الشوك والقرنفل
أبو إبراهيم السنوار
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: مع مرور الأيام.. كان على الحياة أن تأخذ شكلها الاعتيادي، وكان على الجميع أن يتكيفوا مع الواقع الجديد بمعطياته. قد عادت المدارس إلى الخيام أو فيما تبقى من أبنية المدارس، بينما الناس أسرى في مخيمات النزوح، يفترشون قوارع الطرق، ويسدلون على أنفسهم قطعاً مستطيلة من الشوادر البيضاء، كثيرٌ منهم يضاجع المقابر، وآخرون يتوسدون رمال الشاطئ، وبالكاد يستطيعون توفير المياه العذبة والمالحة.. وأمام حرّ الصيف وبرد الشتاء لا يملك الغزيّ إلا أن يرضخ لظروف الزمان والمكان، يُساوم البقاء بما بقي فيه من القدرة على الاحتمال..
وفي خضمّ هذا المشهد، ينهض صوت الطفولة شاهداً على فداحة المعنى؛ صوتٌ قديم يتجدّد، لطفلٍ هرع إلى صدر أمّه حين سمع كلمة "الحرب"، دون أن يدرك حقيقتها، لكنه أدرك رهبتها. لقد اختزل هذا الطفل – بعفويته – جوهر الحرب - وهو ما عبّر عنه المؤلف "السنوار" حينما قال: لم أكن أعرف معنى الحرب، ولكنني عرفت أنها شيء مخيف غير عادي ومظلم وخانق اهـ وكذلك الأطفال هنا في غزة يرون الحرب كأشواك مفتولة تُمزّق وجوه الصغار، وتترك الدماء تسيل على أجسادهم.
وأقف عند ذلك السؤال الذي طالما ردَّده الكثيرون: إذا كنا في هذا القهر والإذلال؛ فما هو الشيء الذي لدينا لنخسره ؟! لعل الجواب الذي طرحه المؤلف وغيره حاضرٌ في هذه التجربة القاسية، والتي تكشف أن الخسارة لم تكن يوماً محصورة في المادة؛ بل هي أعمق من أن تُقاس بحسابات الظاهر، وأشدّ حضوراً في وجدان من يُحسن التأمّل والنظر.
الحرب، في جوهرها تتجاوز كل هذه التفاصيل لتفرض حقيقتها العارية؛والتي تعني الاقتلاع الشامل لمعنى الحياة: فقدانٌ للأمن، وتمزيقٌ للإنسان، وانكسارٌ للبيت، وانطفاء الجيل بأكمله. إنها أشبه بممحاةٍ كبرى تمحو الألوان جميعها، وتترك سواداً كثيفاً يستقر في القلوب والعقول. ومن هنا، فإن توصيفها بالخوف ليس مبالغةً، بل هو أدنى ما يمكن أن يُقال في حقّها.
ولما كانت رواية السنوار مرآةً لسرد الوقائع وتفاصيل الأحداث، دفعني ذلك إلى القراءة العميقة لتلك التفاصيل والتفاعل مع أجواء النص الأدبية والنفسية والدينية والثقافية والاجتماعية والوطنية، بحثاً عن تفسيرٍ كثيرٍ من القضايا والتساؤلات حول شخصية المؤلف، ومسيرته النضالية، محاولاً استقراء ما يمكن استقراؤه من هذه الأمور. ويبدو أن هذه الشخصية، كان لها استقلالها الظاهر في الإحساس وجرأةٍ كبيرة في التعبير، كما أنها استوعبت تناقضات الواقع وتعقيداته.
ولعلّ أبرز ما يميّز هذه الرواية إصرارها اللافت -في فصولها الثلاثين- على التقاط التفاصيل الدقيقة؛ إذ لا يمرّ حدثٌ – مهما بدا عابراً – دون أن يُستحضر بكامل ملامحه: أسماء الأشخاص، قراهم، أعمالهم، تفاصيل حياتهم اليومية، بل حتى أدق الجزئيات التي جرت العادة على إغفالها. وهذا التراكم التفصيلي لا يأتي عبثاً، بل يُسهم في بناء ذاكرة حيّة للمكان والإنسان، تُقاوم النسيان، وتُثبت أن ما يبدو صغيراً في الظاهر قد يكون عظيماً في الدلالة. كأبنية المدارس، وأزقة المخيم، وأشكال البيوت، ومكونات كابونة الوكالة، وأزياء المدرسة..
لا أحتفي كثيراً بفكرة مهاجمة مصنع للفواكه والخضروات والذي يعمل فيه عشرات من العمال العرب- وإهداؤها لإيهود باراك!! كما لا أحتفي باستهداف حافلة تُقل العمال الإسرائيليين أثناء عبورها من جمارك رفح على الحدود المصرية!! ولا حتى بتفجير حافلة تُقل مدنيين إسرائليين في رامات جان ! أو إلقاء عبوة متفجرة وسط مدنيين في تل أبيب، وقتل العشرات منهم!!
لكنني أحتفي بفكرة الملاجئ التي ظهرت في بداية الرواية- وهي المكان الآن الذي يحتضن المدنيين، وكنت أتمنى أن يعتني بها المعماريون جيداً، وتنتشر في قطاعنا المحاصر، ويحكي السنوار أنهم كانوا يختبئون في خندق أو في غرفة مظلمة تحت الأرض؛ لأن الحرب قد بدأت.. حتى لو كان الملجأ حفرة نتوارى فيها عن أسباب الفتك والقتل وسيل الدماء.
كما لا تستهويني أفكار القتل الشنيعة ضد العملاء والمشبوهين، والتي كانت تُمارس من البعض، حيث التمثيل بالجثث وبقر البطون، أو جرها بالعربات، أو إحراقها، حيث يتم تجريد الإنسان إنسانيته، نعم هو مجرم، ولكن على الأقل أن لا تمتهن إنسانيته -فقد لقي جزاءه بمفارقة الحياة-، فلم يكن يروقني أن يُلقى هكذا في حاويات القمامة، أو يُكتب على صدره عبارات غير لائقة.. على كُلٍّ .. هذا ما كان يحدث!
ويمتدّ التحليل إلى البنية السياسية، حيث أسهمت بعض العمليات غير المحسوبة في تعقيد المشهد، وتعطيل مساراتٍ وحلول كان يمكن أن تخفف من وطأة الواقع، وقد أدّى ذلك إلى خلق حالةٍ من الاستقطاب الحاد، وشيطنة متبادلة بين الأطراف المختلفة -أعني حماس والسلطة الوطنية-. وقد تداخل في ذلك الخطاب السياسي بالديني، فتولّدت رؤى متشددة، وأحكامٌ متسرعة، أسهمت في تعميق الانقسام، بدل أن تُنتج وعياً جامعاً.
وتتجلى هذه الثنائية بوضوح في الصراع بين الخطاب العقلاني والخطاب العاطفي المتشدّد؛ بين من يرى إمكان التفاوض كأداةٍ من أدوات السياسة، ومن يرفضه رفضاً مطلقاً دون مستندٍ راسخ. وهو صراعٌ لا يعكس اختلافاً في الوسائل فحسب، بل في طبيعة الرؤية إلى الواقع وكيفية التعامل معه.
وفي خضمّ ذلك كله، تظلّ الرواية سجلاً حياً لمجتمعٍ بكامل تفاصيله: قضاياه الاجتماعية، وعاداته، وأفراحه، وأحزانه، وأشكال مقاومته، وتحولاته الفكرية والسياسية. فهي سيرةٌ ذاتية تتجاوز الفرد إلى الجماعة، وتؤرّخ لمكانٍ وزمانٍ بلغةٍ تجمع بين الفصحى ونبض الحياة اليومية، بما فيها من ألفاظ عامية وصورٍ حسية نابضة.
وهكذا، تتكامل عناصر هذا العمل لتقدّم نصاً يتجاوز حدود الحكاية، ليغدو وثيقةً إنسانيةً وتاريخية، تُضيء جوانب معتمة من التجربة الفلسطينية، وتدعو القارئ إلى إعادة النظر في كثيرٍ من المسلّمات، عبر قراءةٍ واعيةٍ تجمع بين العاطفة والعقل، وتوازن بين الألم والأمل..
نعم، لقد امتلأت السجون والمعتقلات بآلاف الأسرى، تتوقد في صدورهم نار الشوق إلى الحرية، ويتطلّعون بقلوبٍ متعبة إلى فسحة الحياة خارج القضبان، حيث الهواء الطليق وكرامة الإنسان؛ غير أنّ هذا الشوق نفسه يظلّ وقوداً للأمل، وبذرةً لا تنطفئ في تربة المعاناة، تُنبئ بأن الفجر – وإن تأخّر – لا بدّ آتٍ، وأن القيود مهما اشتدّت لا تملك أن تُطفئ إرادة الانعتاق.
وقد جلَّت هذه الرواية بوضوح الصراع القائم بين السلطة الوطنية وحركة حماس في صورةٍ رمزية بليغة، عبر ذلك الحوار المتواصل بين الأخوين محمود وحسن؛ إذ يبدو أن السرد يميل إلى الخطاب العقلاني الذي يمثّله محمود، غير أنه لا يُخفي إعجابه بأن تتجسّد هذه الرؤية في شخصيةٍ تجمع بين الالتزام الديني وعمق العبادة. وفي هذا التلاقي بين نور الإيمان وهدى العقل بارقة رجاء، توحي بأن الخلاف – مهما تعمّق – يمكن أن يتحوّل إلى وعيٍ جامع، وأن الطريق إلى الخلاص لا يُبنى بالصدام، بل بالتكامل الذي يُعيد للأمة توازنها، ويفتح لها أبواب المستقبل.
ويبدو أنّ الحميّة قد انزلقت في بعض تجلّياتها إلى مسارٍ آخر، متجاوزةً حدود التدين الرشيد والعقلانية المتزنة، حتى غدا الخطاب عند فريقٍ من الناس مشدوداً إلى حدّة الرفض المطلق؛ إذ يرون أن التفاوض مع اليهود محرّمٌ على الإطلاق، ويُسوّغون ذلك بأنه ضربٌ من الاعتراف بإسرائيل. غير أنّ هذا الطرح، عند التأمّل، يفتقر إلى مستندٍ راسخٍ من عقلٍ أو نقل، ولا ينهض بحجّةٍ تقنع الناظر المتجرّد، بل قد ينزلق بصاحبه إلى تضييق واسعٍ وتقييد ما لم يُقيَّد.
ولعلّ من غواية هذا القول وخطورته أن يتحوّل إلى حكمٍ عام يُجرَّم به كلّ فعلٍ سياسيٍّ من هذا القبيل، وكأنّ الواقع لا يحتمل تنوّع الوسائل واختلاف الاجتهادات. والحال أن القضايا الكبرى، وفي مقدّمتها القضية الفلسطينية، أحوج ما تكون إلى عقلٍ يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الوسائل، بما يحفظ الحقوق ولا يُفرّط فيها، ويفتح – في الوقت نفسه – نوافذ للأمل والعمل، بدل أن يُغلق الأفق بدعاوى لا تسندها حجة، ولا يخدم مآلها قضية ولا إنسان.
ومع تطور هذا المسار، برزت ملامح انفصامٍ حزبيٍّ أخذ يتعمّق تدريجياً، تزامن مع نزوعٍ متزايد نحو التمركز حول الذات، عبر سلسلة من الانقلابات والتحولات السياسية الداخلية، ورفضٍ متصاعدٍ للحلول التي طرحتها السلطة الفلسطينية، بل واعتبار بعض الأطراف نفسها في حلٍّ من الالتزام بها أو التقيد بإطارها.
وقد أدّى هذا التباين الحاد في الرؤى إلى تحوّل الخلاف السياسي إلى جدلٍ فكريٍّ متشنّج، اتخذ في بعض مراحله طابعاً عنيفاً، أنتج لدى بعض العناصر الطائشة خطاباتٍ تكفيرية، تلتها ممارسات غوغائية، ورفع شعاراتٍ مشوّهة ومسبّاتٍ جارحة، لم تُضف إلى القضية شيئاً، بل أضرت بها وأضعفت حضورها الأخلاقي والسياسي.
وفي خضمّ هذا المشهد، لعبت بعض الوسائل الإعلامية دوراً في إذكاء هذا التوتر وتغذيته، عبر خطابٍ منحازٍ وموجّه، أسهم – بوعيٍ أو بغير وعي – في تعميق الانقسام، وتكريس حالة الاستقطاب، بما انعكس سلباً على وحدة القضية ومجمل مسارها الوطني.
ومع بروز عددٍ من الشخصيات ذات الحضور الفكري والدعوي المؤثر، في داخل القطاع وخارجه، أخذ المشهد يتشعّب أكثر بفعل تداخل قضايا حسّاسة، في مقدّمتها ملفّات الإسقاط الأمني وما يرتبط به من اتهامات العمالة، إلى جانب ظواهر الابتزاز الأخلاقي، حيث امتزجت فيه الاعتبارات الأمنية بالجدل القيمي، وتداخل فيه الخاص بالعام على نحوٍ بالغ الحساسية.
وتتسع دائرة القضايا الاجتماعية التي يعالجها المؤلف في هذه الرواية، لتشمل تفاصيل الحياة اليومية في أدقّ تجلياتها؛ من زواج أرامل الشهداء، ورعاية أبناء الشهداء، إلى مسألة المبيت خارج المنزل، وما يرتبط بالذرية وخصوصاً خلفة الإناث، وصولاً إلى طقوس الفرح والزواج بما تحمله من رموز اجتماعية وعادات راسخة. وهي قضايا تبدو في ظاهرها جزئية، لكنها في حقيقتها تعكس بنية المجتمع وهواجسه، وتكشف عن تداخل الخاص بالعام في حياة الناس تحت وطأة الظروف القاسية.
وإلى جانب ذلك، تبرز القضايا الوطنية بوصفها امتداداً مباشراً للهمّ الجمعي؛ فتشمل العمليات الفدائية، والتعامل مع ملف العملاء، والعمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، وما يرافق ذلك من حظر تجوال وهدم بيوت وإضرابات شعبية، فضلاً عن الشعارات الكبرى المتعلقة بالمطالبة بالوحدة العربية.
ومع مرور الزمن، أخذ الخطاب الوطني يتحوّل تدريجياً إلى خطابٍ ذي بعدٍ ديني، تقوده جماعات إسلامية ذات امتداد تنظيمي وفكري، كجماعة الإخوان المسلمين ذات الجذور المصرية، والتي أسهمت في إنشاء مؤسسات وجمعيات تابعة لها، كان من أبرزها الجامعة الإسلامية؛ في تعبيرٍ عن انتقال الفعل الوطني من فضائه السياسي الصرف إلى فضاءٍ أيديولوجي أكثر تركيباً واتساعاً، تتداخل فيه المرجعيات الدينية مع الهمّ الوطني.
ويعرض المؤلف في سياق تأريخه لتلك المرحلة كيف تبنّى الإخوان المسلمين في بداياتهم موقفاً يميل إلى الابتعاد عن العمل السياسي المباشر، مفضلين التركيز على التربية الدعوية وبناء الفرد، وترك المجال العسكري والتنظيمي في تلك المرحلة لمنظمة التحرير الفلسطينية وحركة فتح، مع ما رافق ذلك من جدلٍ حول بعض المواقف التي اعتبرها خصومهم تضليلاً أو طعناً في مشروعية النضال الوطني. غير أن هذا المشهد لم يبقَ على حاله، إذ سرعان ما شهد تحوّلاً لافتاً مع تصدّر الحركة لاحقاً لبعض أشكال العمل المسلح مع بدايات الانتفاضة الأولى، بما يعكس انتقالاً في طبيعة الدور والوظيفة داخل الساحة الفلسطينية.
وفي سياق السرد، تتخلل الرواية بعض الحكايات الجانبية التي كان يمكن الاستغناء عنها، لاقترابها من الطابع الطريف أكثر من كونها جزءاً بنيوياً من الحدث، مثل قصة سرقة ابن العم حسن لنصف الليرة من الجد وما تبعها من عقوبة ربطه في العمود، وكذلك تفاصيل شخصية مرتبطة بعلاقته مع “سعاد”، وما رافقها من مواقف شبابية تتعلق بنظرات الشبان لفتيات المدارس ومعاكستهن داخل أجواء المخيم، وهي مشاهد تُضفي لوناً اجتماعياً على النص لكنها لا تخلو من قابلية الجدل من حيث وظيفتها السردية.
أما على صعيد قضايا النضال الوطني، فيستعرض النص مسار المقاومة الفلسطينية في مواجهة الاحتلال عبر مراحل متعددة، بدءاً من دور بعض المجموعات المسلحة، مروراً بإسهام حركة فتح في إطلاق العمل المقاوم وتنظيم الاحتجاجات الطلابية، ثم بروز الجبهة الشعبية، وصولاً إلى معركة الكرامة بوصفها محطة مفصلية، ثم أحداث أيلول الأسود عام 1970م وما تلاها من انعكاسات، وكذلك الحرب الأهلية في لبنان، وانتهاءً بالإشارة إلى إعلان صدام حسين الحرب على “الكيان” بوصفه حدثاً سياسياً رُوِّج له إعلامياً رغم ما أُثير حوله من تشكيك في واقعيته وجدواه.
وتُعدّ هذه الرواية في جوهرها سيرةً ذاتية للمؤلف، تنفتح على عوالمه الأولى، وتكشف عن البيئة الدينية والنفسية والاجتماعية التي تشكّلت فيها ملامح شخصيته. وهي في الوقت نفسه وثيقةٌ شبه تاريخية لمخيم الشاطئ في مرحلة الاحتلال الإسرائيلي لقطاع غزة، بما يحمله من تفاصيل الحياة اليومية، وتحولات الإنسان تحت ضغط الواقع.
كما تمثّل هذه الرواية تأريخاً مهماً لبدايات العمل المقاوم، ولا سيما ما ارتبط بقوات التحرير الشعبية، التي تشكّلت من بقايا جنود جيش التحرير بعد هزيمة عام 1967م، بوصفها أحد الأذرع العسكرية التابعة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وقد اعتمدت تلك التشكيلات في بداياتها على إمكانات محدودة، تمثلت في بعض البنادق الإنجليزية، وبنادق “الكارلستوف”، والقنابل اليدوية البدائية، في مشهدٍ يعكس بساطة الوسائل مقابل ضخامة الهدف.
ويستعرض النص كذلك جانباً من العمليات النوعية التي نفذها الفدائيون في تلك المرحلة المبكرة، بما يعكس روح المبادرة والتضحية، ويُبرز ملامح تشكّل الوعي المقاوم في سياقٍ تاريخيٍّ شديد التعقيد، حيث كانت الإمكانات شحيحة، لكن الإرادة كانت متقدة، والحلم أكبر من حدود الواقع الضيق.
ويستعيد المؤلف في ثنايا سرده بعض الملامح الشخصية المبكرة التي ارتبطت بتكوّن هويته، إذ كان يُنظر إليه بوصفه امتداداً لما بشّر به الشيخ حامد حين قال لجده: «إن شاء الله سيكون هذا الولد متديناً»، فجاء جواب الجد مؤكِّداً على الرجاء ذاته: «إن شاء الله»، في تعبيرٍ بسيطٍ لكنه عميق الدلالة على تشكّل التوقعات الأولى في محيطه الأسري والديني.
كما يمرّ السرد على تفاصيل الحياة اليومية في المخيم، بما تحمله من بساطةٍ ودفءٍ شعبي، فتبرز بعض الأكلات التقليدية مثل البيصارة والقلاوة، بوصفها جزءاً من الذاكرة الغذائية والاجتماعية التي تحفظ روح المكان.
ويتجلّى في لغة الرواية ميلٌ واضح إلى التخييل البلاغي المكثّف، حيث تُمنح الظواهر الطبيعية أبعاداً شبه درامية؛ فالمطر لا يُذكر بوصفه ظاهرة جوية فحسب، بل يُصوَّر كأنه “يقتحم” البيوت البسيطة، ويشبه “هجوم الليل الكالح” الذي يداهم الناس بوِقعه الثقيل، بينما تُرسم شمس الربيع في صورة “قوةٍ محتلة” تغزو المكان، في تعبيرٍ يعكس حساسية التجربة تحت ضغط الواقع.
وتزدحم الرواية كذلك بمفردات الحياة العامية التي تنبع من البيئة الشعبية الفلسطينية، مثل: “طوشة”، و“دوري”، و“طخيتك”، و“النملية”، و“الكانتين”، و“البابور”، و“زي الزفت”، وغيرها من التعابير التي تمنح النص حيويةً واقعيةً وتقرّبه من نبض الناس اليومي. كما تتجاور هذه المفردات مع دلالات خاصة لبعض الكلمات، مثل “وز” بمعنى الإخبار على سبيل التجسس، و“المسلخ” الذي يُستعار للدلالة على سجون الاحتلال، في توظيفٍ لغويٍّ يعكس قسوة التجربة وتحولاتها الرمزية.
ويستعرض المؤلف كذلك تفاصيل الحياة اليومية في المخيم، فيرسم مشاهد حية لألعاب الأطفال الشعبية، وما يرافقها من أجواء اجتماعية بسيطة تتشكل داخل فضاء المخيم الضيق، كما يلتقط بعين الراصد طقوساً يومية متكررة، مثل تعبئة المياه من صنبور وكالة الغوث، واستلام حصص التموين، والتردد على العيادات الصحية، وهي تفاصيل تبدو عادية في ظاهرها، لكنها في حقيقتها تُجسّد بنية الحياة تحت الحصار والضغط المستمر.
كما يولي السرد اهتماماً بالأجواء الدينية في مدينة غزة ومخيمها، فيصف المساجد بوصفها مراكز روحية واجتماعية في آنٍ معاً، مثل مسجد المخيم ومسجد العباس القريب منه، حيث تتداخل العبادة مع الحياة اليومية، ويغدو المسجد جزءاً من تشكيل الوعي الجمعي والهوية الروحية للمكان.
وتنفتح الرواية، منذ بداياتها، على أفقٍ تاريخيٍّ مشحون، إذ تبدأ من شتاء عام 1967م، في لحظة يخيّم فيها اليأس والإحباط والفوضى، مع بسط الاحتلال سيطرته على قلوب الناس قبل أرضهم، في ظل حيرةٍ عامة عمّا يُراد بهذا الشعب ومصيره. ومن قلب مخيم الشاطئ بمدينة غزة، يعود النص إلى الذاكرة الأولى، مستحضراً رحلة التهجير من قرية الفلوجة عام 1948م، وملامح الطفولة في البيت القديم، ومشاهد الجيش المصري، ثم صدمة “النكسة” وما أعقبها من انهيار عربي، وصولاً إلى دخول الجيش الإسرائيلي إلى قطاع غزة وفرض سيطرته الكاملة عليه، في سياقٍ يُؤسس لزمن الرواية بوصفه زمن الانكسار الكبير وبداية تشكّل الوعي تحت الاحتلال.