حكم الأسلحة غير التقليدية (السلاح النووي)
أحمد بن صالح بن علي بافضل
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: إن من محاسن الشريعة الإسلامية وصلاحيتها لكل زمان ومكان، استيعاب قواعدها الكلية ومقاصدها العامة لكل ما يستجد في حياة البشرية من عوارض ونوازل. ومن أخطر النوازل التي واجهت العصر الحديث تطور آلات الحروب، وانتقالها من الطور التقليدي المعهود في الفقه الإسلامي المتقدم إلى طور "الأسلحة غير التقليدية" أو ما يُعرف بـ "أسلحة الدمار الشامل".
ويندرج هذا المؤلف ضمن سياق البحث في "أحكام التصنيع الحربي"، وهو حلقة وصل ضرورية؛ لأن بعض الأسلحة التقليدية قد تُطوّر لتأخذ أحكاماً مستجدة، فضلاً عن الأسلحة المخترعة ابتداءً.
كما يتناول هذا الكتاب بالدراسة والتحليل الفقهي الأسلحة الممنوعة شرعاً، والتي أصبح أثرها عظيم الضرر على البشرية، ويتعدى مفعولها تدمير المقاتلين في ساحة المعركة إلى إحداث كوارث بيئية وصحية مستدامة، كتشويه الأجنَّة، وتدمير الجينات الوراثية، وبقاء أثر الضرر ممتداً عبر الأجيال القادمة.
وقد اعتمد الباحث منهجية تعليق الحكم الشرعي بـ "الأثر المترتب على السلاح" (كالتدمير الشامل، الإحراق، نشر الأمراض، التشويه) لا باسم السلاح نفسه؛ لأن خطوط التصنيع تُظهر كل يوم أسلحة بأسماء ومواصفات جديدة (مثل قنابل دايم DIME)، فكان تقعيد الحكم بناءً على الأثر هو الأولى ليكون ضابطاً فقهياً مطرداً.
كما نلاحظ اتجاه نظر الباحث إلى اعتبار السلاح النووي وما في حكمه أمراً لا يقرّه الإسلام من حيث الأصل؛ لِمَا يترتب عليه من إهلاك الحرث والنسل المخالف لمقاصد الشريعة، ولكنه يرى في الوقت نفسه وجوب حصول المسلمين عليه في العصر الحاضر لعارض الضرورة، والمعاملة بالمثل، وتحقيق الردع.
بالإضافة إلى تفريقه بين حكم الاستعمال وحكم التصنيع، حيث رى البحث أن دائرة التصنيع والامتلاك أوسع من دائرة الاستعمال؛ إذ قد يُصنّع السلاح لغرض الردع وإرهاب العدو دون الحاجة لاستخدامه، أو لأغراض البحث العلمي المباحة، مما يفتح آفاقاً فقهية في التعامل مع هذه الترسانات.
وقد يربط الباحث حكم التوقيع على معاهدات منع الانتشار بالواقع السياسي المعاصر، ومدى التزام الأعداء بها، محققاً مناط الحكم بناءً على المصلحة الشرعية المعتبرة للمسلمين.
_________________________________________________
حكم الأسلحة غير التقليدية
يمكننا تناول بحث الأسلحة غير التقليدية بتوطنة فيها بيان مفهومه وأنواعه، تعقبها ثلاث نقاط:
أولها: في حكم استعماله.
وثانيها: في حكم تصنيعه.
والثالثة: في حكم التوقيع على معاهدات المنع منه.
أولاً: مفهوم السلاح غير التقليدي:
نقصد بها أسلحة التدمير الشامل للمباني والحرث والنسل كالأسلحة النووية، والأسلحة التي تؤثر في البشر والحيوانات والزرع كالأسلحة البيولوجية والكيميائية.
وعليه تُقسم أسلحة الدمار الشامل هذه إلى ثلاثة أقسام: نووية، وكيميائية، وبيولوجية، وبيان أحكامها في الآتي:
أولاً: الأسلحة النووية:
■ الأسلحة النووية تشمل:
أ - القنبلة النووية الذرية وهي: قنبلة شديدة الانفجار تعتمد على الطاقة المنطلقة نتيجة انشطار نوى اليورانيوم أو البلوتونيوم.
ب - القنبلة الهيدروجينية، وهي: تحدث نتيجة التحام نووي في نواة الذرة، حيث يلتحم الديوتيريوم مع النريتيوم، فينتج طاقة هائلة تزيد على قوة مئة ألف قنبلة ذرية.
ج - القنبلة النيترونية: هي عبارة عن قنبلة هيدروجينية صغيرة، وينحصر مفعولها في كونها مصدر إشعاع هائل تحرق الأجسام الحيَّة، مسبّبة قتلها وتدميرها في الحال، ولا تؤثّر على المنشآت، كما تسبّب تشوّهات على الأجنّة والجينات الوراثية.
ولبيان حكم تصنيع هذه الأسلحة لا بُدَّ من معرفة حكم استعمالها؛ لأن التصنيع - كما قدمنا - وسيلة، فجوازه مرتبط بالاستفادة منه، وعليه فحكم تصنيع السلاح النووي يتعلق بجواز استعماله، فيتطلب البحث بيان حكم استعمال الأسلحة النووية؛ فنورد حكم الاستعمال، وحكم التصنيع في مسألتين.
المسألة الأولى: حكم استعمال الأسلحة النووية:
لم يتحدّث فقهاؤنا المتقدّمون عن السلاح النووي؛ لتأخُّر ظهوره، إلا أن تأثير أوصاف السلاح النووي من تحریق وتدمیر قد ذُكرت.
■ فنورد البحث في قسمين؛ أولهما في الكلام على أحكام هذه الآثار، وثانيهما في حكم السلاح النووي نفسه.
أولاً: أحكام أوصاف السلاح النووي:
من خلال التعريفات المتقدمة للسلاح النووي، يمكننا استخلاص الأوصاف الآتية:
أ - التدمير الكامل مع إمكانية التكيّف في مجال مساحة التأثير.
ب - الإحراق بالنار.
ج - الأمراض الخبيثة كالسرطانات.
د - الأضرار بالأجبال القادمة.
■ وبيان أحكام هذه التأثيرات في الآتي:
أ-التدمير الكامل لكل شيء مع إمكانية التكيف في مجال التأثير:
اختلف العلماء في جواز القتال بآلة تحدث التخريب والدمار العام على قولين:
الأول: جواز التخريب العام:
اتفق أئمة المذاهب الأربعة على جواز رمي العدو بما يعمّ في بعض الحالات؛ ولو أدى الى قتل النساء والصبيان، بل ولو تسبّب في قتل مسلم، كما إذا خيف من العدو ولم يمكن إلا بذلك، واختلفوا في التفريعات الأخرى.
وهذه نبذة من آرائهم:
● الحنفية:
يجوز التحريق والتخريب إذا لم يكن عندهم أطفال أو نساء أو أسرى من المسلمين، فإن كان في محيطهم من هؤلاء، فيحرم إذا لم يمكن الظفر بهم إلا بإصابة الجميع وامتنع التمييز بينهم عند الرمي.
• المالكية:
يجوز التحريق والتخريب -ولو كان فيهم نساء وأطفال بشرطين: إن لم يمكن غيرها، ولم يكن فيها مسلم ولو لم يخف منهم، وقيل: يشترط الخوف، والثاني: ما لم يخف منهم على المسلمين، أي: وإلا قُويِلُوا بمَا ذُكرَ مِن النَّارِ والماءِ، ولو كانَ فيهم الذُّرْيَّةُ والنِّسَاءُ والأسارى.
• الشافعية:
يجوز التحريق والتخريب ولو كان معهم نساؤهم وصبيانهم، ويجوز مع الكراهة لو قدرنا عليهم بغير التخريب والتحريق.
• الحنابلة:
يجوز رميهم بالمنجنيق وإن تضمن قتل النساء والصبيان، سواء مع الحاجة وعدمها.
• وقد استدلّوا بأدلة منها:
١ - فوله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم يِّن لِّينَةٍ أَوْ تركْتُُموهَا قَائِمَةً عَلَىَ أُصُولهَا فَبإذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزىَ اٌلْفَاسِقينَ﴾ [الحشر: ٥].
ووجه الاستدلال من الآية: أن الله سبحانه أذن بالتخريب لأراضي بني النضير؛ ففي حديث ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم -حرَّق نخل بني النضير وقَطَعَ وهي البُوَيرة، فأنزل الله: ﴿مَا قَطَعْتُم يِّن لِّينَةٍ أَوْ تركْتُُموهَا قَائِمَةً عَلَىَ أُصُولهَا فَبإذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزىَ اٌلْفَاسِقينَ﴾).
ومن خلال ما تقدم يتبين أنهم متفقون على الجواز - في بعض الحالات - وهذا يكفي ليكون مستنداً لجواز تصنيع ما يؤدي إلى التحريق والخراب العام.
وقد ترجم له الترمذي: (باب في التحريق والتخريب).
٢ - (أَنَّ النبيَّ-صلى الله عليه وسلم- نَصَبَ المنْجَنِيقَ على أَهْلِ الطَّائِفِ).
والحديث وإن كان مرسلاً، إلا أن رواته ثقات؛ وقد تأيّد بآية قطع اللِّيْنة، وفعل النبيّ -صلى الله عليه وسلم -كما مرَّ قبل قليل.
القول الثاني: المنع من القتال بآلة التخريب العام:
كرِه عددٌ من السلف التخريب في بلاد العدو، منهم: الأوزاعي، والليث، وأبو ثور.
■ واستدلوا بأدلة منها:
ما رواه مالك عن يحيى بنِ سَعِيدٍ: قال أبو بَكْرٍ لأحد قادته: (إِنِّي مُوصِيكَ بِعَشْرٍ: لا تَقْتُلَنَّ امْرَأَةً ولا صبِيًّا ولا كيِيراً هَرِماً، وَلا تَقْطَعَنَّ شَجَراً مُثْمِراً، ولا تُخَرِبنَّ عَامِراً، ولا تَعْقِرَنَّ شَاءً وَلا بَعِيرًا إِلا لِمَأْكَلَّةِ، ولا تَحْرِقَنَّ نَخلاً ولا نُغَرِّقَنَّهُ، ولا تَغْلُلْ، ولا تَجْبُن).
■ وأجاب الجمهور عن أثر أبي بكر -رضي الله عنه- بأجوبة منها:
» أجاب الطبري: بأن النهي محمول على ما إذا قصدوا التخريب، أما إذا أصابوا ذلك في أثناء القتال فلا يشمله النهي، كما وقع في نصب المنجنيق على أهل الطائف.
» وأجاب الشافعي: بأن أبا بكر نهى جيوشه عن ذلك؛ لعلمه أن تلك البلاد ستفتح، فأراد إبقاءها للمسلمين، والله أعلم.
ب - حكم الإحراق بالنار:
اختلف العلماء في حكم تحريق العدو، فقيل: يجوز مطلقاً، وقيل: لا يجوز، وقيل: يجوز عند الضرورة.
فقد أجاز التحريق بالنار جمهور العلماء من الحنفية، والمالكية، والشافعية، وعند الحنابلة روايتان: إحداهما يجوز إن لم يضرّ المسلمين.
■ واستدل لهذا القول بأدلة منها:
١ - عن ابن عمر رضي الله عنهما: (أن رسول الله حَرَّق نخل بني النضير وقَطَعَ وهي البويرة، فأنزل الله تعالى: ﴿مَا قَطَعْتُم يِّن لِّينَةٍ أَوْ تركْتُُموهَا قَائِمَةً عَلَىَ أُصُولهَا فَبإذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزىَ اٌلْفَاسِقينَ﴾ [الحشر: ٥]).
٢ - فِعل المسلمين الأوائل، فقد روى سعيد بن منصور: (أن جنادة بن أبي أمية الأزدي، وعبد الله بن قيس الفزاري، وغيرهما من ولاة البحر مِن بعدهم، كانوا يرمون العدو من الروم وغيرهم بالنار، ويحرقونهم هؤلاء لهؤلاء، وهؤلاء لهؤلاء).
وروى أيضاً عن عبد الله بن قيس الفزاري: (أنه كان يغزو على الناس في البحر على عهد معاوية، وكان يرمي العدو بالنار، ويرمونه ويحرقهم ويحرقونه، وقال: لم يزل أمر المسلمين على ذلك).
القول الثاني: النهي عن التحريق بالنار:
كره ذلك عمر وابن عباس مطلقاً -ولو في حال المقاتلة.
كما نقل عن أبي ثور كراهتها أيضاً، وعن الأوزاعي جواز الإحراق إذا لم توجد طريق أخرى.
■ واستدل لهذا القول بأدلة منها:
١ - عن أبي هريرة، أنه قال: بعثنا رسول الله في بعث، فقال: (إن وجدتم فلاناً وفلاناً فأحرقوهما بالنار). ثم قال رسول الله حين أردنا الخروج: (إني أمرتكم أن تحرقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذّب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما).
وأجيب: بأن النهي عن التحريق في هذا الحديث إنما كان بعد الظفر بهما، ويأتي عن ابن قدامة عدم الخلاف في المنع حينئذ.
٢ - وصية أبي بكر - رضي الله عنه- لجيوشه أن لا يفعلوا ذلك.
وأجيب: بأنه رأى المصلحة في بقاء أموال الكفار دون حرق، لأنه علم أنها تصير للمسلمين، فأراد إبقاءها لهم، وذلك يدور على ملاحظة المصلحة.
والخلاف في حكم التحريق بالنار محلّه قبل القدرة على العدو، فإن قدرنا عليه، فلا يجوز تحريقه، قال ابن قدامة: ( .. العدو إذا قدر عليه فلا يجوز تحريقه بالنار، بغير خلاف نعلمه).
■ ومن خلال ما تقدم من أدلة وأجوبة يميل الباحث إلى رأي الجمهور بجواز التحريق بالنار قبل القدرة، ولم يكن بأقل منه للاعتبارات التالية:
١ - إطلاق الأدلة في نحو: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ [الأنفال: ٦٠]، ﴿وَقَّاتلُوهمْ﴾ [البقرة: ١٩٣].
٢ - بما أن أعداء المسلمين يتخذون ذلك، فلا مجال إلا أن يعاملوا بالمثل، عملاً بقاعدة: ﴿فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾ [البقرة: ١٩٤].
٣ - لم يثبت دليل صريح واضح الدلالة على منع التحريق أثناء القتال، بل فعل التحريق عدد من الصحابة.
قال في (الفتح): (ويدلّ على جواز التحريق فعل الصحابة، وقد سَمَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم - أعين العرنيين بالحديد المحمّى، وقد حرق أبوبكر البغاة بالنار بحضرة الصحابة، وحرق خالد بن الوليد بالنار ناساً من أهل الردة).
وعلى القول بجواز التحريق يجوز تصنيع الأسلحة التي تحرق العدو، أو تؤدّي إلى الحرائق.
ج - الأمراض الخبيثة كالسرطانات:
لم يجد الباحث من تحدَّث عن هذا الأثر وحكمه، ومن خلال القواعد الكلية نجد المعطيات العامة تقرّر عدم مشروعية إحداث هذا الأثر.
وسيأتي تفصيل الكلام حول ذلك في مبحث الأسلحة البيولوجية.
د- الإضرار بالأجيال القادمة:
لا يقتصر تأثير السلاح النووي على الموجودين أثناء إلقاء السلاح، وإنما يشمل الأجيال القادمة.
فالسلاح النووي يؤثّر في الجينات الوراثية، فيتعدّى الأذى والضرر إلى الأجيال القادمة.
ويحصل ذلك عبر الأجنَّة أو الجينات الوراثية، كما أن الإشعاعات النووية القاتلة تبقى لسنوات طويلة.
وقد قامت إحدى الجامعات اليابانية بدراسة آثار الإشعاع الناجم عن قنبلة هيروشيما، فاتضح للباحثين أنه بين كل أربعة مواليد من أبناء الجيل الأول لضحايا الكارثة، يصاب واحد منهم بعيوب خَلْقيّة.
ويظهر للباحث أن نصوص الشريعة ومقاصدها تأبى إقرار استخدام أيّ سلاح يؤثّر هذه التأثيرات؛ والتي تصيب أناساً لا نعلم كيف سيكون وضعهم من طريق الاهتداء للدعوة إلى الإسلام؛ والذي هو مقصد الجهاد أصلاً.
وقد نحا الباحث هذا المنحى للاعتبارات الآتية:
١ - الأصل في الشريعة: أنه لا تزر وازرة وزر أخرى، والضرر الذي يلحق العدو الكافر في المعركة هو عذاب، قال جلَّ شأنه: ﴿قَاتلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اَللهُ بأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَينصُرَكُمُ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قومٍ مُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ١٤]، فقد بَيَّن الله سبحانه غرضاً من أغراض القتال وهو العذاب، والمراد بالعذاب هنا هو القتل، والضمير في ﴿يُعَذِّبْهُمُ﴾ خاصّ بالموجودين، فلا يتعدّى لغيرهم.
٢ - الأمراض الناشئة عن السلاح النووي، كالسرطانات التي يسبّبها الإشعاع، لم تعهد - في العصور الإسلامية - كأداة من أدوات الحرب لمواجهة العدو، وقد تقدم تعليل رأي مالك في الإحراق بالنار بأنه ليس من فعل من مضی، وسيأتي الكلام عن الأمراض المترتبة على الأسلحة في مبحث الأسلحة الكيميائية.
٣ - الهداية هي الغرض الأساس من الجهاد - كما تقدم - وتوارث الأمراض في أجيال الكفار القادمة لا شّكّ أنه سيكون حائلاً بينهم وبين الإسلام؛ وفي هذا عود على الأصل بالإبطال.
ثانياً: حكم السلاح النووي:
اتفق الفقهاء المعاصرون - فيما نعلم - على جواز استخدام الأسلحة النووية في بعض الحالات.
واختلفوا في جواز الاستخدام مطلقاً، أو التقييد بحالة الضرورة واستخدام العدو لها.
فقيل: يجوز استخدامها مطلقاً، سواء استخدمها العدو أم لا.
وممن قال به النبهاني في كتابه (الشخصية الإسلامية). وقال الشيخ عطية صقر بجواز استخدامها إذا وجدت المصلحة.
وقيل: لا تجوز إلا إذا استخدمها العدو.
وممَّن قال بذلك أبو زهرة؛ ومن هؤلاء - فيما يبدو للباحث - وهبة الزحيلي.
وموقف الشيخ الزحيلي غير ظاهر؛ فقد نصَّ على مراعاة المعاملة بالمثل إلا أنه في آخر الفقرة أطلق منع الاستعمال، ونص عبارته: (وسائل الحرب الجائزة هي ما تجعل الخسائر محدودة من كل ما يتفق مع أعراف الحرب ومراعاة المعاملة بالمثل، ما لم يترتب على ذلك فناء عام، فلا يجوز قطع الأشجار ولا هدم البناء ولا الإفساد في الأرض إلا لضرورة حربية كالتترس بها، أو التحصّن فيها، ولا يجوز أيضاً استعمال القنابل الذرية، لأنها تؤدّي إلى التخريب وقتل من لا يجوز قتاله من الآمنين والنساء ونحوهم).
يتبين من كلامه أنه يقرّر مبدأ المعاملة بالمثل، وتقرير ذلك يدلّ على جواز الاستعمال إذا استخدمها العدو، وأما إطلاقه منع استعمال القنابل النووية، فلعله
من حيث الأصل، ولا يمانع من الاستثناءات، ويؤيد هذا الفهم أن هذه الفقرة مصاغة كمادة قانونية.
ويمكن تجويز تصنيع السلاح النووي حتى على القول بمنع التدمير الشامل؛ لإمكانية تصنيع حجم صغير مجاله في حدود ميدان المعركة، وهو المسمّى بالسلاح التكتيكي؛ ومن ثم لا يتجاوز أثره إلى غير المقاتلين أو تخريب ما ليس في حدود المعركة.
وكل هذا يجوِّز تصنيع الأسلحة النووية، ويدل على أن الشيخ الزحيلي يجيز ذلك.
وقد صرّح في كتابه (التفسير المنير) بجواز إعداد ما يوجد عند العدو فقال:
(﴿مِن قوَّةٍ﴾ ... تشمل الإعداد المادي بمختلف الأسلحة المناسبة للعصر المتطورة حسبما يوجد لدى العدو)، والسلاح النووي يمتلكه العدو.
المسألة الثانية: حكم تصنيع السلاح النووي:
■ نتناول هذه المسألة في شقين:
الأول: في مشروعية تصنيع النووي نفسه.
والثاني: في حكم في التصنيع في عصرنا الحاضر هذا.
أولاً: في مشروعية تصنيع السلاح النووي:
من خلال ما تقدم حول آراء المعاصرين؛ يتبيّن جواز تصنيع السلاح النووي على كلا قولی المعاصرين؛ للاتفاق على جواز استخدامه ولو عند الضرورة.
ويتّجه نظر الباحث إلى اعتبار السلاح النووي أمراً لا يقرّه الإسلام من حيث الأصل، ولكنه يجب على المسلمين الحصول عليه في الوقت الحاضر لعارض الضرورة أو المعاملة بالمثل.
فالسلاح النووي شَرّ لا يُدَّ منه، أنتجته الحضارة الوضعية، فكان على أصحاب الحضارة الإلهية - إن صحَّ التعبير - أمران:
الأول: مواجهته بالبحث عن كيفية لصدّه، وامتلاكه للذود عن أنفسهم ودعوتهم.
والثاني: السعي لإنهائه، سواء بالإتلاف، أو بالعمل لإيجاد مضادّ له.
التدليل على هذا المسلك:
قدمنا أن الجهاد وسيلة، والوسيلة تقدّر بقدرها، ولذا يمكن القول بأن الأصل أن الإهلاك الشامل غير مرغوب في الإسلام.
ولنا شاهدٌ من قول النبيّ صلى الله عليه وسلم -ـعندما ناداه مَلَكُ الجبال بقوله: (إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين) - الجبلين، فقال النبيُّ -صلى الله عليه وسلم: (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده؛ لا يشرك به شيئاً).
ويؤيّد ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَبهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُّ وَاللّهُ لَا يُحُِبُّ الْفسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
يقول القرطبي: (والآية بعمومها تعمّ كلَّ فساد كان في أرض أو مال أو دين).
وقال ابن عاشور: (فالآية دالة على أن من يتسبب في مثل ذلك صريحاً وكناية مستحقّ للعقاب في الآخرة، ولذلك عقب بجملة التذييل؛ وهي: ﴿وَاللّهُ لَا يُحُِبُّ الْفسادَ﴾ تحذيراً وتوبيخاً).
وقد استدلّ بالآية على النهي عن إتلاف ديار الأعداء.
إلا أن ضرورات الحرب قد تُلجئ إلى هذا الاستعمال، فيجوز للمسلم ارتياد ذلك بقدر الضرورة؛ فالضرورات تبيح المحظورات، وتقدير الضرورة من عدمها يرجع إلى ولي الأمر ومتولي الحرب.
ومما يبرر هذا الاستعمال حينئذٍ؛ هو أن المسلم لم يكن المبادر لصنع سلاح الدمار الشامل؛ بل الغرب هو الصانع، وما كان أمام المسلم إلا السير مضطراً في هذا الطريق ولسان حاله يقول:
إذا لم تكن إلا الأسنّة مركباً … فما حيلة المضطرّ إلا ركوبها
وقد أمر الله - سبحانه - بردّ الاعتداء بالمثل، فقال جلّ شأنه: ﴿فَمنِ أعْتَدَى عَلَيْكُم فَأعتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤].
وورد في أمر أبي بكر الصديق لخالد بن الوليد - رضي الله عنه -: (إذا لقيت القوم فقاتلهم بالسلاح الذي یقاتلونك به).
على أن المسلم لو استطاع صناعة سلاح غير مؤثّر تلك التأثيرات المدمّرة، وفي نفس الوقت يحفّق أهداف الجهاد؛ من ردع وتخويف وتطويق للعدو، فيجب تصنيع ذلك السلاح؛ لأن جواز سلاح التدمير الشامل كان للضرورة، ولا ضرورة حینئذ.
ومسلك الباحث هنا في عدم جواز استعمال الأسلحة النووية إلا للضرورة - أي: أنها ممنوعة في الأصل - قد قرَّره عدد من الفقهاء المعاصرين.
ومن هؤلاء: الشيخ القرضاوي، ومن كلامه: (الأسلحة النووية والبيولوجية التي تدمر كلّ شيء، الدين يحرِّم استخدامها وليس امتلاكها؛ لأن امتلاكها للردع).
وممن نص عليه أيضاً الشيخ تقي الدين النبهاني، إذ يقول: (إن الأسلحة النووية يجوز للمسلمين أن يستعملوها في حربهم مع العدو، ولو كان ذلك قبل أن يستعملها العدو معهم، لأن الدول كلّها تبيح استعمال الأسلحة النووية في الحرب، فيجوز استعمالها؛ مع أن الأسلحة النووية يحرم استعمالها، لأنها تُهلك البشر، والجهاد هو إحياء البشر بالإسلام، لا لإفناء الإنسانية).
وميل الباحث إلى أن قواعد الإسلام ومقاصده تأبى السلاح النووي استند - بالإضافة لما تقدم - إلى المؤيّدات الآتية:
١ - طبيعة النصوص الشرعية التي تدعو إلى عمارة الأرض وذمّ الفساد فيها، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلمَلَائكَةِ إِّني جَاعِلٌ فِى الأَرْضِ خَلِيفَةٌ، قَالُوا أَنَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِمَاّءَ﴾ [البقرة: ٣٠].
وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَبهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلُّ وَاللّهُ لَا يُحُِبُّ الْفسادَ﴾ [البقرة: ٢٠٥].
وقد ذكر السيوطي: أنَّ كلّ ما ورد في القرآن من عتب على الأفعال، أو ورد في نفي محبّتها، فهي أفعال منهيّ عنها.
وبالمقابل هناك أيضاً نصوص تُرغِّب في عمارة الحياة والحفاظ عليها؛ كقوله صلى الله عليه وسلم: (إِنْ قامَتْ السَّاعةُ وَبِيَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنْ اسْتَطاعَ أَنْ لا يَقُومُ حَتَّى يَغْرِسَهَا، فَلْيَفْعَلْ.
٢ - أن الأسلحة النووية تحدث التشويهات الخِلْقية، والتي تتعدَّى للأجيال القادمة.
وقد دلَّت كليات الشريعة على أن إحداث التغيير في الخلق من فعل الشيطان؛ قال سبحانه وتعالى: ﴿إِن يَدْعُونَ مِن دُونهِ إِلَّاّ إناثاً وَإن يَدْعُونَ إِلَّا شَبْطَانا مَريْدَاً، لَّعَنَهُ الله وقال لَأَتخذَنَ مِنْ عِبَادِكَ نصِيبًا مَّفْرُوضا، وَلَأُضِلَنَهُمْ وَلَأُمَنِيَنَهُمْ وَلَأَمُرَنَّهُمْ فَليُبَتكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَامِ ولآمُرنَّهُم فَلَيُغَِيُرنَّ خَلْق اللَّهَّ وَمَن يَتَّخِدِ الشَّيطانَ وَليَّاً مِّن دُونِ اللهٍ فَقَدْ خَسرَ خُسْرَانًا مُبيناً، يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّبهِمٌّ وَمَا يَعِدُهُمُ اَلشَّيطَانُ إِلَّا غُرورا﴾ [النساء: ١١٧ -١٢٠].
قال الآلوسي: (﴿ولآمُرنَّهُم فَلَيُغَِيُرنَّ﴾ ممتثلين بلا ريث، ﴿خَلْق اللَّهَّ﴾ عن نهجه صورة أو صفة).
٣ - احتمالات تسريب أشعتها -كما حصل في تشرنويل في أوكرانيا عام (١٩٨٦م)، حيث تعرّض مئات الألوف من الناس إلى الأشعة مما أدى إلى وفاة الكثيرين خلال أيام، وإصابة الباقين بالسرطانات المختلفة.
والإضرار ممنوع شرعاً، يقول النبيُّ صلى الله عليه وسلم: (لا ضرر ولا ضرار)، فالأصل إذن في المضارّ أن لا تكون مشروعة.
وقد عُلّل كراهية مالِكِ أَنْ يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ بِالنَّبْلِ الْمَسْمُوم، بأنه قَدْ يُعَادُ إلَيْنَا.
هذا حكم الاستعمال، أما التصنيع فمجاله أوسع، إذ السلاح قد يُتّخذ لغير الاستعمال، كالردع والتخويف، كما أنه قد يُصنع لأغراض أخرى مثل البحث العلمي.
■ فحکم تصنيع السلاح النووي إذن الأصل فيه عدم الجواز لما تقدم، ويجوز في الحالات التالية:
١ - عدم إمكانية تصنيع سلاحٍ آخر لا يؤثّر التأثيرات الممنوعة، ويمكنه إرهاب العدو وتخويفه، لأن الضرورات تبيح المحظورات.
٢ - رؤية المجموعة العسكرية المفكّرة، فقد تحتاج القوات المسلحة إلى وجود السلاح النووي؛ لاحتمال استخدامه في حالات الضرورة: كإيقاف تقدّم العدو، أو ضرب بعض حلفائه.
٣ - تصنيعه للبحث العلمي، ومحاولة الاستفادة منه لأغراض أخرى، فالأصل أن كل ما وجد على الأرض يجوز الاستفادة منه.
وقد خالف بعض الباحثين؛ فرأى جواز تصنيع السلاح النووي مطلقاً، أي: سواء وجدت دواعي له أم لا؛ فهو مطلوب ابتداء.
واستَدل بأن التصنيع يشمله مفهوم الإعداد.
ويرد عليه: بأن الشارع منع الآثار التي يؤدي إليها السلاح النووي- كما تقدّم بيانه.
وقد جاء المنع لهذه الآثار بأدلة خاصة، وأما دليل الإعداد المستدل به على الجواز فهو عام؛ والخاص مقدّم على العام.
أخيراً ننبه بأن المراد بالجواز غير الحرام؛ فيشمل الوجوب، والوجوب هو الحكم الغالب في كل المسائل التي وصفناها بأنها جائزة، للأمر في قوله تعالی: ﴿وَأَعِدُّوا﴾ [الأنفال: ٦٠] والأمر للوجوب.
وبعد أن تمَّ بیان حكم تصنيع السلاح النووي في الفقه الإسلامي نظرياً - من حيث الأصل - ينتقل البحث بنا إلى محاولة تنزيل هذه المسائل والتوجيهات على حكم تصنيع السلاح النووي في هذا الزمان الذي نعيش فيه.
ثانياً: حكم تصنيع الأسلحة النووية في الوقت الحاضر:
من خلال الحديث عن مشروعية هذا السلاح يمكن تنزيل هذه الأصول على واقعنا في الوقت الحاضر.
فالظروف الواقعية التي يعيشها المسلمون جوَّزت، بل أوجبت عليهم، تصنيعَ کلِ أنواع الأسلحة النووية - ويأتي استثناء- للاعتبارات الآتية:
١ - حاجتنا لمواجهة أعدائنا الذين يملكون هذه الأسلحة، سواء لاسترداد أرضنا منهم، أم لردعهم.
فالمغتصب الصهيوني يمتلك ترسانة من الأسلحة غير التقليدية كالنوويية والنيوترونية، وقد دلَّت التقارير على أنه تَمَّ استخدامها في أحداث غزة الأخيرة،
ولا يخفى أن أمريكا هي أسّ هذه الأسلحة ورائدتها، بل واستخدمت - في أفعانستان - بعض القنابل الشبيهة بالنووية.
كما أن المثلية في مواجهة العدو تقتضي ذلك.
وإن قيل: بأن استخدام الأسلحة النووية متعذّر لأدائه إلى دمار الأطراف، فلا فائدة من الردع؟
فالجواب: أننا مكلّفون بحسب الممكن الذي نعرفه، ولعل الله يحدث أمراً غير متوقّع، وما علينا إلا فعل المستطاع بحسب علمنا في عالم المُشاهد.
٣ - الحاجة إلى تخويف العدو وردعه عن الاعتداء، ولا يتحقّق في عصرنا الحاضر إلا بمثل هذه الأسلحة الفتّاكة، فعدونا قد امتلك كل هذه الأنواع.
٤ - عدم وجود خلاف بين الفقهاء المعاصرين - بحسب علم الباحث - في جواز امتلاكها ولو لحالة الضرورة.
وعليه يجوز للمسلمين في الوقت الحاضر تصنيع السلاح النووي، بل يجب عليهم وجوباً كفائياً.
إلا إذا أمكنهم تصنيعُ أسلحةٍ خالية من الآثار التي لا يسمح الحكم الشرعي بها - حسب نظر الباحث - كالأمراض الخبيثة، والتأثير على الأجيال القادمة.
فإن أمكنهم صنع هذا السلاح الجديد الخالي من الآثار غير المشروعة، وجب عليهم صنعُه، وحرم عليهم صنع السلاح النووي بمواصفاته المتقدّمة الذكر، وهذا كلّه بشرط تحقيق السلاح الجديد لأهداف القتال كاملة من حماية وردع وتخويف وفتح.
فإن لم يستطيعوا فعل ذلك، وجب عليهم تصنيع السلاح النووي؛ لأنه الميسور؛ والميسور لايسقط بالمعسور.
کما یجب علی الدول التي امتلکت السلاح النووي بالفعل مثل باکستان أن تفكّر في آلية يمكن لسلاحها النووي أن يحقّق أهداف الجهاد الإسلامي كَكُلّ، وليس في ديارها فقط؛ لأن المؤمنين كالجسد الواحد، وسيأتي ما يتعلّق بحكم التكامل في مجال التصنيع بين الدول الإسلامية.
ثانياً: الأسلحة الكيميائية:
الأسلحة الكيميائية هي: (عبارة عن مجموعة من الغازات السامَّة التي يتمّ تحضيرها كيميائياً، ولها تأثيرات على الوظائف الفسيولوجية للإنسان، بعضها قاتل، وبعضها معوق فقط، أو مشوّه).
من آثارها:
١ - تأثّر الكائنات الحيَّة بالغازات السامّة واختناقها، سواء على الموجودين، أو الأجيال القادمة، لسنوات طويلة.
٢ - لها تأثيرات على الوظائف العضوية والفسيولوجية للإنسان، وبعضها معوّق أو مشوّه.
حكم الأسلحة الكيميائية:
يظهر للباحث أن الحكم سيختلف بحسب الأثر المترتب:
■ وتفصيل ذلك فيما يلي:
١ - تأثير الأسلحة الكيميائية في التسميم:
الأصل جواز أيّ وسيلة قاتله؛ لعموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انَسلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتلُواْ الْمُثْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدِتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُم وَأَحْصُرُوهُم﴾ [النوبة: ٥].
قال في (البحر المحيط): (وفي إطلاق الأمر بالقتل دليل على قتلهم بأيّ وجه كان).
وورد في كلام بعض الفقهاء: جواز إلقاء الحيّات والعقارب السامَّة على العدو.
يقول الشربيني: (ويجوز حصار الكفار في البلاد والحصون والقلاع … وإلقاء حيّات أو عقارب عليهم، ولو كان فيهم نساء وصبيان؛ لقوله تعالى: ﴿وخُذُوهم وَاحْصُرُوهُم﴾).
وهذه الحيّات وغيرها تحمل سموماً، ولو أُلقيت على بلد بأعداد كافية لأفنته.
وفي هذا مستند لجواز استخدام الأسلحة الكيميائية السامّة.
وما نقل عن مالك من كراهة وضع السُّمّ في النبل؛ كما أورده في (التاج والإكليل)- بقوله: (وحَرُمَ نَبْلٌ سُمَّ) كَرِة مَالِكٌ أَنْ يُقَاتَلَ الْعَدُوُّ بِالنَّبْلِ الْمَسْمُوم، وقال ابنُ يُونُسَ: لأَنَّ ذلكَ قد يُعَادُ إلَيْنا، وكَرِهَ سحْنُونَ جَعْلَ السُّمِّ فِي قِلالِ خَمْرٍ لِيَشْرَبها العَدُوُّ).
فمن تعليل ابن يونس لقول مالك يتبين: عدم دخول الأسلحة الكيميائية في قول مالك؛ لأن عود الكيميائية علينا مأمون؛ إذ ستلقى في أرض العدو.
وأما إذا لم نأمن عودها علينا بالضرر، أو تأثّر جنودنا بها؛ فلا يبعد القول بمنعها شرعاً.
كما أن قول بعض المالكية بالكراهة مقيَّد بعدم امتلاك العدو لها، وإلا فتجوز.
ولا شكّ أن عدونا يمتلك هذه السموم.
ومن کلّ ما تقدّم یجعل الباحث یمیل إلی جواز استعمال الأسلحة الکیمیائية إذا أحدثت هذا الأثر- وهو إزهاق الأرواح - فحسب - فهي وسيلة من وسائل القتال، والأصل جواز الوسائل.
غير أن للأسلحة الكيميائية أثراً آخرَ؛ يحتاج إلى وقفة، وهو:
٢ - تأثير الأسلحة الكيميائية في نشر الأمراض في الحاضر والمستقبل:
الإسلام رسالة هداية للناس، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلنَاهُ إِلَيْكَ لِنُخرِجَ النَّاسَ مِنَ الُّظلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بإِذْنِ رَبهِمْ إِلَى صِرَّاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [إبراهيم: ١].
والنور هنا هو الهدى.
وقد شرع الجهاد كوسيلة إلى الهداية، وليس من آلات الجهاد: نشر الأمراض والإعاقات والأوبئة، سواء على الموجودين، أم الأجنَّة، أم الأجيال القادمة، وسيأتي تفصيل ذلك عند الكلام عن الأسلحة البيولوجية.
وسموم الأسلحة الكيميائية قد تبقى لسنوات طويلة جدًّا؛ ففي تقريرٍ للأكاديمية الوطنية الأمريكية للعلوم أظهر أن آثار سموم الغازات التي ألقيت في الحرب الأمريكية الفيتنامية ستبقى إلى مثة سنة.
ويؤيّد عدم المشروعية ما مرَّ آنفاً من أن استخدام هذه الأسلحة ينتج عنه ضررٌ بأفراد الجيش الذي ألقاها؛ لأن لجنودنا حرمة، ولا يجوز التفريط في حياتهم، إلا إذا وجدت ضرورة ومفسدة أكبر، كضرورة قتل المسلم عند تترّس العدو به.
وفي الحرب الڤيتنامية أصيب آلاف الجنود الأمريكيين بسبب استخدام هذه الأسلحة من قبل جيشهم على عدوهم.
٣ - تأثير الأسلحة الكيميائية في التشويه:
تُحدث بعض مخرجات الأسلحة الكيميائية تشويهاً فظيعاً؛ في شكل ووظيفة أعضاء الجسم المصاب، وسواء مات أم عاش؛ وتبقى هذه التشويهات حتى لو شفي المصاب من الحروق.
والتشويه في اللغة: القبح، شاهت الوجوه تشوه شوهاً: قبحت، وكلّ شيء من الخلق لا يوافق بعضه بعضاً أشوه ومشوه.
فالتشويهات تعني إذن: تغييرات تطرأ على جسم الإنسان، سواء ظاهراً أم باطناً.
ويقرب مفهوم التشويه من المُثْلَة، فالمثلة هي تقبيح الخَلق.
يقال: مَثَلْتُ بالقتيل: إذا جدعته وظهرت آثار فعلك عليه تنكيلاً، والتشديد مبالغة، والاسم المُثْلَةُ.
وقد نهی عنه النبيُّ صلى الله عليه وسلم؛ فعن سمرة بن جندب قال: (کان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- یحثِّنا على الصدقة، وينهانا عن المُثْلة).
وظاهر إطلاق النهي، عموم النهي عن المثلة، فيتناول بعد القتال وأثناء المعركة.
يقول القرطبي: (واعلم أن مطلق قوله: ﴿فَاقْتلُواْ الْمُشرِكِينَ﴾ [النوية: ٥] يقتضي جواز قتلهم بأيّ وجه كان، إلا أن الأخبار وردت بالنهي عن المثلة).
فكلام القرطبي يظهر منه شمول النهي عن المثلة للحَيّ.
وممَّا يدل على ذلك أيضاً: تعليل الأئمة للنهي عن أفعال أخرى بأنه من المثلة، كقول أبي حنيفة - في النهي عن القزع: هو مكروه لأنه تعذيب ومُثْلَة.
غير أن الشيخ عليش قيَّد النهي عن المثلة بما بعد القدرة عليهم، فقال: (وحُرْمَةُ المُثْلَةِ الآتِيَةِ خاصَّةٌ بِما بَعْدَ القذْرَةِ عليْهِمْ).
ويمكن الرَّدّ عليه بما تقدَّم من أدلة، وبالنصوص التي أطلقت النهي عن المثلة؛ والمثلة تُعرف بأنها: (ما فِيهِ تَغِْير لِلصُّورَةِ).
حكم تصنيع الأسلحة الكيميائية:
وأما حكم التصنيع؛ فمن خلال ما تقدّم من آثار للاسلحة الكيميائية يمكن القول بأن حكم تصنيع الأسلحة الكيميائية لا يختلف عمَّا تقدَّم من حكم الأسلحة النووية، أي له حالات، منها الجواز إذا كان أثرها القتل فقط أو الإحراق.
وأما الأسلحة الكيميائية الموجودة الآن؛ فيظهر للباحث عدم جواز صناعتها لغرض الاستعمال لتسبّبها للآثار غير المقبولة شرعاً، كالأمراض وانتقال الضرر إلى الأجيال القادمة كما تقدّم، ويجوز تصنيعها بهدف إرهاب العدو إذا أدركنا أنه لن يرتدع بأسلحة أخرى غير ذات الأثر المحظور.
كما يجوز تصنيعها لغرض آخر مثل البحث العلمي.
ثالثاً: الأسلحة البيولوجية:
هي استخدام الكائنات الحيّة المتناهية في الصغر أو التوكسين (السموم) التي تنتجها، كأسلحة ضدّ البشر أو الحيوانات أو المحاصيل، وقد يطلق عليها (الأسلحة الجرثومية)، وإن كانت لفظة البيولوجيا أعمّ؛ لأنها تشمل الكائنات الحيّة.
والأسلحة الجرثومية - أي: البيولوجية -: (تشمل العوامل البيولوجية التي تؤثّر على الإنسان والحيوان والنبات)، و(تكون إما بكتيريا، أو فيروسات، أوخمائر، وتعتمد هذه الأسلحة على نشر الأمراض الفتاكة، كأمراض الطاعون والجدري والكوليرا وغير ذلك).
وأنواعها كثيرة جدًّا إلا أن الجامع بينها هو نشر الأمراض، والأويئة، والهلاك للكائنات الحية سواء على الإنسان، أم الحيوان، أم النبات.
من آثارها:
نشر استخدام الغازات السامَّة، وإلقاء الجراثيم مثل البكتيريا أو الفيروسات أو الخمائر.
مما يؤدي إلى نشر الأمراض الفتاكة كالطاعون والكوليرا والإيدز.
حكم الأسلحة البيولوجية:
نتناول حكم الأسلحة عبر مسألتين: أولاهما في حكم استعمالها، والثانية في حکم تصنيعها.
أولاً: حكم استعمال الأسلحة الجرثومية:
استعمال الأسلحة الجرئومية المؤدّية إلى انتشار الأمراض مما تأباه كليات الشرع الإسلامي وقواعده للاعتبارات التالية:
١ - ليس هذا من أسباب القتال، وقد عُلّل رأي مالك السابق بأن تسميم آلات الحرب ليس من فعل من مضى، فالأمراض لم تعهد أنها أداة للحرب.
٢ - نشر الأمراض والأوبئة من أسباب الفساد في الأرض، وقد تبقى لسنوات طويلة، مما يؤدي إلى تكثير الموت، وتقليل النسل؛ وحفظ النفس والنسل من الضرورات الخمس التي اتفقت الشرائع السماوية على حمايتها، والدفاع عنها ما أمکن.
٣ - صعوبة التحكّم فيه، واحتمال تأثيره على المسلمين.
٤ - الجهاد - كما قدمنا - وسيلة للهداية، وإصابة الأجيال القادمة، أو حتى جيل المعركة، لا شكَّ أنه سيكون حائلاً بينهم وبين الإسلام، والهداية هي هدف الجهاد؛ قال سبحانه: ﴿وَقَّاتلُوهُمْ حَقَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انتَهَوا فَإنَ اَللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيِرُ﴾ [الأنفال: ٣٩].
والفتنة هي الكفر أو الشرك، يقول الطبري: (حتى لا يكون شركٌ بالله، وحتى لا يُعبَّد دونه أحدٌ، وتضمحلّ عبادة الأوثان والآلهة والأنداد، وتكون العبادة والطاعة لله وحده دون غيره من الأصنام والأوثان).
فإذا عاد الفعل على أصله بالإبطال، فلا يجوز.
وعليه فلا يجوز استعمال الأسلحة البيولوجية في نشر الأوبئة والأمراض.
وقد تقدم عن الشيخ يوسف القرضاوي تحريم استعمال هذه الأسلحة البيولوجية.
أما لو كانت هذه الأسلحة تؤدي إلى القتل فقط، فتجوز لعموم الأدلة في قتال الكفار؛ ويمكن الاستئناس بنص بعض الشافعية بجواز إلقاء الحيّات على العدو.
وكذلك يجوز استعمال الأنواع المؤدّية إلى هلاك النبات إذا وجدت المصلحة في ذلك، كالضغط على العدو.
ويستدل لجواز استعمال السلاح لإتلاف النبات بما فعله الرسول -صلى الله عليه وسلم- في أشجار بني النضير.
ومن خلال أحكام الاستعمال يمكن إيراد حكم التصنيع في الآتي:
ثانياً: حكم تصنيع الأسلحة البيولوجية:
الأصل تحريم تصنيع الأسلحة البيولوجية؛ لما قدمنا من آثارها غير السوية، هذا إذا كان الغرض من صناعتها الاستعمال فتحرم لتسبّبها آثاراً غير مقبولة شرعاً، كالأمراض وانتقال الضرر إلى الأجيال القادمة، وقد تقدم بيان ذلك.
وتجوز صناعتها في حالات أخرى ولأغراض نعدّدها في الآتي:
١ - يجوز تصنيعها بهدف إرهاب العدو إذا أدركنا أنه لن يرتدع بأسلحة أخرى غير ذات الأثر المحظور.
وتقدّم قول القرضاوي بجواز امتلاك الأسلحة البيولوجية للردع.
٢ - عدم تمكّن المسلمين من تصنيع السلاح الرادع للعدو، لأن تصنيع الأسلحة البيولوجية تكاليفها أقلّ من النووية، ويسهل استنساخها؛ وهذا ما جعل الرئيس الأمريكي نكسون سنة (١٩٦٩م): يعلن أن بلاده ستتخلى عن الأسلحة البيولوجية بكافة صورها؛ والسبب لإعلانه هذا ظهر بعد عشرين سنة وهو سهولة إنتاجها، ويُسر الحصول عليها؛ مما يشكل تهديداً للأمن القومي الأمريكي أكثر من أيّ سلاح آخر.
٣ - يجوز صناعة هذه الأسلحة بنوعية تؤدّي إلى القتل فقط.
٤ - يجوز تصنيع الأنواع المؤدّية إلى هلاك النبات؛ لأن الحاجة قد تدعو إليها.
٥ - يجوز تصنيعها لغرض آخر من الأغراض النافعة مثل البحث العلمي.
وقد رأى الباحث أن يجعل حكم أسلحة الدمار الشامل يستند إلى التأثيرات التي يحدثها هذا السلاح أو ذاك، لأن التصنيع يُظهِر كلَّ يوم أسلحةً جديدة وبأسماء مختلفة، غير أن الأثر متشابه: ومن ذلك الجديد القنبلة المسمَّاة بـ(دايم)، كما أن الأسلحة التي تكلّمنا عنها يمكن تقسيمها إلى أقسام عديدة، فكان تعليق الحكم بالأثر هو الأولى ليكون كالضابط أو القاعدة التي تطبق عليها الجزئيات.
ويبقى معنا من موضوع أسلحة الدمار بيان حكم التوقيع على معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل التي تحاول أمريكا فرضها علينا.
ثالثاً: معاهدة انتشار أسلحة الدمار الشامل:
في المباحث السابقة وصل الباحث إلى وجوب تملّك أسلحة الدمار الشامل - بأنواعها - في الوقت الحاضر للضرورة.
غير أن هناك معاهدة قامت بين عدد من دول في العالم الحديث لمنع تملك وانتشار هذا السلاح، فهل يؤثّر هذا على الحكم الشرعي.
نتناول حكم التوقيع والالتزام بهذه المعاهدات عبر مسألتين:
الأولى في التعريف بواقع هذه المعاهدة.
والثانية: في حكمها الفقهي.
المسألة الأولى: ماهية معاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار:
عُرفت المعاهدة بأنها: (عقد العهد بين فريقين على شروط يلتزمونها).
وفي عُرف الاصطلاح القانوني تعني: (توافق إرادات، مثبت بصورة تحريرية بين شخصين أو أكثر من الأشخاص الدولية).
ومعاهدة عدم انتشار أسلحة الدمار، هي اتفاقية قامت بين عدد من الدول، وبيانها في الآتي:
بعد مراحل متعدّدة: أصبحت اتفاقية منع نشر الأسلحة النووية ساريةً اعتبارًا من مارس (١٩٧٠م) / محرم (١٣٩٠ه).
والجهة المتابعة لسير الاتفاقية هي وكالة الطاقة الذرية الدولية التي أنشأتها الأمم المتحدة في عام (١٩٥٧م) بناء على اقتراح الرئيس الأمريكي أيزنهاور.
وتحاول الوكالة أن تتأكد كذلك من أن المواد النووية التي توفرها الدول الأعضاء أو تكون في حوزتها لا تُستعمل في صُنع الأسلحة. وقد طوَّرت رقابتها على المواد النووية التي في حوزة أعضائها، وتقوم بإجراء تفتيش سنوي على المواد، وعلى الأجهزة النووية في كثير من الدول.
وقد وقعت على المعاهدة اثنتا عشرة دولة عربية، ولم توقّع إسرائيل حتى الآن.
المسألة الثانية: الحكم الشرعي في التعامل مع الاتفاقية:
يمكن تحديد الموقف الشرعي من معاهدة منع انتشار أسلحة الدمار الشامل عبر معرفتنا لحالتين:
الأولى: حالة الدول التي لم توقّع بَعْدُ.
والثانية: حالة الدول التي وقعت بالفعل:
الحالة الأولى: الدول التي لم توقّع بعد:
يتحدّد حكم التوقيع على المعاهدة - في نظر الباحث - من خلال إجابتنا عن المحاور الأربعة الآتية:
١ - موقف الشرع من التعاهد:
يجيز الإسلام - من حيث الأصل - عقد المعاهدات، سواء في حال قوته كما في معاهدته مع يهود المدينة، أم في حال ضعفه، مثل عزم الرسول - صلى الله عليه وسلم- الاتفاق على شطر تمر المدينة مع غطفان، والشواهد كثيرة.
ومن خلال هذه الوقائع يتبين أن الشرع أعطى للمفاوض المسلم مساحات واسعة يمكنه سلوكها، بشرط المصلحة التي يراها باجتهاده، وبشرط عدم الإخلال بمبدأ إسلامي كالاتفاق الأبدي مع كافر مغتصب لأراضي المسلمين ببقائه أبداً.
وعلى هذه الأُطر الشرعية يبنى الحكم الشرعي في مثل هذه الاتفاقيات التي تتعلّق بالأسلحة وتصنيعها واستخدامها.
وما أوردناه هو الحكم العام للاتفاقيات كَكُلّ؛ وأما بخصوص اتفاقية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل فبياتها في الآتي:
٢ - موقف الشرع من السلاح نفسه:
قد تقدّم سابقاً عدم مشروعية هذه الأسلحة النووية - في وضعها الحالي - وأن وجوبها على المسلمين إنما هو استثناء للضرورة.
فعليه لا مانع شرعاً من حيث الأصل من التوقيع على التعهّد بعدم هذا السلاح وعدم نشره أو انتشار هذا السلاح؛ لكن بشروط يجب توافرها، ومنها موقف أعداء المسلمين من هذا السلاح، وأيضاً ماهية الاتفاقية، والتي سيأتي بيانها بَعدُ.
ويستند القول بجواز التوقيع بشروطه لأننا قدّمنا عدم مشروعية أسلحة الدمار من حيث الأصل والتوقيع يساعد في تنفيذ هذا الحكم الشرعي.
هذا نظرياً من حيث الأصل، أما في واقع العصر الحالي والوضع الدولي المعاصر، فالحكم يختلف لأمور منها: موقف أعدائنا من تملك السلاح نفسه، ومن الاتفاقية، وبيان ذلك في الآتي:
٣- موقف أعدائنا من المعاهدة في الوقت الحالي:
أعداء الأمة الإسلامية كثيرون غير أن البارزين منهم إسرائيل وأمريكا، وكلاهما يمتلك ترسانة من هذه الأسلحة.
أما موقفهم من المعاهدة فالأولى لم توقّع، وأما الثانية فهي صاحبة الاقتراح ومصالح المعاهدة یؤوب إليها.
٤ - التزام الأطراف بالاتفاقية:
لا يمكن القول بجواز التوقيع إلا إذا وقّع غير المسلمين؛ ثم التزموا بنصوص الاتفافية، وقد تقدّم قبل قليل عدم توقيع بعضهم؛ وحتى لو افترضنا أنهم وفّعوا، فمن يملك ضمان التزامهم، فالواقع العالمي يثبت هشاشة القوة الإلزامية لقواعد القانون الدولي المفروض أن تحكم العلاقات الدولية.
وعليه فمن خلال هذه النقاط الأربع يتبيّن عدم جواز الدخول في معاهدة انتشار أسلحة الدمار الشامل بحسب الوقائع الماثلة.
ولا شك أن دول الكفر لو أقدمت بصدق عى إنهاء سلاحها النووي، وجب شرعاً على المسلمين التوقيع، لما تقدّم، ولأنهم المغلوب على أمرهم؛ ومن ثَمَّ يجب عليهم - حينئذ - الوفاء وعدم السير نحو تصنيعه.
إلا أن الواقع يثبت عدم صدق الدول الكبرى المالكة للسلاح نفسه على الإنهاء الكامل، وقد ذكرنا مخادعة الرئيس الأمريكي نكسون عام (١٩٦٩م)، عندما أعلن أن بلاده ستخلّى عن الأسلحة البيولوجية بكافة صورها.
الحالة الثانية: الدول التي وقّعت بالفعل:
وأما الدول التي وقّعت فعلاً فيجب عليها التخلّص من هذا التعاهد ونبذه، ولا يحرم خلف العهد في مثل هذه الحالة للأسباب التالية:
١ - نص بعض الفقهاء على جواز عدم استدامة الموادعة - المصالحة - للمصلحة.
يقول السرخسي - معلّلاً: (لأنه ظهر في الانتهاء ما لو كان موجوداً في الابتداء منعه ذلك من الموادعة، فإذا ظهر ذلك في الانتهاء منع ذلك من استدامة الموادعة).
وقد ظهر الضرر بالمسلمين، وأيّما ضرر بسبب تخلّيهم عن تصنيع هذا السلاح، وتمکن عدوهم منه.
قال ابن عابدين: (كُلّ عُذْرٍ لا يُمْكِنُ معهُ اسْتِيفَاءُ المَعْقُودِ عليهِ إلَّا بِضَرَرٍ يَلْحَقُهُ في نَفْسِهِ أو مالِهِ، يَثْبُتُ له حَقُّ الفَسْخِ).
والفسخ مقرّرٌ حتى عند القانونيين؛ فمعظم رجال القانون الدولي يميلون إلى الأخذ بهذه النظرية والتي تعرف بنظرية تغيّر الظروف، بل وأقرّتها اتفاقية ڤيينا لقانون المعاهدات (م ٦٢).
ونحن وإن كنا نقرر أن الوفاء بالعهد مبدأ من مبادئ الشريعة فلذا يُمنع المسلم والدولة من نبذ الوعد لمجرد وجود مصلحة أو حصور الضرر، غير أن الخصم لو بدر منه ما يقدح في صدقة بالعقد، أو السعي للسير في خلاف مؤداها فالشريعة تسمح حينئذ بالنبذ لوجود بدور أمارات خوف الخيانة.
قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَأنبذ إِلَيْهمْ﴾ [الأنفال: ٥٨]؛ فخصمنا في حالتنا هذه وضعه مريب، وتصرفاته أغرب، والمتابع لملف سير الاتفاقية من منشئها وفرضها وتنفيذها يجد علامات استفهام كبرى.
٢- كون الراعي للاتفاقية هي منظمة يُشكك في تمثلها العدل والحياد - وهو من أساسياتها - ففي حالة المسلمين تحاول بشتّى السبل منع امتلاكهم لسلاح القوة، ولو كان الأمر متخَيَّلاً، بينما في حالة غيرهم تحاول خلق التبريرات والتأخيرات والمعاذير، كما حصل في العراق وكوريا، ولا يشمل نشاطُ المنظمة - بجديّة - الكيانَ الصهيوني، وعدم فاعلية الوكالة وعجزها يُشكك في غرضها الموضوع وهو الحد من الانتشار.
٣ - العنصر الرئيس في أي عقد هو الرضاء وفي حالتنا كم نسمع عن سلوك الدول الكبرى بسياسة العصا والجزرة مقابل التوقيع؛ فكم رغبت من يوقع، وعاقبت من يرفض، كما أن حال الأشخاص الموقعين يحتاج إلى نظر.
وعلى العموم هذه بعض الأمور نضعها أمام الاختصاصيين مما يساعد على إعادة النظر في التوقيع إنشاء واستمراراً؛ ولن يعدم القانوني الخبير في ثغرة تمكنه من التملص في مثل هذه الحال المريبة.
خلاصة مسألة التعامل مع اتفاقية منع الانتشار:
وهكذا يتبيّن لنا أنه لا بجوز الإقدام على توقيع الاتفاقية؛ فالواقع أثبت أن تلك المعاهدة ما هي إلا قيدٌ يضعه الجلاد على رقبة الضحية حتى تستمرّ سيطرتُه عليها.
ولا يحتاج هذا إلى برهان، فاسم المعاهدة يصدِّق ذلك؛ فهي معاهدة منع انتشار وليس إنهاء، فمنطوق اللفظ منع الآخرين من امتلاك السلاح المخوف.
وننتقل الآن إلى الحالات التي يتحوّل فيها فرض الكفاية إلى فرض عين.
إلى هنا انتهى البحث.