أرشيف المدونة الإلكترونية

الاثنين، 14 يوليو 2025

لطيف الإشارات إلى بعض المسلسلات أحمد منصور قرطام الفلسطيني بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

لطيف الإشارات إلى بعض المسلسلات

أحمد منصور قرطام الفلسطيني

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة


تمهيد: جرى دأبُ أهل الحديث ـ زادهم الله رفعةً وعلاءً ـ أن يعقدوا مجالس الإملاء في يومٍ من أيام الأسبوع، فيجتمعون على نور السنة، يملُون الأحاديث بأسانيدها المتصلة، ثم يُتبعونها بشرح معانيها، وتبيين غريب ألفاظها، ويطرّزونها بنُتفٍ من الشعر، يناسب المقام، ويزيد المجلس بهاءً وبهجة.

وقد سلك الشيخ المصنف -رحمه الله، وتجاوز عنه -درب هؤلاء رجاءَ أن يُدرج في سلكهم، مستنيراً بقول العارف شهاب الدين السُّهروردي:

فتشبَّهوا إن لم تكونوا مثلَهمْ… إنَّ التشبُّهَ بالكرامِ فلاحُ

وليس غريباً أن نرى في تراث أسلافنا الكرام أن السند لم يكن وقفاً على الأحاديث والفقه والعلوم الشرعية فحسب، بل كان لهم فيه مذهبٌ رفيع حتى في نقل فنون الأدب، وألوان الشعر والنثر، بل وطرائف القصص، وأخبار الظرفاء والحمقى والمغفلين، وما إليها من نوادر الذكاء والدهاء والبخل والطُّفيليين.

فتجد أحدهم يسوق سنداً طويلاً، لا يقل عن سطرين أو ثلاثة، من أجل كلمة طريفة لا تتجاوز ثلاثة أحرف، قالها أحمق أو نابه، يثبتها بالسند المتصل، كما فعل الإمام البغدادي في كتاب التطفيل، إذ حكى أخبار القوم، ونوادر كلامهم، وأشعارهم، على نحوٍ يبعث على الابتسام، ولا يخلو من فوائد التأمل.

وقد ضمّ هذا الجزء الحديثي من مجموعي ستة أحاديث مسلسلة، وهي:

  1. المفاخر العليّة بحديث الرحمة المسلسل بالأولية

  2. إفادة الأحبة بالحديث المسلسل بالمحبّة

  3. جني الباكورة بحديث مسلسل عاشوراء

  4. هطول النِّعم على من حلّ معي بالملتزم

  5. إكرامُ ذي الطِّمرَين بالحديث المسلسل بالأسودين

  6. الحديث المسلسل بقراءة سورة الصفّ

أضف إلى ذلك تراجم العلامة محمد الشاذلي النيفر، والعلامة حسن مشاط، والإمام العلامة محمد عبد الحي الكتاني، والعلامة عمر بن حمدان المحرسي، كما كتب شيئاً عن الأحاديث المسلسلة في تعريفه وبيانها، واعتناء العلماء بها، وينبغي التنبيه أن الشيخ أشعريٌّ جلد، وكانت فيه حدَّةٌ على مخالفيه، ولا يمنعنا ذلك من ذكر كرم أخلاقه وحُسن عوائده، رحمه الله وغفر له.

فالسند والتلقي شرطان مطلوبان في كل خبر صغير أو كبير، طويل أو قصير، وما القصد إلا تحقق الصدق في الخبر وانتفاء الكذب عنه، وما يتم هذا وذاك إلا بالتلقي، وهو صفة المحققين من أهل العلم، وقد شبهوه بتشابيه متعددة وقد مر ذكرها.

قال ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل): "نقل الثقة عن الثقة حتى يبلغ به النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع الاتصال بخبر كل واحد منهم باسم الذي أخبره ونسبه، وكلهم معروف الحال والعين والعدالة والزمان والمكان، خص الله به المسلمين دون سائر أهل الملل كلهم، وأبقاه عنده غضاً جديداً على قديم الدهور، يرحل في طلبه إلى الآفاق البعيدة من لا يُحصي عددهم إلا خالقهم، ويواظب على تقييده من تولى الله حفظه والحمد لله رب العالمين، فلا تفوتهم زلة في كلمة فما فوقها في شيء من النقل إن وقعت لأحدهم، ولا يُمكِّنَ فاسقاً أن يقحم كلمة موضوعة والله تعالى الشكر، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقتربون فيه من موسى عليه السلام قربنا من محمد صلى الله عليه وآله وسلم، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصراً في أزيد من ألف وخمسمائة عام، وإنما يبلغون بالنقل إلى شمعون ونحوه، وأما النصارى فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق وحده فقط، على أن مُخرِجَه كذاب قد صح كذبه، وأما النقل بالطريق المشتملة على كذاب أو مجهول العين فكثير في نقل اليهود والنصارى، وأما أقوال الصحابة والتابعين رضي الله عنهم فلا يُمكن لليهود أن يبلغوا إلى صاحب نبي أصلاً ولا إلى تابع له، ولا يُمكن للنصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص" انتهى بتصرف.

وقد نقل شيخ شيوخنا الشريف عبد الحي الكتاني رحمه الله تعالى في كتابه (فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات عن القاضي أبي بكر بن العربي رحمه الله تعالى في كتابه (سراج المريدين: "والله أكرم هذه الأمة بالإسناد لم يعطه أحد غيرها، فاحذروا أن تسلكوا مسلك اليهود والنصارى فتحدثوا بغير إسناد، فتكونوا سالبين نعمة الله عن أنفسكم، مطرقين للتهمة إليكم، خافضين لمنزلتكم ومشتركين مع قوم لعنهم الله وغضب عليهم وراكبين لسننهم" ا.هـ.

ومثل ذلك ما نقله ياقوت الحموي في (معجم الأدباء)، والتاج السبكي في طبقات الشافعية)، والحافظ ابن كثير في البداية والنهاية)، والسخاوي في "الإعلان والتوبيخ لمن ذم التاريخ" عند ترجمتهم للخطيب البغدادي: ومن ثم لما أظهر بعض اليهود كتاباً وادعى أنه كتاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة رضي الله عنهم وذكروا إن خط علي عليه السلام فيه، وحمل الكتاب في سنة سبع وأربعين وأربعمائة إلى رئيس الرؤساء أبي القاسم علي وزير القائم، عرضه على الحافظ الحجة أبي بكر الخطيب فتأمله ثم قال: هذا مزور، فقيل له: من أين لك هذا؟، قال : فيه شهادة معاوية وهو إنما أسلم عام الفتح وفتح خيبر كان في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ وهو قد مات يوم بني قريظة قبل فتح خيبر بسنتين، فأستحسن ذلك منه واعتمده وأمضاه، ولم يجز اليهود على ما في الكتاب لظهور تزويره" ا.هـ.

وقال عبد الله بن المبارك: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء"، وقال أيضاً: "مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد، كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم" ، وقال أيضاً: "بيننا وبين القوم القوائم يعني بالقوائم "الإسناد" وبالقوم "أهل البدع ومن شاكلهم"، وقد جاء عنه وغيره من الأئمة كلمات كثيرة في تبيين مقام الإسناد، كلها تتجه إلى إبراز أهمية الإسناد، وفوائده ومزاياه، ولزوم العناية به، وأنه من خصائص علوم الإسلام، وفي نقل جملة منها هنا استكمال لبيان موضع الإسناد من الدين، وإيضاح لأثره في تبليغ هذه الشريعة الإسلامية المطهرة وعلومها، وقال سفيان بن عيينة حدثنا الزهري يوماً بحديث فقلت: هاته بلا إسناد فقال: "أترقى السطح بلا سلم؟".

وقال سفيان الثوري رحمه الله تعالى: "الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح فبأي شيء يقاتل ؟ ، وقال أيضاً: "الإسناد زين الحديث، فمن اعتنى به فهو السعيد ، وقال الحاكم أبو عبد الله النيسابوري في كتابه معرفة علوم الحديث: "فلولا الإسناد، وطلب هذه الطائفة له، وكثرة واظبتم على حفظه، لدرس منار الإسلام، ولتمكن أهل الإلحاد والبدع منه بوضع الأحاديث وقلب الأسانيد، فإن الأخبار إذا تعرت عن وجود الأسانيد فيها كانت بتراً، كما قال الإمام الشافعي رضي الله عنه: "مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيها أفعى وهو لا يدري"، وقد قال الزين العراقي: "نقل الإنسان ما ليس له به رواية غير سائغ بالإجماع عند أهل الدراية>

وقال العلامة عبد الله بن الصديق الغماري الطنجي المغربي رحمه الله: "إن السند بالنسبة للعالم يتصل به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم كالسلسلة التي يتصل بعضها ببعض، فإذا ما تحرك تحركت معه السلسلة، فمن أعطي السلسلة بورك له في علمه، والعالم الذي لديه علم ولا يتصل به إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أو إلى واضع ذلك العلم كأبي الحسن الأشعري مثلاً، فإنه كالحلقة المنفصلة عن السلسلة فإذا ما تحرك تحرك وحده، وطال الزمان أم قصر فإنه قد يحرم بركة علومه، والبركة شيء معنوي تظهر آثارها على من كان متصلاً بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ومتبعاً له، فكيف يكون متبعاً وهو غير متصل به؟، وقالوا: إن من تعلم ووصل إلى درجة عالية من العلم وفتح عليه بإلهام من الله فعليه أن يدخل تحت السند تأدباً مع صاحب الشرع؛ لأنه لو كان هناك أحد مستغنياً عن السند لكان حبيبنا وسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ومع هذا فإنه تلقى الوحي عن جبريل - رغم أنه أفضل منه عن اللوح المحفوظ عن رب العزة سبحانه وتعالى، وفي تلقي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن جبريل تلقى الفاضل عن المفضول، وفي هذا يكمن سر الشريعة الإسلامية"، فكيف يتجرأ بعض من ينتسبون إلى العلم ويقولون أنه لا حاجة لنا إلى السند بعد أن دونت العلوم في الكتب، فهذا كلام باطل فاسد من كل الوجوه لما بيناه وقلناه ونقلناه عن أعلام هذه الأمة، ولما سيأتي من مزيد بيانه، والله يعلم ماذا يقصد هؤلاء من قولهم هذا.

ولأجل الإسناد قال الإمام أحمد رضي الله عنه وأرضاه: "طلب الإسناد العالي سنة عمن سلف"، ,وقال السيد علوي بن السيد عباس المالكي الحسني المكي رحمه الله في كتاب (فتح القريب المجيب على شرح تهذيب الترغيب والترهيب): "وهكذا خصهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم بدعاء لم يشرك فيه أحداً مر الأمة، وهذا الدعاء يناسب حال مُبلّغ الحديث؛ لأنه سعى في نضار العلم، وتجديد السنة، فجازاه بالدعاء بما يناسب حاله" انتهى بتصرف.

روى ابن فيرة الصدفي عن شيوخه فقال:

قُلْ لِمَنْ أَنْكَرَ الْحَدِيثَ وَأَضْحَى …عائباً أَهْلَهُ وَمَنْ يَدَّعِيهِ

أبعلم تَقُولُ هَذَا أَبِنْ لِي…  أَمْ بِجَهْلِ؟ فَالْجَهْلُ خُلْقُ السَّفِيهِ

أيُعَابُ الذِينَ هُمْ حَفِظُوا  … الدِّينَ مِنَ التَّرَّهاتِ والتمويه

وَإِلَى قَوْلِهِمْ وَمَا قَد رَوَوْهُ  …  رَاجِعُ كُلُّ عَالمٍ وَفَقِيهِ؟

وقال أبو الحسن علي بن إبراهيم السيحاني:

إن الذي يروي ولكنه …يجهل ما يروي وما يَكتُبُ 

كصخرة تنبع أمْوَاهها … تسقي الأراضي وهي لا تشرب

وقال الشيخ إبراهيم الرياحي التونسي يقول:

أهل الحديث طويلة أعمارهم … ووجوههم بدعا النبي منضرة

وسمعت من بعض المشايخ …. أنهم أرزاقهم أيضاً به متكثرة

وأنشد عبد السلام لنفسه:

ألا إِنَّ خير الناس بعد محمد …. وأصحابه والتابعين بإحسان

أناس أراد الله إحياء دينه … بحفظ الذي يروي عن الأول الثاني

إذا عالم عالي الحديث تسامعوا بـــه …. جاءه القاصي من القوم والداني

وساروا مسير الشمس في جمع علمه … فأوطانهم أضحت لهم غير أوطان

وأنشد أبو القاسم علي بن الحسين بن هبة الله بن عساكر الشافعي لنفسه رحمه الله:

واظب على جمع الحديث وكتبه … واجهد على تصحيحه في كتبه

واسمعه من أربابه نقلاً كما … سمعوه من أشياخهم تسعد به

واعرف ثقات رواته من غيرهم … كيما تميز صدقه من كذبه

فهو المفسر للكتاب وإنما … نطق النبي لنا به عن ربه

وتفهم الأخبار تعرف حِلَّه …. من حرمه مع فرضه من ندبه

وهو المبين للعباد بشرحه …سنن النبي المصطفى مع صحبه

وتتبع العالي الصحيح فإنه …قرب إلى الرحمن تحظ بقربه

 وتجنب التصحيف فيه فربما …دى إلى تحريفه بل قلبه

واترك مقالة من لحاك بجهله …عن كتبه أو بدعة في قلبه

فكفى المحدث رفعة أن يرتضي … ويُعد من أهل الحديث وحزبه

وقد تلقى الشيخ قرطام العلم على عدد كبير من الشيوخ منهم:

فضيلة العلامة الأصولي الفقيه العامل بعلومه سيدي محمد الأخوة المالكي التونسي رحمه الله، والعلامة السيد محمد الشاذلي النيفر الحسيني المالكي التونسي رحمه الله، والعلامة الأصولي كمال الدين جعيط المالكي التونسي رحمه الله، والمفسر النحوي حامل القراءات السبع سيدي أحمد دريرة المالكي التونسي رحمه الله، والشيخ الصالح حامل القراءات العشر عثمان العياري المالكي التونسي رحمه الله، والفقيه المتكلم الأصولي محمد المازوني المالكي التونسي رحمه الله، والشيخ الفقيه البشير المجدوب المالكي التونسي رحمه الله، والفقيه الأصولي المفسر المنصف جعيط المالكي التونسي حفظه الله، والشيخ المتكلم إبراهيم بلقاضي الحنفي التونسي رحمه الله، والشيخ المعمر والفقيه المظفر سيدي عمر العداسي المالكي التونسي رحمه الله، والسيد الحافظ عبد الله بن الصديق الغماري الحسني المغربي رحمه الله، وشقيقه السيد العلامة المحدث الناقد البصير والصوفي الكبير سيدي عبد العزيز بن الصديق الغماري الحسني المغربي رحمه الله، والسيد المحدث عبد الله التليدي الحسني المغربي حفظه الله، والسيد المحدث محمد المنتصر الكتاني الحسني المغربي رحمه الله، والسيد الداعية محمد بن علوي المالكي الحسني المكي الناصر للفقه المالكي خاصة في بلاد الحجاز وغيرها من بلاد شرق آسيا رحمه الله، والسيد بدر الدين الكتاني الحسني السلاوي المغربي حفظه الله، وفي ذكر هؤلاء كفاية إذ هم رؤوس الدراية والرواية.

يقول المؤلف -رحمه الله:

وأما سندي بحديث الرحمة المسلسل بالأولية فأذكره من طريق العلامة السيد محمد الشاذلي النيفر لكثرة أفضاله علي مع كثرة ملازمتي إياه، مترجماً له ولشيوخه الثلاثة الموجودين في هذا السند؛ لأن ترجمتهم غير مشهورة في البلاد التونسية، مع أن الثلاثة الذين يروي عنهم الشيخ النيفر من كبار علماء المالكية وأهل الإسناد في هذا العصر والذي قبله، أما بقية رجال السند فقد ترجم لهم العلامة المؤرخ عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللحجي الحضرمي الشعاري في كتابه المسمى (إعانة رب البرية على جمع تراجم رجال الحديث المسلسل بالأولية، وبدأ ترجمته من ذكره للشيخ فالح الظاهري.

ذكر التراجم التي ذكرها لشيوخه:

ترجمة سيدي محمد الشاذلي النيفر

اسمه وكنيته: هو شيخنا العلامة البارع الأصولي المتفنن المحدث النحرير والشاعر اللغوي الكبير الأستاذ الشهير أحد أساطين العلم في تونس المعمورة ووحيد عصره وسيد مصره الشيخ المعمر والسيد الغضنفر، قيدوم المذهب المالكي ملحق الأحفاد بالأجداد والخلف بالسلف.

أبو المكارم أو أبو الطاهر محمد الشاذلي ابن العلامة النفاعة قاضي الجماعة بتونس المرحوم الشيخ محمد الصادق النيفر، وينتهي نسبه من ناحية الأب إلى العارف بالله الإمام أحمد الرفاعي، وأمه من عائلة الولي الصالح المشهور في البلاد التونسية سيدي علي عزوز

مولده:

ولد رحمه الله في سنة 1325 هجري الموافق 1908 رومي كما أقره هو بنفسه، وذلك خلافاً لما هو معروف عند أكثر الناس، وكانت ولادته في مدينة تونس المحمية حماها الله وحرسها من كل بلية.

نشأته:

نشأ شيخنا في بيت عريق في العلم والصلاح، وتلقى تربية قرآنية منذ فجر حياته برعاية مؤدبين فضلاء، فتعلم منهم مبادئ القراءة والكتابة واللغة العربية، ثم انتقل إلى المدرسة القرآنية التي أنشأها المصلح المرحوم الشاذلي المورالي لتعليم الناشئة المسلمة مبادئ العلوم الشرعية والعربية، ثم انتقل شيخنا إلى جامع الزيتونة المعمور محط أنظار طلبة العلم في تونس وشمال إفريقيا وذلك في سن مبكرة جداً، إذ تحول من المدرسة القرآنية إلى الزيتونة وعمره ثلاث عشرة سنة، وفيها كرع وتلقى العلوم على خيرة علمائها، وكان من أول الذين انتفع بهم والده العلامة قاضي الجماعة المحدّث محمد الصادق النيفر حيث كان أول من أجازه في الحديث، وعنه تعلم الكتابة العلمية، وحضر دروسه الحافلة، فقرأ عليه عارضة الأحوذي شرح صحيح الترمذي ودروس حديثية أخرى، وبه تخرج بهذا الفن، وحضر شرح التنقيح للقرافي وغيره من كتب الأصول، ومصطلح الحديث وشرح صحيح مسلم، كما تلقى فنوناً كثيرة مثل الآجرومية وقطر الندى والألفية بشروحها في النحو، ومختصر خليل، والرسالة لابن أبي زيد القيرواني بشروحها الحافلة، ومختصر ابن عاشر في التوحيد والفقه والتصوف والسلم في المنطق بحاشية الصبان، وتفسير البيضاوي، وطالع البشرى وبغية المريد، والعقائد النسفية بشرح سعد الدين التفتازاني، وما سوى ذلك من العلوم التي تدرس في الجامع المعمور على جلةٍ من العلماء الأعلام.

رحلاته:

ارتحل الشيخ إلى كثير من البلدان رغبة في لقاء الشيوخ وتوسيع دائرته العلمية وذلك عن طريق الاحتكاك ولقاء الأفاضل، فدخل بلاد الشام فلسطين ولبنان وسوريا والأردن وخاصة بيت المقدس، ثم دخل العراق وبلاد الحجاز حاجاً ومعتمراً عشرات المرات، بل له سنة متبعة في ذلك ما تخلف عنها إلا في سنينه الأخيرة، وذلك بسبب الشيخوخة، ودخل الباكستان والهند وبلاد شرق آسيا مثل إندونيسيا ودرس فيها، وبلاد البوسنة والهرسك، وذلك رغبةً وحرصاً منه على التلقي والانتفاع والنفع.

تدریسه:

درس الشيخ في الجامع الأعظم العديد من العلوم منها: النحو، والبلاغة وخاصة شرح مختصر السعد، والتاريخ، والحديث، وطبقات الرجال، والفقه وخاصة بلغة السالك لأقرب المسالك للشيخ أحمد الصاوي وبهامشه الشرح الصغير للقطب أحمد الدردير، والتفسير بشرح الجلالين، ودرس في الصادقية وترشيح المعلمين.

شیوخه:

تلقى شيخنا صاحب الترجمة العلوم على كثير من المشايخ نذكر منهم على سبيل المثال لا الحصر:

شيوخه من تونس

1. والده قاضي الجماعة العلامة الشيخ محمد الصادق النيفر.

2 شيخ الإسلام المالكي علامة الدنيا في المعقول والمقاصد والأصول محمد العزيز جعيط.

3 قاضي الجماعة العلامة المرحوم الشيخ البشير النيفر.

4. العلامة الشيخ الحطاب بوشناق.

5 العلامة محمد العربي الماجري.

6. العلامة المحدث حافظ المذهب في البلاد التونسية محمد الزغواني.

7. شيخ الجامع اللغوي الكبير المفسر الأصولي محمد الطاهر بن عاشور.

شيوخه من المغرب

1. العالم الرحالة المسند الشريف عبد الحي الكتاني صاحب (فهرس الفهارس).

2. الشيخ محمد الحجوي.

3. الشيخ محمد بن محمد الحجوجي الحسني.

شيوخه من بلاد الحجاز

1. محدث الحرمين الشريفين المسند العلامة والحبر الفهامة سيدي عمر بن حمدان المحرسي.

2. الشيخ أبو علي حسن محمد المشاط المكي صاحب التآليف العديدة والأقوال السديدة.

3 مسند العصر محمد ياسين الفاداني كما وسمه شيخنا عبد الله بن الصديق الغماري رحمه الله.

وغيرهم كثير، وفي ذكر هؤلاء الأعلام كفاية إذ هم رؤوس الدراية والرواية.

مؤلفاته:

للشيخ مؤلفات كثيرة منها ما هو مطبوع ومنها ما هو مخطوط

وهذه بعض منها:

1. رسالة في التجنس.

2 باردو المنتزه مدينة الملك.

3 مناقب محرز بن خلف.

4. رسالة في الكلام عن الصفة النفسية.

5. رسالة في تحريم الخمر.

وأخرج كثيراً من نفائس المخطوطات وحققها مثل:

1. المعلم بفوائد مسلم للإمام المازري.

2. قطعة من موطأ ابن زياد وهو من أهم الموطات، وعليه فوائد كثيرة من تحقيقاته.

3 أم القرى في مدح خير الورى.

4. الشقراطسية في مدح النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

5 مسامرات الظريف في حسن التعريف للإمام السنوسي، زاد فيه ترجمة والده.

6. إصابة الغرض وإزالة الشبهة عمن اعترض للشيخ قويسم.

وله ديوان يسر الله طبعه للتداول بين أيدي الناس، وأهم ما في هذا الديوان النبويات، وأخص ما في النبويات التوسلات ومنها قوله:

إليك رسول الله أرفع حاجتي …. فهذه الكروب قد أحاطت بساحتي

وإني راج قد وقفـــــــت بـــــــــــابكم … وإن رجائي في إزالـة كربتي

قاله أثناء مرضه بالتيفوئيد وهو ابن خمس عشرة سنة فبرئ. وصدر أخيراً كتاب لمجموعة من علماء تونس اسمه (دراسات) ذكروا فيه كثيراً من مناقب الشيخ وهو خاص به.

خصائصه:

امتاز شيخنا بخلق حضاري رفيع المستوى قل نظيره، وكرم حاتمي بضيوفه وزائريه، فيتحمل هفواتهم في سماحة وصبر، ويبذل في إكرامهم كل نفيس، فبارك الله له في حياته وعمره، وانتفع بطول عمره غاية الانتفاع كما جاء في الحديث، فجزاه الله عنا وعن المسلمين ما جازى به العلماء والصالحين بمنه وكرمه آمين.

وظائفه:

لقد تبوأ شيخنا أعلى المناصب التي تصبو إليها كل نفس زكية، فعين أستاذ التعليم العالي، وعميد الكلية الزيتونية للشريعة وأصول الدين، ورئيس رابطة الجمعيات القرآنية بتونس، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي ومجمع الفقه التابع لها، وعضو المؤتمر التأسيسي الأول للدولة التونسية، ومؤسس مكتبة آل النيفر الغنية عن التعريف، وعضواً مشاركاً في كثير من الجامعات لنيل أطروحة الدكتوراه وغيرها كثير من المسؤوليات الجسام، وقد تحصل قبل وفاته -رحمه الله -على وسام الثقافة الأول للدولة التونسية، وذلك لكثرة نشاطه ومشاركاته جزاه الله عنا خير ما يجزي والد عن ولده.

وفاته:

بعدما أتم شيخنا دراسة وتحقيق الصلاة المشيشية للقطب سيدي عبد السلام بن مشيش شرح العلامة الخروبي نقل الشيخ رحمه الله إلى مصحة التوفيق في الضاحية الغربية لتونس، وذلك إثر نوبة صدرية حادة، وأدخل العناية المركزة إلى أن توفاه الله سبحانه وتعالى، وذلك على الساعة 4:30 صباحاً من يوم الخميس 4 شعبان 1418 هجري الموافق 4 ديسمبر 1997 رومي، وفي اليوم الموالي وقف على تغسيله العبد الفقير كاتب هذه السطور بحضرة ابنه عبد العظيم والحبيب منير خلف وسيدين آخرين قاما بمشاركته، وتم تشييع جثمانه الطاهر من منزله الكائن في منطقة مونفلوري من الضاحية الجنوبية للعاصمة التونسية باتجاه مقبرة الزلاج حيث مثواه الأخير، وذلك يوم الجمعة المبارك 5 شعبان 1418 هجري الموافق 5 ديسمبر الساعة العاشرة صباحاً بحضور حشد كبير من 1997 رومي مع الجماهير التونسية والشخصيات المحلية من علماء ووزراء ونواب ومفكرين ومثقفين وسفراء من الدول العربية والإسلامية كالمغرب والأردن وإندونيسيا وماليزيا وغيرهم، وهذا إن دل على شيء فإنه يدل على مكانة الشيخ من قلوب الخاصة والعامة، وبعد وصوله إلى مقبرة الزلاج صلى عليه مفتي الجمهورية التونسية فضيلة العلامة الشيخ محمد مختار السلامي، وأبنه وزير الشؤون الدينية على الشابي، وقام بدفنه رحمه الله كل من أبنائه محمد الطاهر وعبد المهيمن وعياض وعبد العظيم وأنس بن العربي العنابي والعبد الفقير كاتب هذه السطور إلى أن تم مواراته تحت الثرى وتلقينه، تغمده الله برحمته وجزاه عنا وعن المسلمين خير الجزاء، وبذلك فقد التونسيون خاصة والمسلمون عامة أحد أهم أقطاب العلم في هذا القرن، ولله الأمر من قبل ومن بعد، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

قال سيدي محمد الشاذلي النيفر: أجازني به في حال الصبا الشيخ عمر حمدان المحرسي المالكي التونسي المكي المدني المولود سنة 1291 هجري الموافق 1874 رومي والمتوفى سنة 1368 هجري الموافق 1949 رومي، أثناء زيارته لتونس وهو أول حديث سمعته منه، كما أرويه عن العلامة الشيخ محمد عبد الحي بن عبد الكبير الكتاني الإدريسي الحسني المالكي المغربي المولود سنة 1302 هجري الموافق 1885 رومي والمتوفى سنة 1382 هجري الموافق 1962 رومي، والشيخ حسن بن محمد بن عباس المشاط المالكي المكي المولود سنة 1317 هجري الموافق 1900 رومي والمتوفى سنة 1399 هجري الموافق 1979 رومي، قال كل منهم عن شيخه هو أول حديث سمعته منه.

ترجمة الشيخ العلامة عمر بن حمدان المحرسي

هو العلامة الكامل الفاضل محدّث الحرمين الشريفين الأديب الأريب، والراوية المسند الثقة الثبت عمر بن حمدان بن عمر بن حمدان المحرسي التونسي.

ولد بالمحرس سنة 1291 هجري الموافق 1874 رومي، وعندما بلغ الحادية عشر رحل بمعية والده إلى المدينة المنورة، وفي المدينة المنورة شرح الله صدره للعلم، فحفظ القرآن الكريم على الشيخ إبراهيم الطرود، ثم حفظ كثيراً من المتون العلمية، واعتنى بعلوم العربية وفقه المالكية مع اشتهاره بحسن الفهم وأخذه عن كبار مشايخ عصره مثل سيدي محمد بن جعفر الكتاني، والسيد علي بن ظاهر الوتري، والسيد أحمد بن إسماعيل البرزنجي، والشيخ فالح بن محمد الظاهري المهنوي، وسيدي محمد بن عبد الكبير الكتاني، فقرأ عليهم النحو والبلاغة والمنطق والتفسير والحديث، وختم عليهم الكتب الستة والشمائل والموطأ والشفا وغير ذلك، ورحل في طلب العلم إلى كثير من البلدان، فدخل الشام وأخذ عن علمائها مثل محمد أبي النصر بن عبد القادر الخطيب، وبدر الدين البيباني، ويوسف النبهاني وغيرهم، ثم دخل مصر وأخذ عن علمائها مثل الشيخ محمد بخيت المطيعي، والشيخ محمود خطاب السبكي، والشيخ محمد إمام السقا وغيرهم، ودخل تونس وأخذ عن معمرها ومسندها الشيخ محمد الطيب النيفر، ومحمد النجار، والسيد المكي بن عزوز وغيرهم، ودخل المغرب وأخذ عن أحمد بن الخياط الزكاري المعروف، وماء العينين الشنقيطي وغيرهم، ودخل اليمن وحضرموت وأخذ عن السيد محمد السري، والقاضي حسين العمري، والسيدة خديجة بنت السيد أحمد بن محمد المحضار وغيرهم، وهذا قطر من بحر، ثم استجازهم فأجازوه، وطلب منهم الدعاء فحصل له المدد الكثير والخير العميم، ووصل إلى منزلة عالية ورتبة سامية، ثم أمروه بالجلوس للتدريس فاستجاب لطلبهم فنفع الله به كثيراً من العباد، وكانت تأتيه الفتوى في كل باب فيجيب عليها وكأنه ينظر من كتاب، فأخذ بمجامع القلوب ولقب بمحدث الحرمين الشريفين لأنه اشتهر بالتدريس شتاء بمكة وصيفاً بالمدينة المنورة، فدرس الفقه المالكي والأصول والنحو والصرف والبلاغة والاشتقاق والوضع والحديث والتفسير، ولقد تسنى له ختم الكتب الستة مرات، ومستدرك الحاكم، ومجمع الزوائد، والشمائل للترمذي، والشفا لعياض، وكان رحمه الله مجمعاً للفضائل، ومجلسه يقصده كبار العلماء وصغار الطلاب، وكان تاركاً للتكلف، عطوفاً على الطلاب، رجاعاً للحق، تخرج على يديه واستفاد منه جمع من الأعلام يصعب إحصاؤهم ومنهم شيخنا صاحب الترجمة، والعلامة حسن المشاط مؤلف الجواهر الثمينة بأدلة عالم المدينة، والسيد المؤرخ العربي التبان صاحب براءة الأشعريين من عقائد المخالفين، وعقيدة العوام، وحافظ العصر السيد أحمد بن الصديق الغماري، والسيد علوي المالكي، والسيد محمد الباقر الكتاني، والعلامة الأصولي المتفنن في شتى العلوم شيخنا وشيخ مشايخنا السيد عبد الله بن الصديق الغماري الحسني رحمه الله، والسيد الناقد ذهبي العصر شيخنا السيد عبد العزيز الغماري رحمه الله، وشقيقه الأصولي اللغوي سيدي عبد الحي الغماري رحمه الله، والسيد أمين الكتبي، والسيد محمد ياسين الفاداني وغيرهم يصعب حصرهم ويكفيه بهؤلاء الأفاضل الأماجد فخراً.

ولعلو مرتبته وفضله واتساع علمه تدبج مع بعض أكابر شيوخه منهم السيد محمد بن جعفر الكتاني، والمهدي الوزاني صاحب الكواكب النيارة والمعيار الصغير، والسيد حسين الحبشي، والشيخ سلیمان حسب الله المكي، وناهيك بهم جلالة وعلماً وفضلاً ونبلاً.

ولم يزل على حالته المَرْضِيَّة وشمائله إلى أن انتقل إلى رحمة رب البرية وذلك لتسع خلون من شوال سنة 1368 هجري الموافق 1949 رومي بالمدينة المنورة ودفن بالبقيع رحمه الله وأثابه رضاه.

ترجمة السيد العلامة محمد عبد الحي الكتاني

هو العلامة الشهير ذائع الصيت في المغرب والمشرق المؤرخ النسابة مسند عصره وحامل لوائه بمصره أبو الإقبال وأبو الإسعاد محمد عبد الحي بن عبد الكبير بن محمد عبد الواحد بن أحمد بن عمر بن عبد الواحد بن عمر بن إدريس الكتاني الحسني الإدريسي المالكي المغربي الفاسي.

ولد بفاس سنة 1302 هجري الموافق 1885 رومي في أسرة اشتهرت بالعلم والفضل والصلاح، حيث إنه شرع في طلب العلم قبل بلوغ الحلم ترعاه عين والده الهمام بمزيد العناية والاهتمام، ومن أهم مشايخه غير والده شقيقه محمد بن عبد الكبير، وخاله جعفر بن إدريس الكتاني، وابن خاله المحدّث محمد بن جعفر الكتاني، وشيخ الجماعة أبو العباس أحمد بن الخياط الزكاري، وقاضي مكناس أحمد بن الطالب بن سودة، والسيد محمد الفضيل بن الفاطمي الإدريسي وغيرهم، وهؤلاء أعلام المغرب بل والدنيا في أواسط القرن الماضي، فأكثر من التردد عليهم بقصد الرواية والعلو في الإسناد، وفي سنة 1323 هجري الموافق 1905 رومي قصد الحج وفي طريقه دخل مصر وأدرك أعلامها فروى عنهم مثل شيخ الإسلام عبد الرحمن الشربيني الشافعي، وشيخ الإسلام سليم البشري المالكي، والشهاب أحمد الرفاعي وغيرهم، وعندما دخل الحجاز حصل له المراد فأخذ عن الحبيب حسين الحبشي، ومسند المدينة فالح بن محمد الظاهري، وأديبها عبد الجليل برادة والشيخ حسب الله المكي، والشهاب أحمد الحضراوي، وتدبج مع أبي الخير المكي الهندي، وفي عام 1340 هجري الموافق 1922 رومي دخل الجزائر وتونس والقيروان ونزل ضيفاً على والد شيخنا قاضي الجماعة الشيخ محمد الصادق النيفر رحمه الله، ثم دخل الشام وأخذ فيها عن الشيخ عبد الله السكري، والشيخ أبي النصر الخطيب، والشيخ عبد الرازق البيطار وغيرهم، وألقى دروساً في الحرم المدني الشريف وفي الرملة وبيت المقدس ودمشق وغيرها وهو لم يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، ولقد اعتنى الشيخ عناية فائقة مع همة نادرة وحرص عجيب برواية الكتب والإجازات وتحصيل الفهارس والأثبات وجمع في ذلك ما لم يجمعه غيره، وما أن بلغ أربعين عاماً من عمره إلا وصار أعلم أهل الأرض بهذا الفن ولا يعرف أحد مثله فيه، ومدحه الكبراء نظراً لبراعته وسيلان ذهنه، واشتهر اشتهاراً عجيباً في المغرب والمشرق، فتسابق العلماء في الرواية عنه بل وكتابة ترجمته في مصنفاتهم رغم كونهم أكبر منه سناً، وفي سنة 1351 هجري الموافق 1932 رومي حج حجته الثانية والأخيرة، وحصل له إقبال لا مزيد عليه فتسابق العلماء والطلاب في الرواية عنه. 

اشتهر الشيخ بمعرفة تراجم الرجال خاصة المتأخرين، وتسلسل أخذهم، ووفياتهم طبقة بعد طبقة، ويعرف أنساب المغرب معرفة تامة، أما أنساب بني هاشم فيستحضر غالبها، وقد كون مكتبة نادرة متميزة تعد من أعظم المكتبات الخاصة بالعالم الإسلامي نشر عنها مقالات، وكُتِبَ بشأنها بعض المؤلفات، وله كثير من المصنفات أهمها كتابه العجيب الغريب الذي ليس له في بابه منافس أو ضريب سماه (فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمشيخات والمسلسلات) ما رأينا ولا سمعنا في بابه مثله طبع أخيراً عن طريق دار الغرب الإسلامي وهو ثلاثة مجلدات ضخام، فيه بعض الأوهام نبه عليها مسند العصر سيدي أحمد رافع الطهطاوي المصري، وكتابه (التراتيب الإدارية مفيد جداً نادر في بابه يدل على سعة إطلاعه طبع في مجلدين، وله مؤلفات كثيرة يصعب حصرها في هذه الترجمة الوجيزة.

توفي السيد عبد الحي الكتاني سنة 1382 هجري الموافق 1962 رومي رحمه الله وأثابه رضاه.

ترجمة الشيخ العلامة حسن المشاط

هو العلامة الحبر الجامع لأشتات العلوم والمبرز في المنقول منها والمعقول حسن بن محمد بن عباس بن علي بن عبد الواحد المشاط، المالكي المكي.

ولد بمكة المكرمة في 3 شوال سنة 1317 هجري الموافق 3 فبراير 1900 رومي، نشأ في رعاية والده فقرأ القرآن وجوده على الشيخ محمد السناري، ثم تعلم الخط والإملاء والحساب على السيد علي حسن اللبني، ثم دخل المدرسة الصولتية، وفي أثناء دراسته كان يحضر حلقات العلم بالحرم المكي الشريف وفي منازل بعض مشايخه مثل الشيخ عبد الرحمن بن أحمد الدهان، والشيخ مشتاق أحمد الكانفوري، والشيخ جمال الأمير المالكي، والشيخ عمر بن أبي بكر باجنيد، والشيخ محمد بن عبد الله زيدان الشنقيطي، والشيخ خليفة بن حمد النبهاني، والشيخ عيسى بن محمد رواس والشيخ محمد علي المالكي، والشيخ عمر بن حمدان المحرسي المالكي وغيرهم من مشايخ الحرمين، وروى عن آخرين من خارج الحرمين منهم الشيخ محمد بخيت المطيعي الحنفي المصري، والشيخ محمد زاهد الكوثري الحنفي التركي الجركسي شيخ الإسلام والمسلمين دفين مصر، والشريف محمد عبد الحي الكتاني، والشيخ محمد العربي بن المهدي الزرهوني، والشيخ المعمر محمد بن عبد الله العقوري بن إبراهيم المصري وغيرهم كثير، مع العلم أنه لم يغادر الحجاز إلا مرات قليلة، فسافر إلى السودان مرتين ومصر كذلك، ودخل الشام أيضاً مرتين وزار فيها حلب ودمشق والقدس وبيروت، وبعد أن أذن له مشايخه في التدريس شرع فيه بالمدرسة الصولتية والمسجد الحرام، مع أن داره كانت محطة ترحال طلبة العلم والعلماء فدرس الحديث والتفسير والفقه والأصول والفرائض والنحو والصرف، واقتصر في آخر حياته على تدريس كتب الأخلاق والسلوك، فاستفاد منه خلق كثير يصعب حصرهم حيث إنه استمر في التدريس قرابة نصف قرن حتى شاهد تلاميذه وتلاميذهم يدرسون وهو مازال يدرس، ومنهم مسند العصر محمد ياسين الفاداني المكي وغيرهم كثير، وقد اعتنى المترجم بالتصانيف وحصل لها القبول وهي كثيرة منها: التحف السنية في علم الفرائض، والتقريرات السنية في حل ألفاظ المنظومة البيقونية، والجواهر الثمينة في أدلة عالم المدينة، وشرح الخريدة البهية في التوحيد والحدود البهية في القواعد المنطقية وغيرها كثير، وقد تم اختيار الشيخ في عدة مناصب منها تعيينه عضواً للنظر في مكتبة الحرم المكي، وعُيّن أيضاً عضواً في هيئة التمييز، وتولى نيابة رئيس المحكمة الكبرى بمكة المكرمة ثم عُين قاضياً بها، ومن ثم عُيّن عضواً في مجلس الشورى وعلى أثر ذلك عُيّن معاوناً لرئيس المحكمة الكبرى إلى أن استقال من القضاء.

كان رحمه الله لين الجانب حلو الشمائل حسن التقرير جميل التعبير يعتني بطلابه، آية في حفظ الوقت ولازال على حالته الفريدة حتى توفي يوم الأربعاء السابع من شوال سنة 1399 هجري الموافق 30 أغسطس 1979 رومي بعد مرض قصير وصلي عليه بالمسجد الحرام ثم حمل على أكتاف طلابه وكانت جنازته تمتد من الحرم الشريف إلى مقبرة المعلاة حيث دفن بحوطة السادة باعلوي رحمه الله تعالى وأثابه رضاه.

الحديث المسلسل

المسلسل لغةً: الشيء المتصل بعضه ببعض ومنه سلسلة الحديد، واصطلاحاً: قسمان: مسلسل في وصف الرواة، ومسلسل في صفة التحمل والأداء.

القسم الأول: هو الحديث الذي اتفقت رواته في وصف من الأوصاف قولياً كان فقط أو فعلياً فقط أو هما معاً.

فمثال الوصف القولي فقط : قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمعاذ رضي الله عنه : يَا مُعَاذُ وَاللَّهِ إِنِّي لأُحِبُّكَ وَاللَّهِ إِنِّي لَأُحِبُّكَ فَقَالَ أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ تَقُولُ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ ) " ، فإنه مسلسل بقول كل من رواته لمن يرويه عنه: "وأنا أحبك فقل... إلى آخر الحديث، قال ابن عقيلة في الفوائد الجليلة في مسلسلات ابن عقيلة: "أخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) مسلسلاً بنحو هذا اللفظ"، وقال السيوطي في (جياد المسلسلات): "صحيح الإسناد والتسلسل".

1 شبك بيدي أبو القاسم صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ التَّرْبَةَ يَوْمَ السَّبْتِ ) ، والحديث متكلم فيه، وقد ردَّه شيخنا عبد الله بن الصديق الغماري عليه من الله رحمة الباري في كتابه النفيس الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة)، وللموضوع بحث في غير هذا المقام، وإنما أتينا به لضرب المثال على المسلسل الفعلي.

ومثال الوصف الفعلي فقط : حديث أبي هريرة رضي الله عنه:

ومثال القولي والفعلي معاً: حديث أنس رضي الله عنه: (لا يَجِدُ الْعَبْدُ حَلاوَةَ الإِيمَانِ حَتَّى يُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ)، قال أنس: وقبض رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على لحيته وقال: (آمَنْتُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، حُلْوِهِ وَمُرِّهِ)، فإنه مسلسل بقبض كل من رواته على لحيته، وبقول كل منهم: "آمنت بالقدر خيره وشره حلوه ومره"، قال ابن عقيلة في ( الفوائد الجليلة في مسلسلات ابن عقيلة):

"أخرجه الحاكم والخلعي وأبو نعيم، وأخرجه ابن عساكر في تاريخه مسلسلاً، والحديث لا يخلو من ضعف.

والقسم الثاني: هو الحديث الذي اتفقت رواته في وصف الأداء وكيفيته ولفظه.

ومثال المسلسل في كيفية الأداء: قول كل من رواته سمعت أو حدثنا أو أخبرنا أو أنبأنا أو إلى غير ذلك مثل حديث الرحمة السابق الذكر.

ومثال الذي يتعلق بزمن الرواية حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في يوم عيد فطر أو أضحى فلما فرغ من الصلاة أقبل علينا بوجهه فقال: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ أَصَبْتُمْ خَيْراً ، فَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يَنْصَرِفَ فَلْيَنْصَرِفُ، وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُقِيمَ حَتَّى يَشْهَدَ الْخُطْبَةَ فَلْيُقِمْ)، قال السيوطي في (جياد المسلسلات): "غريب" بهذا السياق، وروى ابن ماجه نحوه، وأخرجه الديلمي في (مسند الفردوس) ورواه أبو داود والنسائي.

ومثال الذي يتعلق بمكان الرواية: قول عبد الله بن عباس رضي الله عنهما: سمعت النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (مَا دَعَا أَحَدٌ بِشَيْءٍ فِي هَذَا الْمُلْتَزَمِ إِلَّا اسْتُجِيبَ لَهُ)، قال ابن عباس: "وأنا فما دعوت الله بشيء في هذا الملتزم منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلا استجيب لي".

قلت: وهكذا قال كل واحد من مشايخنا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنا أقول: والله الحمد ما دعوت الله في الملتزم بشيء إلا وظهرت إجابته لي.

"2" قال الحافظ أبو بكر بن مسدي: تفرد به مسلسلاً محمد بن إدريس المكي كاتب الحميدي عنه ، وقد روي في حديث أبي الزبير عن ابن عباس موقوفاً كما أخرجه البيهقي في سننه، وهو شاهد قوي ومثله لا يكون رأياً فهو في حكم المرفوع، وهناك كثير من المسلسلات مثل المسلسل في عاشوراء، والمسلسل بالضيافة على الأسودين، والمسلسل بالدعاء بعد الأذان والمسلسل بقراءة سورة الصف، وهو أصح مسلسل يروى في الدنيا.

ومن فضيلة المسلسل اشتماله على مزيد الضبط من الرواة، وخير المسلسلات ما كان فيه دلالة على اتصال السماع وعدم التدليس، وقلما يسلم المسلسل من ضعف يحصل في وصفه لا في أصل المتن، قال البيقوني في منظومته:

مُسَلْسَلُ قُلْ مَا عَلَى وَصْفٍ أَتَى …. مِثْلُ أَمَا وَاللَّهِ أَنْبَانِي الْفَتَى

كَذَاكَ قَدْ حَدَّثَنِيهِ قَائِما … أَوْ بَعْدَ أَنْ حَدَّثَنِي تَبَسَّمَا 

وقال الحافظ السخاوي في فتح المغيث بشرح ألفية الحديث: "فليس يصح تسلسله - أي حديث الرحمة - بكماله من وجه ما".

وقال الحافظ العراقي في ألفيته:

ومنه ذو نقص بقطع السلسلة … كأولية وبعض وصله

وقال الإمام السيوطي في ألفيته:

وقلما يسلم في التسلسل … من خلل وربما لم يُوصَل

كحديثنا السابق المسلسل إلى سفيان بن عيينة وهو من أصح المسلسلات بعد مسلسل سورة الصف كما قال الحافظ السخاوي في (فتح المغيث في شرح ألفية الحديث)، وقد اعتنى أهل الحديث بهذا المسلسل اعتناء زائداً وخصه الحفاظ بالتأليف فممن كتب فيه:

منصور بن سليم الرازي، وأبو القاسم السمرقندي، وأبو طاهر السلفي، وابن الصلاح، والحافظ الذهبي، والتقي السبكي، وابن ناصر الدمشقي، وسراج الدين البلقيني، والحافظ العراقي، وولده أبو زرعة، وأبو الفتح اللخمي، وابن الأبار الأندلسي، والحافظ السخاوي، والمحدث المفيد السيد مرتضى الزبيدي وآخرون كثر، وممن ألف فيه من علماء هذا العصر شيخنا الحافظ الناقد الفقيه العلامة الأصولي سيدي عبد العزيز الغماري عليه رحمة الباري، ولقد استفدت منه كثيراً وهو عمدتي".


التحميل: اكتمل تحميل 371712 من 7376942 بايت.











الأحد، 13 يوليو 2025

لفظتا عاقر وعقيم ودلالتها اللغوية في القرآن الكريم د. عبد الرحمن بن حسن العارف بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

لفظتا عاقر وعقيم ودلالتها اللغوية في القرآن الكريم

د. عبد الرحمن بن حسن العارف

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة



تمهيد: يتناول هذا البحث الفرق اللغوي والدلالي بين لفظتي "عاقر" و"عقيم" في القرآن الكريم، من خلال تتبع مواضعهما وتحليل السياقات التي وردتا فيها. فقد وردت "عاقر" ثلاث مرات كلها على لسان نبي الله زكريا، للدلالة على حال زوجته التي لا تلد، بينما وردت "عقيم" أربع مرات، استخدم بعضها في المعنى المجازي مثل "ريح عقيم" و"يوم عقيم"، وواحدة في وصف امرأة إبراهيم. وقد تبين من خلال الدراسة أن "عاقر" تُستخدم غالبًا للنساء فقط، وتدل على حالة ملازمة تمنع الحمل، بينما "عقيم" تشمل الجنسين، وتدل على عقم تام أو عدم فائدة مطلق، سواء في الإنجاب أو غيره، مما يجعل دلالتها أوسع.

وأظهر القرآن تمايزًا بلاغيًا في التعبير، فاستعمل عند قصة زكريا "يفعل ما يشاء" لأن الإنجاب وقع بعد زوال الموانع، بينما استعمل مع مريم "يخلق ما يشاء" لأن الحمل وقع دون أب، فالمعجزة خلق من عدم. كما راعى القرآن التقديم والتأخير في ذكر أسباب العقم بما يخدم الفاصلة والسياق البلاغي. وخلاصة القول: أن اللفظتين بينهما شبه ترادف، فكل عاقر عقيم وليس كل عقيم عاقرًا، حيث تدل "عاقر" على معنى خاص بالنساء، بينما "عقيم" أعم وأشمل، مما يدل على دقة التعبير القرآني وإعجازه في اختيار الألفاظ بما يناسب المعنى والمقام.

نصُّ البحث:

حث الإسلام على التناكح والتناسل والإنجاب، والسعي للحصول على الولد. فقال عليه الصلاة والسلام: (تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)، وقال: (لا تَزَوَّجُنّ عاقراً، فإني مكاثر بكم)؛ ولذا فإن الرغبة في الأمومة والأبوة تُعد من المظاهر الفطرية عند الإنسان، ومن مظاهر غريزة النوع لديه بشكل عام، فهي مركوزة في جبلته، ذاتية في كيانه.

وقد استوقفني في القرآن الكريم وما أكثر ما استوقفني فيه - ورود لفظتين تدوران في هذا الإطار - أعني الإنجاب، ولكن في الوجه المضاد له سلباً، وهما لفظتا (عاقر) و (عقيم)، فرأيت أن أخصهما بدراسة أسلوبية لغوية، اتتبع فيها مواضع ومواقع ورودهما في القرآن، وتتأمل في استعمال النص أو الأسلوب القرآني لهما، وما فيهما من قيم صوتية ودلالية، سواء أكان ذلك على مستوى المفردة القرآنية، انتقاء واختياراً لها دون سواها، أم على مستوى التراكيب القرآنية، خصوصية وترخصاً.

وقد وردت هاتان اللفظتان في مواضع متعددة من القرآن الكريم، بلغت سبعة مواضع، منها: ثلاثة مواضع للفظة (عاقر)، أولها في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ . . .} والموضعان الآخران هما قوله تعالى: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وكانت امراتي عَاقِراً …}، وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الكِبَرِ عِتِياً}.

وأربعة مواضع لفظة (عقيم)، أولها قوله تعالى: { ... حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ يَوْمٍ عَقِيمٍ}، وثانيهما قوله تعالى: {فاقبلت امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}، وثالثها قوله تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ العقيم}، ورابعها قوله تعالى: {أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَاناً وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ}.

وهذه المواضع السبعة منها خمسة متصلة بالمعنى الاصطلاحي لهاتين اللفظتين، وهو عدم إمكانية الإنجاب، أما الموضعان الآخران فيدوران حول الجذر اللغوي لمادة (عقم)، مما يعني أن لفظة (عاقر) جاء استخدامها في القرآن بالمعنى الاصطلاحي لها، أما لفظة (عقيم) فقد استخدمت في المعنى اللغوي لها، وفي المعنى الاصطلاحي أيضاً على أنه ينبغي التنويه إلى أن الجذر اللغوي للفظة (عاقر) لم يكن القرآن خلواً منه، فقد ورد في خمسة، كلها جاءت بصيغة الفعل (عقر)، حديثاً عن قوم صالح عليه السلام، وما صنعوه في آية الله التي أرسلها إليهم وهي الناقة.

فأما لفظة (عاقر) ومواضعها الثلاثة في القرآن الكريم، فقد وردت على لسان نبي الله زكريا - عليه السلام - حينما بشر بحمل زوجه منه، وولادة يحيى عليه السلام - له، على كبر منه وعقر فيها، أو على شيخوخة فيه وداء فيها، وكلتاهما صفتان أو حالتان تحولان دون الحمل والولادة، أو الإنجاب بصفة عامة.

وبتتبع المواضع الثلاثة التي وردت فيها لفظة (عاقر)، نجد أن القرآن أشار في موضع واحد منها إلى العقر مباشرة، واستخدم عبارة {وَامْراتِي}، وهنا لم يُبَيِّن هل كان العقر أيام شباب زوج زكريا أو حدث لها في فترة مأخرة من حياتها؟ والتعبير هنا بالجملة الاسمية يدل على أن كونها عاقراً وصف لازم لها، وليس أمراً طارئاً عليها.

أما الموضعان الآخران فقد استخدم القرآن فيهما عبارة {وكانت امْرَأَتِي عَاقِراً}، مما يدل على أنها كانت عاقراً قبل كبرها. والتعبير بـ {كانت} يدل كما يذكر ابن الجوزي على أحد شيئين: إما للتوكيد، أي وهي عاقر، وإما لإفادة أنها كانت منذ كانت عاقراً، ولم يحدث لها العقر في الكبر ..

وشيء آخر، أن في قوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بلغني الكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ . . } وقوله تعالى: {قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِياً} ذكراً لسببين مانعين من الإنجاب وهما: كبَرُ من الزوج، وعقر الزوجة، ولكنه في الموضع الثالث اكتفى بذكر سبب واحد يحول دون الإنجاب، وهو عُقر الزوجة، وفي هذا ما يدل على أن زكريا عليه السلام - كان يعرف من نفسه أنه لم يكن عاقراً، ولذلك ذكر الكبر ولم يذكر العقر.

ويستوقفنا في هذين الموضعين - أيضاً - أن القرآن قدم في «آل عمران» على لسان زكريا كبَرُ سنه وأخر عُقر زوجه، ولكنه قدم في «مريم» عفر زوجه، وأخر كبر سنه، ومثل هذا التقديم والتأخير حفي بالنظر والتأمل، والتماس وجهه البلاغي. 

وقد ذكر بعض العلماء تعليلاً لذلك؛ فقالوا: لكي تتناسب رؤوس الآي في «مريم» بقوله: عتياً، ولياً، رضياً، وعشياً ... إلخ، وأيضاً لما قدمه أولاً بقوله: {وَهَنَ العَظمُ مِنِّي} و {وكانت امراتي عَاقِراً} أخره ثانياً، تفناً في الفصاحة. على أنني ألمس شيئاً آخر غير ما ذكر في التقديم والتأخير هنا، وهو أن العقر يُعد السبب الرئيس في عدم حدوث الإنجاب، أما كبر السن فليس فيه في الغالب ما يحول دون ذلك، فقد ينجب الرجل وهو في سن متقدمة من العمر، أما المرأة فتقل - أو تنعدم فرص إنجابها إذا تجاوزت سناً معينة، وذلك حينما ينقطع عنها دم الحيض وتصبح يائساً، وهذا ما أيده الطب الحديث. 

ولذلك اكتفى القرآن في موضع من هذه المواضع الثلاثة بذكر عقر المرأة، سبباً وحيداً لعدم إمكانية الإنجاب - كما تقدم . وإذا كان هناك من العلماء من ذكر أن العاقر من النساء هي التي لا تلد لكبر سنها، وكأنه يجعل كبر السن سبباً للعفر، فإن هناك منهم - أيضاً - من يفسر العاقر من النساء بأنها هي التي لا تلد من غير كبر، وكأنه يعد العقر غاية لا سبباً، أي أنه ينظر إلى العقر على أنه داءً مطلق في ذاته، دون تحديد يكبر سن أو غيره، وهذا ما أميل إلى القول به.

ثم إن في قوله تعالى: {وقَدْ بَلَغَنِي الكبر} إسناداً مجازيا لبلوغ الكبر إياه، بمعنى أن الكبر هو الذي بلغ زكريا، ولم يقل على الحقيقة: وقد بلغت الكبر، وهذا من باب التوسع في الكلام. والتعبير هنا بالجملة الفعلية يدل على أن "الكبر" يتجدد شيئاً فشيئاً، ولم يكن وصفاً لازماً.

ويلاحظ في هذه الآية أنه لم يبين القدر الذي بلغه الكبر منه، ولكنه في آية أخرى حدد ذلك القدر وهو العتي، الذي يعني الغاية (النهاية) في الكبر، واليبس، والجفاف في العظام والمفاصل.

ومما يستوقفنا في هذا المقام هو مدى التشابه الحاصل بين يحيى ابن زكريا - وعيسى - عليهما السلام في المعجزة التي كانت لكليهما . فمعجزة يحيى أنه بشارة الله على لسان الملائكة، أو جبريل عليه السلام وحده، لأبيه وأمه، اللذين كانا على حالة تحول دون الإنجاب، فأبوه زكريا عليه السلام - بلغ من العمر أرذله، حيث ذكر المفسرون أنه يوم بشر بيحيى كان ابن تسعين سنة، وقيل: عشرين ومائة سنة، وأما أمه، فكانت كما ذكر القرآن - عاقراً لا تلد ولهذا فمجيئه إلى الدنيا على كبر سن أبيه وعقر أمه معجزة من المعجزات.

وأما معجزة عيسى فقد كانت أيضاً - بشارة الله به لأمه مريم التي كانت عذراء لم تنكح من قبل، فمجيئه إلى الدنيا من غير أب معجزة وأي معجزة. ومن أجل هذا التوافق في المعجزة والتشابه في الظروف، لا يجيئ القرآن بذكر مولد يحيى إلا ويُعقبه بذكر مولد عيسى، يمهد لإعجاز بإعجاز، فكلتا الولادتين آية تنقطع دونها رقاب البشر.

يقول الله تعالى عن زكريا ويحيى: {فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً ونبياً مِّنَ الصَّالِحِينَ. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونَ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ}.

ويقول عن مريم وعيسى: {إذ قالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهاً فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ المُقَرَّبِينَ. وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ. قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ …}.

ولابد لنا ونحن نستلهم الدلالات اللغوية من خلال خصوصية العبارة القرآنية - أن نتوقف قليلاً عند استخدام النص القرآني لبعض الألفاظ، وإيثاره لها دون بعضها الآخر في الآيات السابقة، وبخاصة تعبيره في الرد على زكريا حينما تعجب من مجى ابن له وهو وزوجه على ما تقدم من حال، وذلك بقوله: {كَذَلِكَ اللهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ …}، حيث عبر عن تلك المعجزة بالفعل. وكذلك تعبيره في الرد على مريم حينما تعجبت من مجئ ابن لها دون أن يمسها بشر بقوله: {كَذَلِكَ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ …}، فهنا عبر عن هذه المعجزة بالخلق.

ويبدو لي والله أعلم - أن معجزة يحيى كانت معجزة فعل إن صح التعبير - لشيء هو كائن أصلاً، أما معجزة عيسى فمعجزة خلق لشيء غير كائن أصلاً.

وبيان ذلك: أن ولادة يحيى تمت بعد أن وجد طرفا الإنجاب الأب والأم، وانتفت - بمشيئة الله وقدرته أسباب عدم الإنجاب: كبر سن الأب، وعُقر رحم الزوجة، فالمعجزة إذن كانت في شفاء داء الزوج، وإصلاح ما فسد من أعضاء الحمل في الزوجة، كما عبر القرآن بذلك فقال: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لا تَدَرْنِي فَرْداً وَأَنتَ خَيْرُ الوَارِثِينَ . فاستَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ . . .}.

فالإصلاح هنا كما قال قتادة وسعيد بن جبير وأكثر المفسرين هو أنها كانت عاقراً فجعلت ولوداً، أو كما يقول الفراء: "إنها كانت عقيماً فجعلناها تلد فذلك صلاحها"، أو، أو كما يقول أحد المعاصرين: "استحيينا فيها وهي العجوز العاقر آلة الحمل والولادة"، ولذا كان الأنسب أن تذكر المعجزة على هذه الصفة مقرونة بالفعل يَفْعَلُ.

أما ولادة عيسى عليه السلام - فجاءت دون توفر أحد طرفي المعادلة في الإنجاب، وهو الأب، حيث لم تكن الأم متزوجة قط، فالمعجزة إذن كانت في الخلق، وهو من الوجهة اللغوية والعلمية «إنشاء لشيء ابتداءً، أي إيجاده من عدم.

ويُفسر بعض المعاصرين هذه المعجزة بقوله: هي إخصاب بويضة الأنثى بغير مخصب، أو خلق هذه البويضة مخصبة ابتداء . . .، ولهذا كان الأنسب أن تذكر المعجزة هنا مقرونة بالخلق يَخْلُقُ، دون أي لفظ آخر.

وهكذا نرى أن هاتين الحالتين كانتا مختلفتين في الغرابة، ولهذا آثر القرآن في الحالة الأولى التعبير بلفظة يَفْعَلُ ؛ إذ العادة جرت أن الفعل يُسْتَعْمَل كثيراً في كل ما يحدث على النواميس المعروفة، والأسباب الكونية المألوفة، كما آثر في الحالة الأخرى التعبير بلفظة {يَخْلُقُ}؛ لأن الخلق يقال فيما فيه إبداع واختراع، ولو بغير ما يُعرف من الأسباب، وهكذا جاء اختلاف العبارتين باختلاف الاعتبارين. 

وقد استوقفتني هذه المغايرة الأسلوبية، وخصوصيتها في النص القرآني، أستاذنا الدكتور تمام حسان، وحاول تفسيرها تفسيراً آخر يختلف كلياً عما ذكر، وهو أن التعبير بلفظ يفعل في حالة زكريا لا يثير خواطر سيئة، لأن زكريا وامرأته زوجان فلا شبهة إن حملت المرأة، لأن زوجها بجانبها، وقد كان إخصابها بواسطة تسخير زوجها لذلك، والتسخير والإخصاب من فعل الله، أما في حالة مريم فإن التعبير بلفظ (يَفْعَل) ربما أثار خواطر سيئة، فاللفظ لهذا غير مناسب، ومن هنا جاء الفعل (يَخْلُقُ).

وقصارى القول: أن هذه الإيحاءات في الدلالات الهامشية للألفاظ والعبارات قد عني بها النص القرآني أيما عناية، فما كان حَسَناً منها ومؤدياً بكل دقة للمعنى المراد توصيله للقارئ أو السامع، اختار له اللفظ المناسب الذي لا يمكن أن يقوم غيره مقامه، وما كان عكس ذلك أطرحه وأهمله. ذلك من جهة، ومن جهة أخرى يستوقفنا - أيضاً - مدى التشابه الواقع بين يحيى وإسحاق عليهما السلام، وزكريا وإبراهيم عليهما السلام، وأم يحيى وأم إسحاق . فيحيى وإسحاق معجزتهما واحدة، وهي مجيئهما إلى الدنيا وأمهما وأبواهما على حالة تحول دون الحمل والولادة، وزكريا وإبراهيم كلاهما شيخ كبير، وأم يحيى وإسحاق كلتاهما عجوز عقيم أو عجوز عاقر.

وقد استخدم القرآن لفظ (عاقر) مع امرأة زكريا، في حين أنه استخدم لفظ (عقيم) مع امرأة إبراهيم (سارة). يقول عز وجل: {... فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}. وشيء آخر، هو أن القرآن ذكر في حق امرأة زكريا أن الذي كان يمنعها ويحول بينها وبين الحمل هو داء واحد هو العُقر، أما امرأة إبراهيم فقد تراوح ذكر المانع لها مرة بين العجز (كبر السن والعقم مجتمعين)، حيث قال تعالى: {... فصكت وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ}، ومرة أخرى اكتفى بذكر العجز دون العقم، فقال تعالى: {قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُورٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً …}.

وهذا يدعونا إلى التأمل وطرح السؤال التالي: هل العقر والعقم شيء واحد، ومعناهما واحد؟ أو أنهما شيئان مختلفان؟ وإن كانا دوى دلالة واحدة، فلماذا استخدم القرآن لفظ (عاقر) في مواضع ثلاث، واستخدم لفظ (عقيم) في موضع واحد؟

وللإجابة على الشق الثاني من السؤال أقول: إن القرآن آثر استخدام لفظ (عقيم)، وتأخيرها لاعتبارين متلازمين فيما أرى، أحدهما مراعاة الفاصلة القرآنية، أو رؤوس الآيات - كما يسميها الفراء (ت ٢٠٧هـ)، والآخر مراعاة مقتضى المعنى. فأما الاعتبار الأول، فالفاصلة في سورة الذاريات تنتهي بحرف النون في أغلب الآيات، وبحرف الميم في بعضها الآخر، وكلاهما كما هو مُقَرَّرٌ في علم الأصوات - مجهورٌ، متوسط بين الشدة والرخاوة، مرفق، منفتح، مَغْنُونَ (أنفى)، فجاءت الفاصلة بين حروف متقاربة، ولم يكن ممكناً وضع (عاقر) بدلاً من (عقيم)، كما لم يكن ممكناً تقديم لفظ (عقيم) على لفظ (عجوز)؛ لتناسب رؤوس الآي.

وأما الاعتبار الآخر، فبيانه أن العجز قدم هنا - وهو وصف طارئ عليها - على العقم - وهو وصف لازم لها -، فكأنها قدمت سبباً حاضراً يمنع من الحمل على سبب ماض، أو بعبارة أخرى كأنها أضافت مانعاً متجدداً إلى مانع ثابت من باب زيادة المبالغة في استبعاد حصول الشيء أو استحالته، والتعجب من حدوثه لو حدث.

ولذلك ورد في موضع آخر من القرآن على لسان زوج إبراهيم أنها قرنت عجزها بشيخوخة بعلها، حيث قالت: {أألد وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شيخاً …} فتُنُوسيَ هنا ذكر العُقر، وجعل كبر سنهما مانعاً قوياً من حدوث الحمل.

ويُذكرنا تقديم العجز على العقم هناك بالمريض الذي لا يُرجى برء مرضه، وحينما يحدث له عارض آخر فإن الأطباء يوجهون جهودهم لعلاج ما استجد من مرض ويتركون ما عداه؛ لاقتناعهم بأن ما يكون أولى مما كان، وبخاصة أن ما كان هو عندهم في حكم الميئوس شفاؤه فيؤثرون معالجة ماجد على ما قدم.

ويلاحظ أن لفظ (عجوز) جاء على وزن فعول)، وهو بمعنى «فاعل»، أي أنها عاجزة عن المجئ بولد وهي في هذه السن المتقدمة . أما لفظ (عقيم) فعلى وزن (فعيل)، وهو بمعنى مفعول»، أي أنها معقومة الرَّحِم لا تلد.

ونعود لنحاول الإجابة على الشق الأول من السؤال السابق، فنقول: إن مادة (عقم) في اللغة تدل كما يذكر ابن فارس - (على غموض، وضيق، وشدة).

ومن المعنى اللغوي لهذه المادة اشتق أو استعير كما يقول الزمخشري - عقم المرأة والرجل، وهما اللذان لا يولد لهما، وعقم الملك: وهو قتل الرجل لابنه أو الابن لأبيه، إذا خافه على الملك، والداء العقام: الذي لا يُرجى البرء منه، والكلام العلمي: أي العويص الذي لا يُعرف وجهه، والعقل العقيم الذي لا يجدي على صاحبه شيئاً، والريح العقيم التي لا تلقح شجراً، ولا تنشئ سحاباً، ولا تحمل مطراً ... إلخ.

وسبق لنا القول إن الجذر اللغوي للفظ (عقيم) ورد في موضعين من القرآن الكريم، أحدهما كان وصفاً للريح التي أرسلها الله على قوم عاد، والموضع الآخر كان وصفاً ليوم القيامة أو يوم بدر -كما ذكر ذلك المفسرون.

وهكذا نرى أن هذه المادة اللغوية تدل أصلاً واستعارة على الشيء الذي لا فائدة فيه، ولا ثمرة له . والعقيم من النساء التي لا تلد، والعقم وصف للرَّحِم الذي لا يعطي الولد، أو كما يقول أصحاب المعاجم: العقم بفتح العين - والعقم - بضم العين - هَزْمَةٌ تقع في الرحم فلا تقبل الولد، والرحم المعقومة كما يذكر الكسائي: المسدودة التي لا تلد.

وهذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث فيقال: امرأة عقيم، ورجل عقيم، يقول سيبويه: (وأما فعيل إذا كان في معنى مفعول، فهو في المذكر والمؤنث سوا)، وعلى هذا جاء قوله تعالى: ... وَيَجْعَلُ مَن يَشَاءُ عَقِيماً شاملاً للاثنين الرجل والمرأة، وذلك ما أكده العلم الحديث، فالعقم مرض يصيب الرجال والنساء على حد سواء، وليس كما كان يُعتقد قديماً من أنه خاص بالنساء دون الرجال . وهو من الوجهة الطبية عدم القدرة على الإلقاح، بالرغم من إمكانية الرجل على ممارسة العملية الجنسية.

ويُعَدُّ عُقم الرجال من الأمور الصعبة، حيث قد بلغت نسبة نجاح علاجه كما تذكر بعض الدراسات الإحصائية - (١٥%) في حين أن عقم النساء وصلت نسبة نجاح علاجه إلى (٥٠%).

أما مادة (عقر) في اللغة، فقد ذكر ابن فارس أن لها أصلين متباعد ما بينهما، وكل واحد منهما مطرد في بابه، جامع المعاني فروعه. فالأول: الجرح، أو ما يشبه الجرح من الهزم في الشيء، والثاني دال على ثبات ودوام. وأصل العقر في اللغة قطع الرجل، فكأنه قطع الولادة.

وعقر المرأة يعني أن رَحِمَها يعقد ماء الرجل، أو هو عجزها عن تقبل مني الرجل. وذلك ما يمكن تفسيره في الطب الحديث بأن حموضة المهبل تقتل الحيوانات المنوية بصورة غير اعتيادية، أو وجود تضاد بين خلايا المهبل والحيوانات المنوية مما يؤدي إلى موتها، أو أن إفرازات عنق الرحم تعيق ولوج هذه الحيوانات.

وتتعدد معاني هذه المادة في المعاجم اللغوية، ولكن هذا التعدد الدلالي لا يكاد يخرج عن الأصلين الذين ذكرهما ابن فارس في «المقاييس»، وقد تقدم ذكرهما، والذي يهمنا في هذا الباب هو عقر النساء الذي عليه مدار حديثنا . وهذا اللفظ مما يستوي فيه المذكر والمؤنث أيضاً، فيقال: رجل عاقر، وامرأة عاقر.

وقد سبق القول إن الجذر اللغوي لهذه اللفظة جاء في خمسة مواضع من القرآن الكريم كلها وصف لما فعله قوم صالح عليه السلام- بناقة الله من ذبح ونحر لها . والمتأمل للجذر اللغوي لكل من (عقم) و(عقر)، يجد أنه ثلاثي الأصل، رغم ما قد يبدو فيه من ثنائية.

وتفسير هذه الثنائية أن هاتين اللفظتين أصلهما العين والقاف (عق)، الذي ذكرت معاجم اللغة وما جرى مجراها أنه يدل على الشق والخرق، والحفر، والقطع) . وسبق أن ذكرنا الدلالة الأصلية المركزية بتعبير المحدثين لهاتين اللفظتين التي تتفق إلى حد كبير مع الدلالة العامة لمادة (عق) .

ولعل هذا ما دعا أحد الباحثين المعاصرين إلى القول بثنائية الجذر اللغوي لمادة (عقم)، وذلك بعد أن لاحظ وجود علاقة معنوية تربط بين الثنائي المضعف والثلاثي المشترك معه في حرفين . " والواقع أن هذه النظرة، بالرغم مما قد يبدو من منطقيتها في هذا المقام لا تستقيم في كل مادة من مواد اللغة، وهذا ما يحملني على القول بثلاثة الجذر اللغوي لهاتين اللفظتين.

وقد وردت هاتان اللفظتان - إحداهما أو كلتاهما في مؤلفات غريبي القرآن والحديث، مقرونتين بالمعاني المتعددة لهما، وكذلك في مؤلفات التصويب اللغوي، وبخاصة فصيح ثعلب والشروح التي عليه . كما أوردنا في المؤلفات الخاصة بالأفعال، من حيث ضبط فعليهما، ومصادرهما، ومعانيهما.

وقد تبين لي فيما اطلعت عليه من تلك المصنفات أن العلماء جمعوا بين هاتين اللفظتين في المعنى واشتراكهما في الدلالة الواحدة.

فهذا الخليل بن أحمد يذكر أن العقر: هو العقم، والذي يعني استعقام الرحم، وهو ألا تحمل.

ويؤكد هذا المعنى صراحة أبو بكر السجستاني (ت ۳۳۰هـ)، حيث يقول: «عاقر وعقيم: بمعنى واحد وهي التي لا تلد، والذي لا يولد له».

وذكر ابن فارس (ت ٣٩٥هـ) أنهم يقولون: لقحت الناقة عن عقر، أي: بعد حيال، كما يقال عن عقم.

وذكر أبو سهل الهروي (ت ٤٣٣هـ) أن لفظة العاقر مثل العقيم سواء، وهي التي لا تحبل ولا تلد، كما ذكر الزمخشري (ت ٥٣٨هـ) أنه يقال للمرأة العاقر معقومة، كأنها مسدودة الرحم، وفسر أبو حيان الأندلسي (ت ٧٤٥هـ) لفظ عاقر بقوله: عقيم لا يلد ولا يولد له.

وهكذا يبدو لنا من خلال هذه النصوص مدى اتفاق هاتين اللفظتين واتحادهما في الدلالة اللغوية، المعجمي منها والوظيفي، الأمر الذي يجعلنا نستنتج منه مبدئياً أن هذين اللفظين يُعدان من الألفاظ المترادفة في العربية ! . ولم تكن المعاجم الحديثة بعيدة عن هذا التصور، فهي تسوي بينهما أيضاً في المعنى.

على أن هناك بعض العلماء الذين ألفوا في المشترك اللفظي (Homonymy) أورد هذين اللفظين على أن كل واحد منهما مما يتفق لفظه ويتعدد معناه، وهذا يعني أنهما يقفان في الواقع اللغوي على النقيض من الاعتبار أو التصور السابق.

ومن المقرر في الدراسات اللغوية الحديثة أن قياس درجة التطابق (Range of application) بين الدلالتين المركزية والهامشية من خلال استعمال الكلمة يؤدي إلى وضوح الفرق بينهما، ومن ثم الحكم عليها بأنها من المترادفات أو لا . فإن كان التطابق تاماً بين الألفاظ أو الكلمات بحيث تقبل التبادل أو الاستعاضة بينها في أي سياق فذلك يعني الترادف الحقيقي (Absolute Synonymy)، وإن كان التطابق غير تام، بحيث يتفاوت استعمال الكلمة من سياق إلى آخر، فهذا يعني شبه الترادف (Near synonymy).

وما قيل هنا يجري على المشترك اللفظي أيضاً، سواء بسواء، فدرجة التطابق هذه تصلح معياراً في حالات المشترك اللفظي والترادف، بحيث إذا تطابقتا في الدلالة كان هناك ثمة ترادف أو اشتراك، أما إذا لم تتطابقا في الدلالة فليس ثمة ترادف أو اشتراك.

ونحن حينما نتأمل العبارة القرآنية والمغايرة بين ألفاظها، وإيثار بعض الألفاظ دون بعضها الآخر، ندرك أن وراء ذلك سراً بيانياً، وإيحاء دلالياً، ووجهاً إعجازياً، يدفع بالباحث إلى تتبعه، ومحاولة الوقوف على فقه أساليبه. وإزاء هذا لا يتأتى لنا - وإن جاز لغيرنا أن نفسر لفظة (عاقر) بـ (عقيم)، أو العكس وتسوي بينهما في الدلالات، ونغفل ما بينهما من إشارات؛ حيث صنيع القرآن يومئ إلى وجود فرق دقيق في المعنى بين اللفظتين، إضافة إلى أن الحس الراشد - كما يُسميه أستاذنا الدكتور محمد أبو موسى قد لا يقنع بهذا التفسير وهذه التسوية.

وفي ضوء ذلك، فإني أكاد ألمس في استخدام النص القرآني لهاتين اللفظتين أن كلمة (عقيم) ذات مدلول أوسع من كلمة (عاقر)، فهي أعم دلالة، في حين أن (عاقر) ضيقة الدلالة.

وبيان ذلك أن العقم مرض يقع على الجنسين من الرجال والنساء، يوصف به من كان كذلك منهما. وهو في واقعه الطبي إما أن يكون أولياً، بمعنى أن تكون المرأة لا تستطيع الحمل أصلاً، أو أن يكون الرجل في أصله غير مهيئ للإنجاب، لأسباب تتصل بأعضاء التناسل في كل منهما، وهذا كما يذكر أطباء العقم - من الصعوبة بمكان علاجه إلا عن طريق التلقيح الصناعي أو ما يعرف بطفل الأنابيب.

وإما أن يكون ثانوياً، بمعنى أن يحدث لهما إنجاب ثم يفقدا قدرتهما التناسلية على ذلك، وهذا أكثر قابلية للشفاء، وفي كل هذا ما يدل على عمومية الدلالة في هذه اللفظة. أما لفظة (عاقر) فيظهر لي أنها تُطلق أكثر ما تطلق على النساء، فهي وصف خاص بهن فحسب.

وهذا التصور لم أجد أحداً من العلماء فيما وقع بين يدي من مصادر - أشار أو تنبه إليه سوى بعض المعاصرين المهتمين بتفسير القرآن الكريم، حيث ذكروا في تفسير قوله تعالى: {قالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِي الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ . . }، أن العاقر وصف خاص بالنساء ولا يوجد في الرجال، ولذا يقال عاقر ولا يُلبس"). مما يعني أنه لفظ وضع خاصاً لمعنى خاص . هذا شيء، وشيء آخر أن هذه اللفظة توحي دلالتها بعدم الإنجاب مطلقاً، واستحالة الحمل والولادة.

وفيما تقدم نلمس خصوصية دلالة هذه اللفظة، وهذا ما يجعلني أميل إلى القول بأن هاتين اللفظتين ليستا مترادفتين ترادفاً تاماً، بحيث يحملان الدلالة نفسها في أي سياق لغوي، بل هما أقرب ما يكون إلى شبه الترادف، أو الترادف غير التام (Incomplete synonymy)، فاللفظتان بينهما تقارب في المعنى إلى درجة الإلباس، دون أن يتحدا فيه.

وهكذا نرى أنه يمكن القول: إن بينهما عموماً وخصوصاً وجهياً -كما يقول المناطقة - فهما يلتقيان في المدلول العام، وتنفرد لفظة (عقيم) بالدلالة الواسعة، في حين تنفرد لفظة (عاقر) بالدلالة الضيقة، فكل عاقر عقيم، وليس كل عقيم عاقراً.

وبعد، فهذا ما اتضح لي في هذه الدراسة الأسلوبية واللغوية للنص القرآني، فإن كان صواباً ما كشفت عنه دراستي، أو كان قريباً منه وآمل أن يكون ذلك كذلك، فهو فضل من الله ونعمة، وإن كان غير ذلك فحسبي أنني مجتهد في رحاب القرآن ينشد الحقيقة التي هي ضالة المؤمن، ويبتغي ما عند الله من أجر وثواب.

وأختتم هذه المحاولة التي أقدمها على استحياء إلى المكتبة القرآنية -وأنا أعلم الناس بعجزي وقلة بضاعتي - بقول صاحب (مفتاح السعادة): ولعل العمر لو أنفق في استكشاف أسرار القرآن، وما يرتبط بمقدماتها ولواحقها، لانقطع العمر قبل استيفائها، وما من كلمة في القرآن إلا وتحقيقها محوج إلى مثل ذلك .... وأما الاستيفاء فلا مطمع فيه، ولو كان البحر مداداً والأشجار أقلاماً لنفد البحر قبل أن تنفد أسرار القرآن).

وهذا كله حق، فما من كلمة أو لفظة يختارها القرآن إلا وهناك سر يقف وراء هذا الاختيار ربما عرفناه فأخبرنا به وربما غمض علينا أو قصر إدراكنا عنه بعد أن نكون قد اجتهدنا في تحصيله، وحاولنا الكشف عن مخبوئه وخفيه، فلم نستطع الاهتداء إليه، والوقوف عليه.

والله أسأل أن يجعل من محبتي لكتابه، ورغبتي الجامحة في إدراك دلائل مفرداته وألفاظه، سبباً في تجنيبي خطل الرأي، وسطحية التأمل، ومزالق التأويل، وزلة القلم، إنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله أولاً وآخراً .


التحميل: اكتمل تحميل 1858560 من 4244586 بايت.