المنهل الوريف شرح المختصر اللطيف
علوي بن عبد الله العيدروس
بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة
تمهيد: هذا شرح مبارك لمتن المختصر اللطيف للعلامة العارف الأنور الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بافضل -رحمه الله وأعلى درجاته في الجنان-، وهو متن اعتنى بذكر مهمات المسائل وأبرزها في فقه الطهارة والصلاة ونحوها، وشرحه الشيخ العلامة الفقيه علوي بن عبد الله بن حسين العيدروس وفقه الله تعالى شرحاً متيناً متقناً، وحشد فيه الأدلة القوية الصحيحة، مستنيراً بأقوال الفقهاء والأصحاب.
وقد نفع الله بالمتن والشرح المتعلمين والراغبين في التفقه في الدين، ذلك أن الطريقة المثلى في التفقه هو التدرج في الدراسة من المختصرات إلى المتوسطات إلى المبسوطات، ووهو أحد المعاني المشار إليها قوله تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّنِينَ} [آل عمران: ۷۹] أي: يربون بصغار العلم قبل كباره، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها. وقيل يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده.
وقد استفاد الآخذون للفقه على مذهب الإمام الشافعي من هذا الشرح، وكان ليعضهم سلماً لهم إلى ارتقاء فسيح الرحاب في علوم الشرع والفقه، وقد اعتنى بالشارح عناية فائقة بالنقل من الكتب المعتمدة للأئمة المذهب، فأفاد وأحسن، وكانت بداية هذا الشرح -كما بيّن الشارح- في أوائل العام 1424 هـ، وانتهى منه في المحرم من سنة 1426 هـ، وكتب عليه بعض الزيادات وفرغ منها سنة 1434 هـ.
______________________________________
يقول الشارح في مقدمته:
فهذا شرح مختصر لكتاب الإمام العلامة الشيخ التحرير عبد الله بن عبد الرحمن بلحاج بافضل المسمى المختصر اللطيف، حثني عليه ما ورد في الآيات البينات من الحث على العلم وطلبه، وما جاء عن الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل ذلك، ثم ما ظهر من الإشارات الظاهرات أسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.
وقد عرضت كتابي هذا على كثير من شيوخي وعلى رأسهم سيدي وقدوتي وإمامي العلامة الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم -أطال الله في عمره -وعم به النفع القاصي والداني في الدنيا والآخرة.
وقد شرف هذا الشرح البسيط بتقريظ مبارك، وشيخي العلامة الفقيه التحرير الحبيب زين بن إبراهيم بن سميط فأطلق عليه اسم: المنهل الوريف في شرح المختصر اللطيف - ومعنى الوريف المنتشر الواسع يقولون: شجرة وارفة الظلال أي منتشرة الظلال.
وقد نهج المؤلف في شرحه هذا أسلوب الشيوخ الكرام السابقين ممزوجاً بالأسلوب المعاصر من تفصيل المسائل بما يمكن تفصيله، وحاولت أن أتعرض فيه إلى بعض من خلاف الشيخين الجليلين الشيخ الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي المكي، والشيخ الشمس محمد بن أحمد الرملي وغيرهم من الشيوخ الكرام عليهم رحمة الله على حسب المتيسر والضرورة.
وحاولت أن أزود كل فصل بما يحتاجه من الفوائد والمسائل؛ حتى أعين إخواني من طلبة العلم على إيجاد الكثير من المسائل وأخفف عنهم عناء البحث، وقد أكتبها في بعض الأحيان على شكل فائدة، وأحياناً على شكل مسألة، وقد أدمجها مع الشرح، وقد أنقل عبارة أحد الفقهاء كما هي لوضوحها، وقد أنصص بين بعض كلمات العبارة بقصد توضيحها، فما وجدته في عبارة الفقهاء من تنصيص فاعلم أنه من تصرفي، ووضعت بالهامش مراجع أهم المسائل المذكورة ليرجع طالب العلم إلى الأصل.
________________________________
ويقول أيضاً في مقدمة إحدى طبعاته السابقة:
وقد أضفت في هذه الطبعة بعد تعديلها زيادات توضح الكثير من المسائل وتحل إشكالاتها بعون الله تعالى، وحاولت تصحيح الكثير من الأخطاء المطبعية في النسخ الماضية على قدر المستطاع، فهذه طبعة معدلة على المتن المحقق مزودة منقحة بعون الله تعالى، كما أني أضفت عند ذكر بعض المسائل ما يدل عليها من منظومة الزبد، فيكون الشرح بمثابة الشرح المبسط لبعض أبيات هذه المنظومة المباركة التي عم بها النفع القاصي والداني.
____________________________________
ترجمة مؤلف المختصر اللطيف
بقلم: الشيخ العلامة علوي بن عبد الله بن حسين العيدروس
اسمه ونسبه رضي الله عنه:
هو الإمام العلامة الفقيه التحرير المحقق المدقق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الحاج ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى ابن القاضي أحمد بن محمد بن فضل بن محمد بن عبد الكريم بافضل، القحطاني، السَّعْدِيُّ، المَذْحَجِي، الحضرمي التريمي، ثم الشحري.
والقحطاني: نسبة إلى قحطان بن عابر من ذرية سام بن نوح.
والسعدي: نسبة إلى سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وينتهي نسبه إلى قحطان.
مولده رَضَ اللَّهُ عَنْهُ:
ولد رضي لله عنه ببلد الأسلاف تريم، وتربى في ذلك النعيم، وكانت ولادته سنة خمسين وثمانمائة «٨٥٠هـ»، وتربى في حجر والده الشيخ عبد الرحمن المتوفى سنة ست وستين وثمانمائة «٨٦٦هـ»، وأسرته أسرة بلحاج من الأسر المعروفة بالعلم والصلاح في بلد حضرموت وغيرها، فقد كثر فيهم العلماء العاملين والأولياء الصالحين، وقد سموا بآل بلحاج نسبة إلى جدهم محمد الحاج بن عبد الرحمن بن عبد الله الذي لقب بهذا الاسم؛ وذلك لأنه كان يكثر الحج رضوان الله عليه.
نشأ الإمام عبد الله بن عبد الرحمن نشأة المشتغل بالعلم، المتلهف بقوة الفهم، فحفظ القرآن الكريم وهو صغيراً، كما حفظ في صغره عدة متون في الفقه واللغة، واشتغل بعلم التجويد، واعتنى بالفقه والحديث.
قال في وصفة الإمام العلامة عبد القادر بن شيخ العيدروس في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن العاشر»: ودأب في الطلب، وأكب على الاشتغال حتى برع وتميز واشتهر ذكره وبعد صيته وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم وكان شيخه أبو مخرمة كثير الثناء عليه ولعمري أنه كان بذلك حقيقا وبكل نعت حميد خليقا وكان عالما فاضلا عابدا ناسكا ورعا زاهدا شريف النفس كريما سخيا مفضالاً كثير الصدقة حسن الطريقة لين الجانب صبوراً على تعليم العلم متواضعا حسن الخلق لطيف الطباع أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حسن التوصل لنفع الطلبة وغيرهم كثير السعي في حوائج المسلمين ومصالحهم فكانت له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم وكان كثير التوسط بين سلاطين حضرموت وقبائلها وكان حافظا أوقاته لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة أو ذكر اهـ
شيوخه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
تلقى صاحب الترجمة عن الكثير من الشيوخ الأجلاء، والمتمكنين من العلماء، فمن شيوخه بحضرموت:
١ - الشيخ العارف بالله: إبراهيم بن محمد بن أحمد باهرمز، الشبامي، المتوفى سنة خمس وسبعين وثمانمائة «٨٧٥هـ»، التقى به صاحب الترجمة في شبام قبل سفره إلى الحج، وأخذ عنه أخذ تحقيق، ولبس منه وتحكم له، وكان بصحبة صاحب الترجمة أحد شيوخه وهو الفقيه العلامة عبد الله بن أحمد بامخرمة صاحب عدن كما سنذكره قريبا إن شاء الله، وقد لبس الشيخ بامخرمة كذلك من الشيخ إبراهيم باهرمز.
٢ - الشيخ الجليل العلامة الفقيه الصالح محمد بن أحمد بن عبد الله باجرفيل، الدوعني، الحضرمي، المولود سنة عشرين وثمانمائة، والمتوفى بغيل باوزير سنة ثلاث وتسعمائة «۸۲۰» - «۹۰۳ هـ»، وقد أخذ عنه صاحب الترجمة إجازة خطية له ولأولاده عبد الرحمن وأحمد الشهيد وفضل ومحمد.
وقد ارتحل صاحب الترجمة إلى عدن حينما كانت تزخر بالعلماء والفقهاء في عهد الدولة الطاهرية، فتفقه بها وأخذ عن شيوخها، وكان من أبرزهم:
۳- الإمام العلامة الفقيه النحرير: عبد الله بن أحمد بامخرمه المولود سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، والمتوفى سنة ثلاث وتسعمائة «۸۳۳ - ٩٠٣هـ»، وقد لازمه صاحب الترجمة ملازمة تامة.
٤ - الشيخ الفقيه النحرير: محمد بن أحمد بن عبد الله بافضل، المولود سنة أربعين وثمانمائة، والمتوفى سنة ثلاث وتسعمائة «٨٤٠ - ٩٠٣هـ». وقد حج صاحب الترجمة سنة خمس عشرة وتسعمائة «٩١٥هـ».
ومن شيوخ صاحب الترجمة في مكة المكرمة:
٥ - العلامة القاضي: أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن علي بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي، المولد سنة خمس وعشرين وثمانمائة، والمتوفى سنة واحد وتسعين وثمانمائة «٨٢٥» - «۸۹۱هـ»، وقد تولى القضاء بمكة نحو «۳۰» سنة، وقد أخذ عنه صاحب الترجمة واستجاز منه إجازة عامة.
ومن شيوخ صاحب الترجمة بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام:
٦ - العلامة المحدث: ناصر الدين محمد أبي الفرج بن أبي بكر ابن الحسين المراغي المولود سنة ست وثمانمائة، والمتوفى سنة ثمانين وثمانمائة «٨٠٦ - ٨٨٠هـ».
انتقاله رضي الله عنه إلى الشحر:
[لشَّحر: هي بلدة بساحل حضرموت عرفت بالعلم والعلماء وتسمى «بنت تريم»، وكانت مقصداً للعلماء وطلبة العلم، ويقصدها الكثير من العلماء والأولياء من بلد العلم والعلماء تريم]
-بعد انتشار صيته وعلمه وورعه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في البقاع.. سعى الفقيه العلامة الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد بن حسن بن محمد بن أحمد بن عبسين قاضي الشحر - المتوفى سنة سبع وتسعمائة «٩٠٧هـ» كما في «النور السافر»، أو سنة ثمان وتسعمائة «۹۰۸هـ» كما في تاريخ الشحر لبافقيه سعى هذا الإمام الوصول صاحب الترجمة الشيخ عبد الله بلحاج إلى الشحر للنفع والاستفادة ورتبه للتدريس في الجامع الكبير بالبلد.
قال في «النور السافر»: ومن ذلك - أي: فضائل ابن عبسين - أنه كان السبب في وصول الفقيه العلامة عفيف الدين عبد الله ابن الحاج فضل إلى الشحر وترتيبه مدرسا في الجامع وانتفاع الناس به اهـ.
ولما توفي القاضي ابن عبسين لم يكن بالشحر من يصلح للقضاء غير صاحب الترجمة، فأمره السلطان عبد الله بن جعفر الكثيري أن يتولى القضاء، فَقَبِل رضي الله عنه وأرضاه، وبقي في القضاء إلى سنة خمس عشرة وتسعمائة «٩١٥هـ» حين عزم على الحج فاستقال من القضاء وتوجه للحج.
الآخذين عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
أخذ عن صاحب الترجمة الكثير من طلاب العلم الذين يصعب عدهم، غير أننا نكتفي بذكر بعضهم وهم:
۱ - العلامة السيد عمر بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد ابن الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي، المعروف بصاحب الحمرا، والمتوفى سنة تسع وثمانين وثمانمائة «۸۸۹هـ».
٢ - الشيخ الكبير العارف بالله تعالى السيد عبد الرحمن بن الشيخ علي ابن أبي بكر السكران المولد سنة خمسين وثمانمائة «٨٥٠هـ»، والمتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة «۹۲۳هـ».
۳- الفقيه السيد أحمد البيض ابن عبد الرحمن - الملقب بالجزيرة -ابن الحسين بن علي بن محمد بن أحمد ابن الفقيه المقدم محمد بن علي، والمتوفى سنة خمس وأربعين وتسعمائة «٩٤٥هـ».
٤- الشيخ الفقيه العلامة عبد الله بن محمد بن سهل بن حکم باقشير، والمتوفى سنة ثمان وخمسين وتسعمائة «٩٥٨هـ».
٥ - العلامة الفقيه المؤرخ السيد محمد بن علي بن علوي الخرد والمتوفى سنة ستين وتسعمائة «٩٦٠هـ».
٦ - العلامة القاضي: أحمد شريف ابن علي بن علوي، والمولود يوم الجمعة تاسع شهر ذي الحجة سنة أربع أو خمس وثمانمائة «٨٠٤ - ٨٠٥هـ»، والمتوفى سنة سبع وخمسين وتسعمائة «٩٥٧هـ».
٧- السيد الشريف العلامة محمد بن عبد الرحمن الأسقع ابن الفقيه عبد الله بلفقيه باعلوي، والمتوفى سنة سبع عشرة وتسعمائة «٩١٧هـ».
٨- الفقيه العلامة: عبد الله بن أحمد باس رومي الشحري، والمتوفى بمكة سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة «٩٤٣هـ».
٩ - السيد الشريف المؤرخ عمر بن محمد بن أحمد باشيبان، العلوي الحسيني، والمولود سنة واحد وثمانين وثمانمائة، والمتوفى سنة أربع وأربعين وتسعمائة «٨٨١ - ٩٤٤هـ».
١٠ - الشيخ الفقيه: أحمد بن عبد القوي بن عبد الوهاب بن أبي بكر الحاج بافضل التريمي، والمتوفى سنة خمسين وتسعمائة «٩٥٠هـ».
مؤلفاته رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
للشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بلحاج بافضل العديد من المؤلفات التي حازت القبول وعم بها الانتفاع في شتى البقاع، ولاسيما المختصرات الفقهية منها التي اشتهرت، وغيرها من الكتب التي لم تشتهر، فمن ذلك:
۱- المختصر الكبير في الفقه، والذي يعرف بـ «المقدمة الحضرمية.
٢- المختصر اللطيف في الفقه، ويسمى كذلك المختصر الصغير.
۳- منسك الحج.
٤ - حلية البررة في أذكار الحج والعمرة.
٥ - رسالة في الفلك.
٦ - نزهة الخاطر في أذكار المسافر.
٧- لوامع الأنوار وهدايا الأسرار وودائع الأبرار في فضل القائم بالأسحار.
٨- الحجج القواطع في معرفة الواصل والقاطع.
۹ - مؤلف في معرفة القبلة.
۱۰ - مجموع الفتاوى.
۱۱ -وصية نافعة.
وفاته رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:
ولم يزل الفقيه العلامة عبد الله بلحاج على أحسن سيرة، باذلاً للوقت في نفع الأمة، معلماً ومرشداً وصادعاً بالحق حتى ناداه منادي الرحيل، فلبى نداء ربه، وانتقل إلى رحمته تعالى.
وكانت وفاته عصر يوم الأحد، خامس شهر رمضان سنة ثمان عشرة وتسعمائة «۹۱۸هـ»، ودفن ضحى الاثنين السادس من رمضان، ودفن في طرف البلد بالشحر من جهة الشمال في موضع موات نجدي عقل باغريب بجانب مسجد بن عتيق، وهو أول من دفن هناك، ودفن الناس إلى جانبه حتى صارت مقبرة كبيرة، وعمل على قبره مشهد عظيم وبنيان، وصار مزاراً مشهوداً.
فرحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه دار القرار مع النبي المختار، وجمعنا به آمین.
= مراجع الترجمة «المشرع الروي» «النور السافر» «السنا الباهر»، «تاريخ الشحر» لبافقيه «صلة الأهل»، الضوء اللامع»، «الأعلام للزركشي، «النفحات المسكية من أخبار الشحر المحمية، ترجمة الشيخ عبد الله للدكتور الشيخ محمد بن أبي بكر باذيب في مقدمة شرح المقدمة الحضرمية» طبعة دار المنهاج.
___________________________________________
فائدة «ص 67»
والاستنجاء تعتريه أحكام خمسة وهي:
١- واجب؛ من خروج النجس الملوث.
۲- مندوب؛ من خروج النجس الجامد ومن خروج المني.
۳- مباح؛ من العرق.
٤- مكروه؛ من خروج الريح، وكذا يكره إن كان بحجر الحرم ووجد غیره، وكذا بماء زمزم.
٥- حرام مع الصحة؛ إن كان بمغصوب، ومع عدم الصحة؛ إن كان بمحترم كأكل وأوراق علم شرعي وآلته وجلده.
___________________________________________
فائدة (الوتر مستقلة عن العشاء وبعدها):
الوتر صلاة مستقلة فلا يضاف إلى العشاء، فإن أوتر بواحدة أو بأكثر ووصل.. نوى الوتر، وإن فصل.. نوى الواحدة وتراً، كما في المغني.
_____________________________________
فائدة (في النية) «ص ۱٧٨»:
والنية إنما تكون بالقلب، فلا يكفي النطق بها مع غفلة القلب بالإجماع، فإن أراد النطق بالظهر فسبق لسانه إلى العصر.. لم يضر، بخلاف ما لو تعمد ذلك؛ لأنه يعد تلاعباً.
ويندب التلفظ بالنية ليساعد اللسان القلب، ودليل ذلك القياس فقد «نوى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الحج وتلفظ بالنية»، كما في البخاري، وكذلك في الصوم ولا يقال بأن ما ورد في الصوم هو إخبار بل هو نية؛ وذلك في خبر عَائِشَةَ رَضِي الله عَنْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهَا فَقَالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ» فَقُلْتُ: «لا»، قَالَ: «إِنِّي صَائِمٌ» أخرجه النسائي، فمن قال أن ذلك إخبار لئلا يعملوا طعاماً فقد أخطأ؛ لأنه لا يوجد في البيت طعام أصلاً، وقد قيل بوجوب التلفظ بالنية في كل عبادة.
والنية واجبة في أول الصلاة لا جميعها، فكانت ركناً كالتكبير والركوع، وقيل شرطاً؛ لأنها عبارة عن قصد فعل الصلاة، فتجوز خارج الصلاة. ولهذا قال الإمام الغزالي: هي بالشرط أشبه. اهـ.
وتظهر فائدة الخلاف فيما لو افتتح النية مع مقارنة مفسد من نجاسة أو غيرها وتمت بلا مانع، إن قلنا أنها ركن.. لم تصح وهذا هو المعتمد، أو شرط.. صحت.
ووقت النية أثناء تكبيرة الإحرام، بأن ينوي ويبقى مستحضراً لها حتى ينتهي من التكبير، فلو كبر دون أن يستحضرها، ثم بعد التكبير استحضرها.. لم تنعقد صلاته.
_____________________________________
فائدة:
تندب ولا تجب إضافة الصلاة الله تعالى في النية، ولا يجب ذكر عدد الركعات، ولا نية استقبال القبلة، قال صاحب الزبد: ولا تجب كذلك نية الأداء ولا القضاء؛ بل يصح الأداء بنية القضاء وعكسه، كما قاله الإمام النووي في المنهاج.
فلو صلى الصبح قبل وقته وعليه صبح فائتة وقع عن الفائتة مطلقاً عند الشيخ الرملي، وقيده الشيخ ابن حجر بما إذا لم ينو به صبح اليوم الذي هو فيه على حسب ظنه، وإلا.. لم يقع عن الفائتة، للمنافاة.
_____________________________________
مسألة «ص ۱٧۹»:
لو عقب النية بلفظ «إن شاء الله أو نواها وقصد بذلك التبرك أو أن الفعل واقع بالمشيئة.. لم يضر، أو التعليق أو أطلق.. لم تصح؛ للمنافاة.
_____________________________________
مسألة:
هل تندرج سنة الوضوء وما بعدها من تحية في غيرها من فرض أو نفل ؟
اختار الشيخ الرملي أنها تندرج وإن لم ينوها بمعنى أنه يسقط الطلب ويثاب عليها.
واختار الشيخ ابن حجر أنه يسقط بها الطلب إذا لم ينوها ولا يثاب عليها إلا إذا نواها مع هذه الصلاة، أما ما ليس في معنى النفل المطلق كسنة الضحى فلا تندرج في غيرها من نفل مقصود وفرض؛ بل لو نواها مع ذلك لم تنعقد الصلاة، أما مع النفل المطلق فإنها تندرج.
والخلاصة: أن هناك نفل مقصود وهو ما كان له وقت عينه الشارع، ونفل غير مقصود وهو ما لم يعين بوقت، فالنفل الغير مقصود يندرج في غيره من نفل مقصود وفرض، كما مر في خلاف الشيخين ابن حجر والرملي، والفرض لا يندرج في الفرض، والنفل المقصود لا يندرج في النفل المقصود ولا في الفرض، فلا يجوز التشريك بين فرضين ولا بين نفلين مقصودين، أو بين فرض ونفل مقصود، فإن ذلك مبطل فيما لم يبن على التداخل كالطهارة؛ لأن الطهارة تبنى على التداخل، كما في بشرى الكريم، بمعنى أنه يمكن أن يجدد الوضوء بخلاف الصلاة فلا تجديد فيها بل إعادة ويكون على صورة الفرض.
وقال الشيخ الرملي بجواز جمع قبلية الصلاة مع بعديتها إذا صلاها بسلام واحد، كأن يؤخر القبلية حتى يصلي الفرض، ثم يصليها مع البعدية إما ثمان أو أربع بسلام واحد.
_____________________________________
فائدة «ص ۱٨۲»:
إذا أدرك المسبوق الإمام راكعاً فكبر وركع خلفه لم يخل من أحد صور، يصح التحرم في واحدة منهن فقط وهي: ما إذا قصد بالتكبير التحرم وحده يقيناً، وأوقع جميعه في محل تجزئ فيه القراءة، ومثل ذلك في الصحة ما لو كبر تكبيرتين واحدة للتحرم والأخرى للانتقال.
وست صور لا تنعقد فيها وهي:
۱- أن يقتصر على تكبيرة واحدة وينوي بها الإحرام والركوع.
٢- أن يقتصر على تكبيرة واحدة ولم ينو بها شيئاً.
۳- أن يقتصر عليها وينوي بها الركوع.
٤- أن يقتصر عليها وينوي أحدهما مبهماً.
٥- أن يشك هل نوى بها التحرم وحده أم لا.
٦- أن يقتصر عليها وينوي بها التحرم وحده يقيناً ولكن لم يتم التكبير إلا بعد وصوله إلى محل لا تجزئ فيه القراءة، كأن أتمها وهو إلى الركوع أقرب منه إلى القيام.
ولو كبر تكبيرتين وأطلق في الأولى، وقصد بالأخرى الانتقال صحتعلى المعتمد، كما في البشرى.
_____________________________________
فائدة «ص ۱٨٤»:
هل يشترط مقارنة النية للجليل لو قال الله الجليل أكبر» مثلاً ؟
قال الشهاب الرملي، كما نقله عنه في المغني: «أن كلامهم خرج مخرج الغالب من عدم زيادة شيء بين لفظي التكبير، فلا دلالة على اشتراط المقارنة فيما عدا لفظي التكبير نظراً للمعنى، إذ المعتبر اقترانها باللفظ الذي يتوقف الانعقاد عليه وهو الله أكبر» فلا يشترط اقترانها بما تخلل بينهما» اهـ
_____________________________________
فروع ذكرها في مغني المحتاج:
لو علق الخروج من الصلاة بحصول شيء بطلت في الحال ولو لم يقطع بحصوله كتعليقه بدخول شخص، وفارق ذلك ما لو نوى في الركعة الأولى أن يفعل في الثانية فعلاً مبطلاً للصلاة كتكلم وأكل حيث لا تبطل في الحال.. بأنه هنا ليس بجازم وهناك جازم، والمحرّم عليه إنما هو فعل المنافي للصلاة ولم يأت به.
ولو شك هل أتى بتمام النية أو لا ؟ أو هل نوى ظهراً أو عصراً ؟، فإن تذكر بعد طول زمان أو بعد إتيانه بركن ولو قولياً كالقراءة.. بطلت صلاته لانقطاع نظمها ونذرة مثل ذلك في الأولى -وهي إذا شك هل أتى بتمام النية أو لا -؛ ولتقصيره بترك التوقف إلى التذكر في الثانية - وهي إذا شك هل نوى ظهراً أو عصراً - وإن كان جاهلاً، إذ كان من حقه أن لا يأتي به ويتوقف عن الإتيان به، بخلاف من زاد في صلاته ركناً ناسياً إذ لا حيلة في النسيان، ذكره في المجموع، وبعض الركن القولي فيما ذكر ككله، ومحله إذا طال زمن الشك أو لم يُعد ما قرأه فيه اهـ.
قال في بشرى الكريم: ولو كبر للإحرام تكبيرات ناوياً بكل افتتاحاً.. دخل بالأوتار، وخرج بالأشفاع إن لم يتكلم أو ينو خروجاً أو افتتاحاً بينهما، وإلا.. فيخرج منها ويدخل بالتكبير، فإن لم ينو بغير الأولى شيئاً.. لم يضر اهـ.
_____________________________________
مسائل«ص۱٨٧»:
۱- لو وقف غير عاجز منحنياً إلى قدامه أو خلفه، أو مائلاً إلى يساره أو يمينه بحيث لا يسمى قائماً.. لم يصح قيامه، قال في مغني المحتاج: الانحناء السالب للاسم - أي اسم القيام- أن يصير إلى الركوع أقرب، كما في المجموع، ومقتضاه: أنه لو كان أقرب إلى القيام أو استوى الأمران صح، وهو كذلك، وإن نظر فيه الأذرعي اهـ».
٢- ولو عجز عن الركوع والسجود وأمكنه القيام.. لزمه القيام، كما في نهاية الزين، ومثله لو قال شخص: لا أستطيع أن أصلي بركوع وسجود معاً إما أن أصلي جالساً مع السجود أو قائماً مع الركوع فعليه القيام؛ لأنه ركن.
٣- لو قدر في أثناء صلاته على القيام أو القعود كأن كان مضطجعاً أو عجز عنه.. أتى بالمقدور وبنى على قرأته، ويستحب إعادة القراءة في الأوليين وهما القدرة على القيام من القعود والقدرة على القعود من الاضطجاع؛ لتقع حال الكمال.
٤- إن قدر على القيام قبل القراءة.. قرأ قائماً، أو على القعود.. قرأ قاعداً كذلك، ولا تجزئه قراءته في نهوضه؛ لقدرته عليها فيما هو أكمل منه وهو القيام أو القعود، فلو قرأ في نهوضه شيئاً.. أعاده، وتجب القراءة في هوي من عجز عن القيام أو القعود؛ لأنه أكمل مما بعده، كما في مغني المحتاج.
٥- لو قدر على القيام بعد القراءة وجب قيام بلا طمأنينة ليركع منه لقدرته عليه أي القيام، وإنما لم تجب الطمأنينة لأنه أي القيام غير مقصود لنفسه إنما للركوع منه، وإن قدر على القيام أثناء الركوع قبل الطمأنينة ارتفع للطمأنينة إلى حد الركوع عن قيام، ولا ينتصب قائماً فإن انتصب ثم ركع بطلت صلاته لما فيه من زيادة ركوع، أما لو قدر على القيام أثناء الركوع بعد الطمأنينة فقد تم ركوعه، ولا يلزمه الانتقال إلى حد الراكعين.
٦- لو قدر على القيام أثناء الاعتدال قبل الطمأنينة.. قام واطمأن، وكذا بعد الطمأنينة إن أراد قنوتاً محله، وإلا.. فلا يلزمه القيام؛ لأن الاعتدال ركن قصير فلا يطول، فإن قنت قاعداً مع القدرة على القيام.. بطلت صلاته.، كما«» في المغني.
_____________________________________
فائدة (ص ۱۹٠)
لا أثر للشك في حرف من حروف الفاتحة؛ لأن الظاهر حينئذ مضيها تامة؛ ولأن الشك في حروفها يكثر لكثرتها، فعفي عنه للمشقة واكتفي فيها بغلبة الظن، والشك في بعضها قبل تمامها يوجب استئنافها، أما الشك في بعضها بعد تمامها فلا يؤثر، والشك في أصلها يوجب استئنافها ولو بعد تمامها؛ لأن الأصل عدم القراءة.
_____________________________________
فائدة (ص ۱۹۱):
لو شك أثناء قراءة الفاتحة في ترك البسملة مثلاً ثم ذكر أنه أتى بها.. لزمه إعادة ما قرأه على الشك فقط عند الشيخ ابن حجر والشيخ الرملي؛ إذ ما قرأه مع الشك كالأجنبي لتقصيره بقراءته، وقال الشيخ ابن سريج: يجب استئنافها.
وإن سكت سكتة قصيرة وقصد بها قطع القراءة.. انقطعت مباشرة، بخلاف مجرد قصد قطع القراءة بلا سكوت فإنها لا تنقطع حتى يقطعها، قال في بشرى الكريم: وإنما بطلت الصلاة بنية قطعها؛ لأن النية ركن في الصلاة، فتجب إدامتها فيها حكماً، والقراءة لا تفتقر إلى نية لها خاصة، ومن ثم لم تؤثر نية قطع الركوع أو غيره من الأركان غير النية اهـ.
وإن تخلل الفاتحة آية من غيرها أو ذكر أجنبي وإن قل كالحمد لله، ولو من عاطس.. انقطعت الفاتحة، إلا إذا كان ناسياً أو جاهلاً معذوراً بجهله فلا تنقطع ويسجد للسهو.
_____________________________________
فائدة (ص ۱۹۲):
إذا ابتدأ المصلي في الفاتحة بالبسملة ثم عطس فقال الحمد لله، فإن قصد تشميت نفسه.. انقطعت الفاتحة، وإن قصد القراءة.. استمر فيها ولا شيء عليه.
_____________________________________
مسألة: خلاصة اللحن في الفاتحة (ص ۱۹۲):
والخلاصة: أن اللحن إما أن يغير المعنى وإما لا يغيره.
-فإن لم تغير المعنى ففيه التفصيل التالي:
١- إن كان ناسياً أو جاهلاً.. لم يضر. ٢- وإن كان متعمداً.. بطلت الكلمة نفسها، ولزمه إعادة الكلمة إن لم يطل الفصل، فإن طال الفصل.. أعاد الفاتحة كلها.
- إن غير المعنى ففيه التفصيل التالي:
١- إن تعمد.. بطلت صلاته. ٢- وإن لم يتعمد.. بطلت قراءة الكلمة نفسها، ولزمه استئنافها إن لم يطل الفصل، وإلا.. استأنف الفاتحة كلها.
فالخطأ يبطل الفاتحة دون الصلاة في حالتين:
١- إذا لم يتغير المعنى، وكان عامداً عالماً بالخطأ.. فيلزمه إعادة الكلمة التي أخطأ في نطقها إن لم يطل الفصل، وإلا.. استأنفها. ٢- إذا تغير المعنى وكان ناسياً أو جاهلاً معذور بجهله.
وتبطل الصلاة بالخطأ في حالة واحدة وهي: إذا تغير المعنى وكان عامداً عالماً.
ولا يبطل شيء منهما في حالة واحدة وهي: إذا لم يتغير المعنى وكان ناسياً أو جاهلاً معذوراً بجهله، ولم يقصر بترك التعلم، وإلا.. جرى عليه حكم العامد العالم وهو بطلان الكلمة التي أخطأ فيها، أما إن قصد اللعب.. بطلت الصلاة مطلقاً.
ومن اللحن المغير للمعنى: تاء أنعمت إذا كسرها أو ضمها، أو كسر كاف إياك لا ضمها، كما في فتح المعين. وقال الشيخ البجيرمي: المعتمد أنه متى تعمد ضر وإن لم يغير المعنى؛ لأن الكلمة حينئذ صارت أجنبية اهـ
_____________________________________
فائدة (ص ۱۹٤):
وقال في بغية المسترشدين:
(مسألة: ب: - أي العلامة الحبيب عبد الله بن الحسين بن عبد الله بلفقيه. لو أبدل الضاد ظاء في الفاتحة.. بطلت صلاته في الأصح، ومقابله وجه قوي -يجوز تقليده أنها لا تبطل لعسر التمييز بينهما، وفي تفسير الفخر الرازي: تجوز القراءة بإبدال الضاد ظاء لتشابههما، وهذا يخفف عن العوام، ويوجب عدم التشديد والتنطع عليهم) اهـ.
_____________________________________
مسألة النطق بالقاف اليابسة:
قال في بغية المسترشدين: واختلف العلماء في النطق بقاف العرب المترددة بينها وبين الكاف، فقال كثيرون: تجزئ القراءة بلا كراهة، منهم المزجد والشيخ زكرياء الأنصاري في شرح البهجة وابن الرفعة وعلماء حضرموت وأولياؤها.
وقد سأل العلامة القاضي سقاف بن محمد شيخه العلامة عبد الرحمن بن عبد الله بلفقيه عن القراءة بها فأجابه بأن لا ينهى من قرأ بها، وأن يقرأ هو بها قال: وعندنا من الاطلاع على صحة الصلاة بلا كراهة شيء كثير اهـ.
وعن صاحب القاموس أنها فصيحة، وروي أنه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نطق بها، بل نقل الشعراني عن ابن عربي أن شيوخه لا يعقدون القاف، ويزعمون أنهم أخذوها عن شيوخهم، وهكذا إلى الصحابة إلى النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وفي الأسنى والنهاية والإقناع صحتها مع الكراهة، وقال ابن حجر والطبري وعبد الله بن أبي بكر الخطيب بعدم الإجزاء، مع أن الثقات نقلوا أن الخطيب المذكور كان يصلي بالناس في جامع مدينة تريم بهذه القاف المذكورة، ويقتدي به الأكابر كالقطب الحداد والعلامتين أحمد الهندوان وعبد الله بن أحمد بلفقيه.
والذي نعتمده ونشير به عدم الإنكار على من يقرأ في الصلاة وخارجها بقاف العرب أو المعقودة، إذ كل منهما قائل بصحتها أئمة لا يحصون، أما عملنا فبالقاف المعقودة، إذ الجمهور من سائر المذاهب قائلون بصحتها بلا كراهة بخلاف الأخرى، فحينئذ فمن قدر على النطق بالمعقودة على وجهها من غير شائبة بغيرها مع صفاء ما قبلها ومن غير رياء وتكلف مناف الخشوع فالأولى له القراءة بها، وإلا.. فالأولى بل المتعين النطق بالأخرى وهذا شأن الكثير، ولعل هذا هو السبب في اختيار سلفنا لقاف العرب، وكفى بهم أسوة» اهـ.
_____________________________________
فائدة في "الركوع" (ص ۱۹٨):
والركوع من خصائص هذه الأمة، إذ الأمم السابقة لم يكن في صلاتهم ركوع. وأما قوله تعالى: {وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران: ٤٣] أي: اخضعي مع الخاضعين؛ لأنه قيل أن معنى الركوع في اللغة الخضوع، كما في إعانة الطالبين.
وأقل الركوع: أن ينحني قدر بلوغ راحتيه ركبتيه بطمأنينة بحيث ينفصل رفعه عن هويه.
وأكمله: تسوية ظهره وعنقه بحيث يصير كالصفيحة الواحدة ونصب ساقيه وفخذيه ولا يثني ركبتيه ليتم له تسوية ظهره، وأخذ ركبتيه بيديه وتفرقة أصابعه تفرقاً وسطاً إلى القبلة.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٠٠):
لو هوى إمامه فظن أنه سجد لتلاوة فتابعه فبان أنه ركع، قال الشيخ ابن حجر يقوم إلى القيام ثم يركع ولا يقوم راكعاً، وقال الشيخ الرملي يقوم راكعاً ويحسب له هويه للسجود بدلاً من هوي الركوع.
أما العكس كأن هوى إمامه فظن أنه هوى للركوع فبان أنه لسجود تلاوة أجزأه هويه؛ إذ أن سجود التلاوة ليس بركن.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٠٣):
لا يجزئ في السجود وضع أصبع زائدة وإن نقض مسها.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٠٤):
لو قطعت يده من الزند.. لم يجب وضعها، ولا وضع رجل قطعت أصابعها لفوت محل الفرض.
_____________________________________
تنبيه (ص ۲٠٥):
الظاهر والصريح أن السجود وضع الجبهة فقط، وأن وضع بقية الأعضاء شروط، قال في بشرى الكريم: وقال الشيخ البجيرمي وصريح كلامه في المنهج أن مسمى السجود وضع الجبهة فقط، والبقية شروط له، وقيل: مسمى السجود وضع الجميع اهـ. ورجح هذا القول الأشخر، كما بسطته في الأصل اهـ.
_____________________________________
مسألة (ص ۲۱۱):
يشترط مع نية السلام على من على جانبه والرد على الإمام، كما مر.. نية سلام الصلاة؛ لأنه لو نوى مجرد الرد أو السلام على من ذكر ضر، وهذا هو المعتمد من خلاف في ذلك، كما ذكره العلامة عبد الله العمودي في كتابه عمدة الطالبين، وقال في إعانة الطالبين:
(تنبيه) قال سم: هل يشترط مع نية السلام أو الرد فيما ذكر على من ذكر نية سلام الصلاة ؟ حتى لو نوى مجرد السلام أو الرد ضر الصارف، وقد قالوا: يشترط فقد الصارف، أو لا يشترط فيكون هذا مستثنى من اشتراط فقد الصارف لوروده ؟ فيه نظر، ولعل الأوجه الأول، ولا يقال هذا مأمور به فلا يحتاج لفقد الصارف؛ لأن نحو التسبيح لمن نابه شيء والفتح على الإمام مأمور به، مع أنه لو قصد مجرد التفهيم ضر وبطلت صلاته اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۱٦):
للأصابع ست حالات في الصلاة: فحالة الرفع في نحو التحرم يندب تفريقها، وحالة القيام والاعتدال تفرق، وحالة الركوع تفرق على الركبتين، وحالة السجود تضم وتوجه للقبلة، وحالة الجلوس بين السجدتين كالسجود على الأصح، وحالة التشهد تقبض اليمنى لا المسبحة وتبسط اليسرى مضمومة. اهـ كردي وش ق» اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۱٧):
قال في بغية المسترشدين: قال في حاشية الجمل: يفوت دعاء الافتتاحوالتعوذ بالإتيان بما بعدهما من التعوذ في الأول، والبسملة في الثاني عمداً أو سهواً، بخلاف ما لو سبق لسانه اهـ.
وقال في بغية المسترشدين أيضاً: (مسألة: ك) - أي الكردي - ينبغي للمأموم السامع قراءة إمامه الاقتصار في الافتتاح على نحو وجهت وجهي الخ، وأن يسرع به ليستمع القراءة؛ بل لا يسن للمأموم الافتتاح إلا إذا علم إمكانه مع التعوذ والفاتحة قبل ركوع إمامه، فلو أمكنه البعض أتى به اهـ.
ودعاء الافتتاح ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول قوله: الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا.
والقسم الثاني قوله: وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين.
والقسم الثالث قوله: إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين، ولو أراد الاقتصار على أحدهما فالأفضل الثاني.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۱٨):
ينبغي للمصلي إذا قال في الافتتاح وأنا أول المسلمين» أن يقصد القراءة لا المعنى الأصلي أو يطلق، وهذا بالنسبة لغير النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال في حاشية الجمل وأما غيره - أي النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - فلا يقصد هذا المعنى، فلو قصده.. كفر بل يقصد القراءة أو يطلق) اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۱٨):
فائدة ذكرها في بغية المسترشدين:
(يندب التعوذ لكل ركعة والأولى آكد، ويندب أيضاً لقراءة القرآن خارج الصلاة، بل أفتى أبو حويرث بندبه لقراءة الحديث والفقه والنحو والأذكار، قال: وإذا أتى بالبسملة بقصد القراءة سن لها التعوذ، أو التبرك فلا) اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۱۹):
ذهب الشيخ ابن حجر تبعاً للإمام النووي إلى أنه يندب التعوذ لمن يأتي بذكر بدل الفاتحة حيث قال في التحفة: وبحث عدم ندبه - أي التعوذ - لمن يأتي بذكر بدل الفاتحة مردود بأن الأوجه خلافه؛ لأن للنائب حكم المنوب عنه) اهـ.
وقال في حاشية الجمل: وعبارة شيخنا يستحب ـ أي التعوذ ـ لعاجز أتى -بذكر بدل القراءة فيما يظهر، خلافاً لصاحب المهمات اهـ. ومراده بشيخنا الشَّيْخِ عَطِيَّةُ الْأَجْهُورِيُّ.
ووافقهم الشيخ الرملي في ذلك وعبارته في النهاية: ويستحب لعاجز أتى بذكر بدل القراءة فيما يظهر، خلافا لصاحب المهمات اهـ.
وخالفهم الخطيب حيث قال في المغني: تنبيه: كلام المصنف - أي النووي - يقتضي استحباب التعوذ لمن يأتي بالذكر للعجز، كما أنه يأتي بدعاء الافتتاح، وقال في المهمات: أن المتجه أنه لا يستحب، وهو ظاهره؛ لأن التعوذ لقراءة القرآن العظيم، ولم يوجد، بخلاف دعاء الافتتاح اهـ.
_____________________________________
مسألة (ص ۲۲٠):
لو تعارض التعوذ ودعاء الافتتاح بحيث لم يسع الوقت إلا واحداً منهما أيهما نقدم ؟ قال الشرواني في حاشيته على التحفة ما نصه: (فرع) تعارض التعوذ ودعاء الافتتاح بحيث لم يمكن إلا أحدهما دون الجمع بينهما، فهل يراعى الافتتاح؛ لسبقه، أو التعوذ؛ لأنه للقراءة الأفضل والواجبة ؟ فيه نظر سم على حج أقول: الأقرب الثاني؛ لأن المقصود منه التحفظ من الشيطان وأيضاً فهو مطلوب لكل قراءة ع ش اهـ.
وقال في بشرى الكريم الافتتاح أفضل منه - أي التعوذ - للقول بوجوبه.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۲۱):
يسن بعد (ولا الضالين) وقيل بعد (آمين)، كما في الخبر: (رب اغفر لي).
قال السيد عمر البصري: (فإن زاد ولوالدي ولجميع المسلمين.. لم يضر) اهـ، وهو مساوي لقول غيره: لا بأس بذلك، أي: أنه لا مسنون ولا مكروه.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۲٨):
التغميض في الصلاة تعتريه أحكام أربعة وهي:
۱- مستحب، إن كان يساعده على الحضور والخشوع.
٢- واجب، إن كان أمامه ما يحرم النظر إليه كالنساء الأجنبيات.
٣- حرام، كما في صلاة الخوف.
٤- خلاف الأولى، إن كان لغير حاجة.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۲۹):
لو تعارض الترتيب وتطويل الأولى، كأن قرأ في الأولى (الإخلاص) فهل يقرأ في الثانية (الفلق) نظراً للترتيب، أو يقرأ (الكوثر) نظراً للتطويل ؟
الأقرب الأول وهو مراعاة الترتيب، وأفضل منه أن يقرأ في الثانية بعض الفلق ليجمع بين الترتيب والتطويل، أو يقرأ في الأولى الإخلاص والفلق وفي الثانية الناس، كما هو عمل بعض شيوخنا.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٣۱):
الأول سترته سترة الإمام، ومراتب السترة هي:
١- شاخص أو جدار أو سارية، ويشترط في ذلك أن لا ينقص ارتفاعه عن ثلثي ذراع، ولا يبعد عنه أكثر من ثلاثة أذرع، وتحسب الثلاثة الأذرع عند الشيخ ابن حجر من العقب، ومن رؤوس الأصابع عند الشيخ الرملي.
٢- أن ينصب عصاً أمامه، والأفضل، كما أسلفنا عن يمينه أو يساره، أو يجمع تراباً أو حجراً.
٣- أن يفرش سجادة، والعبرة بأعلاها فإن بعد أعلاها أكثر من ثلاثة أذرع.. لم يعتد بها
٤- أن يخط خطاً طولاً لا عرضاً، والعبرة بأعلى الخط، كما في المرتبة الثالثة.
وإذا وجدت مرتبة من مراتب السترة الأربعة الآتية.. لم يعتد بالتي بعدها فوجودها كعدمها.
فإن كانت السترة معتبرة.. حرم المرور، وندب حينئذ للمصلي دفع المار، أما إذا كانت السترة غير معتبرة.. فيكره المرور، ولا يندب له دفع المار.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٣۲):
يقولون رجل يحمل مسجده فوق ظهره، وذلك أن له سجادة مثلاً فيوقفها مسجداً بعد أن يثبتها في ملك له لمدة ثلاثة أيام، ثم يحملها ويكون حكمها کحكم المسجد، كما سيأتي تبيين ذلك في باب الاعتكاف إن شاء الله تعالى.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٣۲):
والاستعاذة عند آية العذاب، وأن يأتي بما يناسب المقام، فلو قرأ آية فيها اسم الحبيب صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. ندب له الصلاة عليه في الأقرب بالضمير فيقول ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) ولا يقول (اللهم صلي على محمد)؛ للخلاف في بطلان الصلاة بنقل الركن القولي لأنه على صورته، كما تقدم.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٣٥):
قال في التحفة: (تنبيه): كان الكلام جائزاً في الصلاة، ثم حرم، قيل: بمكة، وقيل: بالمدينة، وبينت ما في ذلك من الإضطراب مع الراجح منه في شرح المشكاة، وممن اعتمد أنه بمكة الإمام السبكي فقال: أجمع أهل السير والمغازي أنه كان بمكة حين قدم ابن مسعود من الحبشة، كما في صحيح مسلم وغيره. اهـ. ولك أن تقول صح ما يُصرح بكل منهما في البخاري وغيره فيتعين الجمع، والذي يتجه فيه أنه حُرّم مرتين ففي مكة حرم إلا لحاجة وفي المدينة حرم مطلقاً وفي بعض طرق البخاري ما يشير إلى ذلك اهـ.
وهل تبطل الصلاة بإجابته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ الجواب: أنها لا تبطل الصلاة بإجابته صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في حياته، وبعضهم ألحق به سيدنا عيسى بن مريم عَلَيْهِ السَّلام إذا نزل، وبعضهم جعل ذلك خصوصية للنبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٣٦):
فائدة: هل الخطوة نقل رجل واحدة فقط حتى يكون نقل الأخرى إلى محاذاتها خطوة أخرى أو نقل الأخرى إلى محاذاتها داخل في مسمى الخطوة ؟
قال ابن أبي شريف في شرح الإرشاد كل منهما محتمل والثاني محتمل.
وقال في المغني: التعاقب أو المعية مرتين مختلفتين وكذا الرجلان اهـ -أي: نقل الأخرى إلى محاذاتها داخل في مسمى الخطوة ـ أما نقل كل من الرجلين على التعاقب إلى التقدم فخطوتان فلا إشكال. اهـ
والمتجه ما قاله في ذلك شيخي- أي الإمام أحمد الرملي- وهو نقل الرجل الأخرى خطوة ثانية مطلقاً؛ لأن الخطوة بفتح الخاء المرة الأولى، وأما بالضم فاسم لما بين القدمين اهـ.
قال في الإعانة: والحاصل إن الذي اعتمده ابن حجر في التحفة والشهاب الرملي وابنه والخطيب وغيرهم أن نقل الرجل الأخرى خطوة ثانية سواء نقلت إلى محاذاة الأولى أو إلى أبعد منها أو أقرب، والذي اعتمده ابن حجر في شرحي (الإرشاد) وشرح (بافضل) أن نقل الرجل الأخرى إلى محاذاة الأولى مع التوالي ليس خطوة ثانية، بل هو مع النقل الأول خطوة واحدة، وإن لم يكن إلى محاذاة الأولى، أو كان ولكن ليس على التوالي فخطوة ثانية.
واختلف أيضاً فيما لو رفع الرجل لجهة العلو ثم لجهة السفل، فقيل: يُعدُّ ذلك خطوة واحدة، قال البجيرمي: وهو المعتمد، وقال سم ينبغي أن يعد ذلك خطوتين اهـ.
بخلاف ذهاب اليدين وعودها على الاتصال أي دون أن تنفصل الحركة بملامسة شيء ولو انفصلت بالسكون فأن عودها على الاتصال يعد مرة واحدة، وكذا رفعها أي اليد ثم وضعها ولو في غير موضعها يعد مرة واحدة، أما ذهابها وعودها مع الانفصال فيعد حركتان، وأما رفع الرجل فإنه يعد مرة، ووضعها يعد مرة ثانية إن وضعها في غير موضعها، أما لو وضعها في موضعها.. فإنها تعد حركة واحدة، والفرق بين اليد والرجل أن الرجل عادتها السكون بخلاف اليد فإن عادتها الحركة.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٣۹):
قال في البغية مسألة (ب) - أي العلامة عبد الله بن الحسين بلفقيه - تبطل الصلاة بالحركات المتواليات ولو مندوبة كرفع يديه عند تكبيرة الإحرام مع تحريك نحو الرأس، وتصفيق المرأة لموجبه؛ لأنه إذا لم يغتفر الثلاث لعذر کنسیان فأولى لأجل مندوب - أي فأولى أن لا تغتفر لأجل مندوب - قاله ابن حجر، وفرق أبو مخرمة بين أن يكون لهيئة الصلاة كرد اليد لما تحت الصدر والرجل إلى محاذاة الأخرى.. فيغتفر، إذ هو مأمور به في كل لحظة، أو لغيرها.. فلا، والإحباط لا يخفى اهـ. قلت: واعتمد الرملي عدم البطلان بالحركة المندوبة مطلقاً وإن كثرت. اهـ.
وقوله (مع تحريك نحو الرأس) يفيد البطلان مطلقاً أي سواء وقع تحريكها في آن واحد أو على التوالي.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٤٧):
لو شك في ترك بعض من أبعاض الصلاة سجد للسهو؛ لأن الأصل عدم فعله، أو شك في ارتكاب منهي عنه.. فلا، وإن أبطل عمده كالكلام القليل؛ لأن الأصل عدمه، كما مرّ، ولو سها وشك هل سها بترك البعض أو بارتكاب المنهي.. سجد لتيقن مقتضي السجود وهو السهو.
ولا يضر الشك بعد السلام في ترك ركن، إلا الشك في ترك النية أو تكبيرة الإحرام، أو الطهارة إذا تيقن الحدث قبل الصلاة ثم شك بعدها هل تطهر أم لا ؟، بخلاف ما لو تيقن الطهارة قبل الصلاة، ثم بعد السلام شك في رفعها.. فالأصل بقائها، ولا يضر الشك في رفعها حينئذ.
ولو تذكر أثناء الصلاة ترك ركن أو شك في فعله.. أتى به إن لم يصل إلى مثله من الركعة التالية، فإن وصل إلى مثله من الركعة التي تليها.. لم يعد إليه؛ بل لزمه زيادة ركعة؛ لأن الركعة التي فيها المتروك لغو، ولو ترك ركناً عامداً عالماً.. بطلت صلاته، وهذا بالنسبة للإمام والمنفرد؛ أما المأموم.. فلا يعود؛ بل يزيد ركعة بعد سلام إمامه، كما تقدم.
فإن شك أثناء الصلاة في النية أو تكبيرة الإحرام ولم يتذكر عن قرب... بطلت صلاته؛ لأنه لا يتأتى الرجوع إليهما إلا ببطلان الصلاة فهما لا يتكرران.
ولو شك قبل السلام في عدد الركعات.. بنى على اليقين وهو الأقل، ولم يعتمد في ذلك على قول غيره، ويسجد للسهو.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٤۹):
لو سلم الإمام ناسياً أن عليه سجود سهو، ثم تذكر قبل طول الفصل، ولم يطأ نجاسة، وعاد ليسجد، فهل يسجد معه المأموم، أم لا ؟ فيه تفصيل:
١- إن كان المأموم موافقاً وتأخر ليسجد لسهو إمامه، فعاد الإمام.. لم يسجد معه مرة أخرى، سواء أسجد قبل عود إمامه أم لا؛ لأنه قطع القدوة بسجوده إن كان قد سجد قبل عود إمامه، وباستمراره في الصلاة بعد سلام إمامه إن لم يكن قد سجد قبل عود إمامه؛ بل يسجد في هذه الحالة منفرداً.
٢- إن كان المأموم مسبوقاً.. فيلزمه حينئذ أن يسجد مع إمامه، حتى لو كان قد قام.. فيلزمه العودة ليسجد مع إمامه، كما قاله الأسنوي.
والفرق بين هذه الحالة والتي قبلها: أن قيامه لذلك ـ أي إتمام ما عليه ـ، كما في الصورة الثانية واجب، وتخلفه ليسجد لسهو إمامه، كما في الصورة الأولى مخير فيه، وقد اختاره فانقطعت القدوة.
٣- لو سلم معه المأموم، فإن كان المأموم كذلك ناسياً.. لزمه موافقة إمام في العود والسجود؛ لموافقته له في السلام ناسياً، فإن تخلف عنه.. بطلت صلاته، وهذا عند عدم المنافي للسجود، أما لو وجد منافياً كأن أحدث المأموم بعد السلام مباشرة أو نوى الإقامة وهو قاصر، أو بلغت سفينته دار إقامته أو نحو ذلك.. لم يعد معه.
أما لو سلم المأموم عامداً مع علمه بسجود السهو.. لم يوافق الإمام إذا عاد لقطعه القدوة بسلامه عمداً.
والخلاصة:
أنه إن كان موافقاً وتأخر ليسجد عن إمامه فعاد الإمام.. لم يتابعه، إلا إن كان مسبوقاً، فيتابعه إن عاد، ولو كان المأموم واقفاً.. لزمه العودة المتابعة الإمام، وإن سلم معه، فإن كان ناسياً.. لزمه متابعته في العودة عند عدم المنافي للسجود، وإن سلم عامداً.. لم يوافقه في العود للسجود.
_____________________________________
مسائل:
١- يسجد المأموم لسهو نفسه في حالتين وهي:
أ- إن كان الشخص منفرداً وفعل سبباً من أسباب سجود السهو، ثم أدخل نفسه في الجماعة.. سن له أن يسجد في نهاية صلاته لسهو نفسه.
ب- وكذلك إن كان مسبوقاً وقام بعد سلام إمامه ليتم الصلاة، ثم فعل سبباً من أسباب السجود.. سجد لسهو نفسه.
٢- لا يجوز الاقتصار على سجدة واحدة في سجود السهو ابتداء، إلا إن سجد الأولى بنية أن يسجد سجدتين، ثم أراد أن يكتفي بواحدة.. جاز له ذلك، فيجوز له دواماً ما لا يجوز ابتداء.
۳- سجود السهو يفتقر إلى نية، فلا تكفيه نية الصلاة، كما قاله القاضي حسين وذكره الشيخ الخطيب في المغني وبذلك قال الشيخ الرملي، وخالفهم الشيخ ابن حجر حيث قال: أن نية الصلاة تشمله.
٤- يتصور تكرر سجود السهو في صلاة واحدة في حالات وهي:
أ- إذا كان مسبوقاً بركعة أو أكثر، وسجد للسهو متابعة لإمامه، فإنه يسن له سجود السهو آخر صلاته؛ إذ أن محل السجود آخر الصلاة.
ب- ومنها إذا سجد للسهو ظاناً أن عليه سجود سهو فبان أنه لا سجود عليه...سجد مرة أخرى للسجود الذي سجده.
ج- ومنها إذا بان أن سجود السهو وقع في غير الأخيرة، كأن صلوا الجمعة ووقع لهم سهو، وعندما سجدوا للسهو خرج الوقت.. فلزمهم إتمام الجمعة ظهراً، ثم في آخر الصلاة يسجدون للسهو مرة أخرى.
_____________________________________
فائدة دعاء سجود التلاوة (ص ۲٥٥):
ويسن أن يدعو في سجود التلاوة بهذا الدعاء: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ» أخرجه مسلم وأحمد وأبو داود والترمذي، وزاد بعضهم: «اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِهَا عِنْدَكَ أَجْرًا، وَاجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، وَتَقَبَّلْهَا مِنِّي، كما تَقَبَّلْتَهَا مِنْ عَبْدِكَ دَاوُد» أخرجه الترمذي والطبراني.
وعن الإمام الشافعي - كما في المجموع - أن يقول: ﴿وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا﴾ [الإسراء: ١٠٨]، ولو قال ما يقوله في سجود الصلاة لكفى، وقال في التحفة: «والدعاء فيها بما يناسب سياق آيتها حسن» اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٥٧):
الأمي هو الذي يخل بحرف من حروف الفاتحة، فيدخل الألثغ والأرت.
والحاصل: أن اللحن حرام على العامد العالم القادر مطلقاً، ثم إن كان اللحن يغير المعنى فإن كان قادراً على الصواب أو أمكنه التعلم.. فسدت صلاته والقدوة به مطلقاً، وإلا كأن كان غير قادر أو لم يمكنه التعلم.. فصلاته صحيحة وقدوة مثله به صحيحة دون غيره، وهذا التفصيل بالنسبة للفاتحة ومثلها بدلها.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٥٧):
لو تردد المأموم في حال الإمام هل هو قارئ أم لا ؟
فإن كان في سرية.. فلا ضرر، وإن كان في جهرية وأسر الإمام.. تابعه المأموم ووجب عليه البحث عن حاله بعد السلام، فإن تبين أنه غير قارئ..أعاد، وإن تبين أنه قارئ ولو بقوله: نسيت الجهر أو أسررت لكونه جائز، وصدقه المأموم.. لم يعد، وإن لم يتبين حاله كأن تعذر عليه البحث أو بحث فلم يجبه.. فقيل: تجب معه الإعادة، وقيل: لا تجب، كما في نهاية الزين.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٦٤):
والضابط في ذلك أن لا يتقدم المأموم بجميع ما اعتمد عليه على جزء مما اعتمد عليه الإمام في قيام أو غيره.
ويشكل في هذه القاعدة أمر، وهو قولهم: أن إمامة النساء تقف وسطهن كإمام العراة، وأن الذكر الواحد يقف يمين الإمام ويتأخر قليلاً، ولابد في هذه الصورة من تقدم ركبتي المأموم حالة السجود إن مكث بعد قيام إمامه؛ لأن العبرة في السجود بالركبتين؛ لاعتماده عليهما، فما هو المخرج من ذلك ؟
المخرج من ذلك ما ذكره في بغية المسترشدين بقوله: «ثم رأيت ابن قاسم استوجه أن العبرة بالعقب مطلقاً، وإن اعتمد على غيره في نحو السجود اعتماداً بالقوة لا بالفعل، وهو مقتضى عبارة النهاية اهـ.
ولقد سألت شيخنا العلامة الحبيب عمر بن محمد بن حفيظ متع الله به عن هذه المسألة، فأجابني: بأن القاعدة تقول: أن لا يتقدم المأموم بجميع ما اعتمد عليه على جزء مما اعتمد عليه الإمام، وهو في حالة السجود لم يعتمد على الركبتين فقط بل هو معتمد على أصابع الرجلين أيضاً، فهو ليس متقدم بجميع ما اعتمد عليه بل ببعضه وهو الركبتين، ولم يتقدم بالبعض الآخر وهو أصابع الرجلين.
_____________________________________
فائدة الجماعة في المسجد الحرام (ص ۲٦٥):
الجماعة في المسجد الحرام تكون باستدارة المأمومين حول الكعبة ندباً؛ لأجل استقبال الجميع، ضاق المسجد أم لا خلافاً للزركشي، وقال الشيخ الشربيني: «لكن الصفوف أفضل من الاستدارة اهـ.
ويندب أن يقف الإمام خلف المقام، كما في التحفة والمغني، ولا يضر كون المأموم أقرب إلى الكعبة في غير جهة الإمام منه إليها في جهته؛ لأن رعاية القرب والبعد في غير جهة الإمام مما يشق بخلاف جهته، ولا يظهر بذلك مخالفة فاحشة، فلو توجه الإمام إلى الركن الذي فيه الحجر مثلاً.. فجهته مجموع جهتي جانبيه، فلا يتقدم عليه المأموم المتوجه له أي الحجر الأسود، ولا لأحد جهتيه، كما في شروحات المنهاج.
ولو وقفا في الكعبة واختلفت جهتاهما، بأن كان وجهه لوجهه أو ظهره لظهره أو وجه أو ظهر أحدهما لجنب الآخر.. صحت، وإن تقدم عليه حينئذ، بخلاف ما إذا كان وجه الإمام لظهر المأموم.. فإنّها لا تصح؛ لتقدمه عليه مع اتحاد جهتهما، وفي هذه المسألة ملحظ مهم ذكره الشيخ ابن حجر في التحفة بعد إن ذكر جواز التقدم في غير جهة الإمام، حيث قال: ويؤخذ من هذا الخلاف القوي أن هذه الأقربية مكروهة مفوّتة لفضيلة الجماعة، وهو محتمل بل متجه كالانفراد عن الصف بل أولى؛ لأن الخلاف المذهبي أحق بالمراعاة من غيره) اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٦٦):
إذا لم يجد المصلي سعة في الصف؛ كره له الوقوف وحده وتفوته فضيلة الجماعة وتبطل صلاته عند الإمام أحمد، وإنما يكره له ذلك عند اتحاد الجنس، أما إذا اختلف الجنس كامرأة ولا نساء، أو خنثى ولا خناثي.. فلا كراهة؛ بل يندب له الوقوف في الصف لوحده، كما في المغني.
فإذا كره له الوقوف في الصف لوحده.. سن له حينئذ أن يجر أحد المأمومين من الصف إليه بستة شروط وهي:
١- أن يكون المجرور حراً.
٢- أن لا يتوقع مجيء أحد آخر ليقف معه في الصف.
۳- أن يكون عدد الصف المجرور منه أكثر من اثنين عند الشيخ ابن حجر، خلافاً للشيخ الرملي القائل بجواز الجر ولو كان في الصف المجرور منه اثنان.
٤- أن يظن موافقة المجرور.
٥- أن يكون الجر في القيام.
٦- أن يكون الجر بعد إحرام الجار.
_____________________________________
مسألة:
إذا كان الإمام والمأموم في بنائين في مكان واحد أو مكانين مع مراعاة شروط محاذاة الأسفل للأعلى بجزء منهما على قول من اشترطه.. ففي صحة القدوة تفصيل:
١- إن كان بناء المأموم يميناً أو شمالاً بالنسبة لبناء الإمام.. وجب اتصال صف من أحد البنائين بالآخر، كأن يقف واحد بطرف بناء الإمام وآخر ببناء المأموم متصلاً به عند الشيخ الخطيب.
وقال في التحفة: والمراد بهذا الاتصال أن يتصل منكب آخر واقف ببناء الإمام بمنكب آخر واقف ببناء المأموم، وما عدا هاذين من أهل البنائين لا يضر بعدهم عنهما بثلاثمائة ذراع فأقل، ولا يكفي عن ذلك وقوف واحد طرفه بهذا البناء والآخر بهذا البناء؛ لأنه لا يسمى صفاً متصلاً اهـ.
٢- إذا كان بناء المأموم خلف بناء الإمام.. صحت القدوة بشرط الاتصال بين أهل الصفوف بحيث لا يكون بين الصفين أكثر من ثلاثة أذرع؛ لأن الثلاثة لا تخل بالاتصال العرفي بين الصفين لإمكان السجود، بخلاف ما زاد عليها.
_____________________________________
فائدة (ص: ۲٧٠):
لا يضر زيادة ثلاثة أذرع على الثلاثمائة ذراع، ويضر أكثر من ثلاثة في اشتراطها فيما مر من اجتماع الإمام والمأموم خارج المسجد أو أحدهما داخله والآخر خارجه.
وإذا كان الإمام في العلو والمأموم في الأسفل أو العكس.. ففيه تفصيل، وهو:
١- إذا كانا في غير المسجد.. فإنه يشترط إضافة إلى شروط الجماعة محاذاة أحدهما للآخر بحيث إذا مشى الأسفل إلى جهة الأعلى مع فرض اعتدال قامته لأصاب برأسه قدمي الأعلى، وهذا على قول من يشترط الاتصال في البناء.
والقول الثاني وهو المعتمد لا تشترط المحاذاة، إنما يشترط القرب بحيث لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع، وتعتبر المسافة من رأس السافل إلى قدمي العالي. قال في التحفة: أما على الثانية - أي الطريق الثانية - المعتمدة.. وهي عدم اشتراط الاتصال فلا يشترط إلا القرب اهـ
٢- إذا كانا في المسجد.. فلا تشترط المحاذاة مطلقاً باتفاق، إنما يشترط شروط الجماعة جميعها المار ذكرها وما سيأتي إن شاء الله تعالى، قال في التحفة: «نعم إن كانا بمسجد أو فضاء.. صح مطلقاً اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٧۱):
لو ذهب المبلغ الذي كان يعتمد عليه المأموم في العلم بانتقالات الإمام، فإن رجح المأموم عوده قبل مضي ركنين.. انتظره حتى يعود، وإلا أي وإن لم يرجح عوده إلا بعد مضي ركنين.. لزمته المفارقة، وإلا.. بطلت صلاته.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٧٣):
لو أخطأ الإمام في تعيين تابعه كأن نوى الإمامة بزيد فبان عمراً.. لم يضر؛ لأن خطأه في النية لا يزيد على تركها، بمعنى أنه لو تركها صحت صلاته فمن باب أولى لو أخطأ فيها، وهي في غير الجمعة وما ألحق بها مما تجب فيه نية الإمامة، أما فيها وما ألحق بها.. فيضر الخطأ فيها، لأن ما لا يجب التعرض له يضر الخطأ فيه، كما تقدم.
وإذا لم ينو المأموم الاقتداء بالإمام أو شك وتابع الإمام.. بطلت صلاته إن طال الانتظار بحيث يسع ركناً، أو تابعه في ركن كذلك، وفي الإمداد ـ كما -في بشرى الكريم - أن ذلك يغتفر للجاهل، وخالفه الشيخ الرملي، أما لو تابع اتفاقاً من غير قصد المتابعة أو بعد انتظار يسير، كأن شك في نية الاقتداء ثم تذكرها أو انتظر طويلاً بلا متابعة فلا يضر جزماً؛ إذ لا يسمى متابعة.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٧٦):
يدرك أصل فضيلة الجماعة بإدراك جزء من صلاة الإمام ما لم يشرع في كلمة السلام عند الشيخ الرملي، أو ينطق بميم عليكم عند الشيخ ابن حجر، ويدرك تكبيرة الإحرام مع الإمام إذا حضرها مع الإمام واشتغل بها بعده مباشرة، فلو تأخر ولو يسيراً.. فاتته فضيلة تكبيرة الإحرام، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، وأما التأخر لتسوية الصفوف أو السواك.. فلا يضر إن كان يسيراً
_____________________________________
فائدة (ص ۲٨٠):
الست الصور التي يعذر فيها إلى ثلاث أركان طويلة بلا خلاف هي:
۱- إذا كان المأموم بطئ القراءة الواجبة بلا وسوسة بل عجز خلقي.
٢- اشتغال المأموم الموافق بدعاء الافتتاح أو غيره من السنن عن الفاتحة حتى ركع الإمام.
۳- إذا نسي المأموم الفاتحة ولم يذكرها حتى ركع الإمام، فإنه يقرأها ويعذر إلى ثلاثة أركان طويلة.
٤- إذا شك بعد ركوع الإمام وقبل ركوعه هل قرأ الفاتحة أم لا ؟.. أتى بها وعذر إلى ثلاثة أركان طويلة، أما لو شك في قرأتها أو تذكر تركها بعد ركوعه مع الإمام.. فلا يعود بل يصلي ركعة بعد سلامه.
٥- لو كان موافقاً وأسرع الإمام في قراءة الفاتحة والسورة، أو أسرع قراءة السورة فقط، ولم يتمكن المأموم من إتمام فاتحته، وإن لم يكن المأموم بطيء القراءة.. فيعذر كذلك، أما لو أسرع الإمام في الفاتحة ولم يقرأ غيرها... فالمأموم معه كمسبوق.
٦- إذا انتظر المأموم سكتة إمامه ليقرأ الفاتحة فلم يسكت بل ركع عقبها.
الأربع الصور المختلف فيها:
١- لو نام في تشهده الأول متمكناً فانتبه فوجد الإمام راكعاً.
۲- لو سمع تكبير الإمام للرفع من سجدة الركعة الثانية، فجلس للتشهد ظاناً أن إمامه فيه، فإذا الإمام في الثالثة أي قام ولم يتشهد، فكبر الإمام للركوع فظنه المأموم لقيام الثالثة فقام فوجد إمامه راكعاً.
٣- لو نسي كونه مقتدياً وهو في سجوده مثلاً فطوله، ولم يتذكر إلا والإمام راكع.
فهذه الثلاث الصور يعذر فيها المأموم إلى ثلاثة أركان طويلة عند الشيخ الرملي، وعند الشيخ ابن حجر هو في هذه الصور كالمسبوق، فيركع مع الإمام وتسقط عنه الفاتحة.
٤- إذا قام الإمام من التشهد الأول والمأموم لم يكمله، فجلس المأموم لتكملة تشهده، فعند الشيخ الرملي يغتفر إلى ثلاثة أركان طويلة كالمتخلف بعذر، وعند الشيخ ابن حجر كالموافق المتخلف بغير عذر، فتبطل صلاته في هذه الصورة إن تخلف بركنين فعليين، واعتمد جمع أنه كالمسبوق، فيركع مع إمامه وتسقط عنه الفاتحة أو بعضها، وقد نظم بعضهم هذه الصور؛ فقال:
إن شئت ضبطاً للذي شرعاً عذر … حتى له ثلاثة أركان اغتفر
من في قراءة لعجزه بطي … أو شك هل قرا ومن لها نسي
وصف موافقاً لسنة عدل … ومن لسكتة انتظاره حصل
من نام في تشهد أو اختلط... عليه تكبير الإمام ما انضبط
كذا الذي يكمل التشهدا … بعد إمام قام عنه قاصدا
والخلف في أواخر المسائل …. محقق فلا تكن بذاهل
_____________________________________
فائدة (ص ۲٨۲):
انتظار الداخل في الركوع ليدرك الركعة وفي التشهد الأخير ليدرك الجماعة مستحب بشروط، وهي:
١- أن يعتقد الداخل إدراك الركعة بالدخول وفضيلة الجماعة بالتشهد، بخلاف ما إذا كان لا يعتقد ذلك.. فلا ينتظره.
۲- أن لا يعتاد الداخل البطء بتحرمه.
٣- أن يظن الإمام إتيان المأموم بالتحرم على الوجه الشرعي من كونه في القيام، والإمام ليس بقيد بل مثله المنفرد، وإن كان لا يأتي فيه جميع الشروط.
٤- أن يكون ذلك الانتظار في ركوع غير ثان من صلاة الكسوف أو في تشهد أخير
٥- أن لا يخشى فوت الوقت.
٦- أن يكون المُنْتَظَرُ داخل محل الصلاة دون من هو خارجه.
۷- أن ينتظره الله تعالى لا لتودد، وإلا.. كره.
۸- أن لا يبالغ في الانتظار ولو بضم انتظار مأموم إلى آخر، وإلا.. كره.
۹- أن لا يميز بين الداخلين فينتظر بعضاً دون بعض.
١٠ - أن يظن أن يقتدي به ذلك الداخل.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٨٣):
في إدراك فضيلة تكبيرة الإحرام أقوال خمسة، كما في "النجم الوهاج" للإمام الدميري:
أولها: وهو المعتمد أنها تحصل بالاشتغال بالتحرم عقب تحرم الإمام.
ثانيها: بإدراك بعض القيام؛ لأنه محل التكبيرة الأولى.
ثالثها: بإدراك أول الركوع؛ لأن حكمه حكم قيامها، بدليل إدراك الركعة بإدراكه مع الإمام؛ ولأنه معظمها، واختاره القفال.
وهذان الوجهان الثاني والثالث إنما يكونان فيمن لم يحضر إحرام الإمام، أما من حضر وأخر.. فقد فاتته فضيلة التكبيرة وإن أدرك الركعة.
رابعها: أنه يدركها ما لم يشرع الإمام في الفاتحة.
خامسها: أنه إن انشغل بأمر دنيوي.. لم يدرك بالركوع، أو بعذر أو سبب الصلاة كالطهارة.. أدرك الفضيلة بإدراك الركوع.
ولا تضر وسوسة خفيفة، كما في شرح العمدة، وهي التي لا يؤدي الاشتغال بها إلى فوات ركنين فعليين، أو ما لا يطول الزمان بها عرفاً، فلو أدى الاشتغال بها إلى فوات القيام أو معظمه.. فاتت فضيلة تكبيرة الإحرام.
وقال في النجم الوهاج: قال الرافعي: هذا إذا لم تكن وسوسة ظاهرة، فإذا منعته الوسوسة التعقيب.. حصلت الفضيلة، كما جزم به في (التحقيق) و (شرح المهذب) اهـ.
ولو خاف فوت هذه التكبيرة.. لم يسرع عند الأكثرين؛ بل يمشي بسكينة، كما قاله الإمام الدميري.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٨٥):
الفرق بين العاصي بسفره وفي سفره وبسفره في سفره:
١- عاص بالسفر، وهو من أنشأ سفره من أجل المعصية، فهذا لا يجوز له الترخص، إلا إن تاب وقد بقي من سفره مسافة القصر.
٢- عاص في السفر وهو من أنشأ سفره من أجل أمر مباح، ولكنه عصى في أثناء السفر، فهذا يجوز له الترخص مطلقاً أي سواء بقي من سفره بعد المعصية مسافة قصر أم لا.
٣- عاص بالسفر في السفر وهو من أنشأ سفره في أمر مباح ثم قلبه في أثنائه وجعل مقصده منه المعصية، وهذا لا يجوز له الترخص، إلا إن تاب فيترخص بعد التوبة سواء بقي من سفره مسافة قصر أم أقل.
_____________________________________
فائدة (ص ۲٨٦):
جوز الإمام المزني كالإمام أبي حنيفة القصر ولو للعاصي بسفره؛ إذ هو عزيمة عندهما، وفيه فسحة عظيمة، إذ يندر غاية الندور مسافر غير عاص، كما لو كان عليه دين حال وهو مليء، فلو قلنا بمنع القصر للعاصي بسفره.. لم يقصر هنا، إلا بظن رضا دائنه، ولكن على هذا القول جاز له القصر، ومنعا الإمامان- أي: المزني وأبو حنيفة- الجمع مطلقاً إلا في النسك بعرفة ومزدلفة، ومذهبنا كالإمام مالك والإمام أحمد منعه أي الجمع للعاصي، فصار الجمع للعاصي ممتنعاً اتفاقاً فليتنبه.
_____________________________________
مسألة مهمة(ص ۲٨٧):
يذكر الفقهاء أن مسافة القصر ستة عشر فرسخاً، وبالأميال الهاشمية - أي: العباسية - ثمانية وأربعون ميلاً، واختلفوا فيما يساويه الميل من الأذرع، فقال الإمام النووي: أن الميل يساوي ستة آلاف ذراع (٦٠٠٠)، وقال ابن عبد البر: أن الميل يساوي ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع (٣٥٠٠).
وقد ذكر أهل العلم أماكن على أن ما بينها مسافة قصر، غير أنها أقل مما قاله الإمام النووي، قال في التحفة والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل أربعة آلاف خطوة والخطوة ثلاثة أقدام فهو ستة آلاف ذراع كذا قالوه هنا واعترض بأن الذي صححه ابن عبد البر وهو ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة هو الموافق لما ذكروه في تحديد ما بين مكة ومنى وهي ومزدلفة وهي وعرفة ومكة والتنعيم، والمدينة وقباء وأحد بالأميال،. ويرد بأن الظاهر أنهم في تلك المسافات قلدوا المحددين لها من غير اختبارها لبعدها عن ديارهم» اهـ.
وقال في "قلائد الخرائد": وقدر النووي وغيره الميل بأربعة آلاف خطوة، والخطوة ذراع ونصف، فيكون سنة آلاف ذراع، وقال الشريف السمهودي في "تاريخ المدينة": وهو بعيد جداً، بل الميل ثلاثة آلاف ذراع وخمسمائة ذراع، كما صحح ابن عبد البر وهو الموافق لما ذكروه من المسافات، يعني في تحديدهم لها بالأميال في مواضع معينة، كما بين مكة ومنى وعرفات، وبين المدينة وقباء وأحد ونحوها، وقيل: ألفا ذراع باليد إلا ثمن بالحديد اهـ.
قال في "بغية المسترشدين" بعد ذكر ما ذكرنا: «أقول: وقد جرب عندنا بالذرع فنقص ما ذكروا من كونه مرحلتين عما ذكره النووي بكثير، فلعل كلام السمهودي أوفق لذلك» اهـ.
وقد قاس بعض معلمي دار المصطفى بتريم - جزاهم الله خيراً ـ المسافة فوجدوها تساوي: ۷۷,۲۸۰ متر، ولبيان ذلك نقول:
أن مسافة القصر = ٤٨ ميلاً.
والميل = ٣٥٠٠ ذراع، والذراع = ٤٦ سم، و ١٤٤ شعيرة.
إذا الميل = ٣٥٠٠ × ٤٦ سم = ١٦١٠٠٠ سم.
فـ ٤٨ ميل = ٤٨ × ١٦١٠٠٠سم = ۷۷۲۸۰۰۰ سم.
ولكي نحولها إلى المتر نقوم بقسمة العدد على مائة؛ لأن المتر يساوي مائة سم، فيكون هكذا:
۷۷۲۸۰۰۰: ۱۰۰ = ۷۷٫۲۸۰ متر.
ولتحويلها إلى الكيلو متر نقوم بقسمتها على ألف:
= ۷۷۲۸۰: ۱۰۰۰ - ۷۷٫۲۸ کم، وهي مسافة القصر.
وهذا ما اعتمده شيخنا العلامة الحبيب عمر بن حفيظ كما سمعته منه، وهو الصواب.
___________________________________
فائدة (ص ۲۹۱):
إذا فات على من له القصر بعد مرحلتين كالزوجة والعبد التابعين صلاة في هذه المرحلتين وأراد قضائها في السفر.. جاز له القصر؛ لأنها فائتة سفر وقضاها في السفر.
___________________________________
مسائل:
١- لو علم الأسير أن سفره طويل ونوى الهرب إن تمكن منه.. لم يقصر قبل مرحلتين، ويقصر بعدها، ولا أثر للنية بقطعه مسافة القصر، ومثل ذلك الزوجة إذا نوت أنها متى تخلصت من زوجها رجعت، ومثلها العبد إذا نوى أنه متى أبق رجع (۲)
٢- إذا نوى السفر إلى مسافة القصر ثم نوى بعد الخروج من البلد أنه إن وجد غرضه رجع، أو نوى أن يقيم في طريقه ولو بمكان قريب من بلده أربعة أيام.. ترخص إلى أن يجد غرضه، أو يدخل المكان الذي نوى الإقامة فيه؛ لأن سبب الرخصة قد انعقد فيستمر حكمه إلى أن يُوجد ما غير النية إليه، بخلاف ما إذا عرض له ذلك قبل مفارقة البلد.. فإنه لا يجوز له القصر.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۹۲):
هناك شروط للقصر في السفر لم يذكرها المصنف رحمه الله تعالى ومنها:
1- أن يكون السفر لغرض صحيح ديني كطلب العلم، أو دنيوي كالتجارة، فلو سافر لغرض غير صحيح كالسياحة والتنزه ففيه تفصيل:
أ- لا يقصر إلا إن كان في مقصده - بكسر الصاد - طريقان طويل وقصير فلو سلك الطويل لغرض التنزه.. جاز له القصر.
ب- إن كان السفر لغرض التنزه فقط.. فعند الشيخ الخطيب والشيخ الرملي لا يقصر؛ إذا التنزه ورؤية البلد عندهما ليس غرضاً صحيحاً.
قال في بشرى الكريم: وشرطه أن يكون - أي السفر - لغرض صحيح، ولم يعدل عن طريق قصير إلى طويل لغرض القصر وحده، بل لنحو أمن وسهولة أو تنزه، ولو مع القصر - أي ولو مع غرض القصر - فالتنزه لا يصحغرضاً حاملاً على السفر، ويصح كونه غرضاً حاملاً على العدول من قصير إلى طويل، ولو سافر لغير غرض صحيح، كأن سافر لمجرد رؤية البلد والتنقل فيها.. لم يقصر) اهـ.
وقال الشيخ ابن حجر: يقصر إن كان القصد التنزه لا إن كان القصد رؤية البلد، حيث قال في التحفة: وكذا - أي يجوز القصر - لمجرد تنزه على الأوجه؛ لأنه غرض مقصود إذ هو إزالة الكدورة النفسية برؤية مستحسن يشغلها به عنها، ومن ثم لو سافر لأجله.. قصر أيضاً، بخلاف مجرد رؤية البلد ابتداء أو عند العدول؛ لأنه غرض فاسد ولزوم التنزه لا نظر إليه على أنه غير مطرد اهـ.
والخلاصة:
أن مجرد رؤية البلد إن كان هو الغرض من السفر.. لم يصح القصر اتفاقاً.
إن كان رؤية البلد للعدول إلى الطريق الطويل.. جاز القصر عند الشيخ الرملي والشيخ الخطيب، ولا يجوز عند الشيخ ابن حجر، فرؤية البلد لا يقصر معها عند الشيخ ابن حجر مطلقاً.
إن كان التنزه للعدول إلى طريق طويل.. جاز القصر باتفاق.
إن كان التنزه هو الغرض الحامل على السفر.. لم يجز القصر عند الشيخ الرملي والشيخ الخطيب، وجاز عند الشيخ ابن حجر، ولذا قال الشيخ الشرواني معقباً على كلام الشيخ ابن حجر في التحفة: «خالفه النهاية والمغني فاعتمدا أنه لا فرق بين التنزه ورؤية البلد فإن كان واحد منهما سبباً لأصل السفر.. فلا يقصر، أو لعدول إلى الطويل.. قصر اهـ.
ولو كان المقصده طريقان طويل وقصير فسلك الطويل لغرض القصر فقط أو بدون غرض.. لم يقصر.
3- ومن الشروط أيضاً دوام السفر إلى تمام الصلاة، فلو نوى الإقامة القاطعة للترخص فيها أي في الصلاة، كما ستأتي إن شاء الله، أو شك هل نوى الإقامة أو لا، أو بلغت سفينته وهو في الصلاة دار إقامته، أو شك هل بلغت أو لا ؟... أتم في جميع الحالات؛ لزوال سبب الرخصة في الصورة الأولى والثالثة، كما لو كان يصلي جالساً لمرض فزال المرض فيجب عليه أن يقوم، وللشك في الصورة الثانية والرابعة، كما في مغني المحتاج.
4- ومن الشروط أيضاً التحرز عما ينافي القصر في دوام الصلاة كالتردد في الإتمام، فإنه يلزمه الإتمام، وكذا إن شك هل نوى القصر أم لا ؟.. فيلزمه الإتمام حينئذ.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۹٤):
مسائل متعلقة بالقصر:
١- لو رعف أو أحدث المسافر القاصر واستخلف متماً.. أتم المقتدون المسافرون سواء نووا الاقتداء به أي الخليفة أم لا؛ لأنهم بمجرد الاستخلاف.. صاروا مقتدین به حكماً، ويلحقهم سهوه ويتحمل سهوهم؛ نعم إن نووا فراق الإمام الأول حين أحسوا أول رعافه أو أحسوا بحدثه قبل تمام استخلافه... أكملوا صلاتهم منفردين ويقصرون.
وكذا لو عاد الإمام الأول ونوى الاقتداء بمن استخلفه.. لزمه الإتمام لاقتدائه بمتم في جزء من صلاته.
٢- لو اقتدى بمن ظنه مسافراً أو بمن جهل سفره بأن شك في سفره أو لم يعلم شيئاً من حاله فنوى القصر.. لزمه الإتمام وإن بان أنه مسافر قاصر؛ لتقصيره بشروعه في القصر مع التردد مع أنه يسهل عليه كشف حال الإمام أهو مسافر أم لا ؟ لظهور شعار المسافر غالباً من أثار التعب وغيرها.
لو اقتدى بمن في المسالة السابقة فبان مقيماً ومحدثاً معاً.. ففيه تفصيل:
- إن بانت الإقامة أولاً.. وجب الإتمام، كما لو اقتدى بمن علمه مقيماً -فبان حدثه.
-إن بان الحدث أولاً.. لم يلزمه الإتمام؛ إذ لا قدوة في الباطن لحدثه، وفي الظاهر ظنه مسافراً.
-إن بان الحدث والإقامة معاً.. فالحكم، كما لو بان الحدث أولاً أي لا يلزمه الإتمام.
ومن شروط القصر التي لم يذكرها المصنف رحمه الله.. مجاوزة البلد، وتحصل مجاوزة البلد بمجاوزة السور الخاص بالبلد إن كان هناك سور، فإن لم يكن لها سور أصلاً، أو كان ولكن ليس خاصاً بها كقرى متفاصلة جمعها سور واحد.. فابتداء سفره بمجاوزة الخندق إن كان فيها، فإن لم يكن.. فالقنطرة وهي: ما يكون على النهر للمرور أو الجلوس، فإن لم يكن.. فالعمران.
ويشترط مجاوزة السور وإن أحاط السور بخراب ومزارع بأن تكون داخله؛ لأن ما كان داخل السور معدود من نفس البلد محسوب من موضع الإقامة.
ولو لاصق السور من الخارج عمران أو مقابر.. فلا يشترط مجاوزتها؛ لأنها خارج السور، وهذا، كما ذكرنا في السور المختص ببلد المسافر، أما لو جمع السور بلدين متقاربين فلكل منهما حكمه.
فإن لم يكن للبلد سور.. فابتداء السفر بمجاوزة العمران، فإن تخلل العمران نهر وبستان أو خراب.. فلابد من مجاوزة كل ذلك حتى لا يبقى بين متصل ولا منفصل ليفارق محل الإقامة.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۹٦):
الخراب الذي لم يتخلل العمران وقد هجر إما بالتحويط على المكان العامر أو بزرعه أو اندرس بأن ذهبت أصول حيطانه.. لا يشترط مفارقته، بخلاف ما ليس كذلك فإنه يشترط مفارقته، واختار الإمام الغزالي والإمام البغوي عدم اشتراط المفارقة لذلك مطلقاً، كما في مغني المحتاج.
أما البساتين والمزارع.. فلا يشترط مجاوزتها وإن اتصلتا بما سافر منه أو كانتا محوطتين؛ لأنهما لا يتخذان للإقامة، وسواء كان في البساتين قصوراً أو دوراً تسكن في بعض فصول السنة أو لا.
وأول سفر ساكن الخيام بفراق الحلة، وهي بيوت مجتمعة أو متفرقة بحيث يجتمع أهلها للسمر في نادي واحد ويستعير بعضهم من بعض، ويدخل فيها أي الحلة مرافقها كمعاطن الإبل وملعب صبيان ومطرح رماد؛ لأنها معدودة من مواضع إقامتهم فلابد من مجاوزتها، ولابد أيضاً من مجاوزة عرض الوادي إن سافر عرضه، والهبوط إن كان في مرتفع، ومجاوزة مصعد إن كان في وهدة أي منخفض، وهذا إن اعتدلت الثلاثة، فإذا أفرطت سعتها.. اكتفى بمجاوزة الحلة.
_____________________________________
فائدة (ص ۲۹٧):
ما ذكره الفقهاء من أنه لابد من مجاوزة السور أو العمران أو الحلة هو في سفر البر، أما سفر البحر.. ففيه تفصيل:
إن كان ساحل البحر منفصلاً عن العمران.. فالحكم كالبر.
-إن كان ساحل البحر متصلاً بالعمران عرفاً، فإن سافر فيه وأراد الترخص.. فلا يجوز له إلا بخروجه من البلد وجري السفينة، أو جري زورقها إليها آخر مرة، فإن الزورق قد يذهب بأناس ويعود ليأخذ آخرين للسفينة، فالمرة الأخيرة هي المعتبرة، وإلا فمتى كان الزورق يذهب ويعود.. فلا يترخص من به، وإذا جرى الزورق آخر مرة جاز الترخص لمن به ولو قبل وصوله إلى السفينة، وكذا جاز الترخص حينئذ لمن بها.
-إذا كان ساحل البحر له سور.. فالعبرة بمجاوزة سوره، بخلاف الساحل الذي فيه عمران من غير سور.. فالعبرة فيه بجري السفينة أو الزورق، كما تقدم، قاله في التحفة وشرح بافضل للشيخ ابن حجر، وقال الشيخ الكردي وهو احتمال للأسنى، وقال الشيخ الخطيب هو أوجه، وفي شرحي الإرشاد للشيخ ابن حجر أنه لا فرق في ذلك أي سفر البحر بين السور والعمران فلابد من ركوب السفينة.
_____________________________________
والقصر أفضل من الإتمام في أربع حالات:
الأولى: إذا وجد في نفسه كراهية القصر.
الثانية: إذا بلغت مسافة السفر ثلاث مراحل خروجاً من خلاف من أوجبه كالإمام أبي حنيفة، وفي بشرى الكريم أن الثلاث المراحل عنده هي مرحلتان عندنا.
الثالثة: إذا شك في دليل جواز القصر.
الرابعة: إذا كان ممن يقتدى به إذا كان بحضرة الناس.
وفي غيرها الإتمام أفضل، ومنه الملاح إذا كان معه أهله فالأفضل الإتمام.
وقال في مختصر تشييد البنيان: سئل الشيخ عبد الله بن عمر بامخرمة في العدنية - أي الفتاوى العدنية - هل الجماعة بعد ثلاث مراحل أفضل مع الإتمام أم القصر مع الانفراد ؟ فأجاب بتفضيل الانفراد مع القصر..» انتهى.
ويسن الأذان والإقامة خلف المسافر ليحفظه الله تعالى في سفره، وقضية قولهم خلف المسافر.. استقباله لا استقبال القبلة، لأن خلف الشيء ظهره، ولا يسمى أذان خلفه إلا إذا كان في مقابله؛ ولأن الغرض من الأذان خلفه حفظه، ولا يتم ذلك إلا بمشاهدته.
بخلاف أذان الصلاة حيث يسن فيه استقبال القبلة؛ لأنه يدعو به إلى الصلاة، فليكن بصفة من يمكنه فعلها، وكذا من كونه غير محدث، قاله الشيخ عبد العزيز الزمزمي.
_____________________________________
تتمة (ص ۲۹۹):
تتمة في انتهاء السفر:
وينتهي السفر بالوصول إلى وطنه أو موضع آخر ونوى عند وصوله الإقامة أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج، ففي هذه الحالة انقطع سفره بالنية مع مكثه إن كان مستقلاً، أي ليس تابعاً كالعبد، وكذا لو نوى هذه النية بعد وصوله وهو ماكث.. انقطع سفره بالنية؛ لأن المكوث حاصل، وخرج بقولنا ماكث... ما لو نوى الإقامة وهو سائر، فإن النية لا تؤثر ويستمر سفره، وخرج بقولنا أربعة أيام.. ما لو نوى أقل من ذلك، فإن سفره مستمر ولا ينقطع، ولو أقام أربعة أيام بلا نية.. انقطع سفره بتمامها؛ لأن الله تعالى أباح القصر بشرط الضرب في الأرض، والمقيم والعازم على الإقامة غير ضارب في الأرض.
أما لو أقام ببلد مثلاً بنية أن يرحل إذا حصلت حاجته وهو يتوقع حصولها قبل مضي أربعة أيام صحاح.. ترخص ثمانية عشر يوماً كاملة غير يومي الدخول والخروج، وهناك قول بأنه يترخص أبداً وحكي الإجماع عليه؛ لأن الظاهر أنه لو دامت الحاجة لدام القصر، كما في التحفة.
ومثل الحاجة.. ما لو حبسه الريح في البحر.
أما لو علم أن حاجته تبقى أربعة أيام فأكثر.. لم يجز له الترخص.
تنبيه: يجري هذا التفصيل في جميع الرخص المتعلقة بالسفر الطويل لا بالقصر وحده، كما في المغني والتحفة.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٠٠):
قال العلامة الحبيب عبد الله بن عمر بن يحيى في فتاويه:
وأما نية الرجوع من السفر.. فللشافعية فيه ثلاث مقالات:
(الأولى): ما عليه الفتوى وهو الذي جرى عليه في شرح المنهج وشرحه للبهجة وهو المجزوم به في التحفة والنهاية وحاشية الكردي على شرح المختصر أي المختصر الكبير المسمى بالمقدمة الحضرمية للمصنف رحمه الله ـ وحاشية المنهج لابن قاسم، وذلك أن نية الرجوع إن كانت إلى الوطن.. انقطع بها السفر مطلقاً سواء كان ممن قرب أو بعد بخلافها لغير الوطن. -
(الثانية): أن نية الرجوع لا تقطع السفر، إلا إذا كانت إلى الوطن من قرب بخلافها إليه من بعد، أو إلى غيره من قرب أو بعد، وهذا ما في الفتح وشرح المختصر وشرح الروض وشرحي البهجة للولي العراقي والرملي.
(الثالثة): أن نية الرجوع لا تقطع السفر مطلقاً سواء كانت من قرب أو بعد، إلى وطنه أو غيره، وهو حكاه وجهاً شاذاً في أصل الروضة والفتح وكذا الأسنى؛ لكنه قال فيه نقل عن البلقيني ليس بشاذ؛ بل هو مذهب الإمام الشافعي المنصوص، وعليه العراقيون، وبه قال الأذرعي وغيره، هذا كله في نية الرجوع أثناء السفر قبل وصول مقصده، أما من المقصد.. فيترخص فيه ما لم ينو إقامة تقطع السفر» اهـ.
ولو نوى الشخص القصر في صلاته وأراد الإتمام أثناء الصلاة دون حاجة.. جاز له ذلك.
ولو مر بوطنه أثناء سفره كأن خرج منه ثم رجع من بعيد قاصداً المرور به من غير إقامة.. لم ينقطع سفره، أو نوى الإقامة به.. انقطع.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٠٤):
لو جمع الصلاتين ثم علم ترك ركن.. ففيه تفصيل، وهو:
۱- إذا علم ترك ركن من الأولى، فإن علم تركه في أثناء الثانية وقد طال الفصل بين سلام الأولى والتذكر.. بطلت الأولى بترك الركن ولتعذر التدارك، وبطلت الثانية لعدم صحة الأولى، وتقع له الثانية نفلاً مطلقاً أو قضاء إن كانت عليه فائتة من نوعها، كما تقدم.
٢- إذا لم يطل الفصل.. فيلغى ما أتى به من الثانية، ويبني على الأولى.
أما إذا علم ترك الركن من الثانية.. فيتداركه إن لم يطل الفصل، وإلا أي إن طال الفصل.. أعادها في وقتها.
ويشترط أيضاً دوام السفر إلى الإحرام بالثانية، فلو أقام قبل الإحرام بالثانية كأن وصلت السفينة إلى بلده.. فلا جمع؛ ويتعين عليه أن يصلي الثانية في وقتها، أما الأولى فلا يشترط السفر عند عقدها حتى لو أحرم بها أي الأولى في الإقامة ثم سافر على سفينة مثلاً فنوى الجمع.. كفى.
وأشترط الشيخ القليوبي والشيخ البرماوي بقاء وقت الأولى، أي لا يجوز له الجمع إلا إن بقي من وقت الصلاة الأولى ما يمكنه أداء الصلاتين فيه، ولم يرتض هذا الشرط الشيخ ابن حجر والشيخ الروياني والشيخ الشبراملسي.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٠٥):
فائدة: قال في مختصر تشيد البنيان: صلى الظهر ثم أعادها مع الجماعة جاز أن يقدم العصر معها... قاله الشيخ عبد الله بن عمر بامخرمة.... ولو بتيمم واحد عند الشيخ ابن حجر، كما ذكره في التحفة والإمداد والفتح اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٠٦):
مسألة: هل جمع التقديم أفضل أم جمع التأخير ؟
ذكر الفقهاء في ذلك تفصيلاً، وهو:
إن كان سائراً في وقت الأولى ونازلاً في وقت الثانية.. فجمع التأخير أفضل، وإن كان نازلاً في وقت الأولى وسائراً في وقت الثانية.. فجمع التقديم أفضل.
أما إن كان نازلاً في وقتيهما أو سائراً فيه.. فقد قال الشيخ ابن حجر بأفضلية جمع التقديم؛ لأن فيه براءة للذمة حيث قال في التحفة: «وإن كان سائراً أو نازلاً وقتهما فالتقديم أولى فيما يظهر، ثم رأيت شيخنا أشار إليه» اهـ.
واختار الشيخ الرملي والشيخ الشربيني أن جمع التأخير أفضل؛ لأن وقت الثانية وقت للأولى، قال في النهاية: فإن كان سائراً أو نازلاً فيهما فجمع التأخير أفضل فيما يظهر اهـ.
وقال في المغني: وبقي ما لو كان سائراً في وقتيهما أو نازلاً فيه، فالذي يظهر أن التأخير أفضل؛ لأن وقت الثانية وقت للأولى حقيقة بخلاف العكس اهـ
ولا يترخص مسافر عليه دين حال من غير إذن دائنه.
_____________________________________
تتمة (ص ٣٠٧):
تتمة في الجمع في المرض والمطر:
يجوز الجمع بالمطر تقديماً لا تأخيراً على المذهب الجديد، ويجوز تأخيراً في القديم، والجديد هو المعتمد، ويشترط وجود المطر عند الإحرام بالأولى وعند السلام منها ودوامه إلى الإحرام بالثانية، ولا يشترط وجوده فيما عدا هذه الأوقات، فلو انقطع في غير هذه الأوقات.. لم يضر.
ويشترط أيضاً أن تصلى الصلاة المجموعة جماعة بمكان بعيد سواء كان مسجداً أو غيره، وبحيث يتأذى من المطر أو غيره في طريقه تأذياً لا يحتمل عادة، بخلاف إذا انتفى شيء من ذلك، كأن كان يصلي ببيته منفرداً أو جماعة فيه، أو يمشي إلى المصلى في كنَّ أي شيء يحميه من المطر، أو قرب منه مكان الصلاة، أو يصلي منفرداً بالمصلى؛ لانتفاء التأذي في ما سوى الأخيرة وهي إن كان يصلي منفرداً في المصلى، ولانتفاء الجماعة فيها.
ومثل المطر الثلج والبرد إذا ذابا وبلا الثوب أو كثر قطعهما.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٠٨):
يستثنى من اشتراط التأذي في الجمع في المطر إمام المسجد، فيجوز له الجمع وإن لم يتَأَذَّ.
أما الجمع في المرض: فإنه لا يجوز على المعتمد في المذهب، واختار الإمام النووي والشيخ حمد بن سليمان الخطابي شارح كتاب (مختصر سنن أبي داود والقاضي حسين والإمام ابن سريج والإمام الروياني والإمام الماوردي والإمام الدارمي والإمام المتولي جوازه تقديماً وتأخيراً، وهو مذهب الإمام أحمد.
وضابط المرض هنا هو ما يشق معه فعل كل فرض في وقته، وقال آخرون لابد من مشقة ظاهرة زيادة على ذلك بحيث تبيح الجلوس في الفرض، قال في التحفة: وهو الأوجه على أنهما متقاربان.
ويراعى الأرفق بالمريض، فإن كان يزداد مرضه كأن كان يحم مثلاً وقت الثانية.. قدمها بشروط جمع التقديم، أو كان يحم وقت الأولى.. أخرها بنية الجمع، كما في التحفة.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۱۲):
الناس في حضور الجمعة على ستة أقسام، وهي:
الأول: تجب عليه وتصح منه وتنعقد به أي يحسب من الأربعين، وهو من مر ذكره، وهو المسلم المكلف الحر الذكر المقيم السليم من المرض المانع من الحضور.
الثاني: تجب عليه وتصح منه ولا تنعقد به، وهو المقيم غير المستوطن، خلافاً للإمام السبكي القائل بانعقاد الجمعة بالمقيم غير المستوطن حيث قال، كما نقله في إثمد العينين: لم يقم عندي دليل على عدم انعقاد الجمعة بالمقيم غير المتوطن) اهـ.
الثالث: تجب عليه ولا تصح منه ولا تنعقد به، وهو المرتد.
الرابع: لا تجب عليه وتصح منه وتنعقد به، وهو المريض بمرض يشق معه الحضور إذا حضر.
الخامس: لا تجب عليه وتصح منه ولا تنعقد به، وهو الصبي والمرأة والمجنون.
السادس: لا تجب عليه ولا تصح منه ولا تنعقد به، وهو الكافر الأصلي.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۱٦):
الأعمى إذا وجد قائداً ولو بأجرة فاضلة عما يعتبر في الفطرة.. وجبت عليه الجمعة، وإلا.. فلا، وإن أحسن المشي بالعصا، أو كان منزله قريباً ولم يخش ضرراً عند الشيخ ابن حجر، وقال الشيخ الرملي بوجوبها عليه إن أحسن المشي بالعصا أو قرب منزله ولم يخش ضرراً وإن لم يجد قائداً.
فالخلاصة أن الشيخ ابن حجر أشترط مع حسن مشيه بالعصا وقرب منزله وعدم الضرر وجود القائد، ولم يشترط الشيخ الرملي ومثله الشيخ الخطيب وجود القائد إذا قرب المنزل بحيث لا يناله ضرر.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۱٧):
هناك أعذار للجمعة والجماعة لم يذكرها المصنف رحمه الله ونفعنا به ونذكر هنا بعضها:
فمنها تطويل الإمام زيادة على المشروع.
وكذا ملازمة غريمه له إذا كان معسراً ولم تكن له بينة على إعساره.
ومنها رجاء عفو عقوبة عليه، فهو معذور لمدة يسكن فيها غضب المستحق عليه؛ لا إن كانت له بينة، أو كان موسراً.. فلا يعذر حينئذ.
ومنها فقد ثوب لائق به بحيث تختل مروءته إذا خرج بدونه، ومن ذلك فقد العمامة لمن يعتاد الخروج بها، وكذا فقد مركوب لائق به.
ومنها أكل منتن أي ذي رائحة كريهة سواء كان نيئاً أو مطبوخاً بقي له ريحمؤذي، وإنما يكون ذلك عذراً إن لم يقدر على إزالة رائحته، فإن قدر.. فليس بعذر، فإن أكله بقصد إسقاط الجمعة.. وجب عليه إزالته، فإن لم يتمكن.. وجب عليه حضور الجمعة واعتزال الناس.
ومن الأعذار أيضاً السمن المفرط، وغلبة النوم إذا عجز عن دفعه؛ المشقة الانتظار.
ومنها السعي في استرداد مال يرجو حصوله.
ويعذر كذلك ليالي الزفاف في المغرب والعشاء.
ومن الأعذار كذلك.. سرعة قراءة الإمام مع بطء قراءة المأموم.
ومنها الزلزلة، وتقطير سقوف الأسواق التي في طريقه إن لم يكن له طريق سواه، وإن لم تبل ثوبه؛ لغلبة النجاسة والقذارة فيها.
ومنها وجود من يؤذيه في الطريق ولا يستطيع دفعه، وكذا الاشتغال بتجهيز الميت.
_____________________________________
تتمة (ص ٣۱٨):
من وجبت عليه الجمعة ولم يحضرها ولم يكن له عذر.. لا يصح له أن يحرم بالظهر قبل سلام الإمام من صلاة الجمعة، أما المعذور فإن كان يرجو زوال عذره.. أخرها إلى آخر الوقت، وإلّا أي إن لم يرج زوال عذره.. سن له أن يحرم بالظهر في أول الوقت إن عزم على أن لا يصلي الجمعة عند الشيخ ابن حجر، وقال الشيخ الرملي يعجل ندباً وإن لم يعزم على أنه لا يصلي الجمعة.
_____________________________________
مسائل (ص ٣۲٠):
١- لو سلم الإمام وبعض المأمومين التسليمة الأولى في الوقت، وسلمها الباقون خارجه، فإن كان من سلّم مع الإمام في الوقت تسعة وثلاثون والإمام الأربعون.. صحت جمعة الإمام ومن سلّم معه، ولم تصح جمعة الباقين، أما لو كان من سلّم مع الإمام في الوقت أقل من تسعة وثلاثين.. فجمعة الجميع غير صحيحة.
٢- لو جرت عادة أربعين ببلد عدم إقامة الجمعة.. فلا يجوز لهم صلاة الظهر إلا بعد اليأس بنحو ضيق الوقت عند الشيخ ابن حجر، واعتمد الشيخ الرملي الجواز وإن لم يضق الوقت.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۲۲):
دخل أمامنا الشافعي إلى بغداد وأهلها يقيمون بها جمعتين، وقيل ثلاثاً، فلم ينكر عليهم، فحمله الأكثرون على عسر الاجتماع.
وقد قال الإمام أبو حنيفة بالتعدد، وقال السبكي: هذا بعيد، ثم انتصر له أي لقوله بمنع التعدد، وصنّف فيه وقال: إنه الصحيح مذهباً ودليلاً، ونقله عن أكثر العلماء، وأنكر نسبة قوله الأول للأكثر وأطنب في ذلك، كما في المغني والنهاية، وقال الشرواني: أن الإمام الشافعي سكت لأن المجتهد لا ينكر على مجتهد، أي على الإمام أبي حنيفة القائل بالتعدد.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۲٣):
في قول أن السلطان إذا كان مع الثانية إماماً أو مأموماً فهي الصحيحة حذراً من التقدم على الإمام، وهو قول المالكية، قال الشيخ الخطيب في المغني: قال الإمام السبكي: ويظهر أن كل خطيب ولاه السلطان هو كالسلطان في ذلك وأنه مراد الأصحاب. اهـ وقال الشيخ الجيلي: المراد به السلطان الأعظم أو خليفته في الإمامة أو الراتب من جهته. اهـ قال الشيخ البلقيني: هذا القول مقيد في الأم بأن يكون لا وكيل الإمام مع السابقة، فإن كان معها فالجمعة هي السابقة». اهـ.
ولو أحرم إمام بالجمعة، ثم أحرم إمام آخر بها، ثم اقتدى بالإمام الذي أحرم متأخراً تسعة وثلاثون، ثم أحرم بالإمام الأول مثلهم.. صحت جمعة الأول؛ إذ بإحرامه تعينت جمعته للسبق، وامتنع على غيره افتتاح جمعة أخرى، وقد صرح الإمام النووي بذلك في المجموع.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۲٤):
العبرة في السبق بالتحرم أي بتمام التكبير، وهو النطق بالراء، وأن سبقه الأخر بالهمز؛ لأنّ به الانعقاد على المعتمد، وقيل: المعتبر سبق الهمز، وقيل: المعتبر سبق التحلل أي بنطق ميم عليكم، كما هو ظاهر، وذلك للأمن بعده من عروض مفسد للصلاة، فكان بهذا السبب اعتبار التحلل أولى من اعتبار التحرم، وقيل: بأول الخطبة بناء على أن الخطبتين بدل ركعتين، كما في التحفة والنهاية.
وفي تعدد الجمعة بلا حاجة خمس صور ثلاث منها تلزمهم إعادتها ظهراً، وصورتان يلزمهم فيها إعادة الجمعة، فالثلاث الأولى هي:
۱- إذا عُرف السابق فيهما.. وجب على أهل المسجد المتأخر أن يعيدوا الصلاة ظهراً.
٢- إذا علم السبق وجهل السابق كأن سمع تكبير أحدهما على الأخر ولكن لم يميز.. فوجب على أهل المسجدين أن يعيدوا الصلاة ظهراً، ولا يعيدوا الجمعة؛ لوقوع جمعة مجزئة.
3- إذا علم السابق منهما ثم نسي.. فيجب على أهل المسجدين أن يعيدوا الصلاة ظهراً لا جمعة؛ لوقوع جمعة مجزئة.
وصورتان تلزمهم فيها إعادة الجمعة وهي:
١- إذا لم يعلم وجود سبق.. فيجب عليهم أن يجتمعوا ويصلوا الجمعة؛ لعدم وجود جمعة مجزئة.
٢- إذا اتفقا في التكبير معاً، أو شكوا في المعية.. فالجمعتان باطلتان، ويجب عليهم أن يجتمعوا ويصلوا الجمعة؛ لعدم وجود جمعة مجزئة.
ووجوب اجتماعهم مرة أخرى لصلاة الجمعة إنما يكون إن اتسع الوقت، وإلا.. صلوها ظهراً.
قال في بشرى الكريم والاحتياط للمصلي ببلد تعددت فيه الجمعة لحاجة ولم يعلم سبق جمعته أن يعيدها ظهراً؛ خروجاً من خلاف من منع التعدد ولو لحاجة، وهو ظاهر النص، وألف فيه السبكي أربعة مصنفات، قال: وهو الصحيح مذهباً ودليلاً، وقول أكثر العلماء» اهـ.
_____________________________________
مسألة (ص ٣۲٥):
من لا جمعة عليهم وهم ببلد الجمعة.. تسن لهم الجماعة في ظهرهم في وقتها، ويندب لهم إخفاؤها إن خفي عذرهم؛ لئلا يتهموا بالرغبة عن صلاة الإمام، أو يتهموا بترك الجمعة تساهلاً؛ بل قال الشيخ المتولي: يكره لهم إظهارها.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۲٧):
تنعقد الجمعة بالجن إذا كانوا على صورة الآدميين، قال في مختصر تشييد البنيان: إذا قلنا تنعقد بالجن فهم المؤمنون المكلفون ولو مع تكميل الآدميين، كما قاله الرملي في شرحه والشربيني... لكن إذا تصوروا بصورة بني آدم) اهـ.
ومن ادعى أنه يرى الجن على صورتهم الحقيقية فقد كفر، كما في التحفة والمغني والنهاية؛ لأنه مخالف لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَنكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ۲۷]، وقال القاضي حسين أنه يمكن للنبي ولمن خرقت له العادة رؤيتهم على حقيقتهم، وقال الإمام النووي بإمكانية رؤيتهم مطلقاً.
_____________________________________
مسألة:
لا يلزم تأخر تحرم من لا تنعقد بهم الجمعة على من تنعقد بهم، كما في المغني والنهاية والتحفة، ورجح في الإيعاب كشرح المنهج لزوم تأخرهم.
ولو أحرم الإمام بتسعة وثلاثين، ثم بعد أن رفع الإمام من ركوع الأولى أحرم معه تسعة وثلاثون آخرون، ثم انفض الذين أحرم بهم أولاً.. فالجمعة باقية وإن لم يدرك اللاحقون الركعة الأولى؛ لأنهم لما لحقوا والعدد تام صار حكمهم واحداً.
ويشترط في الأربعين أيضاً صحة إمامة كل واحد منهم بالباقين، وقال في نهاية الزين: (وقال بعضهم: المدار على صحة صلاة كل منهم في نفسه حيث كان إمامهم تصح إمامته لهم، وهذا هو اللائق بمحاسن الشريعة) اهـ.
ويصح أن يكون الإمام عبداً أو صبياً مميزاً أو مسافراً أو من بان بعد الصلاة أنه محدث ولو حدثاً أكبر إن تم العدد بغيرهم أي إن كان هؤلاء المذكورون زائدين على الأربعين.
_____________________________________
فائدة (ص ٣۲٨):
اختلف أهل العلم في العدد الذي تنعقد به الجمعة على أربعة عشر قولاً، وهي:
۱- واحد، وهو قول ابن حزم، وعليه فلا تجب الجماعة فيها عنده.
2- اثنان كالجماعة، وهو قول النخعي وأهل الظاهر.
3- اثنان مع الإمام، وهو قول أبي يوسف ومحمد والليث.
4- ثلاثة مع الإمام، وهو قول أبي حنيفة وسفيان الثوري.
5- سبعة، وهو قول عكرمة.
٦- تسعة، وهو قول ربيعة.
7- اثنا عشر مع الإمام، وهو قول مالك وربيعة في رواية.
8- اثنا عشر غير الإمام، وهو قول أبي إسحاق.
9- عشرون، وهو قول الإمام مالك من رواية ابن حبيب.
۱۰ - ثلاثون كذلك.
١١- أربعون مع الإمام، وهو معتمد مذهب الإمام الشافعي.
١٢- خمسون، وهو قول الإمام أحمد في رواية، وحكي عن عمر بن عبد العزيز.
۱۳ - ثمانون، وهو قول حكاه المروزي.
١٤ - جمع كثير بغير حصر.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٣۱):
قال في نهاية المحتاج ما نصه: سئل الفقيه إسماعيل الحضرمي هل كان النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يصلي على نفسه فقال: نعم» اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٣٣):
قال الشيخ سعيد باعشن: ومنه - أي ما تقدم من كلام عن الآية - أن الزائد على الآية ليس من الركن، وهو قاعدة كل ما يتجزأ كالركوع، أن أقل مجزئ منه يقع واجباً والزائد سنة، وحينئذ ما زاد على الواجب وطال به الفصل يقطع الموالاة، وبمثله يقال في الدعاء فما قطع المولاة ضر خصوصاً في الدعاء للصحابة وولاة الأمر؛ لأنه ليس من ركن الدعاء، وطول الفصل قدر ركعتين بأقل مجزئ، كما في الموالاة بين صلاتي السفر) اهـ.
_____________________________________
مسائل:
١- يستحب قراءة سورة (ق) في الخطبة الأولى؛ للإتباع، كما روى مسلم ولاشتمالها على أنواع المواعظ، ولا يشترط رضا الحاضرين، فإن تركها.. قرأ: {يأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [الأحزاب: ٧٠].
٢- لو أتى بآيات تشتمل على الأركان كلها ما عدا ركن الصلاة على الحبيب صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذ ليس لنا آية تشتمل على ذلك.. لم تجزئ؛ لأنها لا تسمى خطبة.
3- تضمين الآيات بغيرها من الخطب والرسائل وغيرها.. كرهه جماعة، وخص جماعة الكراهة بالخطب والرسائل فقط، وقال الشيخ الشربيني في هذا التخصيص: وهذا هو الظاهر اهـ، ورخص جماعة تضمين الآيات في الخطبة والمواعظ، وقال في ذلك الشيخ الرملي في النهاية: وهو أوجه اهـ.
٤- قال في المغني: (ولو قرأ آية سجدة - أثناء الخطبة - نزل وسجد إن لم يكن فيه كلفة، فإن خشي من ذلك طول فصل.. سجد مكانه إن أمكن، وإلا.. تركه) اهـ.
_____________________________________
مسائل (ص ٣٣٥):
١- ذكر الولاة المخلصين بما فيهم في الخطبة.. مكروه، وبما ليس فيهم.. حرام، إلا لخوف فتنة، فيستعمل التورية بما أمكنه.
۲- جزم الشيخ ابن عبد السلام في الأمالي والإمام الغزالي بتحريم الدعاء للمؤمنين والمؤمنات بمغفرة جميع ذنوبهم وبعدم دخولهم النار؛ لأنا نقطع بخبر الله تعالى وبخبر رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أن فيهم من يدخل النار.
_____________________________________
مسألة (ص ٣٣٧):
هل النوم كالصمم فيضر أو كاللغط ؟ مقتضى كلام الشيخ الشبراملسي أنه كالصمم، وجعله الشيخ القليوبي كاللغط وتبعه الشيخ البرماوي، وضعفه الفقهاء والمعتمد أنه يضر كالصمم، كما في ترشيح المستفيدين.
.ولا يشترط طهر الأربعين ولا سترتهم، ولا كونهم بمحل الصلاة، ولا داخل السور أو العمران، ولذلك لو سمع شخص أركان الخطبتين وهو في بيته؛ جاز أن يكون إماماً لتلك الجمعة.
_____________________________________
مسألة (ص ٣٣۹):
يشترط في الخليفة في الخطبة أن يكون ممن سمع ما مضى من الأركان، وأن يستخلف عن قرب، وإلا.. استأنف، كما يقتضيه كلام الشيخ القليوبي حيث قال بعد الكلام عن حدث الخطيب: (نعم) لو استخلف عن قرب واحداً ممن حضر ما مضى.. بنى على ما فعله الأول) اهـ، فقوله عن قرب، وقوله ممن حضر ما مضى.. يقتضي هذين الشرطين.
تنبيه:
جوز الشيخ الخطيب الشربيني البناء في الإغماء، ثم قال بعدم الجواز، كما ذكر ذلك الشيخ القليوبي حيث قال: وجوز الخطيب البناء كالذي قبله، وفي شرحه للكتاب في الفصل الآتي في آخر الكتاب موافقة شيخنا الرملي بعدم الصحة في الإغماء هنا مطلقاً اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٤۲):
جعل القيام شرطاً في خطبتي الجمعة وركناً في الصلاة؛ لأن الصلاة أقوال وأفعال فناسب جعل القيام الذي هو فعل من أجزائها ركناً، بخلاف الخطبتين فإنهما أقوال فقط فجعل القيام شرطاً لهما؛ لأنه خارج عن مسماهما، وكذا يقال في الجلوس بينهما مع الجلوس بين السجدتين. قال في المغني: «فإن قيل ما الحكمة في جعل الجلوس والقيام هنا - أي في الخطبتين - شرطين وفي الصلاة ركنين ؟ أجيب بأن الخطبة ليست إلا الذكر والوعظ، ولا ريب أن القيام والجلوس ليسا بجزأين منهما، بخلاف الصلاة فإنها جملة أعمال، وهي، كما تكون أذكاراً تكون غير أذكار اهـ
_____________________________________
فائدة (ص ٣٤٤):
(و) من شروطهما أن تكون الأركان (بالعربية)، وذلك إذا كان في القوم من يعرف العربية، فإن لم يكن ثمّ من يعرف العربية.. ففيها تفصيل:
۱- إن أمكنهم التعلم.. وجب عليهم التعلم على سبيل فرض الكفاية، فإن لم يفعل واحد منهم مع الإمكان.. عصوا ولا جمعة لهم بل يصلون الظهر.
٢- إن لم يمكنهم تعلمها.. خطب بأي لغة بشرط أن يفهمها الحاضرون، وهو ما أعتمده الشيخ ابن حجر في التحفة فقال: «خطب منهم واحد بلسانهم» اهـ، وخالفه الشيخ الخطيب حيث قال: «خطب بلغته وإن لم يفهمها الحاضرون اهـ، ووافقه الشيخ الرملي فقال في النهاية: وإن لم يمكن تعلمها خطب واحد بلغته وإن لم يعرفها القوم» اهـ.
فإن لم يحسن واحد منهم لغة أو ترجمة.. فلا جمعة لهم؛ لانتفاء شرطها.
والحكمة من كون الأركان بالعربية مع عدم معرفتها.. العلم بالوعظ في الجملة.
إذا خطب بغير العربية في حالة عدم تمكنهم من تعلمها.. لزمه الإتيان بالآية بالعربية، ولا يجوز قراءة الآية بغير العربية.
_____________________________________
تتمة (ص ٣٤٤):
هناك سنن للخطبتين وهي:
الترتيب بين الأركان على ما ذكره الإمام النووي، وهو المعتمد خلافاً للإمام الرافعي القائل بوجوب الترتيب، وكونها على منبر، ويسن التيامن فيه أي المنبر إذا كان واسعاً، فإن لم يكن هناك منبر.. فعلى مرتفع، ويسن كذلك أن يسلم الخطيب عند دخول المسجد على الحاضرين لإقباله عليهم، وعلى من عند المنبر أو المرتفع، وأن يقبل عليهم إذا صعد المنبر أو نحوه وانتهى إلى الدرجة التي تسمى بالمستراح، وأن يسلم عليهم من المنبر أو المرتفع، ثم يجلس فيؤذن واحد للإتباع لا جماعة، فلو أذن جماعة أي متفرقون في المسجد.. كره ذلك، كما نص عليه الإمام الشافعي، ولفظه، كما نقله عنه في المغني: (وأحب أن يؤذن مؤذن واحد إذا كان على المنبر - أي إذا كان الخطيب على المنبر - لا جماعة -المؤذنين؛ لأنه لم يكن لرسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا مؤذن واحد، فإن أذنوا جماعة.. كرهت ذلك) اهـ.
قال الشيخ الشبراملسي -بعد كلام الإمام الشافعي: (قال ابن حجر إلا لعذر، انتهى. أي إن كان ثم عذر بأن اتسع المسجد جداً ولم يكف الواحد تعدد المؤذنون في نواحي المسجد، ولا يجتمعون للأذان، كما صرح به صاحب البهجة حيث قال: وَهِيَ فُرَادَى أُدْرِجَتْ وَيُنْدَبُ إِنْ يَتَّسِعُ لَهُمْ جَمِيعًا زَمَنٌ لِمَنْ يُؤَذِّنُونَ أَنْ يُرَتَّبُوا فَإِنْ يَضِقْ تَفَرَّقُوا وَأَذَنُوا) انتهى كلام الشيخ الشبراملسي.
ولقد كان الأذان على عهد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وسيدنا أبي بكر وسيدنا عمر حين يجلس الإمام على المنبر، فلما كثر الناس في عهد سيدنا عثمان أمرهم بأذان آخر، فقد روى الإمام البخاري أَنَّ التَّأْذِينَ الثَّانِيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَمَرَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِينَهُ عَنْهُ حِينَ كَثُرَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ وَكَانَ التَّأْذِينُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حِينَ يَجْلِسُ الْإِمَامُ.
ويسن أن تكون الخطبة فصيحة جزلة قريبة للفهم لا مبتذلة ركيكة، ولا غريبة وحشية؛ إذ لا ينتفع بها أكثر الناس، قال الإمام علي كرم الله وجهه: (حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذِّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟) أخرجه البخاري.
قال في المغني: قال الشيخ المتولي: (تكره الكلمات المشتركة والبعيدة عن الأفهام، وما تنكره عقول الحاضرين) اهـ.
ويسن كونها متوسطة؛ لأن الطول يمل، والقصر يخل؛ لخبر الإمام مسلم والترمذي والنسائي «كَانَتْ صَلَاتُهُ قَصْدًا وَخُطْبَتُهُ قَصْدًا»، ولا ينافي هذا قوله صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم في صحيح الإمام مسلم أيضاً: «أَطِيلُوا الصَّلَاةَ وَاقْصِرُوا الْخُطْبَة»؛ لأن القصر والطول من الأمور النسبية، فالمراد بإقصار الخطبة إقصارها عن الصلاة، وبإطالة الصلاة إطالتها عن الخطبة، أي فالمراد قصرها بالنسبة للصلاة مع كونها متوسطة في نفسها، وبذلك يندفع ما قيل أن اقتصار الخطبة يَشْكُلُ بقولهم: يسن أن يقرأ في الأولى (ق)؛ إذ ليس المقصود المخل، وإلا.. لما سن قراءة سورة (ق).
ويسن أن لا يلتفت الخطيب في شيء منها، بل يستمر مقبلاً عليهم إلى فراغها، ويعتمد على سيف أو عصا أو قوس، والحكمة من ذلك الإشارة إلى أن الدين قام بالسلاح - أي أنه لم يكن من السهل إقامته، إذ عُودي من قبل الكفار، وليس المقصود الانتشار بالسيف - ولهذا يسن أن يكون ذلك في يده اليسرى كعادة من يريد الجهاد به، ويشغل يده اليمنى بطرف المنبر، فإن لم يجد شيئاً من ذلك.. سكن يده خاشعاً بأن يجعل اليمنى على اليسرى أو يرسلهما.
ويسن الإنصات من الحاضرين، ويجب رد السلام وإن كره ابتداؤه، ويسن تشميت العاطس والرد عليه، والفرق بين تشميت العاطس حيث سن ورد السلام حيث وجب.. أن تشميت العاطس دعاء للغير وهو لا يجب، ورد السلام تأمين وتركه يخيف المسلم، ويكره تخطي الرقاب كراهة شديدة، وقيل: يحرم، والمراد بالتخطي أن يرفع رجله حتى تحاذي أعلى منكب الجالس، أما لو كانت رجله تمر على نحو عضده أو أسفل منه.. فلا كراهة حينئذ؛ لأنه لا يسمى تخطياً، بل هو مسنون لتحصيل سنة كالصف الأول والقرب من الإمام والجدار ونحوها.
_____________________________________
والتخطي تعتريه أحكام ستة وهي:
۱ - واجب: إذا توقفت صحة الجمعة عليه.
۲ - مندوب: إذا وجد فرجة قريبة ولم يجد موضعاً غيرها.
3- مباح: إذا وجد فرجة بعيدة ولم يجد موضعاً أخراً.
4- خلاف الأولى: إذا وجد فرجة قريبة ووجد موضعاً غيرها.
5-مكروه: إذا لم يجد فرجة.
٦ حرام إذا سبب التأذي للموجودين.
ولا تشرع الصلاة بعد صعود الخطيب غير التحية، كما تقدم في الأوقات التي تحرم فيها الصلاة من كلام صاحب القلائد.
ويسن لمريد الجمعة الاغتسال، ويدخل وقته بعد الفجر، بخلاف العيدين فيدخل من منتصف الليل، ويسن كذلك التطيب ولبس الثياب البيض، والتبكير، والذهاب إلى المسجد ماشياً، وغيرها من السنن المذكورة في المطولات.
_____________________________________
مسائل (ص ٣٤٨):
مسائل في صلاة الجمعة:
۱- لا تدرك الجمعة إلا بركعة؛ لما مر من أنها تشترط فيها الجماعة، فلو أدرك مسبوق ركوع الركعة الثانية مع الإمام بشرطه المار في الصلاة - وهو أن يطمئن معه في الركوع - أشترط لإدراك الجمعة استمراره معه إلى السلام عند الشيخ ابن حجر، وإلى السجود الثاني عند الشيخ الرملي.
ويجب عند الشيخ الرملي في هذه الصورة حتى يدرك الجمعة أن يدرك الركعة مع إمام الجمعة لا مع المسبوق، فلو أراد آخر أن يقتدي بالمسبوق في ركعته التي قام إليها.. لم يدرك الجمعة بإدراكها مع هذا المسبوق وانقلبت ظهراً، وعند الشيخ ابن حجر يدرك بها الجمعة، وإمامها ليس قيداً عنده، وعليه لو أحرم خلف الثاني آخر بعد أن قام ليتم ما عليه من صلاة الجمعة وخلف الثالث آخر وهكذا.. حصلت الجمعة للجميع إلى أن يخرج الوقت.
٢- لو أدرك مع إمام الجمعة الركعة الثانية وشك قبل سلام إمامه هل سجد مع الإمام أم لا ؟.. لزمه السجود ويتم الصلاة جمعة، أما لو شك بعد سلامه.. سجد وأتمها ظهراً؛ لأنه لم يدرك مع إمامه ركعة، ويسجد للسهو في الحالة الثانية وهي شكه بعد سلام الإمام؛ لتردده في الزيادة.
أما في الحالة الأولى وهي شكه قبل سلام الإمام.. فلا يسجد للسهو؛ لأن شكه وقع حال القدوة.
وأما لو أدرك مع الإمام الركعة الأولى وتذكر أو شك في ترك سجدة من الركعة الأولى.. أتى بعد سلام إمامه بركعة، ويدرك الجمعة؛ لإدراكه مع الإمام ركعة ملفقة من ركوع وما قبلها ومن سجودي الثانية، فهي ركعة كاملة وإن كانت ملفقة من ركعتين، ويسجد للسهو في صورة الشك؛ لاحتمال الزيادة دون صورة التذكر؛ لعدم احتمال الزيادة.
٣- لو أدرك المسبوق الإمام بعد ركوع الثانية وجب عليه أن ينوي الجمعة على الأصح وإن فاتته الجمعة، ويصليها ظهراً؛ لعدم إدراك ركعة مع الإمام، وبهذا يلغز فيقال لنا شخص نوى ولا صلى، وصلى ولا نوى.
فلو قال قائل: ما الفائدة من وجوب أن ينويها جمعة وهو لا يدركها ؟ فالجواب: أولاً أنه ينويها جمعة موافقة للإمام، وثانياً لأن اليأس منها إنما يحصل بالسلام، إذ قد يترك الإمام ركناً ويتذكره فيتداركه بإتيانه بركعة فيدرك المأموم الجمعة، وقد يشكل كذلك كيف يعرف المأموم أن الإمام قد ترك شيئاً فقد تكون هذه الركعة التي قام إليها الإمام زائدة، وهو المحتمل فلذلك لا يجوز له متابعته ؟ فالجواب: أنه قد يعلم ذلك بنحو كتابة الإمام له في ورقة أنه قد ترك.
_____________________________________
مسائل (ص ٣٤۹):
مسائل الاستخلاف في الجمعة، وهي ثلاثة أنواع:
النوع الأول: الاستخلاف أثناء الخطبة أو بين الخطبتين، ويصح ذلك بشرط أن يكون الخليفة قد سمع ما مضى من الأركان.
الثاني: الاستخلاف بين الخطبة الثانية والصلاة، فيصح ويشترط في ذلك ليس الخليفة أن يكون قد سمع جميع الأركان، كما مر؛ إذ من لم يسمع من أهل الجمعة، وإنما يصير من أهلها إذا دخل في الصلاة.
الثالث: أن يكون الاستخلاف في الصلاة فعلى أربعة أقسام، وهي:
۱- أن يكون قبل اقتداء الخليفة بالإمام، فيمتنع مطلقاً؛ لأن الخليفة يحتاج إلى نية تجديد القدوة، مما يؤدي إلى إنشاء جمعة أخرى.
٢- أن يكون بعد اقتداء الخليفة بالإمام، ويكون الاستخلاف في قيام الركعة الأولى أو في ركوعها، فيصح الاستخلاف، وتحصل الجمعة للخليفة وللمصلين، ولا يشترط هنا في الخليفة سماعه أركان الخطبتين؛ لأنه صار من أهل الجمعة بالدخول في الصلاة، فإذا خرج الإمام من الصلاة.. استخلف مقتدياً به، كأن اقتدى به قبل خروجه، أو تقدم هو بنفسه إن لم يقدمه الإمام، فإن لم يحصل كل ذلك.. لزم المأمومين تقديم واحد، ويلزمه التقدم إن ظن التواكل.
3- أن يكون الاستخلاف بعد اقتدائه بالإمام وبعد ركوعه الركعة الأولى ولو في اعتدالها، وهذا يحرم عليه الاستخلاف عند الشيخ ابن حجر؛ لأنه يفوت بذلك الجمعة على نفسه، إذ شرطه عنده أن يدرك ركعة مع الإمام ويستمر معه إلى السلام، وهذا لم يستمر معه إلى السلام، فيجب أن يتقدم غيره ممن أدرك ركوع الأولى، ومع ذلك لو تقدم صحت جمعة القوم دونه.
٤- أن يكون الاستخلاف بعد أن أدرك الخليفة ركوع الركعة الثانية مع الإمام وسجدتيها فاستخلف في التشهد فيصح الاستخلاف ولا يدرك الجمعة عند الشيخ ابن حجر بل يتمها ظهراً، وعند الشيخ الرملي والشيخ الشربيني وشيخ الإسلام: يدركها، فيأتي بركعة.
_____________________________________
مسائل (ص ٣٥۱):
مسائل الاستخلاف في غير الجمعة: وهي قسمان:
الأول: أن يستخلف الإمام من لم يقتد به قبل حدثه، فإن كان الخليفة لا يخالف الإمام في ترتيب الصلاة كالركعة الأولى للإمام أو الثالثة، والمأموم في بداية الصلاة.. جاز؛ لأن الخليفة سيبدأ في الأولى وهي مناسبة لأولى الإمام ولثالثته، وسواء جدد المأمومون نية الاقتداء أم لا.
وإن خالف الخليفة الإمام في ترتيب الصلاة كأن كان الإمام في الركعة الثانية أو الرابعة أو ثالثة المغرب والمأموم في بداية الصلاة.. فلا يصح استخلافه إلا إن جدد المأمومون نية القدوة، فيصح حينئذ.
الثاني: أن يستخلف الإمام من اقتدي به قبل حدثه.. فيصح الاستخلاف مطلقاً؛ لأنه يلزمه نظم صلاة الإمام باقتدائه به فلا يتصور مخالفته، فإن كان قد اقتدى به قريباً أي لم يدرك معه ركعة بل بعضها، فإن كان عالماً بنظمها كأن كان رأى الركعة التي قبلها أو رآه يكبر للإحرام.. جرى على نظم إمامه، أما إذا لم يعلم ذلك.. راقب من خلفه عند قيامه من التشهد، فإن هموا بالقيام قام، وإلا… قعد وهذا في غير الرباعية، أما فيها.. فيراقبهم إذا هموا بالقعود.. قعد وتشهد معهم ثم يقوم، فإذا قاموا.. علم أنها ثانيتهم، وإن لم يقوموا علم أنها رابعتهم.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٥۱):
إنما يجوز الاستخلاف إذا لم ينفردوا بركن ولو قولي، أي قبل الاستخلاف وبعد بطلان صلاة الإمام الأول، وإلا.. امتنع الاستخلاف في الجمعة مطلقاً، وفي غيرها من غير نية تجديد الاقتداء.
_____________________________________
مسألة:
لو أنفرد بالركن وقبل الاستخلاف بعض المأمومين ففيه تفصيل:
1-إن كان في غير الجمعة.. احتاج من فعله إلى نية تجديد الاقتداء دون من لم يفعله.
2-إن كان في الجمعة، فإن كان غير الفاعلين للركن أربعين.. بقيت الجمعة صحيحة، وإن كان غير الفاعلين أقل من أربعين.. بطلت الجمعة إن كان الانفراد بهذا الركن في الركعة الأولى، وإلا.. بقيت الجمعة صحيحة.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٥٣):
صحح أبو حنيفة وجمع من السلف إسلام المميز مطلقاً، ونقل إجماع الصحابة عليه وانتصر إليه جمع.
_____________________________________
مسائل (ص ٣٥٥):
لا يكفي تغسيل الملائكة للميت؛ لأنهم غير مكلفين بالفروع، فلا ينافي أنهم مكلفون بالإيمان به صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بناء على أنه مرسل إليهم على المختار، أما تكفينه ودفنه فيكفي فعل الملائكة لذلك؛ لأن المقصود من التكفين والدفن، الستر، وقد حصل، والمقصود من التغسيل التعبد بفعلنا، فلا يكفي فعل الملائكة، ولذلك ينبش الميت للغسل ولا ينبش للتكفين.
وأما الجن فيكفي تغسيلهم عند الشيخ الرملي والشيخ الخطيب، وقال الشيخ ابن حجر لا يكفي.
ويكفي تغسيل الصبي المميز، وكذا لو غسل الميت نفسه أو غسله ميت آخر كرامة.
_____________________________________
أكمل الغسل:
والأكمل في الغسل: أن يوضع بموضع خال عن الناس، ولا يدخل إلا الغاسل ومن يعينه والولي؛ لأنه كان يستتر عند الاغتسال في حال حياته فيستر بعد موته، وقد يكون ببدنه بعض ما يكره ظهوره، ولذلك يجب على الغاسل ستر ما رآه من قبيح على الميت إلا لمصلحة ككونه متجاهر بفسقه أو مبتدعاً، ويسن له أي الغاسل أن يتكلم بالحسن والخير.
ويسن أن يوضع الميت على لوح أو سرير هيئ لذلك؛ لئلا يصيبه الرشاش، وأن يكون تحت سقف، وأن يغسله في قميص بال سخيف حتى لا يمنع وصول الماء إلى بدنه لأنه أستر له، ولا يجوز له كشف عورته؛ بل يحرم.
ويسن كذلك أن يغطي وجهه بخرقة من أول ما يضعه على المغتسل إلا إن كانت امرأة محرمة.
والأولى أن يغسله بماء بارد؛ لأنه يشد البدن، والسخن يرخيه، إلا إن احتاج إلى السخن لوسخ أو برد أو نحوه.. فيسخن قليلاً. ويجلسه الغاسل على المغتسل مائلاً قليلاً إلى ورائه؛ ليسهل خروج ما في بطنه، ويضع يمينه على كتفه، وإبهامه في نقرة قفاه وهو مؤخرة عنقه؛ لئلا يميل رأسه، ويسند ظهر الميت إلى ركبته اليمنى؛ لئلا يسقط.
ويمر يساره على بطنه المرة بعد المرة مع نوع تحامل لا بشدة؛ لأن احترام الميت واجب، كما قاله الشيخ الماوردي ونقله عنه في التحفة والمغني، والمقصود من هذا كله خروج ما في بطنه من الفضلات خشية خروجها بعد الغسل أو بعد التكفين فيفسد بدنه وكفنه خلافاً للإمام البغوي ومن تبعه في قوله بعدم الضرر مطلقاً من نزول النجاسة بعد الإدراج في الكفن، كما تقدم.
ثم يضجعه لقفاه ويغسل بيده اليسرى وعليها خرقة وجوباً النجاسة الخارجة من سوأتيه، إذ لف الخرقة لغسل النجاسة من السوأتين واجب، ولإزالة النجاسة من غير السوأتين مندوب، فيلف الخرقة على يساره ويغسل بها قبله ودبره، ويصب الماء؛ ليزيل عين النجاسة، وكذا ما حولهما، كما يستنجي الحي بعد قضاء الحاجة.
ثم يلف على يده اليسرى خرقة أخرى، ويزيل الأوساخ التي تحت أظفاره وفي أذنيه، ويستخدم فيها أي الأظافر والأذنين عوداً ليناً، وكذا الأوساخ التي في أنفه وفمه وقدي عينيه، ثم يوضئه وضوءاً كاملاً، وقيل: بسننه مع أذكاره، ويلف خرقة أخرى على يده اليسرى ليسوكه بالسبابة، ويؤخذ من هذا أن الحي يستاك باليسرى، كما في التحفة - ويمضمضه ثلاثاً، وينشقه ثلاثاً بلا مبالغة، ويميل رأسه في المضمضة والاستنشاق؛ لئلا يصل الماء إلى باطنه فيفسده.
ويسن الدعاء بعد الوضوء، وينبغي أن يأتي الغاسل بدعاء الأعضاء، ويسن أن يقول: واجعله من التوابين، أو واجعلني وإياه، ثم يبدأ الغاسل بالتغسيل فيغسله بالسدر، فإن لم يجد.. فصابون أو غيره، بأن يغسل رأسه مبتدئاً بأعلى الرأس إلى لحيته، ويسرح شعر الرأس واللحية بمشط واسع الأسنان برفق، فإن وقع من الشعر شيء.. وضع في الكفن ندباً؛ ليدفن معه إكراماً، ويكره أخذ شيء من شعر الميت أو ظفره، إلا المحرم.. فيحرم أخذ شيء من ذلك.
ثم يغسل يده اليمنى من رؤوس الأصابع إلى الكتف، ثم ما أقبل من شقه الأيمن مما يلي الوجه من عنقه إلى أطراف أصابع رجليه، ثم يغسل ما أقبل من شقه الأيسر، كما مر في الأيمن، ثم يحرفه إلى شقه الأيسر، وطريقة ذلك أن يضع رجله اليمنى على اليسرى ويقلبه على الشق الأيسر ويضع يده اليمنى عليه لئلا يقع، فيغسل ما أدبر من شقه الأيمن من كتفه إلى أطراف أصابع رجليه، ثم يعيده على قفاه ويضع رجله اليسرى على اليمني ويقلبه على جنبه الأيمن ويضع يده اليسرى عليه لئلا يسقط.
ثم يغسل ما أدبر الدلك من شقه الأيسر من كتفه إلى أطراف أصابع رجليه، ويفعل ذلك مع برفق، ثم يزيل الغاسل السدر أو الصابون على الكيفية الماضية، ثم يغسله بماء قراح أي خالص بالكيفية الماضية، ويضيف إليه أي إلى الماء القراح شيئاً من الكافور لما ورد من أنه يذهب الحيات عنه في القبر.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٥٨):
في الصلاة على الميت:
وأولى الرجال به أولاهم بالصلاة عليه، وهم رجال العصبات من النسب، ثم الولاء، ويقدم الولي على الوالي وإن أوصى الميت لغير الولي؛ لأنها حقه؛ فلا تنفذ وصيته بإسقاطها كالإرث.
فيقدم الأب أو نائبه، ثم الجد أبو الأب وإن علا؛ لأن الأصول أكثر شفقة من الفروع، ثم الابن وإن سفل، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ لأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم ابن الأخ لأب، ثم بقية العصبة النسبية فيقدم عم شقيق، ثم عم لأب، ثم ابن عم شقيق، ثم ابن عم لأب، ثم عصبة الولاء فيقدم المعتق، ثم عصباته النسبية، ثم معتقه، ثم عصباته النسبية، وهكذا.
ويجوز للرجل أن يغسل أمته ولو مدبّرة أو كتابية أو أم ولد كالزوجة؛ بل أولى لأنه مالك الرقبة والبضع جميعاً، والكتابة تفسخ بالموت، ولا يجوز له تغسيل أمته المزوجة والمعتدة والمستبرأة والمشتركة، والمبعضة، والوثنية؛ لحرمة بضعهن عليه، وإن جاز له نظر ما عدا ما بين سرة وركبة غير المبعضة.
ويجوز للرجل أن يغسل زوجته مسلمة كانت أو ذمية، وإن تزوج بعد موتها. قال في المغني: (وإن تزوج أختها - أي بعد موتها مباشرة ـ أو أربعاً -سواها؛ لأن حقوق النكاح لا تنقطع بالموت بدليل التوارث في الجملة) اهـ
أما الزوجة الرجعية ومثلها مفسوخة النكاح.. فلا يجوز له تغسيلهن، وكذا المعتدة عن شبهة لا يجوز له تغسيلها؛ لتعلق الحق فيها بأجنبي.
ويجوز للمرأة أن تغسل زوجها ولو انقضت عدتها وتزوجت، كأن كانت حامل ووضعت مباشرة بعد موته لا قبل الموت، وإلا.. فليست بزوجة فلا يجوز لها تغسيله.
ولا يجوز للأمة ولو مكاتبة أو أم ولد أن تغسل سيدها؛ لانتقالها للورثة أو عتقها إن كانت أم ولد، بخلاف الزوجة فإن آثار الزوجية تبقى ولو بعد الموت، كما تقدم.
ويندب لأحد الزوجين وكذا السيد لف خرقة أثناء الغسل، ولا يمس أحدهما الآخر لئلا ينتقض وضوء الغاسل لا الميت، كما تقدم.
ولو لم يحضر إلا أجنبي كبير والميت امرأة أو لم يحضر إلا امرأة أجنبية كبيرة والميت رجل.. يمم الميت وجوباً، وقال في التحفة والنهاية: ويؤخذ منه أنه لو كان في ثياب سابغة - أي: تعم البدن - وبحضرة نهر مثلاً وأمكنه غمسه به ليصل الماء لكل بدنه من غير مس ولا نظر.. وجب وهو ظاهر اهـ
ولو حضر عند موت الذكر رجل كافر ومسلمة أجنبية.. غسله الكافر؛ لأنّ له النظر إليه دونها، وصلت عليه المسلمة.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٥۹):
الولد الصغير الذي لا يشتهى.. يغسله الرجال والنساء؛ لحل النظر إليه ومسه، والخنثى المشكل الكبير إن كان له محارم.. غسله محارمه، وإلا.. جاز للرجال تغسيله، وللنساء كذلك للضرورة، ولضعف الشهوة بالموت، ويغسل من فوق ثوب، كما في المغني والتحفة والنهاية، وكما صححه في المجموع ونقله عن اتفاق كلام الأصحاب، واختار ابن المقري أنه ييمم إذا فقد المحارم، ويحتاط الغاسل ندباً في النظر والمس.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٦٤):
يجب على الأب تجهيز ولده ولو كبيراً، كما في التحفة، ويجب على الزوج الموسر تجهيز زوجته غير الناشزة لا الناشزة ولا الصغيرة، ولو أعسر الزوج.. كفنت من مالها، كما في العباب، ويجب على الزوج أيضاً تجهيز خادم زوجته وخادمتها، لا زوجة الأب ولا معتدته البائن وإن كانت حبلى، كما في (الحلبيات) للسبكي ونقله عنه في (القلائد).
ولو كفن شخص امرأة تلزم نفقتها على زوجها والزوج غائب، أو ممتنع وهو موسر.. لم يرجع - أي من قام بالكفن - به أي: بثمن الكفن على الزوج، وقال الشيخ ابن مزروع بإسقاطه عنه جزماً، وقال في التحفة: (فإن كان بإذن حاكم يراه.. رجع عليه، وإلا.. فلا، كما بحثه الأذرعي) اهـ، ثم قال في التحفة أيضاً: (ولو لم يجد حاكماً.. كفى المجهز الإشهاد على أنه جهز من مال نفسه ليرجع به).
_____________________________________
فائدة:
قال الشيخ علي بايزيد في فتاويه الدوعنية: إن الحنوط والكافور كالكفن في وجوب ذلك على الزوج، وهو الذي يظهر لتأكد أمره، وقاله الشيخ موسى ابن الزين وعليه العمل. اهـ
وقال الشيخ عبد الله بن عمر بامخرمة في العدنية المذهب المعتمد عند الشيخين وغيرهم الاستحباب. اهـ من مختصر تشييد البنيان.
_____________________________________
مسائل (ص ٣٦٧):
١- لو استشهد جنب.. لا يغسل عن الجنابة بل يحرم غسله؛ لأن الشهادة تسقط غسل الموت فكذا غسل الحدث، ولأن الملائكة غسلت حنظلة لاستشهاده يوم أحد جنباً، كما صح، ولو وجب غسله.. لم يسقط بفعل الملائكة.
٢- يستحب وضع قطن عليه حنوط على جميع منافذ الميت الأصلية كالعين والأنف والأذن، وكذا الطارئة بنحو جرح، وكذا يوضع قطن على سوأتي الميت، وتشد بعصابة؛ ليستمسك ما على السوأتين من القطن، وكذا على كل مسجد من مساجده السبعة؛ وذلك دفعاً للهوام، وإكراماً للمساجد، ويسن أن يطيب مواضع السجود؛ إكراماً لها.
3- يكره اتخاذ الكفن إلا من حلال يقين أو أثر صالح، وللوارث إبداله؛ لأنه ينتقل إليه، كما يجوز له أي الوارث نزع ثياب الشهيد الملطخة بدم الشهادة وتكفينه في غيرها وإن كان فيها أثر العبادة؛ نعم إن عينه الشهيد قبل استشهاده لتكفينه.. امتنع إبداله، أما القبر.. فيستحب اتخاذه، ولا يصير أحق به مادام حياً.
٤- يسن دفن الشهيد في ثيابه التي مات فيها، قال الشيخ الشرقاوي: (أي بعد نزعها منه عقب موته وعودها إليه عند التكفين، إذ يسن نزع ثياب الميت التي مات فيها؛ لأنها تسرع إليه الفساد، ولو نبياً ولو شهيداً على المعتمد، ومحل السنية قوله في ثيابه، وأما الدفن فواجب كالتكفين، وسواء في ذلك ثيابه الملطخة بالدم وغيرها؛ ولكن الملطخة أولى ذكره في المجموع، وهذا في ثياب أعتيد لبسها غالباً ولو حريراً، أما ثياب الحرب كدرع ونحوه مما لا يعتاد لبسه غالباً كخف وفروة وجبة محشوة.. فيندب نزعها كسائر الموتى، فإن لم تكفه ثيابه... تممت وجوباً على المعتمد بل يجب ثلاث لفائف إن كفن من ماله) اهـ.
5- يحرم إزالة دم الشهيد إلا إن أصابه نجاسة غير معفو عنها، أما المعفو عنها.. فلا تزال إن أدت إزالتها إلى إزالة دم الشهادة، وإلا.. أزيلت، وقال الشيخ الشرقاوي: ومحل حرمة إزالته إذا كان بالغسل، أما بنحو عود.. فلا يحرم، والفرق أن الغسل يزيله بالكلية عيناً وأثراً، والعود يزيل العين دون الأثر، قاله سم نقلاً عن الرملي اهـ.
٦- سئل الشيخ ابن حجر، كما في فتاويه عن كتابة العهد على الكفن وهو:
لا إله إلا الله والله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، لا إله إلا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، وقيل: أنه اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم إني أعهد إليك في هذه الحياة الدنيا أني أشهد أنك أنت الله وحدك لا شريك لك، وأن محمد عبدك ورسولك صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فلا تكلني إلى نفسي فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتبعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عهداً عندك توفينيه يوم القيامة إنك لا تخلف الميعاد. هل يجوز ؟ ولذلك أصل ؟
فأجاب بقوله: «نقل بعضهم عن نوادر الأصول للترمذي ما يقتضي أن هذا الدعاء له أصل، وأن الفقيه ابن عجيل كان يأمر به، ثم أفتى بجواز كتابته قياساً على كتابة الله في نعم الزكاة، وأقره بعضهم بأنه قيل يطلب فعله لغرض صحيحمقصود فأبيح وإن علم أنه يصيبه نجاسة، وفيه نظر.
وقد أفتى ابن الصلاح بأنه لا يجوز أن يكتب على الكفن يس والكهف ونحوهما؛ خوفاً من صديد الميت وسيلان ما فيه، وقياسه على ما في نعم الصدقة ممنوع؛ لأن القصد ثم التمييز لا التبرك وهنا القصد التبرك، فالأسماء المعظمة باقية على حالها، فلا يجوز تعريضها للنجاسة، والقول بأنه قيل يطلب فعله إلخ.. مردود؛ لأن مثل ذلك لا يحتج به، وإنما كانت تظهر الحجة لو صح عن النبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طلب ذلك، وليس كذلك اهـ.
ومثل القرآن كل اسم من أسماء الله، وكل اسم معظم كالملائكة والأنبياء، ولا بأس بكتابة كل ذلك بالريق على الكفن؛ لأن الريق لا يثبت، فلا تثبت النقوش المكتوبة به، وكذا بالماء، كما في الإعانة.
_____________________________________
تتمة (ص ٣٧٣):
یسن رفع يديه عند التكبيرات، ويسن الجهر بها وبالسلام للإمام دون غيرها، فلا يجهر في صلاة الجنازة بشيء منها غير التكبيرات والسلام إلا إذا احتاج إليه عند الشيخ ابن حجر خلافاً للشيخ الرملي، ويسن التعوذ، ولا يسن دعاء الافتتاح ولا السورة في صلاة الجنازة؛ نعم قال الشيخ ابن حجر إن صلى على قبر أو غائب.. سن له الافتتاح والسورة، وخالفه الشيخ الرملي.
ويدخل وقت الصلاة على الميت بعد تغسيله أو تيميمه إن تعذر غسله، وبذلك يلغز فيقال: لنا شخص متوقفة صلاته على طهارة غيره كما أسلفنا.
ولو تعذر تطهيره كأن وقع في حفرة وتعذر إخراجه وطهره.. لم يصل عليه.
ويجب ان لا يتقدم المصلي على الميت في الموقف إن كان حاضرا، فإن كان غائباً.. جاز التقدم عليه.
وتجزئ صلاة الذكر الواحد على الميت وإن لم يحفظ الفاتحة ولا غيرها ووقف بقدرها مع وجود من يحفظها؛ لأن المقصود وجود صلاة صحيحة من جنس المخاطبين، وقد وجدت، كما في التحفة.
وإذا حضر بمحل الصلاة وما ينسب إلى محل الصلاة كخارج السور القريب ذكر أو صبي مميز.. لم تسقط صلاة الجنازة بفعل النساء لها، أما لو لم يوجد ذكر ولا صبي.. وجبت عليهن الصلاة ويسقط بهن الفرض، ومثله في الحكم الخناثي؛ لكن استبعد الشيخ ابن حجر عدم مخاطبة النساء بالصلاة مع وجود صبي حيث قال: وإنما يتجه إن أراد - أي الصبي - الصلاة، وإلا.. توجه الأمر عليهن اهـ. -
أما سنية الجماعة لهن فقد قال بسنيتها الشيخ الشربيني والشيخ الرملي، وقال الشيخ ابن حجر والجمهور لا تسن لهن الجماعة في الجنازة، كما في بشرى الكريم.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٧٤):
قال في البغية: «لو نقل الرأس عن الجثة.. كفت الصلاة على أحدهما إن نوى الجملة، فإن لم يعلم غسل الباقي.. علق نيته بغسله. اهـ التحفة، أي كان يقول: أصلي على جملة ما أنفصل منه هذا الجزء إن غسلت بقيته، فإن لم تغسل.. نوى الجزء فقط وإلا.. بطلت. اهـ المدابغي اهـ. ومثل الرأس جميع الأعضاء، ولو وجد جزء ميت مسلم غير شهيد - ولو شعرة عند الشيخ ابن حجر ـ بعد غسله وتكفينه.. صلى عليه وجوباً إن لم يصل على الباقي وقد -غسل، وندباً إن صلي على الباقي.
ويسن وقوف الإمام عند رأس الذكر وعجيزة غيره عامة أي سواء كان أنثى أو خنثى وإن كان الميت مستوراً أو في القبر، ويسن أن لا ترفع الجنازة حتى يتم المسبوق، ولا يضر رفعها قبل تمامه، وإن خرجت عن المسجد وبعدت بأكثر من ثلاثمائة ذراع وتحولت عن القبلة؛ لأنه دوام، بخلاف ما لو أحرم وهي سائرة، فيشترط حينئذ عدم البعد وعدم الحائل، فيغتفر في الدوام ما لا يغتفر في الابتداء.
قال في التحفة: ولو صلى على كل واحد، والإمام واحد - أي ليس هناك إمام لكل جنازة بل هو إمام واحد يصلي على كل واحدة - قدم من يخاف فساده، ثم الأفضل بما مر - أي من نحو ورع وولاية - إن رضوا، وإلا.. أقرع اهـ، وهذا إن جاؤوا معاً، كما قاله الشيخ ابن حجر، قال العلامة عبد الله بن الحسين بلفقيه، كما في البغية: «فائدة: وَجَدَّتُ حاشية على بعض نسخ التحفة في تقديم الجنائز، قال: وقضية عبارته أنه لا يقدم السابق إلى محل الصلاة، وعمل أهل تريم على تقديمه وإن كان مفضولاً مطلقاً، ولم نعلم مستندهم في -ذلك.
ثم رأيت الفقيه العلامة محمد بن عبد الله باعلي أفتى بما يوافقه - أي يوافق تقديم السابق - ناقلاً له عن شرح العباب ولفظه: قال ابن حجر هذا إن جاؤوا معاً، وإلا.. قدم الأول فالأول اهـ. فأفاد فيه - أي الشيخ ابن حجر في العباب - دون بقية كتبه أن الإقراع لا يكون إلا إن جاؤوا معاً، ورأيت ذلك بخط محمد بلعفيف معزواً للعلامة محمد بن إسماعيل بافضل، فَقَيَّد الإقراع لشيخه ابن حجر في الشرح المذكور بما إذا جاؤوا معاً» اهـ.
_____________________________________
مسائل:
۱- يسن في صلاة الجنازة أن يجعلوها ثلاثة صفوف فأكثر؛ للخبر الصحيح: (مَنْ صَلَّى عَلَيْهِ ثَلَاثُ صُفُوْفٍ فَقَدْ أَوْجَبَ) أي: غفر له، أخرجه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حسن صحيح.
٢- لا تكره الصلاة على الميت على القبر؛ بل تسن، كما في خبر الشيخين، وقال به الجمهور.
3- يصلى على الميت الغائب عن البلد بأن يكون بمحل لا ينسب إلى البلد عرفاً، قال في التحفة: أخذاً من قول الزركشي عن صاحب الوافي واقره أن خارج السور القريب منه كداخله، ويؤخذ من كلام الإسنوي ضبط القرب هنا بما يجب الطلب منه في التيمم، وهو متجه إن أريد به حد الغوث لا القرب» اهـ، وقال الشيخ أبو مخرمة وضابط الغيبة.. أن يكون بمحل لا يسمع منه النداء اهـ.
ولا يشترط كون الغائب في جهة القبلة، ولو صلى على الأموات الذين ماتوا في يومه وسنته وغسلوا في أقطار الأرض ولا يعرف عينهم.. جاز؛ بل يسن لأن الصلاة على الغائب جائزة وتعيينهم غير شرط.
أما لو كان داخل البلد.. فلا تصح الصلاة عليه إلا إن قرب ولم يكن هناك حائل كالصلاة على الجنازة، قال في التحفة: أما من بالبلد.. فلا يصلى عليه وإن كبرت - أي البلد - وعذر بنحو مرض وحبس) اهـ. وفي النهاية تصح إن شق عليه الحضور.
٤- مذهبنا أنه لا يصلي على القبر والغائب إلا من كان من أهل الصلاة عليه يوم الموت، ورجح الشيخ الزمزمي صحة صلاة الصبي على الغائب والقبر، ونقل عن جده الشيخ ابن حجر ما يدل على أن الشرط أن يكون من أهل صحتها لا وجوبها يوم الموت، وشدّ الشيخ أبو زرعه عن ذلك فأجاب بصحة صلاة الصبي مع رجال ولو واحداً، وأجاب الشيخ أبو حويرث بعدم صحة صلاته على ما ذكر وأطال في ذلك، كما في البغية نقلاً عن الدشتة للعلامة عبد الرحمن بن محمد العيدروس، وقد ذكر الشيخ الخطيب في المغني خمسة أوجه في هذه المسألة فقال: وإلى متى يصلى عليه ؟ فيه أوجه:
أحدها: أبدا، فعلى هذا تجوز الصلاة على قبور الصحابة فمن بعدهم إلى اليوم إلا الانبياء.
قال في المجموع: وقد اتفق الأصحاب على تضعيف هذا الوجه.
ثانيها: إلى ثلاثة أيام دون ما بعدها، حكاه الخراسانيون وهو المشهور عندهم، وبه قال أبو حنيفة.
ثالثها: إلى شهر، وبه قال أحمد.
رابعها: ما بقي منه شيء في القبر، فإن انمحقت أجزاؤه.. لم يصل عليه، وإن شك في الانمحاق.. فالأصل البقاء.
خامسها: يختص بمن كان من أهل الصلاة عليه يوم موته، وصححه في الشرح الصغير، فيدخل على هذا المميز دون غيره.
والأصح تخصيص الصحة أي صحة الصلاة على القبر بمن كان من أهل فرضها وقت الموت دون غيره؛ لأنه يؤدي فرضا خوطب به.
5- قال في القلائد: ويقتصر في الصلاة على الأركان حيث خشي تغيره.
ولا يضر كون الميت غير مستقبل القبلة حال الصلاة، وإن كان يعتبر في الوقف لها معه من القرب وعدم التقدم ما يعتبر في الإمام، كما نبه عليه خلق منهم السمهودي وموسى بن الزين، وفيه كلام في المهمات) غير معتمد اهـ
٦- يسن بعد التكبيرة الرابعة الدعاء ويصح تطويله، قال في التحفة: وقيل: وضابط التطويل أن يلحقها بالثانية؛ لأنها أخف الأركان، وهو تحكيم غير مرضي؛ بل ظاهر كلامهم إلحاقها بالثالثة وتطويلها عليها اهـ.
وقال في النهاية: وحده أن يكون، كما بين التكبيرات - أي الأولى والأخيرة -، كما أفاده الحديث الوارد فيه اهـ.
وأولى الناس به في الصلاة.. أولاهم به في الغسل، وقد تقدم ذكرهم في محله.
ومن مات في قتال الكفار بسبب القتال فهو شهيد، فإن مات بعد انقضاء.. القتال ففيه تفصيل:
1-إن مات بجراحة فيه يقطع بموته منها وفيه حياة مستقرة.. فغير شهيد.
2-أما لو مات بجراحة يقطع بموته منها وليست فيه حياة مستقرة بل حركة مذبوح.. فهو شهيد.
(فرع) لو تخلف عن إمامه بلا عذر بتكبيرة حتى شرع إمامه في أخرى، كأن تخلف بالتكبيرة الثانية حتى شرع إمامه في الثالثة، أو تخلف بالثالثة حتى شرع إمامه في الرابعة.. بطلت صلاته؛ لأن المتابعة هنا لا تظهر إلا بالتكبيرات، فكان التخلف بتكبيرة فاحش كالتخلف بركعة، ومعنى قولنا تخلف بالتكبيرة الثانية أنه لم يكبرها بل ما زال في التكبيرة الأولى حتى شرع الإمام في الثالثة.
ولو تخلف عن إمامه بالتكبيرة الرابعة حتى سلم الإمام.. بطلت صلاته عند الشيخ ابن حجر خلافاً للشيخ الرملي القائل بعدم البطلان، ووافقه الشيخ الشربيني، فإن نسي القراءة ثم تذكرها وأشتغل بها حتى كبر إمامه.. لم تبطل صلاته بتكبيرتين، كأن شرع الإمام في الرابعة والمأموم في الفاتحة، بل قال في التحفة أن التخلف لعذر لا يضر مطلقاً، فيجري في كل ذلك على ترتيب نفسه، كما لو نسي أنه في صلاة أو نسي القدوة.. فلا يضر التخلف ولو بجميع التكبيرات، كما لو نسي ذلك في غيرها من الصلوات.. فلا يضر ولو بجميع الركعات.
-قال الشيخ الشبراملسي في حاشيته على النهاية: «لو كبر المأموم مع تكبير الإمام الأخرى - أي كأن كبر المأموم للثانية مع تكبير الإمام للثالثة ابتدءا معاً وانتهيا معاً ـ أتجه الصحة، ولو شرع مع شروعه فيها ولكن تأخر فراغ المأموم، هل نقول بالصحة أم البطلان ؟.. هو محل نظر اهـ عميرة. أقول: الأقرب الأول - وهو الصحة - لأنه صدق عليه أنه لم يتخلف حتى كبر إمامه أخرى، وأن ذلك لا يتحقق إلا بتمام الإمام التكبير قبل شروع المأموم فيه) اهـ.
- ولو تقدم المأموم على الإمام بتكبيرة عمداً.. لم تبطل صلاته عند الشيخ ابن حجر؛ لأن غايته أنه كزيادة تكبيرة، وقال الشيخ الرملي ببطلانها ما لم يقصد بها الذكر، فإن قصد بها الذكر.. لم تبطل.
- ولو جاء مسبوق وكبر.. قرأ الفاتحة، وإن كان الإمام في تكبيرة غير الأولى؛ لأن ما أدركه هو أول صلاته، ثم إن كبر الإمام قبل أن يكمل المأموم الفاتحة.. قطعها وتابع إمامه وسقطت عنه، وكذا لو كبر الإمام قبل أن يشرع المأموم في قراءتها، حتى لو قصد المأموم تأخيرها أي الفاتحة إلى تكبيرة أخرى.. لم يعتد بقصده؛ بل تسقط.
وإنما تسقط الفاتحة عن المسبوق.. إن كبر الإمام ولم يشتغل المسبوق بالتعوذ، وإلا.. أتى بقدره من الفاتحة، ثم إن كبر الإمام تكبيرة أخرى ولم يكبر المأموم.. بطلت صلاته نظير ما مر في الصلاة.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٨۱):
لا تتعين الفاتحة بعد التكبيرة الأولى، كما مر إلا في صورتين:
١- إذا كان مسبوقاً بتكبيرة أو أكثر، فيقرأ الفاتحة ويجري على ترتيب نفسه وجوباً عند الشيخ الزيادي، وندباً عند الشيخ ابن قاسم، ثم إذا سلم الإمام.. تدارك المسبوق باقي التكبيرات بأذكارها وجوباً في الذكر الواجب، وندباً في الذكر المندوب.
٢- إذا شرع فيها بعد الأولى فيجب عليه إكمالها.
ولو جمع الموافق بين الفاتحة والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في الثانية فتخلف ليقرأ ما بقي منها.. عذر في التأخر بتكبيرة.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٨۲):
ويكون رأس الميت أول النعش، وهنا كيفيتان الحمل الميت وهي:
١- التربيع، وهو أن يحمله أربعة كل واحد بركن، فإن عجزوا.. فستة، وإلا.. فثمانية.
ويكره أن يقتصر في حمله على واحد أو اثنين إلا في الطفل.
٢- الحمل بين العمودين وهو الأفضل، وهو أن يحمله ثلاثة يضع أحدهما الخشبتين المتقدمتين على عاتقيه، ويأخذ اثنان بالمؤخرتين، فإن عجزوا.. زيد اثنان يحملان الخشبتين المتقدمتين.
والأفضل الجمع بين الكيفيتين فيحمل تارة بالكيفية الأولى وتارة بالكيفية الثانية.
ويسن المشي مع الجنازة والقرب منها، وضابطه لو التفت لرآها رؤية كاملة، والأفضل أن يكون أمامها للإتباع؛ ولأنهم شفعاء للميت، إلا إن كان طفلاً فيكونون وراءه؛ لأنه يشفع لهم.
ويسن الإسراع بها، والمراد به بين المشي المعتاد والخبب، لا كما يفعل بعض الجهال من الجري بها حتى أن كبار السن لا يستطيعون إدراكها، ويكره إتباع النساء لها.
ويسن لهم السكوت حال الحمل متفكرين في الموت وحال الميت بعد الموت، وهذا هو الأفضل، وقد استحسن الكثير من أهل العلم الجهر بالذكر؛ ليشتغل الناس عن الكلام فيما لا ينبغي، وخاصة في هذا الزمن الذي كثر فيه اللغط مع حمل الجنائز، ولربما كان الكلام في غيبة أو نميمة بدل التفكر في الموت.
قال الشيخ باعشن يكره رفع الصوت حال السير بها وحال غسله وتكفينه ووضعه في القبر ولو بذكر؛ لكن قال ابن زياد: إن أدى سكوتهم إلى نحو غيبة كان - الذكر - أولى ليشتغلوا به عنها، نعم يسن الاشتغال بنحو الذكر سراً وإن لم يؤد السكوت لما مر اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٨٤):
لو ماتت ذمية في بطنها جنين مسلم، كأن كان زوجها مسلماً.. جعل ظهرها إلى القبلة وجوباً؛ ليتوجه الجنين إلى القبلة إن كان يجب دفن الجنين لو كان منفصلاً؛ لأن وجه الجنين على ما ذكروا إلى ظهر الأم، وتدفن هذه المرأة بين مقابر المسلمين والكفار، وقيل: في مقابر المسلمين، وقيل: في مقابر الكفار.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٨٤):
ويندب أن يوسع القبر بأن يزاد في طوله وعرضه، وأن يعمق بأن يزاد في نزوله.
ويجب عمل اللحد، وهو أن يحفر ما يسع الميت في أسفل جانب القبر من جهة القبلة، أو يجعل له شقاً وهو أن يحفر في وسط القبر كالنهر، أو يُبنى جانباه بلبن أو غيره غير ما مسه النار، ويجعل بينهما شق يوضع فيه الميت، واللحد أفضل من الشق إن صلبت الأرض كالمدينة، وإلا كأن كانت الأرض رخوة كمكة المكرمة.. فالشق أفضل.
ويغطى اللحد أو الشق بلبن أو خشب أو حجارة، والحجارة أفضل، ويحرم إهالة التراب على الميت من غير سد اللحد أو تغطية الشق، وجوز ذلك الشيخ بامخرمة حيث قال: الظاهر أنه لا يجب سد اللحد بل يجوز إهالة التراب من غير سد خلافاً للمزجد والرداد» اهـ.
ولو انهار التراب أثناء الدفن.. وجب إصلاحه، أو بعده.. فلا، قال الشيخ ابن حجر: وفي الجواهر لو انهدم القبر.. تخير الولي بين تركه، وإصلاحه، ونقله منه إلى غيره اهـ، ووجهه أنه يغتفر في الدوام ما لا يغتفر في غيره، وألحق بانهدامه انهيار ترابه عقب دفنه، وواضح أن الكلام حيث لم يخش عليه سبع أو يظهر منه ريح، وإلا.. وجب إصلاحه قطعاً» اهـ (٢). أي إن لم يخش عليه سبع أو يظهر منه ريح.. لم يجب إصلاح اللحد أو الشق، بل يجوز إهالة التراب عليه مباشرة، وليس المقصود ترك القبر مكشوفاً، فإن ذلك يظهر الميت ويعرضه للسباع.
ويندب أن يوضع النعش بجانب القبر من جهة رجل القبر بحيث يكون رأس الميت إلى جهة القبر، ويسل من رأسه برفق ويدخله القبر الرجال إن وجدوا ولو كان الميت أنثى، وأولاهم بذلك الأحق بالصلاة، كما تقدم.ف
_____________________________________
فائدة (ص ٣٨٦):
لو تساوى الرجال في أحقية الصلاة.. قدم الأسن، وفي الغسل والدفن.. قدم الأفقه والبعيد الأفقه أولى من القريب الغير أفقه؛ لأن الغسل والدفن يحتاج إلى فقيه؛ نعم المرأة المزوجة أولى بها زوجها وإن لم يكن له حق بالصلاة؛ لأنه ينظر إلى ما لا ينظر إليه غيره، ويندب للنساء حمل المرأة من مغتسلها إلى النعش.
ويندب أن يسند وجهه ورجليه إلى جدار القبر، ويسند ظهره بلبنة ليمنعه من الاستلقاء على قفاه، ويكشف خده ويجعل تحت خده لبنة أو تراب، ويؤذن في أذنه اليمنى ويقيم، ويسن أن يحثوا من دنا من القبر ثلاث حثيات يقول مع الأولى: مِنْهَا خَلَقْنَكُمْ اللهم لقنه عند المسألة حجته، ومع الثانية: وفيها نُعِيدُكُمْ اللهم افتح أبواب السماء لروحه، ومع الثالثة: {وَمِنْهَا تُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخرى}، اللهم جاف الأرض عن جنبيه.
قال العلامة السيد علوي بن سقاف بن محمد الجفري: (الظاهر فوات سن الحثيات بالفراغ من الدفن) اهـ.
قال الشيخ الشرواني في "حاشيته على التحفة": وجد بخط شيخنا الإمام تقي الدين العلوي عن خط والده قال: وجدت ما مثاله حدثني الفقيه أبو عبد الله محمد الحافظ أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: (من أخذ من تراب القبر حال الدفن بيده ـ أي حال إرادته - وقرأ {إِنَّا أَنزَلْنَهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْ}رِ سبع مرات، وجعله مع الميت في كفنه أو قبره.. لم يعذب ذلك الميت في القبر انتهى علقمي وينبغي أولوية كون التراب في القبر إذا كانت المقبرة منبوشة لا في الكفن لنجاسته) اهـ.
ثم يهال عليه التراب بالمساحي؛ لأنه أسرع إلى تكميل الدفن، ويندب أن يرفع القبر شبراً؛ ليعرف فيزار ويحترم، ولأن قبره صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رفع نحو شبر، وكان مبنياً بتسع لبنات، فإن لم يرتفع ترابه شبراً.. فالأوجه أن يزاد، وطمسه مكروه، ومحل من رفعه إذا كان بدارنا، أما لو مات مسلم بدار الكفر.. فلا يرفع قبره، بل يخفى؛ لئلا يتعرضوا له إذا رجع المسلمون، ويلحق بذلك الحكم الأمكنة التي يخاف نبشها لسرقة كفنه أو لعداوة أو نحوها، كأن كان الميت سنياً ودفن ببلد بدعة وخيف عليه من نبشهم، وتسطيحه بعد رفعه شبراً أولى من تسنيمه أي لا يجعل كسنام الجمل، ويسن إظهار علامة للقبر عند رأس القبر ورجليه.
وقال في بشرى الكريم: وكره أن يجعل تحته فراش أو مخدة أو صندوق؛ لأنه إضاعة مال لغير غرض شرعي؛ نعم إن احتيج لصندوق لنحو نداوة الأرض.. لم يكره ونفذت وصيته به اهـ.
_____________________________________
فائدة (ص ٣٨٨):
البكي بالقصر: الدمع، وبالمد: رفع الصوت.
فالبكي بالقصر.. مباح قبل الموت، بل يندب للشفقة، ولكنه بحضرة المحتضر خلاف الأولى إن لم يغلبه.
وفصل بعضهم فقال: إن كان لمحبة ورقة كالبكاء على طفل.. فلا بأس به، والصبر أجمل، وإن كان لما فقده من نحو علمه أو شجاعته.. فمستحب، أو لما فقد من بره وقيامه به.. فمكروه.
وأما الرثاء الذي هو ذكر فضائله ومآثره بحق في نظم أو نثر.. فمكروه، حيث لم يوجد فيها الندب السابق ذكره، وإن فعلت مع الاجتماع؛ لكن إن كانت بحق في نحو عالم وخلت عن البكاء والضرب وتجديد الحزن.. فهي بالطاعة أشبه؛ لأن كثير من الصحابة والعلماء يفعلونه.
_____________________________________
ائدة (ص ٣٨۹):
يسن أن يقول الدافن أو من يضعه في القبر: بسم الله الرحمن الرحيم وعلى ملة رسول الله صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال الشيخ ابن منبه: أنها ترفع العذاب عن صاحب القبر أربعين سنة اهـ.
_______________________________
فروع (ص ٣۹٠):
إذا مات وهو في البحر وبعد عن البر.. وضع بين خشبتين بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه، ويرمى في البحر، ويربط به شيء ثقيل ليغوص في الماء، وأفتى الشيخ أبو زرعة بأن الميت في البحر إذا أريد رميه فيه عند تعذر البر.. يلقن قبل رميه؛ لأنه جرى لنا قول باستحبابه - أي التلقين - قبل الدفن، --فعند تعذره أولى اهـ.
وأفتى الشيخ أحمد بجير بأنه يؤخر إلى بعد الإلقاء.
ولا يجوز تخصيص أماكن في مقبرة مسجّلة لأناس مخصوصين، فإن فعلوا.. منعوا، ولا يجوز تغييرها ببناء وزرع ونحوه وإن قدمت جداً، أما المملوكة لشخص فقد قال الإمام المتولي: يجوز - أي زرعها ونحوه - إذا بلي الميت ولم يبق له أثر، قاله في القلائد.
ولا يجوز جعل القبر في المسجد؛ لأنه ينجس باطنه بالصديد، لكن لو وسع المسجد وبجانبه قبر فصار في الداخل.. لم يحرم؛ ولكن يجعل بينه وبين المصلين ساتر.
قال في القلائد: (ومن ماتت حاملاً ورجي حياة جنينها بعرضها على القوابل شق جوفها، قال بعضهم في القبر، وبعضهم في الحال لئلا يموت بالضيق، وينبغي اعتماده - أي القول الثاني - إن قلن ذلك - أي القوابل) اهـ.
فإن لم ترج حياته.. فالأصح،، كما قال الإمام البغوي لا يشق لكن تترك فلا تدفن حتى يموت ولا يتحرك.
وجاز بلا كراهة دفن بليل مطلقاً، ولا كراهة في المشي على القبور بالنعل ما لم تكن النعال متنجسة بنجاسة رطبة، وإلا.. حرم. قال الإمام النووي في المجموع: (فرع) المشهور في مذهبنا أنه لا يكره المشي في المقابر بالنعلين والخفين ونحوهما، وممن صرح بذلك من اصحابنا الخطابي والعبدري وآخرون، ونقله العبدري عن مذهبنا ومذهب أكثر العلماء.
قال أحمد بن حنبل رحمه الله: يكره، وقال صاحب الحاوي: يخلع نعليه لحديث بشير بن معبد الصحابي المعروف بابن الخصاصية قال: (بينما أنا أماشي رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. نظر، فإذا رجل يمشي في القبور عليه نعلان، فقال: يا صاحب السبتتين ويحك ألق سبتتيك، فنظر الرجل فلما عرف رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خلعهما) رواه أبو داود والنسائي بإسناد حسن.
واحتج أصحابنا بحديث أنس رضي الله عنه عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قال: (العبد إذا وضع في قبره وتولي وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه) إلى آخر الحديث رواه البخاري ومسلم، (وأجابوا) عن الحديث الأول بجوابين (أحدهما) وبه أجاب الخطابي أنه يشبه أنه كرههما المعنى فيهما؛ لأن النعال السبتية - بكسر السين - هي المدبوغة بالقرظ، وهى لباس أهل الترفه والتنعم، فنهى عنهما لما فيهما من الخيلاء، فأحب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يكون دخوله المقابر على زي التواضع ولباس أهل الخشوع، (والثاني) لعله كان فيهما نجاسة، قالوا وحملنا على تأويله.. الجمع بين الحديثين» اهـ.
ويحرم نقل الميت لغير البلد الذي مات فيه وإن أوصى بذلك وأمن تغيره؛ لكن إن جرت عادتهم بالدفن في غير محلهم.. لم يحرم النقل إليه، وكذا لو نقل لمقبرة أقرب من مقبرة محل موته، أما من كان بقرب حرم مكة أو المدينة أو إيلياء أو مقابر صالحين.. فلا يحرم بل يسن، ونقله لخوف نحو سيل جائر، ولخوف نبشه واجب.
ولو أوصى بنقله إلى المحال التي ذكرت.. نفذت وصيته بشرطين وهما:
١- إن أمن تغيره.
2- إن قرب المحل، ولوجود الوسائل الحديثة في النقل اليوم صار المحل قريباً.
ولا يجوز نقله إلا بعد غسله وتكفينه والصلاة عليه؛ لأن ذلك وجب على أهل البلد التي مات فيها.
______________________________________
مسائل (ص ٣۹۲):
۱ -يحرم دفن اثنين من جنسين بقبر واحد حيث لا محرمية عند الشيخ ابن حجر، وقال الشيخ الرملي أنه يحرم حتى إن كان من جنس واحد حيث لا ضرورة، وهذا في الابتداء أما في الدوام كإدخال ميت على ميت، فإن كان قبل أن يبلى الأول بالكلية حتى عظامه.. فحرام إلا لضرورة، أما بعد أن يبلى الأول بالكلية.. فيجوز.
2- ولو حفر قبراً فوجد عظام الميت قبل تمام الحفر.. أعاده أي أعاد ما حفره وجوباً ولا يتم الحفر إلا لضرورة، أما لو وجدها بعد تمام الحفر.. فيجعلها في جانب القبر ويدفن الميت معه فيه، فإن ضاق بأن لم يمكنه دفنه إلا عليه ـ حيث لا حاجة... حرم لأن الإيذاء هنا أشد.
وعند الضرورة كأن كثروا وعسر إفراد كل ميت بقبر، فيجمع بين الاثنين والثلاثة والأكثر في قبر بحسب الضرورة، وكذا في ثوب واحد وذلك للإتباع في قتلى أحد.
ويقدم أقرأهم للقرآن إلى القبلة، أي: يقدم أفضلهما بما يقدم به في الإمامة عند اتحاد النوع، وإلا.. فيقدم رجل ولو مفضولاً، فصبي فخنثى فامرأة؛ نعم يُقَدِّمُ أصلا على فرعه من جنسه ولو أفضل؛ لحرمة الأبوة أو الأمومة، بخلافه من غير جنسه.. فيقدم ابن على أمه؛ لفضيلة الذكورة، ولو استوى اثنان.. أقرع بينهما، ويندب ولا يجب أن يجعل بينهما حاجز من تراب وإن اتحد الجنس.
۲- لا يجوز نبش الميت إلا للضرورات وهي سبعة عشر:
أ - إن دفن بلا طهر، أو تيمم.
ب ـ إن دفن بلا توجيه للقبلة ما لم يتغير، أما لو تغير.. فلا ينبش، ولو -كان مستلقياً على قفاه.. سن نبشه، قاله الشيخ الزيادي.
ج- لو دفن في ثوب أو أرض مغصوبين ووجد غيرهما، وإن غرم له الورثة الثوب، ومثله لو دفن بمسجد.. نبش وإن تغير.
د- لو بلع مالاً لغيره وطلبه صاحبه.. نبش وإن تغير وإن غرم الورثة مثله، قاله الشيخ زكرياء والشيخ الشربيني.
ه- لو بلع مالاً لنفسه في حياته.. نبش بعد بلائه لا قبله.
و- لو وقع في القبر مال وإن قل ولو من تركته.. نبش وإن تغير، وقال الإمام النووي: قال جماعة بعدم نبشه إذا ضمنه الورثة اهـ. ونقل عن الشيخ أبي الطيب أنه لا ينبش بحال، ويجب الغرم من تركته.
ز- إذا دفنت المرأة وببطنها جنين ترجى حياته، بأن يكون له ستة أشهر.
ح- لو بشر بمولود مثلاً فقال: إن كان ذكراً فعبدي حر، أو أنثى فأمتي حرة، فمات المولود ودفن ولم يعلم حاله.. فينبش.
ط- لو علق الطلاق بصفة، كأن لو ولدت ذكراً فطلقة أو أنثى فطلقتين، فولدت ميتاً فدفن ولم يعلم حاله.. نبش.
ك- لو أدعى شخص على ميت أنه امرأته، أو أدعت امرأة على ميت أنه زوجها وطلب الإرث وأقام البينة.. فينبش، فلو نبش فوجد خنثى.. تعارضت البينات على الأصح ويوقف الميراث، قال الشيخ العبادي في الطبقات أنه يفسخ بينهما.
ل- أن يلحقه سيل أو نداوة.
م- لو قال: لو رزقني الله ولداً فالله علي كذا، فدفن قبل أن يعلم بحاله.. فينبش.
ن- لو شهد على شخص ودفن واشتدت الحاجة إلى معرفة صورته...نبش.
س- لو اختلف الورثة في المدفون ذكراً أو أنثى.. نبش.
ع- تداعيا مولوداً.. فإنه ينبش ليلحقه القائف وهو من يعرف شبه المولود عن طريق قدمه.
فـ لو كان بأحد أعضائه شللاً، وتداعيا اثنان أو الورثة مع جان فيه -و دفن.. نبش.
ص- لو دفن الكافر بالحرم.. نبش.
ولا يجوز نبش قبر نبي من الأنبياء.
______________________________________
فائدة (ص ٣۹٧):
فائدة في وجوب الزكاة:
ليس من شروط الوجوب البلوغ والعقل، ولذا تجب الزكاة في مال الصبي والمجنون، والمخاطب بذلك الولي، وقد نظم الفخر الرازي في ذلك فقال:
طلبتُ مِنَ الْمَليحِ زَكَاةَ حُسْنٍ … على صغرِ مِنَ السِّنَّ البَهِي
فقالَ وَهَلْ عَلَى مِثْلِي زَكَاةٌ … عَلَى رَأْي العِرَاقِي الكمي
فَقُلْتُ الشَّافِعِيُّ لنَا إِمَامٌ … وَقَدْ فَرَضَ الزَّكَاةَ عَلَى الصَّبِيِّ
فَقَالَ اذْهَبْ إِذا وَاقْبِضْ زَكَاتِي…. بِقَولِ الشَّافِعِي مِنَ الوَلِي
وتممه التقي السبكي فقال:
فَقُلْتُ لَهُ فَدَيْتُكَ مِنْ فَقِيهِ … أَيُطْلَبُ بِالوَفَاءِ سِوَى المَلي
نِصَابُ الحُسْنِ عِنْدَكَ ذُو أَتْسَاعِ …. بِخَدِكَ وَالْقِوَامُ السَّمْهَرِي
فَإِنْ أَعْطَيْتَنَا طَوْعاً وَإِلَّا …. أَخَذْنَاهَا بِقَولِ الشَّافِعِي
______________________________________
فائدة (ص ٤٠٠):
لو كان عنده أربعون شاة.. وجب إخراج شاة للحول الأول، وإذا لم يخرجها.. أثم ولم يجب عليه شيء للحول الآتي لنقص النصاب.
______________________________________
فائدة (ص ٤٠۲):
تجزئ بنت المخاض في أقل من خمس وعشرين وإن زادت قيمة الشاة عليها، فإن فقدت بنت المخاض بأن لم يملكها، أو ملكها معيبة، أو كانت مغصوبة وعجز عن إخراجها من الغاصب وقت الإخراج، أو مرهونة أو غيرها... أخرج ابن لبون، وهو ماله سنتان، أو حقاً وهو ماله أربع سنين وإن لم يساو قيمة بنت المخاض، ولا يكلف شراء بنت مخاض؛ لأن زيادة السن تجبر نقص الذكورة وهو عدم وجود اللبن، والحمل.
______________________________________
مسألة:
لو كانت عنده بنت مخاض كريمة- أي: حاملاً.. لم يجز له إخراج ابن لبون فما فوقه، ولزمه إخراجها، أو يشتري بنت مخاض أخرى، ولا يكلف أن يخرج عن الحوامل حاملاً منهن؛ بل يجوز له شراء بنت مخاض غير حامل وإخراجها.
______________________________________
مسائل (ص ٤٠٤):
۱ - لو اتفق في الإبل أو البقر في نصاب واحد فرضان كالمثال الأخير … وجب الأغبط منهما للمستحقين إن وجد بماله بصفة الإجزاء كاملاً، أما لو وجد بماله أحدهما تاماً مجزئاً.. أخذ منه وأخرجه، وإن كان المفقود أغبط وأمكن تحصيله حتى إذا وجد شيئاً من الآخر أي بعض الآخر.. لم يأخذه بل يأخذ ما وجده بماله؛ لأن الناقص والمعيب كالمعدوم، ولا يجوز الصعود ولا النزول لعدم الضرورة إليه.
فإن لم يجد بماله أحدهما بصفة الإجزاء، بأن لم يجد شيئاً منها، أو وجد بعض كل منهما، أو وجد بعض أحدها فقط، أو وجدهما أو أحدهما ولكن ليس بصفة الإجزاء.. فله تحصيل ما شاء من النوعين كلا أو بعضاً منهما بشراء أو غيره ولو غير أغبط؛ لما في تعيين الأغبط من المشقة.
٢ - لو أخد الساعي غير الأغبط ففيه تفصيل:
أ - إن قصر الساعي أو دلس المالك أي كذب على الساعي.. لم يجزئ، ولزمه رده.
ب -إذا لم يقصر الساعي ولم يدلس المالك.. أجزأ، وجبر تفاوت النقص من نقد البلد، وصورته:
في المثال المتقدم قيمة الحقاق أربعمائة وقيمة بنات اللبون أربعمائة وخمسين، وأخذ الساعي الحقاق، فالفارق خمسون، فإما أن يدفع الخمسين، أو يدفع خمسة أتساع بنت لبون؛ لأن التفاوت أو الفارق خمسين، وقيمة كل بنت لبون تسعون فالخمسون تساوي خمسة أتساع بنت لبون؛ لأن تسع التسعين يساوي عَشَرَة، وخمسة أتساع تساوي خمسين.
قال في مغني المحتاج: فرع: لو بلغت إبله أربعمائة، فأخرج أربع حقق وخمس بنات لبون.. جاز؛ لأن المحذور في المائتين إنما هو التشقيص، فلو أخرج في صورة المائتين ثلاث بنات لبون وحقتين أو أربع بنات لبون وحقه.. جاز اهـ، لأنه أكثر من الواجب.
- لا يجوز إخراج المعيب من الغنم والمراد بالعيب عيب المبيع، وهو الذي ينقص القيمة ويفوت على المشتري غرضاً صحيحاً والغالب فيه عدم وجوده، لا عيب الأضحية، ومثل ذلك المريضة، وإلا إن كانت كل نعمه معيبة أو مريضة.. فيخرج حينئذ متوسطة العيب والمرض.
إذا كانت جميع-أنعامه ذكوراً؛ أجزأ إخراج الذكور.
______________________________________
فائدة (ص ٤٠٥):
مسألة الجبران: وهي من فقد واجبه أو ما نزل منزله؛ تخير بين أمرين وهما:
۱- الصعود إلى أعلى منه وأعطى الأكبر، وأَخَذَ شاتين أو عشرين درهما إسلامياً من وكيل الفقراء.
۲ - النزول إلى أسفل منه ودفع الأصغر، وجبر النقص بزيادة شاتين أو عشرين درهماً.
فالمتخير بين الصعود والنزول هو المالك.
والمتخير بين الشاتين أو الدرهمين هو الدافع سواء كان المالك كأن نزل، أو وكيل الفقراء كأن صعد المالك.
وصورته أمرين: عليه بنت لبون لبلوغ إبله ست وثلاثين، ولا توجد عنده.. فيتخير بين:
١- الصعود إلى الأعلى وإخراج حقة، ويأخذ من وكيل الفقراء إما شاتين أو عشرين درهماً.
۲- النزول إلى الأسفل وإخراج بنت مخاض، ويعطي وكيل الفقراء شاتين أو عشرين درهماً.
______________________________________
مسألة (ص ٤٠٦):
لا يجوز تبعيض جبران واحد، فلو لم يجد عشرين درهماً فضة خالصة.. أجزأ من المغشوش ما كانت نسبة الفضة عشرين درهماً، ولا يجوز شاة وعشرة دراهم إلا في حالة واحده وهي: إن كان الدافع الفقير والآخذ المالك، ورضي المالك بذلك.
ولو تعدد الواجب؛ كثلاث بنات لبون وصعد إلى ثلاث حقق.. أخذ ثلاث جبرانات.
______________________________________
فائدة (ص ٤٠٧):
لو عنده مائتان من الإبل، وعجز عن الواجب -وهو إما خمس بنات لبون أو أربع حقق.. ليس له جعل بنات اللبون أصلاً ويصعد إلى خمس جذاع ويأخذ عشر جبرانات، ولا جعل الحقاق أصلاً وينزل إلى أربع بنات مخاض ويدفع ثمان جبرانات؛ لكثرة الجبران مع إمكان تقليله، وله فيما إذا وجد بعض كل منهما كأن وجد ثلاث حقاق وأربع بنات لبون أن يجعل الحقاق اصلاً فيدفعها مع بنت لبون وجبران، وله دفع حقة مع ثلاث بنات لبون وثلاث جبرانات؛ الإقامة الشرع بنت اللبون مع الجبران مقام الحقة، وله فيما إذا وجد بعض أحدهما كحقة دفعها مع ثلاث جذاع وأخذ ثلاث جبرانات؛ وله دفع خمس بنات مخاض مع دفع خمس جبرانات.
ومصرف الجبران من بيت المال، فإن تعذر فمن مال المستحقين.
ويجوز أن يصعد أو ينزل درجتين فأكثر مع تعدد الجبران عند فقد القربي في جهة المخرجة، كأن لزمته بنت مخاض فلم يجد إلا حقة أو إلا جذعه.. فيخرج الحقة مع أخذه ثلاثه جبرانات، وكأن أخذه جبرانين، أو الجذعه مع لزمته حقة فلم يجد إلا بنت مخاض.. فيخرجها ويعطي جبرانين؛ لأن القربى وهي بنت اللبون مفقودة.
______________________________________
تنبيهات (ص ٤٠٨):
۱ -اعلم أن أسنان الزكاة تحديدية لا يغتفر فيه نقص؛ بل لا بد من الزيادة بأن تطعن بنت المخاض في السنة الثانية، وبنت اللبون في السنة الثالثة، والحقة في السنة الرابعة، والجذعة في السنة الخامسة.
۲- ما بين الأعداد يسمى وقص، كما بين الخمس والعشرين والست والثلاثين، وحكمه أنه يرجع إلى النصاب الأقل وهو الأول، فيعود إلى الخمس والعشرين، وهكذا في كل عدد كما تقدم في كلام صاحب الزبد.
______________________________________
فائدة (ص ٤٠۹):
ليس في زكاة البقر ولا الغنم نزول ولا صعود بجبران، وإنما ذلك مخصوص بزكاة الإبل فقط.
______________________________________
فائدة:
تجب الزكاة في متولد بين زكويين كبنت البقر وإبل؛ ولكن تعتبر بأخفهما بالنسبة للعدد، وبأكبرهما سنا بالنسبة للمخرج، فتجب مثلاً في أربعين متولدة بين ضأن وبقر.. ماله سنتان.
______________________________________
فائدة (ص ٤۱٠):
وقال في بشرى الكريم: يجزئ في الزكاة نوع من نوع آخر:، كضأن عن ماعز وعكسه، وكأرجية عن مهرية وعكسه من الإبل، وعراب عن جواميس وعكسه من البقر برعاية القيمة.
ففي ثلاثين عنز وعشر نعاج عنز أو نعجة بقيمة ثلاث أرباع عنز وربع نعجة - لأن عدد العنز ثلاث أرباع النصاب وعدد النعج ربع النصاب - فلو كانت قيمة العنز المجزئة ديناراً، وقيمه النعجة المجزئة دينارين.. لزم عنز أو نعجة، قيمتها دينار وربع، ويقاس بذلك البقر والإبل اهـ.
______________________________________
مسائل (ص ٤۱۲):
أما وقت الإخراج فيختلف، ففي الحب: عند وقت الحصاد، وذلك بعد التصفية، كما سيأتي إن شاء الله، ولا يشترط الحول.
وفي الثمار: بعد أن يكون الرطب تمراً والعنب زبيباً، وإنما يكون ذلك إذا تتمر الرطب وتزبب العنب، فإن لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب، أو تتمر وتزبب ولكنه أصبح رديياً، أو كانت تطول مدة جفافه.. فَيُخْرَجُ حينئذ رطباً وعنباً؛ لأنه يخرج إذا بلغ آخر أحواله وهذه هي آخر أحواله، قال الشيخ الشرقاوي: قوله رطب، فتؤخذ زكاته منه أي من الرطب - إن لم يتتمر حال كونه رديئاً ـ أي أن تتمر وكان رديئاً - وإلا - أي وإن تتمر وليس رديئاً... فمن التمر - أي يخرج من التمر، وكذا يقال في العنب.
وعبارة المنهج وشرحه: ويعتبر في قدر النصاب غير الحب من الرطب أو عنب حال كونه جافاً إن تجفف غير رديء، وإلا.. فرطباً اهـ.
الخلاصة: أنه لا يخرج الثمر إلا إذا وصل إلى آخر حالاته، وهي التمر للرطب والزبيب للعنب، ولا يخرجه رطباً وعنباً إلا في حالات وهي:
١ - إذا لم يتتمر الرطب ولم يتزبب العنب.. فتعتبر هذه هي آخر حالاته.
٢ - إذا تتمر وتزبب ولكنه رديء.
3- إذا كانت تطول مده جفافه.
ويضم غير المتجفف إلى المتجفف لتكميل النصاب؛ لأنها من جنس واحد.
______________________________________
تنبيه (ص ٤۱٣):
قال في البشرى: (تنبيه: ماء العيون والأنهار إن ملك محل منبعه.. فهو مملوك لذي الأرض الذي نبع فيها، وإلا - أي إن لم يملك أحد منبعه.. فهو باق على إباحته، ففي ما سقي ربع العشر، ولا يملك حتى يحرز) اهـ.
______________________________________
تتمة (ص ٤۱٧):
زكاة الخليطين:
لم يتعرض المصنف رحمه الله ونفعنا به لزكاة الخليطين، وهي أن يشترك اثنان فأكثر من أهل الزكاة في مال زكاة، فالحكم أنه يجب عليهما زكاة شخص واحد إذا توفرت الشروط التالية:
١ - أن يكون مال كل واحد منهما نصاباً، أو أحدهما أقل من النصاب والآخر نصاباً إن خلطا أقل من نصاب، كأن كان مجموع الخليطين أقل من أربعين شاة، أما إن خلطا نصاباً كاملاً.. فلا يشترط كون أحدهما مالكاً للنصاب، ولا تشترط نية الخلطة في الأصح؛ لأن العلة في تأثيرها خفة المئونة على المحسن بالزكاة، وهي لا تختلف بالنية وعدمها.
أما إن كان لأحدهما نصاب، كأن كان له أربعون وقد خلط منها خمسة عشر مع الآخر، فالمخلوط دون نصاب؛ لكن لأحدهما نصاباً.. فتجب زكاة شخص واحد؛ لأن الشرط أن يكون لأحدهما نصاباً، وليس شرط أن يخلط نصاباً كاملاً.
۲ - مضي الحول من وقت الخلطة إذا كان المال حولياً، فلو ملك كل منهما أربعين شاة في أول ربيع الأول مثلاً، وخلطا في أول ربيع الثاني.. فلا خلطه في الحول الأول، بمعنى إذا مضت سنة وجاء ربيع الأول.. وجب على كل منهما شاة، ثم يزكيان زكاة الخلطة في الأحوال المستقبلة، أي من ربيع الثاني.
3- أن يكون من أهل الزكاة.
وبقية الشروط متعلقة بخلطة الماشية وهي:
٤. أن يكون المراح واحداً، أي موضع مبيت الماشية.
5- أن يكون المسرح واحداً، وهو المكان التي تجتمع فيه الماشية بعد أن تساق من المأوى ثم تساق إلى المرعى.
٦ - أن يكون المرعى واحداً.
7- أن يكون الراعي واحداً، والمراد بوحدته أن لا تختص ماشية كل واحد براعي وإن تعدد الرعاة.
8- أن يكون الفحل واحداً، أي أن لا تختص ماشية أحدهما بفحل وتختص الأخرى بفحل، وأن تعدد الفحل وكثر بحيث يكون مرسلاً أي متروكاً ينزو على كل من الماشيتين، سواء كان ملكاً لأحدهما أو لهما معاً أم لا.
وهذا الشرط أن اتحد نوع الماشية أما لو أختلف نوعها كضأن ومعز جاز أن يخص كل واحد منهما ماشيته بفحل يطرقها.
۹- أن يكون المشرب واحداً بنفس المعنى السابق، وهو أن لا تختص ماشية كل واحد منهما بمشرب، فلا يضر تعدده من غير تمييز.
وفي خلطه التجارة والنقد يشترط شرط واحد هو:
10- اتحاد المكان والحارس.
وفي خلطة الشجر والزروع تشترط شروط، وهي:
أن يتحد المكان والسقي والملقح والحرث والجذاد والحصاد والحمال والجرين -وهو موضع تجفيف التمر وتخليص الحب من أول الزرع-.
وجاز كما ذكر الإمام الجرجاني لكل من الشريكين إخراج زكاة المشترك بغير إذن شريكه الآخر، ومن ذلك يؤخذ أن نية أحدهما تغنى عن الآخر، وذلك إذا أخرج من المشترك.
وللخلطة عدة حالات، وهي:
١- قد تفيد تخفيفاً لهما، كثمانين شاة بينهما بالنصف، فالواجب على كل واحد منهما نصف شاة، ولو انفرد كل منهما بنصفه من الماشية.. لوجبت على كل منهما شاة.
۲- قد تضرهما، كأربعين بينهما بالنصف، فالواجب عليهما شاة، ولو انفردا.. لما وجب عليهم شيء.
قد تفيد أحدهما وتضر الأخر، كأن كان لأحدهما أربعون وللآخر عشرون، فالواجب شاة، على الأول ثلثيها، وعلى الثاني ثلثها، ولو انفردا.. لوجب شاة على الأول دون الآخر.
______________________________________
فائدة (ص ٤۲٠):
مسألة الخرص:
والخرص خاص بالثمر، فلا خرص في الزرع، وهو تقدير الثمر رطباً ثم جافاً، فيعرف المالك ما يجب عليه في كل شجره قبل الحصاد.
والحكمة منه.. الرفق بالمالك والمساكين حيث عجل الشارع للمالك الانتفاع بالزرع، وعجل للمساكين نصيبهم من الثمر بعد بدو صلاحه.
وهو سنة للمالك الموسر لا المعسر، ويكون بعد بدو صلاحه كله أو بعضه أي الثمر على معتمد (التحفه) و (النهاية) و (المغني) خلافاً (لشرحي الإرشاد).
فيحكم عليه عدلان ويضمنان المالك القدر الواجب في ذمته من الزكاة تضميناً صحيحاً صريحاً، فيقولان له:
ضمناك حق المستحقين من الرطب بكذا ثمراً، بمعنى يوجبان عليه دفع الزكاة مقابل المقدار الذي يحدادنه تمراً، فينتقل حق المستحقين إلى ذمة المالك، ويقبل المالك ذلك أو نائبه، ويكون القبول صريحاً، ويكفي خارص واحد إن كان من الحاكم، ثم بعد الضمان يتصرف المالك بما يشاء في جميع الثمر، فإن انتفى الخرص، أو وجد الخرص ولم يوجد التضمين، أو وجد الخرص والتضمين وانتفى القبول من المالك أو نائبه.. لم ينفذ تصرفه إلا فيما عدا الواجب شائعاً، فلابد من وجود هذه الثلاثة الأشياء حتى يتصرف في جميع التمر، وهي: الخرص والتضمين والقبول.
ويشترط في الخارص أن يكون ذكراً مسلماً حراً عدلاً؛ لأن الخرص ولاية، وانتفاء هذه الأوصاف تمنع قبول الخبر والولاية، ويشترط أيضاً أن يكون عارفاً بالخرص؛ لأن الجاهل بالشيء ليس من أهل الاجتهاد فيه، ولو تلف المخروص قبل التمكن من أداء الزكاة.. فلا زكاة على المالك، أو تلف بعضه زكى الباقي ولو دون نصاب، ولو أتلفه المالك قبل بدو الصلاح.. فلا شيء عليه، أو بعد بدو الصلاح وقبل التضمين.. لزمه عشر القيمة عند الشيخ ابن حجر، ومثل عشره عند الشيخ الرملي والشيخ الشربيني والشيخ الشبراملسي.
______________________________________
فائدة (ص ٤۲٨):
وإنما تجب زكاة التجارة بشروط، وهي:
الأول: أن تكون عروضاً أي (بضائع) لا تجب الزكاة في عينها، كما تقدم لا نقداً، فإذا اتجر في الذهب والفضة.. وجبت الزكاة في عينها أي زكاة النقدين لا زكاة التجارة، وإن بادل بجنسه؛ لأن التجارة فيه ضعيفة نادرة بالنسبة لغيره، قال ابن سريج: بشروا الصيارفة أن لا زكاة عليهم.
وقال الشيخ باقشير في القلائد: لا زكاة في تجارة على صيرفي - وهو: مشتري النقد بالنقد للربح - وإن لم يتكرر، كما قاله أبو مخرمه؛ بل زكاته زكاة عين لا بد من تمام حولها بلا مبادلة، ولا على وارث مات مورثه وله عرض تجارة حتى يتصرف فيها بنيتها، فحينئذ يستأنف حوله لها، كما صرح به في (الروضة)، و(مختصرها)، و(شرحه) اهـ.
الثاني: أن ينوي التجارة، أما إذا نوى القنية أو الادخار.. فلا زكاة.
قال في القلائد: «ولا - زكاة - على من أقترض شيئاً بنية التجارة فيه؛ إذ هو إرفاق يضعف فيه قصد الربح، قاله القاضي والمتولي وجزم به الروياني، ولا يقطعها لبس ثوبها - أي الثوب المعروض للتجارة - بلا نية قنية، ولا تخلل فسخ بيع في عروضها وقصدها ـ أي التجارة ـ باق» اهـ.
الثالث: اقتران النية بالتملك في مجلس العقد أي عقد التملك، فلا بد من أن يكون ناوياً للتجارة عند الشراء، ثم لا يحتاج إلى تجديد نية بعد ذلك؛ لانسحاب حكم التجارة، ولا بد من اقتران النية بكل ما يملك إلى أن يفرغ رأس مال التجارة، فكلما أشترى شيئاً نوى التجارة عند تملكه.
ويبدأ الحول من النية إذا اقترنت بالتملك، أما لو أشترى بنية القنية، ثم بعد فترة نوى التجارة.. فإن الحول يبدأ حينئذ من حين البدء بالعمل أي البيع والشراء بعد النية لا من حين النية.
الرابع: أن يكون التملك بمعاوضة، فلا زكاة فيما ملك بإرث أو هبة وإن نوى التجارة عند تملكها حتى يبدأ في التجارة مع نيتها.
الخامس: أن لا ينض مال التجارة بنقده الذي يقوم به ناقصاً عن النصاب في أثناء الحول، كما سيأتي إن شاء الله، ومعنى التنضيض: تحويل العروض إلى نقد، بأن يبيعها كلها، فإن نض مال التجارة أثناء الحول.. ففيه تفصيل، وهو:
1-إن نض وكانت قيمتها نصاباً.. فيبني حول النقد على حول التجارة، فيستمر حوله بلا انقطاع.
2-إن نض وكانت قيمتها ناقصة عن النصاب.. انقطع الحول، واستأنف حولاً جديداً.
فإذا اشترى بهذا النقد بعد التنضيض عرضاً آخراً بنية التجارة.. انعقد حولها من شرائه، وهذا إن لم يكن بملكه حال بيعه نقداً من جنسه يكمله نصاباً، فإن كان بملكه حال البيع.. بقي حولها الأول، أما لو باع عروض التجارة بعرض آخر.. لم ينقطع الحول.
السادس: أن لا يقصد القنية أثناء الحول، فإن قصدها ولو محرمة في مالها أي مال التجارة كله أو بعضه، ولو مبهماً عند الشيخ الرملي - خلافاً للشيخ ابن حجر فإن المال المراد اقتنائه إن كان مبهماً لم يؤثر في نية التجارة عنده انقطع حول ما نواها أي القنية فيه أي في هذا الحول الذي حصلت فيه النية بمجرد نيتها، بخلاف مجرد الاستعمال للعروض دون نية القنية، كما تقدم في كلام الشيخ باقشير في القلائد.
ولو كانت لديه أرض للتجارة وزرع بها بنية القنية.. وجبت زكاة العين في الزرع، وزكاة التجارة في الأرض.
السابع: (إذا بلغت) عروض التجارة (نصاباً آخر الحول)، فلو كانت من أول الحول إلى أن بقي منه أيام لم تبلغ النصاب وعند تمام الحول بلغت نصاباً.. وجبت الزكاة فيها، ونصاب التجارة هو نصاب النقد الذي اشتريت بـه العروض، فيقوم عرض التجارة آخر الحول بجنس النقد الذي اشتريت بـ العروض، فإن بلغت نصاباً.. أخرج زكاتها، وهي ربع عشر القيمة)، والعبر بقيمة العروض آخر الحول لا بقيمة شرائها.
وأما الآن فإن نصابها نصاب ما يقابل العملة الورقية في البنك، فإن ملك العروض بعرض وليس بنقد.. قوم بنقد البلد، فإن حال عليه الحول بمحل لا نقد فيه.. اعتبر غالب نقد أقرب البلاد إليه، فإن ساوى نصاباً.. ففيه زكاة وإلا.. فلا زكاة فيه.
______________________________________
فائدة (ص ٤٣۱):
الفرق بين عدم اعتبار نية التجارة إلا مع البدء في العمل وتأثير نية القنية مجرده عن الاستعمال هو:
أن التجارة تقليب المال لغرض الربح، والنية لا تحصل ذلك التقليب، بخلاف القنية، فهي حبس العروض للانتفاع، والنية محصلة له.
______________________________________
فائدة (ص ٤٣۲):
تتمة في زكاة الدين: وهو المال الذي يزكى مرتين، فإن كان له دين.. ففيه التفصيل الآتي:
١ - إن كان الدين ماشية لا للتجارة، كأن أقرضه أربعين شاة أو أسلم إليه فيها ومضى عليه حول قبل قبضه.. فلا زكاة فيه؛ لأن علة الزكاة في الماشية النماء، ولا نماء فيها في الذمة، ومثله في عدم وجوب الزكاة إن كان الدين غير لازم كمال الكتابة؛ لأن للعبد إسقاطه متى شاء.
٢ - إن كان الدين عرضاً للتجارة أو نقداً.. ففيه زكاة إن كان حالاً، وتفصيل زكاته كالتالي:
أ ـ إن تعذر أخذه من المدين لإعساره أو مطله أو غيبته ولم يدر مكانه.. وجبت الزكاة فيه ولا يجب إخراجه حتى يحصل عليه، ويزكي للأحوال الماضية بشرط أن لا ينقص النصاب بما يجب إخراجه، أي أنه لو أخرج زكاة الأحوال الماضية لم ينقص المال المتبقي عن النصاب، فإن كان ينقص.. لم تجب زكاة الأحوال التي نقص فيها عن النصاب (۱).
ب -إن تيسر أخذه بأن كان على مليء أي موسر وكان مقراً به حاضراً باذلاً، أو جاحداً وبه بينة، أو يعلمه القاضي وقلنا يقضي بعلمه.. وجبت تزكيته في الحال؛ لأنه مقدور على قبضه فهو كالمودع، ويجب إخراجه في الحال وإن لم يقبضه، قال في المغنى: وكلامه يفهم أنه يخرج في الحال وإن لم يقبضه، وهو المعتمد المنصوص في المختصر اهـ.
ولو كان الدين مؤجلاً.. وجبت فيه الزكاة إن حل، فإن تيسر أخذه بعد الحلول.. جرى فيه الحكم المار في الدين الحال المتيسر أخذه، وإن حل وتعذر أخذه.. جرى فيه تفصيل الدين الحال المتعذر أخذه، كما مر.
ويجب على المدين أن يزكي عن الدين أيضاً إذا وجبت فيه بشروطه، كما يزكي الدائن، فإن مال الدين تجب فيه الزكاة على الدائن وهو المالك وكذا على المدين إن وجدت الشروط، بخلاف ما لو فقدت فيه الشروط بالنسبة للمدين، كأن تصرف في المال، أو فقد ولم يبق عنده ولم يدخله في تجارة ولم يعطيه لمدين آخر، فلا زكاة على المدين حينئذ بل على الدائن إذا توفرت الشروط.
______________________________________
فائدة:
ليلة العيد هي الليلة المتأخرة عن يوم العيد، فإذا كان يوم الجمعة هو يوم العيد.. تكون ليلة العيد هي مساء الجمعة، بخلاف باقي الأيام فإن ليلتها تتقدم عليها.
______________________________________
مسألة:
الابن البالغ.. لا تجب على والده إخراج الزكاة عنة إلا إن كان عاجزاً عن الكسب أي: لديه مانع يمنع من الكسب، أما إذا لم يكن لديه مانع أو كان لديه مانع ولكن لديه مال.. فلا تجزئ الزكاة لو أخرجها والده إلا إن وكل الابن أباه في إخراجها، أو يدفعها الأب للابن ويملكه إياها.. فيخرجها الولد حينئذ.
________________________
فائدة (ص ٤٣٧):
(و) ووقت زكاة الفطر يعتريه أحكام خمسة، وهي:
١- وقت فضيلة: وهو إخراجها يوم العيد قبل صلاة العيد.
٢- وقت وجوب في حق من أدرك جزءاً من رمضان وجزءاً من شوال ووجدت فيه الشروط المذكورة.
3- وقت جواز وهو من أول شهر رمضان.
4- وقت كراهة وهو إخراجها يوم العيد بعد صلاة العيد، إلا لمصلحة كانتظار قريب أو فقير صالح.. فلا كراهة حينئذ.
5- وقت حرمة: وهو إخراجها بعد غروب الشمس يوم العيد.
________________________________________
قاعدة (ص ٤٣۹):
كل من تلزمه نفقة غيره تلزمه فطرته هذا منطوق القاعدة، ويستثني من المنطوق.. زوجة الأب، فتلزم نفقتها ولا تلزم فطرتها؛ لتوقف إعفاف الأب على النفقة أي أنه يجب على الابن إعفاف الأب، وإعفافه متوقف على النفقة، فوجبت على الابن، ويستثني أيضاً من هذا المنطوق.. العبد الكافر، والقريب الكافر، والزوجة الكافرة، فتلزم نفقتهم ولا تلزم فطرتهم؛ لعدم وجوبها عليهم أصلاً.
ومفهوم القاعدة كل من لا تلزمه نفقة غيره لا تلزمه فطرته، ويستثني من ذلك.. العبد الآبق، فلا تلزم السيد نفقته وتلزمه فطرته.
____________________
مسألة (ص ٤٤٠):
لو كان الشخص معسراً وقبل غروب شمس آخر يوم من رمضان أعطي زكوات من أشخاص كثيرين، فجاء وقت الغروب وهو يملك فاضلاً عن قوت يوم العيد وليلته، وفاضلاً عن من تلزمه نفقته كذلك.. وجبت علية الزكاة؛ لأنه يملك تلك الفطرة بإعطائه إياها فوجبت الزكاة عليه فيها.
ويجب على الشخص إخراج الزكاة في المكان الذي غربت علية الشمس فيه آخر يوم من رمضان، ولا يجزئ إخراجها في بلد آخر، ولا يجوز أن يوكل غيره في إخراجها عنه في بلده وهو غائب عنها، ولا يجوز كذلك لأهله إن يخرجوها نيابة عنة وهو غائب وإن وكلهم، كما يفعل كثير من الناس اليوم.
_______________________________
فائدة (ص ٤٤۲):
والنية في الزكاة واجبة للتفرقة بينها وبين صدقة التطوع، وتجزئ في صيغتها قوله: (هذه زكاة مالي)، أو هذه فرض صدقة مالي)، ولا يكفي قوله هذه صدقة مالي)؛ لأنها قد تكون نافلة، وكذلك لا يكفي قوله (هذه فرض مالي)؛ لأنها قد تكون غير زكاة.
ووقت النية عند مناولة الفقير أو الوكيل، ويجوز أن يفوض النية إلى الوكيل.
ويجوز تقديم النية قبل الدفع إلى الفقير أو الوكيل بشرط أن يكون تقديمها بعد الإفراز أي تميز مال الزكاة عن غيرها.
وتغتفر النية في حالة واحدة وهي: إذا أخذ الإمام زكاة الممتنع عن أدائها قهراً، فيغتفر في حق المالك، وتقع مسقطة للفرض؛ ولكن يلزم الإمام أن ينويها عنه.
__________________________________
فائدة (ص ٤٤٣):
تتمه في تعجيل الزكاة:
يجوز تعجيل الزكاة وتقع موقعها بشروط، وهي:
۱ - أن تكون بعد بلوغ النصاب إلا في زكاة التجارة، فلا يشترط ذلك؛ لأن بلوغ النصاب فيها إنما يشترط في آخر الحول.
٢ ـ أن تتوفر شروط الوجوب في المالك إلى وقت الإخراج، هو إلى -جفاف الثمر وتنقية الحب في زكاة المعشرات، وإلى دخول شهر شوال في زكاة الفطر، وإلى آخر الحول في غيرها من الزكوات، فإذا مات المالك أو نقص النصاب أو أفتقر قبل وقت الإخراج.. لم تقع موقعها؛ لعدم توفر شروط الوجوب، وكذلك لو تلف المال أو خرج عن ملكة وليس مال التجارة.. فلا تقع، أما مال التجارة فقد مر تفصيله في فصله.
3- أن يكون القابض مستحقاً إلى وقت الإخراج، فلا تقع إذا اغتنى بغير مال الزكاة، أما بها.. فلا يضر وتقع، وكذا إن أرتد أو مات.. لم تقع، ويكون حكمها كصدقة التطوع.
وإذا لم تقع الزكاة المعجلة موقعها هل يجوز للمالك استردادها ؟
جاز للمالك استردادها ولا يجب على القابض تسليمها إلا إذا علم أنها زكاة معجلة ولو بقول المالك، فإن اختلف القابض والمالك في علم القابض بالتعجيل.. حلف القابض على نفي علمه بها، ولا يلزمه بعد ذلك التسليم.
وإذا تبث الاسترداد والمعجل باق في ملك القابض.. أسترد، وإن لم يكن باق.. فبدله من مثل أو قيمة، والعبرة بقيمة وقت القبض لا وقت التلف.
ويسترد ذلك بزيادته المتصلة: كسمن، لا بزيادته المنفصلة: كتمر وولد.
_______________________________
مسألة (ص ٤٤٤):
إذا أجر داراً لسنتين بتسعمائة ألف مثلا وقبضها.. فيخرج بعد مضي الحول الأول عليها زكاة أربعمائة وخمسين ألفا، ثم بعد مضي الحول الثاني يخرج زكاة ما بقى منه لسنة واحدة، أي: ما بقى من الأربعمائة والخمسين الأولى، ويخرج زكاة الأربعمائة والخمسين الألف الأخرى لسنيين.
__________________________________
فائدة (ص ٤٤٤):
مصارف الزكاة:
يجب دفع الصدقة الواجبة التي هي الزكاة إلى الأصناف الثمانية المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَرِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حكِيمٌ} [التوبة: ٦٠]. وهم:
الأول: الفقير: وهو من ليس له مال ولا كسب أصلا ولا نفقة واجبة، أو له مال ولكن لا يقع موقعاً من كفايته مطعماً وملبساً ومسكناً وغيرها مما لابد منه على ما يليق به وبمن تلزمه نفقته، كمن يحتاج إلى عشرة آلاف في الشهر ولا يجد إلا خمسة آلاف فما دون والمراد بعدم الكفاية بالنسبة للعمر الغالب، والمراد باللائق: أن يكون حلالاً يليق به، فالكسب الحرام لا يمنع الفقر، ولو كان في سعة من الحرام.. فيحل له الأخذ من الزكاة، وعلم من ذلك أن أهل البيوت الذين لا يعتادون الكسب بأيديهم لهم أخذ الزكاة على المعتمد.
الثاني: من الأصناف هو المسكين وهو من له مال أو كسب لائق به يقع موقعاً من كفايته إن قتر، ولا يكفيه إن توسط، بأن يحصل فوق نصف ما يكفيه ولا يبلغ الحد الذي يكفيه، كمن يحتاج إلى عشرة آلاف ويحصل تسع آلاف، حتى لو ملك أكثر من نصاب ولم يكفه فهو مسكين مستحق للزكاة.
ويمنع الفقر والمسكنة الشخص من كفاية نفقة واجبة عليه إن تيسر أي: لا يدفع النفقة وإن تيسرت له؛ لأن الفقر والمسكنة ما نعين له من دفعها، أما إذا تعسرت كأن كان الزوج معسراً بالنفقة أو بتمامها.. فللزوجة أن تأخذ كفايتها من الزكاة، ومن لم يكفها ما وجب لها من نفقة على زوجها لكونها أكولة.. تأخذ تمام كفايتها من الزكاة ولو من زوجها.
ولو كان له كسب لائق به واشتغل بالعلم الشرعي الذي يأتي منه تحصيل، أو آلة له والكسب يمنعه من التحصيل.. جاز له الأخذ من مال الزكاة، أما لو كان لا يتأتى منه تحصيل العلم.. لم يأخذ من مال الزكاة شيئاً؛ بل يذهب إلى الكسب إذ لا فائدة من طلبه للعلم.
ومثله في جواز الأخذ من مال الزكاة من أشتغل بفرض كفاية، كالاشتغال بصلاة جنازة؛ لأن نفعه متعدّ، أما لو أشتغل بنوافل من صلاة وغيرها.. فلا يعط من مال الزكاة شيئاً إذ نفعه غير متعد.
ولا يمنع الفقر ولا المسكنة ماله الغائب لمرحلتين، ولا الحاضر الذي حيل بينه وبين الوصول إليه، ولا المؤجل؛ لأنه معسر، فيعطى حتى يصله أو يجده أو يحل الأجل.
ولو سقطت نفقة الزوجة بنشوز.. لم تعط من الزكاة؛ لقدرتها على النفقة برجوعها للطاعة.
الثالث من الأصناف: هو العامل، ويسمى الساعي وهو الذي يستعمله الحاكم في أخذ الزكوات من أصحابها وصرفها إلى مستحقيها، فيعطى من مال الزكاة ولو كان غنياً، وهذا بشرط أن لا يجعل له الحاكم أجرة من بيت المال، وإلا.. فلا يعطى، كما لو فرقها المالك بنفسه، ويشترط في الساعي كونه أهلاً للشهادة إذ هو الأصل أما أعوانه فلا يشترط فيهم ذلك فيكفون ولو كانوا كفارا.
الرابع من الأصناف هم المؤلفة قلوبهم: وهم أربعة أصناف:
۱ - ضعفاء النية في أهل الإسلام، بأن تكون عنده وحشة منهم، أو نيته ضعيفة في الإسلام بناء على أن الإسلام يزيد وينقص.
۲ - مسلم شريف في قومه يرجى بإعطائه إسلام نظرائه، ولو امرأة.
3- مسلم يقاتل أو يخوّف مانعي الزكاة حتى يحملها إلى الإمام.
٤ - من يقاتل من يليه من الكفار والبغاة فيمنعهم عنا، فيعطى من الزكاة إن كان إعطاؤه أسهل من بعث جيش، قال في بشري الكريم: ولا يعطى كافر لا لتألف ولا غيره، إذ قد أعز الله الإسلام وأغنى عن التألف، وقضيته أنه لو حصل ضعف بالإسلام جاز، ولا يختص التأليف بالإمام اهـ.
الخامس من الأصناف هو: المكاتب وهو من كاتبه سيده كتابة صحيحة، فيعطى من الزكاة ليساعده ذلك على التحرر من الرق، وهو المقصود من قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ [التوبة: ٦٠]
ويشترط في المكاتب حتى يعطى من مال الزكاة شروط، وهي:
۱ - أن تكون كتابته صحيحه، فلا يعطى إن كانت كتابته فاسدة؛ إذ لا يتوصل بها إلى الخلاص من الرق.
2- أن لا يكون معه ما يفي بنجوم الكتابة ولو بغير إذن سيده، فإن كان -۲ معه ذلك.. لم يعط من الزكاة.
3- أن لا يكون المكاتب عبد للمزكي، فإن مكاتب المزكي لا يعطى من زكاته شيئاً؛ لعود الفائدة عليه في حال تعجيز المكاتب، وكذا لكونه ملكه.
السادس من الأصناف هو: الغارم وهو المدين، وهو أقسام:
۱ ـ من استدان لغير معصية، أو لمعصية وصرفه في مباح، أو صرفه في معصية ثم تاب وظن صدق توبته، فيعطى لكن مع الحاجة كأن يحل الدين ولم يقدر على الوفاء، بخلاف من استدان لمعصية وصرفه فيها ولم يتب، وكذا لو لم يحتج أي لم يحل وقت الدين بعد.. فلا يعطى.
٢ - من استدان لدفع فتنة بين متنازعين، كأن وُجِدَ قتيل بين قبيلتين ولم يظهر قاتله وتنازعا في ذلك، فتحمل ديته تسكيناً للفتنة، فيعطى من الزكاة إن حل ولم يوفه من ماله وإن كان غنياً، ولو بنقد أو غيره؛ لعموم نفعه، وإن كان ثم من يسكن هذه الفتنة غيره ترغيباً في هذه المكرمة.
3- من استدان لقرى ضيف، أو بناء مسجد أو غيره من المصالح العامة، فيعطى من الزكاة وإن كان غنيا بغير نقد إن حل الدين ولم يوفه من ماله، أما لو كان غنياً بنقد.. فلا يعطى، وقال في بشرى الكريم: «بل لو قيل: يعطى ولو غنياً بنقد لم يبعد» اهـ، ولا يجوز دفع الزكاة لبناء نحو مسجد ابتداء، أما لو كان البناء مستمراً من قبل.. جاز دفع الزكاة لتكملة البناء.
٤ ـ من استدان لصرفه على نفسه أو عياله، وإن صرفه بعد ذلك في معصية فيعطى من الزكاة، لا إن استدان لأجل المعصية، ومن الاستدانة لمعصية إتلاف مال غيره عمداً، والإسراف في النفقة من الدين، أما محل إباحة صرف المال في اللذات، كما يقول الفقهاء.. فإنه يختص بمن يصرفه من ماله أو من مال دين يرجو وفاءه من جهة ظاهرة.
5 - من استدان لضمان، فيعطى من الزكاة إن حل الدين وأعسر الضامن أو المضمون عنه، أو أعسر الضامن وكان متبرعاً بالضمان بأن ضمن بلا إذن، بخلاف من ضمن بإذن وكان المضمون عنة موسراً.. فلا يعطى الضامن من الزكاة شيئاً؛ لأنه ير. يرجع على المضمون عنه بما أداة.
ومن قضى دينه بنحو قرض.. أعطي ما يوفي به قرضه؛ لبقاء دينه.
بخلاف من مات ولم يخلف وفاء.. فلا يعطى؛ لأنه ليس من أهل الاستحقاق، وقال في القلائد: لابد في إعطاء الغارم والمكاتب من إخبار غريمه بالدين وإخبار عدلين اهـ.
السابع من الأصناف هم: الغزاة والمتطوعون للجهاد الذين لا يأخذون مرتباً من الديوان على خروجهم إلى الجهاد، وهم المراد بقوله تعالى: وَفِي {سَبِيل الله} فيعطون من الزكاة ولو كانوا أغنياء؛ إعانة لهم على الغزو، ولأنهم لا حظ لهم من الديوان، كما لاحظ لأهلهم في الزكاة.
الثامن من الأصناف هو: ابن السبيل، وهو المسافر الذي اجتاز بلد مال الزكاة، أو منشئ السفر من بلد مال الزكاة الذي ليس لديه نفقة توصله إلى بلده، فيعطى من الزكاة وإن كان له مال في بلده، ويشترط كذلك أن لا يكون سفره لمعصية؛ لأن القصد من إعطائه إعانته على سفره، ولا إعانة لعاص.
قال صاحب الزبد في هذه الأصناف:
أصنافهُ - إِن وُجِدَتْ - ثمانية … مَن يُفْقَدِ ارْدُدْ سَهمَهُ للباقية
فقير العادم والمسكين له … ما يقعُ المَوْقِعَ دُونَ تَكْمِلَهُ
وعامل كحاشِرِ الأنعامِ … مُؤَلِّفُ يَضْعُفُ في الإسلام
رِقَابُهُم، مُكَاتَب والغارِمُ … مَنْ للمُبَاحِ ادَّانَ وهُوَ عادِمُ
وفي سبيل الله غاز احْتَسَبْ ….وابن السبيل ذو افتِقَارِ اعْتَرَبْ
ومن علم أو ظن حاله من أهل استحقاق الزكاة وعدمه.. عمل بمقتضى ظنه أو علمه، ومن لم يُعلم أو يظن حاله.. ففيه تفصيل:
١-إن ادعى ضعف إسلام أو فقراً أو مسكنة أو كونه غازياً أو ابن سبيل.. صدق بلا يمين.
٢ - إن ادعى عيالاً أو تلف مال عرف أنه له أو عاملاً أو مكاتباً أو غارماً أو بقية المؤلفة.. كلف ببينة، وهي عدلان، أو عدل وامرأتان يخبران بذلك، وإن لم يكن بلفظ الشهادة، ويغني عن البيئة الاستفاضة بين الناس: أي الإشاعة من قوم يؤمن تواطئهم على الكذب، ويكفي أيضاً تصديق دائن للغارم وسيد للمكاتب.
_____________________________
مسائل (ص ٤٥٠):
۱- الفقير والمسكين إذا ذكرا معاً فهما مختلفان بحسب ما مر من تعريفهما، وإذا ذكر أحدهما دون الآخر كأن ذكر الفقير فقط.. فإنه يشمل المسكين، وكذا العكس كأن ذكر المسكين فقط.. فيشمل الفقير ولذلك يقال فيهما: «إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا، أي إن اجتمعا في اللفظ بأن ذكر كل منهما، فيختلف معناهما، وإن افترقا بمعنى ذكر أحدهما دون الآخر اجتمعا أي صار اللفظ جامع للفقير والمسكين.
٢ - لا يجوز أن يعطي الزكاة لمن تلزمه نفقته إلا فيما مر من مسألة الزوجة التي لا تكفيها النفقة، وإلا إن كان باسم الغزاة أو الغارمين أو العاملين أو المؤلفة قلوبهم.
3- من مات وعلية زكاة فأخرجها الولي.. جاز أن يعطي منها زوجته باسم الفقير، ولا يجوز أن يعطي منها قريبه الذي كانت تلزمه نفقته، قال القاضي: وفية احتمال للروياني، لزوال شبهة استحقاق النفقة، قال الأذرعي وهذا الاحتمال هو ما يفهمه كلام غيره، قاله في القلائد.
________________________________________
أحكام الصدقات (ص ٤٥۱):
أحكام قسم الصدقات: أي الصدقات الواجبة وهي الزكاة:
إذا قسم الحاكم وجب أربعة أشياء:
۱ - تعميم الأصناف الثمانية بحيث لا يترك صنفاً إلا وقسم له من الزكاة، وهذا إن وجدوا.
٢ - تعميم كل واحد في كل صنف إن كفت الزكاة، وإلا بأن كان قدراً لو وزع عليهم لم يسد مسداً.. لم يجب التعميم؛ بل يقدم الأحوج فالأحوج منهم.
۳-التسوية بين كل صنف مطلقاً غير العامل، أما هو.. فيعطى أجرة مثله.
4- التسوية بين آحاد الأصناف إن استوت الحاجات.
فإن لم يوجد جميع ووزعه بينهم مع التعميم، كما تقدم في كلام صاحب الزبد. الأصناف.. رد سهم الصنف المفقود على الموجودين.
وإن وزع المالك ففيه تفصيل:
1- إن كانوا محصورين.. وجب التعميم إن كفت الزكاة.
2-إن كانوا محصورين، ولم تكف الزكاة بالضابط الذي مر.. فيجب حينئذ أن لا ينقص عن ثلاثة من كل صنف، ومعلوم أنه لا عامل حيث قسم المالك، ومثل هذه الصورة لو كانوا غير محصورين، فلا ينقص عن ثلاثة من كل صنف.
أما التسوية بين الأصناف.. فهي واجبة، كما تقدم بخلاف التسوية بين ثلاثة من كل صنف.
وإذا لم تتساو الحاجات.. دفع إليهم بحسبها، فيعطي الفقير والمسكين كفايته بقية العمر الغالب، وهو اثنان وستون سنة، فيشتريان بما يعطيان عقاراً يستغلانه، وللإمام أن يشتري لهما ذلك، وهذا فيمن لا يحسن الكسب بحرفة ولا تجارة.
أما من يحسن الكسب بحرفة.. فيعطى ما يشتري به آلتها، ومن يحسن التجارة.. يعطى ما يشتري به ما يحسن التجارة فيه مما يفي ربحه بكفايته غالباً، ويعطى مكاتب ومثله الغارم لغير إصلاح ذات البين ما عجزا عنه من وفاء دينهما.
ويعطى ابن السبيل ما يوصله مقصده أو ما يوصله إلى ماله إن كان له في الطريق مال.
ويعطى الغازي حاجته في غزوة ذهاباً وإياباً وإقامة له ولعياله، ويهيأ له مركوب إن لم يطق المشي، أو كان سفره طويلاً، ويهياً له ما يحمل متاعه وزاده إن لم يعتد مثله حملهما، ويعطي المؤلفة ما يراه.
ويعطي كل فرد من أفراد العاملين أجرة مثله، ومن فيه صفتا استحقاق كفقير غارم.. يأخذ بأحدهما بخيرته.
ولا يجوز نقل الزكاة من بلد المزكي إلى بلد آخر على المشهور في مذهب إمامنا الشافعي رحمه الله، أما الوصية والنذر والكفارة.. فيجوز نقلها، إلا كفارة النسك من دم وإطعام، فلا يجوز نقلها عن الحرم، كما سيأتي في موقعه إن شاء الله تعالى.
قال الإمام ابن عجيل اليمني -رحمة الله: ثلاثة مسائل في الزكاة يفتى بها على خلاف المشهور من المذهب، وهي:
۱ - جواز صرف الزكاة إلى صنف واحد.
۲ - جواز دفع زكاة واحد لواحد من الأصناف.
3- جواز نقل الزكاة من موضعها إلى بلد آخر.
ثم قال ـ أي ابن عجيل - لو كان الشافعي حياً لأفتى بذلك، واختار جمع -جواز دفع زكاة الفطر إلى ثلاثة فقراء أو مساكين وآخرون - أي اختار آخرون -جوازه لواحد - أي دفعها لواحد - وأطال بعضهم في الانتصار له. انتهى كلام الإمام ابن عجيل.
ولآخذ الزكاة شروط وهي:
۱- الإسلام، أما الكافر.. فلا يعطى، إلا أعوان العامل، كما مر.
٢- الحرية الكاملة، أما الرقيق.. فلا يعطى من الزكاة شيئاً حتى المبعض إلا المكاتب، كما مر.
3- أن لا يكون غنياً إلا فيما مر ذكره من عامل وابن سبيل.
4- أن لا يكون مكفي المئونة، وهي - أي المئونة - واجبة كنفقة الزوجة على زوجها، فإنها مكفية المئونة، وكذلك نفقة الأقارب.
5- أن لا يكون هاشمياً ولا مطلبياً، وبنو هاشم خمس بطون وهم: آل علي، وآل عباس، وآل عقيل، وآل جعفر، وولد الحارث بن عبد المطلب.
وقد جاء في صحيح الإمام مسلم، والإمام النسائي قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (إِنَّ هَذِهِ الصَّدَقَةَ إِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ)، وورد أيضاً في حديث الطبراني: (إِنَّ لَكُمْ فِي خُمُسِ الخُمُسِ لَمَا يُغْنِيكُم). وهذا هو المعتمد.
وقال في مختصر تشييد البنيان: إذا انقطع خمس الخمس عن آل الرسول جاز صرف الزكاة إليهم، اختاره الهروي، ومحمد بن يحيى، وفخر الدين الرازي، قال باشكيل: هو الصواب.. وكما في الخادم للزركشي.. وفي الحلية للشاشي.. وأبو جعفر الباشامي.. وابن أبي هريرة.. وأبو العباس المطلب العراقي في معتمد التنبيه.. وابن النحوي في العجالة.. وموسى بن الزين الرداد.. وصحح عليه عبد القادر بن سليمان الطويل.. وعمر بن الوجيه المقري.. ومحمد بن علي الناشري.. ومحمد بن الصديق الصائغ.. وعبد العليم بن محمد القماط.. والطيب بن عبد الله بامخرمة.. ومحمد بن عمر قضام (بامخرمة) وأقره عبد الرحمن بن زياد في فتاويه.. بجواز الأخذ إذا قلّد القائلين بذلك اهـ. وكذا قال بجواز الدفع لهم الإمام الإصطخري، وينبغي للدافع لهم أن يبين أنها من الزكاة.
٦- أن لا يكون محجوراً علية، أما هو.. فلا يعطى شيئاً.
_______________________________________
فائدة (ص ٤٥٥):
قال في نهاية الزين: «لو كان له دين على آخر، فقال المدين لصاحب الدين: ادفع لي من زكاتك حتى أقضيك دينك ففعل.. أجزأ عن الزكاة، ولا يلزم المدين قضاء الدين مما أخده؛ بل له دفع غيره.
ولو قال صاحب الدين للمدين: أقض ما عليك لأردّه إليك من زكاتي - أي أخرجه عن زكاتي وأعطيك إياه - ففعل.. صح القضاء، ولا يلزم ردّه إليه، ولو كان له عليه دين فقال ـ أي الدائن -: جعلته - أي الدين - عن زكاتي.. لم يجزه على الصحيح حتى يقبضه ثم يرده إليه، وقيل: يجزئه، كما لو كان وديعة. اهـ.
____________________________________
مسألة (ص ٤٥٥):
كما أن الزكاة تحرم على من ذكر.. فكذلك الكفارة والنذر؛ لأنه يسلك به مسلك واجب الشرع، وهذا إذا كان النذر على جهة عامه، كنذرت هذا للفقراء، أما إذا نذر لشخص معين ممن تحرم عليه الصدقة الواجبة.. فينعقد، وينعقد كذلك النذر للغني والكافر إذا عينه بخلاف الكفارة فلا يحل إعطاؤها لهما.
______________________________________
فائدة (ص ٤٥٨):
والصيام تعتريه أحكام أربعة وهي:
-۱ ـ واجب، كصيام رمضان لمن لم يكن به مانع، وكالقضاء والكفارة وغيرها.
٢ - مكروه وهو إفراد يوم الجمعة أو السبت أو الأحد بصيام؛ لأن الجمعة عيد المسلمين، والسبت عيد اليهود والأحد عيد النصارى، أما لو صام يومين منها أو كلها أو صام يوماً قبل الجمعة معها، أو يوماً بعد الأحد معه.. فلا كراه إذ لا إفراد حينئذ. وكذا يكره صوم الدهر لمن يخاف الضرر، أو يخاف فوات حق مندوب.
3- مسنون، كصيام يوم الاثنين والخميس، والأيام البيض والأيام السود، وصوم عرفة وتاسوعاء وعاشوراء وغيرها كثير، وأفضلها صيام داود عَلَيْهِ السَّلَامُ، وهو صوم يوم وإفطار يوم.
٤ ـ حرام، وهو صيام يومي العيدين الفطر والأضحى، وأيام التشريق، وكذا صيام النصف الأخير من شعبان إذا لم تكن له عادة أو نذر أو كفارة، وإلا.. جاز، وكذا يجوز إن وصله بالنصف الأول ولو بيوم، كأن صام الخامس عشر من شعبان ثم وصله بما بعده؛ لكن لو أفطر يوماً واحداً.. حرم عليه صوم بقية الشهر، وقد يجب صيام النصف الأخير من شعبان، كأن كان عليه صيام من رمضان السابق والأيام المتبقية من شعبان تسع أيام القضاء دون زيادة، أو لا تسعها فيجب عليه الصوم، وإلا.. أثم، ولزمه القضاء بعد رمضان وكذا مد عن كل يوم.
وكذا يحرم صيام يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان إذا تحدث الناس برؤية الهلال بحيث يتولد من حديثهم الشك في رؤيته، أو شهد من لا تقبل شهادته برؤيته كامرأة أو صبي، كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال صاحب
___________________________________
فائدة (ص ٤٦٠):
وصوم يوم الشك تعتريه أحكام أربعة، وهي:
1- واجب، إذا رأى الهلال بعينه، أو أخبره موثوق به أنه رأى الهلال.
۲ ـ جائز، إذا أخبره من ليس موثوق به ولكن وقع في القلب صدقة. -
3- مندوب، إذا وافق ورداً له كصوم يوم الخميس.
٤ - حرام، وهو الأصل في صيامه، كما تقدم.
________________________________
فائدة (ص ٤٦۱):
محل ثبوت الشهر بواحد إنما يكون بالنسبة للصوم وتوابعه كتراويح، لا بالنسبة لنحو أجل وطلاق وعتق عُلّقا به؛ بل لابد فيها من عدلين، إلا في حق من رآه؛ كأن علق الطلاق بالشهر ثم رآه هو فيحصل الطلاق حينئذ.
وإذا صمنا برؤية عدل أو عدلين ثلاثين يوماً؛ أفطرنا وإن لم نرى الهلال.
وإذا رؤي الهلال ببلد.. لزم حكمه محلاً قريباً منه، ويحصل القرب باتحاد المطالع بأن يكون غروب الشمس وطلوعها وطلوع الفجر والكواكب وغروبها في البلدين في وقت واحد عند الإمام النووي، لا بمسافة القصر، كما اعتمده الإمام الرافعي.
قال الإمام الشرقاوي: (واعلم انه متى حصلت الرؤية في البلد الشرقي... لزم رؤيته في البلد الغربي دون العكس، وهذا بيان اتحاد المطالع عند علماء الفلك) اهـ .
والذي عليه الفقهاء أن البلدين إن كان ما بينهما أقل من أربعة وعشرين فرسخاً.. اتفقت المطالع، وإذا كان ما بينهما أربعة وعشرين فرسخاً وزيادة.. اختلفت المطالع، قال الإمام الشرقاوي: والذي عليه الفقهاء في اتحاد المطالع أن لا تكون مسافة ما بين المحلين أربعة وعشرين فرسخاً من أي جهة كانت، فإن كانت مسافة ما بينهما كذلك.. كان مطلعهما مختلفاً، فعند علماء الفلك
جميع الإقليم المصري مثلاً مطلعه متحد، وعند الفقهاء ضابط اتحاده ما علمت، ذكره الحلبي على المنهج وقرره شيخنا عطية اهـ.
والأربعة والعشرون فرسخاً تقدر بمسافة (١٤٤) كم؛ لأن الفرسخ يعادل مسافة (٦) كم.
قال في النهاية: يلزم من رؤيته بالبلد الشرقي كمكة -رؤيته بالبلد -الغربي - كمصر- دون العكس، ومن ثم لو مات متوارثان أحدهما بالمشرق والآخر بالمغرب كل منهما وقت زوال بلده.. ورث الغربي الشرقي؛ لتأخر زوال بلده اهـ.
ولا أثر لدلالة الحساب على عدم الرؤية ما لم يكن قطعياً، قال في التحفة: يلزم من الرؤية في البلد الشرقي رؤيته في البلد الغربي من غير عكس؛ إذ الليل يدخل في البلاد الشرقية قبل، وعلى ذلك حمل حديث كريب فإن الشام غربية بالنسبة للمدينة، وقضيته أنه متى رئي في شرقي لزم كل غربي بالنسبة إليه العمل بتلك الرؤية وإن اختلفت المطالع، وفيه منافاة الظاهر كلامهم، ويوجه كلامهم بأن اللازم إنما هو الوجود لا الرؤية، إذ قد يمنع منها مانع، والمدار عليها لا على الوجود، ووقع تردد لهؤلاء وغيرهم فيما لو دل الحساب على كذب الشاهد بالرؤية، والذي يتجه منه أن الحساب إن اتفق أهله على أن مقدماته قطعية، وكان المخبرون منهم بذلك عدد التواتر.. ردت الشهادة، وإلا.. فلا اهـ.
وجميع ما مر من رؤية الهلال هو على سبيل العموم أي عامة أهل تلك البلد ومن وافق مطلعهم، أما على جهة الخصوص.. فيجب الصوم على أشخاص دون غيرهم وهو كالتالي:
١ - يجب صوم رمضان في حق من رآه وإن لم يثبت عند الحاكم، وإن كان الرأي فاسفاً.
2- أن يخبره بالرؤية عدل شهادة أو عدل رواية، وهو المعبر عنه بالموثوق به.. فيلزمه الصوم سواء وقع في القلب صدقه أم لا.
٣ - أن يخبره بالرؤية غير موثوق به کفاسق مثلاً.. فلا يجب عليه الصوم، إلا إن وقع في القلب صدقه.
٤ ـ يجب على من عرف دخول رمضان بحساب أو تنجيم الصوم في حق أنفسهما، كما صححه.
قال في التحفة: (لا قول منجم وهو من يعتمد النجم وحاسب وهو من يعتمد منازل القمر وتقدير سيره، ولا يجوز لأحد تقليدهما نعم لهما العمل بعلمهما ولكن لا يجزئها عن رمضان - أي: يجب عليهما إكمال رمضان مع المسلمين في المجموع وإن أطال جمع في رده) اهـ.
ويجب كذلك على من صدقهما، وعند الشيخ الرملي أنه يجزئهما عن رمضان.
5- يجب الصوم على من ظن دخول رمضان بالاجتهاد فيمن اشتبه عليه ذلك بحبس، كسماع مدفع معتاد، أو رؤية نار، أو برؤية الأمارة الظاهرة الدالة التي لا تتخلف عادة كرؤية القناديل المعلقة بالمنارة، قال في التحفة: ومخالفة جمع في هذا غير صحيحة؛ لأنها - أي رؤية القناديل ـ أقوى من الاجتهاد المصرح فيه بوجوب العمل به اهـ
ولا تكفي رؤية النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في المنام وإخباره بدخول رمضان، كما في التحفة والقلائد.
وإذا صمنا ثلاثين يوماً بخبر العدل.. أفطرنا، وإن لم نر الهلال بعدها، ولم يكن غم، ومثله لو صمنا بعدلين.
ولو صام بقول من اعتقد صدقه ثلاثين يوماً، ولم ير الهلال ليلة إحدى وثلاثين.. لم يفطر عند الشيخ ابن حجر، ويفطر عند الشيخ الرملي؛ ولكن خفية.
___________________________________
مسألتان (ص ٤٦٥):
۱- لو سافر شخص من بلده آخر يوم من شعبان وهو مفطر لعدم رؤية الهلال إلى بلد آخر، ووجد أهلها صائمين، أو العكس، كأن سافر صائماً لرؤية الهلال ووجدهم مفطرين فما الحكم ؟
الجواب: الحكم أنه لو وجدهم صائمين.. وجب عليه موافقتهم، وإن وجدهم مفطرين.. وافقهم أيضا في الإفطار عند الشيخ الرملي، كما نقله البجيرمي، ولا يفطر عند الشيخ ابن حجر؛ لأن صومه أعتمد على يقين الرؤية، فلم يجز له مخالفته بمجرد وصوله إلى بلد آخر، وعلى قول الشيخ الرملي يلغز: بأن لنا شخص رأى الهلال ليلاً، وأصبح مفطراً بلا عذر.
٢- لو سافر شخص من بلده آخر يوم من رمضان صائما لعدم رؤية الهلال إلى بلد آخر فوجدهم مفطرين، أو سافر وهو مفطر لرؤية الهلال إلى بلد آخر فوجدهم صائمين فما الحكم ؟
الجواب: أن في كلتا الحالتين يجب عليه موافقتهم على الأصح، فيفطر معهم إن كانوا مفطرين، ويمسك معهم أن كانوا صائمين؛ لأنه صار منهم، ولا يختص ذلك بالصوم؛ بل لو صلى المغرب بمحل فسافر لمحل آخر لم تغرب فيه الشمس.. وجب عليه أعادتها.
قال البجيرمي في حاشته على شرح المنهج: (لا يستتر القمر أكثر من ليلتين آخر الشهر أبداً، ويستتر ليلتين إن كان كاملاً - أي ثلاثين يوماً - وليلة إن كان ناقصاً - أي تسعة وعشريين يوماً - والمراد بالاستتار في ليلتين أن لا يظهر القمر فيهما ويظهر بعد طلوع الفجر) اهـ.
فإذا استتر القمر ليلتين؛ فالليلة الثالثة أول الشهر بلا ريب.
_____________________
فائدة (ص ٤٦٦):
ينقسم الصوم إلى ثلاثة أقسام:
١ صوم العموم ويسمى صوم العوام، وهو الصوم عن المفطرات المبطلة للصوم.
2- صوم الخصوص ويسمى صوم الخواص، وهو الصوم عن المعاصي.
3- صوم خصوص الخصوص، ويسمى صوم خواص الخواص، وهو الصوم عم سوى الله.
ويثبت خروج رمضان ودخول شوال بعدلين احتياطاً للعبادة.
وإذا وضعت الحدود، كما هو جاري اليوم، واستقلت كل دولة بحاكم... فيلزم كل من كان تحت حكم هذا الحاكم الصوم إذا ثبت عنده، وإن لم يوافق مطلعهم مطلع البلد التي رؤي فيها الهلال.
وإذا انخسف القمر ليلة السادس عشر من رمضان.. عُلم بذلك كذب الرؤية، وأن الرائي قد أخطأ؛ لأن القمر يمكن أن ينخسف ليلة الرابع عشر أو ليلة الخامس عشر من الشهر، ولا يمكن أن ينخسف ليلة السادس عشر.
_________________________________
فائدة (ص ٤٦٧):
قال الشيخ سعيد باعشن: أفتى الشيخ الرملي بأن الحكمة في كون قرص الشمس لا يزيد ولا ينقص، وقرص القمر يزيد وينقص.. بأن الشمس تسجد لله تعالى تحت العرش كل ليلة، والقمر لم يؤذن له بالسجود إلا ليلة أربعة عشر، ثم بعد ذلك ينقص ويدق إلى آخر الشهر اهـ
________________________
فائدة (ص ٤٦۹):
ولو كان عليه صوم واجب وشك أهو قضاء أو نذر أو كفارة ؟.. أجزأه نية الصوم الواجب، وإن كان متردداً للضرورة، ولم يلزمه الكل، كما في التحفة.
ولو كان عليه صوم قضاء ونذر وكفارة فأدى اثنين وشك في الثالث الباقي عليه.. لزمه الكل عند الشيخ ابن حجر، وأستوجه الشيخ الرملي أنه يكفيه صوم يوم واحد بنية الصوم الواجب.
وهل يشترط في صيام الأيام المتأكد صومها تعيينها أم لا ؟
قال في بشرى الكريم: اعتمد الشيخ ابن حجر في غير (التحفة) والشيخ الرملي والشيخ الخطيب وغيرهم أن الصوم في الأيام المتأكد صومها منصرف إليها وإن نوى به غيرها. قال الشرقاوي: بل وإن نفاه اهـ.
وأفتى جمع متأخرون بحصول ثواب عرفة وما بعده بوقوع صوم فرض فيها، كما في (الفتح).
قال الشيخ الشرقاوي نقلاً عن الشيخ الرملي: ويستثنى من وجوب التعيين ما لو كان عليه قضاء يومين من رمضان، أو صوم نذر أو كفارة من جهات مختلفة، فنوى صوم غد عن قضاء رمضان، أو صوم نذر أو كفارة.. جاز وإن لم يعين عن قضاء أيهما اهـ؛ لأنهما جنس واحد.
ولو نوى صوم الغد وهو يعتقده الأحد فكان الاثنين، أو نوى صوم رمضان هذه السنة وهو يعتقدها سنة ثلاث فكانت سنة اثنين.. صح صومه، ولا عبرة بالظن البين خطأه.
ولو كان عليه يوم من رمضان من سنة معينة، فنوى يوماً من سنة أخرى غلطاً.. لم يجزه؛ لأن التعرض للسنة لم يجب، وقد مر أن ما لا يجب التعرض له يضر الخطأ فيه، كما في نية الاقتداء، ولو كان عليه قضاء أول رمضان فنوى قضاء ثانيه.. لم يجزه، ولو نوى صوم الغد يوم الاثنين وهو ليس الاثنين... صح صومه إن كان غالطاً، كما قال الإمام الأذرعي دون العامد؛ لتلاعبه، كما تقدم وذكره في بشرى الكريم وحاشية الشيخ الشرقاوي.
______________________________
مسائل تتعلق بالنية (ص ٤٧۱):
١- لو نوى ليلة الثلاثين من شعبان صيام غدٍ عن رمضان إن بان أنه رمضان، وإلا.. نفلاً... صح النفل فقط؛ لأن الأصل بقاء شعبان، وهذا إن بان أنه شعبان، فإن بان أنه رمضان.. لم يقع لا نفلاً ولا عن رمضان؛ لعدم الجزم بالنية.
قال في بشرى الكريم: (نعم، إن ظن أنه من رمضان بقول من يثق به، ولو عبداً أو امرأة صح، ومع ذلك لا بد أن لا يأتي بما يشعر بالتردد كـ (من رمضان فإن لم يكن منه فتتطوع) اهـ.
٢- لو نوى ليلة الثلاثين من رمضان صوم غد إن كان من رمضان... صحت نيته؛ لأن الأصل بقاء رمضان.
٣- لو تيقن النية وشك بعد الفجر أوقعت النية قبل الفجر أم بعده ؟ أو شك عند النية هل طلع الفجر عند نيته أم لا ؟.. لم يصح صومه؛ إذ الأصل عدم تقدمها.
بخلاف ما لو نوى مع عدم الشك أي: أنه جزم بالنية، ثم شك هل طلع الفجر عند نيته أم لا ؟.. فيصح صومه؛ إذ الأصل بقاء الليل مع جزمه بالنية.
٤ - لو شك في النية أو التبييت، فذكره ولو بعد أيام.. لم يضر عند الشيخ الرملي، وعند الشيخ ابن حجر إن ذكره قبل غروب شمس ذلك اليوم... صح صومه، أو بعده.. لم يصح.
٥- ولو شك بعد الغروب هل نوى أو لا ؟.. لم يضر، بخلاف الصلاة فإنه لو شك في النية بعد السلام.. لم تصح الصلاة؛ للتضييق في نيتها فإن نية الخروج تضر في الصلاة ولا تضر في الصوم، فلو نوى قطع الصلاة.. انقطعت حالاً، بخلاف الصوم فإنه لا ينقطع حتى يقطعه بالفعل.
٦- لو نوى قطع النية من الليل.. انقطعت بخلاف النهار؛ فإنها لا تنقطع إلا إن قطعها بالفعل.
7- لو نوى مع طلوع الفجر.. لم يصح صومه.
8- لا يجب في نية الفرض ذكر الفرض؛ لأنه من البالغ العاقل لا يكون الصوم إلا فرضاً، بخلاف الصلاة.
٩- صوم النفل تجوز فيه النية قبل الزوال، بشرط أن لا يتناول مفطراً، وتجزئ النية قبل الزوال في الفرض عند الإمام أبي حنيفة، كما تقدم.
١٠ - أكمل النيات للصيام، كما في المنهج: أن ينوي صوم غد عن أداء فرض رمضان هذه السنة الله تعالى.
_____________________________
فائدة (ص ٤٧٤):
ولوجوب الكفارة العظمى ثمانية شروط وهي:
١ ـ أن يفسد صومه بهذا الجماع، فخرج به المكره والناسي، فإن صومهما لا يفسد بهذا الجماع.
٢ - أن يكون الصوم الذي أفسده بالجماع هو صوم رمضان، فلا تجب الكفارة إذا أفسد صوم غير رمضان ولو كان الصوم واجباً.
۳- أن يكون اليوم الذي أفسده يوماً كاملاً أي أن يبقى اليوم كله وهو أهل للعبادة، فلا تجب الكفارة إذا مات أو جن قبل غروب الشمس.
-٤ أن يكون السبب الرئيسي لإفساد الصوم هو الجماع، فلا تجب الكفارة إذا أفسده بغير الجماع، كأن أكل متعمداً ثم جامع.
٥ ـ أن يكون الجماع تاماً، وهو إدخال جميع الحشفة والتي هي رأس الذكر أو قدرها من فاقدها في الفرج، فلا تجب الكفارة على من أدخل جزءاً من الحشفة، ولا يبطل بذلك صومه.
٦- أن يأثم بهذا الجماع، فلا تجب الكفارة على من جامع زوجته في نهار رمضان وهو مسافر سفراً طويلاً مباحاً؛ لأنه لا يأثم بهذا الجماع.
7- أن يكون ذلك الإثم بسبب إفساد الصوم لا بسبب آخر، فلا تجب الكفارة إذا زنى - والعياذ بالله - وهو مسافر، فإنه يأثم إثماً عظيماً بسبب الزنا لا من أجل الصوم.
8- عدم الشبهة، فلا كفارة على من جامع وهو يشك في دخول الليل.
وتجمع هذه الشروط ما عدا الشرط الثامن العبارة التالية: (إذا أفسد صومه في رمضان يوماً كاملاً بجماع تام آثم به للصوم).
_____________________________
فائدة (ص ٤٧٦):
ذكر الشيخ البجيرمي: أن الشخص لو أكره على الزنا أفطر؛ لأن الإكراه على الزنا لا يبيحه بخلافه على الأكل ونحوه حيث قال في حاشيته على شرحالمنهج: (قوله: ولا مكرها ولو على الزنا على المعتمد، خلافا لمن قال بالإفطار حينئذ؛ لأن الزنا لا يباح بالإكراه شيخنا ح ف وس ل وع ن؛ لكن في ع ش على م ر خلافه وعبارته لو أكره على الزنا فينبغي أن يفطر تنفيرا عنه، قال سم وفي شرح الروض ما يدل عليه؛ لأن الإكراه على الزنا لا يبيحه بخلافه على الأكل ونحوه، ثم رأيته في الشيخ عميرة، ولأن فيه جزء اختيار بانتشار الذكر.
____________________________
.مسألة (ص ٤٧٧):
لو أصبح وفي فمه خيط أو طعام طويل كالمكرونة مثلاً متصلاً بباطنه، فإن أبقاه.. لم تصح صلاته، وإن بلعه أو نزعه وهو مختار.. بطل صومه، فما هو المخلص ؟
المخلص: أن ينزعه منه غيره وهو غافل، وهذا أمر قد لا يحصل أصلاً؛ لأن شرطه أن ينزعه منه وهو غافل، بخلاف ما لو علم وقدر على دفعه فلم يمنعه.. فقد أفطر، إذ النزع موافق لغرض النفس، فهو حينئذ منسوب إليه، قاله الشيخ زكرياء الأنصاري، كما في القلائد.
قال الشيخ الزركشي، كما في حاشية الشيخ الشرقاوي: «وقد لا يطلع عليه عارف بهذا الطريق - أي طريق نزعه منه وهو غافل - ويريد لخلاص طريقه أن يجبره الحاكم على نزعه ولا يفطر؛ لأنه كالمكره) اهـ.
قال في القلائد: «بل لو قيل: أنه لا يفطر بنزعه لإيجاب الشرع لاحتمل» اهـ.
وإذا لم يتفق شيء من ذلك.. وجب عليه نزعه أو ابتلاعه محافظة على صلاته؛ لأن حكمها أغلظ من حكم الصوم؛ لقتل تاركها دون الصوم، وعليه قضاء الصوم بعد ذلك.
قال الشيخ الشرقاوي: قال الشمس الرملي: (هذا كله إذا لم يتأت له قطع الخيط من حد الظاهر من الفم، فإن تأتي.. وجب القطع وابتلع ما في حد الباطن وأخرج ما في حد الظاهر، وإذا راعى مصلحة الصلاة فينبغي أن يبتلع الخيط ولا يخرجه لئلا يؤدي إلى تنجس فمه) اهـ.
ومن الاستقاءة ما لو دخلت دبابة جوفه قهراً فأخرجها.. فيفطر إذا علم وتعمد، كما في القلائد.
____________________________________
مسألتان (ص ٤٧۹):
١ - لو أصبح صائماً وفي أذنه أو دبره نحو عود.. لم يفطر بإخراجه؛ لاختصاص الاستقاءة بالخارج من الفم.
٢ - لو طعنه شخص ولم يمنعه من طعنه مع القدرة على منعه.. لم يفطر، وهذا إن لم تصل السكين إلى الجوف، كما سيأتي إن شاء الله تعالى؛ إذ لا سبب منه ولا غرض، بخلافه في مسألة نزع الخيط لو نزعه منه وهو قادر على دفعه؛ لأن له غرض صحيح.
________________________
فائدة (ص ٤٧۹):
النخامة ومثلها البلغم؛ فيها تفصيل:
1-إذا وصلت حد الظاهر فابتلعها.. بطل صومه، وذلك بأن وصلت إلى حد الظاهر فأجراها بنفسه، وإن عجز بعد ذلك عن مجها، بخلاف ما لو جرت بنفسها وعجز عن مجها.. فلا يفطر لعذره، ومثل ذلك لو لم تصل إلى حد الظاهر.. فلا يضر إدخالها؛ لأنها تكون من باطن إلى باطن.
٢-إذا وصلت إلى حد الباطن فابتلعها.. فلا يبطل صومه؛ لأنها من باطن إلى باطن، وسواء كانت النخامة من الدماغ أو البطن.
قال الشيخ الشرقاوي: (وليس من الاستقاءة قطع النخامة من الباطن إلى الظاهر - أي إخراجها مع عدم إرجاعها - فلا يضر مطلقاً سواء قلعها من دماغه أو من باطنه؛ لتكرر الحاجة إليه فيرخص فيه، أما لو نزلت من دماغه بنفسها واستقرت في حد الظاهر أو كان بغلبة سعال فلفظ ذلك ـ أي أخرجه.. فلا بأس به جزماً، أو بقي في محله فكذلك - أي لا يضر - فإن ابتلعها بعد خروجها ـ أي إلى حد الظاهر -واستقرارها في ذلك الحد.. أفطر جزماً، فالمطلوب منه حينئذ أن يقطعها من مجراها ويمجها - أي يخرجها - إن أمكن حتى لا يصل منها شيء إلى الباطن، فإن كان في الصلاة وهي فرض ولم يقدر على مجها إلا بظهور حرفين.. لم تبطل بل يتعين مراعاة لمصلحتها - أي الصلاة ) اهـ.
ولو شرب خمراً بالليل وأصبح صائماً صيام فرض فقد تعارض عليه واجبان، الأول الإمساك، والثاني التقيؤ، فيراعي حرمة الصوم فيما يظهر؛ للاتفاق على وجوب الإمساك على الصائم والاختلاف في وجوب تقيؤ السكران، أما لو كان صوم نفل.. فلا يبعد عدم وجوب التقيؤ -وإن جاز محافظة على حرمة العبادة.
_______________________
تنبيه (ص ٤٨۱):
هناك أمر خفي يجب التنبيه عليه وهو أن أهل العلم ينقلون عن كتاب "الأم" أنه قال: يفطر بوصول شيء إلى أذنه، والأصل أنه قال: (لا يفطر)، فسقط قوله (لا) ونقله عنه الكثيرون بالبطلان.
قال العلامة الشاطري في شرح الياقوت: «قال السيد أحمد بك الحسيني في شرحه لكتاب (الأم): سقطت على النساخ في (الأم) كلمة (لا) من عبارتها، وهي: (ويفطر بوصول شيء إلى أذنه) وأصل العبارة: (ولا يفطر بوصول شيء إلى أذنه) لكن هذا الشرح لم يطبع، وتحقق الآن أن الأذن منفذ غير مفتوح اهـ.
____________________________
مسائل (ص ٤٨۲):
من العين: الدخان الحادث المعروف اليوم (السجائر) فيفطر به، قال في كاشفة السجا: «وقد أفتى الزيادي أولاً بأنه لا يفطر؛ لأنه حينئذن لم يعرف حقيقته، فلما رأى أثره بالبوصة التي يشرب بها.. رجع وأفتى بأنه يفطر» اهـ، بخلاف دخان البخور فلا يفطر؛ لأن من شأنه القلة.
وتفطر الأنثى بإدخال إصبعها إلى ما وراء ما يظهر من فرجها عند جلوسها على قدميها وهو ما لا يجب غسله.
ولو طعن نفسه أو طعنه غيره بإذنه فوصل السكين إلى جوفه أو أدخل في إحليله أو أذنه عوداً فوصل إلى الباطن.. أفطر.
وينبغي الاحتراز حال الاستنجاء؛ لأنه متى أدخل طرف إصبعه في دبره.. أفطر- ولو أدنى شيء من الأنملة، هكذا أطلقه القاضي حسين، ومثله لو فعل به غيره بإذنه، وهذا ما لم يتوقف خروج نحو الخارج على إدخال إصبعه في دبره، وإلا.. أدخله ولا يفطر، وقيده الإمام السبكي بما إذا وصل شيء من الأنملة إلى المحل المجوّف منها -وهو ما لا يجب غسله، وفي حاشية الشيخ البجيرمي مثله، وعبارته: وضابط الدخول المفطر أن يجاوز الداخل ما لا يجب غسله في الاستنجاء، بخلاف ما يجب غسله في الاستنجاء.. فلا يفطر إذا أدخل إصبعه ليغسل الطيات التي فيه اهـ.
قال في كاشفة السجا: قال الشيخ الأجهوري: ومثل الأصبع غائط أخرج منه ولم ينفصل، ثم ضم دبره فدخل منه شيء إلى داخله.. فيفطر حيث تحقق دخول شيء منه بعد بروزه؛ لأنه خرج من معدنه مع عدم حاجته إلى الضم اهـ وبه أي: بهذا السبب وهو عدم حاجته إلى الضم يفارق مقعدة المبسور؛ فإنها إذا خرجت فأرجعها.. لم يبطل صومه؛ لحاجته إلى ذلك، حتى لو توقف دخولها على الاستعانة بإصبعه عفي عنه، كما أفتى به الشيخ الطبلاوي.
ولو كانت العين التي وصلت إلى الجوف حقنة.. بطل صومه، والحقنة: دواء يجعل للمريض ويصب في دبره ببوصة أو غيرها للإسهال إي: إخراج الرطوبات المنعقدة في المعدة؛ بل وضع الآلة مفطر وإن لم ينزل الدواء إلى جوفه.
___________________________
مسألة (ص ٤٨٣):
لا يفطر بغبار الطريق وغربلة الدقيق وإن تعمد فتح فمه؛ لأن التحرز من ذلك شأنه أن يشق، فهو بدخول ذلك غير مختار، وسواء كان الغبار قليلاً أو كثيراً طاهراً أو نجساً عند الشيخ الرملي، واعتمد الشيخ ابن حجر في التحفة: أن النجس يضر مطلقاً، والطاهر إن تعمد.. عفي عن قليله دون كثيره، وإن لم يتعمد.. عفي عنه مطلقاً قليلاً وكثيراً.
وأما بلع الريق فلا يفطر به لمشقة الاحتراز عنه وإن تعمد جمعه تحت لسانه، وإن أخرجه على لسانه، بخلاف ما لو أخرجه على حمرة الشفة ثم أعاده.. فإن صومه يبطل، وإنما لم يفطر بالريق -بثلاثة شروط وهي:
۱ - أن يكون خالصاً أي: صافياً لا مختلطاً بغيره، فلو ابتلع الريق وهو مختلط بغيره.. بطل صومه؛ ولكن استظهر الشيخ ابن حجر في "التحفة" العفو لمن أبتلي بدم اللثة لو ابتلعه بحيث لا يمكنه الاحتراز عنه.
٢ - أن يكون الريق طاهراً لا متنجساً ولو كان صافياً، كأن تنجس بنحو دم ثم نقاه بدون ماء، فالأصل أن ريقه لا يزال متنجساً، وكذلك فمه وإن كان الريق صافياً، فيلزمه غسله بالماء.
۳ - أن يكون الريق من معدنه، فاللسان والفم كله معدن، فلا يضر إخراجه على اللسان، كما تقدم، إنما يضر لو أنفصل عن معدنه ثم أعاده وابتلعه.
قال في "بشرى الكريم": ولنا وجه بالعفو عنه مطلقاً، إذا كان صافياً، وفي تنجس الريق به إشكال؛ لأنه نجس عم اختلاطه بمائع، وما كان كذلك لا ينجس ملاقيه، كما في الدم على اللحم إذا وضع في الماء للطبخ، فإن الدم لا ينجس الماء» اهـ.
_________________________
حكم الإبرة (ص ٤٨٤):
الإبرة تجوز للضرورة، وفي إبطالها للصوم ثلاثة أقوال وهي:
١ - أنها تبطل مطلقاً؛ لأنها وصلت إلى الجوف.
٢ - أنها لا تبطل مطلقاً؛ لأنها وصلت إلى الجوف من غير منفذ مفتوح.
۳- وهو الأصح ـ أن فيها تفصيل: -
أ- إذا كانت مغذية فتبطل الصوم.
ب -إذا كانت غير مغذية فننظر:
إن كانت في العروق المجوفة - وهي الأوردة - فتبطل.
وإن كانت في العضل - وهي العروق الغير مجوفة - فلا تبطل.
_____________________________
مسألة (٤٨٥):
قال في القلائد: الولادة تبطل الصوم وإن لم تر دماً على الراجح في المذهب، لكن قال في (المجموع): الأرجح دليلاً المنع اهـ
______________________________
فائدة (ص ٤٨٦):
(من أفطر معذوراً بجهله، أو مكرها)؛ لم ينقطع صومه إن كان نواه، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم: (رُفِعَ عَنْ أُمَّتَي الخَطَأُ وَالنَّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ) أخرجه الطبراني، وإنما لم يفطر في حالة الإكراه إذا وجدت شروط الإكراه، وهي:
۱ - أن يكون المكره عازماً على تنفيذ تهديده، ويعبر عنه الفقهاء بقولهم: (ظن المكره أنه إن امتنع فعل المكره ما خوفه به).
٢ - أن يكون المكره قادراً على تنفيذ تهديده بولاية أو تغلب بنحو قوة.
۳- أن لا يتجاوز المكره ما أكره عليه، كأن قال له: كل تمرة وإلا قتلتك، فأكل تمرتين إرضاء له، فيفطر في هذه الحالة؛ لأنه إنما أكره على تمرة واحدة فقط، والثانية كانت باختياره.
٤- أن لا يخيره المكره، فإن خيره، كأن قال له: كل عنباً أو تمراً وإلا قتلتك، فأكل أحدهما.. أفطر؛ لأنه مختار.
٥ - أن لا يكون المكره قادراً على خداعه، فإن كان قادراً على خداعه وتمويهه ولم يفعل.. بطل صومه.
٦ -أن يكون المكره عاجزاً عن دفع ما أكره به بهرب أو استغاثة.
ولو سبقه ماء الغسل إلى جوفه من غير قصد؛ ففيه تفصيل:
۱ - إن كان ما وصل إلى جوفه من أمر مأمور به؛ كغسل واجب من جنابة مثلاً، أو غسل مسنون كغسل الجمعة.. فلا يبطل صومه إلا إذا اغتسل بالانغماس؛ لأنه أمر بالغسل ولم يؤمر بالانغماس، وقال الشيخ البجيرمي في "حاشيته على الخطيب": أنه يبطل الصوم بالانغماس إن اعتاد سبق الماء إلى جوفه، وإلا.. فلا اهـ.
٢- إن كان الغسل غير مأمور به؛ كغسل تبرد أو تنظيف.. فيبطل صومه وإن لم يتعمد، وسواء اغتسل بالصب أو بالانغماس.
ولو سبقه ماء المضمضة أو الاستنشاق من غير قصد.. ففيه تفصيل:
1- إن كانت المضمضة أو الاستنشاق مأموراً بهما في الوضوء أو الغسل... فلا يبطل صومه إلا إذا بالغ فيهما؛ لأنه غير مأمور بالمبالغة هنا، بل يكره للصائم المبالغة فيهما.
٢- إن كان من غير مأمور به، بأن كانت المضمضة رابعة أو ليست من الوضوء أو الغسل، ومثلها الاستنشاق.. فيبطل صومه بهما وإن لم يبالغ.
____________________________
مسألة (ص ٤٨٦):
لو نزل منه القيء صار فمه متنجساً، ويجب عليه غسله والمبالغة في المضمضة حتى ينغسل جميع ما في فمه من حد الظاهر، وحينئذ لا يبطل صومه إذا سبقه الماء إلى الجوف بدون تعمد؛ لأنّ إزالة النجاسة مأمور بها.
____________________________
قاعدة (ص ٤٨٦):
ما سبق إلى الجوف بمأمور به.. لا يبطل به الصوم، وما سبق إلى الجوف بغير مأمور به.. بطل به الصوم.
___________________________
تفصيل في مسألة طلب خروج المني للصائم (ص ٤٨٨):
أما خروجه من غير طلب.. ففيه تفصيل:
تارة يكون بمباشرة، وفيه تفصيل:
- إذا كان بمباشرة، أي: بلمس ما لا تشتهيه الطباع السليمة؛ كالأمرد الجميل والعضو المبان.. فلا يفطر بالإنزال مطلقاً سواء كان بشهوة أم لا، بحائل أم لا.
- إذا كان بمباشرة ما تشتهيه الطباع السليمة.. ففيه تفصيل:
أ - تارة يكون من محارمه، فيفطر بشرطين:
۱ - أن يكون بشهوة. ٢- أن يكون بلا حائل.
فإن فقد أحد الشرطين.. فلا يفطر.
ب - وتارة يكون من غير المحارم:
1- فيفطر إن كان بلا حائل؛ سواء كان بشهوة أم لا.
٢- وأما إن كان بحائل ولو رقيقاً جداً.. فلا إفطار ولو بشهوة،
فالإفطار إنما يكون مع عدم الحائل، وعدم الإفطار يكون مع وجود الحائل دون النظر إلى وجود الشهوة مطلقاً.
(أو) كان خروج المني بسبب (قُبْلَةٍ).. فيفطر، وذلك في حق من يخاف الإنزال بالقبلة، فتحرم عليه حينئذ ويفطر إن أنزل بها، وأما من يخاف انتصاب الذكر وخروج المذي بالقبلة.. فلا تحرم عليه، ولا يفطر بها، ولكنها تكره في حقه.
(أو) كان خروج المني بسبب مضاجعة .. فيفطر كذلك إذا كان بغير حائل، أما المضاجعة بالحائل.. فلا يفطر بالإنزال بها إلا إن قصد بالمضاجعة خروج المني.. فيفطر وإن كان بحائل؛ لأن ذلك يكون استمناء.
و (لا يفطر لو نزل المني بفكر ونَظَرٍ) أي: أو نظر، وكذا لمس فرج بهيمة- وإن كررهما أي: الفكر والنظر إلا في حالتين:
۱ - لو كان من عادته الإنزال بذلك.. فيفطر حينئذ.
٢ - لو أحس بانتقال المني وتهيئه للخروج بسبب الفكر أو النظر؛ فأدامه حتى أنزل.. أفطر قطعاً.
_____________________________
فائدة (ص ٤٨۹):
من خصوصياته صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جواز القبلة في الصوم المفروض مع قوة شهوته؛ لأنه أملك الناس لإربه.
____________________________
فائدة (ص ٤۹٣):
والصوم في السفر في رمضان أفضل من الإفطار إن أطاق الصوم؛ لأن رمضان لا يعدل به غيره، وما يتنزل في رمضان لا يتنزل في غيره، فهو مستثنى من قاعدة (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كما يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ) أخرجه الطبراني وابن أبي شيبة وابن حبان وابن خزيمة والبيهقي.
________________________
فائدة (ص ٤۹٤):
وفي (التحفة): أنه يمتنع الفطر على من قصد بسفره محض الترخص، كمن سلك الطريق الأبعد للقصر، وصريح كلام الإمام الأذرعي والإمام الزركشي امتناع الفطر في سفر النزهة على من نذر صوم الدهر؛ لأنه انسد عليه القضاء، أي أنه لو أفطر متى سيقضي، بخلاف رمضان، فإن قضاء رمضان يستثنى من نذره، كما يستثنى أداءه.
_________________________
مسألة (ص ٤۹٦):
يلزم الحامل وكذا المرضع القضاء مع الفدية إذا كانت غير متحيرة، أما المتحيرة.. فلا فدية عليها إن أفطرت ستة عشر يوماً فأقل، وإلا.. وجب لما زاد، فلو أفطرت كل رمضان.. لزمها مع القضاء فدية أربعة عشر يوماً.
والفطر إذا خافتا على الولد جائز، ويجب إن خيف تضرر الولد بمبيح تیمم.
ولو أفطرت المريضة أو المسافرة بنية الترخص لأجل المرض أو السفر لا للولد.. لم تلزمها فدية.
________________________________
مسألة (ص ٤۹٧):
من وجبت عليه الفدية لعجزه عن الصوم كالكبير.. جاز له تأخير الفدية، ولا يجوز له تقديمها؛ لأنّ وقت وجوبها لم يجب بعد، وله صرف أمداد لواحد، لا مُد لاثنين، ولا مد وبعض آخر لواحد؛ لأن كل مد فدية تامة.
_____________________________
تتمة (ص ٤۹٨):
إذا بلغ الصبي أو قدم المسافر أو شفي المريض، فإن نووا ليلاً وأصبحوا صائمين.. حرم عليهم الإفطار، ولزمهم إتمام الصوم؛ لزوال مبيحه، ولو جامع أحدهم بعد زوال مانعه وكان صائماً.. لزمته الكفارة.
أما إذا كانوا مفطرين ولو بترك النية.. استحب لهم الإمساك بقية النهار، فمن جاز له الفطر ظاهراً وباطناً.. لا يجب عليه الإمساك بل يسن، ومن حرم عليه ظاهراً وباطناً، أو باطناً.. وجب عليه الإمساك.
ويحرم الوصال في الصوم: وهو أن يصوم يومين متتاليين بدون أن يتعاطى بينهما مفطر، ولا تنتفي الحرمة إلا بتعاطي ما من شأنه أن يُقوّي ولو سمسمة لا بنحو جماع.
وإذا رأى صائماً يأكل، فإن كان ظاهر حاله التقوى.. سُنّ تنبيهه ولا يجب، وإن كان ظاهر حاله التهاون بأوامر الله.. وجب تنبيهه.
__________________________________
مسألة (ص ٤۹٨):
لو أخر نحو الهرم الفدية عن السنة الأولى.. لم يجب شيء للتأخير؛ لأن وجوبها على التراخي، كما في البجيرمي عن الإيعاب، والطريق الثاني يجب المد أيضاً بفوات فضيلة الوقت.
ويجب القضاء على من أفطر ظاناً غروب الشمس سواء بان الحال أم لا؛ لأن الأصل بقاء النهار، بخلاف لو أكل ظاناً بقاء الليل ولم يبن الحال.. فصومه صحيح؛ لأن الأصل بقاء الليل.
فالخلاصة:
أنه لو شك في غروب الشمس.. كان الأصل بقاء النهار، وإن شك في طلوع الفجر.. كان الأصل بقاء الليل، فحكم عليه بالأصل إلا إن بان الحال... حكمنا على حسب الحال، فإن بان أن الوقت نهاراً.. وجب عليه القضاء، وإن بان أنه ليل.. فصومه صحيح.
______________________________
تنبيه (ص ٤۹۹):
مما يقع فيه بعض من الناس أنهم عندما يسمعون أذان الفجر يهرعون إلى الشرب أو الأكل ظناً منهم جواز ذلك ما دام المؤذن يؤذن، وهذا خطأ فادح واضح؛ لأن المؤذن لا يؤذن إلا بعد طلوع الفجر، فعلى هذا لو أذن المؤذن والشخص يأكل أو يشرب.. بطل صومه، وإن أخرج ما في فمه، أو نزع المجامع؛ لأن الفقهاء إنما قالوا: إذا طلع الفجر وأخرج الشخص ما في فمه أو نزع المجامع مباشرة.. صح صومه؛ فهم يقولون: إذا طلع الفجر، ولم يقولوا إذا أذن المؤذن، فطلوع الفجر يكون قبل الأذان، كما أسلفنا.
وهل يجوز الفطر لنحو الحصاد وجذاد النخل والحراث لأنها تلحقه مشقة أم لا ؟
لا يجوز له الفطر بسبب ذلك إلا إذا اجتمعت فيه ستة شروط:
١ - أن لا يمكن تأخير العمل إلى شوال.
٢ - إن يتعذر العمل ليلاً، أو أمكنه العمل ليلاً ولكن لم يغنه ذلك، فيؤدي إلى تلفه، أو نقصه نقصاً لا يتغابن به.
۳- أن يشق عليه الصوم مشقة لا تحتمل عادة، بأن تبيح التيمم أو الجلوس في المرض، وخالف الشيخ ابن حجر في هذا.
-٤ أن ينوي ليلاً ويصبح صائماً، فلا يفطر إلا عند وجود العذر.
٥ ـ أن ينوي الترخص بالفطر؛ ليمتاز الفطر المباح عن غيره، كمريض أراد الفطر للمرض، فلابد أن ينوي بفطره الرخصة أيضاً.
٦ - أن لا يقصد ذلك العمل وتكليف نفسه لمحض الترخص، وإلا.. امتنع، كمسافر قصد بسفره مجرد الرخصة.
فإن وجدت هذه الشروط.. أبيح له الفطر، فإن فُقِدَ شرطٌ.. أثم إثماً عظيماً، ووجب نهيه وتعزيره.
_________________________________
تتمة (ص ٥٠٠):
تتمة في بعض سنن الصوم ومكروهاته:
يسن تعجيل الفطر بعد تيقن الغروب، وتأخير السحور ما لم يقع في الحرج وضيق الوقت.
ويسن أن يفطر على رطب، فإن لم يجد.. فلبن، فإن لم يجد.. فأيشيء لم تمسه النار، فإن لم يجد.. فمجة ماء.
كما يسن لمن أجنب في ليل رمضان أن يغتسل قبل الفجر.
ويكره تذوق طعام لصائم؛ لأنه قد يؤدي إلى بلعه فيفطر بذلك، كما يكره الاحتجام في نهار رمضان؛ لأنه يضعف الصائم. كما يكره الاستياك بعد الزوال للصائم، كما تقدم في باب الطهارة.
____________________________
فائدة (ص ٥٠۱):
وفي ختام الباب أحببنا ذكر الأيام الفاضلة التي يسن صيامها وهي:
يوم عرفه لغير الحاج، وهو اليوم التاسع من شهر ذي الحجة؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (صَوْمُ يَوْمِ عَرَفَةَ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَةً وَمُسْتَقْبَلَةً وَصَوْمُ عَاشُورَاءَ يُكَفِّرُ سَنَةً مَاضِيَةً) أخرجه مسلم وأحمد، وصوم يوم عاشوراء وهو اليوم العاشر من شهر المحرم.
ويسن كذلك صيام يوم تاسوعاء وهو التاسع من نفس الشهر؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (لَئِنْ بَقِيتُ إِلَى قَابِلِ لَأَصُومَنَّ الْيَوْمَ التَّاسِعَ) أخرجه مسلم وأحمد.
وصوم ست من شهر شوال ولو غير متواليات؛ لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ ثُمَّ أَتْبَعَهُ سِرًّا مِنْ شَوَّالٍ كَانَ كَصِيَامِ الدَّهْرِ» أخرجه مسلم وأحمد.
وصوم الاثنين والخميس من كل شهر، وثلاثة أيام من كل شهر كذلك؛ لما ورد عنه صَى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فيما أخرجه الإمام مسلم والإمام أحمد وغيرهما: «وَسُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الاثْنَيْنِ، قَالَ ذَاكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَيَوْمٌ بُعِثْتُ أَوْ أُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ، قَالَ فَقَالَ: صَوْمُ ثَلَاثَةٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ» والمراد بالثلاثة الأيام: الأيام البيض وهي الثالث عشر والرابع عشر والخامس عشر الحديث أبي ذر، قال: «أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَصُوْمَ مِنَ الشَّهْرِ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ الْبَيْضِ ثَلَاثَ عَشَرَةَ، وَأَرْبَعَ عَشَرَةَ، وَخَمْسَ عَشَرَةَ» أخرجه ابن حبان، وسميت بالأيام البيض لأن لياليهن منورة بضوء القمر لاكتماله.
كما يسن صيام الأيام السود، كما ورد عند الإمام الديلمي، وهي الثامن والعشرون، والتاسع والعشرون، والثلاثون من كل شهر، إلا أنه ينبغي أن يصوم السابع والعشرين من الشهر لاحتمال خروج الشهر قاصراً أي تسع وعشرون.
وسميت بالأيام السود لاشتداد الظلمة في لياليها لعدم وجود القمر.
ويصح قطع صوم النفل ولو بغير عذر، بخلاف الفرض فإنه لا يجوز قطعه إلا لعذر.
_______________________________
فائدة (ص ٥٠٣):
والاعتكاف تعتريه أحكام أربعة، وهي:
۱ - الوجوب، إذ انذره.
٢ - الندب، وهو الأصل فيه، وفي رمضان والعشر الأواخر منه أكد لليلة القدر.
۳- الكراهة، وهو اعتكاف المرأة بإذن زوجها إذا كانت من ذوات الهيئة مع أمن الفتنة.
٤ - الحرمة مع خوف الفتنة مع الصحة كاعتكاف المرأة بدون إذن زوجها أو بإذنه
ومع عدم الصحة، كاعتكاف الجنب أو الحائض.
_______________________
فائدة (ص ٥٠٣):
ليلة القدر منحصرة في العشر الأواخر من رمضان عند الإمام الشافعي، وتلزم ليلة منه بعينها على المعتمد عنده، فقيل: ليلة الحادي والعشرين، وقيل: ليلة الثالث والعشرين، ومقابل المعتمد أنها تنتقل في ليالي العشر، وأرجاها ليالي الأوتار وأرجى الأوتار ليلة الحادي والعشرين عند الإمام الشافعي، ونقل عن ابن عباس رض الله عنهما أنها ليلة السابع والعشرين، وهو قول الإمام أبي حنيفة، ومن علاماتها أنها متوسطة لا حارة ولا باردة، وتطلع الشمس في صبيحتها بيضاء ليس فيها كثير شعاع، وهي لحظة لطيفة على صورة البرق الخاطف لكن تصير الليلة كلها ذات فضل لأجلها، وكذا لتردد الملائكة في جميع الليل بين الله تعالى وبين عباده لقضاء حوائجهم، ويتجلى الله تعالى فيها جميعها، بخلاف غيرها فإنه يتجلى تعالى في الثلث الأخير فقط، وكذا ورد أنه في ليلة الجمعة من كل أسبوع يتجلى في الليلة كلها.
وقد ذكر بعضهم ضابطاً لليلة القدر على القول بأنها تنتقل، وذلك عن طريق معرفة بداية الشهر، ونظمها الشيخ عبد المعطي أو الشيخ القليوبي فقال:
یا سائلي عن ليلة القدر التي … في عشر رمضان الأخيرة حلت
فإنها في مفردات العشر … تعرف من يوم ابتداء الشهر
فبالأحد والأربعا فالتاسعة … وجمعة مع الثلاث السابعة
وإن بدا الخميس فهي الخامسة … وإن بدا بالسبت فهي الثالثة
وإن بدا الاثنين فهي الحادي…هذا عن الصوفية الزهادي
وذكر بعضهم قاعدة أخرى تخالف هذه القاعدة فقال:
وإنا جميعاً إن نصم يوم جمعة … ففي تاسع العشرين خذ ليلة القدر
وإن كان يوم السبت أول صومنا … فحادي وعشرين اعتمده بلا عذر
وإن هل يوم الصوم في أحد ففي … سابع العشرين مـا رمـت فاستقري
وإن هل بالاثنين فاعلم بأنه … يوافيك نيل الوصل في تاسع العشر
ويوم الثلاثا إن بدا الشهرفاعتمد …. على الخامس العشرين تحظى بها فادري
وفي الأربعا إن هل يا من يرومها …فدونك فاطلب وصلها سابع العشر
ويوم الخميس إن بدا الشهر فاعتمد … توافيك بعد العشر في ليلة الوتر
______________________
فائدة (ص ٥٠٦):
وإذا قيد الاعتكاف بمدة كيوم أو شهر، ولم يشترط التتابع، وسواء كان الاعتكاف منذوراً أو مندوباً ثم خرج.. ففيه تفصيل:
١ - إن خرج لقضاء حاجة من بول أو غائط.. لم يلزمه تجديد النية إذا عاد وإن طال الزمن؛ لأنه لابد منه، فهو كالمستثنى عند النية.
٢ - إن خرج لغير قضاء حاجة، فإن كان عازماً حال خروجه على العودة.. لم يلزمه تجديد النية عند العودة، وإن لم يكن عازماً على العودة.. لزمه تجديد النية إن عاد.
ولو قيد الاعتكاف بمدة وشرط التتابع؛ سواء كان الاعتكاف منذوراً أو مندوباً، فإن كان خروجه لعذر لا يقطع التتابع وعاد.. لم يلزمه تجديد النية إذا عاد، وإن كان خروجه لسبب يقطع التتابع.. لزمه تجديد النية إذا عاد.
قال الشيخ الشرقاوي: ولو خرج من المسجد بلا عزم عود، وعاد.. وجب عليه تجديدها ـ أي: النية - إن أراد الاعتكاف، وإلا.. فلا يجب؛ لأنه قد انقطع سواء خرج لتبرز أم لغيره، فإن عزم على العود للاعتكاف سواء كان للمسجد الذي خرج منه أم لغيره.. كانت هذه العزيمة قائمة مقام النية -وهذا في الاعتكاف المطلق - ولو قيد بمدة كيوم أو شهر وخرج لغير تبرز سواء كان مما يقطع التتابع كعيادة مريض ونسيان نية أم لا - أي لا يقطع التتابع - كمرض وحيض وعاد.. جدد النية أيضاً وإن لم يطل الزمن ما لم يكن عازماً على العود، وإلا.. فلا يحتاج للتجديد كالتي قبلها على المعتمد، وإن نقل عن الشهاب الرملي خلافه، بخلاف خروجه للتبرز، فإنه لا يجب تجديدها وإن طال الزمن؛ لأنه لابد منه، فهو كالمستثنى عند النية - وهذا في الاعتكاف المقيد الغير المشروط بتتابع -ولو قيد المدة بالتتابع سواء كان منذوراً أم لا على المعتمد، وخرج لعذر لا يقطع التتابع، كأكل وقضاء حاجة وعاد.. لم يلزمه تجديد، بخلاف ما يقطعه كعيادة المريض اهـ. وهذا في الاعتكاف المقيد بمدة المشروط بتتابع.
والأمور التي تقطع التتابع أربعة وهي:
١ - السكر.
٢ - الكفر.
٣ ـ تعمد الجماع.
٤ تعمد الخروج لغير حاجة.
٥ ـ والحاجة مثل المرض إن شق عليه لبثه في المسجد أو خاف تلويثه، والاغتسال وإزالة النجاسة، والأكل؛ لأن الأكل في المسجد مما يستحي منه أهل المروءة، والشرب إن تعذر الماء في المسجد، فإن وُجِدَ.. فلا يخرج؛ لأن الشرب في المسجد لا يستحي منه أهل المروءة، ومن الحاجة: قضاء حاجة الإنسان.
ومن ذلك ما لو كان في طريقه للحاجة، فعاد مريضاً، أو زار قادماً بشرط: أن لا يطول وقوفه فيهما، وإلا.. قطع التتابع، وكذا لا ينقطع التتابع إن صلى على جنازة بشرط أن لا ينتظرها، فإن انتظرها.. انقطع التتابع.
أما الأعذار التي لا ينقطع بها التتابع فهي سبعة:
۱ - الجنون والإغماء: إن دام المعتكف، أي لم يخرج من المسجد حتى زالا، أو خرج بسببهما للضرورة، كما في المغني.
٢ - الخروج بإكراه بغير حق.
۳- الحيض إن لم تسع مدة الطهر الاعتكاف، بأن كانت مدة الاعتكاف أكثر من شهر مثلاً، فالشهر لا يمكن أن يخلو عن الحيض غالباً، فتبني على ما سبق إذا طهرت؛ لأنه بغير اختيارها.
٤-الأذان من المؤذن الراتب إذا خرج إلى منارة المسجد المنفصلة عنه القريبة منه، بخلاف غير الراتب، وبخلاف إذا كانت المنارة بعيدة عن المسجد، فإن خروجه حينئذ يقطع التتابع.
٥- إقامة حد ثبت بغير إقراره، أما لو ثبت بإقراره.. صار الخروج له قاطعاً للتتابع.
-٦ العدة إذا كانت غير متسببة لها، بخلاف ما لو كانت متسببة لها، كأن طلبت الطلاق بخلع، فإنها تقطع التتابع حينئذ.
7- أداء الشهادة إذا تعينت عليه ولم يمكنه أداؤها في المسجد.
وتجب عليه المبادرة بالعود عند زوال العذر، فإن تأخر وكان ذاكراً عالماً مختاراً.. انقطع تتابعه، وتعذر البناء على ما مضى.
ولو نذر اعتكافاً متتابعاً وشرط الخروج من المسجد أثناء المدة، فهل يصح هذا الشرط أم لا ؟
فيه تفصيل:
۱ - إذا شرط الخروج لعارض مباح مقصود لا ينافي الاعتكاف.. صحشرطه، فإن عين شيئاً - كعيادة مريض مثلاً.. لم يجاوز الذي عينه، وإلا.. انقطع تتابعه، وإن لم يعين شيئاً، بل أطلق.. فيجوز له الخروج لأي عارض ولو دنيوي بشرط كونه مباحاً كلقاء أمير وغيره، ولا يجب عليه تدارك ما فاته.
٢ - إذا شرط الخروج لا لعارض، كأن قال: (إلا أن يبدو لي الخروج)، أو لعارض محرم كشرب خمر، أو غير مقصود كتنزه، أو مناف للاعتكاف كجماع.. فلا يصح شرطه؛ بل ولا ينعقد اعتكافه أصلاً.
ولا يجب عليه تدارك ما فاته بسبب العارض المباح، وهذا إن عين المدة كهذا الشهر، فإن لم يعينها، كشهر مطلق.. وجب عليه تدارك ما فاته.
__________________________________
فائدة (ص ٥۱٣):
لو نسي نية الاعتكاف وأراد أن ينوي وهو في الصلاة.. جاز له ذلك، بشرط أن لا يتلفظ عند الشيخ الرملي، وجاز مع التلفظ عند الشيخ ابن حجر؛ لأنه لا يبطل التلفظ بأي قربة، كما تقدم في مبطلات الصلاة.
_________________________________
فائدة (ص ٥۱٣):
معتمد مذهب الإمام أبي حنيفة أنه يصح الاعتكاف للمرأة في بيتها إذا عينت مكاناً فيه للصلاة، وهو قول في مذهب الإمام الشافعي.
___________________________
تنبيه (ص ٥۱٣):
في هذه الأزمنة الأخيرة يُبْنَى بعض المساجد في أرض موقوفة مسجداً، ولكن يجعل المسجد من أعلى ومن أسفله دكاكين فالأرض كلها وقف إلى سابع أرض وهواها كذلك إلى سابع سماء، إذاً فالدكاكين حكمها حكم المسجد يحرم على الحيض والنفساء والجنب الدخول والمكث فيها فليتنبه، إلا إذا كان الوقف من أعلى فقط كأن بني الدكاكين أولاً ثم وقف الأعلى مسجداً، ففي هذه الحالة لا تعتبر الدكاكين في الوقفية لقولهم: يصح وقف السفل دون العلو وعكسه، كما مر.
___________________________-
فائدة (ص ٥۱٥):
فرض الحج في السنة السادسة من الهجرة على المعتمد، وقيل: في السنة الرابعة، وقيل: في السنة الخامسة، كما جزم به الإمام الرافعي، والجمع بين القولين، كما قاله الإمام الرافعي بأن الفريضة قد تنزل ويتأخر الإيجاب على الأمة، فالفرض وقع سنة خمس والطلب إنما توجه سنة ست، وقيل في السنة التاسعة.
___________________________________
فائدة (ص ٥۱٦):
واعتمر صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عمراً كثيرة أيضاً قبل النبوة، أما بعد الهجرة.. فقد اعتمر ست عمر وهن:
۱ - عمرة الحديبية، وكانت في ذي القعدة في السنة السادسة من الهجرة.
٢- عمرة القضاء، وكانت في ذي القعدة أيضاً في السنة السابعة من ۲ الهجرة.
٣ ـ عمرة بعد انتهاء غزوة حنين أحرم بها من الجعرانة في شوال في السنة الثامنة من الهجرة.
٤ -عمرة مع حجة الوداع، وكان قارناً، كما في إعانة الطالبين.
٥- عمرة في رجب.
٦ - عمرة في رمضان.
قال في إعانة الطالبين: «أما بعدها - أي النبوة - فعمرة في رجب، كما قاله ابن عمر، وإن أنكرته عائشة؛ لأنه مثبت، وثلاث بل أربع في ذي القعدة؛ لأنه في حجة الوداع كان في آخر أمره قارناً، وعمرة في شوال، كما صح في أبي داؤد، وعمرة في رمضان، كما في البيهقي كذا في عبد الرؤوف» اهـ.
___________________________________
فائدة (ص ٥۱٧):
ولهذه الاستطاعة أحد عشر شرطاً وهي:
۱ - وجود مؤن السفر، وهي الزاد وأوعيته، ونفقة الذهاب والإياب وإقامته على العادة، وكذا وجود نفقة من يعوله مدة سفره، ويجب أن يكون كل ذلك فاضلاً عن ديونه ولو كانت مؤجلة، أو الله تعالى ككفارة، وكذا فاضلاً عن مسكن وخادم يحتاج إليهم.
۲ - وجود الراحلة، ويشترط أن تكون لائقة به عند الشيخ الرملي، ولم يشترط ذلك الشيخ ابن حجر؛ بل تكفي أي راحلة ولو لم تلق به، كبقرة، أو يستأجرها أي الراحلة، وإنما يختص هذا الشرط بمن كان بينه وبين مكة أكثر من مرحلتين بسير الأثقال، وإن قدر على السير بلا مشقة؛ لكن الأفضل له المشي إن قدر خروجاً من خلاف من أوجبه على من كان بينه وبين مكة أكثر من مرحلتين ولم يجد راحلة وأمكنه السير بلا مشقة، ولو قدر على دابة إلى مسافة دون المرحلتين وأمكنه المشي باقي المسافة.. قال الشيخ ابن حجر: لم يلزمه الحج، وقال الشيخ الرملي: يلزمه.
والمعتبر وجود الراحلة لمن لم تلحقه بها مشقة، وتقدير هذه المشقة عند الشيخ الرملي ما تبيح التيمم، وعند الشيخ ابن حجر ما لا تحتمل عادة.
أما من بينه وبين مكة أقل من مرحلتين.. فلا تشترط الراحلة في حقه بشرط كونه يقوى على المشي ولو امرأة، وإن كانت المسافة بينه وبين عرفة مرحلتين.
۳- أمن الطريق، وكذا يشترط وجود رفقة يخرج معهم وقت العادة إن خاف وحده، أما مجرد الوحشة.. فلا أثر لها.
ولو اختص الخوف به أي أنه كان خائفاً.. لم يستقر الحج في ذمته عند الشيخين ابن حجر والرملي، ويستقر في ذمته عند شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري والشيخ الخطيب.
٤- وجود الماء والزاد في المواضع المعتادة في الطريق بثمن المثل، والمراد بثمن المثل أي اللائق بالماء في ذلك المكان والزمان، فيختلف ثمن الماء من مكان إلى آخر، وكذا من زمان إلى آخر، فالمعتبر ثمن المثل للمكان الموجود فيه، وليس ثمن بلد الحاج، وإن غلت الأسعار.
فلو خلا بعض المنازل عن ذلك.. لم يجب الحج؛ لأنه إن لم يحمل الحاج معه ذلك خاف على نفسه، وإن حمله عظمت المئونة.
ولو وجد أحدهما يباع بأكثر من ثمن المثل.. لم يجب الحج أيضاً وإن قلت الزيادة.
ولكن قال في بشرى الكريم: نقل الشيخ الرملي والشيخ الخطيب عن الشيخ الدميري: أنه يغتفر الزيادة اليسيرة؛ لأنه لا بدل له، بخلاف ماء الطهارة اهـ
٥ - وجود ما مر من الزاد وغيره وقت خروج الناس من بلده.
٦- أن يجد ما مر من الزاد ونحوه بمال حاصل عنده، أو يجده بدين له حال على مليء، فلا تلزمه الاستدانة لذلك، ولا يلزمه قبول هبة لما فيها من المنة، ولو بذل ولده أو أجنبي مالاً للأجرة.. لم يجب قبوله لما فيه من المنة.
7- وجود المَحْرَمِ أو الزوج مع المرأة ولو بأجرة المثل ولو فاسقاً؛ لأن المحرم ولو كان فاسقاً يغار عليها مواضع الريب، فإن لم يغر عليها.. لم يكف، ويكفي مراهق وأعمى له حداقة تأمن معه، ولا يشترط كونه معها بل يشترط كونه قريباً منها أي مصاحباً لها بحيث يمنع الريبة وإن بعد عنها في بعض الأوقات.
ويكفي عبدها، وكذا أجنبي ممسوح بشرط أن يكون هو وهي ثقاة.
فإن لم يكن هناك محرم ولا زوج.. فيكفي ثلاث نسوة ثقات أي ذوات عدالة ولو إماء.
واعتمد شيخ الإسلام في فتح الوهاب وتحفة الطلاب والشيخ الرملي والشيخ الخطيب: الاكتفاء باثنتين.
8- الثبوت على المركوب ولو في محمل أو نحوه بلا ضرر شديد، فمن لم يثبت أصلاً، أو ثبت ولكن بضرر شديد لمرض أو غيره.. لم يلزمه الحج بنفسه، بل بغيره وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.
٩ - أن يجد رفقة إن لم يأمن لوحده، ويخرج معهم في الوقت المعتاد؛ لأنه لو خرج قبله لزادت عليه المئونة، ولو خرج بعده لاحتاج لقطع أكثر من مرحلة شرعية بعض الأيام، وكل من هذين يمنع الوجوب.
۱٠ - أن يبقى من الوقت بعد الاستطاعة ما يتمكن فيه من السير المعتاد لأداء النسك، فإن وجدت الاستطاعة والزمن الباقي لا يسع السير المعتاد.. لم ينعقد الوجوب في حقه في هذا العام.
۱۱ - أن يجد الأعمى من يقوده ويهديه عند ركوبه ونزوله ولو بأجرة المثل إن قدر عليها ولم يجد من يطيعه كابنه أو عبده، كما تقدم.
____________________________
مسألة (ص ٥۲۱):
هل يجوز للشخص أن يحج عن أكثر من واحد ؟
لو كانت الإجارة إجارة عين كأن قال له: استأجرتك لتحج عني، أو عن ميتي بكذا.. لم يجز أن يحج إلا عن واحد.
أما لو كانت إجارة ذمة كأن قال له: ألزمت ذمتك الحج عني أو عن ميتي... جاز له قبول حجج كثيرة، ثم يوكل أشخاصاً بالحج.
ويشترط في إجارة العين أن يحج بنفسه، وأن يكون قادراً على الشروع في العمل، بخلاف لو لم يمكنه مباشرة العمل لنحو: مرض أو خوف.
ويشترط في إجارة الذمة حلول الأجرة، وتسليمها في مجلس العقد.
ويشترط في النائب: أن يكون قد حج حجة الإسلام، وأن ينوي الحج عن من استنابه.
أما حامل الحاج فيشترط أن ينوي الفعل عن المحمول، كأن كان يطوف أو يسعى فينوي ذلك عن المحمول، وإلا.. وقع عنه، وذلك إن لم يكن قد طاف أو سعى عن نفسه، فإن كان قد طاف أو سعى عن نفسه.. لم يشترط أن ينوي ذلك الفعل عن المحمول؛ لأنه يقع عنه مباشرة.
________________________
فائدة (٥۲۲):
قال في بشرى الكريم: أفتى الشهاب الرملي بوجوب الحج على من بيده وظيفة أمكنه النزول عنها بما يكفيه للحج، وإن لم يكن له غيرها. ونقل الشيخ ابن قاسم عن الإمام السيوطي: أنه لا يلزمه ذلك اهـ.
__________________________________
فائدة (ص ٥۲۲):
أحكام الحج خمسة:
۱ - فرض عين: وهو حجة الإسلام إذا اجتمعت شروط الوجوب المارة.
۲ - فرض كفاية كالحج لإحياء الكعبة كل سنة من جماعة يظهر بهم الشعار ولو صغاراً.
قال الشيخ الشرقاوي: اعلم أن النسك إما فرض عين على من لم يحج بشرطه، أو كفاية على جميع المسلمين لإحياء الكعبة كل سنه ولا يشترط في العدد المحصلين لهذا الفرض قدر مخصوص؛ بل المدار على وجوده من بعض المكلفين ولو واحداً في كل سنة مرة أو تطوع - أي يكفي وجوده من متطوع - ويتصور - حصول ذلك من متطوع - في الأرقاء والصبيان؛ إذ فرض الكفاية لا يتوجه إليهم - إنما هم متطوعون - فلا يسقط الإحياء بفعلهم عن المكلفين على المعتمد) اهـ. ولكنه يكفي لإحيائها.
٣ ـ سنة: كحج الصبيان والعبيد، وحج القادر على المشي من أكثر من -مسافة مرحلتين من مكة.
٤ ـ مكروه، كما إذا خاف أو شك في الهلاك، وكحج الفقير الذي يعتمد على سؤال الناس.
٥ - حرام كحج المرأة بدون محرم إذا لم تأمن على نفسها، وحجها بدون إذن زوجها، وكذا إن تيقن الحاج الضرر.
أما لو أمنت.. جاز لها الخروج لوحدها، ومعنى أنه حرام أي مع الصحة، فوجود المحرم شرط لجواز الخروج وليس شرطاً للحج، قال في المغني بعد ذكر هاتين المسالتين: قال الإسنوي: فأفهمهما فإنهما مسألتين: إحداهما شرط وجوب حجة الإسلام، والثانية شرط جواز الخروج لأدائها، وقد اشتبهتا على كثير حتى توهموا اختلاف كلام المصنف في ذلك، وكذا يجوز لها الخروج وحدها إذا أمنت اهـ.
وقال الشيخ الكردي بعد أن ذكر الاكتفاء بالنسوة الثقات عند عدم المحرم ومحله إذا كانت واحدة منهن لا تفارقها، أما الجواز... فلها أن تخرج لفرض الإسلام ككل واجب ولو لوحدها إذا أمنت. اهـ وهذا بالنسبة لحجة الإسلام، أما حج التطوع وغيره من الأسفار.. فليس لها الخروج لوحدها، ولا مع امرأة، ولا مع النسوة الخلص.
____________________________
فائدة (ص ٥۲٤):
مراتب الحج من حيث الشروط خمس مراتب، وهي:
۱ - مرتبة الصحة المطلقة: وهي أن يصح منه الحج مطلقاً، ويشترط في هذه المرتبة الإسلام، وكون الوقت قابل لما نواه، وهو في الحج من ابتداء شوال إلى فجر يوم النحر، وفي العمرة جميع السنة، والعلم بالكيفية عند الإحرام، والعلم بالأفعال عند فعلها ولو يوجه.
فيصح الحج من المسلم ولو صبياً أو مجنوناً أو عبداً أو حائضاً.
٢ - مرتبة صحة المباشرة بنفسه استقلالاً: وهي أن تصح منه مباشرة أعمال الحج، ويشترط فيها ما مر في المرتبة الأولى، والتمييز ولو صبياً بإذن وليه ولو رقيقاً، ولكن لا يقع النسك لهما عن فرض الإسلام إلا إذا كملا قبل الوقوف بعرفة، كأن بلغ الصبي وأعتق الرقيق قبل الوقوف أو أثنائه، ويجب عليهما إعادة السعي إذا كانا قد سعيا بعد طواف القدوم، وهذا بالنسبة للحج، أما العمرة فيشترط أن يكملا قبل طواف العمرة.
وأما الصبي غير المميز فهو من أهل المرتبة الأولى، فيباشر عنه وليه الأعمال التي لا تتأتى منه كركعتي الطواف.
۲ - المرتبة الثالثة صحة النذر: وهي أن النذر يصح منه إذا نذر الحج، ويشترط فيها الإسلام، والبلوغ، والعقل، والتمييز، ولا تشترط الحرية، فيصحمن الرقيق ويكون في ذمته.
٤ - المرتبة الرابعة: الوقوع عن فرض الإسلام وهو أن يسقط عنه فرض الحج، ويشترط فيها الإسلام، والتمييز، والبلوغ، والحرية، وكون الوقت قابلاً لما نواه، ولا يشترط الاستطاعة بل يجزئ من فقير.
ولو حج أو اعتمر بمال حرام.. عصى وسقط فرضه.
٥ - المرتبة الخامسة: الوجوب ويجب عليه الحج إذا وجدت شروط الوجوب المارة وهي: الإسلام، والبلوغ، والحرية، والاستطاعة.
____________________________
مسألة (ص ۲۲٥):
العمرة فرض عين كالحج عند الإمام الشافعي، وقيل: أنها سنة مؤكدة، وهو مذهب المالكية والحنفية، وعند الحنابلة قولان: واجب، وسنة، ولا يجبان أي الحج والعمرة في العمر إلا مرة واحدة إلا إن كان نذراً أو قضاء عند إفساد حج تطوع.
ويجب الحج على التراخي لا على الفور، ومع أن الحج على التراخي إلا أنه لابد من العزم على فعله في سنة الإمكان.
ويسن تعجيله خروجاً من خلاف من أوجب الفورية كالإمام مالك والإمام أحمد، ويكون الحج واجباً على الفور في حالات، وهي:
١ - إذا كان قضاء، كأن أفسد حجة الإسلام.
٢ - إذا تضيق بنذر، كأن نذر أن يحج من عامه، فإن وجب عليه حجة الإسلام والنذر والقضاء.. قدم حجة الإسلام، فالقضاء، فالنذر؛ لكن لو أفسد حجه حَالَ كَمَالِهِ، ثم حج.. وقع عن حجة الإسلام، أو القضاء إن كان قد حج عن الإسلام، وكذا النذر بشرط أن تكون هذه الحجة في نفس السنة التي عينها في نذره.
۳ـ إذا خاف العضب، وهو المرض المزمن الذي يمنع من الحج بإخبار طبيب ثقة.
٤ـ إذا خاف الهلاك على نفسه أو ماله، فيلزمه الحج قبل الهلاك.
____________________________
فائدة (ص ٥۲٦):
كان بيت الله الحرام من زمردة خضراء، وفيه قناديل من قناديل الجنة، فلما جاء الطوفان في عهد سيدنا نوح عَلَيْهِ السَّلَامُ.. رفعه الله إلى السماء الرابعة، وأخذ سيدنا جبريل عليه السلام الحجر الأسود، فأودعه في جبل أبي قبيس صيانة له من الغرق، فكان مكان البيت خالياً إلى زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام.
فلما ولد له إسماعيل وإسحاق.. أمره الله ببناء بيت يذكر فيه، فقال يا رب بين لي صفته، فأرسل الله سحابة على قدر الكعبة فسارت معه حتى قدم مكة، فوقفت في موضع البيت، ونودي يا إبراهيم ابني على ظلها لا تزد ولا تنقص، فكان سيدنا جبريل عليه السلام يعلمه، وسيدنا إبراهيم يبني، وسيدنا إسماعيل يناوله الحجارة.
وفي الإيضاح للإمام النووي ما نصه: واختلف المفسرون في قوله تعالى: {إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ} [آل عمران: ٩٦]، فروى الأزرقي في كتاب مكة عن مجاهد قال: لقد خلق الله عز وجل موضع هذا البيت قبل أن يخلق شيئاً من الأرض بألفي سنة، وإن قواعده لفي الأرض السابعة السفلى.
وعن مجاهد أيضاً أن هذا البيت أحد أربعة عشر بيتاً في كل سماء بيت، وفي كل أرض بيت بعضهن مقابل لبعض.
وروى الأزرقي أيضاً عن علي بن الحسين بن علي ابن أبي طالب رضي اللَّه عنه قال: إن الله تعالى بعث ملائكة فقال ابنوا لي في الأرض بيتاً تمثال البيت المعمور وقدره، وأمر الله تعالى من في الأرض أن يطوفوا به، كما يطوف أهل السماء بالبيت المعمور، قال: وهذا كان قبل خلق آدم. وقال ابن عباس رضي لله عنهما: هو أول بيت بناه آدم في الأرض» اهـ.
وقد بني البيت اثني عشرة مرة، وقد نظمها الشيخ السيد أبو بكر بن السيد محمد شطا البكري؛ فقال:
بنى الكعبة الأملاك آدم بعده … فشيث وإبراهيم ثم العمالقة
وجرهم قصي مع قريش وتلوهم … هو ابن زبير فادري هذا وحققه
وحجاج تلوا ثم مسعود بعده … شریف بلاد الله بالنور أشرقه
ومن بعد ذا حقاً بني البيت كله … مراد بن عثمان فشيد رونقه
والمراد بمسعود هو الشريف مسعود بن إدريس، والمراد بمراد بن عثمان هو السلطان مراد خان ابن السلطان أحمد خان العثماني.
____________________________________
فائدة (ص ٥۲٨):
أوجه الدخول في النُّسك خمسة:
الأول: الإفراد، وهو تقديم الحج على العمرة، وهو أفضل الوجوه عند إمامنا الشافعي؛ لكثرة رواته، وللإجماع على عدم الكراهة فيه ولا دم فيه، بخلاف غيره مما فيه دم، والدم دليل النقص، ولا يسمى إفراداً إلا بشرط أن يعتمر في نفس السنة التي حج فيها أي يعتمر قبل نهاية شهر ذي الحجة.
الثاني: التمتع، وهو تقديم العمرة على الحج فيجب عليه الدم إذا تمتع بأربعة شروط وهي:
١ ـ أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج، فلو أحرم بالعمرة في غير أشهر -الحج.. فلا دم عليه.
٢ - أن لا يكون من أهل حاضري المسجد الحرام، وهم من استوطنوا محلاً دون مرحلتين من الحرم كأهل جدة، وقيل: من مكة، فإن كان من أهله...فلا دم عليه.
۳ـ أن يحج في نفس السنة، فلو حج في غير السنة التي اعتمر فيها.. فلا دم عليه.
٤- أن لا يرجع إلى الميقات، فإن عاد إلى الميقات.. ففيه تفصيل:
أ- أن يحرم بالعمرة من ميقاته، فإذا رجع إلى ميقاته أو إلى أي ميقات آفاقي آخر.. سقط الدم.
ب- أن يحرم بالعمرة من المحل الذي بدا له أن يعتمر منه، ويعبر عنه الفقهاء بمحل ما عنّ له، وسيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، فإذا عاد إلى محل ما عن له أو إلى أي ميقات أو إلى مسافة قصر.. سقط الدم كذلك.
الثالث من أوجه الإحرام: القرآن، وهو أن يحرم بالحج والعمرة معاً، أو يحرم بالعمرة ثم يدخل الحج على العمرة قبل الشروع في الطواف، والقارن يجب عليه الدم بشرطين وهما:
۱ - أن لا يكون من أهل حاضري المسجد الحرام، وإلا.. فلا دم عليه.
٢ - أن لا يرجع إلى الميقات، فإذا رجع إلى الميقات.. سقط الدم بشرط أن يرج يرجع إلى الميقات بعد دخوله مكة وقبل التلبس بنسك، كوقوف أو طواف قدوم.
الرابع من أوجه الإحرام: نية تعليق الإحرام، كأن يقول: نويت الإحرام كإحرام زيد، فيتبع زيداً في وجه إحرامه.
الخامس من أوجه الإحرام: الإطلاق، بأن يطلق الإحرام فيقول: (نويت الإحرام للنسك) ثم يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة أو كليهما وإن ضاق الوقت أو فات عند الشيخ ابن حجر خلافاً للشيخ الرملي.
والأفضل صرفه إلى العمرة خروجاً من الخلاف، ولا يجزئه أي عمل حتى يصرفه، فلا يشرع في شيء من أعمال النسك قبل صرف النية إلى أحدهما؛ نعم إن طاف ثم صرفه حجاً.. وقع عن طواف القدوم، أما السعي فلا يجزئه لو سعى بعد هذا الطواف وقبل الصرف؛ لأنه يحتاط للركن ما لا يحتاط للسنة.
وهذا كله إن أطلق النية في أشهر الحج، أما الإطلاق في غير أشهر الحج.. فينعقد عمرة قطعاً؛ إذ لا حج في غير هذه الأشهر.
_____________________________
مسألة (ص ٥٣٠):
لو أحرم إحراماً كإحرام زيد، وتعذر عليه معرفة إحرام زيد.. جعل نفسه قارناً وعمل عمله، ولا يبرأ من العمرة بهذا القران؛ لاحتمال أن زيداً كان محرماً بحج، وهو يمتنع إدخال عمرة عليه، ولا يلزمه دم إن نوى القرآن.
ولو أحرم بحجتين.. انعقدت واحدة.
ولا تجب نية الفرضية جزماً؛ لأنه لو نوى النفل وقع عن الفرض إن لم يكن قد أداه، ولو تخالف القلب واللسان.. فالعبرة بما في القلب.
_________________________
سنن الإحرام (ص ٥٣۱):
وللإحرام سنن كثيرة منها:
١ - التلبية، ولا تغني التلبية عن النية.
٢- التلفظ بالنية، ويذكر فيها ما نواه من أوجه الحج.
۳- قص الشارب، وتمشيط شعر اللحية قبل الإحرام، أما بعد الإحرام... فيحرم قص الشارب، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويكره تمشيط الشعر عند الشيخ الرملي، ويسن عند الشيخ ابن حجر برفق.
٤- نتف الإبط قبل الإحرام.
٥- قلم الأظافر قبل الإحرام.
٦ - حلق شعر العانة قبل الإحرام، وهذه الأربعة الأخيرة لا تسن لمن أراد الأضحية؛ بل يكره له ذلك.
7- الغسل للإحرام ولو حائضاً، وغير المميز يغسله وليه؛ لأن حكمة هذا الغسل التنظيف، ولهذا سن للحائض والنفساء.
8- لبس إزار ورداء جديدين أبيضين ثم مغسولين، ويكره المصبوغ للمرأة.
۹ - لبس نعلين.
١٠ - ركعتا الإحرام، ويقرأ فيهما سورتي الكافرون والإخلاص، إذ كل صلاة لم يرد فيها نص بقراءة سورة معينة استحب أن يقرأ فيها بهاتين السورتين، والأفضل كونهما أي ركعتي الإحرام في المسجد.
١١ - كون النية عند ابتداء السير وهو مستقبل القبلة أي من دويرة أهله؛ لأنه أشق، وهذا ما اعتمده الإمام الرافعي، واعتمد الإمام النووي أن الأفضل له أن يحرم من الميقات إتباعاً للنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
۱۲ - تطييب البدن قبل الإحرام لا الثوب، وقد ذكر الإمام النووي في منهاجه استحباب ذلك تبعاً لمصنف المحرر الإمام الرافعي؛ ولكنه صحح في المجموع أنه مباح، وقال لا يندب جزماً، وصحح في الروضة كأصلها الجواز، قال الشيخ الشربيني: «وهذا هو المعتمد» اهـ.
ولو طيب ثوبه قبل الإحرام.. فلا بأس باستدامته بعد الإحرام؛ ولكن لو نزعه بعد الإحرام ولا يزال أثر الطيب باقياً.. حرم عليه إعادته في بدنه مرة أخرى، فإن لبسه وكان عالماً عامداً.. لزمه الفدية، وإلا.. فلا.
قال في مغني المحتاج: لكن لو نزع ثوبه المطيب أي الذي رائحة الطيب فيه موجودة، ثم لبسه.. لزمه الفدية في الأصح، كما لو ابتداء لبس الثوب المطيب، أو أخذ المطيب من بدنه ثم رده إليه» اهـ.
١٣ - سن للمرأة غير المحدة تخضيب يديها كل يد إلى الكوع بالحناء، خلية كانت أو مزوجة شابة أو عجوز.
ويسن للمحرم بعد التلبية أن يسأل الله الرضا والجنة، وأن يستعيذ به من النار، ثم يدعو بما أحب، ويندب أن لا يتكلم أثناء التلبية إلا برد سلام فإنه يسن، فإن بقي المسلم عنده.. فالأفضل تأخير الرد حتى ينتهي من التلبية، ويجب الكلام أثناء التلبية لإنذار مشرف على التلف.
__________________________
فائدة في الوقف في عرفة (ص ٥٣٣):
ويكفي على ظهر دابة، ولا يكفي الطيران في هوائها عند بعضهم، وقال الشبراملسي بأنه يكفي الطيران في هوائها، ويجزئ الوقوف ولو لحظة ولو كان ماراً ولو في طلب نحو آبق، وإن لم يدر أنها عرفة لا أن اليوم يومها ـ أي لا -يغتفر له لو كان لا يعلم أن اليوم يومها - ولذلك قالوا صرف الوقوف إلى غيره لا يؤثر، بخلاف الطواف والسعي.
________________________________
تنبيه (ص ٥٣٤):
ليس من عرفة صدر مسجد إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ، وهو محل الخطبة والصلاة؛ وذلك لأنه من عرنة، وأما آخره فهو من عرفة، وليس منها أيضاً نمرة وهو موضع بين طرف الحل وعرفة، وليس منها أيضاً وادي عرفة.
قال في الإعانة: «قال في الإيضاح واعلم انه ليس من عرفات وادي عرفة ولا نمرة ولا المسجد الذي يصلي فيه الإمام المسمى بمسجد إبراهيم عَلَيْهِ السَّلَامُ ويقال له مسجد عرفة؛ بل هذه المواضع خارج عرفات على طرفها الغربي مما يلي مزدلفة» اهـ.
ولو وقفوا غلطاً بعرفة في اليوم العاشر.. أجزأهم، وكذلك لو كان الحادي العشر؛ لمشقة القضاء عليهم، إلا أن يقلوا أي يكونوا قليلاً على خلاف العادة؛ فيقضون في الأصح؛ لعدم المشقة العامة، ومقابل الأصح لا قضاء؛ لأنهم لا يأمنون مثله في القضاء، أي لا يأمنون الوقوع في الغلط.
قال في مغني المحتاج: وليس من الغلط المراد لهم ما إذا وقع ذلك بسبب الحساب، كما ذكره الرافعي قال الدارمي وإذا وقفوا العاشر غلطاً.. حسب أيام التشريق على الحقيقة - أي على اليوم الحقيقي للوقوف - لا على حساب وقوفهم، فلا يقيمون بمنى إلا ثلاثة أيام خاصة اهـ.
ولو وقفوا في اليوم الثامن غلطاً، كأن شهد شاهدان برؤية هلال شهر ذي الحجة ليلة الثلاثين من ذي القعدة، ثم بان كذب الشاهدين، وعلموا قبل فوت وقت الوقوف.. وجب عليهم الوقوف في الوقت تداركاً، وإن علموا بعد فوات وقت الوقوف.. وجب قضاء هذه الحجة في عام آخر؛ لندرة الغلط في التقدم، ولأن الغلط بالتقديم يمكن الاحتراز عنه، فإنه إنما يقع بالغلط في الحساب، وللخلل في الشهود الذين شهدوا بتقديم الهلال، والغلط بالتأخير قد يكون بالغيم المانع من الرؤية، وذلك لا يمكن الاحتراز عنه.
_________________________
مسألة (ص ٥٣٥):
لو وقع الوقوف في الحادي عشر من شهر ذي الحجة.. لا يجزئ عند الشيخ الشربيني، كما صححه القاضي حسين، وبحث الإمام السبكي الإجزاء كالعاشر؛ لأنه من تتمته، وقال الشيخ الشرقاوي: «اقتصاره على ذلك ـ أي على اليوم العاشر - يقتضي أنه لا يكفي ليلة الحادي عشر، وليس كذلك؛ بل يكفي -على ما اعتمده الرملي» اهـ.
______________________________
فائدة (ص ٥٣٦):
وللوقوف سنن كثيرة منها:
١ - الغسل، ويدخل وقته من فجر يوم التاسع، والأفضل كونه بعد الزوال وبنمرة.
۲ - دخول عرفة بعد الزوال.
۳- الجمع بين الظهر والعصر تقديماً.
٤- الإكثار من الأذكار، ومن تسبيح وتهليل، والأفضل في التهليل أن يقول ألف مرة: (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)، ومن تلاوة، وأفضل التلاوة سورة الحشر، وألف مرة من سورة الإخلاص، ومائة مرة من سورة الفاتحة، والإكثار من الصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأفضلها الصلاة الإبراهيمية، وأقلها مائة مرة، واختار بعضهم هذه الصيغة: (اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد، كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى آل سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد وعلينا معهم)، ويسن الإكثار من الدعاء، وأن يقدم الحمدلة والصلاة على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على دعائه، وأن يكثر معه البكاء، ويكره الإفراط بالجهر وتكلف السجع.
٥-استقبال القبلة مع الطهارة.
٦ ـ البروز للشمس عند الصخرات تحت جبل الرحمة؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقف هناك.
7ـ الحضور في عرفة ليلاً ونهاراً، أي يجمع بينهما، ويحصل ذلك بأن يكون فيها وقت غروب الشمس، وذلك خروجاً من خلاف من أوجبه كالإمام الرافعي، وهو مذهب الإمام أحمد.
8 - نية جمع التأخير للمغرب مع العشاء، وهذا إن غلب على ظنه أنه يصليها قبل خروج وقت الاختيار، وهو ثلث الليل الأول، وقيل: نصف الليل، وإلا.. لم يسن.
٩ ـ الرفع إلى مزدلفة بعد زوال الصفرة ليلاً.
________________________________
مسألة (ص ٥٣٧):
لو وقف بعرفة نهاراً، ثم فارقها قبل الغروب، ولم يعد.. سن له أن يفدي، خروجا من خلاف من أوجبه كالإمام الرافعي والإمام أحمد، كما تقدم، لكن لو عاد إليها سواء كان قبل غروب الشمس أو بعدها.. فلا يسن له الدم؛ لأنه يصدق عليه أنه كان بعرفة ليلاً ونهاراً.
_________________________________
فائدة (ص ٥٣٧):
سميت هذه الأرض بعرفة؛ لأن آدم عَلَيْهِ السَّلَام عندما هبط من الجنة نزل بالهند، وحواء نزلت بجدة، فتعارفا بهذه الأرض، وقيل: أن سبب التسمية هي أن جبريل عليه السلام لما عرف سيدنا إبراهيم مناسك الحج وبلغ الشعب الأوسط الذي هو موقف الإمام قال له: أعرفت ؟ قال نعم فسميت عرفات، وقيل إنما سميت بذلك من قولهم عرفت المكان إذا طيبته، ومنه قوله تعالى: {الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لهم} [محمد: ٦]، أي طيبها لهم.
- قال صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (أَفْضَلُ الْأَيَّامِ يَوْمُ عَرَفَةَ وَإِذَا وَافَقَ يَوْمَ جُمُعَةٍ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ سَبْعِينَ حَجَّةً فِي غَيْرِ يَوْمِ الجُمُعَةِ) أخرجه رزين، وورد عنه صَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أنه إن كان يوم عرفة يوم الجمعة غفر الله لجميع أهل الموقف أي بغير واسطة، وفي غير يوم الجمعة يهب قوم لقوم، أي يغفر لقوم ببركة آخرين، كما في قصة محمد ابن المنكدر الذي حج ثلاثة وثلاثين حجة، وقد ذكرها في إعانة الطالبين فليرجع إليها من أراد.
___________________________________
فائدة (ص ٥٣۹):
وللحلق سنن كثيرة منها:
١ - تأخيره إلى أن ينتهي من رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي في يوم النحر.
۲ - تقديمه على طواف الإفاضة في ذلك اليوم للإتباع.
۳- الابتداء بالشق الأيمن.
٤ - استقبال القبلة بالنسبة للمحلوق.
٥- التقصير للمرأة، وأن تعمم ذلك على جميع شعرها، والحلق للرجل إلا المتمتع.. فيندب له التقصير في العمرة ليحلق في الحج، وكذا لو قدم الحج.. قصر في الحج وحلق في العمرة؛ إذ لو عكس لفاته حلق العمرة، لأن وقت العمرة يكون لا شعر في رأسه.
وهذا كله إن كان يعلم أن شعره لا يسود عند الحلق الثاني، وإلا.. ندب له الحلق مطلقاً.
قال في بشرى الكريم: وإنما لم يحلق بعض رأسه في الأول منها - أي -الحج والعمرة - وبعضه الآخر في الثاني؛ لأنه من القزع المكروه، وكثير يظنونه -من التقصير، وإنما التقصير الأخذ من كل شعرة بعضها اهـ.
٦- الدعاء في بداية الحلق ونهايته، ويستحب أن يقول عند بدايته: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، اللهم هذه ناصيتي بيدك، فاجعل لي بكل شعرة نوراً إلى يوم القيامة، واغفر لي ذنوبي.
ويقول في نهاية حلقه: «اللهم آتني بكل شعرة حسنة، وامحي عني سيئة، وارفع لي بها درجة، واغفر لي وللمحلّقين والمقصرين ولجميع المسلمين. ويسن له التكبير كذلك بعد فراغه.
7- أن لا يشارط المحلوق الحالق على أجرة الحلاقة بل يدفع إليه الأجرة التي تطيب بها نفسه معجلة.
8- دفن الشعر في محل غير مطروق أي لا يطرقه الناس.
ومن لا شعر له؛ سن له إمرار الموسى على رأسه.
________________________________________
فائدة (ص ٥٤٠):
لا يشرع الحلق للمرأة إلا سابع أيام ولادتها، ولتداو، واستخفاء من فاسق.
السادس من فروض الحج: الترتيب بين فروضه، فيجب تقديم نية الإحرام على الجميع، ويجب تقديم الوقوف على طواف الفرض وهو طواف الإفاضة، كما تقدم، ويجب تقديم طواف الفرض على السعي إن لم يسع بعد طواف القدوم، كما سيأتي إن شاء الله تعالى، ويجب تقديم الوقوف على الحلق أو التقصير.
قال الشيخ الشرقاوي: وأفضل أركان الحج الطواف على الراجح، ثم الوقوف، ثم السعي، ثم إزالة الشعر، وأما النية.. فهي رابطة للأركان اهـ.
____________________________
فائدة (ص ٥٤۲):
وميقات الآفاقيين من غير أهل مكة للحج والعمرة هو:
۱ - يلملم لأهل اليمن، وهو جبل من جبال تهامة وسط البحر، وقد طما الماء عليه إلا قليلاً منه، وهو بقرب قرية تسمى السعدية، وبينه وبين مكة مرحلتان طويلتان، ويقال له ألملم بهمزة أوله، ويقال يرمرم براءين مهملتين، ويقال أن جدة القديمة محاذية لجبل يلملم.
۲ - قرن المنازل لأهل نجد، ويعرف الآن بـ (السيل الكبير)، وهو على طريق القادم من الطائف إلى مكة.
۳- ذات عرق لأهل العراق.
٤ - الجحفة لأهل الشام ومصر والمغرب والجحفة قرية كبيرة بين مكة والمدينة وهي أوسط المواقيت، سميت بذلك لأن السيل أجحفها أي أزالها.
٥ - ذو الحليفة لأهل المدينة، ويسمى الآن: (أبيار علي) وهو أفضل المواقيت؛ لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحرم منه.
وقد نظم بعض الفضلاء هذه المواقيت فقال:
عِرْقُ الْعِرَاقِ يَلَمْلَمُ الْيَمَنِ… وَبِذِي الْحُلَيْفَةِ يُحْرِمُ الْمَدَنِي
وَالشَّامُ جُحْفَةُ إِنْ مَرَرْت بِهَا … وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنُ فَاسْتَبِنِ
ونظم بعضهم المواقيت مع بيان مسافتها من مكة فقال:
فِي الْبُعْدِ مَرْحَلَتَانِ مِنْ أُمَّ الْقُرَى … وَبِهَا لِجُحْفَةَ سِتَّةٌ فَأَخْبِرْ تَرَى
قَرْنُ يَلَمْلَمَ ذَاتُ عِرْقٍ كُلُّهَا …. وَلِذِي الْحُلَيْفَةِ بِالْمَرَاحِلِ عَشَرَةٌ
ولا تتعين هذه المواقيت على أهلها، بل بأيها أحرم صح إحرامه؛ لخبر الإمام البخاري عن الحبيب صَلَّ اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (هُنَّ لَهُمْ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ، مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ أَوْ الْعُمْرَةَ).
ولا يشترط مروره على الميقات، إنما تكفي محاذاته.
فإن كان في طريقه يحاذي ميقاتين:
1-فإن حاذاهما دفعة واحدة، كأن يكون أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.. فميقاته مكان المحاذاة.
٢-وإن حاذاهما على الترتيب، كأن يكون كل منهما عن يمينه أو عن شماله، أو أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله.. فميقاته محاذاة الأول منهما إن كان أقرب إليه وأبعد إلى مكة، ولا يجوز له انتظار الوصول إلى محاذاة الأقرب إلى مكة، كما ليس للآتي من المدينة الشريفة أن يجاوز ذا الحليفة ليحرم من الجحفة.
۳-فإن استويا في القرب إليه عند المحاذاة، وكان أحدهما أبعد إلى مكة.. لزمه الإحرام من محاذاة الأبعد من مكة على الأصح، وقيل: أنه يتخير، فإن شاء أحرم من الموضع المحاذي لأبعدهما، وإن شاء لأقربهما، فإن كان الأبعد إلى مكة بعيداً عنه أيضاً.. أحرم من محاذاة أقربهما إليه وإن كانا أقرب إلى مكة.
ومن لم يحاذ ميقاتاً أصلاً، كأن جاء من البحر من جهة سواهن.. فميقاته على مرحلتين من مكة؛ إذ لا ميقات أقل مسافة من هذا القدر.
__________________________
مسألة (ص ٥٤٥):
هناك ميقات سادس ويسمى (بالميقات المعنوي)، وهو أن يجاوز الميقات المكاني وهو غير مريد للنسك، ثم عنّ له أي بدا له النسك، فيحرم من محل ما عنّ له، وكذا لو وصل إلى مكة وهو غير مريد للنسك، ثم عن له النسك، فميقاته كميقات أهل مكة في الحج والعمرة، كما تقدم.
ومن جاوز الميقات وهو مريد للنسك بدون إحرام ولو ناسياً.. وجب عليه الدم ويسقط عنه الدم في حالتين:
۱ - أن يرجع إلى الميقات الذي جاوزه قبل الشروع في نسك من طواف وغيره.
٢ - أن يرج يرجع إلى مثل مسافة الميقات الذي جاوزه قبل الشروع في نسك كذلك.
قال الشيخ الشرقاوي: والكافر كالمسلم فيما لو جاوز الميقات مريداً للنسك ثم أسلم وأحرم دونه - أي دون الميقات بمعنى بعد مجاوزته - فلزمه الدم خلافاً للمزني لمخاطبته - أي الكافر - بالفروع، نعم يستثنى ما لو مر صبي أو عبد بالميقات غير محرم مريداً للنسك ثم بلغ أو عتق قبل الوقوف فلا دم عليه على الصحيح لأنه عند المجاوزة غير أهل للإرادة، ومجاوزة الولي بموليه مريداً للنسك به فيها - أي المجاوزة - الدم» اهـ.
ومن تعمد مجاوزة الميقات.. أثم إلا إن نوى العود، كما أفاده الشيخ زكرياء الأنصاري في شرح المنهج.
قال في بشرى الكريم: (أما لو جاوزه - أي الميقات - لا إلى جهة الحرم بل يمنة أو يسرة.. فله أن يؤخر إحرامه إلى محل مثل مسافة ميقاته إلى مكة وأبعد) اهـ.
___________________________
فائدة (ص ٥٤٦):
ارتفاع الكعبة المشرفة ثمانية وعشرون ذراعاً، وقال الشيخ الكردي: وبين باب العمرة إلى أدنى الحل اثنا عشر ألفاً وأربع مائة وعشرون ذراعاً. اهـ
وقد نظم بعضهم حد حرم مكة المشرفة فقال:
وَلِلْحَرَمِ التَّحْدِيدُ مِنْ أَرْضِ طَيِّبَةٍ … ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ إِذَا رُمْتَ إِثْقَانَهُ
وَسَبْعَةُ أَمْيَالٍ عِرَاقٍ وَطَائِفِ… وَجُدَّةُ عَشْرٌ ثُمَّ تِسْعٌ جِعْرَانَهُ
وَمِنْ يَمَنِ سَبْعٌ بِتَقْدِيمِ سِينِهِ …وَقَدْ كَمُلَتْ فَاشْكُرْ لِرَبِّكَ إِحْسَانَهُ
________________________________
فائدة (ص ٥٤٧):
ويسن الغسل للمبيت إن لم يغتسل بعرفة، والأفضل كونه بالمشعر الحرام، ويسن أن يصلي المغرب والعشاء جمع تأخير، وأخذ الحصى منها لرمي جمرة العقبة، ويكره أخذ الحصى من ثلاثة مواضع من الحوض، ومن الحل، ومن محل متنجس إلا أن يغسل.
ويسن تقدم الضعفاء من النساء إلى منى بعد منتصف الليل، وهذا إذا أرادوا تقديم الرمي للإتباع، وليرموا قبل الزحمة.
ويسن أن يصلوا الصبح في أول الوقت، ويشتغلوا بذكر الله إلى الإسفار، ثم يتوجهوا إلى منى مباشرة.
ويسن الوقوف بالمشعر الحرام، وهو مزدلفة كلها، وقيل: هو جبل بآخر مزدلفة يقال له: قزح، وقيل: هو المسجد الذي بقرب الجبل.
ويسن الإسراع في العبور عند وادي محسر، وهو بقدر رمية حجر بعد مزدلفة؛ للاقتداء بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولان وادی محسر كان موقف النصارى فاستحبت مخالفتهم.
وقد استحسن بعض العلماء قراءة هذين البيتين وقد كان سيدنا ابن عمر يتمثل بهما عند مروره بوادي محسر، وهما:
إِلَيْكَ تَعْدُوا قَلِقًا وَضِينُهَا … مُخَالِفًا دِينَ النَّصَارَى دِينُهَا
مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا … قَدْ ذَهَبَ الشَّحْمُ الَّذِي يَزِينُهَا
ومعنى هذا البيت: أن ناقتي تعدوا اليك يا رب مسرعة في طاعتك، قلقا وضينها، وهو الحبل الذى كالحزام، وانما صار قلقا من كثرة السير والاقبال التام والاجهاد البالغ في طاعتك، والمراد صاحب الناقة، وقوله: مخالف دين النصارى دينها بنصب دين النصارى ورفع دينها - أي: أني لا أفعل فعل النصارى ولا أعتقد اعتقادهم، كما في المجموع.
_________________________
فائدة (ص٥٤٨):
ومن واجبات الحج: المبيت ليالي التشريق بمنى، وهي الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من شهر ذي الحجة، وسميت منى بهذا الاسم لما يُمنى، أي: يراق فيها من الدماء، ولها خمس خصائص، وهي:
۱ - رفع ما يقبل من حصى الرمي.
۲ - كف الحدأة عن اللحم بها.
۳- كف الذباب عن الحلو بها.
٤- قلة البعوض بها.
٥-اتساعها للحجاج مهما كثروا.
________________________________
فائدة (٥٥٣):
ولرمي الجمار في أيام التشريق ثلاثة أوقات، وهي:
۱ ـ وقت فضيلة، وهو بعد الزوال، والأفضل كونه قبل فعل صلاة الظهر.
۲ - وقت اختيار، ويبقى إلى الغروب.
۳ - وقت جواز، ويبقى إلى غروب شمس آخر أيام التشريق.
ولهذا الواجب سنن منها:
۱ - الغسل، ويدخل من الفجر، والأفضل كونه بعد الزوال.
۲- استقبال القبلة.
۳ - أن يكون الحصى بقدر حصى الخزف، كما في رمي جمرة العقبة.
٤ـ التكبير عند الرمي، كما مر.
٥-الدعاء بعد رمي الأولى والثانية فقط دون الثالثة.
___________________________
فائدة (ص ٥٥٣):
قد نظم بعضهم ستة من شروط الرمي فقال:
شُرُوْطُ رَمْيِ بِالحِمَارِ سِتَّةٌ … سَبْعٌ بِتَرْتِيبِ وَكَفَّ وَحَجَرْ
وَقَصْدُ مَرْمَى يَا فَتَى وَسَادِسُ … تَحَقُّقُ لِأَنْ يُصِيبُهُ الحَجَرُ
__________________________
فائدة (ص ٥٥٣):
وإنما يجوز له النفر بستة شروط، فإذا اختل واحد منها.. لم يجز له النفر، ووجب عليه مبيت الليلة الثالثة، وهذه الشروط هي:
۱ - أن يكون النفر في اليوم الثاني من أيام التشريق لا الأول.
٢ - أن يكون النفر بعد الزوال، فلا يصح قبله.
۳- أن يكون قد رمى اليوم الأول والثاني، وهما يومي الحادي عشر والثاني عشر، فإن لم يرم.. لم يجز له النفر.
٤ ـ أن يكون قد بات الليلتين الأوليين، وهن ليلة الحادي عشر والثاني عشر.
٥ ـ أن ينفر من منى مع نية الخروج منها، قال الشيخ الشرقاوي: «لابد أن لا يكون حال نفره عازماً على العود إليها، وإلا.. لم ينفعه نفره؛ لأنه لم يعرض به عن منى والمناسك، وشرط نفره أن يعرض به - أي النفر - عن المناسك اهـ.
ولو جاء وقت النفر وهو ليس بمنى.. ى.. فلا يصح نفره؛ بل لابد له من دخول منى، وحينئذ ينفر منها.
٦- أن يكون النفر قبل الغروب، فلو غربت عليه الشمس وهو بمنى.. وجب عليه أن يبيت الليلة الثالثة، وأن يرمي اليوم الثالث، إلا إذا تأخر لعذر كأن كان في شغل الارتحال، كما قاله الشيخ ابن حجر خلافاً للشيخ الرملي، أو تأخر الزحمة الطريق فيعذر.
_______________________________
فائدة في طواف الوداع (ص ٥٥٥):
ويشترط في هذا الطواف أن يفعله عند إرادة السفر بحيث يكون آخر عهده بالبيت قبل السفر، فلا يمكث بعده في مكة إلا إذا كان مشتغلاً بأسباب السفر، وكذا لا يضر التأخر بعده لأجل الدعاء وركعتيه وإتيانه الملتزم وزمزم، ولو مع تعريج الطريق لنحو صلاة أو جماعة أقيمت، وكذا يعذر في كل شغل بقدر صلاة الجنازة بأخف ممكن وإن كثر ذلك، فإن تأخر لغير عذر، ولو كان ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً.. وجبت عليه إعادته.
ويسقط طواف الوداع عن الحائض والنفساء، وذي الجرح الذي لا يأمن تلويث المسجد منه، وفاقد الطهورين والمستحاضة في زمن نوبة حيضها، والخائف على نفس أو بضع أو مال لو تأخر للطواف، قال الإمام الكردي: فهذه الأعذار تسقط الدم والإثم. اهـ.
وقد يسقط العذر الإثم فقط لا الدم، وذلك فيما لو لزمه طواف الوداع وخرج من مكة عامداً عالماً عازماً على العود قبل وصوله لما يستقر به وجوب الدم وهو مسافة القصر، ثم تعذر عليه العود.
ومن فارق مكة من غير أن يطوف طواف الوداع بسبب هذه الأعذار المذكورة.. لم يعد للطواف وإن زال عذره بعد ذلك.
ومن خرج بلا وداع.. لزمه دم ما لم يعد قبل مسافة القصر، أو قبل وصوله إلى وطنه من مكان قصد الإقامة فيه أربعة أيام غير يومي الدخول والخروج إن كان بين وطنه ومحل إقامته أقل من مسافة القصر.
________________________
فائدة (ص ٥٥٦):
ترك طواف الوداع بلا عذر ينقسم إلى ثلاثة أقسام، وهي:
۱ - لا دم ولا إثم فيه، وذلك في ترك المسنون منه، وفيمن عليه شيء من أركان النسك، وفيمن خرج من عمران مكة لحاجة ثم طرأ له السفر؛ لأنه لم يخاطب به عند خروجه.
٢ - عليه الإثم ولا دم عليه، وذلك فيما إذا تركه عامداً عالماً وقد لزمه -أي طواف الوداع - بغير عزم على العود، ثم عاد قبل وصوله لما يستقر به الدم، فالعود مسقط للدم لا للإثم.
۳- ما يلزم بتركه الإثم والدم، وذلك في غير ما ذكر من هذه الصور.
أما المكي.. فلا طواف وداع عليه إلا إذا أراد الخروج منها إلى مسافة مرحلتين، والمراد بالمكي من هو مقيم بمكة سواء المستوطن أو غيره، فشمل الآفاقي الذي نوى الإقامة بعد حجه بمكة.
ومن ترك شيئاً من واجبات الحج.. وجبت عليه الفدية، وهي دم ترتيب وتقدير، والمراد بالترتيب أنه لا ينتقل للذي بعده إلا عند العجز عنه، والمراد بالتقدير أن ينتقل إلى شيء قدره الشارع لا يزيد ولا ينقص، وهو هنا ذبح شاة مجزية في الأضحية، فإن عجز.. صيام عشرة أيام، ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى بلده، وسيأتي بيان ذلك وتفصيله إن شاء الله تعالى عند ذكر فوات الحج.
قال الإمام ابن المقري في هذا النوع من الدماء:
أَرْبَعَةٌ دِمَاءِ حَجٌ تُحْصَرُ … أَوَّلُهَا الْمُرَتَّبُ الْمُقَدَّرُ
تَمَتَّعُ فَوْتٌ وَحَجٌ قُرِنَا … وَتَرْكُ رَمْيِ وَالْمَبِيتُ بِمِنَى
وَتَرْكُهُ الْمِيقَاتَ وَالْمُزْدَلِفَة …. أَوْ لَمْ يُوَدِّعُ أَوْ كَمَشْيِ أَخْلَفَهُ
نَاذِرُهُ يَصُومُ إِنْ دَمًا فَقَدْ …. ثَلَاثَةً فِيهِ وَسَبْعًا فِي الْبَلَد
___________________________
مسألة (ص ٥٥٧):
بحث الإمام الأذرعي لزوم الدم على المعذور عن طواف الوداع ممن مرّ ذكرهم غير الحائض؛ لكون منعها عزيمة، ومنعهم رخصة.
________________________
فائدة (ص ٥٦٣):
يشترط لطواف النذر وطواف النفل غير القدوم: النية، أما طواف الركن والقدوم.. فلا يحتاج إلى نية؛ لأن نية النسك تشمله، ومثل طواف الركن والقدوم طواف الوداع عند الشيخ ابن حجر خلافاً للشيخ الرملي.
أما قصد الفعل.. فهو شرط لكل طواف، فيشترط في كل طواف عدم الصارف، بأن لا يصرفه لغيره، كأن مشى سريعاً ليرى صاحبه، أما لو شرك في النية.. فلا يضر.
ووقت النية عند الانتقال المار ذكره؛ لأنه أول الطواف عند الشيخ ابن حجر، وعند الشيخ الرملي والشيخ الشربيني وابن قاسم وغيرهم أن النية عند أول فعل فعله لا عند الانتقال، كما تقدم.
ويدخل وقت طواف الإفاضة وكذا الرمي والحلق من منتصف ليلة النحر، ولا يخرج وقته مدى الحياة، والأفضل تعجيله يوم النحر قبل الزوال، فيعود إلى منى ويصلي الظهر بها.
قال الشيخ الشرقاوي: (قوله بانتصاف ليلة النحر أي لمن وقف قبله، كما قيد بذلك في المنهج، فإن لم يقف قبله.. لم يدخل بذلك، والمراد بليلة النحر المحكوم عليه بذلك، سواء كانت ليلة العاشر أو الحادي عشر في صورة الغلط، وإن شئت قلت ليلة النحر حقيقة أو حكماً، فيدخل ما ذكر) اهـ.
_____________________________
فائدة (ص ٥٦٤):
وللطواف سنن كثيرة منها:
۱ - المشي حافياً فيه، وتقصير الخطا.
٢ - الرمل، وهو الإسراع في المشي مع هز الكتفين وتقارب الخطا بلا عدو ولا وثب، ويكون الرمل في الأشواط الثلاثة الأول فقط بشرط أن يكون هذا الطواف بعده سعي، فلا يدخل فيه طواف الوداع.
٣- الاضطباع، وهو جعل وسط ردائه تحت المنكب الأيمن عند الإبط، وطرفيه فوق المنكب الأيسر، ويسن في الطواف الذي يطلب فيه الرمل.
٤- القرب من البيت إن أمكنه الرمل مع القرب، وإلا.. فيبعد.
٥- السكينة والوقار، وعدم الكلام.
٦- رفع اليدين عند الدعاء.
٧- المولاة في الطواف.
٨- قراءة الأذكار الواردة فيه مع حضور القلب، وهذه الأوراد مقدمة على قراءة القرآن في الطواف.
۹ - استلام الحجر وتقبيله، ويخفف التقبيل بحيث لا يظهر له صوت، ویسن وضع جبهته عليه، وهناك دقيقة يذكرها الفقهاء وهي: أنه إذا قبل الحجر يدخل في جزء من البيت، فعليه أن يثبت قدميه حتى يفرغ منه ويعتدل قائماً ثم يجعل البيت عن يساره ويمشي.
ويسن كذاك أن يقبل يده بعد استلام الحجر، فإن عجز عن استلامه لنحو زحمة مثلاً.. أشار بيده وقبلها، وليتنبه فلا يستلمه إن كان مطيباً.
۱۰- استلام الركن اليماني، وتقبيل يده بعده.
۱۱ - ركعتا الطواف مع الجهر فيها، وكونها خلف المقام وإن بعد عنه، والأفضل أن لا يزيد ما بينهما على ثلاثمائة ذراع، فإن لم يمكنه ذلك.. ففي الحجر، فإن لم يمكنه.. ففي المسجد.
وقال في بشرى الكريم والمراد خلفه بحسب ما كان، أما الآن فقدامه، ثم في الكعبة فتحت الميزاب، فبقية الحجر، فالحطيم، فوجه الكعبة، فبين اليمانيين، فبقية المسجد، فدار خديجة، فمكة فالحرم اهـ، ولا يخرج وقت الركعتين مدى الحياة.
۱۲ - الدعاء بالملتزم، وهو ما بين الحجر الأسود والباب، وليس هو الباب، كما يتوهمه بعض الناس.
١٣ - الدعاء بالحطيم، وهو ما بين الحجر الأسود ومقام إبراهيم.
١٤ - الشرب والتضلع من ماء زمزم، وينوي بشر به قضاء حوائجه الدينية والدنيوية؛ لحديث: مَاءً زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ أخرجه أحمد والبيهقي وابن ماجه والطبراني والحاكم والدر قطني وابن أبي شيبة.
__________________________________
مسألة (ص ٥٦٦):
لو عجز عن الطواف أو السعي.. حُمِلَ، ولا يقع الفعل عن المحمول إلا في ثلاث حالات، وهي:
١ - إذا كان الحامل حلالاً والمحمول محرماً.
٢- إذا كان الحامل محرماً وطاف أو سعى عن نفسه.
۳- إذا كان الحامل محرماً، ولم يطف، أو لم يسع عن نفسه، ودخل وقت الطواف أو السعي بالنسبة للحامل، ولم ينو هذا الفعل لنفسه.
وفي غير هذه الحالات يقع عن الحامل.
________________________________________
مسائل (ص ٥٦٧):
ولو أحرم مكي بحج من مكة، ثم خرج إلى مرحلتين، ثم عاد إليها قبل الوقوف.. سن له طواف القدوم، ويجزئ السعي بعده.
ولو طاف للقدوم بعد الوقوف لعدم دخول وقت طواف الإفاضة، بأن دخل مكة قبل انتصاف ليلة النحر، وأراد أن يسعى.. لم يجز له السعي؛ لأن من وقف بعرفة اعتبر في حقه إيقاع السعي بعد طواف الإفاضة، فإن السعي الذي بعد طواف القدوم ينتهي وقته بالوقوف.
ويشترط في السعي عدم صرفه لغيره، وقال في بشرى الكريم: ولكن اعتمد شيخ الإسلام زكرياء الأنصاري والشيخ الخطيب أن الصارف لا يضر هنا، ولو حمله شخص.. أتى فيه ما أتى في الطواف اهـ
وكذا يشترط عدم التعريج الكثير عن الصفا والمروة، فإن كان التعريج يسيراً.. لم يضر، والأفضل عند الشيخ ابن حجر وقوع السعي بعد طواف القدوم إتباعاً للنبي صلى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقال الشيخ الرملي بأن الأفضل كونه بعد طواف الإفاضة؛ لأن شرط السعي أن يكون بعد طواف صحيح، وطواف القدوم لا يخلو غالباً من لمس المرأة الأجنبية فيبطله على المعتمد، كما تقدم؛ ولأن طواف الإفاضة يكون بعد التحلل الأول فيلبس من المحيط ملابساً يأمن بها من انتقاض وضوءه في الطواف، فيصح ويصح السعي بعده.
__________________________________
تنبيه (ص ٥٦٨):
يجب قطع جميع المسافة في السعي، ولا يتيقن ذلك إلا إذا ألصق كعبه عند البداية ورؤوس أصابعه عند النهاية.
وللسعي سنن كثيرة منها:
1 - الارتقاء على الصفا والمروة قدر قامة رجل.
٢و - الذكر والدعاء عند كل شوط، والمأثور في ذلك أفضل من القرآن، ويكرر الذكر والدعاء ثلاثاً بعد كل مرة.
۳و- المشي على هيئته المعتادة في جميع سعيه، والهرولة بين الميلين الأخضرين للذكر فقط دون الأنثى.
والمراد بالهرولة العدو الشديد بحيث لا يتأذى هو ولا يؤذي أحداً؛ وذلك للإتباع، فإن عجز عنه لنحو زحمة.. تشبه في حركته بالساعي.
٤ـ الموالاة بين مرات السعي، وبينه وبين الطواف.
٥ - الموالاة بينه وبين ركعتيه والاستلام، فإن فارقه.. فاته الأكمل، وصح.
٦- إيذاء غيره. أن يتحرى لسعيه كالطواف الخلوة، بحيث لا يشق عليه، ويتجنب
٧- أن يكون على طهارة كاملة.
٨- أن يكون مستور العورة مما بين السرة والركبة للرجل غير السوأتين، أما هما.. فيجب سترهما مطلقاً ولو كان لوحده في المسعى.
۹- الاضطباع، كما في سنن الطواف.
ويكره الوقوف لنحو حديث بلا عذر، ولو أقيمت جماعة أو عرض مانع، وهو فيه.. قطعه، ثم بنى بعد فراغه، ولا يقطعه بجنازة أو فوات راتبة.
__________________________________
فائدة (ص ٥٣٥):
فالطيب من حيث استعماله ينقسم إلى أربعة أقسام، وهي:
۱ - ما اعتيد التطيب به بالتبخير كالعود فيحرم وصول عين من الدخان إلى بدن المحرم أو ثوبه، أما لو حمله.. فلا يحرم؛ لأن حمله ليس استعمالاً على الوجه المعتاد.
۲ - ما اعتيد التطيب به باستهلاك عينه إما بصبه على البدن أو الثوب أو بغمسهما فيه، كماء الورد وما يسمى اليوم بالكولونيا.
٣ ـ ما اعتيد التطيب به بوضع أنفه عليه أو عكسه، كالورد وسائر الرياحين، ولو كان أخشم خلقياً.
٤ - ما اعتيد التطيب به بحمله، كالمسك ونحوه.
فلو استعمل الطيب على غير الوجه المعتاد، كان حمل عوداً أو أكله، أو حمل طيباً في كيس مربوط، وشم ماء ورد أو حمله.. لم يحرم كل ذلك، ويحرم عليه رش ماء الورد وماء الزهر؛ لأنه يتطيب برشه.
وإنما يحرم عليه تطييب الثوب بعد الإحرام، أما لو طيبه قبل الإحرام، ثم لبسه.. جاز له استدامته؛ ولكن لو نزعه وهو محرم.. لم يجز له لبسه مرة ثانية على الأصح، كما تقدم، قال في بشرى الكريم: ومقابله لا فدية، إذ العادة لبسه ثم خلعه فجعل عفواً ولا يسع الناس إلا هذا اهـ.
ويشترط في حرمة التطييب: القصد، أما لو طيبه غيره بلا إذنه، أو ألقته عليه الريح.. لم يأثم، ولا فدية عليه؛ ولكن لزمه إزالته على الفور في الصورتين، وإلا.. أثم ولزمته الفدية.
_____________________________
تنبيه (ص ٥٧۹):
إنما يجب دم التخير والتقدير المار إذا أزال ثلاث شعرات -ولو بعضها، أو أزال ثلاثة أظفار ولو بعضها، بشرط إتحاد الزمان أي أن تكون في نفس الحج، وكذا اتحاد المكان، فلا فدية إن كان بعضها في مكة مثلاً وبعضها في عرفة.
أما إذا أزال شعرة واحدة أو بعضها، أو أزال ظفراً واحداً أو بعضه.. فعليه مد، وإذا أزال شعرتين أو أزال ظفرين أو بعضها.. فعليه مدان.
قال ابن المقرئ في هذا الدم:
وَخَيْرَتْ وَقَدَّرَنْ فِي الرَّابِعِ … فَاذْبَحْهُ أَوْ جُدْ بِثَلَاثِ أَصْعَ
لِلشَّخْصِ نِصْفُ أَوْ فَصُمْ ثَلَاثًا …. جُتَنَّ مَا اجْتَلْتُهُ اجْتِنَانًا
فِي الْحَلْقِ وَالْقَلْمِ وَلُبْسِ دُهْنِ …. طِيبٌ وَتَقْبِيلٌ وَوَطْءُ ثُنّيَ
أَوْ بَيْنَ تَحَلَّلَيْ ذَوِي إِحْرَامِ …. هَذِي دِمَاءُ الْحَجِّ بِالتَّمَامِ
_____________________________
فائدة (ص ٥٨۲):
المُفْرِدُ إذا أفسد أحد النسكين.. قضاه مع الآخر تمتعاً أو قراناً.
أما المتمتع والقارن.. فلهم القضاء إفراداً، ولا يسقط عنهم الدم في القضاء، فعلى القارن المفسد لحجه بدنه ودم قران، ودم آخر للقضاء وإن أفرد القضاء.
ولو فات القارن الحج.. فاتته العمرة، وعليه دم للفوات ودم للقرآن الفائت، ودم للقران الذي سيفعله في القضاء.
قال الشيخ الكردي: الجماع - في الحج - أقسام:
الأول: لا يجب فيه شيء، وذلك في نحو الناسي.
الثاني: تجب له الفدية على واطئ عالم عامد مختار عاقل قبل تحلل أول، والموطوءة حليلة أو محرمة.
الثالث: تجب - أي الفدية - على المرأة فقط فيما إذا كانت هي المحرمة فقط والمستجمعة للشروط السابقة - من كونها عالمة عامدة مختارة عاقلة، أو كان الزوج غير مستجمع لها - أي الشروط - وإن كان محرماً. -
الرابع: تجب على غير الواطئ والموطوءة، وذلك في الصبي المميز، فتجب على وليه.
الخامس: تجب على كل منهما فيما إذا زنى محرم بمحرمة، أو وطئها بشبهة وفيهما الشروط السابقة - وهذا ما اعتمده الشيخ ابن حجر، واعتمد الشيخ الرملي أن لا فدية على المرأة مطلقاً.
السادس: تجب فدية مخيرة، وهي شاة فيما إذا وطئ ثانياً، أو بين التحللين.
ويجب الدم أيضاً على المحصر، وهو الذي منع من إتمام أركان الحج أو العمرة بسبب من الأسباب، كعدو أو مرض، أو منع من دخول مكة أو غير ذلك، بخلاف ما إذا منع من واجب من الواجبات كالرمي والمبيت، فلا يسمى محصراً ولا يتحلل بالتحلل الآتي إن شاء الله تعالى وهو تحلل المحصر؛ لأنه متمكن من الطواف والحلق، ويجبر الرمي والمبيت بالدم.
وحكم المحصر أنه يتحلل من إحرامه بذبح شاة، أو سبع بدنه، أو سبع بقرة، ثم يحلق ثلاث شعرات أو أكثر مع نية التحلل بالذبح والحلق؛ لأن الذبح والحلق يكونان لغير تحلل، فاحتاجا لنية مقارنة لهما تخصصهما به أي التحلل، فإن عجز عن الذبح.. تصدق بقيمتها طعاماً مع الحلق ونية التحلل، فإن عجز.. صام بعدد الإمداد، وهذا الدم هو دم ترتيب وتعديل.
وتكون الفدية في محل إحصاره، فلا يجب عليه أن يفدي في الحرم.
والأولى، كما يقول الفقهاء للمحصر الصبر في البداية إن رجا زوال حصره قبل فوات الوقوف؛ بل لو ظن زواله قبل فوات الحج، أو قبل مضي ثلاثة أيام من العمرة.. امتنع تحلله.
قال ابن المقري في هذا الدم
وَالثَّانِ: تَرْتِيبٌ وَتَعْدِيلٌ وَرَدْ… فِي مُحْصَرٍ وَوَطْءِ حَجٌ إِنْ فَسَدْ
إِنْ لَمْ يَجِدْ.. قَوَّمَهُ ثُمَّ اشْتَرَى …. بِهِ طَعَامًا طُعْمَةً لِلْفُقَرَا
ثُمَّ لِعَجْزِ عَدْلُ ذَاكَ صَوْمَا … أَعْنِي بِهِ عَنْ كُلِّ مُدِّ يَوْمَا
_____________________________
مسألة (ص ٥٨٤):
لو قال عند إحرامه: (اللهم محلي - أي محل تحللي ـ حيث حبستني).. سقط عنه الدم إذا أحصر، ويتحلل بالحلق مع النية فقط.
قال في البغية: أفتى الشيخ ابن حجر بأنه لو أحرم شخص بالحج عند مجاوزة الميقات، وشرط التحلل لكل عذر يعرض له دينياً أو دنيوياً، أو شَرَطَهُ إِن وَجَدَ من يستأجره قبل التروية.. صح شرطه ذلك، ثم إذا شرطه بلا هدي.. كان تحلله بالنية فقط، أو بهدي لزمه اهـ.
وقد مر نحوه من حاشية الشيخ الشرقاوي؛ ولكن يجب في شرط التحلل كونه غرضاً مباحاً مقصوداً، ويجب قرن الشرط بنية الإحرام.
ويكون هذا التحلل على صور، وهي:
۱ - تارة يقول مثلاً: (إن مرضت فإني أتحلل ).. فيتحلل بالحلق والنية فقط إذا مرض.
۲- وتارة يقول مثلاً: إن مرضت فإني أتحلل بلا هدي أي بلا ذبح… فيتحلل بالحلق والنية كذلك إذا مرض، كما تقدم في فتوى الشيخ ابن حجر.
٣- تارة يقول مثلاً: إن مرضت فإني أتحلل بالهدي).. فيلزمه الذبح، ثم الحلق مع النية لهما، كما تقدم.
٤- وتارة يقول مثلاً: إن مرضت صرت حلالاً).. فلا يلزمه شيء إذا مرض.
ومن فاته الوقوف.. تحلل بعمرة، وعليه دم الفوات، وهو دم ترتيب وتقدير وهو شاة مجزية في الأضحية، فإن عجز.. صام عشرة أيام ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع إلى وطنه، ولا يجوز صومها في الطريق، فلو صامها في الطريق.. لم يعتد بها.
فإن أراد الإقامة بمكة.. صام السبعة الأيام فيها، ويفرق بين الثلاثة الأيام والسبعة بأربعة أيام فقط، وهي نضير يوم العيد وأيام التشريق، ولو لم يصم الثلاثة في الحج بعذر أو غيره، ورجع إلى وطنه.. لزمه صوم العشرة الأيام إن فاتت بلا عذر.
ويجب أن يفرق في القضاء بين الثلاثة وبين السبعة بأربعة أيام نضير يوم النحر وأيام التشريق، وكذا مدة إمكان السير إلى الوطن على العادة الغالبة، كما في الأداء، فلو لم يفرق.. لم يعتد بالسبعة، وأهل مكة يفرقون ولو بيوم.
ومعنى قولهم يتحلل بعمرة أي: يطوف ويسعى إذا لم يسع بعد طواف القدوم، ثم يحلق وعليه القضاء، ويكون الدم في حجة القضاء بعد الإحرام بها، ولا تجزئه هذه العمرة عن عمرة الإسلام؛ لأن إحرامه انعقد بالحج، فلا ينصرف لغيره.
_____________________________
فائدة (ص ٥٨٦):
لا يفوت الوقوف بعرفة إلا بطلوع فجر يوم النحر، وعليه فلا يجوز له التحلل قبل ذلك الوقت إذا أحصر.
ولا يتحلل المحرم بمجرد مرضه؛ بل يستمر إلى أن يبرأ، فإن فاته الوقوف.. فعليه دم الفوات وتحلل بعمرة، إلا إذا أشترط التحلل، كما تقدم... فيجوز له التحلل.
_____________________________
مسألة (ص ٥٨٦):
المحصر إن لم يستقر الحج في ذمته، بأن حج في أول سني الإمكان... فلا قضاء عليه، ويسقط عنه، إلا إذا استطاع فيما بعد فيجب عليه، وأما إذا استقر في ذمته كأن لم يحج من قبل.. فيجب عليه، ولا يسقط عنه فرض الدم، كما في شروحات المنهاج.
_____________________________
فائدة (ص ٥٨٨):
وفي ضمان الفدية في قطع الشجر أربعة مراتب، وهي:
۱ - ما لا يضمن مطلقاً، وهو ما استثني مما مر ذكره.
۲ - ما يضمن إن لم يخلف -أي ينبت -في سنته:
وهو غصن الشجر، ولو السواك عند الشيخ الرملي خلافاً للشيخ ابن حجر.
٣- ما لا يضمن إلا إذا أخلف مطلقاً: وهو الحشيش الأخضر المقطوع لغير حاجة، وقلع اليابس، كما تقدم.
٤ ـ ما يضمن مطلقاً وإن أخلف من حينه وهو الشجر الأخضر غير -الأذخر والمؤذي.
_______________________________
فائدة (ص ٥٨۹ - ٥۹٠):
قال الشيخ الشرقاوي: ويحرم دلالة المحرم على صيد، ثم:
-إن قتله -المدلول وهو محرم.. فميتة، وعليه الجزاء دون الدال إن لم يضع يده عليه،
أو - وهو حلال في الحرم.. فكذلك، أو في غيره.. فحلال، ولغير الدال قتله الأكل منه، أما هو نا هو.. فيحرم اهـ.
أما قطع الشجر أو قلعه، كما تقدم.. ففديته أن يتخير بين ثلاث خصال، وهي:
۱. بقرة إذا كانت الشجرة كبيرة، فإن كانت صغيرة بما تقارب سبع الكبيرة فأكثر ما لم تبلغ حد الكبيرة.. فعليه شاة، وكل ما كبرت الشجرة كبرت الشاة.
۲. التصدق بقيمتها أي البقرة أو الشاة طعاماً، والعبرة بالقيمة يوم الإتلاف.
٣. الصوم بعدد الأمداد.
أما إذا كانت الشجرة صغيرة جداً أي أقل من سبع الكبيرة.. فيتخير بين أمرين:
۱- التصدق بقيمتها طعاماً.
۲- الصوم بعدد الأمداد.
قال ابن المقري في هذا النوع من الدماء:
وَالثَّالِثُ: التَّخْيِيرُ وَالتَّعْدِيلُ فِي….صَيْدٍ، وَأَشْجَارِ بِلَا تَكَلُّفٍ
إِنْ شِئْتَ فَاذْبَحْ، أَوْ فَعَدْلُ مِثْلِ مَا… عَدَّلْتَ فِي قِيمَةِ مَا تَقَدَّمَا
______________________________________
فائدة (ص ٥۹۱):
أقسام محرمات الإحرام من حيث العذر قسمان:
۱- منها ما يعذر فيها الناسي والجاهل: وهو ما كان على سبيل الترفه، أي الرفاهية، كالطيب، والجماع، ولبس المحيط، وستر الوجه والرأس، والدهن، فلا تجب الفدية في كل ذلك إذا فعله ناسياً أو جاهلاً معذوراً بجهله.
۲- منها ما لا يعذر فيها وهو ما كان من باب الإتلاف، كإزالة الشعر والظفر وقتل الصيد، فتجب عليه الفدية في كل ذلك وإن كان ناسياً أو جاهلاً.
وأقسامه من حيث الإثم والفدية أربعة:
۱- ما يباح للحاجة ولا حرمة فيه ولا فدية وهو لبس السراويل لفقد الإزار، ولبس الخف لفقد النعل، وكذا ما كان من باب الترفه إذا فعله ناسياً أو جاهلاً أو مكرهاً.
۲- ما فيه إثم ولا فدية فيه كعقد النكاح والمباشرة بشهوة بحائل، والنظر بشهوة، والإعانة على قتل الصيد ولو لحلال، وكذا فعل محرم من محرمات الإحرام بميت، وكذا تنفير الصيد بدون تلف.
٣- ما فيه فدية ولا إثم كاحتياج الرجل إلى اللبس والمرأة إلى ستر وجهها.
٤- ما فيه فدية وإثم وهو باقي المحرمات.
______________________________________
فائدة في أحكام البيع (ص ٥۹٣):
وأحكامه خمسة:
۱- واجب: كبيع الطعام للمضطر إذا كان فاضلاً عن حاجة البائع.
۲- مندوب كبيع كل شيء فيه منفعة مع النية الصالحة.
٣- مكروه كالتجارة في أكفان الموتى؛ لأنه سيتمنى الموت للكثير منالناس.
٤-مباح وهو الأصل، كبيع الطعام، والملابس بدون نية صالحة.
٥-محرم مع الصحة: كالبيع بعد الأذان الثاني في يوم الجمعة، أما بعد الأذان الأول.. فمكروه،
ويكون حراماً مع عدم الصحة: إذا اختل شرط من شروط البيع الآتية إن شاء الله تعالى.
ويحرم بيع السيف القاطع طريق، ولا يصح بيع عبد مسلم لكافر أو مرتد، إلا إن كان يعتق عليه، كأن باع الابن المسلم لأبيه الكافر، أو باع الأب المسلم لابنه الكافر، فإنه بمجرد حصول البيع يحصل العتق مباشرة- وإن لم يعتقه المشتري، فيصح البيع حينئذ.
وكذا يحرم بيع المصحف للكافر.. ولا يصح.
ولو باع الماء الذي يحتاجه للوضوء بعد دخول الوقت.. لم يصح.
______________________________________
فائدة (ص ٥۹٥):
ولا يشترط لفظاً بعينه للبيع؛ بل كل لفظ دل على التملك دلالة ظاهرة کفی، كبعتك، أو قال له هل اشتريت مني هذا الكتاب ؟، فقال المشتري: قبلت، أو نعم، وإذا بدأ في العقد البائع فقال مثلاً: بعتك الكتاب بكذا، فقال المشتري قبلت، سمي ذلك إيجاباً، فإن بدأ المشتري كأن قال: بعني، فقال البائع: قبلت، سمي استيجاباً.
______________________________
وفي اشتراط الصيغة في البيع ثلاثة أقوال، وهي:
الأول: أنها شرط، فلا يصح البيع بغيرها، وهو معتمد مذهب إمامنا الشافعي؛ لحديث ابن ماجه: "إِنَّمَا الْبَيْعُ عَنْ تَرَاضِ"، والرضى أمر خفي، فاعتبر ما يدل عليه من لفظ.
الثاني: أنها شرط إلا في المحقرات، واختاره ابن سريج والروياني.
الثالث: أنها ليست شرطاً؛ بل يصح البيع في كل ما يعد بيعاً بالمعاطاة: وهي أن يتفقا على ثمن ومثمن ولم يوجد من أحدهما لفظ صريح ولا كناية، وهذا القول اختاره الإمام النووي -رحمه الله تعالى- والمتولي والبغوي وغيرهم، وقال بعضهم كل من وسم بالبيع أكتفي منه بالمعاطاة كالعامي والتاجر، وكل من لم يعرف بذلك لا يصح منه إلا باللفظ.
______________________________________
وللصيغة ثلاثة عشر شرطاً، وهي:
الأول: أن لا يتخلل بين الإيجاب والقبول كلام أجنبي، أي ليس من مقتضيات العقد، ولا من مصلحته، ولا من مستحباته، فإن كان من مقتضياته، كشرط الرد بالعيب، أو من مصلحته، كشرط الرهن والإرشاد، أو من مستحباته كالخطبة بناء على طريق الإمام الرافعي من أنها تستحب قياساً على النكاح ـ أما على ما صححه الإمام النووي في النكاح فلا تستحب ولكنها لا تضر.. فلا يضر كل هذا إذا تخلل الإيجاب والقبول.
الثاني: أن لا يتخلل بينهما سكوت طويل، وهو ما أشعر بإعراضه عن القبول.
الثالث: أن يتوافقا في المعنى، بمعنى أن يتفقا في الجنس والنوع والصفة والعدد والحلول والأجل، وإن اختلف لفظهما صريحاً وكناية، فلو أوجب بألف، فقبل بأقل أو أكثر.. لم يصح.
الرابع: عدم التعليق، فإن علق بما لا يقتضيه العقد.. لم يصح،، أما بما يقتضيه العقد، كالتعليق بالملك، كأن قال له: بعتك هذا الثوب إن كان ملكي، أو بالمشيئة، كأن قال له: بعتك هذا الثوب إن شئت.. لم يضر.
الخامس: عدم التأقيت فلو قال: بعتك الثوب بألف شهراً.. لم يصح، ولا فرق بين أن تكون المدة مما يبعد بقاء الدنيا إليه أو غيره.
السادس: أن لا يتغيّر الأول قبل الثاني، بأن يصر البادئ منهما على ما أتى به من الإيجاب أو القبول، فلو قال: بعتك هذا بألف بل بألفين)، أو قال: بعتك هذا بألف حالاً بل مؤجلاً، فقال الآخر: قبلت.. لم يصح.
السابع: أن يتلفظ بحيث يسمعه من بقربه، فلو لم يسمعه من بقربه.. لم يصح العقد وإن سمعه صاحبه لحدة سمعه؛ لأن لفظه كلا لفظ.
الثامن: بقاء الأهلية إلى وجود الشق الآخر، فلو جن الأول قبل وجود القبول.. لم يصح البيع.
التاسع: الخطاب، أي أن يخاطب الآخر خطاباً موجهاً إليه، إلا في بيع متولي الطرفين ومسألة التوسط، ففي بيع متولي الطرفين يقول الولي: بعته له بكذا وقبلته له؛ لأنه ولي للطرفين، وفي مسألة المتوسط يقول للبائع بعت هذا بكذا ؟ فيقول البائع: نعم، أو بعت، ويقول للآخر اشتريت، فيقول نعم أو اشتريت.
العاشر: أن يتم المخاطب بنفسه، لا موكله ولا كيله ولا ورثته لا في حياته ولا بعد موته.
الحادي عشر: أن يذكر المبتدئ الثمن، سواء بدأ البائع، كأن قال بعتك هذا بكذا، أو بدأ المشتري، كأن قال بعني هذا بكذا.
الثاني عشر: أن يضيف البيع الجملته، كأن يقول بعتك، أو بعت لك، أو بعت نفسك، فلا يصح بعت موكلك ولا نحو يدك أو نصفك.
الثالث عشر: أن يقصد اللفظ لمعناه، فإن قصد غير المعنى بذلك اللفظ... لم يصح.
______________________________________
مسألة (ص ٥۹۹):
الطريقة في شراء نجس العين، أو المتنجس الذي لا يمكن تطهيره، وكذا ما لا منفعة فيه، هي: رفع اليد، كأن يقول: رفعت يدي عن هذا بكذا، فيقول له: قبلت.
قال الشيخ عبد الحميد في "حاشيته على التحفة": ويجوز نقل اليد عن النجس بالدراهم، كما في النزول عن الوظائف، وطريقته أن يقول المستحق له: أسقطت حقي من هذا بكذا، فيقول الآخر: قبلت اهـ شيخنا وينبغي أن يزيد في الصيغة نحو لك اهـ
______________________________________
فائدة (ص ٦٠۱):
(ولا) يصح (بيع ما لم يَرَهُ)، فإن رآه من قبل.. ففيه التفصيل الآتي:
- إن رآه كلا العاقدين.. صح العقد إذا كان المبيع مما لا يتغير عادة في هذه المدة، أي: المدة التي بين الرؤية والعقد.
- إن رآه كلا العاقدين، وكان مما يحتمل التغير.. فيصح البيع، وللمشتري الخيار.
- إن رآه أحدهما دون الآخر.. فلا يصح بيعه.
______________________________________
فائدة (ص ٦٠۱):
والبيوع ثلاثة:
- بيع عين مشاهدة؛ فجائز بالشروط المذكورة.
- بيع عين موصوفة في الذمة، وهو ما يسمى بالسلم، فجائز إذا وجدت الصفة على ما وصف، وله شروط مذكورة في بابه.
- بيع عين غائبة لم تشاهد، فلا يجوز.
وإذا امتنع البيع.. أمتنع الشراء كذلك في هذه الصور.
______________________________________
فائدة (ص ٦٠٥):
ومن الطرق لبيع الربوي بجنسه مع الزيادة في أحدهما ـ كأن يكون ثمن ذهب الأول ألف، وثمن ذهب الثاني ألف ومائتان - هي: -أن يشتري صاحب الثمن الزائد ذهب الأول بقيمته وهي الألف، ويعطيه الألف فيقبضها، ثم يضيف إليها مائتين، ويشتري بالألف والمائتين ذهب الثاني.
قال في المغني: والحيلة في تمليك الربوي بجنسه متفاضلاً، كبيع ذهب بذهب متفاضلاً: أن يبيعه من صاحبه بدراهم أو عرض، ويشتري منه بها أو به الذهب بعد التقابض، فيجوز وإن لم يتفرقا ولم يتخايرا؛ لتضمن البيع الثاني إجازة الأول، بخلافه مع الأجنبي اهـ.
وهناك طريقة أخرى ذكرها في المغني أيضاً حيث قال: «أو يقرض كل صاحبه ويبرئه، أو يتواهبا الفاضل لصاحبه، وهذا جائز إذا لم يشترط في بيعه وإقراضه وهبته ما يفعله صاحبه، وإن کره قصده اهـ ومثل ذلك في التحفة.
______________________________________
مسألة (ص ٦٠٥):
ذهب أكثر الفقهاء إلى أن أوراق البنكنوت تقوم مقام الذهب والفضة، وعليه فيشترط في شراء الذهب أو الفضة بها التقابض والحلول، ولا يجوز بيع الذهب أو الفضة بالدين.
وقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنها لا تقوم مقام الذهب والفضة، وعليه فلا يدخلها الربا، وقال بهذا القول شيخنا العلامة الحبيب عبد الله بن محفوظ الحداد رحمه الله، وقد ذكر ذلك شيخنا الشيخ سعيد باوزير رحمه الله في رسالته حول هذه المسألة.
أما بيع التمر قبل قطعه،، فلا يصح إلا بشرط القطع، فإن شرط القطع... صح البيع، وإلا.. فلا.
______________________________________
مسألة (ص ٦۱٠):
لو اطلع على العيب بعد تلف المبيع.. تعين على البائع الأرش وهو قيمة النقص، وهذا في غير الربوي، أما فيه.. فيفسخ العقد، ويسترد الثمن، ويغرم بدل التالف، ولو اطلع على العيب بعد زوال ملكه عنه ببيع أو غيره.. لم يكن له طلب الأرش، فإن رجع إليه بعد ذلك.. فله الرد بسبب العيب المتقدم.