منظومة أسماء الله الحسنى
للشيخ أحمد الدردير
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا النظم الشعري النفيس، والذي تنقل فيه الناظم بين الصفات الجمالية والجلالية، وبين مقامات الهيبة ومقامات الأنس، وبين مدارج الدعاء ومفاتيح الثناء، يجعلنا نقف مليّاً أمامه، لنرصد ما جمعه من أسماء الله الحسنى، في هذه اللوحة الشعرية المتألقة، التي افترَّت عن عظيم المعاني، وكريم الأسماء، وإن دلَّ هذا على شيء؛ فإنما يدل على تبحُّر الناظم في العلوم الدينية والعربية، وقدرته على توظيف الألفاظ في مواقعها، وتصريفها في مسالكها، وترصيعها في معاقلها، مُحققاً في ذلك دقةً في الرّصف والوصف والأسلوب والتشكيل.
ويُعد هذا النظم من عيون شعر الابتهال والمدائح الدينية، بل في أخصّ جانبٍ منها، وهي (المدائح الإلهية)، والتي تُعنى بالتوسل بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا، فصيغت هذه الأسماء في قالب شعري متقن، وزاوجت بين المعرفة العقائدية والذوق العالي والدعاء الممتزج بالضراعة والصدق.
وقد تضمن النظم 99 اسماً من أسماء الله الحسنى، وهي الأسماء المشهورة الواردة في رواية الإمام الترمذي وغيره. حيث بدأ الناظم بلفظ الجلالة (الله) ثم (الرحمن، الرحيم، الملك، القدوس، السلام...) وتابع سردها بترتيبها المعروف عند العلماء، حتى ختمها باسمه تعالى (الصبور) في قوله: (وَحُسْنُ يَقِينٍ يَا صَبُورُ وَوَفِّنَا).
ثم انتقل بعد الفراغ من الأسماء التسعة والتسعين إلى أبيات الختام والتوسل ببركة هذه الأسماء والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم. ليصل بالقارئ إلى خاتمة مقامات القرب والعبودية، وهو الافتقار الدائم والمستمر إلى الله جل في علاه.
وقد جاءت هذه القصيدة على البحر (البسيط)، وهو بحر يتسم بالطول، والرحابة، والرصانة، مما يعطي الناظم مساحة كافية لصياغة الاسم الشريف مع الدعاء المناسب له دون اعتصار للفظ، بالإضافة إلى أن إيقاعه المنتظم يبعث في النفس السكينة والوقار الناسبين لمقام مناجاة ملك الملوك.
ومن المعلوم أن تفعيلات (البسيط) الأصلية، هي: (مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن)، لكن الناظم التزم فيه "الخبن"، وهو حذف الألف في تفعيلة "فاعلن" لتصبح (فَعِلُنُ)، وهو تغيير سائغ ومستحب في هذا البحر، يمنحه الليونة والتدفق والهدوء.
واختار الناظم الدردير قافية النون المفتوحة المردوفة بالألف الممدودة (نَا) وهو اختيار موفٌّق وجميل، ذلك أن النون حرف مجهور ومتوسط، يمنح الصوت امتداداً شجياً عند الإنشاد. بالإضافة إلى أن (ألف المد) تُشعر القارئ بالاستغاثة، واللجوء، وطلب الغوث.
ومن العلامات الدالة على ذكاء الناظم، وقدرته الشعرية: أنه خرج عن صيغة الأنانية الفردية إلى صيغة الجمعية الكليّة (ربّنا، عقولَنا، يهدِنا، كربَنا)، الأمر الذي يضفي على القصيدة روح الجماعة والمحبة بين المسلمين، فالمؤمن يطلب الرحمة والمغفرة لنفسه ولإخوانه من المسلمين.
واستطاع الناظم ببراعته وشاعريته: أن يُحوّل المعاني التوحيدية، والأسماء المجردة، التي يسردها الذاكرون سرداً إحصائياً، إلى ذكرٍ مُحبَّبٍ مقرونٍ بالدُّعاء، ممزوجٍ بالافتقار والانكسار، وهو ما يجعل النظم وسيلة للتعبد، والذكر، وتزكية النفوس أكثر من كونها قصيدةً شعرية.
كما أنه خبيرٌ في استهلال قصائده، من خلال التدليل على موضوع القصيدة من أول بيت، وقدرته على توظيف "المناسبة"، و"الاشتقاق"، والذي يعني أن يأتي بالطلب والدعاء مشتقاً ومناسباً لمعنى الاسم المذكور تماماً.
ومن أمثلة ذلك: (المَلِك): "وَيَا مَالِكٌ مَلِّكْ جَمِيعَ عَوَالِمي … لِرُوحِي". ومع اسم (القدوس والسلام): "وَقَدِّسْ أيَا قُدُّوسُ نَفْسِي... وَسَلِّمْ جَمِيعِي يَا سَلامُ". ومع اسم (الغفار والقهار): "وَبِالغَفْرِ يَا غَفَّارُ مَحِّصْ ذُنُوبَنَا... وَبِالقَهْرِ يَا قَهَّارُ اقْهَرْ عَدُوَّنا". ومع اسم (الفتاح والعليم): "وَبِالفَتْحِ يَا فَتَّاحُ عَجِّلْ تَكَرُّماً... وَبِالعِلْمِ نَوِّرْ يَا عَلِيمُ قُلُوبَنَا"... إلخ.
وهذا الأسلوب يسمى في البلاغة العربية "المشاكلة والمناسبة"، وهو أسلوب يتضمن الغاية في الأدب والرجاء، حيث يُسأل كل اسم بما يليق بصفته، وكل هذا يندرج في القدرة الفائقة على تطويع الألفاظ بما يتناسب مع المعنى الشعري، ووزن البيت وقافيته.
وإذا تتبعنا الصيغ الصرفية في المنظومة، نجد أن الناظم وظّف "فعل الأمر" (مِثل: مَلِّكْ، قَدِّسْ، سَلِّمْ، اِقْهَرْ) لا على بابِهِ الأصلي الذي يفيد الاستعلاء، وإنما على سبيل "الدعاء والالتجاء" الصادر من الأدنى إلى الأعلى. هذا التكثيف لأساليب الطلب أخرج القصيدة من إطار "السرد الإحصائي" الجاف للأسماء، إلى فضاء "الصلة التداولية" الحية بين العبد وربه، حيث يتحول كل اسم إلهي إلى مفتاح لباب من أبواب الحاجة البشرية.
ومما يُلاحظ في القصيدة أيضاً كثرة النداءات: (ويا رحمن، ويا رحيم، ويا ملك...)، وهذه العبارة تخلق حالة من الحضور الشعوري والانفعال الوجداني، وكأن العبد واقف بالباب يستعطف ربه نداءً تلو نداء، الأمر الذي يجعل من القصيدة مسائل حيّة وحاضرة، وألفاظاً تنبض بالمناجاة والخشوع.
ومن المعلوم أيضاً أن وضع أسماء الله الحسنى في قصيدة موزونة، يُسهل على العامة والخاصة حفظها واستحضارها في المناجاة والأدعية والأذكار. ومما يزيد الأمر سهولةً استخدام الناظم للألفاظ الواضحة، الجزلة، والسهلة في الوقت ذاته. بعيداً عن التقعر اللغوي والمحسنات البديعية المتكلفة، فجاءت الكلمات منسابة يعلوها نور الصدق وعاطفة العبودية الإيمانية الصافية.
تعكس هذه المنظومة الفلسفة التربوية للإمام الدردير باعتباره شيخاً للطريقة الخلوتية؛ فالغاية من نظمها لم تكن مجرد الثناء النظري، بل صياغة مَعْلمة سلوكية تعين السالك على "التخلق بأخلاق الصفات" والتحقق بمقامات العبودية. فالقراءة المستمرة لهذا النظم تورث في نفس الذاكر توازناً بين "الخوف" الناشئ من التدبر في أسماء الجلال (كالقَهار والـمُنْتَقِم)، و"الرجاء" المنبثق من أنوار أسماء الجمال (كالوَهّاب واللَّطِيف)، وهو ما يمثل جوهر التزكية النفسية في التصوف السني المنضبط.
منظومات أخرى تضمنت الحديث عن أسماء الله وصفاته
جاءت العديد من الأنظام والقصائد التي تعنى بذكر أسماء الله الحسنى في قالب شعري، كله مناجاة ودعاء، وتُقرأ في مجالس الذكر والابتهال، كان أبرزها قصيدة (أحمد الدردير) التي سبق الحديث عنها، ومنها أيضاً:
المنظومة الدمياطية (التوسل بأسماء الله الحسنى):
وهي للإمام شرف الدين الدمياطي (ت 705هـ)، وتُعد من أشهر المنظومات وأقدمها، نُظمت على بحر البسيط أيضاً، وتبدأ بقوله: (بَدَأْتُ بِبِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ فِي الِابْتِدَا ... وَأَحْمَدُهُ شُكْراً عَلَى نِعَمِ الْهُدَى)، ولها مكانة كبيرة في كتب الأذكار والشرائح الصوفية لما يُعرف عنها من التدفق العاطفي.
منظومة أسماء الله الحسنى لابن ناصر الدرعي (ت 1085هـ):
وهي منظومة مغربية شهيرة جداً في غرب العالم الإسلامي، عُرف ناظمها بصاحب "الدعاء الناصري"، وهي منظومة ابتهالية بليغة تُنشد جماعياً في كثير من الأوقات كنوع من الاستسقاء ورفع البلاء.
نصّ القصيدة
تَبَارَكْتَ يَا اللهُ رَبِّي لَكَ الثّنَا … فَحَمْداً لِمَوْلاَنَا وَشُكْراً لِرَبِّنَا
بِأَسْمَائِكَ الْحُسْنَى وَأسْرَارَهَا الَّتِي … أقَمْتَ بِهَا الأَكْوَانَ مِنْ حَضْرَةِ الفنَا
فَنَدْعُوكَ يَا اللهُ يَا مُبْدِعَ الوَرَى … يَقِيناً يَقِينَا الهَمَّ وَالكَرْبَ وَالعَنَا
وَيَا رَبُّ يَا رَحْمَنُ هَبْنَا مَعَارِفاً … وَلُطْفاً وَإِحْسَاناً وَنُوراً يَعُمُّنَا
وَسِرْ يَا رَحِيمَ الْعَالَمِينَ بِجَمْعِنَا … إِلَى حَضْرَةِ القُرْبِ الْمُقَدَّسِ وَاهْدِنَا
وَيَا مَالِكٌ مَلِّكْ جَمِيعَ عَوَالِمي … لِرُوحِي وَخَلِّصْ مِنْ سِوَاكَ عُقُولَنَا
وَقَدِّسْ أيَا قُدُّوسُ نَفْسِي مِنَ الْهَوَى … وَسَلِّمْ جَمِيعِي يَا سَلامُ مِنَ الضَّنَا
وَيَا مُؤمِنٌ هَبْ لِي أمَاناً وَبَهْجَةً … وَجَمِّلْ جَنَانِي يَا مُهَيْمِنُ بِالْمُنَى
وَجُدْ لِي بِعِزٍّ يَا عَزِيزُ وَقُوَّةٍ … وَبِالجَبْرِ يَا جَبَّارُ بَدِّدْ عَدُوَّنَا
كَبِّر شُئونِي فِيكَ يَا مُتَكَبِّرٌ … وَيَا خَالِقَ الأَكْوَانِ بِالفَيْضِ عُمَّنَا
وَيَا بَارِئُ احْفَظْنَا مِنَ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ … بِفَضْلِكَ وَاكْشِفْ يَا مُصَوِّرُ كَرْبَنَا
وَبِالغَفْرِ يَا غَفَّارُ مَحِّصْ ذُنُوبَنَا … وَبِالقَهْرِ يَا قَهَّارُ اقْهَرْ عَدُوَّنا
وَهَبْ لِي أَيَا وَهّابُ عِلْماً وَحِكْمَةً … وَلِلرِّزْقِ يَا رَزّاقُ وَسِّعْ وَجُدْ لَنَا
وَبِالفَتْحِ يَا فَتّاحُ عَجِّلْ تَكَرُّماً …. وَبِالعِلْمِ نَوِّرْ يَا عَلِيمُ قُلُوبَنَا
وَيَا قَابِضُ اقْبِضْنَا عَلَى خَيْرِ حَالَةٍ … وَيَا بَاسِطَ الأَرْزَاقِ بَسْطاً لِرِزْقِنَا
وَيَا خَافِضُ اخْفِضْ لِي القُلُوبَ تَحَبُّباً … وَيَا رَافِعُ ارْفَعْ ذِكْرَنا وَاعْلِ قَدْرَنَا
وَبِالزُّهْدِ وَالتّقْوَى مُعِزٌّ أعِزَّنَا … وَذَلِّلْ بِصَفْوٍ يَا مُذِلُّ نُفُوسَنَا
وَنَفِّذْ بِحَقٍّ يَا سَمِيعُ مَقَالَتِي … وَبَصِّرْ فُؤَادِي يَا بَصِيرُ بِعَيْبِنَا
وَيَا حَكَمٌ يَا عَدْلُ حَكِّمْ قُلُوبَنَا … بِعَدْلِكَ فِي الأَشْيَاء وَبِالرُّشْدِ قَوِّنَا
وَحُفَّ بِلُطْفٍ يَا لَطِيفُ أحِبَّتِي … وَتَوِّجْهُمُ بِالنُّورِ كَيْ يُدْرِكُوا الْمُنَى
وَكُنْ يَا خَبِيرٌ كَاشِفاً لِكُرُوبِنَا … وَبِالْحِلْمِ خَلِّقْ يَا حَلِيمُ نُفُوسَنَا
وَبِالعِلْمِ عَظِّمْ يَا عَظِيمُ شُئونَنَا … وَفِي مَقْعَدِ الصِّدْقِ الأَجَلِّ أحِلَّنَا
غَفُورٌ، شَكُورٌ لَمْ تَزَلْ مُتَفَضِّلاً … فَبِالشُّكْرِ وَالغُفْرَانِ مَوْلاَيَ خُصَّنَا
عَلِيٌّ كَبِيرٌ، جَلَّ عَنْ وَهْمِ وَاهِمٍ … فَسُبْحَانَكَ اللَّهُمّ عَنْ وَصْفِ مَنْ جَنَى
وَكُنْ لِي حَفِيظاً يَا حَفِيظُ مِنَ البَلاَ … مُقِيتٌ أقِتْنَا خَيْرَ قُوتٍ وَهَنِّنَا
وَأنْتَ غِيَاثِي يَا حَسِيبُ مِنَ الرَّدَى … وَأنْتَ مَلاَذِي يَا جَلِيلُ وَحَسْبُنَا
وَجُدْ يَا كَرِيمٌ بِالعَطَا مِنْكَ وَالرِّضَا … وَتَزْكِيَةِ الأَخْلاَقِ وَالْجُودِ وَالغِنَى
رَقِيبٌ عَلَيْنَا فَاعْفُ عَنَّا وَعَافِنَا … وَيَسِّرْ عَليْنَا يَا مُجِيبُ أمُورَنَا
وَيَا وَاسِعاً وَسِّعْ لَنَا العِلْمَ وَالعَطَا … حَكِيماً أنِلْنَا حِكْمَةً مِنْكَ تَهْدِنَا
وَدُودٌ فَجُدْ بِالوُدِّ مِنْكَ تَكَرُّماً … عَليْنَا وَشَرِّفْ يَا مَجِيدُ شُئونَنَا
وَيَا بَاعِثُ ابْعَثْنَا عَلَى خَيْرِ حَالَةٍ … شَهيدٌ فَأشْهِدْنَا عُلاَكَ بِجَمْعِنَا
وَيَا حَقُّ حَقِّقْنَا بِسِرٍّ مُقَدَّسٍ … وَكِيلٌ تَوَكَّلْنَا عَليْكَ بِكَ اكْفِنَا
قَوِيٌّ مَتِينٌ قَوِّ عَزْمِي وهِمَّتِي … وَلِيٌّ حَميدٌ لَيْسَ إلاَّ لَكَ الثَّنَا
وَيَا مُحْصِيَ الأَشْيَاءَ يَا مُبْدِئَ الوَرَى… تَعَطَّفْ عَليْنَا بِالْمَسَرَّةِ وَالْهَنَا
أعِدْنَا بِنُورٍ يَا مُعِيدُ وَأحْيِنَا … عَلَى الدِّينِ يَا مُحْيِي الأَنَامَ مِنَ الفَنَا
مُمِيتٌ أمِتْنِي مُسْلِماً ومُوَحِّداً … وَشَرِّفْ بِذَا قَدْرِي كَمَا أنْتَ رَبُّنَا
وَيَا حَيُّ يَا قَيُّومُ قَوِّمْ أمُورَنَا … وَيَا وَاجِدٌ أنْتَ الغَنِيُّ فَأغْنِنَا
وَيَا مَاجِدٌ شَرِّفْ بِمَجْدِكَ قَدْرَنَا … وَيَا وَاحِدٌ فَرِّجْ كُرُوبِي وَغَمَّنَا
وَيَا صَمَدٌ فَوَّضْتُّ أمْرِي إِلَيْكَ لاَ … تَكِلْنِي لِنَفْسِي وَاهْدِنَا رَبِّ سُبْلَنَا
وَيَا قَادِرُ اقْدِرْنَا عَلَى صَدْمَةِ العِدَا … وَمُقْتَدِرٌ خَلِّصْ مِنَ الغَيْرِ سِرَّنَا
وَقَدِّمْ أمُورِي يَا مُقَدِّمُ هَيْبَةً … وَأخِّرْ عِدَانَا يَا مُؤخِّرُ بِالعَنَا
وَيَا أوّلٌ مِنْ غَيْرِ بَدْءٍ وَآخِرٌ … بِغَيْرِ انْتِهاءٍ أنْتَ فِي الكُلِّ حَسْبُنَا
وَيَا ظَاهِراً فِي كُلِّ شَيْءٍ شُئونُهُ … وَيَا بَاطِناً بِالغَيْبِ لاَ زِلْتَ مُحْسِنَا
وَيَا وَالِياً لَسْنَا لِغَيْرِكَ نَنْتَمِي … فَبِالنَّصْرِ يَا مُتَعَالِياً كُنْ مُعِزَّنَا
وَيَا بَرُّ يَا تَوَّابُ جُدْ لِي بِتَوْبَةٍ … نَصُوحٍ بِهَا تَمْحُو عَظَائِمَ جُرْمِنَا
وَمُنْتَقِمٌ هَاكَ انْتَقِمْ مِنْ عَدُوِّنَا … عَفُوٌّ رَؤُوفٌ عَافِنَا وَارْأفَنْ بِنَا
وَيَا مَالِكَ الْمُلْكِ، العَظِيم بِقَهْرِهِ … وَيَا ذَا الْجَلاَلِ الْطُفْ بِنَا فِي أمُورِنَا
وَيَا مُقْسِطٌ بِالاسْتِقَامَة قَوِّنَا … وَيَا جَامِعٌ فَاجْمَعْ عَليْكَ قُلُوبَنَا
غَنِيٌّ، وَمُغْنٍ، أغْنِنَا بِكَ سَيِّدِي .. وَيَا مَانِعُ امْنَعْ كُلَّ كَرْبٍ يُهِمُّنَا
وَيَا ضَارُّ ضُرَّ الْمُعْتَدِينَ بِظُلْمِهِمْ … وَيَا نَافِعُ انْفَعْنَا بِأنْوارِ دِينِنَا
وَيَا نُورُ نَوِّرْ ظَاهِرِي وَسَرَائِرِي … بِحُبِّكَ يَا هَادِي وقَوِّمْ طَريقَنَا
بَديعٌ فَأتْحِفْنَا بَدَائِعَ حِكْمَةٍ … وَيَا بَاقِياً بِكَ أبْقِنَا فِيكَ أفْنِنَا
وَيَا وَارِثاً وَرِّثْنِ عِلْماً وَحِكْمَةً … رَشِيدٌ فَأرْشِدْنَا إِلَى طُرُقِ الثَّنَا
وَأفْرِغْ عَلَيْنَا الصَّبْرَ بِالشُّكْرِ وَالرِّضَا .. وَحُسْنَ يَقِينٍ يَا صَبُورُ وَوَفِّنَا
بِأسْمَائِكَ الحُسْنَى دَعَوْنَاكَ سَيِّدِي … تَقَبَّلْ دُعَانَا رَبَّنَا وَاسْتَجِبْ لَنَا
بأسْرَارِهَا عَمِّرْ فُؤَادِي وَظَاهِرِي … وَحَقِّقْ بِهَا رُوحِي لأَظْفَرَ بِالْمُنَى
وَنَوِّرْ بِهَا سَمْعِي وَشَمِّي وَنَاظِرِي … وَقَوِّ بِهَا ذَوْقِي وَلَمْسِي وَعَقْلَنَا
وَيَسِّرْ بِهَا أمْرِي وَقَوِّ عَزَائِمِي … وَزَكِّ بِهَا نَفْسِي وَفَرِّجْ كُرُوبَنَا
وَوَسِّعْ بِهَا عِلْمِي وَرِزْقِي وَهِمَّتِي … وَحَسِّنْ بِهَا خَلْقِي وَخُلْقِي مَعَ الْهَنَا
وَهَبْ لِي بِهَا حُباًّ جَلِيلاً مُجَمَّلاً … وَزِدْنِي بِفَرْطِ الحُبِّ فِيكَ تَفَنُّنَا
وَهَبْ لِي أيَا رَبَّاهُ كَشْفاً مُقَدَّساً … لأِدْرِي بِهِ سِرَّ البَقاءِ مَعَ الفَنَا
وَجُدْ لِي بِجَمْعِ الجَمْعِ فَضْلاً وَمِنَّةً … وَدَاوِ بِوَصْلِ الوَصْلِ رُوحِي مِنَ الضَّنَا
وَسِرْ بِي عَلَى النَّهْجِ القَوِيمِ مُوَحِّداً … وَفِي حَضْرَةِ القُدْسِ الْمَنِيعِ أحِلَّنَا
وَمُنَّ عَلَيْنَا يَا وَدُودُ بِجَذْبَةٍ … بِهَا نَلْحَقُ الأقْوَامَ مَنْ سَارَ قَبْلَنَا
وَصَلِّ وَسَلِّمْ سَيِّدِي كُلَّ لَمْحَةٍ … عَلَى الْمُصْطَفَى خَيْرِ البَرَايَا نَبِيِّنَا
وَصَلِّ عَلَى الأَمْلاَكِ وَالرُّسْلِ كُلِّهِمْ … وَآلِهِمُ وَالصَّحْبِ جَمْعاً وَعُمَّنَا
وَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ كُلَّمَا قَالَ قَائِلٌ … تَبَارَكْتَ يَا اللهُ رَبّي لَكَ الثَّنَا
ترجمة الإمام الشيخ أحمد الدردير رحمه الله
هو العلامة الإمام، والفقيه الأصولي، والعارف بالله، الشيخ أحمد بن أحمد بن أبي حامد العدوي المالكي الأزهري، الشهير بـ "الدردير".
ولد سنة (1127 هـ / 1715 م) في بلدة "بني عدي" التابعة لمحافظة أسيوط في صعيد مصر. وحفظ القرآن الكريم في بلدته، ثم رحل إلى الجامع الأزهر الشريف بالقاهرة، فدرس علوم الشريعة واللغة العربية، وتفوق تفوقاً باهراً حتى شهد له شيوخه بالأهلية والتقدم.
ولقب (بالدردير) لحق بجدٍّ له قديم، حيث كان هناك رجل من الصالحين نزل عندهم، وكان يقول للجد: "يا دردير" (وهي كلمة قد تعني في بعض بقاع الصعيد الشيخ أو الرجل الوقور)، فصار لقباً للعائلة.
ومن أبرز شيوخه: الإمام أحمد الصباغ. والإمام علي الصعيدي العدوي (وهو عمدة شيوخه، ولازمه ملازمة تامة). والشيخ شمس الدين الحفني (ومن تبحر الإمام الدردير على يديه في التصوف والسلوك).
يُعد الشيخ الدردير أحد أبرز علماء أهل السنة والجماعة في القرن الثاني عشر الهجري، وإليه انتهت رئاسة المذهب المالكي في الديار المصرية، وصار يُعرف في فقه المالكية بـ "الـمُحقِّق الخاتم". فقد تميز الإمام الدردير بتحرير النقول، وتهذيب المسائل الفقهية، وجمع شتات المذهب المالكي -بعد أن كثرت فيه الأقوال، فصارت كتبه هي العمدة في الفتوى والقضاء عند المالكية.
ولم يقتصر دور الإمام الدردير في الفقه المالكي على النقل والترجيح فحسب، بل اتسمت كتاباته بنزعة تجديدية تهدف إلى تيسير العبارة الفقهية وتقريبها للمشتغلين بالعلم وللعامة على حد سواء. فقد تخلص في شرحه "أقرب المسالك" من تعقيدات المتقدمين وألغازهم اللغوية، مما جعل فقهه يكتسب مرونة عالية في التطبيق الإفتائي، ويسد ثغرة كادت تعزل المذهب عن قضايا العصر ومستجدات الحياة اليومية للناس في ذلك الوقت.
تتلمذ على يد الشيخ الدردير آلاف الطلبة من شتى بقاع العالم الإسلامي، والذين غدوا علماء في بلدانهم، أبرزهم: العلامة شمس الدين محمد بن أحمد بن عرفة الدسوقي (صاحب الحاشية الشهيرة)، والشيخ أبو العباس أحمد بن محمد الصاوي (صاحب حاشية الصاوي). والمؤرخ الشهير الشيخ عبد الرحمن الجبرتي.
كان للشيخ الدردير مواقفه السياسية والاجتماعية: فلم يكن الإمام عالم صومعة، بل كان "قائد رأي" شجاعاً. تولى مشيخة أهل الصعيد في مصر، وكان المرجع الذي يلوذ به الضعفاء والمظلومون. ويذكر التاريخ له مواقف مشهودة في الوقوف بوجه المماليك وحكام عصره لرفع المظالم والضرائب عن عامة الشعب، وكان الحكام يهابونه لصدقه وزهده.
بالإضافة إلى سلوكه الصوفي؛ فقد تولى مشيخة الطريقة الخلوتية بعد شيخه الحفني، وكان تصوفه منضبطاً بالكتاب والسنة، داعياً إلى تزكية النفس والجهاد ومساعدة الخلق.
وقد ترك الإمام الدردير للمكتبة الإسلامية ثروة فقهية ولغوية وعقدية وسلوكية، كُتب لبعضها القبول التام لسهولة عبارتها وعمق مادتها، ومن أهمها:
1. في الفقه المالكي:
الشرح الصغير على أقرب المسالك لـمذهب الإمام مالك: (متناً وشرحاً هو من تأليفه)، ويُعد من أيسر وأدق كتب الفقه المالكي، وعليه حاشية الشيخ الصاوي.
الشرح الكبير على مختصر خليل: وهو شرح حافل وموسع على متن الشيخ خليل (عمدة المذهب المالكي)، وجاءت حاشية الدسوقي عليه مكملة وموضحة لأسراره.
2. في العقيدة والتوحيد:
خريدة التوحيد: منظومة شعرية بديعة في العقيدة الأشعرية، سهلة الحفظ، شرحها بنفسه في كتاب "شرح الخريدة"، ولا تزال تُدرس في الأزهر الشريف حتى اليوم.
3. في السلوك، والأذكار، والرقائق:
منظومة أسماء الله الحسنى (الدرديرية): وهي القصيدة الابتهالية التي نُظمت على بحر البسيط (موضوع السؤال السابق)، والتي يتوسل فيها بأسماء الله الحسنى.
تحفة الإخوان في آداب أهل العرفان: رسالة موجزة وقيمة في التصوف السلوكي والأخلاق.
رسالة في الصلوات الشريفة: المسمى بـ (الصلوات الدرديرية).
4. في علوم أخرى:
رسالة في المعاني والبيان: في علم البلاغة.
شرح على رسالة في الوضع.
وبعد حياة حافلة بالعلم، والتعليم، والإصلاح الاجتماعي، والعبادة، مرض الإمام لأيام ولزم الفراش حتى توفي في 21 من ربيع الأول سنة 1201 هـ (الموافق 1786 م)، وصلي عليه بالجامع الأزهر في مشهد مهيب حضره العلماء والوجهاء والعامة، ودفن بزاويته التي أنشأها بجوار جامع الأزهر، ولا زال مقامه مقصوداً ومعروفاً بالقاهرة.