أداء النسكين
294 فصل في دم الترتيب والتقدير
295 فصل في محرمات الإحرام
303 فصل في موانع الحج
306 باب الأضحية
310 فصل في العقيقة
311 فصل في محرمات تتعلق بالشعر ونحوه

فوائد:

وجاء في العلل، المسألة 144، قال الزهري:  أدركتُ من قريش أربعة بحور: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وعبيد الله بن عبد الله.

والفقهاء السبعة، هم:

1-القاسم بن محمد بن أبي بكر، (24 -106 هـ تقريباً).

وقال الإمام البغوي في "شرح السنة 1/ 212: أن وفاته كانت سنة إحدى أو اثنين ومائة.

2-عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ت 98 هـ.

3-أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام (23 -97 تقريباً).

4- سليمان بن يسار (27 – 100 هـ تقريباً).

5-عروة بن الزبير (23 -94 هـ تقريباً).

6-سعيد بن المسيب (15 -94 هـ تقريباً).

7-خارجة بن زيد (30 – 100 هـ تقريباً).



عبد الرحمن بن عوف عبد السلام العشري بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 عبد الرحمن بن عوف

عبد السلام العشري

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: يَزخَرُ تاريخُ الإسلامِ والمسلمينَ بالشخصيّاتِ العظيمةِ التي تُعَدُّ قُدوةً صالحةً ومِصباحًا منيرًا يُضيءُ لأبنائِنا وبناتِنا طريقَ المجدِ والعِزّة، ويُسهِمُ في نهوضِ أُمّتِنا ورُقيِّها.

ومن بينِ هذه الشخصيّاتِ البارزةِ الصّحابيُّ الجليلُ عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رضي الله عنه، أحدُ العشرةِ الذين بشّرهم رسولُ الله ﷺ بالجنة، وكان من السّابقينَ إلى الإسلام، إذ كان واحدًا من الثمانيةِ الذين أسلموا في أوائل الدعوة.

لقد كان عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ رجلَ الاقتصادِ الإسلاميّ بحقٍّ، يُنفِقُ مالَه في سبيلِ اللهِ نصرةً للدينِ وإعانةً للمسلمين، فما أنفقَ من مالٍ إلّا باركَ اللهُ له فيه فازدادَ نماءً وخيرًا.

وبلادُنا اليومَ أحوجُ ما تكونُ إلى رجالٍ من طرازِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، الذين يَجعلونَ من مالِهم وسيلةً للبناءِ والعطاءِ. وقد ضربَ المصريّون الشرفاءُ من رجالِ الاقتصادِ أروعَ الأمثلةِ حينَ تقدّموا لبناءِ المدارسِ وإغاثةِ المنكوبينَ في كارثتَي الزلازلِ والسيول، فكان عبدُ الرحمنِ بنُ عوفٍ قدوتَهم في البذلِ والسخاءِ.

باركَ اللهُ في مِصرَ، وفي أُمّتِنا الإسلاميّةِ جمعاء، وأكثَرَ فيها من أمثالِ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ، الذي قالَ عنه أهلُ زمانِه: «أهلُ المدينةِ شركاءُ لابنِ عوفٍ في مالِه؛ فالثلثُ يُقرِضُهم، والثلثُ يقضي عنهم ديونَهم، والثلثُ يصلُهم ويُعطيهم».

وتضمن هذا الكتاب أربعة محاور، وهي:

أولاً: الاحتفال بذكرى النصر على أبرهة صاحب الفيل:

وفيه قصة مولد عبد الرحمن بن عوف بعد عام الفيل، وتسميته، وقبيلته التي ينتمي إليها، وقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، استبشار والديه به، وذكر حادثة أبرهة الحبشي، ودوافعه لهدم الكعبة، وفرح أهل مكة بهزيمة أبرهة وجيشه.

ثانياً: ملامح النجابة على عبد الرحمن بن عوف:

وفيه رعاية والده له، وإعداده لحياة كريمة في مكة، وصفاته البارزة التي ظهرت عليه في صغره، واصطحاب أبيه له في رحلاته التجارية، وسخريته من الأصنام ومن يعبدونها، ثم محاولة أبيه إقناعه بالعدول عن رأيه في معبودات قريش، ثم تعلقه بالنبيّ صلى الله عليه وسلم، وترقبه لما جاء به.

ثالثاً: عبد الرحمن بن عوف:

وفيه: إسلام "عبد عمرو" وتحويل النبيّ صلى الله عليه وسلم لاسمه إلى "عبد الرحمن"، وفرحته بإسلامه واسمه الجديد، وثباته أمام صدود قريش وعدوانها على المسلمين، وتهديدها بقطع أرزاقهم.

رابعاً: الاستعداد للانتقال إلى المدينة:

وفيه: هجرته إلى الحبشة، ثم عودته إلى مكة، ثم هجرته إلى المدينة، وتمهيد الرسول لدعوته بالمدينة، والمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار، وكيف آخى النبيُّ بين عبد الرحمن وسعد بن الربيع، وعمله في التجارة ليعيش من كسبه، وإقناع الرسول للمهاجرين بالعمل، واشتراك عبد الرحمن بن عوف في إعداد المسلمين لملاقاة جيش مكة، وجهاده ودعوته إلى الله.



منظومة شرح الأثر فيما ورد في شهر صفر لأبي بكر العدني بن علي المشهور بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

منظومة شرح الأثر فيما ورد في شهر صفر

لأبي بكر العدني بن علي المشهور

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

        

تمهيد: هذا النظم النفيس، يتعلق بشرح الحديث الوارد: (لا صفر ولا عدوى ولا طيرة ولا غُول)، وكانت العرب تعتقد أن صفر هو شهر الدواهي والفتن والحروب وكثرة الموت، وتكمن أهمية مثل هذه الأنظام في تصحيح عقائد الإنسان، لا سيما تلك العقائد الجاهلية التي عرفها في سالف الأزمان، وظل الناس يقرونها في الأحداث والتغيرات على ما تصورته الأذهان.

وقد بيّن الشيخ المؤلف أن هذه الاعتقادات الجاهلية إنما هي بوحي من الشيطان، وقد حاول في نظمه ربط الأمور بمسبباتها، والولوج إلى تلك الظواهر من أبوابها الشرعية والعلمية، متبعاً ما خطّه العلماء في أسفارهم، جامعاً لها، ومرتباً لفصولها؛ حتى كان هذا النظم.

وأما الموضوعات التي تعرض لها في نظمه:

1-القضاء والقدر من علم الله وإرادته وإيجاد متعلقاتهما بقدرته ومشيئته، والنفع والضر بيده.

2-الأصل في الاعتقادات والتصورات الاتباع والاقتداء من غير زيغ ولا ميل. ويشير الناظم إلى ذلك بقوله:

والقصد في كل الشؤون ربطها... بالدين والإسلام من حيث أمر

3-أن الشريعة جاءت ببيان ما للشهور والأزمان من الفضائل والميزات.

4-وأن النبيّ صلى الله عليه وسلم -نهى عن التشاؤم بدخول شهر صفر.

5-وقول (لا صفر) أي: لا يؤخر هذا الشهر عن محله كما في أنساء الجاهلية.

6-وأنه لا يُتشاءم بطيرٍ ولا حيوانٍ ولا إنسانٍ ولا شهرٍ.

7- نفي سراية العدوى والمرض بذاته من شيء إلى آخر.

8-نفي العدوى لا تنافي الأخذ بالأسباب التي منها: عدم دخول بلد الطاعون.

9-أن الشهور هي أيام، ويجري فيها ما يجري في غيرها، وهي أوقات الأحداث ومحلها، لا أنها تؤثر فيها بخيرٍ او شر. وفي ذلك يقول الناظم:

وكلها أيامُ مَن لا غيرُه... يُدلي بنفعٍ للعبادِ أو ضرر

ولا قياس في ابتلاءٍ أو قضا...يُجريه في يوم فيبقى اليوم شر

فالله يُعطي من يشاء وكذا... يمنعه إن شاء لا يُغني الحذر

فافهم أُخيَ الأمر إن شئت الرضا... واسلك طريق المصطفى الهادي الأبر

10-أن خير الأمور هي الفأل الحسن، وهو هدي النبيّ صلى الله عليه وسلم وفعله.

11-ونفي الغول الذي هو جنس من الجن، تزعم العرب أنه كان يُضلُّها في سفرهم.

12-ونفي النوء: وهو نجم يظهر في السماء تزعم العرب أنه يأتي بالمطر ويُنشئه.

13-ونفي التشاؤم بصفر أو شوال، بالامتناع عن النكاح، والسفر، والتجارة، ونحو ذلك؛ وتزعم العرب أنه شهر يكثر فيه الموت، وتضل التجارة، ويهلك المسافر، وقد تزوج رسول الله من خديجة في صفر، وزوّج فيه ابنته فاطمة من علي، وأمضى في غار ثور ثلاثة أيام منه، وكانت غزوة الأبواء في أوله، وكذا خيبر. وفي ذلك يقول الناظم:

وكم غزاةٍ ذُكرت من مثلها... في مثل هذا الشهر والحقُّ انتصر

كما بنى في شهر شوّال علي... عائشة فصار فعلاً مُعتبر

وأبطل المختار شؤماً فاسداً... أسبابه الجَهل متى الجهل ظهر

14-وكان أهل الجاهلية يتشـاءمون أيضاً بنكاح شـهر شـوال، وسـببه أن طاعونا وقع في شـهر شـوال في سـنة من السـنين فمات فيه كثير من الرجال والنساء العرائس، فتشـاءموا بذلـك، وقد ورد الشـرع بإبطالـه، وكانت السيدة عائشة، تُفاخر وتقول: ما تزوجني رسول الله -صلى الله عليه وسلم -إلا في شوال.

15- ومما ينتفي سعد السعود، وهما: كوكبي زحل والمريخ، كانت العرب تعتقد أنهما نجمـا نحس، وأن عطارد ممتـزج بين النحس والسـعد، فيتشـاءمون بالنجمين المذكورين تشـاؤما ّ جمًا فيتأخرون عن السعي في مصالحهم، وهو قـول باطل قد أبطله الشـرع.

16-ومن الأوقات التي يتشاءمون فيها: أيام المحاق، وذلك إذا بقي من الشـهر يوم أو يومان، وفيه اشـتداد الظلام، ويقولون: إنه وقـت نـزول القمر في العقـرب أو الدبران، وهو قـول باطل قد أبطله الشـرع. وقيل لعلي بن أبي طالب: أتلقى الخوارج والقمر في العقرب؟ فقال: وأين قمرهم؟

17-ومن الأوقات التي كانوا يتشاءمون بها آخر أربعاء من كل شهر، لا سيما شهر صفر، وذلك غير صحيح، وقد أبطله الشرع.

18- وأن من حصل له نوع تشاؤم، فيندب له أن يقول: أنا عبد الله ما شاء الله لا قوة إلا باللـه، اللهـم لا طير إلا طيرك، ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت، أشهد أن الله على كل شيء قدير، لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وفي إشارة لذلك يقول الناظم:

فقد أتت ادعيةٌ مأثورة... تُعالج الأمر إذا الحال اعتكر

فالبيهقي قد روى بسندٍ... حديثه المشهور عن نجل عمر

وعن أبي داود في روايةٍ... تؤيّد الذكر إذا الشكُّ بدر

       وللفائدة نزيد شرح قوله صلى الله عليه وسلم: (إنَّ الزَّمَانُ قَدْ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا).

قال ابن رجب الحنبلي: مراده بذلك إبطال ما كانت الجاهلية تفعله من النسيء. قال تعالى: ]إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللَّهُ[ (التوبة: 37).

وقد اختلفوا في تفسير النسيء، على قولين:

1. فقالت طائفة: كانوا يبدلون بعض الأشهر الحرم بغيرها من الأشهر، فيحرمونها بدلها، ويحلون ما أرادوا تحليله من الأشهر الحرم إذا احتاجوا إلى ذلك، ولكن لا يزيدون في عدد الأشهر الهلالية شيئاً؛ فكانوا يستحلون المحرم، بالقتال فيه؛ لطول مدة التحريم عليهم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة، ثم يحرمون صفر مكانه، وربما احتاجوا إلى صفرٍ أيضاً، فيُحلِّونه، وجعلوا مكانه ربيعاً، وقيل: كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام، ويسمونها "صفرين" ثم يحرمونهما من عام قابل ويسمونهما "محرمين".

2. وقالت طائفة أخرى: بل كانوا يزيدون في عدد شهور السنة، وظاهر الآية يُشعر بذلك، حيث قال تعالى: ]إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا... [(التوبة: 37)، فذكر هذا توطئة لهدم النسيء وإبطاله.

كيف كان يعدُّ المشركون الشهور، وما هو النسيء عندهم؟

[ج]: كانوا إذا أرادوا استحلال سنةٍ من السنوات جعلوا المُحرَّم في صفر، ثُمَّ يعدُّون إلى صفر في السنة التالية، ويثبتون صفراً كما هو، فتكون عدة ذلك ثلاثة عشر شهراً (من المحرَّم في السنة الأولى إلى صفر في السنة التالية).

ولا بُد من توضيح هذه القضية بشيء من التفصيل والتحليل فيما يلي:

أولاً: النبيُّ صلى الله عليه وسلم نهى عن الطيرة أصلاً؛ لأنها باب من أبواب الشرك كما جاء صحيحاً في غير ما حديث.

ثانياً: ما هو وجه الشرك في الطيرة؟ الأصل في الطيرة أنهم كانوا يزجرون الطير، ويتفاءلون بما طار منها إلى اليمين، ويتشاءمون بما طار منها إلى الشمال، ولم يربط الله تعالى بين قدره وبين الطيور، ومن زعم ذلك فقد قال على الله بغير علم، وفعله هذا كنصب الوثنين أزلاماً للقُربى والمغفرة، وكنصب أهل النجوم نجوماً للسعود والنحوس، فهذا أصل الطيرة الشركية، ومثل الطيرة: من يستدل على الأقدار بحركات الحيوان أو أصواتها أو رؤيتها، كنعيب البوم، ونعيق الغربان، ونباح الكلاب.

ثالثاً: الطيرة المنهي عنها: هي تعليق الأقدار بالأسباب، أو الاستدلال عليها بها، دون النظر في الأسباب أو المقدمات التي تورث شيئاً من النتائج،

مسألة العدوى بين الشرع والطب:

أولاً: يرى الأطباء المعاصرون أنَّ:

1. العدوى أمرٌ ثابتٌ في بعض الأمراض لا في جميعها.

2. أن انتقال العامل المُمرض من زيد إلى عمرو، لا يعني أن عمراً سيُصاب بالمرض يقيناً، بل هاهنا عوامل عدة داخلية وخارجية تساعد على ظهور المرض أو تقاومه وتمنه ظهوره، وحصول المرض يعتمد على محصِّلة هذه العوامل.

3. أن إصابة زيد بالمرض، ثم إصابة عمرو به بعد ملابسة زيد، لا يعني بالضرورة أن زيداً أعدى عمراً، بل من الممكن جداً أن يكون العكس صحيحاً، فهذه قضايا صحيحة وثابتة، لا يختلف فيها طبيبان.

ثانياً من الشرع:

1. أرسى النبي مسألة العدوى الطبية والحجر الصحي في قوله: "لا يورد ممرض على مصح"، وقوله: "فرَّ من المجذوم فرارك من الأسد"، وقوله: "إذا وقع الطاعون بأرض فلا تفرِّوا.."، فهذه نصوصٌ ثلاثة غاية في الوضوح، لا ينبغي التغافل عنها، ولا عن مدلولاتها إطلاقاً.

2. وقد صحَّ عنه من أوجه قوله: "لا عدوى"، وقد جاء هذا بأصح الأسانيد عن جماعة من الصحابة، يحيل العقل تخطئتهم فيما نقلوه.

3. ولأهل العلم أقوالٌ كثيرة في التوفيق بين هذه النصوص التي ظاهرها التناقض، ولا يخلو أغلبها من نظر، يحول دون الأخذ به، وأولاها بالصواب هو ما اختاره ابن القيم في "مفتاح دار السعادة" من حمل إثباته r للعدوى على أنها (جزء سبب)، وحمل نفيه لها على أنها (سبب تام)، فهذا أكثر الأقوال تطابقاً مع معطيات الطب المعاصر.

وقال بعض أهل العلم: تُحمل على أن يكون محل نفي العدوى (القلب)، ومحلُّ إثباتها (البدن)، ففي ذلك نهيٌ للمريض عن اعتقاد أن فلاناً هو الذي نقل إليه العدوى، وهذا أيضاً يتطابق مع معطيات الطب المعاصر؛ لأن جزم المريض بأن فلاناً أعداه بالذات غير مقبولٍ علمياً في كثيرٍ من الأحيان.

وقال آخرون: يحتمل أن يكون محلُّ نفي العدوى في العلاقات بين المسلمين، فلا ينبغي أن يتهم فلاناً من الناس بأنه سبب مرضه وأصل عدواه؛ لأنه اتهامٌ لا يستند إلى أصلٍ علمي.

وقال بعضهم: يحتمل أن يكون محل نفي العدوى أن يطالب فلاناً من الناس بتعويض ما أصابه أو أصاب دوابه من المرض والتلف للسبب السابق نفسه.

الخلاصة: ولا يبعد أن تكون هذه الأمور جميعها صحيحة ومقصودة بنفي العدوى. والله أعلى وأعلم.





من خلال مجريات الحرب على غزَّة تشريح الأزمة البنيوية لحماس في ضوء طوفان ما بعد 7 أكتوبر بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

من خلال مجريات الحرب على غزَّة

تشريح الأزمة البنيوية لحماس في ضوء طوفان ما بعد 7 أكتوبر

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: بعد الزلزال الكارثي الذي أحدثه السابع من أكتوبر الأسود وما تلاه من دمار غير مسبوق في قطاع غزة، تبرز الحاجة المُلحة إلى تشريح جذري للسلوك السياسي والتنظيمي لحركة حماس.

وهذا المقال لا يسعى إلى تبرير العدوان أو التهوين من فداحة الخسائر، بل يهدف إلى وضع المجهر على الممارسات البنيوية للحركة التي أسهمت في هذا المسار المأساوي.

إن النقد الموجه هنا هو صرخة عميقة من واقع يئن تحت وطأة الاستئثار الأيديولوجي، واستغلال العاطفة المقدسة، والتفرد المدمر بقرار الحرب والسلام.

سنخوض في تحليل صارم لتضخيم الذات الحزبي على حساب القضية الوطنية الجامعة، وكيف قادت حسابات المصالح الضيقة والأيديولوجيا المتعصبة إلى هذا الدمار الشامل، في محاولة لتقدير المصير المحتوم لحركة حماس في مرحلة ما بعد الحرب.

وفيما يلي بيان لأهم الانتقادات الموجهة إلى الحركة وأساليبها في إدارة دفة الحكم والسياسة في القطاع:


أولًا: البنية الفكرية والأيديولوجية

1. الاستقطاب الأيديولوجي والإقصاء الداخلي

أ. احتكار الانتماء الديني: الحركة حولت الانتماء للحزب إلى مرادف للإيمان، ما جعل أي اعتراض أو استقلالية يرقى إلى الخروج عن الملة.

ب. ثقافة التخوين والإقصاء: فرض وصاية حزبية على المجتمع، وتخوين كل من يخالف السرد الرسمي.

ج. تغييب الاجتهاد الفكري: قمع حرية التفكير والنقد، وإضعاف أي صوت مستقل داخل المجتمع.


2. التلاعب بالوعي الجماهيري

أ. تضليل الرأي العام: رسم صورة مزيفة عن الواقع عبر آلية إعلامية ضخمة، بهدف إعادة إنتاج الولاء الحزبي.

ب. استغلال العاطفة الدينية: استخدام الشعارات الدينية الكبرى كوقود لدعم المشروع التنظيمي الضيق.

ج. تضليل الأجيال: سيطرة على التعليم والإعلام لتغذية خطاب يسهم في الولاء الأعمى بدل الوعي النقدي.


3. الإعلام والتحكم في الرواية

أ. تضخيم النصر: تحويل الهزائم إلى انتصارات عبر الإعلام الرسمي.

ب. تخوين المعارضين: تصنيف المثقفين والنخبة بالعمالة أو النفاق.

ج. استغلال الفتوى: استغلال الدين لتبرير السياسات الحزبية والتحايل على الشرع.


ثانيًا: البنية السياسية وصنع القرار

4. الانفراد بالقرار السياسي والعسكري

أ. احتكار السلطة: تجاهل الفصائل الوطنية والنخبة المستقلة في صنع القرار.

ب. تجاهل مصالح الوطن: اتخاذ قرارات الحرب والسلم وفق أجندة حزبية ضيقة أو محاور إقليمية.

ج. ضعف التخطيط الاستراتيجي: قرارات عشوائية تؤدي إلى دمار شامل دون تقييم المخاطر الحقيقية.


5. الارتهان للمحاور الإقليمية

أ. قيود القرار الوطني: غزة تحولت إلى ورقة في صراعات خارجية.

ب. استخدام الوحدة الوطنية تكتيكيًا: المصالحة مع الفصائل ليست هدفًا استراتيجيًا دائمًا.

ج. تضارب المصالح العسكرية والسياسية: الجناح العسكري يفرض رؤيته على القرارات الوطنية.


6. الفجوة الأخلاقية في القيادة

أ. اتخاذ القرار من الخارج: قيادات غير موجودة على الأرض تصدر قرارات مصيرية.

ب. التضحية بالشعب: دماء الناس تتحول إلى رأس مال تفاوضي لتعزيز الموقف التفاوضي للحركة.

ج. غياب المساءلة: تجاهل المسؤولية الأخلاقية تجاه النتائج الكارثية.


ثالثًا: البنية الإدارية والاقتصادية

7. تجيير المال العام وإدارة المساعدات

أ. تحويل الإغاثة إلى أداة تحكم: الأموال المخصصة للإغاثة تُستثمر لتعزيز سيطرة الحركة وليس لإعادة البناء.

ب. التمويل الحزبي على حساب الشعب: الرواتب والمشاريع التنظيمية تأتي قبل أولويات المدنيين.

ج. غياب الشفافية: منع التدقيق والمحاسبة في إدارة الموارد المالية.


8. الفساد الإداري وتزكية الولاء

أ. استيلاء على المناصب: توزيع الوظائف بناءً على الولاء لا الكفاءة.

ب. تهميش الخبرة المهنية: حرمان المؤسسات المدنية من كفاءاتها لصالح البيروقراطية الحزبية.

ج. تقويض المؤسسات الوطنية: تعطيل عمل المؤسسات المدنية المهمة كالتعليم والصحة والبنية التحتية.


رابعًا: السياسات العسكرية ونتائجها

9. المغامرة الأيديولوجية وحروب العبث

أ. اندفاع غير محسوب: قيادة صادرة من أيديولوجيا متعصبة دون تقييم واقعي.

ب. حروب قصيرة الأمد: معارك غير مدروسة تتسبب في خسائر بشرية ومادية كبيرة.

ج. الاستهانة بالإنسان: اعتبار المدنيين مجرد أدوات تكتيكية في الصراع.


خامسًا: النتائج الاجتماعية والسياسية

10. تآكل البنية الاجتماعية والتنموية

أ. إهمال التعليم والصحة: انهيار المؤسسات الأساسية تحت وطأة البيروقراطية الحزبية.

ب. اقتصاد غير رسمي: السيطرة على اقتصاد الأنفاق والأنشطة الموازية لتأمين الولاء المالي.

ج. تحريف مفهوم الصمود: التركيز على الصمود العسكري فقط، وتجاهل الصمود الاقتصادي والاجتماعي للإنسان المدني.


11. فقدان الشرعية الداخلية

أ. تراجع الثقة الشعبية: الانتكاسات الكارثية تضع الحركة أمام ردود فعل شعبية حادة.

ب. خطر الانهيار الجزئي: استمرار النهج ذاته يؤدي إلى عزلة تدريجية.

ج. الحاجة إلى الشراكة الوطنية: ضرورة الانفتاح على فصائل ومجتمع مدني لإعادة بناء الشرعية.


سادسًا: التحديات المستقبلية

12. التأثير الإقليمي والدولي

أ. ضغط الأطراف العربية والدولية: الانتقادات تشكل نقطة ضغط لإعادة الإعمار.

ب. التفاوض من موقع القوة المنهكة: الجناح العسكري قوي لكنه مُنهك، مما يفرض حلولًا براغماتية.

ج. إعادة التموضع: ضرورة إعادة النظر في السياسات الخارجية لتجنب الإقصاء.


13. مستقبل الأيديولوجيا والمال

أ. تراجع الخطاب الديني الحصري: التحول نحو خطاب وطني شامل لاستيعاب مختلف التيارات.

ب. الرقابة المالية: تدقيق غير مسبوق على المساعدات يحد من التجيير الحزبي.

ج. إعادة توزيع الأولويات: وضع مصلحة المواطن قبل تعزيز الولاء الحزبي.


خاتمة: مفترق طرق وجودي

حركة حماس بعد الحرب تواجه خيارين:

إما الإصرار على النموذج الحالي: يؤدي إلى عزلة وانهيار داخلي تدريجي.

أو التحول عميق وجريء: يشمل مشاركة حقيقية في القرار الوطني، فصل الجناح العسكري عن السياسة، شفافية في إدارة الموارد، والتخلي عن الأيديولوجيا الإقصائية.

الوطن ليس حزبًا، والمقاومة ليست سلطةً احتكارية، بل أمانة ثقيلة تتطلب توازنًا بين السياسة والإنسان.