أرشيف المدونة الإلكترونية

الثلاثاء، 10 فبراير 2026

المنهل الوريف شرح المختصر اللطيف علوي بن عبد الله العيدروس بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

المنهل الوريف شرح المختصر اللطيف

علوي بن عبد الله العيدروس

بقلم: أ. محمد ناهض عبد السلام حنونة

 

تمهيد: هذا شرح مبارك لمتن المختصر اللطيف للعلامة العارف الأنور الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بافضل -رحمه الله وأعلى درجاته في الجنان-، وهو متن اعتنى بذكر مهمات المسائل وأبرزها في فقه الطهارة والصلاة ونحوها، وشرحه الشيخ العلامة الفقيه علوي بن عبد الله بن حسين العيدروس وفقه الله تعالى شرحاً متيناً متقناً، وحشد فيه الأدلة القوية الصحيحة، مستنيراً بأقوال الفقهاء والأصحاب.

وقد نفع الله بالمتن والشرح المتعلمين والراغبين في التفقه في الدين، ذلك أن الطريقة المثلى في التفقه هو التدرج في الدراسة من المختصرات إلى المتوسطات إلى المبسوطات، ووهو أحد المعاني المشار إليها قوله تعالى: {وَلَكِن كُونُوا رَبَّنِينَ} [آل عمران: ۷۹] أي: يربون بصغار العلم قبل كباره، قال الحافظ ابن حجر في "الفتح": والمراد بصغار العلم ما وضح من مسائله، وبكباره ما دق منها. وقيل يعلمهم جزئياته قبل كلياته، أو فروعه قبل أصوله، أو مقدماته قبل مقاصده.

وقد استفاد الآخذون للفقه على مذهب الإمام الشافعي من هذا الشرح، وكان ليعضهم سلماً لهم إلى ارتقاء فسيح الرحاب في علوم الشرع والفقه، وقد اعتنى بالشارح عناية فائقة بالنقل من الكتب المعتمدة للأئمة المذهب، فأفاد وأحسن، وكانت بداية هذا الشرح -كما بيّن الشارح- في أوائل العام 1424 هـ، وانتهى منه في المحرم من سنة 1426 هـ، وكتب عليه بعض الزيادات وفرغ منها سنة 1434 هـ. 

______________________________________

يقول الشارح في مقدمته:

فهذا شرح مختصر لكتاب الإمام العلامة الشيخ التحرير عبد الله بن عبد الرحمن بلحاج بافضل المسمى المختصر اللطيف، حثني عليه ما ورد في الآيات البينات من الحث على العلم وطلبه، وما جاء عن الحبيب صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في فضل ذلك، ثم ما ظهر من الإشارات الظاهرات أسأل الله أن يجعله خالصاً لوجهه الكريم.

وقد عرضت كتابي هذا على كثير من شيوخي وعلى رأسهم سيدي وقدوتي وإمامي العلامة الحبيب عمر بن محمد بن سالم بن حفيظ بن الشيخ أبي بكر بن سالم -أطال الله في عمره -وعم به النفع القاصي والداني في الدنيا والآخرة.

وقد شرف هذا الشرح البسيط بتقريظ مبارك، وشيخي العلامة الفقيه التحرير الحبيب زين بن إبراهيم بن سميط فأطلق عليه اسم: المنهل الوريف في شرح المختصر اللطيف - ومعنى الوريف المنتشر الواسع يقولون: شجرة وارفة الظلال أي منتشرة الظلال.

وقد نهج المؤلف في شرحه هذا أسلوب الشيوخ الكرام السابقين ممزوجاً بالأسلوب المعاصر من تفصيل المسائل بما يمكن تفصيله، وحاولت أن أتعرض فيه إلى بعض من خلاف الشيخين الجليلين الشيخ الشهاب أحمد بن حجر الهيتمي المكي، والشيخ الشمس محمد بن أحمد الرملي وغيرهم من الشيوخ الكرام عليهم رحمة الله على حسب المتيسر والضرورة.

وحاولت أن أزود كل فصل بما يحتاجه من الفوائد والمسائل؛ حتى أعين إخواني من طلبة العلم على إيجاد الكثير من المسائل وأخفف عنهم عناء البحث، وقد أكتبها في بعض الأحيان على شكل فائدة، وأحياناً على شكل مسألة، وقد أدمجها مع الشرح، وقد أنقل عبارة أحد الفقهاء كما هي لوضوحها، وقد أنصص بين بعض كلمات العبارة بقصد توضيحها، فما وجدته في عبارة الفقهاء من تنصيص فاعلم أنه من تصرفي، ووضعت بالهامش مراجع أهم المسائل المذكورة ليرجع طالب العلم إلى الأصل.

________________________________

ويقول أيضاً في مقدمة إحدى طبعاته السابقة:

وقد أضفت في هذه الطبعة بعد تعديلها زيادات توضح الكثير من المسائل وتحل إشكالاتها بعون الله تعالى، وحاولت تصحيح الكثير من الأخطاء المطبعية في النسخ الماضية على قدر المستطاع، فهذه طبعة معدلة على المتن المحقق مزودة منقحة بعون الله تعالى، كما أني أضفت عند ذكر بعض المسائل ما يدل عليها من منظومة الزبد، فيكون الشرح بمثابة الشرح المبسط لبعض أبيات هذه المنظومة المباركة التي عم بها النفع القاصي والداني.

____________________________________

ترجمة مؤلف المختصر اللطيف

بقلم: الشيخ العلامة علوي بن عبد الله بن حسين العيدروس

اسمه ونسبه رضي الله عنه:

هو الإمام العلامة الفقيه التحرير المحقق المدقق الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد الحاج ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن يحيى ابن القاضي أحمد بن محمد بن فضل بن محمد بن عبد الكريم بافضل، القحطاني، السَّعْدِيُّ، المَذْحَجِي، الحضرمي التريمي، ثم الشحري.

والقحطاني: نسبة إلى قحطان بن عابر من ذرية سام بن نوح.

والسعدي: نسبة إلى سعد العشيرة بن مالك بن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبأ، وينتهي نسبه إلى قحطان. 

مولده رَضَ اللَّهُ عَنْهُ:

ولد رضي لله عنه ببلد الأسلاف تريم، وتربى في ذلك النعيم، وكانت ولادته سنة خمسين وثمانمائة «٨٥٠هـ»، وتربى في حجر والده الشيخ عبد الرحمن المتوفى سنة ست وستين وثمانمائة «٨٦٦هـ»، وأسرته أسرة بلحاج من الأسر المعروفة بالعلم والصلاح في بلد حضرموت وغيرها، فقد كثر فيهم العلماء العاملين والأولياء الصالحين، وقد سموا بآل بلحاج نسبة إلى جدهم محمد الحاج بن عبد الرحمن بن عبد الله الذي لقب بهذا الاسم؛ وذلك لأنه كان يكثر الحج رضوان الله عليه.

نشأ الإمام عبد الله بن عبد الرحمن نشأة المشتغل بالعلم، المتلهف بقوة الفهم، فحفظ القرآن الكريم وهو صغيراً، كما حفظ في صغره عدة متون في الفقه واللغة، واشتغل بعلم التجويد، واعتنى بالفقه والحديث.

قال في وصفة الإمام العلامة عبد القادر بن شيخ العيدروس في كتابه «النور السافر عن أخبار القرن العاشر»: ودأب في الطلب، وأكب على الاشتغال حتى برع وتميز واشتهر ذكره وبعد صيته وأثنى عليه الأئمة من مشايخه وغيرهم وكان شيخه أبو مخرمة كثير الثناء عليه ولعمري أنه كان بذلك حقيقا وبكل نعت حميد خليقا وكان عالما فاضلا عابدا ناسكا ورعا زاهدا شريف النفس كريما سخيا مفضالاً كثير الصدقة حسن الطريقة لين الجانب صبوراً على تعليم العلم متواضعا حسن الخلق لطيف الطباع أمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر حسن التوصل لنفع الطلبة وغيرهم كثير السعي في حوائج المسلمين ومصالحهم فكانت له حرمة وافرة عند الملوك وغيرهم وكان كثير التوسط بين سلاطين حضرموت وقبائلها وكان حافظا أوقاته لا يرى إلا في تدريس علم أو مطالعة كتاب أو اشتغال بعبادة أو ذكر اهـ

شيوخه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

تلقى صاحب الترجمة عن الكثير من الشيوخ الأجلاء، والمتمكنين من العلماء، فمن شيوخه بحضرموت:

١ - الشيخ العارف بالله: إبراهيم بن محمد بن أحمد باهرمز، الشبامي، المتوفى سنة خمس وسبعين وثمانمائة «٨٧٥هـ»، التقى به صاحب الترجمة في شبام قبل سفره إلى الحج، وأخذ عنه أخذ تحقيق، ولبس منه وتحكم له، وكان بصحبة صاحب الترجمة أحد شيوخه وهو الفقيه العلامة عبد الله بن أحمد بامخرمة صاحب عدن كما سنذكره قريبا إن شاء الله، وقد لبس الشيخ بامخرمة كذلك من الشيخ إبراهيم باهرمز.

٢ - الشيخ الجليل العلامة الفقيه الصالح محمد بن أحمد بن عبد الله باجرفيل، الدوعني، الحضرمي، المولود سنة عشرين وثمانمائة، والمتوفى بغيل باوزير سنة ثلاث وتسعمائة «۸۲۰» - «۹۰۳ هـ»، وقد أخذ عنه صاحب الترجمة إجازة خطية له ولأولاده عبد الرحمن وأحمد الشهيد وفضل ومحمد.

وقد ارتحل صاحب الترجمة إلى عدن حينما كانت تزخر بالعلماء والفقهاء في عهد الدولة الطاهرية، فتفقه بها وأخذ عن شيوخها، وكان من أبرزهم:

۳- الإمام العلامة الفقيه النحرير: عبد الله بن أحمد بامخرمه المولود سنة ثلاث وثلاثين وثمانمائة، والمتوفى سنة ثلاث وتسعمائة «۸۳۳ - ٩٠٣هـ»، وقد لازمه صاحب الترجمة ملازمة تامة.

٤ - الشيخ الفقيه النحرير: محمد بن أحمد بن عبد الله بافضل، المولود سنة أربعين وثمانمائة، والمتوفى سنة ثلاث وتسعمائة «٨٤٠ - ٩٠٣هـ». وقد حج صاحب الترجمة سنة خمس عشرة وتسعمائة «٩١٥هـ».

ومن شيوخ صاحب الترجمة في مكة المكرمة:

٥ - العلامة القاضي: أبو إسحاق برهان الدين إبراهيم بن علي بن ظهيرة القرشي المخزومي المكي، المولد سنة خمس وعشرين وثمانمائة، والمتوفى سنة واحد وتسعين وثمانمائة «٨٢٥» - «۸۹۱هـ»، وقد تولى القضاء بمكة نحو «۳۰» سنة، وقد أخذ عنه صاحب الترجمة واستجاز منه إجازة عامة.

ومن شيوخ صاحب الترجمة بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام:

٦ - العلامة المحدث: ناصر الدين محمد أبي الفرج بن أبي بكر ابن الحسين المراغي المولود سنة ست وثمانمائة، والمتوفى سنة ثمانين وثمانمائة «٨٠٦ - ٨٨٠هـ».

انتقاله رضي الله عنه إلى الشحر:

[لشَّحر: هي بلدة بساحل حضرموت عرفت بالعلم والعلماء وتسمى «بنت تريم»، وكانت مقصداً للعلماء وطلبة العلم، ويقصدها الكثير من العلماء والأولياء من بلد العلم والعلماء تريم]

-بعد انتشار صيته وعلمه وورعه رَضِيَ اللهُ عَنْهُ في البقاع.. سعى الفقيه العلامة الشيخ عفيف الدين عبد الله بن محمد بن حسن بن محمد بن أحمد بن عبسين قاضي الشحر - المتوفى سنة سبع وتسعمائة «٩٠٧هـ» كما في «النور السافر»، أو سنة ثمان وتسعمائة «۹۰۸هـ» كما في تاريخ الشحر لبافقيه سعى هذا الإمام الوصول صاحب الترجمة الشيخ عبد الله بلحاج إلى الشحر للنفع والاستفادة ورتبه للتدريس في الجامع الكبير بالبلد.

قال في «النور السافر»: ومن ذلك - أي: فضائل ابن عبسين - أنه كان السبب في وصول الفقيه العلامة عفيف الدين عبد الله ابن الحاج فضل إلى الشحر وترتيبه مدرسا في الجامع وانتفاع الناس به اهـ.

ولما توفي القاضي ابن عبسين لم يكن بالشحر من يصلح للقضاء غير صاحب الترجمة، فأمره السلطان عبد الله بن جعفر الكثيري أن يتولى القضاء، فَقَبِل رضي الله عنه وأرضاه، وبقي في القضاء إلى سنة خمس عشرة وتسعمائة «٩١٥هـ» حين عزم على الحج فاستقال من القضاء وتوجه للحج.

الآخذين عنه رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

أخذ عن صاحب الترجمة الكثير من طلاب العلم الذين يصعب عدهم، غير أننا نكتفي بذكر بعضهم وهم:

۱ - العلامة السيد عمر بن عبد الرحمن بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد ابن الفقيه المقدم محمد بن علي باعلوي، المعروف بصاحب الحمرا، والمتوفى سنة تسع وثمانين وثمانمائة «۸۸۹هـ».

٢ - الشيخ الكبير العارف بالله تعالى السيد عبد الرحمن بن الشيخ علي ابن أبي بكر السكران المولد سنة خمسين وثمانمائة «٨٥٠هـ»، والمتوفى سنة ثلاث وعشرين وتسعمائة «۹۲۳هـ».

۳- الفقيه السيد أحمد البيض ابن عبد الرحمن - الملقب بالجزيرة -ابن الحسين بن علي بن محمد بن أحمد ابن الفقيه المقدم محمد بن علي، والمتوفى سنة خمس وأربعين وتسعمائة «٩٤٥هـ».

٤- الشيخ الفقيه العلامة عبد الله بن محمد بن سهل بن حکم باقشير، والمتوفى سنة ثمان وخمسين وتسعمائة «٩٥٨هـ».

٥ - العلامة الفقيه المؤرخ السيد محمد بن علي بن علوي الخرد والمتوفى سنة ستين وتسعمائة «٩٦٠هـ».

٦ - العلامة القاضي: أحمد شريف ابن علي بن علوي، والمولود يوم الجمعة تاسع شهر ذي الحجة سنة أربع أو خمس وثمانمائة «٨٠٤ - ٨٠٥هـ»، والمتوفى سنة سبع وخمسين وتسعمائة «٩٥٧هـ».

٧- السيد الشريف العلامة محمد بن عبد الرحمن الأسقع ابن الفقيه عبد الله بلفقيه باعلوي، والمتوفى سنة سبع عشرة وتسعمائة «٩١٧هـ».

٨- الفقيه العلامة: عبد الله بن أحمد باس رومي الشحري، والمتوفى بمكة سنة ثلاث وأربعين وتسعمائة «٩٤٣هـ».

٩ - السيد الشريف المؤرخ عمر بن محمد بن أحمد باشيبان، العلوي الحسيني، والمولود سنة واحد وثمانين وثمانمائة، والمتوفى سنة أربع وأربعين وتسعمائة «٨٨١ - ٩٤٤هـ».

١٠ - الشيخ الفقيه: أحمد بن عبد القوي بن عبد الوهاب بن أبي بكر الحاج بافضل التريمي، والمتوفى سنة خمسين وتسعمائة «٩٥٠هـ».

مؤلفاته رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

للشيخ العلامة الفقيه عبد الله بن عبد الرحمن بلحاج بافضل العديد من المؤلفات التي حازت القبول وعم بها الانتفاع في شتى البقاع، ولاسيما المختصرات الفقهية منها التي اشتهرت، وغيرها من الكتب التي لم تشتهر، فمن ذلك:

۱- المختصر الكبير في الفقه، والذي يعرف بـ «المقدمة الحضرمية.

٢- المختصر اللطيف في الفقه، ويسمى كذلك المختصر الصغير.

۳- منسك الحج.

٤ - حلية البررة في أذكار الحج والعمرة.

٥ - رسالة في الفلك.

٦ - نزهة الخاطر في أذكار المسافر.

٧- لوامع الأنوار وهدايا الأسرار وودائع الأبرار في فضل القائم بالأسحار.

٨- الحجج القواطع في معرفة الواصل والقاطع.

۹ - مؤلف في معرفة القبلة.

۱۰ - مجموع الفتاوى.

۱۱ -وصية نافعة.

وفاته رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

ولم يزل الفقيه العلامة عبد الله بلحاج على أحسن سيرة، باذلاً للوقت في نفع الأمة، معلماً ومرشداً وصادعاً بالحق حتى ناداه منادي الرحيل، فلبى نداء ربه، وانتقل إلى رحمته تعالى.

وكانت وفاته عصر يوم الأحد، خامس شهر رمضان سنة ثمان عشرة وتسعمائة «۹۱۸هـ»، ودفن ضحى الاثنين السادس من رمضان، ودفن في طرف البلد بالشحر من جهة الشمال في موضع موات نجدي عقل باغريب بجانب مسجد بن عتيق، وهو أول من دفن هناك، ودفن الناس إلى جانبه حتى صارت مقبرة كبيرة، وعمل على قبره مشهد عظيم وبنيان، وصار مزاراً مشهوداً.

فرحمه الله رحمة الأبرار، وأسكنه دار القرار مع النبي المختار، وجمعنا به آمین.

= مراجع الترجمة «المشرع الروي» «النور السافر» «السنا الباهر»، «تاريخ الشحر» لبافقيه «صلة الأهل»، الضوء اللامع»، «الأعلام للزركشي، «النفحات المسكية من أخبار الشحر المحمية، ترجمة الشيخ عبد الله للدكتور الشيخ محمد بن أبي بكر باذيب في مقدمة شرح المقدمة الحضرمية» طبعة دار المنهاج.

___________________________________________

فائدة «ص 67»

والاستنجاء تعتريه أحكام خمسة وهي:

١- واجب؛ من خروج النجس الملوث.

۲- مندوب؛ من خروج النجس الجامد ومن خروج المني.

۳- مباح؛ من العرق.

٤- مكروه؛ من خروج الريح، وكذا يكره إن كان بحجر الحرم ووجد غیره، وكذا بماء زمزم.

٥- حرام مع الصحة؛ إن كان بمغصوب، ومع عدم الصحة؛ إن كان بمحترم كأكل وأوراق علم شرعي وآلته وجلده.

___________________________________________

فائدة «ص 82»:

تمييز الناوي، وقد ذكر العلماء أربع علامات للتمييز في الإنسان متى ما وجدت

علامة.. فهو مميز وهي:

١- أن يفهم الخطاب ويرد الجواب.

۲- أن يفرق بين يمينه وشماله.

۳-أن يفرق بين التمرة والجمرة، وهو مستنبط من قصة سيدنا موسى عَلَيْهِ السَّلَامُ مع فرعون.

٤- وهي الأقوى: أن يأكل وحده، ويشرب وحده، ويستنجي وحده.

___________________________________________

فائدة «ص 82»:

القيود في المياه - والقيود اثنان وهي:

۱- قيد لازم فلا تصح الطهارة به وينقسم إلى ثلاثة أقسام وهي:

أ - قيد بالإضافة: كقولهم ماء البطيخ أو ماء النارجيل.

ب ـ قيد بالصفة، كما في قوله تعالى: مِن مَّاءٍ دَافِق [الطارق: ٦].

ج - قيد بأل التي للعهد: كما في قوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حين قالت له أم سلمة: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت ؟ قال: «نَعَمْ إِذَا رَأَتْ الْمَاءَ» يعني المني، أخرجه البخاري ومالك.

د- قید منفك: كماء النهر والبئر، فتصح الطهارة به.

___________________________________________

فائدة «ص 85»:

وتنقسم المياه إلى أربعة أقسام:

١- ماء متنجس.

٢- ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره غير مكروه، وهو الماء المطلق.

ماء طاهر في نفسه مطهر لغيره مكروه، وهو الماء المشمس.

٤- ماء طاهر في نفسه غير مطهر لغيره، وهو الماء المستعمل.

___________________________________________

فائدة - من بغية المسترشدين - «ص 87»:

اختلف العلماء في نية الاغتراف ونظم ابن المقري القائلين بعدم وجوبها؛ فقال:

أوجب جمهور الثقاة الظراف … عند الوضوء نية الاغتراف

من بعد غسل الوجه من يُلغها …. فمـاؤه مستعملاً بلا خلاف

ووافق الشاشي ابن عبد السلام …. في تركها والبغوي ذو العفاف

وابن العجيل الحبر أفتى على … إهمالها والحبر فتواه كاف

واختاره الغزالي والمزجد وقال أبو مخرمة فلا يشدد العالم على العامي بل يفتيه بعدم وجوبها.

___________________________________________

فائدة «ص 93»:

أما المائع فإنه لا يطهر وإن كان واردا، إلا في بعض المسائل وذلك إذا خلط بجامد كدقيق وغيره، كما في فتاوى الحبيب العلامة عبد الله بن عمر بن يحيى حيث قال في فتاويه - اعلم أن ما تنجس من الماء أو المائعات يصير حكمه حكم ما تنجس به من مغلظ أو غيره، فإذا تنجس بعين مفتتة فيه ثم لاقي جامدا دقيقا أو غيره، فإن كان له عين أو وصف.. اشترط في طهارة الدقيق زوالها، وإن لم يبق له ذلك بعد الملاقاة.. كفى في تطهيره جري الماء عليه بحيث ينقع فيه حتى يظن وصول الماء إلى جميع أجزائه. قال في النهاية ولو عجن اللبن وخالطه نجاسة جامدة كروث.. لم يطهر، وإن طبخ بعد ذلك، وإن خالطه غيرها كبول.. طهر ظاهره بالغسل، وكذا باطنه بالنقع في الماء ولو مطبوخا إن كان رخوا يصله الماء. اهـ ونحوه في التحفة» اهـ 

وقد يشكل على بعضهم قول الفقهاء: «إذا تنجس المائع تعذر تطهيره»، فإن هذا حكمه في ذاته من غير نظر إلى ملاقاته لغيره، كما أن قولهم «نجس العين لا يطهر قط حكم عليه في ذاته من غير نظر لذلك، أما إذا لاقى أحدهما شيئا طاهراً.. فيدار عليه حكم ملاقاة النجاسة الذي ذكروه.

___________________________________________

فائدة «ص 134 -136»:

ويشترط لتحريم القراءة على الجنب والحائض سبعة شروط وهي:

١- كونها أي القراءة باللفظ، ومثله إشارة الأخرس المفهمة؛ لأن إشارته معتد بها إلا في ثلاثة أبواب الصلاة فلا تبطل بها، ولذلك يقال: لنا شخص باع واشترى ونكح وطلق وهو في الصلاة ولم تبطل صلاته، وفي الحنث، فإذا حلف وهو ناطق أن لا يتكلم ثم خرس وأشار بالكلام لم يحنث، والشهادة، فإذا أشار بها لا تقبل، قال القائل:

إشارة الأخرس مثل نطقه … في ما عدا ثلاثة لصدقه

في الحنث والصلاة والشهادة … تلك ثلاثة بلا زيادة

وإشارة الناطق غير معتد بها إلا في ثلاثة أبواب: أمان الكافر، والإفتاء، كأن قيل له أتتوضأ بهذا الماء ؟ فأشار أن نعم أو لا، والإذن في دخول المنزل.

قال القائل:

إشــــــــارة النـــــــاطق تُعتبر … في الإذن والإفتاء أمانٍ ذَكَرُوا.

وخرج باللفظ ما إذا أجرى القراءة على قلبه، وكذلك الحكم بالنسبة للنظر في المصحف من غير تحريك لسان.

٢- كون القارئ مسمعاً بها نفسه، وخرج به ما إذا تلفظ ولم يسمع نفسه حيث اعتدل سمعه ولا مانع.

٣- كونه مسلماً، فخرج به الكافر، فلا يمنع من القراءة لعدم اعتقاده الحرمة وإن عوقب عليها.

٤- كونه مكلفاً، فخرج به الصبي والمجنون.

٥- كون ما أتى به قرآناً، فخرج به التوراة والإنجيل، ومنسوخ التلاوة ولو بقي حكمه كآية الرجم وهي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالاً من الله والله عزيز حكيم.

٦- القصد للقراءة وحدها أو مع الذكر أو بنية القصد لواحد لا بعينه، فإن قرأ آية للاحتجاج بها حرم، وإن قصد الذكر فقط أو أطلق كأن جرى القرآن على لسانه من غير قصد لواحد منهما لا ذكر ولا قراءة.. لم يحرم؛ لأنه لا يسمى قرآناً عند الصارف وهو قصد الذكر وحده أو بلا قصد، وأما عند عدم الصارف... فیسمى قرآناً ولو بلا قصد.

والخلاصة: أنه يصح عند قصد الذكر فقط أو الإطلاق، ويحرم عند قصد القراءة أو عند قصد الاثنين معاً أو عند القصد لواحد لا بعينه.

٧-- أن تكون القراءة نفلاً، بخلاف ما إذا كانت واجبة سواء داخل الصلاة كفاقد الطهورين، أو خارج الصلاة كأن نذر أن يقرأ سورة يس مثلاً في وقت كذا فكان في ذلك الوقت جنباً فاقداً للطهورين، فإنه يقرؤها وجوباً للضرورة؛ ولكن لابد من كونها بقصد القرآن لا مطلقاً حتى تقع واجبة، وفي داخل الصلاة لا فرق بين أن يقصد القراءة أو يطلق مثلاً فتكون قرآناً عند الإطلاق لوجوبها في الصلاة؛ فلا يعتبر المانع وهو الجنابة وغيرها.

وقد أجمع العلماء على جواز التسبيح والتهليل وسائر الأذكار غير القرآن للحائض والنفساء والجنب.

___________________________________________

فائدة:

قال في الشرح «ص 137»:

وقوله في المتن في الأمور التي تحرم على الحائض والنفساء: «والاستمتاع فيما بين السُّرة والركبة»

قال الشارح -وفّقه الله-:  وقد عبر بعض الفقهاء بالمباشرة فقط كشيخ الإسلام زكرياء الأنصاري والشيخ ابن حجر في التحفة، ومنهم من عبر بالاستمتاع كالإمام النووي في الروضة والشيخ أحمد ابن أرسلان في زبده والشيخ ابن حجر في غير التحفة، فعلى قول من عبر بالاستمتاع يحرم النظر بشهوة، ولا يحرم اللمس بغير شهوة، فالذي يحرم باتفاق الوطء والمباشرة بشهوة، والذي يجوز باتفاق النظر بغير شهوة، والذي فيه الخلاف المباشرة بلا شهوة والنظر بشهوة.

واختار الإمام النووي مذهب الإمام أحمد في أن الذي يحرم الوطء فقط وهو مذهب الإمام الأوزاعي، والإمام مجاهد والإمام إسحاق بن راهويه، والإمام أبي ثور، والإمام محمد ابن الحسن، والإمام الشعبي، والإمام أبي إسحاق المروزي، والإمام النخعي، والإمام ابن المنذر، والإمام داود، والإمام أصبغ المالكي والإمام الماوردي، والإمام الروياني، وقال الإمام النووي: هو الأقوى من حيث الدليل، كما في التحقيق.

واستحسن الإمام النووي في المجموع قولاً آخراً وهو: أن المباشرة بشهوة فيما دون الفرج تجوز ممن غالب حاله التقوى، ولا تجوز من غيره.

والمباشرة والاستمتاع على قسمين:

١- ما بين السرة والركبة، فيحرم المباشرة فيه مطلقاً سواء كان بوطء أو بلمس إذا كان تحت الثياب بخلاف الاستمتاع بغيرهما، كنظر بشهوة فإنه لا يحرم، وأما المباشرة فوق الثياب فإن كانت بوطء.. فيحرم أيضاً، وإن كانت بغيره.. فلا.

٢- ما عدا ما بين السرة والركبة، فلا يحرم مطلقاً.

وقال العلامة محمد الشاطري في شرح الياقوت: ويحرم على الرجل مباشرة الحائض والنفساء فيما بين سرتها وركبتها عند إمامنا الشافعي ومالك وأبي حنيفة، وقال الإمام أحمد ومحمد بن الحسن وبعض أكابر المالكية وبعض أصحاب الشافعي: يجوز الاستمتاع فيما دون الفرج اهـ.

وذكر الخطيب الشربيني في المغني عن الأسنوي أنه يحرم على المرأة أن تستمتع بالرجل بما بين السرة والركبة أيضاً فقال: «وسكتوا عن مباشرة المرأة للزوج، والقياس أن مسها للذكر ونحوه من الاستمتاعات المتعلقة بما بين السرة والركبة حكمه حكم تمتعاته بها في ذلك المحل» اهـ.

قال العلامة الشاطري في شرح الياقوت: والصواب، كما قاله بعض المتأخرين في نظم القياس أن نقول كل ما منعناه منه نمنعها أن تلمسه به، فيجوز أن يلمس ببدنه سائر بدنها، إلا ما بين سرّتها وركبتها، ويحرم عليها تمكينه من لمسه بما بينهما اهـ.

___________________________________________

فائدة «ص: 140»:

يحرم على الزوج أن يطلق زوجته وهي حائض إلا في سبع صور وهي:

١- إذا قال أنت طالق في آخر جزء من حيضك أو مع آخره أو عنده، ومثل ذلك ما لو تم لفظ الطلاق في آخر الحيض؛ لاستعقاب ذلك الطلاق الشروع في العدة.

٢- أن تكون المطلقة في ذلك الحيض غير مدخول بها؛ لعدم العدة، بخلاف المتوفى عنها زوجها قبل الدخول بها فتجب عليها العدة؛ لأن عدتها بالأشهر لا بالحيض.

٣- أن تكون حاملاً منه؛ لاستعقاب ذلك الطلاق الشروع في العدة؛ لأن عدتها بالحمل.

٤- أن يكون الطلاق بعوض منها؛ لأنه يدل على حاجتها للطلاق، بخلافه إن كان بغير عوض، أو بعوض من غيرها، فإنه يحرم؛ لأنه لا يدل على حاجتها للطلاق.

٥- أن يكون الطلاق في إيلاء بشرط كونه بمطالبتها الطلاق في حال الحيض بعد مطالبتها بالوطء من الزوج في حال الطهر فامتنع منه؛ لأن حاجتها إلى الطلاق شديدة.

٦- ما إذا طلقها الحكم في شقاق وقع بينها وبين زوجها، لحاجتها الشديدة إليه.

٧- ما لو قال السيد لأمته: إن طلقك زوجك فأنت حرة، فعلم الزوج ذلك التعليق وقت الحيض، وعلم عدم رجوع السيد فطلقها، أو سألت الأمة السيد ذلك أي سألته أن يعتقها لو طلقها زوجها فوافق، فلا يحرم طلاقها للخلاص من الرق، إذ دوامه أضر بها من طول العدة، وقد لا يسمح السيد بالعتق بعد ذلك أو يموت فيدوم أسرها.

___________________________________________

فائدتان «ص: 144»:

١- سئل الإمام ابن حجر، كما في فتاويه عن شخص يصلي الفجر كذا كذا سنة قبل الوقت، ولم يعلم بأن الوقت لم يدخل بعد، كم صلاة يلزمه قضائها ؟ فقال صلاة واحدة؛ لأن كل صلاة تكون قضاء للتي قبلها، وهكذا.

٢- يجب على الشخص إذا دخل وقت الصلاة إما فعلها أو العزم على فعلها في الوقت، وإلا عصى وإن فعلها في الوقت.

___________________________________________

فائدة «ص: 144»:

١- الظل أصله الستر، ومنه أنا في ظل فلان، وظل الليل سواده، وهو يشمل ما قبل الزوال وما بعده، والفيء مختص بما بعد الزوال.

ومعناه أي: الظل في الاصطلاح أمر وجودي يخلقه الله لنفع البدن وغيره.

- ظل الاستواء: هو ظل يسير يظهر للأشياء إذا صارت الشمس في كبد السماء، وقد لا يكون عند وقت الاستواء ظل في بعض البلدان كمكة وصنعاء في بعض أيام السنة.

___________________________________________

فائدة «ص 151»:

قال في "بغية المسترشدين": يندب تأخير الصلاة عن أول وقتها في سبع وعشرين صورة الصبي علم بلوغه أثناء الوقت بالسن، ولمن غلبه النوم مع سعة الوقت، ومن رجا زوال عذره قبل فوات الجمعة، ومن تيقن الجماعة، ولدائم الحدث رجاء الانقطاع، وللخروج من الأمكنة التي تكره فيها الصلاة، ولمن عنده ضيف حتى يطعمه ويؤويه، ومن تعينت عليه شهادة حتى يؤديها، وعند الغضب والغيظ حتى يزول، ومن يؤنس مريضاً يستوحش بفراقه، وخائف على معصوم، ومشتغل بذبح بهيمة مشرفة على الهلاك أو إطعامها، أو قتل نحو حية، ولشدة الحر، وللرمي ظهراً، والمغرب بمزدلفة، ومدافعة الحدث، ولتوقان الطعام، وتيقن الماء آخره، أو السترة أو القدرة على القيام، وللغيم إلى اليقين، واشتغاله بنحو غريق أو صائل على نفس أو مال وتجهيز ميت اهـ كردي وش ق.

وقوله: ومن تيقن الجماعة قال في الفتح وإن فحش التأخير ما لم يضق الوقت، والمراد بالتيقن الوثوق بحصولها بحيث لا يختلف عادة، ففي ظنها لا يندب التأخير إلا إذا لم يفحش عرفاً اهـ. وقال في الإمداد ويحتمل أن يضبط الفحش بنصف الوقت» اهـ.

قال في بشرى الكريم بعد ذكر سنة الإبراد: «ومنه أنه يسن التأخير أيضاً لمن تيقن وجود الماء، أو السترة آخر الوقت، لزيادة فضل الصلاة معها، ولمن تيقن الجماعة آخره بحيث يبقى منه ما يسعها لذلك، وكذا لو ظنها ولم يفحش التأخير عرفاً، ويحتمل ضبطه بنصف الوقت، وخرج بالظن الشك فلا يندب له التأخير مطلقاً» اهـ.

___________________________________________

فائدة «ص 159»:

إذا شرع المصلي في الصلاة قبل صعود الخطيب المنبر ثم صعد وهو يصلي.. وجب عليه تخفيف الصلاة ليستمع إلى الخطبة، قال في القلائد: «إذا قام الخطيب على المنبر وهو - أي الحاضر للجمعة - يصلي.. خففها وجوباً، كما صرح به الشيخ نصر، ويحرم ابتداء نافلة بعد جلوسه - أي الخطيب - قال زكرياء وكذا قضاء فريضة على المتجه، فإن دخل - أي مريد الجمعة - وهو -أي الخطيب - يخطب صلى التحية مخففة إن ظن إدراك إحرامه، فإن لم يكن يصلي الراتبة.. نواها - أي التحية - وأجزأته عنهما - أي عن الراتبة والتحية - قال الزركشي: والتخفيف: الاقتصار على الواجبات» اهـ..

___________________________________________

فائدة «ص 162»:

لا قضاء على الكافر الأصلي ويجب على المرتد، ولا يجب القضاء على صبي ولا صبية لما فاتهما في الصبا؛ لعدم تكليفهما، ويسن لهما قضاء ما فاتهما ولو قبل التمييز على خلاف فيه، ولا قضاء على مجنون إلا على مرتد، فإنه يجب عليه قضاء ما فاته أيام جنونه وقت ردته تغليظاً عليه، ويجب على سكران تعدى بسكره قضاء الزمن الذي ينتهي إليه السكر غالباً دون ما زاد عليه من أيام جنونه، ومن جن في سكره ليس بسكران في دوام جنونه قطعا، كما في بشرى الكريم.

___________________________________________

مسائل «ص 167 – 168 »

١- إذا انحرف الراكب عن صوب طريقه وهو يصلي في السفر إلى غير القبلة وهو ناس أو أخطأ الطريق من غير تعمد.. بطلت صلاته إن طال الزمن، وإلا.. فلا، ولكن يسجد للسهو في الحالتين عند الشيخ الرملي؛ لأن عمد ذلك مبطل، ويسجد في حالة الخطأ لا النسيان عند الشيخ ابن حجر.

٢- لو صلى فرضاً وهو فوق الدابة وكانت واقفة واستقبل القبلة وأتم ركوعه وسجوده.. صحت صلاته، أما إن كانت سائرة.. فلا تصح الصلاة؛ لأن سيرها منسوب إليه بدليل جواز الطواف عليها «٢».

٣- إذا صلى النفل في السفر وهو ماش.. أتم وجوباً ركوعه وسجوده واستقبل القبلة فيهما وفي إحرامه، وكذا جلوسه بين السجدتين، ولا يمشي إلا في قيامه وتشهده وسلامه.

٤- لو صلى في الكعبة صحت صلاته إن استقبل جدارها أو بابها إن كان مردوداً أو مفتوحاً مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع، وإذا صلى على سطحها فإن كان مستقبلاً من بنائها قدر ثلثي ذراع أو شاخصاً كذلك متصلاً بالكعبة.. صحت صلاته؛ لأنه متوجه إلى جزء من الكعبة.

___________________________________________

مسألة «ص 170»:

إذا وجد المصلي أو غيره ما يكفي سوأتيه فقط.. تعين لهما، أو وجد ما يكفي أحدهما.. قدم قبله؛ لأنه بارز إلى القبلة والدبر مستوراً غالباً بالإليتين، وقيل: يستر دبره؛ لأنه أفحش في الركوع والسجود، وقيل: يتخير بينهما، وسواء في ذلك الرجل والمرأة، ويستر الخنثى قبليه، فإن كفى لأحدهما.. تخير، والأولى، كما قال الإسنوي يستر آلة الرجل إن كان هناك امرأة، وآلة النساء إن كان هناك رجلاً، كما في المغني.

___________________________________________

فائدة «ص 171»:

قال في "مغني المحتاج":  ولا يجوز للعاري غصب الثوب للصلاة، بخلاف الطعام في المجاعة فإنه يجوز لينقذ نفسه من الهلاك، أما في الصلاة فيمكنه أن يصلي عارياً من غير إعادة فلم يكن له عذر للغصب، ولكن لو أحتاج لثوب لدفع حر أو برد مهلكين.. جاز له غصبه لينقذ نفسه، وإن وجد المصلي ثوباً متنجساً ولا يمكنه تطهيره.. صلى عارياً ولا إعادة عليه، أما إذا وجد حريراً.. فإنه يصلي به لأنه ضرورة.

___________________________________________

مسألة الحبل «أي: حكم صلاة المتصل بحبل في طرفه نجاسة - ص 172»:

وهي على صور بيانها ما يلي:

١- إن كان قابضاً أو حاملاً للحبل المتصل بالنجاسة.. بطلت صلاته مطلقاً سواء أنجر بجره أم لا.

٢- إن كان الحبل على جزء طاهر متصل بنجاسة، كأن كان الحبل متصلاً بسفينة بها نجاسة، فإن لم يشد الحبل.... صحت صلاته مطلقاً، وإن شده... بطلت صلاته إن كان ينجر بجره، وإن لم ينجر.. لم تبطل.

٣- إذا جعل المصلي الحبل تحت قدمه.. فلا يضر مطلقاً سواء كان الحبل متصلاً بنجس مباشرة أو بطاهر متصل بنجس.

___________________________________________

مسألة التمييز بين فروض الصلاة وسننها «ص 172»:

فروض الصلاة وسننها، فإن اعتقد فرضاً من فروضها سنة ففيه تفصيل:

١- تارة يعتقد أن كل أفعال الصلاة فروضاً، فلا يضر، وتصح صلاته.

٢- وتارة يعتقد أن كل أفعال الصلاة سننا، فلا تصح صلاته.

٣- وتارة يعتقد أن فيها فروضاً وسنناً ولا يميز بين السنن والفروض، فيغتفر ذلك في حق العامي وتصح منه الصلاة، أما العالم فتصح صلاته عند الشيخ ابن حجر ولا تصح عند الشيخ الرملي، ومعنى العالم هنا من مضى له في طلب العلم وقت يمكنه فيه معرفة هذه المسألة.

٤- وتارة يعتقد أن فرضاً بعينه كالركوع مثلاً سنة، فيضر ولا تصح صلاته.

٥- أن يقول مثلاً: الركوع أو السجود سنة ولم يعين أيهما، فلا يضر وتصح صلاته.

___________________________________________

فائدة «ص 157 -176»:

وفي مسألة ملاقاة المصلي للدم تفصيل خلاصته هي:

١- يعفى عنه مطلقاً إن كان لا يدركه الطرف ولو من مغلظ عند الشيخ الرملي، خلافاً للشيخ ابن حجر فلا يعفى عنه إن كان من مغلظ عنده.

٢- إن كان يدركه الطرف فإن كان من أجنبي.. عفي عن قليله دون كثيره.

٣- إن كان يدركه الطرف وكان من نفسه فننظر إن كان من المنافذ غير السبيلين.. فلا يعفى عنه عند الشيخ الرملي مطلقاً قليلاً كان أو كثيراً، ويعفى عند الشيخ ابن حجر إن كان قليلاً.

أما لو كان من غير المنافذ أو من السبيلين.. فيعفى عن قليله إذا لم يختلط بأجنبي، وكذا عن كثيره بثلاثة شروط وهي: - أن لا يكون بفعله. - أن لا يختلط بأجنبي. - أن لا ينتقل، بمعنى أن يكون متصلاً.

___________________________________________

فائدة «ص 177»:

فإن دعت إلى وضع اليد على الفم حاجة؛ كما إذا تثاءب.. فإنه لا يكره حينئذ، بل يستحب؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتغطية الفم عند التثاؤب؛ فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَسُدَّ بِيَدِهِ فَاهُ؛ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ ».

لكن إذا أحس بالتثاؤب.. فليكظمه ما استطاع؛ أي: ليمسك؛ لما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «التَّثَاؤُبُ فِي الصَّلَاةِ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَإِذَا تَشَاءَبَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَكْظِمْ مَا اسْتَطَاعَ »؛ أي: ليمسك.:

ولمسلم أيضاً: «إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ.. فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَالَ: «هَا هَا ».. ضَحِكَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ».

- ويكره أن يمسح الحصى ونحوه حيث يسجد، ويدخل فيه: العبث بثوبه أو بدنه لغير حاجة؛ فقد ورد عنه صلى الله عليه وسلم: «لَا تَمْسَحَ الْحَصَى وَأَنْتَ تُصَلِّي، فَإِنْ كُنْتَ لَا بُدَّ فَاعِلاً.. فَوَاحِدَةً تَسْوِيَةٌ لِلْحَصَى».

وللبخاري من طريق معيقيب رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قيل له في المسح في المسجد، قال: «إِنْ كُنْتَ فَاعِلاً.. فَوَاحِدَةٌ »، ولأنه يخالف التواضع والخشوع.

ولأن الرحمة تكون مواجهة المصلي، وبتحريكه الحصى كأنه يقطعها؛ فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ.. فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ، فَلَا تُحَرِّكُوا الْحَصَى ».

۹- وتكره المبالغة في خفض الرأس عن الظهر في الركوع؛ المجاوزة فاعله فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنه كان لا يصوب رأسه في الركوع، ولا يقنع، ولكن بين ذلك.

۱۰، ۱۱ - وتكره صلاة الحاقن والحاقب، كما تكره الصلاة بحضرة طعام يتوق إليه؛ فعن عبد الله بن الأرقم رضي الله عنه: أنه كان يؤم قومه، فجاء وقد أقيمت الصلاة، فقال: ليصل أحدكم؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ، وَحَضَرَ الْغَائِطُ.. فَابْدَؤُوا بِالْغَائِطِ »..

ولمسلم من طريق عائشة رضي الله عنها مرفوعاً: «لَا صَلَاةَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ، وَلَا هُوَ يُدَافِعُهُ الْأَخْبَثَانِ»، والأخبثان - بالمثلثة -: البول والغائط، والمراد نفي كمالها.

والتوقان إلى الأكل مع حضوره.. أحد الأعذار المرخصة في ترك الجماعة؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِذَا وُضِعَ الْعَشَاءُ وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ.. فَابْدَؤُوا بِالْعَشَاءِ ».

وفي رواية عنه: «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ عَلَى طَعَامٍ.. فَلَا يَعْجَلَنَّ حَتَّىٰ يَقْضِيَ حَاجَتَهُ مِنْهُ وَإِنْ أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ».

وتعشى ابن عمر رضي الله عنهما ذات ليلة وهو يسمع قراءة الإمام. وتوقان النفس في غيبة الطعام.. بمنزلة حضوره إن رجا حضوره عن قُرْبٍ.

۱۲ - ويكره النفخ في الصلاة؛ لأنه عبث، فعن أم سلمة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغلام له يقال له يسار، وكان قد نفخ في الصلاة: تَرِبْ وَجْهَكَ لِلَّهِ ».

۱۳ - تكره الصلاة أيضاً عند مغالبة النوم؛ لأن ذلك أذهب لخشوع المصلي وتدبره للذكر، ومظنة لأن يخلط في قراءته وذكره؛ فعن عائشة رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ.. فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ؛ فَإِنَّهُ إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ.. لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ ».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ، فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ... فَلْيَضْطَجِعْ».

١٤ - وهناك مكروهات أخرى ذكروها؛ كالقيام في الصلاة على رجل واحدة لغير عذر، ووضع اليدين في الكمين في حالة السجود، وفي حالة الرفع التكبيرة الإحرام؛ فقد قال الإمام الشافعي في «الأم »: «أحب أن يباشر براحتيه في الحر والبرد».

ومنها: الإشارة بما يفهم لا لحاجة؛ كرد سلام ونحوه، والجهر في غير موضعه، والإسرار في غير موضعه، والجهر خلف الإمام.

وورد النهي عن نقر الغراب في السجود، والمقصود كراهة تخفيف المصلي سجوده، وعن افتراش السبع في السجود، وقد مضى في «صفة الصلاة ».

ومن المكروهات في جميع جلسات الصلاة: جلسة الإقعاء كإقعاء الكلب، وبين صفة هذه الجلسة ابن رسلان في «زبده»بقوله «من الرجز »: 

وَالنَّقْرُ فِي السُّجُودِ كَالْغُرَابِ … وَجِلْسَةُ الْإِفْعَاءِ كَالْكِلَابِ

تَكُونُ أَلْيَتَاهُ مَعْ يَدَيْهِ …. بِالْأَرْضِ لَكِنْ نَاصِباً سَاقَيْهِ

ومما ذكروا أيضاً من مكروهات الصلاة: كشف الرأس في الصلاة، أو كشف المنكب؛ لأن السنة في الصلاة التجمل بتغطية الرأس والبدن.

___________________________________________

أماكن تكره الصلاة فيها:

إن مما اختص به سيد الأولين والآخرين، وشرفنا به - معشر الأمة المحمدية -: أن جعلت لنا الأرض كلها مسجداً وطهوراً؛ كما ورد في الحديث: «أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي"، ومنه: «وَجُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ.. فَلْيُصَلِّ ».

إلا أن هناك أماكن ورد في الحديث النهي عن الصلاة فيها، لا لخصوص الصلاة على الأرض، ولكن لما قام بها من مانع، وإليك ذكر هذه الأماكن:

۱ - الصلاة في عطن الإبل؛ وهو الموضع الذي تنحى إليه الشاربة؛ ليشرب غيرها، فإذا اجتمعت.. سيقت منه إلى المرعى؛ كما قاله الشافعي وغيره، أو لتشرب هي عللاً بعد نهل؛ كما قاله الجوهري وغيره؛ فعن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا لَمْ تَجِدُوا إِلَّا مَرَابِضَ الْغَنَمِ وَمَعَاطِنَ الْإِبِلِ.. فَصَلُّوا فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَلَا تُصَلُّوا فِي مَعَاطِنِ الإبل ».

ولابن ماجه وصححه ابن حبان: «فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنَ الشَّيَاطِينِ ». و «مرابض الغنم »: مراقدها.

ولأن خوف نفار الإبل يذهب الخشوع، ويشغل الفكر، وهذا من المعاني المنافية للتفكر في القراءة والأذكار.

٢، ٣ - تكره الصلاة في الحمام والمقبرة؛ وهي التي لم تنبش، فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الْأَرْضُ»كُلُّهَا مَسْجِدٌ إِلَّا الْحَمَّامَ وَالْمَقْبُرَةَ »، أما المقبرة المنبوشة.. فلا تصح الصلاة فيها بغير حائل؛ لتنجسها بصديد الموتى، وبحائل تكره.

قال النووي: «وتكره الصلاة في مأوى الشياطين؛ كالخمارة، وموضع المكس، ونحو ذلك من المعاصي الفاحشة».

٤ - وتكره الصلاة أيضاً في الطريق، والمزبلة، والكنيسة، والبيعة - بكسر الباء - وهي: معبد اليهود.

وروى الترمذي بإسناد ليس بالقوي النهي عن الصلاة في مواطن سبعة: في المزبلة، والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق بيت الله العتيق.

__________________________________________

متى يُسن دعاء الافتتاح:

«الفاتحة»أو أمن هو لتأمين إمامه قبل شروعه فيه، لكن لا يستحب إلا بشروط خمسة:

۱ - أن يكون في غير صلاة الجنازة.

۲ -ألا يخاف فوت وقت الأداء، فلو كان لا يبقى ما يسع ركعة لو أتى به... لم يسن.

۳ - ألا يخاف المأموم فوت بعض «الفاتحة »، فإن خاف ذلك.. لم يسن.

٤ - أن يدرك الإمام في القيام، فلو أدركه في الاعتدال مثلاً.. لم يفتتح.

نعم؛ إن أدركه في التشهد وسلم الإمام، أو قام قبل أن يجلس.. سن له أن يفتتح.

ه - ألا يشرع في التعوذ أو القراءة ولو سهواً، وإلا.. لم يعد إليه.

____________________________________

تيمة المسائل الكتاب في بَعْضِ آدابِ الصَّلَاةِ، وَتَوَابِعِهَا، وَنَوَافِلِهَا

الخشوع وأهميته في الصلاة

الخشوع: هو لين القلب ورقته، وسكونه وخضوعه، وانكساره وحرقته، فإذا خشع القلب.. تبعه خشوع جميع الجوارح؛ لأنها تابعة له.

والخشوع نابع من معرفة الله تعالى، والعلم بعظمته وجلاله وكماله، فمن كان بالله أعرف.. فهو له أخشع. ولذلك وصف الله الذين أوتوا العلم بالخشوع فقال: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبَّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبَّنَا لَمَفْعُولًا وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا}.

وقد مدح الله تعالى في كتابه المخلصين له، والمنكسرين لعظمته، الخاضعين والخاشعين لها، قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَشِعِينَ﴾.

ووصف المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي عليها يحافظون فقال: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَشِعُونَ}. 

وإذا خشع القلب.. خشع السمع والبصر، والرأس والوجه، وسائر الأعضاء، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول في ركوعه: «خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُنِّي وَعَظْمِي، وَمَا اسْتَقَلَّتْ بِهِ قَدَمِي».

ورأى بعض السلف رجلاً يعبث بيده في الصلاة فقال: «لو خشع قلب هذا... لخشعت جوارحه». 

وثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستعيذ بالله من قلب لا يخشع؛ ففي صحيح مسلم»عن زيد بن أرقم رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَقَلْبِ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا».

وقال صلى الله عليه وسلم: «الصَّلَاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ فِي كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، وَتَخَشَّعُ وَتَضَرَّعُ وَتَمَسْكَنُ، وَتُقْنِعُ يَدَيْكَ - يقول: ترفعهما إلى ربك عز وجل -وَتَقُولُ: يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، فَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ.. فَهِيَ خِدَاجٌ»، أي: ناقصة.

وفي صحيح مسلم مرفوعاً: «مَا مِن أَمْرِئَ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ، فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا.. إِلَّا كَانَتْ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنَ الذُّنُوبِ مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ، وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ».

وكان العلماء إذا قام أحدهم في الصلاة.. هاب الرحمن عز وجل عن أن يشذ نظره، أو يلتفت، أو يقلب الحصى، أو يعبث بشيء، أو يحدث نفسه بشيء من أمر الدنيا إلا ناسياً ما دام في صلاته»

____________________________________

الأذكار دبر الصلوات

ثبت: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يذكر الله تعالى ويدعوه دبر الصلوات»، ونحن نورد طرفاً من ذلك، ونذكر بعض ما ورد فيها من الترغيب:

۱ - الاستغفار ثلاثاً: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله.

۲ - «اللَّهُمَّ؛ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ».

فعن ثوبان رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته.. استغفر الله ثلاثاً وقال: اللَّهُمَّ، أَنْتَ السَّلَامُ.... إلى آخره، رواه الجماعة إلا البخاري. زاد مسلم: قال الوليد: «فقلت للأوزاعي: كيف الاستغفار ؟ فقال: يقول: أستغفر الله، أستغفر الله»

۳- «اللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِكَ وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ».

فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ بيده يوماً ثم قال: «يَا مُعَاذُ إِنِّي لَأُحِبُّكَ، فقال له معاذ: يا رسول الله؛ وأنا أحبك، قال: «أُوصِيكَ يَا مُعَاذُ لَا تَدَعَنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ أَنْ تَقُولَ: اللَّهُمَّ؛ أَعِنِّي...»إلى آخره».

٤- «لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ؛ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الْجَدِّ مِنْكَ الْجَدُّ»؛ فقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ذلك دبر كل صلاة مكتوبة».

٥- قراءة آية الكرسي؛ لأن«من قرأها دبر كل صلاة.. لم يمنعه من دخول الجنة إلا أن يموت»، وللطبراني بإسناد حسن: «كَانَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ إِلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى».

٦ - التسبيح والتحميد والتكبير ثلاثاً وثلاثين.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَحَمِدَ اللَّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَكَبَّرَ اللهَ ثَلَاثَاً وَثَلَاثِينَ، تِلْكَ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ، ثُمَّ قَالَ تَمَامَ الْمِئَةِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ.. غُفِرَتْ لَهُ خَطَايَاهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».

____________________________________

الذكر بعد صلاة الصبح والمغرب:

قال عليه الصلاة والسلام: «مَنْ صَلَّى الْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ.. كَانَتْ كَأَجْرِ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ تَامَّةٍ، تَامَّةٍ، تَامَّةٍ».

وعن أبي ذر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَالَ فِي دُبُرِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ ثَانٍ رِجْلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَتَكَلَّمَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ، وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ»عَشْرَ مَرَّاتٍ.. كُتِبَ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ عَشْرُ سَيِّئَاتٍ، وَرُفِعَ لَهُ عَشْرُ دَرَجَاتٍ، وَكَانَ يَوْمَهُ ذَلِكَ فِي حِرْزِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهِ، وَحُرِسَ مِنَ الشَّيْطَانِ، وَلَمْ يَنْبَغِ لِذَنْبٍ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ إِلَّا الشَّرْكَ بِاللَّهِ تَعَالَى».

ولأبي داوود وابن ماجه: «وَإِذَا قَالَهَا إِذَا أَمْسَى.. كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ حَتَّى يُصْبِحَ».

وعن مسلم بن الحارث التميمي رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه أسر إليه فقال: «إِذَا انْصَرَفْتَ مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ.. فَقُلِ: «اللَّهُمَّ؛ أَجِرْنِي مِنَ النَّارِ»سَبْعَ مَرَّاتٍ؛ فَإِنَّكَ إِذَا قُلْتَ ذَلِكَ ثُمَّ مِتَّ مِنْ لَيْلَتِكَ.. كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا، وَإِذَا صَلَّيْتَ الصُّبْحَ.. فَقُلْ ذَلِكَ، فَإِنَّكَ إِنْ مِتَّ مِنْ يَوْمِكَ كُتِبَ لَكَ جِوَارٌ مِنْهَا».

وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا لى الصبح.. قال: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعاً، وَعَمَلاً مُتَقَبَّلاً، وَرِزْقاً طيباً».

____________________________________

ومن الأدعية النبوية المباركة بعد الصلوات:

-«اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْبُخْلِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُبْنِ، وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ أُرَدَّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الدُّنْيَا، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ».

-«اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِي بَدَنِي، اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِي سَمْعِي، اللَّهُمَّ؛ عَافِنِي فِي بَصَرِي، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَقْرِ، اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

ومن أراد الاستزادة من الدعوات المأثورات.. فعليه بكتاب «الأذكار المنتخبة من كلام سيد الأبرار»للإمام النووي؛ فإن فيه ما تقر به أعين الذاكرين، وترتاحإليه أنفس الموفقين

____________________________________

السنن التابعة للفرائض

وهي على قسمين:

رواتب مؤكدة؛ وهي: ما واظب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي عشر ركعات:

۱ - سنة الفجر، وقد وردت أحاديث عدة في فضل هاتين الركعتين، وعظم ثواب من حافظ عليهما، وندب الإسراع إلى فعلهما؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «ما رأيته صلى الله عليه وسلم إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر».

وعن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَا تَدَعُوا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ وَإِنْ طَرَدَتْكُمُ الْخَيْلُ».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء من النوافل أشد معاهدة من الركعتين قبل الصبح».

وعنها رضي الله عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رَكْعَتَا الْفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا».

ويستحب تخفيفهما، وتخفيف القراءة فيهما؛ للاتباع، فقد كانت عائشة رضي الله عنها تقول من تخفيفه صلى الله عليه وسلم: «هل قرأ فيها بـ «أم الكتاب»؟!».

وكان أحياناً يقرأ فيها: بـ «الإخلاص» و «الكافرون».

وأحياناً يقرأ بعد «الفاتحة»في الأولى منهما: {قُولُوا ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إلينا…} إلى آخر الآية، وفي الأخرى: {قُلْ يَتَأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ…} إلى آخرها.

____________________________________

الدعاء بعد الفراغ منها:

-قال النووي في «الأذكار»: «روينا في «كتاب ابن السني» عن أبي المليح واسمه عامر بن أسامة - عن أبيه رضي الله عنه: أنه صلى ركعتي الفجر، وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى قريباً منه ركعتين خفيفتين، ثم سمعه يقول وهو جالس: «اللَّهُمَّ؛ رَبَّ جِبْرِيلَ وَإِسْرَافِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَمُحَمَّدٍ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَعُوذُ بِكَ مِنَ النَّارِ» ثلاث مرات.

وروينا فيه - أي: في «كتاب ابن السني»- عن أنس رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَنْ قَالَ صَبِيحَةَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيَّ الْقَيُّومَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ، ثَلَاثَ مَرَّاتٍ... غَفَرَ اللَّهُ تَعَالَى ذُنُوبَهُ وَلَوْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ».

۲ - ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعدها:

فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «حفظت من النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح».

وفي هذا الحديث ذكر الركعات العشر الراتبة المؤكدة، وقد أشار إلى ذلك ابن رسلان في بيت واحد من «زبده»؛ فقال «من الرجز»:

ثِنْتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ، وَالظُّهْرِ كَذَا … وَبَعْدَهُ، وَمَغْرِبِ، ثُمَّ الْعِشَا

____________________________________

السنن الأخرى من الرواتب غير المؤكدة:

۱ - وتزاد ركعتان قبل الظهر، وركعتان بعده، فيكون مجموع عدد الركعات القبلية والبعدية للظهر: ثمان ركعات؛ منها أربع مؤكدة، كما مر؛ فعن أم حبيبة رضي الله عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَنْ صَلَّى قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعاً، وَأَرْبَعاً بَعْدَهَا.. حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ عَلَى النَّارِ».

وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أربعاً قبل الظهر، وركعتين قبل الصبح على كل حال».

وعن أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه: أنه كان يصلي أربع ركعات قبل الظهر، فقيل له: إنك تديم هذه الصلاة ؟! فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله، فسألته، فقال: «إِنَّهَا سَاعَةٌ تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ يُرْفَعَ لِي فِيهَا عَمَلٌ صَالِحٌ».

وإذا صلى أربعاً.. فالأفضل: أن يسلم من كل ركعتين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى».

٢ - وأربع قبل العصر؛ لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «رَحِمَ اللهُ امْرَأَ صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعاً».

وعن علي رضي الله عنه: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن».

۳- وركعتان قبل المغرب، قال النووي: «قلت: هما سنة على الصحيح.

ففي «صحيح البخاري «الأمر بهما» يشير إلى ما رواه عبد الله بن مغفل رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ، صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ» ثم قال في الثالثة: «لِمَنْ شَاءَ»؛ كراهية أن يتخذها الناس سنة؛ أي: طريقة لازمة، لأن السنة في اللغة: الطريقة، ومنه الحديث: «مَنْ سَنَّ سُنَّةٌ حَسَنَةٌ.. فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».

وفي رواية لابن حبان: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى قبل المغرب ركعتين»، ولأبي داوود: «صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ»

وفي «الصحيحين»من حديث أنس رضي الله عنه: «أن كبار الصحابة كانوا يبتدرون السواري لهما - أي: للركعتين - إذا أذن المغرب»، وفي رواية مسلم: «حتى إن الرجل الغريب ليدخل المسجد فيحسب الصلاة قد صليت». قال الحافظ في «الفتح »: «ومجموع الأدلة يرشد إلى استحباب تخفيفهما كما في ركعتي الفجر».

٤ - وركعتان قبل العشاء؛ فقد نص على استحبابهما النووي في «المجموع»؛ لخبر: «مَا بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ»، والمراد: الأذان والإقامة ونقل استحباب الركعتين قبل العشاء الماوردي عن البويطي.

ولابن حبان عن ابن الزبير رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ.. إِلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَانِ».

____________________________________

أوقات النوافل الراتبة:

أما الراتبة التي تسبق الفريضة.. فيدخل وقتها بدخول الفريضة، ويبقى جوازها ما بقي وقت الفريضة، ووقت اختيارها: ما قبل الفريضة، وأما الرواتب البعدية؛ أي: التي بعد الفرائض.. فيدخل وقتها بفعل الفريضة، ويخرج بخروج وقتها؛ لأنها تابعة لها.

ويسن فعل السنن الراتبة في السفر أيضاً، سواء قصر أم أتم، لكنها في الحضر آكد.

ولو فات النفل المؤقت - سواء استحبت الجماعة فيه؛ كصلاة العيد، أم لم تستحب؛ كصلاة الضحى، والسنن التابعة للفرائض -.. فإنه يندب قضاؤه؛ ففي الصحيحين»: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا.. فَلْيُصَلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا»، وهذا عام في كل صلاة.

ولأنه صلى الله عليه وسلم قضى ركعتي الفجر لما نام في الوادي عن صلاة الصبح إلى أن طلعت الشمس». وقضى عليه الصلاة والسلام ركعتي سنة الظهر المتأخرة بعد العصر، ولأنها صلاة مؤقتة فتقضى كالفرائض.

____________________________________

الوتر

من السنن المؤكدة: صلاة الوتر؛ فقد واظب عليه الرسول صلوات الله وسلامه عليه، ورغب فيه، وحث أهل القرآن على فعله، وأمرهم به؛ فعن علي رضي الله عنه قال: إن الوتر ليس بحتم كصلاتكم المكتوبة، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم أوتر، ثم قال: «يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ، أَوْتِرُوا؛ فَإِنَّ اللَّهَ وِتْرُ يُحِبُّ الْوِتْرَ».

حتى إن الإمام أبا حنيفة أوجبه، إلا أن ابن المنذر قال: «لا أعلم أحداً وافق أبا حنيفة في هذا»، ويدفع القول بوجوبه حديث علي السابق، وحديث الأعرابي المتفق على صحته: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللَّهُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»؛ فقال الأعرابي: هل علي غيرها؟ قال: «لَا، إِلَّا أَنْ تَطَوَّعَ...»الحديث.

وفي قوله سبحانه: {حَفِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَوَةِ الْوُسْطَى} دليل على عدم وجوبه؛ إذ لو وجب.. لم يكن للصلوات وسطى.

ووقت الوتر: بين صلاة العشاء وطلوع الفجر؛ لما رواه خارجة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللهَ أَمَدَّكُمْ بِصَلَاةٍ هِيَ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ حُمْرِ النَّعَمِ»، قلنا: وما هي يا رسول الله ؟ قال: «الْوِتْرُ؛ مَا بَيْنَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ».

____________________________________

عدد ركعات الوتر:

أقل الوتر: ركعة واحدة؛ لخبر مسلم من حديث ابن عمرو وابن عباس رضي الله عنهم: «الْوِتْرُ رَكْعَةٌ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ». ولأبي داوود من حديث أبي أيوب رضي الله عنه: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ.. فَلْيَفْعَلْ». وفي «صحيح ابن حبان»من حديث ابن عباس رضي الله عنهما: «أنه صلى الله عليه وسلم أوتر بواحدة».

وأدنى الكمال: ثلاث. ويسن أن يقرأ في الأولى بعد «الفاتحة»: «سبح اسم ربك الأعلى»، وفي الثانية: «قل يا أيها الكافرون»، وفي الثالثة: «قل هو الله أحد» والمعوذتين؛ فعن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ في الركعة الأولى بـ «سبح اسم ربك الأعلى»، وفي الثانية بـ «قل يا أيها الكافرون»، وفي الثالثة بـ «قل هو الله أحد» والمعوذتين».

وأكثره: إحدى عشرة؛ للأخبار الصحيحة في ذلك، قال ابن رسلان: «من الرجز»

وَالْوِتْرُ رَكْعَةٌ لِأَحْدَى عَشْرِ … بَيْنَ صَلَاةٍ لِلْعِشَا وَالْفَجْرِ 

فعن عائشة رضي الله عنها: «ما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة». 

وقيل: إن أكثر الوتر ثلاث عشرة ركعة؛ للخبر الصحيح عن أم سلمة رضي الله عنها: «أنه صلى الله عليه وسلم كان يوتر بثلاث عشرة ركعة»، لكن حملوه على أنها حسبت سنة العشاء البعدية، قال النووي: «وهو تأويل ضعيف مباعد للأخبار».

قال السبكي: «وأنا أقطع بحل الإيتار بذلك وصحته، ولكن أحب الاقتصار على إحدى عشرة فأقل؛ لأنه غالب أحواله صلى الله عليه وسلم».

____________________________________

كيفية صلاة الوتر:

يجوز لمن زاد في الوتر على ركعة.. الفصل بين كل ركعتين بالسلام، وهو أفضل؛ لما رواه ابن عمر رضي الله عنهما: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفصل بين الشفع والوتر».

وله أيضاً الوصل بتشهد في الركعة الأخيرة، أو بتشهدين في الأخيرتين، فيكون في هذه الصورة على هيئة المغرب إن اقتصر على الثلاث.

أما دليل الوصل بتشهد في الأخيرة.. فما روته عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يوتر بخمس لا يجلس إلا في آخرهن»، ولفظ أحمد: «كان يوتر بثلاث لا يفصل بينهن»، والحاكم: «لا يقعد إلا في آخرهن».

وأما الوصل بتشهدين في الركعتين الأخيرتين.. فلرواية عائشة رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم أوتر بتسع لا يجلس إلا في الثامنة والتاسعة، وبسبع لا يجلس إلا في السادسة والسابعة».

والوصل بتشهد أفضل منه بتشهدين؛ للنهي عن تشبيه الوتر بالمغرب، فعن أبي هريرة رضي الله عنه: «وَلَا تُشَبِّهُوا الْوِتْرَ بِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ». فلا يجوز الوصل بأكثر من تشهدين، كما لا يجوز فعل أولهما قبل الأخيرتين.

وكل إحرام جمعت فيه الركعة الأخيرة مع ما قبلها.. وصل- وإن فصل فيما قبلها؛ بأن سلم من كل ركعتين مثلاً، وكل إحرام فصل فيه الركعة الأخيرة عما قبلها.. فصل. وعليه: فيتبعض الوتر فصلاً ووصلاً، فلو صلى عشراً بإحرام.. ففصل؛ لفصلهن عن الركعة الأخيرة.

____________________________________

الدعاء بعد السلام من الوتر:

يستحب أن يقول بعد الوتر: «سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدُّو» ثلاث مرات، ويرفع صوته بالثالثة، ثم يقول: «رَبِّ الْمَلَائِكَةِ وَالرُّوحِ»، ويضيف: «اللَّهُمَّ؛ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَأَعُوذُ بِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ، أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ».

ويسن جعل صلاة الوتر آخر صلاة الليل؛ لخبر الشيخين: «أَجْعَلُوا آخِرَ صَلَاتِكُمْ مِنَ اللَّيْلِ وِتْراً».

فإن كان له تهجد.. فليؤخر وتره، ويجعله ختام تهجده، وإلا.. أوتر.. بعد فريضة العشاء وسنتها الراتبة، هذا إن لم يثق بيقظته آخر الليل، وإلا فتأخيره أفضل؛ لخبر مسلم: «مَنْ خَافَ أَلَّا يَقُومَ آخِرَ اللَّيْلِ.. فَلْيُوتِرْ أَوَّلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ آخِرَهُ.. فَلْيُوتِرُ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلَاةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ».

ومن لم يثق بيقظته آخر الليل.. فليوتر بعد صلاة العشاء كما أسلفنا، وعلى هذه الحالة يحمل خبر أبي هريرة رضي الله عنه: «أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام».

فإن أوتر ثم تهجد، أو استيقظ من نومه بعد وتره ولو لم يتهجد.. لم يعد الوتر ثانياً؛ لما ورد من حديث قيس بن طلق، عن أبيه رضي الله عنه مرفوعاً: «لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ».

____________________________________

القنوت في الوتر:

اختار النووي في بعض كتبه استحباب القنوت في الوتر في جميع السنة، وقال: «إنه قوي الدليل»، وحكاه في «الروضة» وجهاً عن أربعة من أئمة الشافعية؛ وهم: أبو عبد الله الزبيري، وأبو الوليد النيسابوري، وأبو الفضل بن عبدان، وأبو منصور بن مهران، واستند هؤلاء إلى ما رواه أحمد وأصحاب السنن وغيرهم -من حديث الحسن بن علي رضي الله عنهما قال: علمني رسول الله صلى الله عليه وسلم كلمات أقولهن في الوتر: «اللَّهُمَّ؛ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعَافِنِي فِيمَنْ عَافَيْتَ، وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْتَ الحديث».

وهو مذهب الحنفية، ورواية عن أحمد.

وذهب الشافعي وغيره: إلى أنه لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان؛ لما روى أبو داوود: «أن أبي بن كعب قنت فيه لما جمع عمر الناس عليه فصلى بهم».

وإن ضم إليه قنوت عمر رضي الله عنه.. فحسن، ولفظه: «اللهم؛ إنا نستعينك ونستغفرك ونستهديك، ونؤمن بك ونتوكل عليك، ونثني عليك الخير كله، نشكرك ولا نكفرك، ونخلع ونترك من يفجرك، اللهم؛ إياك نعبد، ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك، ونخشى عذابك، إن عذابك الجد بالكفار ملحق، اللهم؛ عذب كفرة أهل الكتاب الذين يصدون عن سبيلك، ويكذبون رسلك، ويقاتلون أولياءك، اللهم؛ اغفر للمؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، وأصلح ذات بينهم، وألف بين قلوبهم، واجعل في قلوبهم الإيمان والحكمة، وثبتهم على ملة رسولك، وأوزعهم أن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، وانصرهم على عدوك وعدوهم - إله الحق -واجعلنا منهم».

وتندب الجماعة في الوتر في جميع رمضان سواء أصليت التراويح أم لا، صليت فرادئ أم لا.

تنبيه:

إذا فات وقت أداء الوتر.. فإنه يشرع قضاؤه؛ لما رواه أبو هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ وَلَمْ يُوتِرُ... فَلْيُوتِرُ».

وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ.. فَلْيُصَلِّهِ إِذَا ذَكَرَهُ».

ولو خرج وقت الوتر؛ بأن طلع الفجر الصادق -وهو لم يصله ولا العشاء.. لم يصح قضاء الوتر حتى يقضي العشاء؛ لما سبق أن وقت الوتر إنما يدخل بفعل العشاء، فهو متوقف على فعله في القضاء كالأداء. ولو جمع تقديماً.. صلى الوتر بعد فعل العشاء.

____________________________________

الضحى

ومن السنن: الضحى، وأقلها ركعتان؛ ففي «صحيح مسلم»: «يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ عَنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى».

وقد سبق ذكر وصية الرسول صلى الله عليه وسلم لأبي هريرة رضي الله عنه بالضحى، وأحاديث الضحى مشهورة متواترة.

وأكثر الضحى: ثمان ركعات؛حديث أم هانئ رضي الله عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى سنة الضحى ثماني ركعات، يسلم من كل ركعتين». 

وكما قال ابن رسلان «من الرجز»: ثُمَّ الضُّحَى وَهْيَ ثَمَانٍ أَفْضَلُ

  ووقت فعلها: من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال.

والاختيار: فعلها عند مضي ربع النهار؛ لما ورد: «صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ إِذَا رَمَضَتِ الْفِصَالُ مِنَ الضُّحَى»، ومعنى «رمضت»: احترقت، و«الفصال»- جمع فصيل-: ولد الناقة؛ أي: إذا أحست الفصال بحر الشمس، ولا يكون ذلك إلا عند ارتفاعها.

وهذا آخر ما یسّر الله تعالى جمعه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وصلى الله علی سیدنا محمد وعلى آله و صحبه وسلم